بوجود رواية أخرى عن ثقة صح سماعه عن ذلك الصحابي يروي نفس المتن أو قريب منه.
وإنما كان يتم للإمام مسلم ﵀ الاستدلال على ما ذكره لو جاء بأحاديث لا يعلم فيها اللقاء ولا السماع، ولا تروى إلا بذلك السند، وقد صححها أهل العلم. أما وقد وجد في الأسانيد التي استشهد بها أنها مروية بطرق أخرى صحيحة عن نفس الصحابة فإن هذا مما يجعل المخالف له يقول: إنما قبل العلماء تلك الأحاديث لأنها ثابتة عن الصحابة المذكورين من جهات أخرى، فهم لم يصححوها لذاتها وإنما لأن التابعين صح سماعهم تابعوا أولئك الذين لم يثبت سماعهم، وللمخالف أن يقول أيضًا: هب أننا قبلنا الأسانيد التي استشهدت بها - رحمك الله - لأنها ثابتة عندنا من طرق أخرى، فهل نكون بذلك خالفنا شرطنا في الحديث المعنعن؟! أو هب أننا حكمنا عليها بالانقطاع ورددناها مع احتجاجنا بالطرق الصحيحة لتلك الأحاديث فهل نكون بذلك قد رددنا أحاديث احتج بها أهل العلم؟!
ثالثًا: أسانيد لمتونها شواهد:
ومن الأسانيد التي استشهد بها مسلم على أن أهل العلم صححوها، وليس يثبت فيها السماع أو اللقاء بين رواتها من التابعين والصحابة، أسانيد لم أجد فيها - بعد البحث - السماع ولا وجدت متابعة عن نفس الصحابي راوي الحديث، وإنما لمتون تلك الأسانيد شواهد.
١- ومن ذلك ما قاله مسلم في أبي رافع الصائغ فقد قال: (وهذا أبوعثمان النهدي وأبورافع الصائغ وهما ممن أدرك
стр. 387
الجاهلية وصحبا أصحاب رسول الله ﷺ من البدريين هلم جرا ونقلا عنهم الأخبار حتى نزلا إلى مثل أبي هريرة وابن عمر وذويهما قد أسند كل واحد منهما عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ حديثًا، ولم نسمع في رواية بعينها أنهما عاينا أبيًا أو سمعا منه شيئًا) (١) .
أبوعثمان النهدي ثبت سماعه من أبي كما تقدم، أما أبورافع الصائغ واسمه نفيع فحديثه عن أبي بن كعب لم يخرجه مسلم في "صحيحه"، وإنما أخرجه أحمد
стр. 388
في مسنده من طريق حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أبي رافع عن أبي بن كعب: (أن رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فسافر سنة فلم يعتكف، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين يومًا) (١) .
ويشهد لهذا الحديث ما أخرجه البخاري في "صحيحه" (٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يومًا) .
ويشهد له أيضًا حديث أنس بن مالك الذي قال فيه: (كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فسافر عامًا، فلم يعتكف، فاعتكف في العام المقبل عشرين ليلة) (٣) رواه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان جميعهم من طريق محمد بن إبراهيم بن أبي عدي أنبأنا حميد الطويل عن أنس به. وهذا سند صحيح صححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان.
وقد قال الشيخ المعلمي معللاً عدم إخراج مسلم لحديث أبي رافع في "صحيحه": (لم يخرجه مسلم ﵀ في الصحيح، وذلك يدل على توقف له فيه لأنه ليس هناك طريق أخرى صحيحة يوردها ويجعل هذه متابعة لها، والحديث في حكم وسنة، وقد أنصف بذلك) (٤) .
٢، ٣- ومن ذلك قول مسلم: (وأسند أبوعمرو الشيباني وهو ممن أدرك الجاهلية وكان في زمن النبي ﷺ رجلاً، وأبومعمر عبد الله بن سخبرة كل واحد منهما عن أبي مسعود الأنصاري عن النبي ﷺ خبرين) (٥) .
الحديث الأول الذي أسنده أبوعمر الشيباني - واسمه سعد بن إياس - عن أبي مسعود الأنصاري أخرجه مسلم عن أبي مسعود قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن أبدع بي فاحملني فقال: "ما عندي" فقال رجل: يا رسول الله أنا أدله على من يحمله فقال رسول الله ﷺ : "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" (٦) .
وله شواهد عدة من أقواها حديث أنس بن مالك قال: (أتى النبي ﷺ رجل يستحمله، فلم يجد عنده ما يتحمله، فدله على آخر فحمله، فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال: "إن الدال على الخير كفاعله") .
وهذا الحديث يرويه عن أنس اثنان هما شبيب بن بشر (٧) ، قال الحافظ ابن حجر فيه: (صدوق يخطيء) (٨) .
وزياد بن عبد الله النميري (٩) ، قال الحافظ فيه
стр. 389
(ضعيف) (١) ، فالحديث بذلك حسن، وقد قواه الضياء المقدسي بإخراجه له في "المختارة"، والشيخ الألباني في "الصحيحة" (٢) .
وقد قال الشيخ المعلمي عن حديثي أبي عمرو الشيباني: (كلها في فضائل الأعمال، وشواهد الأول من السنن الثابتة معروفة كقوله ﷺ : "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها"، وقوله: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه") (٣) .
والحديث الثاني الذي أسنده أبوعمرو الشيباني عن أبي مسعود الأنصاري أخرجه مسلم عن أبي مسعود قال: (جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله. فقال رسول الله ﷺ : "لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة
كلها مخطومة") (٤) .
ومضاعفة الثواب لمن أنفق في سبيل الله جاء في قوله تعالى: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ (٥) .
ويشهد لحديث أبي مسعود من حيث المعنى حديث خريم بن فاتك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت له بسبع مائة ضعف) (٦) وهو مروي من طريق الركين بن الربيع بن عميلة عن أبيه عن يسير بن
стр. 390
عميلة عن خريم به، وقد قال الإمام الدارقطني عن هذا السند في كتابه "الإلزامات": (كلهم ثقات) (١) .
قال الشيخ المعلمي عن حديث أبي عمرو الشيباني السابق: (ودليل الثاني قوله تعالى: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ (٢) .
أما الحديث الأول لأبي معمر عبد الله بن سخبرة عن أبي مسعود الأنصاري فأخرجه مسلم من طريق الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي معمر عن أبي مسعود قال: (كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم وليليني منكم ألوا الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" قال أبومسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافًا) (٣) .
ويشهد له ما أخرجه مسلم من حديث سماك بن حرب قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: (كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح حتى رأى أنا قد عقلنا عنه ثم خرج يومًا فقام حتى كاد يكبر فرأى رجلاً باديًا
стр. 391
صدره من الصف فقال: "عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم") (١) .
ويشهد له أيضًا حديث ابن مسعود الذي أخرجه مسلم من طريق إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم (ثلاثًا) وإياكم وهيشات الأسواق) (٢) . وفي سنن الترمذي وصحيح ابن خزيمة زيادة: (ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم) .
وقال الشيخ المعلمي: (أما الحديث الأول فأخرج معه مسلم عدة أحاديث صحيحة تؤدي معناه فهو في حكم المتابعة، وأقرب تلك الشواهد من لفظه حديث النعمان بن بشير فهو إذًا في معنى المتابعة) (٣) .
وأقرب الشواهد - في نظري - حديث ابن مسعود برواية الترمذي وابن خزيمة.
وأما الحديث الثاني لأبي معمر عن أبي مسعود فلم يخرجه مسلم ولكنه على شرطه لأن العلماء الذين أخرجوه في كتبهم ساقوه من طريق الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي معمر عن أبي مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ("لا تجزيء صلاة لا يقيم فيها الرجل صلبه في الركوع والسجود") (٤) .
стр. 392
ويشهد له من حيث المعنى حديث أبي هريرة المتفق عليه في المسيء صلاته وفيه قول النبي ﷺ للمسيء صلاته: ("ارجع فصل، إنك لم تصل" (ثلاثًا) فقال: والذي بعثك بالحق فما أحسن غيره فعلمني قال: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) (١) .
ويشهد له أيضًا ما أخرجه البخاري بإسناده عن زيد بن وهب قال: (رأى حذيفة رجلاً لا يتم الركوع والسجود فقال: ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدًا ﷺ ) (٢) . وفي لفظ آخر عند البخاري أيضًا: (ولو مت مت على غير سنة محمد ﷺ ) (٣) . وهذا له حكم المرفوع، قال ابن حجر: (وهو مصير من البخاري إلى أن الصحابي إذا قال: سنة محمد أو فطرته كان حديثًا مرفوعًا) (٤) .
ومن الشواهد لحديث أبي معمر الثاني، ما أخرجه الإمام أحمد في المسند من طريق ملازم بن عمرو ثنا عبد الله بن بدر أن عبد الرحمن بن علي حدثه أن أباه علي بن شيبان حدثه أنه خرج وافدًا إلى رسول الله ﷺ قال: (فصلينا خلف النبي ﷺ فلمح بمؤخر عينيه إلى رجل لا يقيم صلبه في الركوع والسجود فلما انصرف رسول الله ﷺ قال: "يا معشر المسلمين إنه لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في
стр. 393
الركوع والسجود) (١) . وصححه ابن خزيمة وابن حبان والبوصيري (٢) .
وقد قال الشيخ المعلمي عن حديث أبي معمر السابق: (وأما الحديث الثاني فلم يخرجه مسلم ولعل ذلك لأنه حكم مختلف فيه، ولم يجد له شاهدًا صريحًا صحيحًا، ومن شواهده حديث المسيء صلاته، لكن لم يقع في روايتهما أن الرجل إنما قصر لأنه لم يقم صلبه في الركوع والسجود، وإن وقع معنى ذلك في رواية لغيرهما كما في "الفتح"، ومن شواهده قول زيد بن وهب: رأى حذيفة رجلاً لا يتم الركوع والسجود فقال: ما صليت، ولم مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدًا ﷺ أخرجه [البخاري] ولكن في الحكم له بالرفع خلاف) (٣) .
والذي أراه أن حديث علي بن شيبان ﵁ شاهد صريح صحيح لحديث أبي معمر، ولا أعلم على وجه اليقين لماذا لم يخرج مسلم حديث أبي مسعود السابق.
وقول المعلمي: (لم يقع في روايتهما ... ) يعني بصريح العبارة، وإلا فإن معنى الحديث واضح لأن رسول الله ﷺ أمر المسيء صلاته بالإعادة ثم بين له وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود فدل ذلك على أن من لم يتم ركوعه وسجوده وصلاته غير مجزئة وعليه الإعادة، وهذا ما فهمه الإمام البخاري فقد ترجم للباب الذي ذكر فيه حديث أبي هريرة في المسيء صلاته بقوله: (باب أمر النبي ﷺ الذي لا يتم ركوعه بالإعادة) .
وأما قول المعلمي: (ولكن في الحكم له بالرفع خلاف) فهذا صحيح ولكن صنيع الإمام البخاري يدل على أنه يرى أن الحديث في حكم المرفوع فقد ساقه بإسناده في صلب كتابه "الصحيح" في موضعين، وعادته أن لا يذكر في صلب
стр. 394
صحيحه إلا الأحاديث المرفوعة، لذا سمى كتابه "الجامع الصحيح المسند المختصر من حديث رسول الله ﷺ ". وما فعله البخاري هو الراجح.
٤- ومن ذلك أيضًا قول مسلم: (وأسند عبيد بن عمير عن أم سلمة زوج النبي ﷺ عن النبي ﷺ حديثًا، وعبيد بن عمير ولد في زمن النبي ﷺ ) (١) .
وقد أخرج مسلم حديث عبيد بن عمير قال: قالت أم سلمة: (لما مات أبو سلمة قلت: غريب وفي أرض غربة، لأبكينه بكاء يتحدث عنه، فكنت قد تهيأت للبكاء عليه، إذ أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تسعدني، فاستقبلها رسول الله ﷺ وقال: "أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتًا أخرجه الله منه؟ " مرتين، فكففت عن البكاء فلم أيك) (٢) .
ومضمون الحديث النهي عن البكاء الذي يصاحبه نوح على الميت، وهذا المعنى له شواهد صحيحة كثيرة من ذلك ما أخرجه البخاري في "باب ما ينهى من النوح والبكاء، والزجر عن ذلك" عن عائشة ﵂ أنها قالت: (لما جاء قتل زيد بن حارثة وجعفر وعبد الله بن رواحة جلس النبي ﷺ يعرف فيه الحزن - وأنا أطلع من شق الباب - فأتاه رجل فقال: يا رسول الله إن نساء جعفر - وذكر بكاءهن - فأمره بأن ينهاهن، فذهب الرجل، ثم أتى فقال: قد نهيتهن، وذكر أنهن لم يطعنه، فأمره الثانية أن ينهاهن، فذهب ثم أتى فقال: والله لقد غلبنني فزعمت أن النبي ﷺ قال: فاحث في أفواههن التراب) (٣) .
стр. 395
وذكر في الباب نفسه عن أم عطية ﵂ قالت: (أخذ علينا النبي ﷺ عند البيعة ألا ننوح ... ) (١) .
وأخرج البخاري عن ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ : (ليس منا من ضرب الخدود، وشق الحبوب، ودعا بدعوى الجاهلية) (٢) . ودعوى الجاهلية أي النياحة (٣) .
وفي صحيح البخاري أيضًا عن أبي موسى الأشعري: (أن رسول الله ﷺ بريء من الصالقة والحالقة والشاقة) (٤) . والصالقة: التي ترفع صوتها بالبكاء (٥) .
والشواهد من الأحاديث الصحيحة في النهي عن النياحة كثيرة جدًا (٦) ، وإن كان ليس فيها ما يقرب من حديث عبيد بن عمير من حيث اللفظ إلا أنها تشهد له من حيث المعنى.
قال الشيخ المعلمي في ذلك: (هو في النهي عن النياحة، وهو ثابت بأحاديث كثيرة، وفيه فضيلة لأبي سلمة، وذلك أيضًا ثابت) (٧) .
وبهذا يتضح أن حديث عبيد بن عمير عن أم سلمة لم يتضمن حكمًا شرعيًا لا يوجد في غيره.
٥- ومن ذلك أيضًا قول مسلم: (وأسند ريعي بن حراش عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ حديثين) (٨) .
стр. 396
ولم يخرج مسلم هذين الحديثين في صحيحه. فأما الحديث الأول فرواه ربعي عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: ("لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله - أو قال: - يحبه الله ورسوله فدعا عليًا، وهو أرمد، ففتح الله على يديه) (١) .
ولهذا الحديث عدة شواهد من أصحها ما أخرجه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ("لأعطين الراية رجلاً يفتح الله على يديه". قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس قدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ ". فقالوا: يشتكي عينيه يا رسول الله. قال: "فأرسلوا إليه فأتوني به"، فلما جاء بصق في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن له وجع فأعطاه الراية. فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم) (٢) .
وأخرج البخاري ومسلم أيضًا عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: (كان علي قد تخلف عن النبي ﷺ يوم خيبر وكان به رمد فقال: أنا أتخلف عن رسول الله ﷺ ؟!، فخرج علي فلحق بالنبي ﷺ ، فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله في صباحها قال رسول الله ﷺ : "لأعطين الراية - أو ليأخذن الراية - غدًا رجلاً يحبه الله ورسوله - أو قال: يحب الله ورسوله - يفتح الله عليه"، فإذا نحن بعلي وما نرجوه، فقالوا: هذا علي، فأعطاه رسول الله ﷺ الراية ففتح الله عليه) (٣) .
стр. 397
وأخرج مسلم أيضًا شاهدين آخرين عن سعد بن أبي وقاص (١) ، وأبي هريرة (٢) ﵄، فالحديث محفوظ وصحيح، بل في حديثي سهل بن سعد، وسلمة بن الأكوع ما ليس في حديث عمران بن حصين من تفصيل لمناسبة الحديث، وحسن سياق للقصة.
وأما الحديث الثاني فرواه ربعي عن عمران بن حصين: (أن حصينًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، لعبد المطلب كان خيرًا لقومك كان يطعم الكبد والسنام، وأنت تنحرهم. فقال له النبي ﷺ : ما شاء الله أن يقول له. فقال: ما تأمرني أن أقول، قال: "قل اللهم قني شر نفسي واعزم لي على أرشد أمري". قال: فانطلق فأسلم الرجل ثم جاء فقال: إني أتيتك فقلت لي قل اللهم قني شر نفسي واعزم لي على أرشد أمري فما أقول الآن، قال: "قل اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت وما أخطأت وما عمدت وما علمت وما جهلت") (٣) .
ويشهد له ما رواه شبيب بن شيبة عن الحسن البصري عن عمران بن حصين قال: قال النبي ﷺ لأبي: ("يا حصين كم تعبد اليوم إلهًا؟ قال أبي: سبعة ستة في الأرض وواحدًا في السماء. قال: "فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك"؟. قال: الذي في السماء. قال: "يا حصين أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك". قال: فلما أسلم حصين قال: يا رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتني، فقال: "قل: اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي") (٤) .
стр. 398
وهذا السند فيه مقال لأن شبيب بن شيبة صدوق يهم (١) ، ولأن الحسن لم يسمع من عمران بن حصين في قول أكثر النقاد (٢) ، ولكن قال الحافظ ابن حجر: (وهو شاهد جيد لحديث إسرائيل) (٣) يعني الحديث الثاني لربعي الذي ذكرته آنفًا فإن إسرائيل رواه عن منصور عن ربعي به وهذه إحدى روايات هذا الحديث.
وللحديث شاهد آخر قوي رواه مطرف بن الشخير - وقد سمع من عمران (٤) - عن عمران بن حصين قال: (كان عامة دعاء نبي الله ﷺ : "اللهم اغفر لي ما أخطأت وما تعمدت، وما أسررت، وما أعلنت،
وما جهلت، وما تعمدت") (٥) .
وللحديث شاهد آخر قوي رواه محمد بن سيرين - وقد سمع من عمران (٦) - عن عمران بن حصين قال: (قال رسول الله ﷺ : "يا عمران قل: اللهم إني أستهديك لأرشد أمري، وأستجيرك من شر نفسي") (٧) .
فحديث ربعي عن عمران صحيح، وهو في الدعاء لذا قال المعلمي في الحديثين اللذين يرويهما ربعي عن عمران بن حصين ﵁: (لم يخرجهما مسلم، ولا فيهما حكم، وقد توبع ربعي على كل منهما) (٨) .
وبالنظر إلى ما تقدم في النوع الثالث من الأسانيد التي استشهد بها مسلم نرى أن جميع الأحاديث التي وردت بتلك الأسانيد لها شواهد قوية مما يجعل
стр. 399
احتمال عدم السماع فيها لا يصلح أن يكون سببًا لعلتها لكون الحديث صحيحًا ومحفوظًا عن رسول الله ﷺ من غير تلك الطريق، فمن قبل مثلاً حديث أبي رافع الصائغ عن أبي بن كعب مع عدم وجود دليل على سماعه من أبي ﵁ فقد قبل حديثًا صحيحًا لأن أبا رافع ثقة من كبار التابعين، ولم يرو عن أبي ﵁ إلا حديثًا واحدًا - كما قال مسلم -، وهذا الحديث ثابت محفوظ عن المصطفى ﷺ .
فالعلماء الذين صححوا تلك الأسانيد ولم يوهنوها، رغم عدم وجود دليل على السماع فيها بين التابعي والصحابي لا يستبعد أن يكونوا فعلوا ذلك لأن أصول الأحاديث المروية بتلك الأسانيد لها شواهد قوية ولأن جميع رواة تلك الأسانيد من التابعين الثقات الأثبات فليس فيهم من تكلم فيه بقدح، كما وأن بعض تلك الأحاديث ليست من أحاديث الأحكام.
وقد ذكر الإمام مسلم في "صحيحه" أحاديث لبعض الضعفاء، إذا كان أصل الحديث الذي رووه معروفًا من رواية الثقات (١) ، فهو لم يحتج بهؤلاء الضعفاء استقلالاً، وإنما لأن ما رووه محفوظ ومعروف من رواية الثقات.
وهذا الإمام البخاري وهو ممن يشترط اللقاء في السند المعنعن يقوي حديث سليمان بن بريدة عن أبيه عن رسول الله ﷺ في مواقيت الصلاة (٢) ، مع قوله: (سليمان لم يذكر سماعًا من أبيه) (٣) ، وذلك لأن لحديث سليمان بن بريدة هذا شواهد قوية تدل على أن أصل الحديث ثابت عن النبي ﷺ .
فتقوية الأحاديث التي فيها بعض النظر بالشواهد القوية منهج سار عليه أئمة
стр. 400
أهل الحديث، وكبار المصنفين في الأحاديث الصحيحة كالبخاري، ومسلم، وابن خزيمة، وابن حبان (١) .
وقد ذكر ابن خزيمة حديثًا في صفات المولى فضعفه ثم قال: (ومثل هذا الخبر لا يكاد يحتج به علماؤنا من أهل الأثر، لاسيما إذا كان الخبر في مثل هذا الجنس، فيما يوجب العلم لو ثبت، لا فيما يوجب العمل بما قد يستدل على صحته وثبوته بدلائل من نظر، وتشبيه، وتمثيل بغيره من سنن النبي ﷺ من طريق الأحكام والفقه) (٢) ، ويلاحظ أنه ذكر ذلك عن علماء أهل الأثر.
فلا يسلم لمسلم ﵀ احتجاجه على ضعف مذهب المخالف له بتصحيح العلماء لتلك الأسانيد ذلك لأن لها شواهد قوية تجعل تصحيحها في نظر من صححها رأيًا وجيهًا ولو لم يثبت في تلك الأسانيد سماع بين التابعي والصحابي.
رابعًا: ما اختلف في وصله وإرساله:
يندرج تحت هذا النوع سند واحد فقط ذكره مسلم من ضمن الأسانيد التي لا يعلم فيها سماع بين التابعين من رواتها والصحابة المروية عنهم، وقد احتج بها أهل العلم ولم يوهنوها، وهو الوارد في قوله: (وأسند حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، أحاديث) (٣) .
ولم أجد له - حتى الآن - بعد التفتيش إلا حديثًا واحدًا (٤) .
стр. 401
وهذا الحديث أخرجه مسلم في "صحيحه" من طريق أبي عوانة عن أبي بشر - جعفر بن أبي وحشية - عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ("أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل") (١) .
ثم ذكر له متابعة من طريق جرير بن عبد الحميد وزائدة بن قدامة عن عبد الملك بن عمير عن محمد بن المنتشر عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عنه يرفعه بلفظ: (سئل: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ وأي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ فقال: "أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله المحرم") (٢) .
стр. 402
فيكون رواه عن حميد بن عبد الرحمن اثنان هما محمد بن المنتشر، وأبوبشر، ورواية أبي بشر وقع فيها خلاف، إذ خالف شعبة بن الحجاج أبا عوانة فروى هذا الحديث عن أبي بشر عن حميد بن عبد الرحمن عن
النبي ﷺ (١) ، فأرسل الحديث، ورجح النسائي (٢) والدارقطني (٣) رواية شعبة المرسلة.
وأما أبوحاتم الرازي (٤) ، ومسلم فقد رجحا الرواية الأخرى التي فيها ذكر أبي هريرة، وظاهر صنيع مسلم أنه يرجح ذلك بسبب أن المخالف لشعبة وهو أبوعوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري ثقة متقن، ولأن الحديث جاء من غير طريق أبي بشر الذي وقع فيه الخلاف على الاستواء من غير إرسال وذلك في رواية عبد الملك بن عمير التي رواها عن محمد بن المنتشر عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة مرفوعًا.
ولكن حتى ما رواه عبد الملك بن عمير اختلف عليه فيه فقد روى عبيد الله بن عمر الرقي عن عبد الملك بن عمير عن جندب سفيان البجلي قال: كان رسول الله ﷺ يقول: ("أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر تدعونه المحرم") (٥) .
إلا أن أبا زرعة الرازي (٦) صحح رواية جرير وزائدة السابقة عن
стр. 403
عبد الملك بن عمير عن محمد بن المنتشر عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة مرفوعًا، وهي رواية الأكثر.
ولشطر الحديث المتعلق بفضل صلاة الليل شواهد كثيرة (١) ، ولكن كون صلاة الليل هي أفضل الصلاة بعد المكتوبة فلم أجد لذلك شاهدًا صريحًا صحيحًا، ولكن هناك بعض الأحاديث الصحيحة التي فيها إيماء إلى ذلك مثل حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ("أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ﵇، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، ويصوم يومًا ويفطر يومًا) (٢) . ولاشك أن المقصود صلاة النافلة لا المكتوبة وفي النص إثبات أن صلاة الليل بالصفة الواردة أحب الصلوات النافلة إلى الله وهذا يقتضي الأفضلية.
وفي حديث آخر لعمرو بن عنبسة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ("أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن") (٣) .
وكذلك الأحاديث المتواترة في نزول الرب ﵎ إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر ذلك يقتضي أن أفضل الصلوات النافلة هي صلاة الليل.
وأما الشطر الآخر من الحديث والمتعلق بأن أفضل الصيام بعد رمضان شهر المحرم؛ فلم أجد له شاهدًا قويًا، وإنما ورد في حديث واه أخرجه الترمذي من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (سأله رجل فقال: أي شهر تأمرني أصوم بعد شهر رمضان؟ قال له: ما سمعت أحدًا يسأل عن هذا إلا رجلاً سمعته يسأل رسول الله ﷺ وأنا قاعد، فقال: يا رسول الله أي شهر تأمرني أصوم بعد شهر رمضان؟ قال: "إن كنت
стр. 404
صائمًا بعد شهر رمضان، فصم المحرم فإنه شهر الله، فيه يوم تاب فيه على قوم، ويتوب فيه على قوم آخرين) (١) .
وسند هذا الحديث فيه ثلاث علل:
الأولى: أن عبد الرحمن بن إسحاق بن سعد أبو شيبة الكوفي ضعفه ابن معين، وأحمد بن حنبل، وابن سعد، ويعقوب بن سفيان، وأبو داود، والبخاري، وأبو زرعة الرازي، وأبو حاتم الرازي، والنسائي، وابن حبان، والبزار، وابن عدي، والساجي، والعقيلي (٢) ، وقد قال الإمام أحمد: (ليس بذاك، وهو الذي يحدث عن النعمان بن سعد أحاديث مناكير) (٣) .
الثانية: أن النعمان بن سعد. قال فيه البخاري: (لم يرو عنه إلا عبد الرحمن بن إسحاق) (٤) ، وكذا قال أبو حاتم الرازي أيضًا (٥) ، وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات" (٦) ، وقال ابن حجر: (والراوي عنه ضعيف كما تقدم فلا يحتج بخبره) (٧) .
الثالثة: لا يعلم هل أدرك النعمان بن سعد علي بن أبي طالب ﵁ أم لا؟ وهذه علة على رأي البخاري ومسلم مع اختلاف مذهبهما في السند المعنعن.
فهذا السند يعتبر ضعيفًا جدًا. لذا قال الشيخ المعلمي في حديث حميد الحميري عن أبي هريرة: (وفي الحديث نظر من وجوه:
الأول: ما ذكره مسلم من أنه لا يعلم لحميد الحميري لقاء لأبي هريرة.
الثاني: ما سمعت من الاختلاف. يعني الاختلاف في الوصل والإرسال.
стр. 405
الثالث: أنه لا يتابع عن أبي هريرة، ولا عن جندب مع ما لأبي هريرة من الأصحاب الحفاظ المكثرين.
الرابع: أنه بالنسبة إلى الصوم ليس له شاهد فيما أعلم إلا ما رواه الترمذي من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وعبد الرحمن بن إسحاق هو أبوشيبة الواسطي. قال أحمد ويحيى: ليس بشيء، وقال أحمد وغيره: منكر الحديث، وقال مرة: ليس بذاك وهو الذي يحدث عن النعمان بن سعد أحاديث مناكير، وضعفه غيرهم أيضًا.
والنعمان بن سعد تفرد عنه عبد الرحمن بن إسحاق فيما قال أبو حاتم، وكذا قال البخاري كما ثبت في بعض نسخ التاريخ، وقال ابن حجر في "التهذيب": والراوي عنه ضعيف فلا يحتج بخبره.
أقول: ذكره ابن حبان في الثقات، والثقة عنده من روى عن ثقة وروى عنه ثقة ولم يرو منكرًا، وهذا الشرط مع تساهله مفقود هنا، لأن الراوي عنه غير ثقة وروى عنه المناكير كما مر.
الخامس: إن الثابت عن النبي ﷺ أنه لم يكن يصوم شهرًا كاملاً إلا أنه كان يكثر الصيام في شعبان) (١) .
وهذا الحديث وإن كان في صحيح مسلم إلا أنه من الأحاديث المنتقدة على مسلم، فقد ذكره الدارقطني في كتابه "التتبع" (٢) ، فلا يكون من أحاديث صحيح مسلم التي تلقتها الأمة بالقبول، كما قال ابن الصلاح.
(فما أخذ عليهما - يعني البخاري ومسلم - من ذلك، وقدح فيه معتمد من الحفاظ، فهو مستثنى مما ذكرنا لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول، وما ذلك إلا في مواضع قليلة) (٣) . وقد علق ابن حجر على كلام ابن الصلاح بقوله: (وهو احتراز حسن) (٤) .
стр. 406
والحقيقة أنه لا يسلم لمسلم ﵀ الاستشهاد بهذا الحديث لاختلاف الرواة فيه، ولأن شعبة بن الحجاج أحد كبار الأئمة رواه مرسلاً، وقد قال مسلم: (والمرسل من الروايات في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة) (١) ، وهذا لا يتفق مع ما ذكره من أن جميع الأسانيد التي استشهد بها صحيحة عند أهل العلم، ولا يعلم أنهم وهنوا شيئًا منها!.
وبما تقدم من مناقشة للدليل الثالث ظهر لنا أن مسلمًا استشهد بستة عشر إسنادًا وجدنا خمسة منها السماع فيها ثابت بين التابعي والصحابي، ووجدنا خمسة منها قد رويت من طرق أخرى صحيحة عن نفس الصحابي الذي استشهد مسلم بسنده، ووجدنا كذلك خمسة من تلك الأسانيد لمتونها شواهد قوية، ووجدنا سندًا واحدًا مختلفًا في وصله وإرساله، وقد بينت في ثنايا المناقشة لتلك الأحاديث أنه لا يسلم لمسلم ﵀ استدلاله بهذه الأسانيد على قوة مذهبه في السند المعنعن إما لثبوت السماع، وإما لأن أحاديث تلك الأسانيد محفوظة وثابتة من جهات أخرى بمتابعة تامة أو بشواهد قوية.
القسم الثاني: مناقشة الأدلة التي ذكرها بعض المؤيدين لمسلم:
الدليل الرابع: ملخص ما ذكره الشيخ المعلمي في هذا الدليل أن الأصل في الرواية أن تكون عما شاهده الراوي، لاسيما في عصر السلف إذ كان الناس مشمرين للقاء أصحاب نبيهم.
وغالب السلف كانوا يزورون الحرمين بل كثير منهم كان يزور الحرمين كل عام فاحتمال السماع، قوي، ويكون أقوى إذا كان الراوي والمروي عنه في بلد واحد.
كما أن الإسناد كان شائعًا في عهد السلف مع أنهم أهل تثبت واحتياط، ثم لم يكن الإرسال الخفي شائعًا بل هو أقل شيوعًا من التدليس.
وفي هذا الكلام نظر لما يلي:
١- كلام المعلمي ﵀ فيه تعميم شديد، فهو يطلق أحكامه السابقة على عصر بأكمله، ومن شدة التعميم في كلامه ﵀ أنه لم يحدد
стр. 407
مفهومه "العصر السلف" هل يقصد التابعين أم يقصد ما هو أشمل من ذلك؟!، والتعميم في المسائل العلمية لا يقبل إلا بأدلة صريحة، وفي مثل مسألة السند المعنعن التي هي مسألة خلافية يكتنف التعميم مخاطر وأخطاء.
٢- لم يأت المعلمي ﵀ بشواهد على كلامه، والإثبات لقضية ما يستلزم شواهد وأمثلة أو كلامًا لكبار العلماء يصلح للاحتجاج به.
٣- أن الخلاف في: هل الإرسال كان شائعًا بين المحدثين أم لا؟، وليس الخلاف فيما هو الأصل في رواية الراوي؟ يدل على ذلك أن مسلمًا ذكر أن المخالف له يحتج على مذهبه في السند المعنعن لأن الإرسال كان شائعًا بين المحدثين، ولم يخالف مسلم في ذلك ولكن رد على المخالف له بأنه يلزمه أن لا يقبل إسنادًا معنعنًا ولو ثبت تلاقي رواته حتى يرى التصريح بالسماع في كل سند على حده.
ثم يقال: إذا كان الأصل في الرواية أن تكون عما شاهده الراوي فلم اشترطتم العلم بالمعاصرة ولم تكتفوا بمجرد احتمال المعاصرة؟! فإن قيل: لأن العلم بالمعاصرة قرينة قوية على إمكان اللقاء والسماع. فيقال: فاشتراط العلم باللقاء أقوى وأضبط وأنفى لشبهة عدم الاتصال. فلم تكتفوا بالأصل وزدتم عليه شرطًا هو العلم بالمعاصرة فكذلك المخالف لكم لم يكتف بالأصل وزاد عليه شرط العلم باللقاء فسقط الاستدلال بالأصل لعدم استقلاله واحتياجه لقرينة تدعمه وتسنده.
٤- أن صيغة الأداء "عن" استخدمت بكثرة في الأسانيد غير المتصلة فليس الأصل فيها الاتصال لاحتمال ضده، قال ابن رشيد: (نعم لو علمنا من كل واحد من رواة ذلك الحديث أنه لا يطلق "عن" إلا في موضع الاتصال، ولا يجيز غير ذلك، أو صح فيه إجماع من الرواة كلهم وعرف لا ينخرم ضبطه، ولكن ذلك لم يثبت، وقد يسلم المنصف أنه كثير، ولا يلزم من كثرته الحكم به مطلقًا لوجود الاحتمال) (١) .
٥- ذكر المعلمي أن الناس مشمرون في طلب العلم في عصر السلف
стр. 408
وخاصة في حرصهم على لقاء أصحاب النبي ﷺ ، وهذا الكلام قد يصح لو قيد بالمعروفين بالعلم وكثرة الرواية، ولا يمكن تعميمه، ومما يدل على نقيض ما قاله المعلمي: أن عمر بن عبد العزيز كان واليًا على المدينة، وأدرك سلمة بن الأكوع، وسهل بن سعد وهما حيين، ولم يسمع منهما (١) .
وأدرك الأعمش أنس بن مالك ﵁ ولم يسمع منه، وقال: (رأيت أنسًا وما منعني أن أسمع منه إلا استغنائي بأصحابي) (٢) .
وقال الذهبي في ترجمة أبي الأشهب جعفر بن حيان: (ولد سنة سبعين، فقد أدرك نيفًا وعشرين سنة من أيام أنس بن مالك، وهو معه بالبصرة، فالعجب كيف لم يسمع منه) (٣) .
وقال أبوحاتم الرازي: (جماعة بالبصرة قد رأوا أنس بن مالك، ولكن لم يسمعوا منه، منهم قرة بن خالد) (٤) .
وقال الذهبي في ترجمة هشام بن عروة: (ولقد كان يمكنه السماع من جابر، وسهل بن سعد، وأنس، وسعيد بن المسيب، فما تهيأ له عنهم رواية) (٥) .
وقال ابن المديني في مسروق: (صلى خلف أبي بكر، ولقي عمر وعليًا، ولم يرو عنهم شيئًا) (٦) .
أليس في هذه النصوص ما يجعلنا لا نقبل تعميم المعلمي؟!
٦- احتمال الاجتماع أيام المواسم في الحرمين يكون احتمالاً قويًا على إمكان السماع في حالة التأكد من أن الراوي والمروي عنه كانا في الحرمين أو أحدهما في تلك السنة بالتحديد، لأن احتمال أن يزور أحدهما الحرمين في سنة ولا يكون الآخر موجودًا احتمال قائم كما قال ابن المديني في الحسن البصري:
стр. 409
(كان بالمدينة أيام كان ابن عباس على البصرة) (١) ، فلم يجتمعا رغم زياراتهما المتعددة للحرمين.
٧- تعميم الحكم بأن جميع رواة الحديث من السلف كانوا أهل تثبت واحتياط محل نظر، لاسيما وأن قوانين الرواية الدقيقة، وضوابط النقد، وتحديد المقصود من كل صيغة من صيغ الأداء كل ذلك لم يشتهر وينتشر ويصبح عرفًا عامًا لأهل الحديث إلا في زمن متأخر نسبيًا عن زمن التابعين، وذلك عقب انتشار النقد والتفتيش عن سماع الرواة على يدي شعبة بن الحجاج الذي اعتنى بهذا الأمر وشدد فيه أكثر من غيره.
٨- تقييد المعلمي في كلامه للإرسال بأنه الخفي لترجيح مذهب مسلم على مذهب البخاري تقييد لم يرده البخاري أو من يؤيده فليس محل البحث هو الإرسال الخفي، وإنما مطلق الإرسال الذي يعني عدم الاتصال أو رواية المحدث عمن لم يلقه، ولاشك أن هذا كثير الوجود بين رواة الحديث.
قال ابن عبد البر في رواية الرجل عمن لم يلقه: (فإن كان هذا تدليسًا، فما أعلم أحدًا من العلماء سلم منه في قديم الدهر ولا في حديثه اللهم إلا شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان) (٢) .
وقال العلائي: (إرسال الراوي عمن لم يلقه كثير جدًا بلفظ "عن") (٣) .
ومما يدعم كلام ابن عبد البر والعلائي أن شعبة بن الحجاج قال: (لو أتيت محدثًا عنده خمسة أحاديث أصبت ثلاثة لم يسمعها) (٤) .
والمشترطون للعلم باللقاء في السند المعنعن حجتهم أن الإرسال كان شائعًا بين رواة الحديث ويعنون بالإرسال هنا مطلق الإرسال الذي هو تحديث الراوي عمن لم يلقه، أو بمعنى آخر عدم الاتصال، واستخدام الإرسال بهذا المفهوم شائع بين متقدمي النقاد ويدل على ذلك كتاب "المراسيل" لابن أبي حاتم فإن المرسل
стр. 410
عنده ضد المتصل فكل ما ليس بمتصل يدخل في مسمى المرسل، وقد قال في مقدمة كتابه:
(سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحيحة المتصلة) (١) .
فتقييد الشيخ المعلمي للإرسال بالخفي في بحث هذه المسألة تقييد لا يرتضيه المخالف لأنه تصرف في توضيح قوله. يؤكد هذا أن البخاري انتقد سماع كثير من الرواة ولا يعرف هل عاصروا من رووا عنه أم لا؟ فدل هذا على أنه يبحث عن اشتراط اللقاء مطلقًا ثبتت المعاصرة أو لم تثبت ولم يحدد نقده في الإرسال الخفي الذي هو رواية المحدث عمن عاصره ولم يلقه على قول الحافظ ابن حجر.
والمعلمي ﵀ فيه الإرسال بالخفي ليؤكد أنه قليل بل وأقل من التدليس، وهذا الحكم مبني على خطأ وهو جعل حجة المخالف هي كثرة الإرسال الخفي وقد بينت قبل قليل أن المخالف يحتج بأن الإرسال بدون تقييده بالخفي كان منتشرًا وكثير الوجود في الروايات، ورغم ذلك فإن حكم الشيخ المعلمي على أن الإرسال الخفي أقل من التدليس لم يبرهن عليه إلا بقوله إنه استقراء، وهذا نص عبارته:
(فإن قيل: فإن ذهاب ابن المديني والبخاري - رحمهما الله تعالى - إلى اشتراط اللقاء يدل على شيوع الإرسال الخفي في السلف. قلت: الاستقراء أقوى من هذا الاستدلال) (٢) .
الاستقراء يحتاج لإثبات فأين إثباته؟! لاسيما وأن هذا الاستقراء قد لا يكون تامًا، وهو أيضًا معارض لإمامين من أجل أئمة الحديث، ثم هذا الاستقراء - إن ثبت وكان مستوفيًا لشروط الاستقراء الصحيح - يبقى عليه أنه من عالم متأخر جدًا من حيث الزمن وسعة العلم وقرب الإسناد عن ابن المديني والبخاري فكيف يسلم به؟!
٩- قول المعلمي: (فلا يخدش خلافهما - يعني ابن المديني والبخاري -،
стр. 411
وخلاف من عاصرهما أو تبعهما في الإجماع السابق - أي الذي ذكره مسلم -) (١) .
هذا الكلام مبني على أن ما حكاه مسلم من الإجماع صحيح، والحقيقة أن فيه نظرًا ولا إجماع في المسألة أصلاً وقد أثبت ذلك في مناقشة الدليل الأول من أدلة مسلم، ثم إذا لم يعتد بقول ابن المديني والبخاري في نقض الإجماع لمخالفتهما في المسألة فبمن يعتد؟!
والحق - الذي اعتقده - أنه لا تصح دعوى الإجماع على أي قول من القولين في مسألة اشتراط اللقاء في السند المعنعن، لأن المسألة خلافية، ولأن إثبات الإجماع في أي مسألة ليس بالأمر الهين لذا قال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل: (من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس قد اختلفوا) (٢) .
١٠- قول المعلمي: (فلولا وفاقهما - يعني ابن المديني والبخاري - على أن الظاهر من الرواية السماع ... فيلزمهما أن يثبتا لكل من لقي شخصًا أنه سمع منه جميع حديثه) تقدم الرد على هذا في مناقشة الدليل الثاني من أدلة مسلم.
الدليل الخامس: ملخص كلام الشيخ المعلمي في هذا الدليل أن الإرسال الخفي أقبح وأشنع من التدليس فلا يجوز اتهام الراوي به لأن الأصل السلامة منه، والثقة أشد تباعدًا عن الإرسال الخفي تدينًا وخوفًا من نقد النقاد فعدم احتجاج من يشترط اللقاء بسند معنعن معاصرة رواته لبعضهم ثابتة اتهام منه للمعنعن الثقة بالإرسال الخفي المتضمن للتغرير والغش المنافيين لكمال الثقة. وأشار المعلمي إلى أن حجته على ما ذكره من أن الإرسال الخفي أقبح من التدليس كلام يعقوب بن شيبة وابن عبد البر.
وقبل مناقشة ما ذكره الشيخ المعلمي ﵀ أذكر كلام يعقوب بن شيبة وابن عبد البر بالنص حتى ننظر فيما قالا".
قال يعقوب بن شيبة: (التدليس جماعة من المحدثين لا يرون به بأسًا، وكرهه جماعة منهم، ونحن نكرهه، ومن رأى التدليس منهم فإنما يجوزه عن
стр. 412
الرجل الذي قد سمع منه ويسمع من غيره عنه ما لم يسمعه منه فيدلسه يري أنه قد سمعه منه، ولا يكون ذلك أيضًا عندهم إلا عن ثقة.
فأما من دلس عن غير ثقة وعمن لم يسمع هو منه فقد جاوز حد التدليس الذي رخص فيه من رخص من العلماء) (١) .
والملاحظ هنا أن يعقوب بن شيبة قال: (فأما من دلس عن غير ثقة وعمن لم يسمع هو منه فقد جاوز حد التدليس) فلم يجعل مجرد رواية المحدث عمن عاصر تدليسًا، وإنما تعد كذلك إذا دلس أي إذا قصد الإيهام على السامعين أنه سمع والحقيقة أنه لم يسمع سواء عاصر المروي عنه أم لم يعاصره فكل ذلك يعد تدليسًا للإيهام المصاحب للرواية وليس لمجرد روايته لذلك، وهذا واضح في كلام ابن شيبة لقوله: (فأما من دلس) .
وأما ابن عبد البر فقال: (واختلفوا في حديث الرجل عمن لم يلقه مثل مالك عن سعيد بن المسيب، والثوري عن إبراهيم النخعي، وما أشبه هذا، فقالت فرقة: هذا تدليس، لأنهم لو شاءا لسميا من حدثهما، كما فعلا في الكثير مما بلغهما عنهما، قالوا: وسكوت المحدث عن ذكر من حدثه مع علمه به دلسة.
قال أبوعمر: فإن كان هذا تدليسًا، فما أعلم أحدًا من العلماء سلم منه، في قديم الدهر ولا في حديثه اللهم إلا شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان.
وقالت طائفة من أهل الحديث: ليس ما ذكرنا يجري عليه لقب التدليس، وإنما هو إرسال، قالوا: وكما جاز أن يرسل سعيد عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر وعمر، ولم يسمع منهما، ولم يسمع منهما، ولم يسم أحد من أهل العلم ذلك تدليسًا، كذلك مالك عن سعيد بن المسيب) (٢) . ... وليس في كلام ابن عبد البر ما يفيد أن المرسل الخفي أقبح التدليس، وإنما حكى الخلاف في هل تعد رواية المحدث عمن لم يلقه تدليسًا أم لا؟
стр. 413
والصواب في هذه المسألة الأخيرة أن التدليس لابد فيه من قصد الإبهام من قبل المدلس فإذا لم يوجد الإبهام من الراوي فلا يصح أن ينسب للتدليس، حتى فيما يرويه المحدث في بعض ما لم يسمعه عن شيخه الذي لقيه وسمع منه إذا لم يكن هناك إبهام فلا ينسب للتدليس، ومثال ذلك أن سعيد بن المسيب ثبت أنه سمع من عمر أحاديث قليلة، وقد روى عن عمر علمًا كثيرًا حتى سمي راوية عمر (١) ، مع علمنا أنه لم يسمع كل هذا من عمر، ورغم ذلك لم ينسب للتدليس لأنه لم يوهم من سمع منه أنه قد سمع كل ما رواه عن عمر لاشتهار قلة سماعه من عمر وصغر سنه عند وفاته ﵁، ومن ذلك أيضًا ما قاله أبوداود: (كان ابن سيرين يرسل وجلساؤه يعلمون أنه لم يسمع، سمع من ابن عمر حديثين، وأرسل عنه نحوًا من ثلاثين حديثًا) (٢) .
لذا قال الخطيب البغدادي في المدلس: (وإنما يفارق حاله حال المرسل بإيهامه السماع ممن لم يسمع منه فقط) (٣) .
وأما ما ذكره المعلمي من أن الإرسال الخفي أقبح من التدليس فوجهة نظر لا يوافق عليها، ولم أجد أحدًا قال مثل ذلك في أقوال أهل العلم ما يخالف ذلك، فقد قال الخطيب البغدادي: (الإرسال لا يتضمن التدليس لأنه لا يقتضي إبهام السماع ممن لم يسمع منه، ولهذا المعنى لم يذم العلماء من أرسل الحديث وذموا من دلسه) (٤) .
وقال العلائي: (كل مدلس مرسل ولا ينعكس إلا على القول الضعيف الذي حكاه ابن عبد البر فيما تقدم) (٥) . ثم قال: (التدليس موهم للاتصال، وليس متصلاً، ولهذا ذمه كثير من العلماء حتى قال شعبة لأن أزني أحب إلي من
стр. 414
أن أدلس، وذلك محمول منه على المبالغة في ذمه والتفنير عنه، وقال أيضًا: التدليس أخو الكذب، وقال حماد بن زيد: التدليس كذب، ثم ذكر حديث النبي ﷺ : "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" وقال حماد: فلا أعلم المدلس إلا متشبعًا بما لم يعط ... ) (١) .
ومما يؤكد بقوة أن الإرسال الخفي ليس هو كالتدليس فضلاً أن يكون أقبح منه ما قاله ابن أبي حاتم: (قلت أبو وائل سمع من أبي الدرداء؟ قال: أدركه، ولا يمكن سماع شيء. أبو الدرداء بالشام، وأبو وائل كان بالكوفة. قلت: كان يدلس؟ قال: لا، هو كما يقول أحمد بن حنبل) (٢) علق العلائي بقوله: (يعني كان يرسل) .
وهذا نص صريح في أن المرسل الخفي ليس كالتدليس لن التدليس مذموم ومكروه، وفي نص آخر لأبي حاتم مؤيد لما تقدم عنه أنه قال في أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي: (لا يعرف له تدليس) (٣) ، وأبو قلابة ممن عرف بالإرسال، وقد قال أبو حاتم فيه: (قد أدرك أبو قلابة النعمان بن بشير، لا أعلمه سمع منه) (٤) ، فنفى عنه التدليس مع أنه وجد الإرسال الخفي في مروياته. وبهذا يعلم أن ما قاله المعلمي ليس بالصواب والله أعلم.
الدليل السادس: ملخص كلام الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في هذا الدليل أنه يلزم من قول البخاري في اشتراط اللقاء، ومن مشى على قوله من بعده أن تكون الأحاديث المعنعنة التي هي على شرط مسلم في العنعنة من قسم الحديث الضعيف، وهذا غير مقبول لأنه يناقض ما قرره العلماء من أن كتاب مسلم صحيح.
وفي هذا الإلزام نظر لما يلي:
١- هذا الكلام نظري فإن الشيخ عبد الفتاح لم يأت بأمثلة من صحيح
стр. 415
مسلم على كلامه السابق مما يجعل هذا الإلزام ضعيفًا لتطرقه لعدة احتمالات منها: أن تكون تلك الأحاديث قليلة، وأن يكون لها متابعات قوية أو شواهد صحيحة وحينئذ فيحتج بها على رأي من يشترط اللقاء، ويحتمل أن يكون مسلم أخرج معظم تلك الأحاديث القليلة في المتابعات لا في الأصول، ويحتمل أن يكون مسلم أخرج معظم تلك الأحاديث القليلة في فضائل الأعمال وما يجري مجراها، وكلها احتمالات قائمة وقوية ويشهد لقوتها أننا وجدنا الأسانيد التي استشهد بها مسلم على المخالف له وذكر أنه لا يعلم فيها لقاء ولا سماع من التابعي عن الصحابي وجدنا خمسة منها السماع فيها ثابت، وخمسة منها قد توبع التابعي راوي الحديث متابعة تامة من ثقة قد صح سماعه عن نفس الصحابي، ووجدنا خمسة منها لها شواهد قوية، ووجدنا حديثًا واحدًا فقط اختلف في وصله وإرساله، وقد أخرج مسلم أكثر تلك الأحاديث في صحيحه فهي على شرطه في العنعنة، وهي مذهب من يشترط اللقاء أحاديث يحتج بها لثبوت السماع في بعضها، أو لأن تلك الأحاديث ثبتت من طرق أخرى.
وما دام هذا الإلزام لم يحدد عدد الأحاديث الموجودة في صحيح مسلم بتلك الصفة، ولم يحدد هل هي في الأصول أم في المتابعات؟، ولم يذكر هل بحث عن السماع فيها أم لا؟، ولم يذكر هل لتلك الأحاديث متابعات وشواهد أم لا؟، ولم يوضح هل هي في أحاديث الأحكام أم في أحاديث الفضائل ونحوها؟ والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.
٢- لا يوافق الشيخ عبد الفتاح على قوله أنه يلزم أن تكون الأحاديث التي هي في صحيح مسلم بالعنعنة على شرطه في حكم البخاري ضعيفة. وذلك لأن البخاري بالاتفاق أسبق من مسلم في تأليف الصحيح وأعلم منه في علل الحديث فلا يصح توجيه الإلزام إليه، وإنما يصح هذا الإلزام - لو كان مستوفيًا للشروط - أن يوجه للمتأخرين فقط.
ثم إنه لا يحتاج لإلزام البخاري كما فعل الشيخ عبد الفتاح، فإنه ﵀ قد تكلم في سماع بعض الرواة، الذين أخرج مسلم في "صحيحه"
стр. 416
بعض أحاديثهم، وهي قليلة جدًا، وسأذكرها مع المناقشة في الفصل الخامس - إن شاء الله -.
٣- لم يصب الشيخ عبد الفتاح في قوله: (وهذا غير مقبول لأنه يناقض كل المناقضة ما قرره العلماء على مر الزمن من أن كتاب مسلم "صحيح" مع معرفته بشرطه في العنعنة) (١) .
وذلك لأن مسلمًا سمى كتابه "الصحيح" فتقرير العلماء على مر الزمن من أن كتاب مسلم "صحيح" راجع لأن مؤلفه سماه "الصحيح"، ولأن الغالبية العظمى من أحاديث الكتاب صحيحة بلاشك فالتسمية بالنظر للغالب، بدليل أن الدارقطني وأبا مسعود الدمشقي وغيرهما ممن ذكر انتقادات عديدة على صحح مسلم لم يمنعهم ذلك من تسميته بـ "الصحيح" لأن موضوع الكتاب هو الأحاديث الصحيحة وإن نوزع مسلم في تصحيح بعض من أحاديث كتابه.
ومن الممكن أن يقال إن تقرير العلماء بأن كتاب مسلم "صحيح" مع معرفتهم بشرطه في العنعنة دال على أن الأحاديث التي هي معنعنة على شرطه قليلة ولها ما يشهد لها ويقويها من طرق أخرى، فتسقط المناقضة المزعومة وقد أكد ذلك ابن الصلاح في قوله: (وإن لم يلزم عمله به فيما أودعه في صحيحه هذا، وفيما يورده فيه من الطرق المتعددة للحديث الواحد ما يؤمن من وهن ذلك) (٢) .
وكيف لا يسمى كتاب مسلم "صحيحاً"، وأكثر أحاديثه قد اتفق هو مع البخاري في إخراجها، بل وكثير من الأحاديث التي انفرد بإخراجها السماع فيها ثابت وإن رويت في "الصحيح" بالعنعنة مثل أحاديث حماد بن سلمة عن ثابت البناني، وأحاديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، وأحاديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، وأحاديث أبي الزبير عن جابر، وغير ذلك كثيرًا جدًا، فليس من الإنصاف في شيء أن يسلب أحد وصف الصحة من كتاب مسلم لوجود عدد قليل من الأحاديث المعنعنة على شرطه، ناهيك أن
стр. 417
لأغلب هذه الأحاديث - على قلتها - شواهد قوية، ومتابعات صحيحة!!
٤- يجاب عن السؤال الذي طرحه الشيخ عبد الفتاح بقوله: (فكيف يوفق القائل بمذهب البخاري في الحديث المعنعن بين اختياره مذهب البخاري، وقوله في كتاب مسلم "صحيح"، وفيه الحديث المعنعن الذي هو في حكم البخاري لا يتصف بأصل الصحة؟ " (١) .
بأن العلماء قد وفقوا بين قولهم: إن عنعنة المدلس لا تقبل، وبين قبولهم لعنعنات المدلسين في الصحيحين بأن العلماء قد تلقوهما بالقبول ولاحتمال ثبوت التصريح بالسماع في طرق أخرى خارج الصحيحين، إذن فما دامت العنعنة في الصحيحين أعطيت حكمًا خاصًا يختلف عن أصل حكمها، فكذلك مشترط اللقاء - من المتأخرين - يسعه أن يعطي الأحاديث التي في صحيح مسلم على شرطه في العنعنة، والتي لم يثبت فيها السماع أو اللقاء بعد البحث، وليس لها شواهد أو متابعات قوية، وليست مخرجة في المتابعات، وليست في فضائل الأعمال ونحوها، له أن يعطيها حكمًا خاصًا استثنائيًا لما لكتاب مسلم من منزلة عظيمة لدى جماهير الأمة.
وبهذا التوفيق المتسق مع ما لصحيح مسلم من مكانه يسقط الإلزام الذي ذكره الشيخ أبوغدة لأن المسألة سيكون محل بحثها خارج الصحيحين.
والحقيقة أن الإلزام الذي ذكره الشيخ أبوغدة لا يعتبر مناسبًا ولا يعتد به لأنه يرجح بذلك مذهب مسلم في العنعنة بما عمل مسلم نفسه في صحيحه، فيحتج لمذهب مسلم بعمله، وهذا فيه ما فيه.
كما أن من يشترط اللقاء من المتأخرين يستطيع أن يضع إلزامًا مضادًا للشيخ عبد الفتاح أبو غدة مقابل إلزامه الآنف فيقول: يلزمك القول باشتراط اللقاء كما هو مذهب البخاري، لأن مسلمًا كما أثبت إنما لقي البخاري ولازمه بعد أن فرغ من تأليف "صحيحه" بما فيه المقدمة (٢) ، وقد ثبت أنه رضي بتعليل البخاري بعدم معرفته السماع لراو معاصر لراو آخر وهما من بلد واحد، وذلك
стр. 418
في القصة المشهورة التي رواها أبو حامد أحمد بن حمدون القصار قال: (سمعت مسلم بن الحجاج، وجاء إلى البخاري، فقبل بين عينيه، وقال: دعني أقبل رجليك. ثم قال: حدثك محمد بن سلام، حدثنا مخلد بن يزيد الحراني أخبرنا ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في كفارة المجلس، فما علته؟
قال محمد بن إسماعيل: هذا حديث مليح، ولا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا حديثًا غير هذا الحديث الواحد في هذا الباب، إلا أنه معلول، حدثنا به موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا سهيل عن عون بن عبد الله قوله.
قال محمد: وهذا أولى، فإنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماع من سهيل فقال له مسلم: لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك) (١) .
فقبول مسلم لتعليل البخاري دلالة على أنه رضي مذهب البخاري في اشتراط اللقاء، فكأنه رجع عما قاله في مقدمة صحيحه - الذي جزم أبو غدة بأن مسلمًا ألفها قبل كتابه "الصحيح" وبأنه فرغ منه قبل أن يلقي البخاري ويلازمه -، فيكون إقرار مسلم ومدحه للبخاري مع علمه بأن ما قاله مخالف لمذهبه دلالة على تقويته لمذهب البخاري في الحديث المعنعن، ويلزم من ذلك التسليم برجحان مذهب البخاري!!
وهذا الإلزام إنما ذكرته لأبين أن الإلزام الذي ذكره الشيخ أبو غدة ليس بأقوى من هذا لمن تأملهما.
وفي ختام هذا الفصل يظهر لنا أن جميع الأدلة التي احتج بها مسلم وغيره من العلماء على أن المعاصرة كافية لاتصال السند المعنعن، لا تسلم من نقاط ضعف فيها، تؤثر في اعتمادها والأخذ بها، وقد بينت في المبحث الثاني أوجه المعارضة وعدم القبول لكل دليل.
стр. 419
الفصل الرابع
هل أخرج مسلم في صحيحه أسانيد معنعنة
بمجرد الاكتفاء بالمعاصر ؟
ذهب ابن الصلاح والنووي إلى أن مسلمًا لم يعمل في صحيحه بمذهبه في الحديث المعنعن، لكونه يخرج عدة أحاديث في الباب غالبًا مما يجعل للأحاديث المعنعنة في صحيحه لها شواهد ومتابعات.
قال ابن الصلاح في معرض ترجيحه لصحيح البخاري على صحيح مسلم: (وهو يرى - أي مسلم - على ما ذكره من بعد في خطبة كتابه، أن الحديث المعنعن، وهو الذي يقال في إسناده: فلان عن فلان، ينسلك في سلك الموصول الصحيح بمجرد كونهما في عصر واحد مع إمكان تلاقيهما، وإن لم يثبت تلاقيهما وسماع أحدهما من الآخر، وهذا منه توسع يقعد به عن الترجيح في ذلك، وإن لم يلزم منه عمله به فيما أودعه في صحيحه هذا، وفيما يورده فيه من الطرق المتعددة للحديث الواحد ما يؤمن وهن ذلك) (١) .
وقال النووي: (وإن كنا لا نحكم على مسلم بعمله في صحيحه بهذا المذهب لكونه يجمع طرقًا كثيرة يتعذر معها وجود مثل هذا الحكم الذي جوزه والله أعلم) (٢) .
وخالف في ذلك العلائي فقد أشار في عدة مواضع من كتابه "جامع التحصيل" إلى إخراج مسلم لبعض الأسانيد اكتفاء بالمعاصرة، فقد قال: (وفي
стр. 420
صحيح مسلم لابن سيرين عن عمران حديثان آخران بلفظ "عن" جريًا على قاعدته في الاكتفاء بإمكان اللقاء) (١) .
وبعد أن ذكر ما في حديث صالح بن أبي مريم عن أبي سعيد الخدري من إرسال قال: (وروايته عن أبي سعيد في صحيح مسلم على قاعدته) (٢) .
ومقتضى ذلك أن العلائي يرى أن الإمام مسلم قد أخرج في صحيحه أحاديث معنعنة بمجرد المعاصرة وإمكان اللقاء كما هو مذهبه الذي نصره في مقدمة صحيحة.
وكذلك الشيخ المعلمي رد على النووي قوله السابق بقوله: (وزعم النووي في "شرح صحيح مسلم" أنه لا يحكم على مسلم بأنه عمل في "صحيحه" بقوله المذكور، وهذا سهو من النووي، فقد ذكر مسلم في ذلك الكلام أحاديث كثيرة زعم أنه لم يصرح فيها بالسماع ولا علم اللقاء، وأنها صحاح عند أهل العلم ثم أخرج منها في أثناء "صحيحه" تسعة عشر حديثًا كما ذكره النووي نفسه، ومنها ستة في "صحيح البخاري" كما ذكره النووي أيضًا) (٣) .
ومن المؤكد أن الإمام مسلمًا قد أخرج بعض الأحاديث في صحيحه على مذهبه في العنعنة كما أشار المعلمي إلى ذلك مستدلاً بأن مسلمًا قد أخرج أكثر الأحاديث التي استشهد بأسانيدها في المقدمة وجزم بأنه لا يعلم فيها لقاء بين التابعي والصحابي، وهي صحيحة عند أهل العلم بالحديث لكون المعاصرة ثابتة، وقد ذكرت الأحاديث التي خرجها مسلم في صحيحه من تلك الأسانيد في الفصل السابق عند مناقشة الدليل الثالث.
ومما يؤكد أن مسلمًا قد أخرج بعض الأحاديث في صحيحه على مذهبه في الحديث المعنعن أن البخاري قد انتقد بعض الأسانيد بعدم معرفة السماع فيها، وقد أخرج مسلم في صحيحه أحاديث بتلك الأسانيد المنتقدة، وسأذكر تلك الأسانيد - إن شاء الله - في الفصل القادم.
стр. 421
ولقد وقفت على بعض النصوص التي تكلم فيها بعض أهل العلم بعدم ثبوت اللقاء أو السماع في أحاديث أخرجها مسلم في صحيحه، مع تتبعي للمواضع التي نص فيها العلائي في كتابه "جامع التحصيل" أن مسلمًا قد أخرج في صحيحه بعض تلك الأسانيد غير المتصلة. وهذه النصوص هي:
١- قال العلائي: (حميد بن هلال أخرج له مسلم قال أبو رفاعة العدوي: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب الحديث. قال علي بن المديني (١) : لم يلق عندي - يعني حميدًا - أبا رفاعة ﵁ (٢) .
والحديث أخرجه مسلم في صحيحه من طريق سليمان بن المغيرة حدثنا حميد بن هلال قال: قال أبو رفاعة: (انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب. قال فقلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه. لا يدري ما دينه. قال فأقبل علي رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إلي فأتى بكرسي، حسبت قوائمه حديدًا. قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ . وجعل يعلمني مما علمه الله ثم أتى خطبته فأتم آخرها) (٣) .
ولم أجد متابعًا لحميد، وكذلك لم أجد شاهدًا يدل على مشروعية قطع خطبة الجمعة لغرض التعليم كما هو وارد في هذا الحديث، إلا أن النووي قال: (لعله كان سأل عن الإيمان، وقواعده المهمة وقد اتفق العلماء على أن من جاء يسأل عن الإيمان وكيفية الدخول في الإسلام وجب إجابته وتعليمه على الفور ...
стр. 422
ويحتمل أن هذه الخطبة التي كان النبي ﷺ فيها خطبة أمر غير الجمعة ولهذا قطعها بهذا الفصل الطويل) (١) .
٢- قال العلائي: (سليم بن عامر الخبايري. قال أبو حاتم: لم يدرك عمرو بن عنبسة ولا المقداد بن الأسود. قلت: حديثه عن المقداد في صحيح مسلم وكأنه على مذهبه) (٢) .
والحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن سليم بن عامر قال حدثني المقداد بن الأسود مرفوعًا (٣) ، فصرح سليم فيه بالسماع من المقداد ﵁.
٣- قال العلائي: (صالح بن أبي مريم أبو الخليل عن أبي موسى الأشعري وأبي سعيد الخدري وهو مرسل قاله في التهذيب. وروايته عن أبي موسى الأشعري وأبي سعيد الخدري وهو مرسل قاله في التهذيب. وروايته عن أبي سعيد في صحيح مسلم على قاعدته) (٤) .
والحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي الخليل عن أبي سعيد (٥) ، ولكنه أخرجه متباعة وساق قبله من طريق قتادة عن صالح أبي الخليل عن أبي علقمة الهاشمي عن أبي سعيد الخدري (٦) ، وهذا السند متصل لذكر الواسطة فيه بين أبي الخليل وأبي سعيد الخدري ﵁.
٤- سئل يحيى بن معين: (سمع طاووس من عائشة ﵂ شيئًا؟ قال: لا أراه) (٧) .
وكذلك أبو داود قال: (لا أعلمه سمع منها) (٨) .
стр. 423
ولطاووس عن عائشة في صحيح مسلم حديثان الأول منهما أنها قالت: (لم يدع رسول الله ﷺ الركعتين بعد العصر. قال فقالت عائشة قال رسول الله ﷺ : "لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها فتصلوا عند ذلك") (١) .
وقد ساق مسلم طرقًا كثيرة للحديث عن عائشة بألفاظ مختلفة تدل على أنه محفوظ عنها (٢) ، ويشهد له حديث أبي عمرو الذي أخرجه مسلم في صحيحه (٣) أيضًا.
وأما الحديث الثاني لطاووس عن عائشة في صحيح مسلم فهو أنها ﵂: (أهلت بعمرة فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج فقال لها النبي ﷺ يوم النفر: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك" فأبت فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج) (٤) .
وهذا الحديث له شواهد كثيرة، وهو مستفيض عن عائشة، وقد ذكر مسلم ﵀ طرقًا كثيرة له في صحيحه (٥) .
فالحديثان اللذان أخرجهما مسلم لطاووس عن عائشة ﵂ لم ينفرد طاووس بروايتهما عن عائشة فله متابعات عدة في كل حديث منها.
٥- قال العلائي في ترجمة عائذ الله بن عبد الله أبي إدريس الخولاني: (وروايته عن أبي ذر في صحيح مسلم وكأن ذلك على قاعدته) (٦) .
والحديث أخرجه مسلم عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر عن النبي ﷺ فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ... الحديث) (٧) . ولم يصرح أبو إدريس بالسماع من أبي ذر عند مسلم، إلا
стр. 424
أن مسلمًا ساق للحديث متابعة من طريق أبي أسماء الرحبي عن أبي ذر به.
وقد يسر لي المولى الوقوف على إثبات سماع أبي إدريس الخولاني من أبي ذر، وذلك فيما رواه أبوبكر بن أبي خيثمة قال: سمعت يحيى بن معين يقول: (أبو إدري الخولاني قد سمع من أبي ذر) (١) .
٦- قال العلائي في ترجمة عبد الله بن زيد الجرمي أبي قلابة البصري: (روايته عن عائشة في صحيح مسلم وكأنه على قاعدته) (٢) .
والحديث أخرجه مسلم متابعة من طريق أيوب عن القاسم وأبي قلابة عن عائشة (٣) ... الحديث. فحديث أبي قلابة عن عائشة عند مسلم مقرونًا بغيره.
٧- ذكر العلائي قول الإمام أحمد بأن عبد الله البهي لم يسمع من عائشة ثم قال: (أخرج مسلم لعبد الله البهي عن عائشة ﵂ حديثًا وكأن ذلك على قاعدته) (٤) .
والحديث في صحيح مسلم عن عبد الله البهي عن عائشة قالت: (سأل رجل النبي ﷺ أي الناس خير؟ قال: "القرن الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث") (٥) .
والحديث أخرجه مسلم شاهدًا وقد أخرج قبله بمعناه حديث أبي سعيد الخدري، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة، وعمران بن حصين، ﵃ أجمعين (٦) .
وقد أثبت البخاري سماع عبد الله البهي من عائشة (٧) .
стр. 425
٨- سئل ابن معين: (عبد الرحمن بن أبي ليلى عن المقداد بن الأسود أسمعه منه؟ قال: لا أدري) (١) .
أخرج مسلم في صحيحه من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن المقداد: (أقبلت أنا وصاحبان لي، وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد. فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ﷺ فليس أحد منهم يقبلنا، فأتينا النبي ﷺ فانطلق بنا إلى أهله فإذا ثلاثة أعنز، فقال النبي ﷺ : "احتلبوا هذا اللبن بيننا" ... الحديث) (٢) .
وقد تابع طارق بن شهاب عبد الرحمن بن أبي ليلى في هذا الحديث (٣) .
وقد يسر المولى الوقوف على تصريح عبد الرحمن بن أبي ليلى بالسماع من المقداد ﵁ وذلك في مسند أبي داود والطيالسي الذي قال: (حدثنا سليمان بن المغيرة قال حدثنا ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال حدثني المقداد بن الأسود ... ) (٤) بمثل حديث مسلم في صحيحه، وقد أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٥) من طريق أبي داود الطيالسي وفيه تصريح عبد الرحمن بن أبي ليلى بالسماع من المقداد ﵁.
٩- قال العلائي في ترجمة عبدة بن أبي لبابة: (أخرج له مسلم عن عمر ﵁، والظاهر أنه مرسل إذا كان لم يدرك ابن عمر وأم سلمة) (٦) .
أخرج مسلم ذلك في المتابعة من طريق الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي عن عبده: (أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، وعن قتادة أنه كتب إليه - أي