← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9836

موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين

خالد الدريس

Полный текст (478 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ولقد وقفت على بعض النصوص التي تكلم فيها بعض أهل العلم بعدم ثبوت اللقاء أو السماع في أحاديث أخرجها مسلم في صحيحه، مع تتبعي للمواضع التي نص فيها العلائي في كتابه "جامع التحصيل" أن مسلمًا قد أخرج في صحيحه بعض تلك الأسانيد غير المتصلة. وهذه النصوص هي: ١- قال العلائي: (حميد بن هلال أخرج له مسلم قال أبو رفاعة العدوي: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب الحديث. قال علي بن المديني (١) : لم يلق عندي - يعني حميدًا - أبا رفاعة ﵁ (٢) . والحديث أخرجه مسلم في صحيحه من طريق سليمان بن المغيرة حدثنا حميد بن هلال قال: قال أبو رفاعة: (انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب. قال فقلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه. لا يدري ما دينه. قال فأقبل علي رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إلي فأتى بكرسي، حسبت قوائمه حديدًا. قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ . وجعل يعلمني مما علمه الله ثم أتى خطبته فأتم آخرها) (٣) . ولم أجد متابعًا لحميد، وكذلك لم أجد شاهدًا يدل على مشروعية قطع خطبة الجمعة لغرض التعليم كما هو وارد في هذا الحديث، إلا أن النووي قال: (لعله كان سأل عن الإيمان، وقواعده المهمة وقد اتفق العلماء على أن من جاء يسأل عن الإيمان وكيفية الدخول في الإسلام وجب إجابته وتعليمه على الفور ...

стр. 422

ويحتمل أن هذه الخطبة التي كان النبي ﷺ فيها خطبة أمر غير الجمعة ولهذا قطعها بهذا الفصل الطويل) (١) . ٢- قال العلائي: (سليم بن عامر الخبايري. قال أبو حاتم: لم يدرك عمرو بن عنبسة ولا المقداد بن الأسود. قلت: حديثه عن المقداد في صحيح مسلم وكأنه على مذهبه) (٢) . والحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن سليم بن عامر قال حدثني المقداد بن الأسود مرفوعًا (٣) ، فصرح سليم فيه بالسماع من المقداد ﵁. ٣- قال العلائي: (صالح بن أبي مريم أبو الخليل عن أبي موسى الأشعري وأبي سعيد الخدري وهو مرسل قاله في التهذيب. وروايته عن أبي موسى الأشعري وأبي سعيد الخدري وهو مرسل قاله في التهذيب. وروايته عن أبي سعيد في صحيح مسلم على قاعدته) (٤) . والحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي الخليل عن أبي سعيد (٥) ، ولكنه أخرجه متباعة وساق قبله من طريق قتادة عن صالح أبي الخليل عن أبي علقمة الهاشمي عن أبي سعيد الخدري (٦) ، وهذا السند متصل لذكر الواسطة فيه بين أبي الخليل وأبي سعيد الخدري ﵁. ٤- سئل يحيى بن معين: (سمع طاووس من عائشة ﵂ شيئًا؟ قال: لا أراه) (٧) . وكذلك أبو داود قال: (لا أعلمه سمع منها) (٨) .

стр. 423

ولطاووس عن عائشة في صحيح مسلم حديثان الأول منهما أنها قالت: (لم يدع رسول الله ﷺ الركعتين بعد العصر. قال فقالت عائشة قال رسول الله ﷺ : "لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها فتصلوا عند ذلك") (١) . وقد ساق مسلم طرقًا كثيرة للحديث عن عائشة بألفاظ مختلفة تدل على أنه محفوظ عنها (٢) ، ويشهد له حديث أبي عمرو الذي أخرجه مسلم في صحيحه (٣) أيضًا. وأما الحديث الثاني لطاووس عن عائشة في صحيح مسلم فهو أنها ﵂: (أهلت بعمرة فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج فقال لها النبي ﷺ يوم النفر: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك" فأبت فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج) (٤) . وهذا الحديث له شواهد كثيرة، وهو مستفيض عن عائشة، وقد ذكر مسلم ﵀ طرقًا كثيرة له في صحيحه (٥) . فالحديثان اللذان أخرجهما مسلم لطاووس عن عائشة ﵂ لم ينفرد طاووس بروايتهما عن عائشة فله متابعات عدة في كل حديث منها. ٥- قال العلائي في ترجمة عائذ الله بن عبد الله أبي إدريس الخولاني: (وروايته عن أبي ذر في صحيح مسلم وكأن ذلك على قاعدته) (٦) . والحديث أخرجه مسلم عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر عن النبي ﷺ فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ... الحديث) (٧) . ولم يصرح أبو إدريس بالسماع من أبي ذر عند مسلم، إلا

стр. 424

أن مسلمًا ساق للحديث متابعة من طريق أبي أسماء الرحبي عن أبي ذر به. وقد يسر لي المولى الوقوف على إثبات سماع أبي إدريس الخولاني من أبي ذر، وذلك فيما رواه أبوبكر بن أبي خيثمة قال: سمعت يحيى بن معين يقول: (أبو إدري الخولاني قد سمع من أبي ذر) (١) . ٦- قال العلائي في ترجمة عبد الله بن زيد الجرمي أبي قلابة البصري: (روايته عن عائشة في صحيح مسلم وكأنه على قاعدته) (٢) . والحديث أخرجه مسلم متابعة من طريق أيوب عن القاسم وأبي قلابة عن عائشة (٣) ... الحديث. فحديث أبي قلابة عن عائشة عند مسلم مقرونًا بغيره. ٧- ذكر العلائي قول الإمام أحمد بأن عبد الله البهي لم يسمع من عائشة ثم قال: (أخرج مسلم لعبد الله البهي عن عائشة ﵂ حديثًا وكأن ذلك على قاعدته) (٤) . والحديث في صحيح مسلم عن عبد الله البهي عن عائشة قالت: (سأل رجل النبي ﷺ أي الناس خير؟ قال: "القرن الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث") (٥) . والحديث أخرجه مسلم شاهدًا وقد أخرج قبله بمعناه حديث أبي سعيد الخدري، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة، وعمران بن حصين، ﵃ أجمعين (٦) . وقد أثبت البخاري سماع عبد الله البهي من عائشة (٧) .

стр. 425

٨- سئل ابن معين: (عبد الرحمن بن أبي ليلى عن المقداد بن الأسود أسمعه منه؟ قال: لا أدري) (١) . أخرج مسلم في صحيحه من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن المقداد: (أقبلت أنا وصاحبان لي، وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد. فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ﷺ فليس أحد منهم يقبلنا، فأتينا النبي ﷺ فانطلق بنا إلى أهله فإذا ثلاثة أعنز، فقال النبي ﷺ : "احتلبوا هذا اللبن بيننا" ... الحديث) (٢) . وقد تابع طارق بن شهاب عبد الرحمن بن أبي ليلى في هذا الحديث (٣) . وقد يسر المولى الوقوف على تصريح عبد الرحمن بن أبي ليلى بالسماع من المقداد ﵁ وذلك في مسند أبي داود والطيالسي الذي قال: (حدثنا سليمان بن المغيرة قال حدثنا ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال حدثني المقداد بن الأسود ... ) (٤) بمثل حديث مسلم في صحيحه، وقد أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٥) من طريق أبي داود الطيالسي وفيه تصريح عبد الرحمن بن أبي ليلى بالسماع من المقداد ﵁. ٩- قال العلائي في ترجمة عبدة بن أبي لبابة: (أخرج له مسلم عن عمر ﵁، والظاهر أنه مرسل إذا كان لم يدرك ابن عمر وأم سلمة) (٦) . أخرج مسلم ذلك في المتابعة من طريق الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي عن عبده: (أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، وعن قتادة أنه كتب إليه - أي

стр. 426

الأوزاعي - يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه قال: صليت خلف النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يكذرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة، ولا في آخرها) (١) . فهذا الحديث أخرجه مسلم متابعة لما قبله، ولم يقصد إخراج حديث عبدة عن عمر بن الخطاب ﵁، وإنما قصد إخراج كتابة قتادة إلى الأوزاعي بحديث أنس في عدم الجهر بالبسملة في الصلاة، وسبب إخراج مسلم لحديث عبدة عن عمر مع كونه منقطعًا لأن حديث الأوزاعي عن قتادة لم يكتبه مسلم إلا على هذه الصورة. قال النووي مبينًا ذلك: (قال أبو علي الغساني: هكذا وقع عن عبدة أن عمر، وهو مرسل يعني أن عبدة وهو ابن أبي لبابة لم يسمع من عمر. قال: وقوله بعده: عن قتادة يعني الأوزاعي عن قتادة عن أنس هذا هو المقصود من الباب وهو حديث متصل. هذا كلام الغساني. والمقصود أنه عطف قوله: وعن قتادة على قوله: عن عبدة، وإنما فعل مسلم هذا لأنه سمعه هكذا فأداه كما سمعه، ومقصوده الثاني المتصل دون الأول المرسل، ولهذا نظائر كثيرة في صحيح مسلم وغيره، ولا إنكار في هذا كله) (٢) . ١٠- قال العلائي بعد أن ذكر قول الإمام أحمد أن عراك بن مالك لم يسمع من عائشة: (أخرج مسلم لعراك بن مالك عن عائشة حديث "جائتني مسكينة" الحديث، والظاهر أن ذلك على قاعدته المعروفة) (٣) . وحديث عراك عن عائشة أخرجه مسلم متابعة فقد ساق قبله الحديث من طريق الزهري حدثني عبد الله بن أبي بكر أن عروة بن الزبير أخبره أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: (جاءتني امرأة ومعها ابنتان لها، فسألتني فلم تجد عندي شيئًا غير تمرة واحدة فأعطيتها إياها ... الحديث) (٤) . وعراك لم يسمع من عائشة لأنه يدخل بينه وبينها عروة بن الزبير، وهذا لم

стр. 427

يخف على مسلم فقد أخرج في صحيحه في ثلاثة مواضع حديث عراك عن عروة عن عائشة (١) ، ولكنه أخرج حديث عراك السابق عن عائشة للمتابعة فقط. ١١- قال علي بن المديني في ترجمة قيس بن أبي حازم: (وروى عن عقبة بن عامر، فلا أدري سمع منه أم لا؟) (٢) . وقد أخرج مسلم في صحيحه حديث قيس بن أبي حازم عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط؟! قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس" (٣) . وحديث عقبة هذا يروى عنه من طرق كثيرة وبألفاظ متعددة (٤) ، وقال ابن كثير بعد أن ساق عددًا من هذه الطرق: (فهذه طرق عن عقبة كالمتواترة عنه تفيد القطع عند كثير من المحققين في الحديث) (٥) . وقد من علي المولى بأن وجدت تصريح قيس بن أبي حازم بالسماع من عقبة بن عامر، وذلك فيما أخرجه الإمام أحمد في مسنده بقوله: (حدثنا عفان ثنا أبو عوانة عن بيان - بن بشر - عن قيس بن أبي حازم ثنا عقبة بن عامر الجهني ... الحديث) (٦) . مثل حديث مسلم في صحيحه. ١٢- قال العلائي: (وفي صحيح مسلم لابن سيرين عن عمران حديثان آخران بلفظ "عن" جريًا على قاعدته في الاكتفاء باللقاء) (٧) . وهذان الحديثان اللذان أشار إليهما العلائي قد انتقدهما الإمام الدارقطني بقوله: (وأخرج مسلم (٨) أيضًا حديث يزيد بن زريع عن هشام عن محمد بن

стр. 428

سيرين عن عمران بن حصين أن رجلاً أعتق ستة مملوكين الحديث، وقصة القرعة. قال: وهذا لم يسمعه محمد من عمران فيما يقال وإنما أرسله عنه، وإنما سمعه أشعث عن محمد عن خالد الحذاء. وأخرج مسلم (١) أيضًا لابن سيرين عن عمران بن حصين حديثين آخرين أحدهما حديث تفرد به قريش بن أنس عن ابن عون عنه وفيه أن رجلاً عض يد رجل فانتزع يده فسقطت ثنيته الحديث، ولم يذكر فيه سماعه منه. والآخر (٢) "يدخل الجنة سبعون ألفًا" وليس فيه أيضًا سماع محمد من عمران وهو يقول في غير حديث ظننت عن عمران، ولم يخرج البخاري لابن سيرين عن عمران شيئًا) (٣) . وهذه الأحاديث الثلاثة كلها قد أخرجها مسلم في المتابعات. أما الحديث الأول فقد ذكره مسلم بعد أن ساق الحديث من طريقين عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين أن رجلاً أعتق ستة مملوكين عند موته (٤) ... الحديث، ثم ساق سند محمد بن سيرين عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ ولم يذكر متنه وإنما قال: (بمثل حديثه ابن علية وحماد) . قال النووي بعد أن ذكر انتقاد الدارقطني لهذا الحديث: (ولو ثبت عدم سماعه منه لم يقدح ذلك في صحة هذا الحديث ولم يتوجه على الإمام مسلم فيه عتب لأنه إنما ذكره متابعة بعد ذكره الطرق الصحيحة الواضحة وقد سبق لهذا نظائر) (٥) . وأما الحديث الثاني فقد ذكر مسلم قبله حديث زرارة بن أوفى عن عمران بن حصين قال: (قاتل يعلى بن منية أو ابن أمية رجلاً فعض أحدهما

стр. 429

صاحبه فانتزع يده من فمه فنزع ثنيته ... الحديث) (١) ، ثم أخرج حديث محمد بن سيرين عن عمران بن حصين به. قال النووي بعد أن ذكر انتقاد الدارقطني لهذا الحديث: (لو ثبت ضعف هذا الطريق لم يلزم منه ضعف المتن فإنه صحيح بالطرق الباقية التي ذكرها مسلم، وقد سبق مرات أن مسلمًا يذكر في المتابعات من هو دون شرط الصحيح) (٢) . وأما الحديث الثالث فقد ذكره مسلم شاهدًا للأحاديث التي في معناه والتي ذكرها قبله (٣) ، ثم إن مسلمًا قد ذكر له متابعة من رواية الحكم بن الأعوج عن عمران بن حصين، وفي بعض نسخ صحيح مسلم صرح ابن سيرين بالسماع من عمران بن حصين في هذا الحديث (٤) . وقد نص أحد بن حنبل (٥) ، ويحيى بن معين (٦) على أن محمد بن سيرين قد سمع من عمران بن الحصين، وقال النووي: (هو معدود فيمن سمع منه) (٧) ، ورغم ذلك احتاط مسلم ولم يخرج لابن سيرين عن عمران بن حصين إلا في المتابعات والشواهد. ١٣- قال العلائي في ترجمة أبي الزبير المكي محمد بن مسلم بن تدرس: (حديثه عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة في صحيح مسلم) (٨) . وقد تكلم في اتصالها. أخرج مسلم لأبي الزبير المكي عن ابن عمر ثلاثة أحاديث، وقد صرح أبو

стр. 430

الزبير في حديثين منها بالسماع عن ابن عمر (١) ، والحديث الثالث ذكره مسلم متابعة بعد أن أخرج حديث نافع عن ابن عمر مرفوعًا: (الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معي واحد) (٢) . وأما حديث أبي الزبير عن ابن عباس، فلم أجده في صحيح مسلم، ولكن قد أثبت البخاري سماع أبي الزبير من ابن عباس (٣) . وأما حديث أبي الزبير عن عائشة، فلم يخرج مسلم له عن عائشة حديثًا مستقلاً، وإنما وقع في حديثه عن جابر عن عائشة في آخره قال مطر: قال أبو الزبير: (فكانت عائشة إذا حجت صنعت كما مع النبي ﷺ ) (٤) . ومطر صدوق كثير الخطأ (٥) ، والظاهر أن مسلمًا لما ساق حديث مطر عن أبي الزبير عن جابر عن عائشة في صفة عمرتها مع النبي ﷺ إنما فعل ذلك للمتابعة ولذا أورد فيه هذه الزيادة الواردة مع أن في اتصالها نظر لأنه لم يذكره في الأصول وإنما في المتابعات. ١٤- قال الدراقطني: (أبو سلام لم يسمع من حذيفة، ولا من نظرائه الذين نزلوا العراق لأن حذيفة توفي بعد قتل عثمان ﵁ بليال، وقد قال فيه: [قال] حذيفة فهذا يدل على إرساله) (٦) . حديث أبي سلام عن حذيفة أخرجه مسلم في صحيحه متابعة، وقد أخرج قبله الحديث من طريق أبي إدريس الخولاني قال سمعت حذيفة (٧) . قال النووي: (وهو كما قال الدارقطني، لكن المتن صحيح متصل بالطريق

стр. 431

الأول، وإنما أتى مسلم بهذا متابعة كما ترى) (١) . ١٥- قال الدارقطني: (وأخرج مسلم عن إسحاق بن مسلم عن حبان بن هلال عن أبان عن يحيى عن زيد بن سلام عن أبي سلام عن أبي مالك الأشعري عن النبي ﷺ : "الظهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان" (٢) وفيه: الصلاة نور والقرآن حجة. وخالفه معاوية بن سلام رواه عن أخيه زيد عن أبي سلام عن عبد الرحمن بن غنم أن أبا مالك حدثهم بهذا) (٣) . وما قاله الدارقطني هو الصحيح فإن الراجح في السند الذي رواه مسلم أنه مرسل وأن الصواب ذكر عبد الرحمن بن غنم بين أبي سلام وأبي مالك، وقد أكد ذلك أبو الفضل بن عمار الشهيد فقد قال: (بين أبي سلام وبين أبي مالك في إسناد هذا الحديث عبد الرحمن بن غنم الأشعري، رواه معاوية عن أخيه زيد، ومعاوية كان أعلم عندما بحديث أخيه زيد بن سلام من يحيى بن أبي كثير) (٤) . وقال الحافظ ابن رجب: (ويقوي ذلك أنه قد روي عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك من وجه آخر، وحينئذ فتكون رواية مسلم منقطعة) (٥) . فالحديث صحيح ولكن باعتبار السند الثاني المتصل الذي لم يخرجه مسلم، لذا قال النووي: (وكيف كان؛ فالمتن صحيح لا مطعن فيه) (٦) . وقد أخرج مسلم في صحيح أيضًا لأبي سلام ممطور الحبشي حديثين أحدهما عن أبي أمامة ﵁، والثاني عن النعمان بن بشير ﵁، وقد ذكر أبو حاتم الرازي أن حديث ممطور الحبشي أبي سلام عنهما مرسل (٧) ،

стр. 432

ولكن قد صرح أبو سلام بالسماع من أبي أمامة في صحيح مسلم (١) ، وكذلك بالنسبة لروايته عن النعمان بن بشير فقد صرح بالسماع منه عند مسلم (٢) أيضًا. ١٦- قال الذهبي في ترجمة يحيى بن أبي كثير: (روى عن أبي أمامة الباهلي، وذلك في صحيح مسلم ولكنه مرسل) (٣) . وكذلك قال العلائي (٤) . وحديث يحيى بن أبي كثير عن أبي أمامة ﵁ عند مسلم في موضع واحد مقرونًا بشداد بن عبد الله أبي عمار (٥) . وبالنظر إلى بعض ما تقدم يظهر لنا جليًا أن الإمام مسلم قد أخرج في صحيحه أسانيد معنعنة لم يثبت فيها اللقاء بين بعض رواتها، اكتفاء منه بالمعاصرة، ولكن ينبغي التنبه لما يلي: ١- أن ذلك قليل بالنسبة لأحاديث الكتاب ككل. ٢- أن أكثر هذا القليل جاء عند مسلم في المتابعات. ٣- أن كثيرًا من ذلك له شواهد صحيحة عند مسلم في صحيحه، وخارجه. ٤- أمكن بعد البحث الوقوف على ثبوت السماع في بعض من الأحاديث التي أخرجها مسلم بالعنعنة في صحيحه والتي تكلم بعض أهل العلم فيها من حيث عدم ثبوت السماع. لذا من غير الإنصاف إطلاق القول بأن مسلمًا عمل بمذهبه في الحديث المعنعن في صحيحه دون التنبيه على قلة ذلك، وعلى أن أكثر ذلك في المتابعات ونحوها. والله أعلم.

стр. 433

الفصل الخامس هل أخرج مسلم في صحيحه أسانيد تكلم البخاري فيها بعدم ثبوت السماع ؟ من خلال تتبعي لنصوص البخاري ﵀ وجدته قد تكلم في ستة أسانيد من حيث عدم ثبوت السماع فيها، وقد أخرجها الإمام مسلم في صحيحه، وهذه الأسانيد هي: أولاً: يكبر بن عبد الله الأشج عن حمران بن أبان. ثانيًا: زيد بن أسلم عن حمران بن أبان. ثالثًا: سليمان بن بريدة عن أبيه. رابعًا: عبد الله بن معبد عن أبي قتادة. خامسًا: عبيد بن نضلة عن المغيرة بن شعبة. سادسًا: محمد بن المنكدر عن حمران بن أبان. وسأذكر فيما يلي كلام البخاري في هذه الأسانيد، والمواضع التي أخرج مسلم فيها تلك الأسانيد مع مناقشة ذلك - إن شاء الله -. أولاً: ذكر البخاري ﵀ بكير بن عبد الله الأشج فيمن روى عن حمران بن أبان ولم يذكر سماعًا، قال في ترجمة حمران بن أبان: (ومن روى عنه فلم يذكر سماعًا ملم بن كيسان، وابن المنكدر، وزيد بن أسلم، وبكير، والمطلب بن حنطب، وابن أبي المخارق، وعبد الملك بن عبيد، وعثمان بن موهب) (١) . وقد أخرج مسلم من طريق مخرمة بن بكير عن أبيه عن حمران مولى عثمان

стр. 434

قال: (توضأ عثمان بن عفان يومًا وضوءًا حسنًا ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: "من توضأ هكذا ثم خرج إلى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة غفر له ما خلا من ذنبه") (١) . وهذا الحديث محفوظ عن حمران عن عثمان ﵁ (٢) ، وأقرب المتابعات شبهًا بحديث بكير عن حمران ما رواه معاذ بن عبد الرحمن - وهو ممن ثبت سماعه من حمران (٣) - عن حمران بن أبان عن عثمان مرفوعًا: "من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء في مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس أو مع الجماعة أو في المسجد غفر الله له ذنوبه" (٤) . وقد أخرج مسلم حديث معاذ بن عبد الرحمن بعد أن أخرج حديث بكير بن الأشج، فأمن بهذا أن يكون في حديث بكير عن حمران خلل لعدم ثبوت سماعه منه، ولأن مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه (٥) ، فاحتاط مسلم ﵀ لذلك وأتبع حديث بكير عن حمران، بمتابعة قوية. ثانيًا: ذكر البخاري زيد بن أسلم فيمن روى عن حمران بن أبان ولم يذكر سماعًا (٦) . وقد أخرج مسلم من طريق الدراوردي عن زيد بن أسلم عن حمران مولى عثمان قال: (أتيت عثمان بن عفان بوضوء فتوضأ ثم قال: إن ناسًا يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث لا أدري ما هي؟ إلا أني رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل

стр. 435

وضوئي هذا ثم قال: "من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة") (١) . وقد تابع أبو وائل شقيق بن سلمة زيدًا على رواية المقطع الأول من هذا الحديث، فقد أخرج أحمد وابن ماجة وابن حبان من طريق شقيق بن سلمة قال حدثني حمران بن أبان عن عثمان بن عفان مرفوعًا: "من توضأ مثل وضوئي هذا غفر له ما تقدم من ذنبه" (٢) . أما قوله: "وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة" فلم أرها رويت من حديث عثمان بن عفان ﵁، ولكن يشهد لها حديث الصنابحي عن رسول الله ﷺ في تكفير الوضوء للخطايا، وفي آخره: "ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة" (٣) . والحديث في فضائل الأعمال، وشواهده من حيث المعنى كثيرة (٤) . ثالثًا: قال البخاري في ترجمة سليمان بن بريدة: (ولم يذكر سليمان سماعًا من أبيه) (٥) . وقد احتج مسلم في صحيحه بسليمان بن بريدة عن أبيه في عشرة مواضع، وأخرج له في الأصول من أحاديث الأحكام، ولبعض ذلك شواهد في صحيح مسلم نفسه. والأحاديث التي أخرجها مسلم لسليمان عن أبيه هي: الحديث الأول: أن النبي ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد (٦)

стр. 436

ويشهد له من حيث المعنى حديث أنس وسويد بن النعمان وكلاهما في صحيح البخاري (١) . الحديث الثاني: مواقيت الصلاة (٢) . وله شاهد عند مسلم من حيث أبي موسى الأشعري ﵁. الحدث الثالث: في النهي عن نشد الضالة في المسجد (٣) . وله شاهد عند مسلم من حيث أبي هريرة ﵁. الحديث الرابع: في الدعاء لأهل المقابر من المسلمين (٤) . وله شاهد عند مسلم من حديث عائشة ﵂. الحديث الخامس: في نسخ النهي عن زيارة القبور (٥) . ويشهد له حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (٦) . الحديث السادس: في الصوم والحج عن الميت (٧) . وله متابع عن أبيه وهو أخوه عبد الله بن بريدة وذلك عند مسلم. الحديث السابع: حديث رجم ماعز والغامدية (٨) . وله شواهد عند مسلم. الحديث الثامن: وصايا رسول الله ﷺ لأمراء الجيوش والسرايا (٩) . وذكر مسلم في آخر الحديث شاهدًا من حديث النعمان بن مقرن ولكن لم يسق متنه. الحديث التاسع: في عظم إثم من خان المجاهد في أهله (١٠) .

стр. 437

الحديث العاشر: في تحريم اللعب بالنردشير (١) . ومن العجائب أن سليمان بن بريدة الذي أدرك من حياة أبيه ﵁ ثمانيًا وأربعين سنة لم يأت عنه ما يثبت سماعه من أبيه، مما دعى الإمام البخاري أن يقول مقولته السابقة، وكذلك أن يجزم إبراهيم الحربي بأن سليمان لم يسمع من أبيه (٢) . ومن المستبعد جدًا أن لا يكون قد سمع من أبيه، لما يلي: ١- أن سليمان أدرك أباه مدة طويلة من الزمن، ويستبعد جدًا أن يمكث الابن هذا العمر الطويل لا يرى والده ولا يلتقي به ولو مرة واحدة!! ٢- لو كان سليمان لم يسمع من أبيه، مع إدراكه له تلك المدة الطويلة، لاشتهر ذلك عند النقاد، وذكره أئمة الحديث. ٣- لم أجد - بعد البحث - أن سليمان يدخل بينه وبين أبيه واسطة أو عبارة تدل على عدم السماع كمثل "بلغني"، "أو حدثت" ... الخ، ومن المستبعد أن يروي الرجل عن آخر لم يسمع منه عددًا من الأحاديث، ولا يجيء ما يدل على عدم سماعه منه لاسيما مع اختلاف الرواة عنه. ٤- وثق أهل العلم سليمان بن بريدة مع أن معظم روايته عن أبيه (٣) ، فدل هذا على احتجاجهم بروايته عن أبيه. فقد قال ابن عيينة: (حديث سليمان بن بريدة أحب إليهم من حديث عبد الله بن بريدة) (٤) .

стр. 438

وقال وكيع: (يقولون: إن سليمان كان أصحهما حديثًا - يعني ابني بريدة -) (١) . وقال عبد الله بن أحمد: (سألت أبي: أيما أوثق سليمان بن بريدة أو عبد الله؟ قال: سليمان أوثق وأفضل) (٢) . وقال الميموني: (سألته - يعني ابن حنبل - عن ابني بريدة فقال: سليمان أحلى في القلب، وكأنه أصحهما حديثًا) (٣) . وقال الأثرم: (قلت لأبي عبد الله: ابني بريدة سليمان وعبد الله؟ قال: أما سليمان فليس في نفسي منه شيء، وأما عبد الله، ثم سكت، ثم قال: كان وكيع يقول: كانوا لسليمان بن بريدة أحمد منهم لعبد الله بن بريدة: أو شيئًا هذا معناه) (٤) . وسأل عثمان بن سعيد الدارمي ابن معين: (عن سليمان بن بريدة كيف حديثه؟ فقال: ثقة) (٥) . وسئل أبو حاتم الرازي عن سليمان بن بريدة فقال: (ثقة) (٦) ، ووثقه ابن حبان (٧) أيضًا. وقد احتج الأئمة بحديث سليمان بن بريدة عن أبيه، بل أن البخاري نفسه قد قال في حديث سليمان بن بريدة عن أبيه في مواقيت الصلاة قال: (هو حديث حسن) (٨) ،

стр. 439

وهذا الحديث قد أخرجه مسلم في صحيحه (١) . والحسن عند البخاري يفيد القوة فقد حسن أحاديث أخرجها بنفس الإسناد في صحيحه (٢) . وكذلك من وثق سليمان كأحمد ويحيى وأبي حاتم فإن مقتضى توثيقهم له، مع عدم ورود ما يدل على الشك في سماعه من أبيه يدل على صحة حديثه عن أبيه عندهم. وقد صحح حديث سليمان عن أبيه من الأئمة مسلم بن الحجاج، والترمذي (٣) ، وابن خزيمة (٤) ، وابن حبان (٥) ، والحاكم (٦) ، وغيرهم كثير. وفي كلام لابن حبان ما يشعر أن سماع سليمان وعبد الله من أبيهما لا خلاف فيه، فقد احتج بحديث لعبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين ثم قال: (هذا إسناد قد توهم من لم يحكم صناعة الأخبار، ولا تفقه في صحيح الآثار أنه منفصل غير متصل وليس كذلك، لأن عبد الله بن بريدة ولد في السنة الثالثة من خلافة عمر بن الخطاب سنة خمس عشرة هو وسليمان بن بريدة أخوه توأم فلما وقعت فتنة عثمان بالمدينة، خرج بريدة عنها بابنيه، وسكن البصرة، وبها إذ ذاك عمران بن حصين، وسمرة بن جندب، فسمع منهما، ومات عمران سنة اثنتين وخمسين في ولاية معاوية. ثم خرج بريدة منها بابنيه إلى سجستان، فأقام بها غازيًا مدة، ثم خرج منها إلى مرو على طريق هراة فلما دخلها قطنها، ومات سليمان بن بريدة بمرو وهو على القضاء بها سنة خمس ومائة. فهذا بذلك على أن عبد الله بن بريدة سمع عمران بن حصين) (٧) .

стр. 440

وهذا هو الراجح أن حديث سليمان عن أبيه متصل للقرائن السابقة، بل - أظن - أن تلك القرائن أقوى في إثبات الاتصال من مجرد ثبوت اللقاء أو السماع لمرة واحدة كما هو الحد الأدنى عند البخاري في الاحتجاج بالسند المعنعن، وتحسين البخاري لحديث سليمان عن أبيه في المواقيت يدل على أنه لم يهمل القرائن السابقة. رابعًا: قال البخاري في عبد الله بن معبد الزماني: (ولا نعرف سماعه من أبي قتادة) (١) . وقال في موضع آخر: (ورواه عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة عن النبي ﷺ في صوم عاشوراء، ولم يذكر سماعًا من أبي قتادة) (٢) . وقد أخرج مسلم من طريق شعبة عن غيلان بن جرير سمع عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة الأنصاري ﵁: (أن رسول الله ﷺ ، سئل عن صومه؟ فغضب رسول الله ﷺ فقال عمر ﵁: (رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولاً، وببيعتنا بيعة. قال فسئل عن صيام الدهر؟ فقال: "لا صام ولا أفطر (أو ما صام ما أفطر) " قال: فسئل عن صوم يومين وإفطار يوم؟ قال: "ومن يطق ذلك" قال: وسئل عن صوم يوم وإفطار يومين؟ قال: "ليت أن الله قوانا لذلك". قال: وسئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال: "يكفر السنة الماضية والباقية" قال: وسئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: "يكفر السنة الماضية". وفي هذا الحديث من رواية شعبة قال: وسئل عن صوم يوم الاثنين والخميس؟ فسكتنا عن ذكر الخميس لما نراه وهمًا) (٣) . وقد روي حديث أبي قتادة هذا من طريق آخر فيه اضطراب شديد (٤) جعل الدارقطني بعد أن ذكر الاختلاف فيه يقول: (هو مضطرب ولا أحكم فيه

стр. 441

بشيء) (١) ، ومع ذلك فإن هذه الطريق تدور على حرملة بن إياس - وقيل إياس بن حرملة - الذي يرويه عن أبي قتادة، وقد قال البخاري في حرملة هذا: (لا يعرف له سماع من أبي قتادة) (٢) . ولكن حديث عبد الله بن معبد لأكثر فقراته شواهد، كالأمر بصيام ثلاثة أيام من كل شهر (٣) ، والترغيب في صوم يوم الاثنين (٤) ، ويشهد لفضل صوم يوم عرفة حديث سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام يوم عرفة غفر له ذنب سنتين متتابعتين" (٥) . قال المنذري: (رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح) (٦) . وأما ما جاء في حديث عبد الله بن معبد من أن صوم عاشوراء يكفر السنة الماضية، فلم أجد شاهدًا يصلح للاعتبار في ذلك (٧) ، وقد ألمح البخاري لهذا كما تقدم فإنه لما ذكر حديث عبد الله بن معبد خصه بقوله: (في صوم عاشوراء) ولم يقل في صوم عرفة أو نحو ذلك، ولعل البخاري فعل ذلك لأن عبد الله بن معبد قد انفرد عن أبي قتادة بذكر هذا الفضل في صوم عاشوراء مع عدم وجود الشاهد الذي يطمئن أن الحديث له أصل عن رسول الله ﷺ . وقد ذكر العقيلي (٨) ، وابن عدي (٩) ، عبد الله بن معبد في كتابيهما لقول

стр. 442

البخاري فيه أنه لا يعرف له سماع من أبي قتادة. ولكن قال النسائي بعد أن أخرج حديث عبد الله بن معبد عن أبي قتادة: (هذا أجود حديث في هذا الباب عندي) (١) . ويظهر أن مسلمًا ﵀ أخرج هذا الحديث في صحيحه لأن عددًا من أئمة الحديث رووه ولم يستنكروه كشعبة وحماد بن زيد وعبد الرحمن بن مهدي (٢) ، ثم لأن الحديث في فضائل الأعمال. خامسًا: قال البخاري: (لا أدري عبيد بن نضلة سمع من المغيرة بن شعبة أم لا؟) (٣) . أخرج مسلم من طريق منصور عن إبراهيم عن عبيد بن نضيلة الخزاعي عن المغيرة بن شعبة قال: (ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط وهي حبلى فقتلتها قال: وإحداهما لحيانية. قال: فجعل رسول الله ﷺ دية المقتولة على عصبة القاتلة وغرة لما في بطنها، فقال رجل من عصبة القاتلة: أنغرم دية من لا أكل ولا شرب ولا استهل؟ فمثل ذلك يطل. فقال رسول الله ﷺ : "أسجع كسجع الأعراب". قال: وجعل عليهم الدية) (٤) . وأصل حديث المغيرة بن شعبة محفوظ من غير طريق عبيد بن نضلة، فقد أخرج الشيخان عن المسور بن مخرمة قال: (استشار عمر بن الخطاب الناس في ملاص المرأة فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي ﷺ قضى فيه بغرة: عبد أو أمة. قال: فقال عمر: ائتني بمن يشهد معك. قال: فشهد له محمد بن مسلمة) (٥) . ويشهد لحديث المغيرة حديث أبي هريرة الذي أخرجه الشيخان عنه:

стр. 443

(اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى رسول الله ﷺ أن دية جنينها غرة بعد وليدة وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم، فقال حمل بن النابغة الهذلي: يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل؟ فمثل ذلك يطل فقال رسول الله ﷺ : "إنما هذا من إخوان الكهان" من أجل سجعه الذي سجع) (١) . وبهذا يظهر أن مسلمًا لم يعتمد على حديث عبيد عن المغيرة بل أخرج في الباب ما يدل على أن الحديث محفوظ عن رسول الله ﷺ من غير تلك الطريق التي تكلم البخاري فيها. سادسًا: ذكر البخاري محمد بن المنكدر فيمن روى عن حمران بن أبان ولم يذكر سماعًا (٢) . وقد أخرج مسلم حديث محمد بن المنكدر عن حمران عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره" (٣) . وهذا الحديث - يظهر لي - أن مسلمًا أخرجه شاهدًا للحديث الذي قبله في الباب وهو حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: (إذا توضأ العبد المسلم (أو المؤمن) فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء (أو مع آخر قطر الماء) فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء (أو مع آخر قطر الماء) فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء (أو مع آخر قطر الماء) حتى يخرج نقيًا من الذنوب) (٤) .

стр. 444

وقد وجدت عروة بن الزبير - وهو ممن ثبت سماعه من حمران (١) - تابع محمد بن المنكدر عن حمران عن عثمان ﵁ بمعنى الحديث السابق، فقد قال الإمام الشافعي: (أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن حمران أن عثمان توضأ بالمقاعد ثلاثًا ثلاثًا ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من توضأ وضوئي هذا خرجت خطاياه من وجهه ويديه ورجليه") (٢) . وبذلك يظهر أن حديث محمد بن المنكدر عن حمران محفوظ ولاشك، وأن مسلمًا لم يعتمد عليه فقط في الباب بل ذكر حديث أبي هريرة - وهو في معناه - أيضًا. وهذه الأسانيد الستة هي مجموع ما تكلم البخاري فيه من حيث عدم ثبوت السماع من الأسانيد التي أخرجها مسلم في صحيحه، وقد بينت مواطن ذكرها في صحيح مسلم، وأوضحت أن مسلمًا ﵀ قد احتاط ببراعة مدهشة لأحاديث كتابه الصحيح التي اكتفى فيها بالمعاصرة بين المعنعن والمعنعن عنه. فرحم الله الشيخين فلقد أتعبا من بعدهما.

стр. 445

الفصل السادس العلماء الذين أيدوا مسلمًا في هذه المسألة ذهب مسلم ﵀ إلى أن الاكتفاء بالمعاصرة في السند المعنعن هو قول الأئمة قاطبة، قال ﵀: (إن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة) (١) . وقال أيضًا: (وما علمنا أحدًا من أئمة السلف ممن يستعمل الأخبار ويتفقد صحة الأسانيد وسقمها، مثل أيوب السختياني، وابن عون، ومالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ومن بعدهم من أهل الحديث، فتشوا عن موضع السماع في الأسانيد) (٢) . وقد ناقشت ما ورد في كلام الإمام مسلم هذا في مناقشة الدليل الأول من أدلة الإمام مسلم، وذلك في الفصل الثالث من هذا الباب. وقد ذكر بعض العلماء من قال بمذهب مسلم في السند المعنعن من حيث الإجمال:

стр. 446

فقال ابن رشيد: (وقد تبع مسلمًا على مذهبه فرقة من المحدثين، وفرقة من الأصوليين) (١) . وقال ابن القطان الفاسي في رواية مسروق عن معاذ بن جبل ﵁: (يجب على أصولهم أن يحكم لحديثه عن معاذ بحكم حديث المتعاصرين اللذين لم يعلم انتفاء اللقاء بينهما؛ فإن الحكم فيه أن يحكم له بالاتصال عند الجمهور) (٢) . وقال النووي في الحديث المعنعن: (والصحيح الذي عليه العمل وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول أنه متصل بشرط أن لا يكون المعنعن مدلسًا، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضًا) (٣) . وقال ابن رجب الحنبلي: (وكثير من العلماء المتأخرين على ما قاله مسلم ﵀ من أن إمكان اللقي كاف في الاتصال من الثقة غير المدلس) (٤) . هذا بالنسبة للقائلين بمذهب مسلم من حيث الإجمال، أما من حيث التفصيل فهم: ١- الإمام ابن حبان. قال ابن رجب: (وكثير من العلماء المتأخرين على ما قاله مسلم ﵀ من أن إمكان اللقي كاف في الاتصال من الثقة غير المدلس، وهو ظاهر كلام ابن حبان) . وقد تفحصت مقدمة صحيح ابن حبان فلم أجد له نصًا صريحًا في مسألة الحديث المعنعن، وإنما أشار إلى أنه يملي الأخبار في صحيحه (بأشهرها إسنادًا وأوثقها عمادًا، من غير وجود قطع في سندها، ولا ثبوت جرح في ناقليها) (٥) . ومع كونه قد تأخر عن زمن الإمام مسلم، إلا أنه لم يعرض لمسألة الحديث المعنعن ولم يبين موقفه منها، ولا نستطيع الجزم بأن مذهبه في الحديث المعنعن

стр. 447

كمذهب مسلم تمامًا فإن ابن حبان إمام مجتهد له تفردات معروفة، ويحتاج الأمر إلى دراسة صحيحة لمعرفة ذلك على وجه الدقة. ولكن استطيع القول أن موافقة من هذه المسألة أقرب لمذهب مسلم، وذلك لأني رأيته احتج في صحيحه بأحاديث تكلم فيها البخاري من حيث عدم ثبوت السماع، ومن ذلك: أن البخاري قال في ترجمة عبد الله بن معبد الزماني: (لا نعرف سماعه من أبي قتادة) (١) ، وقد صحح ابن حبان حديث ابن معبد عن أبي قتادة (٢) . وقال البخاري أيضًا في ترجمة عبد العزيز بن النعمان: (لا يعرف له سماع من عائشة) (٣) ، وقد صحح ابن حبان لعبد العزيز بن النعمان عن عائشة (٤) . وقال البخاري أيضًا: (لا أدري عبيد بن نضلة سمع من المغيرة بن شعبة أم لا؟) (٥) ، وقد صحح ابن حبان حديث عبيد عن المغيرة (٦) . وقال البخاري أيضًا في ترجمة عثمان بن شبرمة: (لا أدري سمع من عاصم أم لا؟) (٧) ، وقد صحح ابن حبان حديث عثمان عن عاصم بن أبي النجود (٨) . ٢- أبوعبد الله الحاكم. قال العلائي عندما عرض لمذهب من اكتفى بمجرد إمكان اللقاء مع السلامة من التدليس: (وهذا قول مسلم، والحاكم أبي عبد الله) (٩) . ولم أجد لأبي عبد الله الحاكم كلامًا صريحًا حول هذه المسألة في كتابه

стр. 448

"معرفة علوم الحديث" ولكن ذكر في النوع الحادي عشر من علوم الحديث ما يلي: (وهذا النوع من هذه العلوم هو معرفة الأحاديث المعنعنة وليس فيها تدليس، وهي متصلة بإجماع أئمة أهل النقل على تورع روايتها عن أنواع التدليس) (١) . وفي هذا الكلام إطلاق شديد، ومقتضاه أن العنعنة من غير المدلس مقبولة مطلقًا، لذا قال البلقيني معقبًا عن كلام الحاكم: (وهذا ليس فيه تعرض لا للقاء ولا للمعاصرة (٢) . والأخذ بمقتضى إطلاق كلام الحاكم محل نظر ولا ريب، وقد بين في موضع آخر أن معنعنات غي المدلسين فيها ما ليس بمتصل (٣) مما يدل على تقييد كلامه السابق. وقال في تعريف المسند: (والمسند من الحديث أن يرويه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه لسن يحتمله، وكذلك سماع شيخه من شيخه إلى أن يصل الإسناد إلى صحابي مشهور إلى رسول الله ﷺ ) (٤) . وظاهر قوله: (لسن يحتمله) أنه يكتفي بالمعاصرة، ولكن ساق سندًا كمثال على ما قاله وبين أن جميع رواة السند سماعهم ثابت من بعضهم البعض. وقد وقفت على نص للحاكم في كتابه المستدرك يفهم منه أنه يعمل بمذهب مسلم في الحديث المعنعن، فقد أخرج حديثًا لقتادة عن عبد الله بن سرجس. ثم قال: (هذا حديث على شرط الشيخين فقد احتجا بجميع رواته، ولعل متوهمًا يتوهم أن قتادة لم يذكر سماعه من عبد الله بن سرجس، وليس هذا بمستبعد فقد سمع قتادة من جماعة من الصحابة لم يسمع منهم عاصم بن سليمان الأحول، وقد احتج مسلم بحديث عاصم عن عبد الله بن سرجس، وهو من ساكني البصرة) (٥) .

стр. 449

وينبغي أن يلاحظ هنا أن الحاكم يقبل معنعن قتادة فقد قال: (من المدلسين من دلس عن الثقات الذين هم في الثقة مثل المحدث أو فوقه أو دونه إلا أنهم لم يخرجوا من عداد الذين يقبل أخبارهم؛ فمنهم من التابعين: أبوسفيان طلحة بن نافع وقتادة بن دعامة وغيرهما) (١) . ٢- ابن حزم الظاهري. قال: (وإذا علمنا أن الراوي العدل قد أدرك من روى عنه من العدول فهو على اللقاء والسماع، لأن شرط العدل القبول، والقبول يضاد تكذيبه في أن يسند إلى غيره ما لم يسمعه منه، إلا أن يقوم دليل على ذلك من فعله، وسواء قال: "حدثنا" أو "أنبأنا" ولو علمنا أن أحدًا منهم يستجيز التلبيس بذلك كان ساقط العدالة في حكم المدلس) (٢) . وظاهر كلام ابن حزم أنه مؤيد لمذهب مسلم في الحديث المعنعن، ويؤكد ذلك أنه قال في رواية مسروق عن معاذ بن جبل أن مسروقًا لم يلق معاذًا (٣) ، ولكنه تراجع عن ذلك وقال: (ثم استدركنا، فوجدنا حديث مسروق إنما ذكر فيه فعل معاذ باليمن في زكاة البقر، وهو بلاشك قد أدرك معاذًا، وشهد حكمه وعمله المشهور المنتشر، فصار نقله لذلك ولأنه على عهد رسول الله ﷺ : نقلاً عن الكافة عن معاذ بلاشك، فوجب القول به) (٤) . ٤- ابن القطان الفاسي. ظاهر عمله أنه مؤيد لمذهب مسلم فقد انتقد ابن عبد الحق لأنه حكم على حديث مسروق عن معاذ بأنه منقطع، وقال: (ولم أقل بعد أن مسروقًا سمع من معاذ، وإنما أقول أنه يجب على أصولهم أن يحكم لحديثه عن معاذ بحكم حديث المتعاصرين اللذين لم يعلم انتفاء اللقاء بينهما فإن الحكم

стр. 450

فيه أن يحكم له بالاتصال عند الجمهور) (١) . ٥- ابن دقيق العيد. فقد نقل قول الإمام أحمد، وموسى بن هارون في أن عراك بن مالك لم يسمع من عائشة ثم قال: (وقد ذكروا سماع عراك من أبي هريرة ولم ينكروه، وأبوهريرة توفي هو وعائشة في سنة واحدة، فلا يبعد سماعه من عائشة مع كونهما في بلدة واحدة) (٢) . وهذا يفيد أنه يميل إلى مذهب مسلم، وقد حكى - باختصار - في كتابه "الاقتراح" الخلاف في الحديث المعنعن ولكنه لم يرجح بعبارة صريحة (٣) . ٦- شيخ الإسلام ابن تيمية. فقد نقل قول البخاري: "لا يعرف لسلمة سماع عن أبي هريرة ولا ليعقوب سماع من أبيه" ثم رد بقوله: (وهذا غير واجب في العمل، بل العنعنة مع إمكان اللقاء ما لم يعلم أن الراوي يدلس [كافية] (٤)) . ٧- ابن جماعة. رجح مذهب مسلم بقوله في مبحث المعنعن: (والصحيح الذي عليه جماهير العلماء والمحدثين والفقهاء والأصوليين أنه متصل إذا أمكن لقاؤهما مع برائتهما من التدليس) (٥) . ٨- الحافظ المزي. فقد نقل قول الإمام البخاري: "لا يعرف لجابان سماع من عبد الله" ثم علق على ذلك بقوله: (وهذه طريقة سلكها البخاري في مواضع كثيرة، وعلل بها كثيرًا من الأحاديث الصحيحة، وليست هذه علة قادحة، وقد أحسن مسلم وأجاد في الرد على من ذهب هذا المذهب في مقدمة كتابه بما فيه كفاية، وبالله التوفيق) (٦) .

стр. 451

٩- الحسين بن عبد الله الطيبي. رجح مذهب مسلم بمثل عبارة ابن جماعة السابقة وقد أخذها منه (١) . ١٠- ابن التركماني. ذكر قول البيهقي: "علي بن رباح لم يثبت سماعه من ابن مسعود" ثم رد عليه بقوله: (قدمنا أن مسلمًا أنكر في ثبوت الاتصال اشتراط السماع وادعى اتفاق أهل العلم فسماعه عن ابن مسعود ممكن بلاشك لأن ابن مسعود توفي سنة اثنتين وثلاثين وقيل سنة ثلاث وثلاثين) (٢) . فالظاهر من كلامه أنه يؤيد مذهب مسلم. ١١- الحافظ ابن كثير. رجح مذهب مسلم بقوله في مبحث المعنعن: (والصحيح الذي عليه العمل أنه متصل محمول على السماع إذا تعاصروا، مع البراءة من وصمة التدليس) (٣) . ١٢- محمد بن إسماعيل الصنعاني. رجح مذهب مسلم بقوله: (مذهب مسلم لا يخلو من القوة لمن أتصف) (٤) . وقد قال ذلك بعد أن أورد بعض انتقاداته على مذهب البخاري. ١٣- شبير أحمد العثماني الديوبندي: رجح مذهب مسلم - بعد أن عرض للخلاف في المسألة - بقوله: (فما اعترض به مسلم بن الحجاج على البخاري - رحمهما الله - في اشتراط اللقاء والسماع لقبول المعنعن، وعدم اكتفائه بالمعاصرة مع إمكان اللقاء والسماع قوي عندي) (٥) . ١٤- الشيخ أحمد شاكر. رجح مذهب مسلم بقوله: (إذا قال الراوي: "عن فلان" أو"أن فلانًا قال كذا" فإن كان يروي ذلك عن شخص لم يعاصره، أو عاصره وثبت أنه لم يلاقه أصلاً. جزمنا بأن روايته منقطعة. وإن كان معاصرًا له ولم نعلم إن كان لقيه أو لا، أو علمنا أنه لقيه ولكن كان الراوي مدلسًا: توقفنا في روايته،

стр. 452

ولم نحكم لها باتصال، إلا إن ثبت أنه لقي من روى عنه وحدثه به. وإن كان الراوي غير مدلس، فالصحيح الراجح أنه يحكم لروايته بالاتصال وإن لم نعلم أنه لقي من روى عنه، فلعله لقيه ولم ينقل إلينان وهذا هو الذي انتصر له مسلم بن الحجاج في صحيحه، ورد على من خالفه أشد رد وأقواه) (١) . ١٥- الشيخ عبد الرحمن المعلمي. رجح مذهب مسلم بقوله: (فالمختار ما قاله مسلم ﵀ أن ثبوت اللقاء ليس بشرط [في] الصحة) (٢) . ١٦- الشيخ محمد ناصر الدين الألباني. فقد نقل قول البخاري: "لا أدري أسمع ممد بن عبد الله بن حسن من أبي الزناد أم لا؟ " ثم رد عليه بقوله: (هذه ليست بعلة إلا عند البخاري بناء على أصله المعروف وهو اشتراط معرفة اللقاء، وليس ذلك بشرط عند جمهور المحدثين، بل يكفي عندهم بمجرد إمكان اللقاء مع أمن التدليس كما هو مذكور في "المصطلح"، وشرحه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه، وهذا متوفر هنا فإن محمد بن عبد الله لم يعرف بتدليس ثم هو قد عاصر أبا الزناد وأدركه زمانًا طويلاً، فإنه مات سنة ١٤٥هـ وله من العمر ٥٣، وشيخه أبوالزناد مات سنة ١٣٠هـ، فالحديث صحيح لا ريب فيه) (٣) . ١٧- الشيخ عبد الفتاح أبوغدة. ظاهر صنيعه في رسالته (٤) أنه يؤيد مذهب مسلم، ولم أر له عبارة صريحة في ذلك، إلا أنه رد على من قال بأن العلم باللقاء شرط في أصل الصحة عند البخاري ما يفهم منه أنه يؤيد مذهب مسلم، فقد قال: (يلزم منه أن يكون ما رواه مسلم في "صحيحه" من الأحاديث المعنعنة التي هي على شرطه في العنعنة: من قسم الحديث الضعيف في حكم البخاري، وفي حكم من مشى على قوله بعده، وهذا غير مقبول، لأنه يناقض كل المناقضة ما قرره

стр. 453

العلماء من مر الزمن من أن كتاب مسلم "صحيح" مع معرفته بشرطه في العنعنة. فكيف يوفق القائل بمذهب البخاري في الحديث المعنعن بين اختياره مذهب البخاري، وقوله في كتاب مسلم: "صحيح"، وفيه الحديث المعنعن الذي هو في حكم البخاري لا يتصف بأصل الصحة؟! فتأمل وتدبر) (١) . فهذا ما تيسر لي الوقوف عليه من أسماء المؤيدين لمذهب مسلم في الحديث المعنعن، من علماء الحديث أو ممن صنف في المصطلح، وإحصاء الأسماء متعذر، واحتمال زيادة أسماء أخرى في القائمة احتمال قائم، ولابد من التنبيه على أن جل المشتغلين بالحديث في هذا العصر - ممن لهم تصانيف متداولة - على مذهب مسلم.

стр. 454

الفصل السابع المأخذ على الإمام مسلم وقع الإمام مسلم ﵀ في أثناء كلامه على مسألة الحديث المعنعن في بعض الأمور التي أخذت عليه، وهي ثلاث مؤاخذات: الأولى: أنه كان شديدًا في ألفاظه وعباراته تجاه مخالفه. قال ابن الصلاح: (وأخذ مسلم في رد هذا على قائله وفي الطعن عليه، حتى أفرط وادعى أنه: قول ساقط مخترع، مستحدث، لم يسبق صاحبه إليه) (١) (٢) . وقال أيضًا: (وما أتى به مسلم من الإفراط في الطعن على مخالفه يليق بمن يخالف في مطلق العنعنة) . وقال ابن رشيد: (وأنكر قول من خالفه إنكارًا شديدًا بألفاظ مخشوشنة، ومعان مستوبلة) (٣) (٤) . وقال أبوغدة: (لقد بالغ الإمام - رحمه الله تعالى -، في الرد على مخالفه تجهيلاً وتقريعًا، وتهجينًا وتوبيخًا، فوصفه بأنه من منتحلي الحديث من أهل عصره، وبسوء الروية، وبأن قوله قول مخترع مستحدث مطرح من الأقوال الساقطة، وبأنه أقل من أن يعرج عليه ويثار ذكره، وينبغي أن يضرب عن حكايته صفحًا لفساده، ولإمانته وإخمال ذكر قائله، إذ الإعراض عنه أجدر أن لا يكون ذلك تنبيهًا للجهال عليه ... إلى آخر ما قاله وأطال به وأسهب) (٥) (٦) . وقد اعتذر الأستاذ أبوغدة عن الإمام مسلم باعتذار جميل، فقال: (والحقيقة العلمية إذا تشبعت بها نفس العالم واقتنع بها، وخولف فيها، كثيرًا ما

стр. 455

تدفعه إلى الشدة في الدفاع عنها، فالظاهر أن شدة مسلم ناشئة من هذا الباب) (١) (٢) . الثانية: أنه أقام رده على مخالفه باستخدام أسلوب الإلزام، فألزمه برد كل الأسانيد المعنعنة، وألزمه أيضًا بتضعيف أحاديث صححها أهل العلم ولا يثبت فيها اللقاء، وهذه الإلزامات غير ملزمة للمخالف. وهذا الأسلوب كثيرًا ما يكون غير مفحم للخصم، وبرهان ذلك أن العلماء الذين ناقشوا مسلمًا أوضحوا أن ما ذكره مسلم غير ملزم للبخاري أو لمن مشى على قوله، وقد ذكرت ذلك أثناء مناقشة أدلة ملم فيما سبق. وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى ما ذكرته عندما قال ردًا على مسلم: (وإنما كان يتم له النقض والإلزام لو رأى في صحيح البخاري حديثًا معنعنًا لم يثبت لقي راويه لشيخه فيه، فكان ذلك واردًا عليه، وإلا فتعليل البخاري لشرطه المذكور متجه) (٣) (٤) . فالمسلك الذي سلكه مسلم غير دقيق، وكان الأولى أن يبين الأخطاء التطبيقية لمخالفه، لأن كثيرًا من الإلزامات - عند التحقيق - لا تكون ملزمة لمن وجهت إليه لذا قال العلماء: لازم المذهب ليس من المذهب، أو لازم القول ليس من القول. الثالثة: وقع مسلم في بعض الأخطاء المؤثرة كنفيه القاطع أن يكون أحد من علماء الحديث المتقدمين فتش عن مواضع السماع في الأسانيد، وقد سقت نصوصًا كثيرة (٥) (٦) تبين أن مسلمًا ﵀ لم يصب في نفيه ذلك. كذلك ساق ﵀ عدة أسانيد وذكر أن اللقاء فيها غير معلوم بين التابعي والصحابي وهي صحيحة عند أهل العلم، وقد ذكر عدد من العلماء أن اللقاء ثابت في بعض تلك الأسانيد، بل إن أحدها قد ثبت فيه السماع عند مسلم

стр. 456

في صحيحه!! وهو حديث النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد الخدري (١) (٢) . وقد قال ابن رشيد: (وأما أحاديث النعمان عن أبي سعيد فقد خرجها البخاري، وخرجتها أنت أيها الإمام في مواضع من كتابك منصوصًا فيها على السماع فأثبت في آخر كتابك ما نفيت في أدلة، وأقررت بما أنكرت، وشهدت من نفسك على نفسك، فما ذنبهم إن حفظوا ونسيت) (٣) (٤) . وقال الحافظ ابن حجر: (وأعجب من ذلك أنا وجدنا بطلان بعض ما نفاه في نفس صحيحه) (٥) (٦) . وقد ذكرت في مناقشة أدلة الإمام مسلم تلك الأخطاء على جهة التفصيل فلا حاجة لإعادتها هنا. والإمام مسلم من كبار مجتهدي الأمة الذين لا يغض من مكانتهم وجود بعض الأخطاء فيما قالوه أو اختاروه من آراء في مسائل الخلاف، ويكفي الإمام مسلم فخرًا أن اسمه يذكر على المنابر في بلاد الإسلام من مئات السنين لكونه أحد الأئمة الكبار الذين يتعبد المسلمون ربهم بتصحيحه لأحاديث نبيهم ﷺ ، وحتى غدا قول القائل هذا الحديث في صحيح مسلم علامة على الصحة، ومن بلغ هذه المنزلة العظمى في الدين لم يحتج إلى من يدافع عنه. والأمر كما قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس: "كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر" يشير إلى قبر الحبيب ﷺ .

стр. 457

الباب الرابع الموازنة بين الرأيين والترجيح

стр. 458

الفصل الأول مواطن الاتفاق والاختلاف بين الرأيين أ - مواطن الاتفاق: يظهر لنا مما تقدم في البابين الماضيين أن الإمامين البخار ومسلمًا يتفقان في مسألة السند المعنعن على ما يلي: ١- إن صيغة الأداء "عن" لا تفيد الاتصال إلا بشروط؛ فالبخاري يشترط العلم باللقاء بين المعنعن والمعنعن عنه، ومسلم يشترط العلم بالمعاصرة مع أمور أخرى. ٢- إذا ثبت أن المعنعن قد لقي المعنعن عنه فإن البخاري ومسلمًا يحتجان بذلك السند المعنعن إذا سلم من الموانع. ٣- إن الثقة غير المدلس إذا روى حديثًا بالعنعنة عن شيخ قد عاصره ولقياه له محتملة جدًا لقوة القرائن، ولعدم ما يدل على الانقطاع؛ فإن مسلمًا يحتج بذلك الحديث. كما أنني وجدت البخاري احتج ببعض الأحاديث التي هي على هذا النحو. ٤- إذا روى المعاصر المدلس الذي لم يثبت لقيه لمن روى عنه بالعنعنة، فلا يقبل ذلك بالاتفاق عند الشيخين. ٥- إذا روى الثقة المعاصر عن آخر بالعنعنة، ولا يدري هل لقي من روى عنه أم لا؟، ثم جاء من طريق آخر إدخال واسطة بينهما، أو ورد عن الراوي الأول صيغة أداء تدل على الانقطاع، أو جاء عن أحد الأئمة المطلعين نص يدل على عدم السماع؛ فلا يحتج الشيخان بذلك ولا يقبلانه لضعفه عندهما. ب - مواطن الاختلاف: يختلف الإمامان فيما يلي: ١- يشترط الإمام البخاري لاتصال السند المعنعن العلم باللقاء ولو لمرة

стр. 459

واحدة فقط، وأما الإمام مسلم فيخالف في ذلك ويرى أن العلم بالمعاصرة من الراوي الثقة غير المدلس مع عدم وجود ما يدل على الانقطاع يكفي لاتصال السند المعنعن. ٢- يحتج الإمام مسلم بالسند المعنعن إذا كان اللقاء فيه ممكنًا بين المعنعن والمعنعن عنه بالإضافة إلى أمور أخرى، وأما الإمام البخاري فقد احتج بأحاديث لم يثبت اللقاء فيها بين المعنعن والمعنعن عنه ولكن احتمال اللقاء يكون قويًا وظاهرًا - كما بينت ذلك في الفصل الثالث من الباب الثاني -. فالإمام مسلم يرى أن اللقاء مادام ممكنًا ومحتملاً وليس هناك ما يدفعه فهو يكفي لاتصال السند المعنعن إذا توفرت فيه الأمور الأخرى التي نص عليها ﵀. وأما الإمام البخاري فالأصل عنده أن السند المعنعن لا يحتج به إلا إذا علم اللقاء، ولكن إذا لم يثبت اللقاء في السند المعنعن وكان احتمال اللقاء قويًا مع السلامة من موانع الاحتجاج الأخرى فإن البخاري يحتج بذلك لاسيما إذا كان الحديث له شواهد، أو في أمر من الأمور التي لا يتشدد فيها أهل الحديث كأحاديث فضائل الأعمال والمغازي ونحوهما، كل ذلك بحسب قوة القرينة عنده ﵀. فاختلاف الشيخين حول السند المعنعن الذي يكون اللقاء فيه ممكنًا وغير مستبعد، ولكن ليس في هذا السند قرائن تقوي احتمال اللقاء وإنما الأمر على الإمكان فقط فالإمام مسلم يحتج بذلك، وأما البخاري فلا. وبهذا يظهر أن هوة الخلاف بين رأيي الشيخين - رحمهما الله - ضيقة، وأن نقاط الاتفاق بينهما أكثر من نقاط الخلاف.

стр. 460

الفصل الثاني الترجيح وأسبابه من أصعب الأمور على النفس أن تختار بين أمرين كلاهما حسن. كما هو الحال في ترجيح رأي أحد الإمامين في هذه المسألة، ولكن لابد مما لابد منه، وكلا الرأيين قد قال بهما أئمة كبار، فقد نصر جمع من الأئمة والعلماء رأي الإمام البخاري، كما نصر جمع من الأئمة والعلماء رأي الإمام مسلم، فلا جناح على باحث عن الحق إن رجح أحد الرأيين لأسباب يراها صالحة لترجيح إحدى كفتي الميزان. ولا يصح ظن البعض أن ترجيح رأي يستلزم القدح والتنقص من الرأي الآخر. وذلك لأن الترجيح هنا في واقع الأمر بين جيد وأجود، وقوي وأقوى، وليس بين رأي قوي وآخر ضعيف، أو رأي جيد وآخر ساقط. ولا يؤثر في مكانة الإمامين البخاري ومسلم - رحمهما الله - قدح قادح لأن اسميهما قد حفرا في ذاكرة التاريخ، وسكنت محبتهما قلب كل مسلم متتبع لصحيح السنة النبوية، فمن تنقص أحدهما فقد آذى نفسه، ومن قدح في أحدهما كان حقًا على أهله أن يداووه. فكلاهما في مكانة رفيعة وعالية، غير أنهما ليسا بمعصومين من الخطأ. كما قال الإمام مالك: "كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر ﷺ ". وينبني الترجيح على تحديد الإجابة عن سؤالين مهمين: الأول: ما هي مواطن القوة في الرأيين؟ الثاني: هل كل حديث لا يثبت اللقاء في سنده يترك الاحتجاج به عند من يرجح اشتراط اللقاء؟ الإجابة عن السؤال الأول: أ - مواطن القوة في رأي البخاري: ١- إن أدلته أقوى من أدلة مسلم كما ظهر في مناقشة أدلة مسلم -
следующие страницы →