← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9836

موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين

خالد الدريس

Полный текст (478 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

موقف الإمامين البخاري ومُسلم من اشتراط اللّقيّا والسّمَاع في السّند المعنعن بَين المتعَاصِرين خَالِد مَنصُور عَبد الله الدريس

стр. 2

الإهداء إلى أغلى وأعز من لقيت إلى والديّ الكريمين حفظهما الله. هذا الكتاب لكما فيه مثل الذي لي وأكثر فإن لصبركما الطويل ومساعداتكما المستمرة أكبر الأثر ـ بعد الله ـ في هذا الإنجاز. ابنكما خالد

стр. 3

أصل هذا الكتاب رسالة علمية قدمت استكمالاً لمتطلبات درجة الماجستير في قسم الثقاة الإسلامية (تخصص التفسير والحديث) كلية التربية جامعة الملك سعود.

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له. وصلى الله وسلم على خير عباده وخاتم أنبيائه قدوتنا وحبيبنا المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. أما بعد فإن علم الحديث من أشراف العلوم وأجلها، والاشتغال به لمن صدقت نيته من أفضل القربات وأحسن الطاعات، وكيف لا يكون كذلك؟! وهو مشتمل على بيان أحوال وأخبار الرسول ﷺ الذي أمرنا ربنا بطاعته واتباعه في قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهو﴾ [الحشر:٧] فبيَّن لنا الحلال والحرام، والخير والشر، ومايقربنا إلى ربنا وما يبعدنا عنه. فأساس الدين كتاب وسُنة، والسُّنة منها صحيح وضعيف، والسبيل إلى معرفة ذلك النظر في الإسناد الذي خصَّ المولى به هذه الأمة. لذا قال العلماء: " الإسناد من الدين" وقالوا أيضاً: " الإسناد سلاح المؤمن" وأهم ما يُبحث عنه في الإسناد بعد ثقة الرواة اتصال السند، ومن أهم مسائل اتصال السند مسألة " الاحتجاج بالسند المعنعن" وشروط الأئمة في ذلك. ومن المقرر عند العلماء أنه لا يُحتج من السُّنة إلا بالحديث الصحيح، ولا تطلق الصحة على حديث حتى يجمع شروطاً هي: ١ ـ اتصال السند في جميع طبقاته. ٢ ـ ثقة الرواة وعدالتهم. ٣ ـ عدم الشذوذ.

стр. 5

٤ ـ عدم العلة. وموضوع هذا البحث في الحقيقة مرتبط بشرط مهم من شروط الحديث الصحيح وهو أن يكون السند متصلاً. وسأعرض فيما يلي: أهمية هذا البحث، وأهم مشكلاته، وأسباب اختياري له، ومنهجي الذي سرتُ عليه. ١ ـ أهمية البحث: تتجلى أهمية هذا البحث في النقاط التالية: ١ ـ أنه شديد العلاقة بشرط مهم من شروط الحديث الصحيح وهو "اتصال السند" فالإمام البخاري يرى أن السند المعنعن غير متصل حتى يثبت اللقاء أو السماع بين التلميذ وشيخه، وأما الإمام مسلم فيرى أن السند المعنعن متصل إذا وجد ما يدل على المعاصرة، والبراءة من التدليس، ومالم ترد أدلة بينة على عدم سماع التلميذ من الشيخ. ٢ ـ أن لفظة " عن " صيغة أداء تحتمل السماع وعدم السماع، فقد استخدمت في أسانيد متصلة كما أنها استخدمت في غير المتصلة كالأسانيد المدلسة، والمرسلة، والمنقطعة. وقلما يخلو سند في كتب الحديث من صيغة الأداء" عن " وهي في حد ذاتها لا تدل على انقطاع، ولا على اتصال في السند، لذا كان من الأهمية بمكان معرفة الشروط التي تجعل الأسانيد المعنعنة متصلة عند إمامين هما أهم من صنف وجمع الأحاديث الصحيحة في تاريخ الإسلام. ٣ ـ وقع خلاف بين المحدثين حول هذه المسألة " هل يكون الحديث متصلاً اكتفاء بالمعاصرة في السند المعنعن أم لابد من ثبوت السماع فيه؟ ". فاختار جمع من المحققين مذهب الإمام البخاري ومن هؤلاء الذهبي وابن رجب وابن رشيد والعلائي وابن حجر. وذهب آخرون إلى اختيار مذهب الإمام مسلم ومن هؤلاء المزي وابن كثير، وجمهور أساتذة الصناعة الحديثية في القرن الرابع عشر والخامس عشر كالشيخ أحمد شاكر ﵀ والشيخ المعلمي اليماني ﵀ والشيخ

стр. 6

محمد ناصر الدين الألباني والشيخ عبد الفتاح أبو غدة وغيرهم. وقوة الخلاف حول هذه المسألة ذات الأثر العملي في علم الحديث يجعل بحثها مع التحرير والتدقيق من المهمات. ٤ ـ إن المتابع لإنتاج المشتغلين بعلم الحديث من المعاصرين يلحظ شيئاً من الاضطراب لدى البعض منهم في فهم هذه المسألة وذلك لغموض بعض جوانبها ـ وسيأتي مزيد بيان لهذا خلال الحديث عن أسباب اختياري لهذا البحث. ٥ ـ إن هذه المسألة من المسائل العملية التي يحتاج الباحث في علم الحديث إلى تطبيقها في حكمه على الأحاديث التي يتصدى لنقدها خارج الصحيحين. ٦ ـ إن بحث هذه المسألة عند الإمامين البخاري ومسلم يأخذ أهميته من كون الإمام مسلم أول من أثار هذه المسألة وناقشها في "مقدمة صحيح" ومن كون الإمام البخاري أكثر في كتبه النقدية " كالتاريخ الكبير"، و" التاريخ الصغير"، وغيرهما، من الكلام على الأسانيد بعدم ثبوت السماع فيها. ثم إن الإمامين البخاري ومسلماً هما أجلّ وأعلم من صنّف في الأحاديث الصحيحة، وهذه المسألة ـ كما أسلفت ـ قوية العلاقة بشرط مهم من شروط الحديث الصحيح ألا وهو " اتصال السند" فكان من المناسب أن تعرف شروط الحديث الصحيح وتفريعاتها من كلامها وصنيعهما رحمهما الله تعالى. ٢ ـ مصطلحات البحث: سأعرض فيما يلي تعريفاً ـ موجزاً ـ لمصطلحات عنوان: أـ اشتراط اللقيا والسماع: يقصد باللقيا: ثبوت لقاء التلميذ لشيخه الذي يروي عنه ولو لمرة واحدة. والغرض من عطف كلمة (لقيا) على (سماع) لأن ثبوت الاجتماع والمشافهة بين التلميذ وشيخه قد يرد من خلال خبر أو قصة فيها إثبات للالتقاء نصاً وللسماع ضمناً، وقد يعرف الاجتماع بينهما والمشافهة عن طريق ورود لفظة مثل " سمعت" أو " حدثني" في السند.

стр. 7

ب ـ السند المعنعن: يقصد بذلك السند الذي ترد فيه لفظة " عن " كقولنا: روى عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن قتادة عن أنس عن رسول الله ﷺ . ويدخل في حكم السند المعنعن عند الجمهور ما يسمى "بالمؤنن" وهو الذي يقال فيه: فلان أن فلاناً قال.. الحديث، كما يدخل أيضاً في حكم العنعنة عند الجمهور كل لفظ لا يدل على ثبوت السماع، ولا يدل على الانقطاع، فلفظة "حدثنا" و "أخبرنا" مثلاً تدلان على ثبوت السماع ولفظة "بلغني" أو " حدثت عن فلان" تدلان على الانقطاع (١) . وإنما خصص ذكر العنعنة في هذا البحث لأنها أكثر استعمالاً في الأسانيد من غيرها. ج ـ المعاصرة: هي العيش في زمن واحد، ومن ذلك إدراك التلميذ من حياة شيخه ما يؤهله للسماع منه. ٣ ـ مشكلة البحث: تتلخص قضية البحث الأساسية في موقف الإمام البخاري وموقف الإمام مسلم إذا ورد حديث بسند فيه فلان عن فلان، فلا يحكم البخاري باتصال سند هذا الحديث حتى يعثر على ما ينص صراحة من أن التلميذ لقي شيخه وسمع منه، ولا يشترط البخاري ثبوت لفظ " حدثنا" أو " سمعت " بعد ذلك، في كل حديث يرويه التلميذ عن شيخه بل يكتفي بإثبات السماع واللقاء ولو لمرة واحدة. وأما الإمام مسلم فلا يشترط ما يشترطه البخاري في الإسناد المعنعن بل يكفي عنده لجعل السند المعنعن متصلاً معرفة المعاصرة والسلامة من التدليس، مع التسليم بأن ثبوت اللقاء والسماع بين المتعاصرين أبلغ في تأكيد اتصال السند. هذه هي قاعدة البحث الأساسية أو أصله، فما هي أهم المشكلات التي ترتب عليها والتي يعني البحث بمناقشتها؟ . وأوجز أهم مشكلات البحث في النقاط الآتية. ١ ـ هل توجد مواطن اتفاق بين رأي الإمام البخاري ورأي الإمام مسلم في

стр. 8

هذه المسألة؟ والذي حملني على وضع هذا السؤال ضمن أهم مشكلات البحث وجود بعض النصوص التي يظهر منها احتمال وجود نقاط بين الإمامين، ومن ذلك مثلاً: أـ قال الإمام مسلم: (ومحمد بن علي لا يعلم له سماع من ابن عباس، ولا أنه لقيه، أو رآه) (١) وهذه العبارة هي نفسها التي يستخدمها البخاري في تطبيق المسألة في "كتابه الكبير" وغيره من الكتب. وقد أدرك محمد بن علي عبد الله بن عباس من حياة جده عبد الله بن عباس ما يقارب عشر سنوات أو ثمان، فقد ورد في "تاريخ دمشق " لابن عساكر (ولد محمد بن علي سنة ثمان وخمسين ومات سنة خمس وعشرين ومائة) (٢) . وفيه قول آخر أنه ولد سنة (ستين) (٣) ، ومن المعلوم أن عبد الله بن عباس مات سنة ٦٨هـ. فهل خالف مسلم مذهبه في الاكتفاء بالمعاصرة؟! ب ـ وقد سأل الإمام مسلم الإمام البخاري عن علة حديث " كفارة المجلس " الذي يرويه: ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ فذكر البخاري علته ومنها: (لا يذكر لموسى بن عقبة سماع من سهيل ((٤) وقد أقر مسلم ما قاله البخاري. ج ـ وقفت على بعض النصوص المتعلقة بهذه المسألة في "التاريخ الكبير" للبخاري يقول فيها (لا أدري سمع فلان من فلان أم لا؟) ، ومتى ما طبقت الشروط التي ذكرها الإمام مسلم في "الاكتفاء بالمعاصرة" على نصوص البخاري تلك، لا تجد هذه النصوص قد استوفت شروط اتصال السند المعنعن على مذهب مسلم، مما يجعل احتمال وجود اتفاق بين الإمامين على بعض صور هذه المسألة قائم ومحتمل فمثلاً:

стр. 9

قال الإمام البخاري في ترجمة الحسن بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري (لا أدري سمع من ابن عمر أم لا؟) (١) . وعند مراجعة ترجمة الحسن بن سهيل في "التهذيب" (٢) لا تجد ما يدل على معاصرة الحسن لابن عمر، ومعرفة المعاصرة أهم شروط اتصال السند المعنعن عند مسلم. لهذا سيكون من أهم المشكلات التي يناقشها هذا البحث التفتيش عن جواب لهذا السؤال: ماهي مواطن الاتفاق والاختلاف بين الإمامين في هذه المسألة؟ ٢ ـ هل " ثبوت اللقاء" كشرط لاتصال السند المعنعن مؤثر في أصل صحة الحديث عند البخاري أم أنه لم يشترط ذلك إلا في الأحاديث التي خرجها في صحيحه فقط؟ ٣ ـ ماهي الحجج التي يمكن أن يكون البخاري استند إليها عندما اختار مذهبه في هذه الدراسة؟. ومن المعلوم أن الإمام البخاري لم يناقش خصومه ويعرض مذهبه بحججه وأدلته كما صنع الإمام مسلم في "مقدمة صحيحه" مما أحوج الباحث إلى التنقيب عما يحتج به للبخاري في هذه المسألة. ٤ ـ ماهي معالم المنهج النقدي الذي مارسه البخاري عند تطبيقه العملي للمسألة؟ رغم توفر معالم نصوص تطبيقية للإمام البخاري لهذه المسالة إلا أننا لا نقف له على نصوص تشخص موقفه النظري من هذه المسألة وكيف استخدم هذه المسألة في نقده للأسانيد؟ وأصبح الكثير من الباحثين لا يعرفون مذهب البخاري إلا من خلال ما قاله مسلم في "مقدمة صحيحه" وبما أن لدينا ثروة من نصوص البخاري التطبيقية فليس من المتعذر ـ إن شاء الله ـ دراسة هذه النصوص بعد جمعها لاستخلاص مفاتيح هامة من خلالها نتعرف على معالم المنهج النقدي الذي

стр. 10

مارسه البخاري عند تطبيقه العملي للمسألة، مما يؤدي إلى تاصيل الجانب النظري من المسألة عند البخاري. وحتى يتأتى الإجابة على هذا السؤال الهام يتوجب ابتداء وضع عدة أسئلة افتراضية تخضع للاختبار حتى يميز الفرض القوي الذي يرتقي إلى منزلة الحقيقة من غيره ومن هذه الأسئلة: - هل يراعي البخاري بلدان الرواة فيتشدد في البحث عن السماع في الأسانيد الكوفية والشامية أكثر من الأسانيد المدنية؟ - هل المدلس وغير المدلس عند البخاري بمنزلة واحدة من حيث اشتراط السماع في السند المعنعن؟ . - هل يفحص البخاري عن سماعات المجاهيل من الرواة عن شيوخهم أكثر من غيرهم؟ - هل يقتصر البخاري في تطبيقاته للمسألة على التنقيب عن سماعات التابعين من الصحابة؟ - لماذا يعبر البخاري في تطبيقاته للمسألة بلفظ السماع بدل الإدراك واللقاء؟ - هل يقرن البخاري في كلامه على الأسانيد بين عدم ثبوت السماع وأمور أخرى كالتفرد، والجهالة.. إلخ؟ - هل يطبق البخاري اشتراط السماع على أحاديث الأحكام فقط؟ ٥ ـ الاكتفاء بالمعاصرة ماهي ضوابطه عند الإمام؟ * هل الأصل عند الإمام مسلم في السند المعنعن الاتصال حتى يثبت الانقطاع كما فهم ذلك بعض المعاصرين؟ . * هل الراوي المجهول والضعيف يكفي في اتصال معنعنه احتمال اللقاء والمعاصرة عند مسلم؟ * هل يكتفي الإمام مسلم باحتمال المعاصرة أم لابد من العلم اليقيني بالمعاصرة؟ * ما هي وسائل إثبات المعاصرة عند الإمام مسلم؟ .

стр. 11

* ذكر الإمام مسلم " أن يكون اللقاء والسماع ممكناً وجائزاً" بين التلميذ والشيخ فما هو المقصود بإمكانية اللقاء؟ * اشتراط الإمام مسلم في الاكتفاء بالمعاصرة ألا يكون الراوي مدلساً، فماذا عن الراوي كثير الإرسال هل يعامل معاملة المدلس؟ . * إذا روى التلميذ حديثاً عن شيخ عاصره، ولم يثبت ما يدل على اللقاء والسماع بينهما، ثم روى عن ذلك الشيخ حديثاً آخر ولكن أدخل في سنده بينه وبين شيخه رجلاً أو رجلين فأكثر، فهل يكتفي في هذه الحالة بالمعاصرة عند الإمام مسلم أم لابد من دليل على ثبوت السماع أو اللقاء؟ . ٦ ـ ذكر الإمام مسلم في "مقدمة صحيحه" أدلة رد بها على خصومه فما هو موقف العلماء الذين ناقشوه من هذه الأدلة؟ . وماهي مؤاخذاتهم عليه؟ وهل كانت الأدلة التي ذكرها الإمام مسلم قوية وكافية في الرد على خصومه؟ وهل الإلزامات التي ذكرها في "مقدمة صحيح" تلزم خصومه حقاً؟ وماهي الأدلة التي يمكن إضافتها إلى جانب الأدلة التي ذكرها مسلم في تأييد مذهبه؟ . ٧ ـ هل أخرج الإمام مسلم في كتابه "الصحيح" اسانيد تكلم البخاري في سماع بعض رجال تلك الأسانيد من شيوخهم؟ . فمثلاً قال البخاري في ترجمة سليمان بن أبي سليمان: (لم يذكر سماعاً من أبي سعيد) (١) فننظر هل أخرج مسلم هذا السند في صحيحه؟ ٨ ـ تحديد مواطن القوة في مذهب البخاري، وفي مذهب مسلم أيضاً وذلك حتى يتسنى للباحث أن يرجح ما يراه المسلك الأقرب للصواب الذي يحسن اتخاذه تجاه السند المعنعن بين المتعاصرين. ٤ ـ أسباب اختياري لهذا البحث: ١ ـ أهمية المسألة عملياً للمشتغل بعلم الحديث كلما تصدى للحكم على حديث في سنده عنعنة خارج الصحيحين، واحتياجه المستمر إلى معرفة شروط

стр. 12

اتصال السند المعنعن في مذهب الإمامين البخاري ومسلم. ٢ ـ ومما حفزني إلى اختيار هذا البحث أنه موضوع لم يبحث من قبل بصورة محررة وشاملة. ٣ ـ ومما دعاني إلى اختيار هذا البحث ما رأيته من تسرع بعض المعاصرين إلى رد مذهب الإمام البخاري في هذه المسألة بدعوى أنه خلاف قول جمهور علماء الحديث، ومن ذلك صنيع الأستاذ محمد ناصر الدين الألباني في معرض رده على الإمام البخاري لما قال: لا أدري أسمع محمد بن عبد الله بن حسن من أبي الزناد أم لا؟ فقد قال الشيخ الألباني: (هذه ليست بعلة إلا عند البخاري بناء على أصله المعروف وهو اشتراط معرفة اللقاء، وليس بذلك شرط عند جمهور المحدثين) (١) . بينما نرى الإمام ابن رجب يقول (وأما جمهور المتقدمين فعلى ما قاله ابن المديني والبخاري، وهو القول الذي أنكره مسلم على من قاله) (٢) . فرأيت أن تجلية مذهب الإمامين البخاري في هذه المسألة ومعرفة من قال بمثل قوله وأيده من أهم الأسباب التي تدعوني لاختيار هذا البحث. ٤ ـ رأيت من بعض المعاصرين تقويتهم لأسانيد فيها انقطاع أو يشك في اتصالها، مع تبنيهم نظرياً لمذهب الإمام مسلم، حتى يتساءل الباحث هل فهم هؤلاء مذهب مسلم على أن السند المعنعن الأصل فيه الاتصال حتى يثبت الانقطاع البين؟ . وهل هذا الفهم صحيح أم لا؟ فمثلاً: حكم الألباني على حديث يرويه شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري عن رسول الله ﷺ بقوله (وهذا إسناد صحيح) (٣) . وبالرجوع إلى ترجمة شريح بن عبيد في "تهذيب التهذيب" (٤) نجد أن

стр. 13

الحافظ ابن حجر ينص على أن شريحاً لم يدرك أبا مالك الأشعري. كذلك حكم على حديث يرويه محمد بن المنكدر عن خزيمة بن ثابت عن رسول الله ﷺ بقوله: (إسناد حسن) (١) . وخزيمة بن ثابت ﵁ مات سنة ٣٧هـ، ومحمد بن المنكدر ولد قبل سنة ٦٠هـ بقليل. وحكم الشيخ أحمد شاكر على حديث يرويه عطاء بن فروخ عن عثمان بن عفان رسول الله ﷺ بقوله (إسناد صحيح. عطاء فروخ: ثقة، وليس له في الكتب الستة غير هذا الحديث، ولكن نقل الحافظ في التهذيب عن العلل لعلي بن المديني أنه لم يلق عثمان، ولم أجد ما يؤيد هذا؟) (٢) . وفي مسند البزار قول البزار: (وعطاء بن فروخ رجل من أهل البصرة حدث عنه يونس بن عبيد وعلي بن زيد، ولا نعلمه سمع من عثمان) (٣) وفي هذا تأييد لكلام ابن المديني ولم أعثر في ترجمة عطاء بن فروخ ما يدل على معاصرته لعثمان بن عفان. فهذه الأمثلة وغيرها كثير جعلتني أتساءل هل فَهمُ مذهب مسلم لدى بعض كبار أساتذة علم الحديث في عصرنا صواب أم يحتاج إلى إعادة نظر؟ لا سيما وأن هناك عدد من القضايا التي ذكرتها في مشكلات البحث تحت البند رقم (٥) لا تجد عند أكثر المعاصرين بياناً واضحاً لموقفهم منها مما جعل البحث في هذا الموضوع من الأهمية بمكان في نظري. ٥ ـ ومما حفزني إلى هذا البحث أن موضوعه من ضمن الموضوعات التي كنت شديد التعلق والاهتمام بها من قبل التحاقي بالدراسات العليا حتى أنني لما عزمتُ على اختياره وبدأت أكتب خطة البحث وجدُ عناوين الفصول تنثال على ذهني انثيالاً كأنها نقشت في نفسي من زمن.

стр. 14

٥ ـ الدراسات السابقة: لم يبحث هذا الموضوع ـ في حدود علمي ـ بحثاً شمولياً يحرر فيه مذهب كل إمام على حدة ويجلى فيه مواطن الاتفاق والاختلاف بين المذهبين، فبقيت مسائل عدة من هذا الموضوع محل إشكال وغموض. وقد تناول عدد من العلماء مسألة " السند المعنعن هل يشترط لاتصاله ثبوت السماع أم تكفي المعاصرة؟ " بالبحث الجزئي حيناً، وحيناً باقتضاب. فقد كتب الإمام ابن رشيد (١) الفهري رسالة سماها: " السنن الأبين في المحاكمة بين الإمامين البخاري ومسلم في السند المعنعن" وقد طبعت محققة في تونس، ومضمون هذا الكتاب هو رد على أدلة الإمام مسلم وانتصار لمذهب البخاري، وفي رده في بعض المواضع إجمال، كما أنه ترك قضايا عدة في هذه المسألة لم يعرج عليها مما جعل فائدة الكتاب مقصورة على مناقشة أدلة الإمام مسلم. وكذلك كتب الإمام العلائي (٢) في كتابه "جامع التحصيل في أحكام

стр. 15

المراسيل " عن هذه المسألة، وكذا صنع الحافظ ابن رجب (١) الحنبلي في كتابه " شرح علل الترمذي" وكذا أيضاً العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي البماني كتب حول هذه المسألة في "التنكيل لما ورد في تأنيب الكوثري من الأباطيل" وله أيضاً بحث حول هذه المسألة في كتابه "عمارة القبور"، وله أيضاً رسالة صغيرة في "الأحاديث التي استشهد بها مسلم على مخالفة " وكذا أيضاً الشيخ عبد الفتاح أبو غدة له رسالة أسماها "التتمة الثالثة في بيان مذهب الإمام مسلم في الحديث المعنعن بشرطه وبيان المعنى بالنقد والرد في كلامه" ضمن تتمات خمس ألحقها بتحقيقه على كتاب "الموقظة" للذهبي. وقد عرضت هذه الكتب لبعض الجوانب من المسألة، فكان على الباحث أن يجمع ما قيل في المسألة ليكوّن صورة عامة ثم يتمم ما يراه نقصاً حتى يظهر الموضوع بما يليق بأهميته وخطورته. ٦ ـ أهداف البحث: يهدف هذا البحث إلى أمور: ١ ـ تحديد معالم المسألة عند الإمام البخاري بدقة. ٢ ـ معرفة حدود المسألة عند الإمام مسلم بدقة. ٣ استخلاص أقوم الطرق في معالجة هذا الموضوع عند الحكم على

стр. 16

الأحاديث خارج الصحيحين. ٤ ـ إضافة ما أحسبه نافعاً وجديداً إلى تراث أمتي. ٧ ـ منهجي في البحث: ١ ـ سأذكر ـ إن شاء الله ـ أقوال العلماء في كل قضية من قضايا هذا البحث وذلك بالرجوع إلى كتب علم الحديث المعتمدة. ٢ ـ سأقوم ـ إن شاء الله ـ باستقراء وتتبع لنصوص البخاري التطبيقية المتعلقة بالمسألة، وذلك من كتبه المطبوعة ـ وكتبه المهمة بحمد الله مطبوعة ـ ٣ ـ سأقوم إن شاء الله ـ بمقارنة نصوص البخاري التطبيقية بما في صحيح مسلم من أسانيد لمعرفة هل أخرج مسلم في صحيحه أحاديث سبقه البخاري في الكلام عليها من حيث ثبوت السماع فيها؟ مراعياً ما لصحيح مسلم من مكانة جليلة عند بحث هذه القضية. ٥ ـ سأقوم ـ إن شاء الله ـ بعرض نصوص البخاري التطبيقية على " شروط الاكتفاء بالمعاصرة" التي حددها مسلم، وستشمل هذه المقارنة كل نصوص البخاري التطبيقية. ٦ ـ بما أن الإمام مسلماً قد حدد مذهبه وعرضه نظرياً، ولأن معظم كتب الإمام مسلم النقدية مفقودة إلا قطعة صغيرة من كتاب " التمييز" مما حرمنا من نصوص تطبيقية قد توجد في تراث هذا الإمام لو وصلتنا بعض من كتبه المفقودة لذا فأن من أهم ما سأعتني به تحديد "شروط الاكتفاء بالمعاصرة" تحديداً دقيقاً. ٧ ـ سأقوم ـ إن شاء الله ـ بعرض أدلة الإمام مسلم وأُناقشها مناقشة علمية موضوعية مستعيناً بكلام العلماء الذين ناقشوا تلك الأدلة. والأبواب والفصول التي تضمنتها خطة البحث هي:

стр. 17

خطة البحث ١ ـ المقدمة. ٢ ـ الباب الأول: تعريف بالإمامين والمسألة. الفصل الأول: تعريف موجز بالبخاري ومسلم. المبحث الأول: تعريف بالإمام البخاري. المبحث الثاني: تعريف بالإمام مسلم. الفصل الثاني: الإسناد المعنعن والاختلاف في الاحتجاج به. المبحث الأول: تعريف العنعنة. المبحث الثاني: العنعنة وعلاقتها بالتدليس والانقطاع. المبحث الثالث: الاختلاف في الاجتجاج بالعنعنة. المبحث الرابع: حكم الألفاظ التي بمنزلة " عن ". المبحث الخامس: العنعنة في السند هل هي من الشيخ أم من تصرف التلميذ ومن دونه؟ الفصل الثالث: تمييز هذه المسألة من المسائل المشابهة. المبحث الأول: تمييزها من مسائل عدم الاتصال في السند. المبحث الثاني: تمييزها من مسألة شرط البخاري ومسلم. ٣ ـ الباب الثاني: موقف الإمام البخاري: الفصل الأول: عناية البخاري الفائقة بهذه المسألة. المبحث الأول: تأثر البخاري في هذه المسألة بمن سبقه. المبحث الثاني: اهتمام البخاري بالمسألة في مصنفاته. الفصل الثاني: وسائل إثبات اللقاء والسماع عند الإمام البخاري. المبحث الأول: هل يكتفي البخاري بثبوت اللقاء أم يشترط التصريح بالسماع؟

стр. 18

المحبث الثاني: وسائل إثبات اللقاء. المبحث الثالث: شروط الاحتجاج بوسائل اللقاء. المبحث الرابع: كم يكفي لإثبات اللقاء؟ المبحث الخامس: ما يقوم مقام اللقاء. الفصل الثالث: هل عدم ثبوت اللقاء مؤثر في صحة الحديث عند الإمام البخاري؟ المبحث الأول: هل ثبوت اللقاء شرط في أعلى الصحة أم في أصل الصحة؟ المبحث الثاني: قل قوَّى البخاري أحاديث لم يثبت فيها اللقاء؟ الفصل الرابع: ما يُحتج به للبخاري على اشتراط اللقاء. الفصل الخامس: منهج البخاري في نصوصه النقدية المتعلقة باشتراط اللقاء. المبحث الأول: وصف لطريقة نقد البخاري لسماع الرواة. المبحث الثاني: فرز النصوص النقدية. المبحث الثالث: معالم في النصوص النقدية. الفصل السادس: العلماء الذين أيدوا البخاري في هذه المسألة. الفصل السابع: المآخذ على الإمام البخاري في هذه المسألة. ٤ ـ الباب الثالث: موقف الإمام مسلم. الفصل الأول: تحرير الإمام مسلم لمحل النزاع مع مخالفه. المبحث الأول: من الذي عناه مسلم بالرد عليه؟ المبحث الثاني: عرض الإمام مسلم لرأيه ورأي مخالفه. الفصل الثاني: ضوابط الاكتفاء بالمعاصرة عند الإمام مسلم. المبحث الأول: ثقة الرواة. المبحث الثاني: العلم بالمعاصرة. المبحث الثاث: تحديد المقصود بإمكانية اللقاء. المبحث الرابع: السلامة من التدليس. المبحث الخامس: عدم وجود ما يدل على نفي السماع أو اللقاء.

стр. 19

الفصل الثالث: أدلة الاكتفاء بالمعاصرة عند مسلم وغيره من العلماء ومناقشتها. المبحث الأول: ذكر الأدلة. المبحث الثاني: مناقشة الأدلة. الفصل الرابع: هل أخرج مسلم في صحيحه أسانيد معنعنة بمجرد الاكتفاء بالمعاصرة؟ الفصل الخامس: هل أخرج مسلم في صحيحه أسانيد تكلم البخاري فيها بعدم ثبوت السماع؟ الفصل السادس: العلماء الذين أيدوا مسلماً في هذه المسألة. الفصل السابع: المآخذ على الإمام مسلم في هذه المسألة. ٥ ـ الباب الرابع: الموازنة بين الرأيين والترجيح. الفصل الأول: مواطن الاتفاق والاختلاف بين الرأيين. الفصل الثاني: الترجيح وأسبابه. ٦ ـ الخاتمة. ا٧ ـ الفهارس. وغني عن القول ما اكتف هذا البحث من مصاعب ومشاق بسبب طبيعة الموضوع البالغة الدقة وقصر الوقت المخصص لمثل هذا الموضوع الشائك. ولقد واجهتني مصاعب جَمَّة أثناء جمع المعلومات، وأثناء دراسة النصوص وتحقيقها من أجل الاستنباط، وكذلك أثناء فرز وانتقاء المادة العلمية بغرض كتابة البحث وتحريره. مما جعلني هممت بتغيير الموضوع لكثرة المتاعب التي واجهتني، ولولا توفيق المولى ثم شعوري بالواجب لما استطعت تجاوز تلك الصعاب. وحديثي عن المصاعب مقدمة للاعتذار عما سيوجد في البحث من جوانب الخلل والقصور، فإن النقص وصف ملازم للذات البشرية لا ينفك عنها. ومع علمي بأن هذا البحث قد يثير ضدي انتقادات إلا أنني أرى أن من أهم الواجبات على الباحثين في علم الحديث تحرير المسائل الخلافية في علم المصطلح مع ضرورة التركيز في ذلك على الجوانب التطبيقية عند كبار أئمة

стр. 20

الحديث من المتقدمين، ويجب ألا يصرفنا الخوف من الوقوع في الخطأ عند البدء في ذلك فإنه من الطبيعي أن البدايات يرافقها عادة النقص والضعف وتجيء بعدها مراحل التجويد والتهذيب والتحسين. فعسى أن يكون هذا البحث خطوة أولى على ذلك الطريق الطويل فإن مسائل المصطلح التي تحتاج إلى تحرير وتحقيق ليست بقليلة. ويطيب لي أن أتقدم بالشكر والعرفان على فضيلة المشرف أستاذي القدير الدكتور شاكر فياض، فكما وأشكر القائمين على مكتبة الرشد لعنايتهم بنشر هذا الكتاب، وأتوجه كذلك بالشكر إلى كل الزملاء الذين ساعدوني في الحصول على بعض المراجع النادرة وهم: الأخ خالد السبيت، والأخ عبد الله دمفو، والأخ عصام السناني، والأخ علي بن نافع المخلفي، والأخ منصور السماري. وختاماً أسأل المولى أن يرزقني الإخلاص، وأن يجزيني خيراً ويختم لي بالحسنى، كما وأسأله سبحانه أن يكتب لهذا العمل القبول وأن ينفع به. ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين﴾ (الصافات: الآيات ١٨٠ ـ ١٨٢) . خالد بن منصور بن عبد الله الدريس

стр. 21

الباب الأول تعريف بالإمامين والمسألة

стр. 22

الفصل الأول تعريف موجز بالبخاري ومسلم المبحث الأول: تعريف بالإمامين البخاري. المبحث الثاني: تعريف بالإمامين مسلم. المبحث الأول تعريف بالأمام البخاري أولاً: اسمه ونسبه: هو أبو عبد الله محمد بن اسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه الجعفي البخاري (١) . ومعنى " بَرْدِزْبَه" (٢) بالعربية؛ الزراع (٣) . وإنما قيل في نسبه الجعفي لأن أبا جده المغيرة أسلم على يد اليمان الجعفي. قال الحافظ ابن حجر: (فنسب إليه نسبة ولاء عملاً بمذهب من يرى أن من أسلم على يده شخص كان ولاؤه له، وإنما قيل له الجعفي لذلك) (٤) . ثانياً أسرته: قال الحافظ ابن حجر متحدثاً عن أسرة الإمام البخاري: (بَرْدِزَبْه فارسياً

стр. 23

على دين قومه، ثم أسلم ولده المغيرة على يد اليمان الجعفي ... وأما ولده إبراهيم بن المغيرة فلم نقف على شيء من أخباره، وأما والد محمد فقد ذكرت له ترجمة في كتاب "الثقات" (١) لابن حبان فقال في الطبقة الرابعة: "إسماعيل بن إبراهيم والد البخاري يروي عن حماد بن زيد ومالك، وروى عنه العارقيون"، وذكره ولده في التاريخ الكبير (٢) فقال: "إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة سمع من مالك وحماد بن زيد، وصافح ابن المبارك"، وسيأتي بعد قليل قول إسماعيل عند موته أنه لا يعلم في ماله حراماً ولا شبهة، ومات إسماعيل ومحمد صغير؛ فنشأ في حجر أمه) (٣) . وللبخاري أخ اسمه أحمد ورد ذكره في قول البخاري: (خرجت مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججت رجع أخي بها) (٤) ويحتمل أن يكون له أخ يُسمى الحسن لأن كنية والده "أبو الحسن" (٥) ولكن لم يرد له أي ذكر في المصادر. ثالثاً: ولادته: قال أبو حسان مهيب بن سليم: (سمعتُ محمد بن إسماعيل البخاري يقول: ولدتُ يوم الجمعة بعد الصلاة لثنتي عشر ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة) (٦) . وقد ذُكر خلاف في يوم مولده فقيل: إنه كان لثلاث عشرة ليلة خلت من

стр. 24

شوال (١) وما عدا ذلك فلا خلاف في تاريخ مولده. وكان مسقط رأسه مدينة " بخاري" (٢) . رابعاً: بداية طلب العلم: قال أبو جعفر محمد بن أبي حاتم الوراق النحوي "وراق البخاري": (قلتُ لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: كيف كان بدء أمرك في طلب الحديث؟ قال: ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب. قال: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ قال: عشر سنين أو أقل، ثم خرجتُ من الكتاب بعد العشر، فجعلتُ أختلف إلى الداخلي وغيره، وقال يوماً فيما كان يقرأ على الناس: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم، فقلت له: يا أبا فلان إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم. فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونظر فيه ثم خرج فقال لي: كيف هو ياغلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم مني وأحكم كتابه فقال: صدقت. فقال له بعض أصحابه: ابن كم كنت إذ رددت عليه؟ فقال: ابن إحدى عشرة. فلما طعنت في ست عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء (٣) . ثم خرجت مع أمي وأخي أحمد إلى مك ة، فلما حججت رجع أخي بها، وتخلفت في طلب الحديث) (٤) . ومن هذا النص يظهر أن البخاري بدأ بطلب العلم وهو صغير، وبدأ حبه واهتمامه بعلم العلل في مرحلة مبكرة من عمره، كذلك كان للفقه والمعرفة بكلام المذاهب الفقهية نصيب من اهتمامه في بداياته العلمية. خامساً: مشايخه: لقد كان البخاري شغوفاً بالعلم، محباً له كأشد ما يكون الحب. فحرص على طلب العلم، وتتبع مصادره، وسعى إلى أئمته، حتى كثر عدد مشايخه فبلغ ما

стр. 25

يزيد على الألف شيخ. فلقد قال ﵀: (كتبت عن ألفِ شيخ أو أكثر) (١) . ومع ذلك فقد كان يتحرى في شيوخه أن يجتمع فيهم صحة المعتقد، والاتقان في طلب الحديث، كما قال: (كتبت عن ألف وثمانين نفساً، ليس فيهم إلا صاحب حديث) (٢) وقال: (لم أكتب إلا عمن قال: الإيمان قول وعمل) (٣) . وشيوخ البخاري ينحصرون في خمس طبقات كما ذكر الحافظ ابن حجر: الطبقة الأولى: من حدثه عن التابعين مثل محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثه عن حميد، ومثل مكي بن إبراهيم حدثه عن يزيد بن أبي عبيد، ومثل أبي نعيم حدثه عن الأعمش، ومثل خلاد بن يحيى حدثه عن عيسى بن طهمان، ومثل علي بن عياش وعصام بن خالد حدثاه عن حريز بن عثمان، وشيوخ هؤلاء كلهم من التابعين. الطبقة الثانية: من كان في عصر هؤلاء لكن لم يسمع من ثقات التابعين، كآدم بن أبي إياس، وأبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر، وسعيد بن أبي مريم، وأيوب بن سليمان بن بلال، وأمثالهم. الطبقة الثالثة: هي الوسطى من مشايخه وهم: من لم يلق التابعين بل أخذ عن كبار تبع الأتباع، كسليمان بن حرب، وقتيبة بن سعيد، ونعيم بن حماد، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة، وأمثال هؤلاء. وهذه الطبقة قد شاركه مسلم في الأخذ عنهم. الطبقة الرابعة: رفقاءه في الطلب، ومن سمع قبله قليلاً كمحمد بن يحيى الذهلي، وأبي حاتم الرازي، ومحمد بن عبد الرحمن "صاعقة" وعبد بن حميد، وأحمد بن النضر، وجماعة من نظرائهم، وإنما يخرج عن هؤلاء مافاته عن مشايخه أو مالم يجده عند غيرهم. الطبقة الخامسة: قوم في عداد طلبته في السن والإسناد. سمع منهم الفائدة، كعبد الله بن حماد الآملي، وعبد الله بن أبي العاص الخوارزمي، وحسين بن محمد

стр. 26

القباني، وغيرهم، وقد روى عنهم أشياء يسيرة (١) . سادساً: تلاميذه: يصعب جداً حصر تلاميذ الإمام البخاري لكثرة عددهم، ولانتشارهم وتفرقهم في البلاد، وقد حُمِل العلم عن البخاري وهو لم يزل شاباً حديث السن، قال أبو بكر بن الأعين: (كتبنا عن محمد بن إسماعيل وهو أمرد على باب محمد بن يوسف الفريابي) (٢) وعقب ابن حجر بقوله (كان موت الفريابي سنة اثنتي عشرة ومائتين، وكان سن البخاري إذ ذاك نحواً من ثمانية عشر عاماً أو دونها ((٣) ... ولم يزل يؤخذ عن البخاري ويُسمع منه حتى وفاته. ويتضح مدى كثرة تلاميذ البخاري إذا نظرنا إلى قول محمد بن يوسف الفربري: (سمع الجامع من محمد بن إسماعيل تسعون ألفاً) (٤) . ومن أشهر تلاميذ البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ: ١ ـ إبراهيم بن معقل النسفي. ٢ ـ الحسين بن إسماعيل المحاملي. ٣ ـ حماد بن شاكر. ٤ ـ صالح بن محمد الملقب " جزرة". ٥ ـ محمد بن إسحاق بن خزيمة. ٦ ـ أبو جعفر محمد بن أبي حاتم ورَّاق البخاري. ٧ ـ محمد بن سليمان بن فارس. ٨ ـ أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي. ٩ ـ محمد بن يوسف الفربري.

стр. 27

١٠ مسلم بن الحجاج (١) . سابعاص: رحلاته: كانت الرحلة في طلب الحديث من أهم الأمور التي يُعنى بها طلبة الحديث في العصور الذهبية لعلوم الحديث، ولقد كان للبخاري منها أوفر الحظ والنصيب، قال الخطيب البغدادي: (رحل في طلب العلم إلى سائر محدثي الأمصار) (٢) ، وقال البخاري: (لقيتُ أكثر من ألف رجل من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر، لقيتهم كرات، أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين، وأهل البصرة أربع مرات، وبالحجاز ستة أعوام، ولا أُحصي كم دخلت الكوفة وبغداد) (٣) . ثامناً: ثناء العلماء عليه: لقد تواتر ثناء أهل العلم على الإمام البخاري، واشتُهر أمر حفظه وعلمه وبراعته في علم الحديث حتى علمه القاصي والد اني، ويكفي البخاري فخراً أن مئات الملايين من المسلمين على مدار تاريخ الإسلام يتعبدون الله بتصحيحه، ويكفيه ثقةً وأمانةً أن يكون كتابه الصحيح أصح كتاب بعد كتاب الله . ولقد جاء الثناء على البخاري من شتى علماء الأمصار، وأثنت الأمة بأسرها على هذا الإمام الفحل وسأقتصر هنا على بعض ما ورد في مدحه ممن أدركه من شيوخه وأقرانه وتلاميذه. فممن أثنى عليه من شيوخه قتيبة بن سعيد الذي قال: (لو كان محمد بن إسماعيل في لاصحابة لكان آية) (٤) .

стр. 28

وكذلك أحمد بن حنبل قال: (ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل) (١) . وقال علي بن المديني في الثناء على البخاري: (ما رأى مثل نفسه) (٢) . وممن أثنى عليه من أقرانه أبو حاتم الرازي الذي قال: (لم تخرج خراسان قط أحفظ من محمد بن إسماعيل) (٣) . وقال عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي: (قد رأيت العلماء بالحرمين، والحجاز، والشام، والعراق، فما رأيت فيهم أجمع من محمد بن إسماعيل، وهو أعلمنا وأفقهنا وأكثرنا طلباً) (٤) . وقال حاتم بن منصور: (محمد بن إسماعيل آية من آيات الله في بصره ونفاذه في العلم (٥) . وممن أثنى عليه من تلاميذه محمد بن إسحاق بن خزيمة الذي قال: (ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ﷺ وأحفظ له من محمد بن إسماعيل) (٦) . وقال مسلم بن الحجاج: (دعني أقبل رجليك ياأستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله) (٧) . وقال أبو عيسى الترمذي: (لم أر أحداً بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كثير أحدٍ أعلم من محمد بن إسماعيل) (٨) .

стр. 29

تاسعاً: مصنفاته: ترك الإمام البخاري من خلفه ثروة عظيمة القدر من الكتب النفيسة التي أذهلت العلماء حتى قال أبو أحمد الحاكم: (لو قلتُ: إني لم أر تصنيف أحدٍ يشبه تصنيفه في الحسن والمبالغة رجوتُ أن أكون صادقاً في قوله) (١) . وقال أيضاً: (رحم الله الإمام محمد بن إسماعيل، فإنه الذي ألف الأصول وبين للناس) (٢) . وقد جمع أسماء هذه المؤلفات الحافظ ابن حجر (٣) وهي: ١- الأدب المفرد (مطبوع) . ٢- أسامي الصحابة. ٣- الأشربة. ٤- التاريخ الكبير (مطبوع) ٥- التاريخ الأوسط. ٦- التاريخ الصغير (مطبوع) (٤) ٧- التفسير الكبير. ٨- الجامع الصحيح (مطبوع) ٩- الجامع الكبير. ١٠- خلق أفعال العباد (مطبوع) . ١١- رفع اليدين في الصلاة (مطبوع) . ١٢- الضعفاء (مطبوع) ١٣- العلل. ١٤- الفوائد. ١٥- القراءة خلف الإمام (مطبوع) . ١٦- الكنى. ١٧- المبسوط. ١٨- المسند الكبير. ١٩- كتاب الهبة. ٢٠- الوحدان.

стр. 30

عاشراً وفاته: بعد حياة حافلة بالعطاء والنفع للمسلمين، تخلُ من بعض المحن والشدائد القاسية التي اصابت هذا الإمام في آخر عمره، وبعد أن ترك الإمام البخاري للأمة الإسلامية أغلى الكنوز في علم الحديث، بعد هذا كله فاضت تلكم الروح الطاهرة إلى بارئها. يقول عبد القدوس بن عبد الجبار السمر قندي: (جاء محمد بن إسماعيل إلى خرتَنْك ـ قرية من قرى سمرقند على فرسخين منها ـ وكان له بها أقرباء فنزل عندهم، قال: فسمعته ليلة من الليالي وقد فرغ من صلاة الليل يدعو ويقول في دعائه: اللهم إنه قد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك. قال: فما تم الشهر حتى قبضه الله تعالى إليه، وقبره بخرتنك) (١) (وتوفي ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت لغرة شوال من سنة ستٍ وخمسين ومائتين، عاش اثنتين وستين سنة، إلا ثلاثة عشر يوماً) (٢) . ولم يُخلف من بعده ذرية ـ فيما ظهر لنا ـ قال الحاكم: (وأما البخاري ومسلم فإنهما لم يعقبا ذكراً) (٣) . ولم تذكر كتب التراجم أنه تزوج أصلاً، ولم يذكر أحد أنه ترك ذرية من بعده رحم الله أبا عبد الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. المبحث الثاني تعريف بالإمام مسلم أولاً: اسمه ونسبه: هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن وَرْدِ بن كوشان القشيري

стр. 31

النيسابوري (١) . قال ابن الصلاح: (القشيري النسب، النيسابوري الدار والموطن، عربي صليبة) (٢) . وقال الذهبي: (لعله من موالي قُشير) (٣) . ثانياً: ولادته: لم يرد تاريخ محدد بالضبط لمولد الإمام مسلم ﵀ حتى أن ابن الصلاح قال: (لكن تاريخ مولده، ومقدار عمره كثيراً ما تطلب الطلاب علمه فلا يجدونه، وقدوجدناه والحمد لله، فذكر الحاكم أبو عبد الله بن البيع الحافظ في كتاب " المُزكين لرواة الأخبار" أنه سمع ابا عبد الله بن الأخرم الحافظ يقول: توفي مسلم بن الحجاج ﵀ عشية يوم الأحد، ودفن يوم الاثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين، وهو ابن خمس وخمسين سنة، وهذا يقتضي أن مولده ك ان في سنة ست ومائتين) (٤) . وقال الذهبي: (قيل إنه ولد سنة أربع ومائتين) (٥) فالخلاف بين التاريخين قريب ولعل ما ذهب إليه ابن الصلاح في تحديد تاريخ ميلاد الإمام مسلم هو الأرجح. ثالثاً: طلبه للعلم: لم تتعرض أكثر المصادر التي ترجمت للإمام مسلم إلى بدء طلبه للعلم، وكيف كان تحصيله للمعرفة؟ ، إلا أن الإمام الذهبي تعرض لذلك بقوله: (وأولُ سماعه في سنة ثمان عشرة من يحيى بن يحيى التميمي، وحجَّ سنة عشرين وهو أمرد، فيسمع بمكة من القعنبي، فهو أكبر شيخ له، وسمع بالكوفة من أحمد بن

стр. 32

يونس، وجماعة. وأسرع إلى وطنه، ثم ارتحل بعد أعوام قبل الثلاثين. أكثر عن علي بن الجعد، لكنه ما روى عنه في " الصحيح" شيئاً. وسمع بالعراق والحرمين ومصر) (١) . رابعاً: مشايخه: لم يتوفر لدينا إحصاء دقيق لعدد شيوخ الإمام مسلم الذين سمع منهم العلم سوى ما ذكره الإمام الذهبي من أن عدة شيوخ مسلم الذي أخرج لهم في الصحيح (مئتان وعشرون رجلاً) (٢) ومن المؤكد أن عدد شيوخ مسلم يزيد على ذلك. ومن أشهر شيوخه: ١- الإمام أحمد بن حنبل. ٢- إسحاق بن راهويه. ٣- سعيد بن منصور. ٤- عبد الله بن مسلمة القعنبي. ٥- علي بن الجعد. ٦- علي بن المديني. ٧- قتيبة بن سعيد. ٨- محمد بن إسماعيل البخاري. ٩- يحيى بن معين. ١٠- يحيى بن يحيى النيسابوري. (٣) خامساً: تلاميذه: من أشهر تلاميذه: ١- إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه. ٢- أحمد بن سلمة الحافظ. ٣- أحمد بن علي القلانسي (شهرته بالنسبة لروايته لصحيح مسلم المنتشرة عند المغاربة، وأما هو فلا نعرف من حاله شيئاً) .

стр. 33

٤- أبو حامد بن محمد بن الشرقي. ٥- عبد الرحمن بن أبي حاتم. ٦- محمد بن إسحاق بن خزيمة. ٧- محمد بن عيسى الترمذي. ٨- مكي بن عَبدان. ٩- يحيى بن صاعد. ١٠- أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني (١) . سادساً: رحلاته: رحل الإمام مسلم إلى العراق، والحجاز، والشام، ومصر (٢) وغيرها من بلدان العالم الإسلامي، لذلك قال ابن الصلاح: (رحل فيه ـ يعني الحديث ـ رحلة واسعة) (٣) . وقد نبه الذهبي إلى أن مسلماً لم يدخل دمشق فقال: (وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في "تاريخه" مسلماً بناءً على سماعه من محمد بن خالد السكسكي فقط. والظاهر أنه لقيه في الموسم، فلم يكن مسلم ليدخُل دمشق فلا يسمع إلا من شيخ واحد) (٤) . سابعاً: ثناء العلماء عليه: الإمام مسلم بن الحجاج (أشهر من أن تذكر فضائله) (٥) كما قال أبو يعلى الخليلي. ولقد حطي ﵀ بثناء علماء عصره، وما بعد عصره، وحباه الله منزلة عظمى في نفوس المسلمين بسبب كتابه "الصحيح" الذي يعد مع كتاب

стр. 34

البخاري "الصحيح" اصح وأجلّ كتب السنة النبوية على الإطلاق فمما قيل في الثناء عليه رحمه الله تعالى: قال أحمد بن سلمة (رأيت أبا زرعة، وأبا حاتم، يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما) (١) . قال ابن أبي حاتم (كان ثقة من الحفاظ، له معرفة بالحديث، سئل عنه أبي فقال: صدوق) (٢) . وقال محمد بن بشار: (حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل البخاري ببخاري) (٣) . وقال ابن الصلاح: (رفعه الله ﵎ بكتابه الصحيح إلى مناط النجوم، وصار إماماً حُجة يبدأ ذكره ويُعاد في علم الحديث، وغيره من العلوم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) (٤) . وقال النووي: (أحد أعلام أئمة هذا الشأن، وكبار المبرزين فيه، وأهل الحفظ والإتقان، والرحالين في طلبه إلى ائمة الأقطار والبلدان، والمعترف له بالتقدم فيه بلا خلاف عند أهل الحذق والعرفان) (٥) . وقال أيضاً: (الإمام الحافظ حجة الإسلام) (٦) وقال أيضاً: (الإمام الكبير الحافظ المجود الحجة الصادق) (٧) . وقال ابن حجر: (حصل لمسلم في كتابه حظ عظيم مفرط لم يحصل لأحد

стр. 35

مثله بحيث أن بعض الناس كان يفضله على صحيح محمد بن إسماعيل.. فسبحان المعطي الوهاب) (١) . وماهذه الفضائل إلا غيض من فيض بحر فضائل هذا الإمام الجليل رحمه الله تعالى. ثامناً: مصنفاته: صنف الإمام مسلم تصانيف عديدة، لم يصلنا منها إلا القليل، ويظهر من استعراض أسماء هذه المؤلفات عناية الإمام مسلم الكبيرة بعلم الحديث وفنونه، وأسماء هذه المؤلفات التي ذكرها بعض أهل العلم هي: ١- الأسماء والكنى. (ط) . ٢- أفراد الشاميين. ٣- الأقران. ٤- الانتفاع بأُهُب السباع. ٥- أولاد الصحابة. ٦- أوهام المحدثين. ٧- التمييز (ط) . ٨- الجامع على الأبواب. ٩- حديث عمرو بن شعيب. ١٠- سؤالاته لأحمد بن حنبل. ١١- الطبقات (ط) . ١٢- العلل. ١٣- المخضرمون. ١٤- المسند الصحيح (ط) . ١٥- المسند الكبير. ١٦- مشايخ الثوري. ١٧- مشايخ شعبة.

стр. 36

١٨- مشايخ مالك. ١٩- المنفردات والحدان (١) . (ط) . تاسعاً: وفاته: بعد حياة قصيرة من عمر الزمن، مليئة بالخير والعلم والصلاح، قضى الإمام مسلم نحبه، وكان سبب موته فيما ذُكر أنه (عقد لأبي الحسين مسلم بن الحجاج مجلس للمذاكرة، فذكر له حديث لم يعرفه فانصرف إلى منزله وأوقد السراج، وقال لمن في الدار: لا يدخلن أحد منكم هذا البيت، فقيل له: أهديت لنا سلة فيها تمر، فقال: قدموها إلي، فقدموها إليه، فكان يطلب الحديث، ويأخذ تمرة تمرة يمضغها، فأصبح وقد فني التمر ووجد الحديث قال محمد بن عبد الله [الحاكم] : زادني الثقة من أصحابنا أنه منها مات) (٢) . وقد ك انت وفاته عشية يوم الأحد، ودفن يوم الاثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين (٣) . ولم يعقب ذرية ذكوراً (٤) ، وقد ذكر الحاكم أنه رأى من أعقابه من جهة البنات (٥) . فرحم الله الإمام مسلم بن الحجاج وجزاه خير الجزاء عن الإسلام والمسلمين.

стр. 37

الفصل الثاني الإسناد المعنعن والاختلاف في الاحتجاج به المبحث الأول: تعريف العنعنة . المبحث الثاني: العنعنة وعلاقتها بالتدليس والانقطاع. المبحث الثالث: الاختلاف في الاحتجاج بالعنعنة. المبحث الرابع: حكم الألفاظ التي بمنزلة " عن ". المبحث الخامس: العنعنة في السند هل هي من الشيخ أم من تصرف التلميذ ومن دونه؟ المبحث الأول: تعريف العنعنة يُعرف الإسناد المعنعن بأنه الذي يقال فيه "فلان عن فلان" (١) . (والعنعنة هي مصدر عنعن الحديث) (٢) على وزن (فعللة من عنعن) (٣) (وعنعن الحديث: إذا رواه بعن، من غير بيان للتحديث، أو الإخبار أو السماع) (٤) . ومثال ذلك: الشعبي عن مسروق عن عائشة ﵂.

стр. 38

المبحث الثاني: العنعنة وعلاقتها بالتدليس والانقطاع لفظة "عن" صيغة أداء، استعملت في الأسانيد المتصلة، كما أنها أيضاً استعملت في الأسانيد غير المتصلة، وهي في حد ذاتها لا تُفيد الاتصال كما أنها أيضاً لا تُفيد عدم الاتصال، فهي تستعمل في الأمرين كليهما. وقد كَثُر ورودها في الأسانيد المُدلسة والمنقطعة، واستعملها المُدِلسون في أسانيدهم غير المتصلة، كذلك المُرسِلون استعملوها في أسانيدهم المُرسلة، قال الخطيب البغدادي: (وقول المحدث: ثنا فلان قال ثنا فلان أعلى منزلة من قوله ثنا فلان عن فلان. إذ كانت "عن" مستعملة كثيرة في تدليس ماليس بسماع) (١) . وقال ابن الصلاح ـ في معرض كلامه عن المُدلِّس ـ (ومن شأنه أن لا يقول في ذلك: "أخبرنا فلان" ولا " حدثنا" وما أشبهها، وإنما يقول: " قال فلان" أو " عن فلان" ونحو ذلك) (٢) . فالإتيان بلفظة "عن" فيما لم يُسمع من الأسانيد المرسلة والمنقطعة؛ معروف ومُشتهر بين الحديثين، وهو من عادتهم في الرواية بالعنعنة (٣) . لهذا لم يُنقل عن أحدٍ من أهل العلم بالحديث ونقده الحكم باتصال السند المعنعن بدون أي شروط، والذي نُقل عن الأئمة النقاد والحفاظ هو الحكم باتصال السند المعنعن ولكن بشروط سَهَّل بعضهم فيه كالإمام مسلم، وتوسط بعضهم فيها واحتاط كالإمام البخاري، ولكنهما لم يحكما باتصال السند المعنعن إلا بشروط مُعينة.

стр. 39

المبحث الثالث الاختلاف في الاحتجاج بالعنعنة ذهب بعض أهل الحديث إلى عدم الاحتجاج بالإسناد المعنعن مطلقاً، وخالفهم جمهور أهل العلم في ذلك فقبلوا الإسناد المعنعن، ولكن بشروط وقع خلاف بينهم فيها، فكانت أقوال العلماء المحكية في الإسناد المعنعن ترجع إلى مذاهب أربعة هي: الأول: عدم الاحتجاج بالسند المعنعن مطلقاً، واعتباره كالمرسل والمنقطع من حيث عدم الاحتجاج، ويذهب أصحاب هذا القول على أنه لا يُعد من الحديث المتصل إلا ما نُص فيه على السماع، أو حصل العلم به من طريق آخر (١) . ولم يصرح ابن الصلاح بنسبة هذا القول إلى قائله، واكتفى بقوله: _ (عده بعض الناس) (٢) إلا أن الرامهرمزي عزى هذا القول إلى بعض المتأخرين من الفقهاء (٣) . ويبدو أن هذا القول قديم فقد ذكره الحارث المحاسبي في كتابه "فهم السنن" ضمن أقوال ذكرها لأهل العلم فيما يثبت به الحديث، فقال: (الأول: أنه لابد أن يقول كل عدل في الإسناد: حدثني أو سمعت إلى أن يتنهي إلى النبي ﷺ فإذا لم يقولوا كلهم ذلك، أو لم يقله إلا بعضهم، فلا يثبت، لأنهم عرف من عادتهم الراوية بالعنعنة فيما لم يسمعوه) (٤) . ولعل من القائلين بهذا القول شعبة بن الحجاج، فقد نُقل عنه أنه قال: (فلان عن فلان مثله لا يُجزي) (٥) ، وقال أيضاً (كل حديث ليس فيه حدثنا أو أخبرنا فهو خل وبقل) (٦) ، وقال أيضاً: (كل حديث ليس فيه حدثنا وأخبرنا فهو مثل الرجل

стр. 40

بالفلاة معه البعير ليس له خِطام) (١) غير أن أبا عمر بن عبد البر ذكر أن شعبة قد رجع عن هذا القول (٢) . واحتج أصحاب هذا القول علىمذهبهم: بأن الحديث إذا (لم يقل حدثنا فلان أن فلاناً حدثه، ولا ما يقوم به مقام هذا من الألفاظ، أُحتمل أن يكون بين فلان الذي حدثه وبين فلان الثاني رجل آخر لم يُسمه، لأنه ليس بمنكر أن يقول قائل: حُدِّثنا عن النبي ﷺ بكذا وكذا، وفلان حدثنا عن مالك والشافعي، وسواء قيل ذلك فيمن عُلِم أن المخاطب لم يره أو فيمن لم يُعلم ذلك منه، لأن معنى قوله "عن"، إنما هو أن ردّ الحديث إليه، وهذا سائغ في اللغة، مستعمل بين الناس) (٣) . فعمدتهم فيما ذهبوا إليه هو الاحتياط لأن " عن" لا تقتضي الاتصال، ولأنه قد عُرِف أن المحدثين من الرواة يأتون بها في موضع الإرسال والانقطاع (٤) . وقد رد العلماء هذا المذهب فقال النووي (وهذا المذهب مردود باجماع السلف) (٥) وقال ابن رُشيد: (هذا المذهب رفضه جمهور المحدثين بل جميعهم) (٦) وقال: (ولو اشترط ذلك لضاق الأمر جداً، ولم يتحصل من السُنة إلا النزر اليسير) (٧) . الثاني: وهو مذهب من يقول: يشترط في الاحتجاج بالسند المعنعن طول الصحبة بين الراوي ومن يروي عنه (٨) مع السلامة من التدليس (٩) .
следующие страницы →