← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9836

موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين

خالد الدريس

Полный текст (478 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

١٨- مشايخ مالك. ١٩- المنفردات والحدان (١) . (ط) . تاسعاً: وفاته: بعد حياة قصيرة من عمر الزمن، مليئة بالخير والعلم والصلاح، قضى الإمام مسلم نحبه، وكان سبب موته فيما ذُكر أنه (عقد لأبي الحسين مسلم بن الحجاج مجلس للمذاكرة، فذكر له حديث لم يعرفه فانصرف إلى منزله وأوقد السراج، وقال لمن في الدار: لا يدخلن أحد منكم هذا البيت، فقيل له: أهديت لنا سلة فيها تمر، فقال: قدموها إلي، فقدموها إليه، فكان يطلب الحديث، ويأخذ تمرة تمرة يمضغها، فأصبح وقد فني التمر ووجد الحديث قال محمد بن عبد الله [الحاكم] : زادني الثقة من أصحابنا أنه منها مات) (٢) . وقد ك انت وفاته عشية يوم الأحد، ودفن يوم الاثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين (٣) . ولم يعقب ذرية ذكوراً (٤) ، وقد ذكر الحاكم أنه رأى من أعقابه من جهة البنات (٥) . فرحم الله الإمام مسلم بن الحجاج وجزاه خير الجزاء عن الإسلام والمسلمين.

стр. 37

الفصل الثاني الإسناد المعنعن والاختلاف في الاحتجاج به المبحث الأول: تعريف العنعنة . المبحث الثاني: العنعنة وعلاقتها بالتدليس والانقطاع. المبحث الثالث: الاختلاف في الاحتجاج بالعنعنة. المبحث الرابع: حكم الألفاظ التي بمنزلة " عن ". المبحث الخامس: العنعنة في السند هل هي من الشيخ أم من تصرف التلميذ ومن دونه؟ المبحث الأول: تعريف العنعنة يُعرف الإسناد المعنعن بأنه الذي يقال فيه "فلان عن فلان" (١) . (والعنعنة هي مصدر عنعن الحديث) (٢) على وزن (فعللة من عنعن) (٣) (وعنعن الحديث: إذا رواه بعن، من غير بيان للتحديث، أو الإخبار أو السماع) (٤) . ومثال ذلك: الشعبي عن مسروق عن عائشة ﵂.

стр. 38

المبحث الثاني: العنعنة وعلاقتها بالتدليس والانقطاع لفظة "عن" صيغة أداء، استعملت في الأسانيد المتصلة، كما أنها أيضاً استعملت في الأسانيد غير المتصلة، وهي في حد ذاتها لا تُفيد الاتصال كما أنها أيضاً لا تُفيد عدم الاتصال، فهي تستعمل في الأمرين كليهما. وقد كَثُر ورودها في الأسانيد المُدلسة والمنقطعة، واستعملها المُدِلسون في أسانيدهم غير المتصلة، كذلك المُرسِلون استعملوها في أسانيدهم المُرسلة، قال الخطيب البغدادي: (وقول المحدث: ثنا فلان قال ثنا فلان أعلى منزلة من قوله ثنا فلان عن فلان. إذ كانت "عن" مستعملة كثيرة في تدليس ماليس بسماع) (١) . وقال ابن الصلاح ـ في معرض كلامه عن المُدلِّس ـ (ومن شأنه أن لا يقول في ذلك: "أخبرنا فلان" ولا " حدثنا" وما أشبهها، وإنما يقول: " قال فلان" أو " عن فلان" ونحو ذلك) (٢) . فالإتيان بلفظة "عن" فيما لم يُسمع من الأسانيد المرسلة والمنقطعة؛ معروف ومُشتهر بين الحديثين، وهو من عادتهم في الرواية بالعنعنة (٣) . لهذا لم يُنقل عن أحدٍ من أهل العلم بالحديث ونقده الحكم باتصال السند المعنعن بدون أي شروط، والذي نُقل عن الأئمة النقاد والحفاظ هو الحكم باتصال السند المعنعن ولكن بشروط سَهَّل بعضهم فيه كالإمام مسلم، وتوسط بعضهم فيها واحتاط كالإمام البخاري، ولكنهما لم يحكما باتصال السند المعنعن إلا بشروط مُعينة.

стр. 39

المبحث الثالث الاختلاف في الاحتجاج بالعنعنة ذهب بعض أهل الحديث إلى عدم الاحتجاج بالإسناد المعنعن مطلقاً، وخالفهم جمهور أهل العلم في ذلك فقبلوا الإسناد المعنعن، ولكن بشروط وقع خلاف بينهم فيها، فكانت أقوال العلماء المحكية في الإسناد المعنعن ترجع إلى مذاهب أربعة هي: الأول: عدم الاحتجاج بالسند المعنعن مطلقاً، واعتباره كالمرسل والمنقطع من حيث عدم الاحتجاج، ويذهب أصحاب هذا القول على أنه لا يُعد من الحديث المتصل إلا ما نُص فيه على السماع، أو حصل العلم به من طريق آخر (١) . ولم يصرح ابن الصلاح بنسبة هذا القول إلى قائله، واكتفى بقوله: _ (عده بعض الناس) (٢) إلا أن الرامهرمزي عزى هذا القول إلى بعض المتأخرين من الفقهاء (٣) . ويبدو أن هذا القول قديم فقد ذكره الحارث المحاسبي في كتابه "فهم السنن" ضمن أقوال ذكرها لأهل العلم فيما يثبت به الحديث، فقال: (الأول: أنه لابد أن يقول كل عدل في الإسناد: حدثني أو سمعت إلى أن يتنهي إلى النبي ﷺ فإذا لم يقولوا كلهم ذلك، أو لم يقله إلا بعضهم، فلا يثبت، لأنهم عرف من عادتهم الراوية بالعنعنة فيما لم يسمعوه) (٤) . ولعل من القائلين بهذا القول شعبة بن الحجاج، فقد نُقل عنه أنه قال: (فلان عن فلان مثله لا يُجزي) (٥) ، وقال أيضاً (كل حديث ليس فيه حدثنا أو أخبرنا فهو خل وبقل) (٦) ، وقال أيضاً: (كل حديث ليس فيه حدثنا وأخبرنا فهو مثل الرجل

стр. 40

بالفلاة معه البعير ليس له خِطام) (١) غير أن أبا عمر بن عبد البر ذكر أن شعبة قد رجع عن هذا القول (٢) . واحتج أصحاب هذا القول علىمذهبهم: بأن الحديث إذا (لم يقل حدثنا فلان أن فلاناً حدثه، ولا ما يقوم به مقام هذا من الألفاظ، أُحتمل أن يكون بين فلان الذي حدثه وبين فلان الثاني رجل آخر لم يُسمه، لأنه ليس بمنكر أن يقول قائل: حُدِّثنا عن النبي ﷺ بكذا وكذا، وفلان حدثنا عن مالك والشافعي، وسواء قيل ذلك فيمن عُلِم أن المخاطب لم يره أو فيمن لم يُعلم ذلك منه، لأن معنى قوله "عن"، إنما هو أن ردّ الحديث إليه، وهذا سائغ في اللغة، مستعمل بين الناس) (٣) . فعمدتهم فيما ذهبوا إليه هو الاحتياط لأن " عن" لا تقتضي الاتصال، ولأنه قد عُرِف أن المحدثين من الرواة يأتون بها في موضع الإرسال والانقطاع (٤) . وقد رد العلماء هذا المذهب فقال النووي (وهذا المذهب مردود باجماع السلف) (٥) وقال ابن رُشيد: (هذا المذهب رفضه جمهور المحدثين بل جميعهم) (٦) وقال: (ولو اشترط ذلك لضاق الأمر جداً، ولم يتحصل من السُنة إلا النزر اليسير) (٧) . الثاني: وهو مذهب من يقول: يشترط في الاحتجاج بالسند المعنعن طول الصحبة بين الراوي ومن يروي عنه (٨) مع السلامة من التدليس (٩) .

стр. 41

وهذا هو مذهب أبي المظفر بن السمعاني (١) لم يُحكَ عن غيره (٢) وحجة هذا المذهب (أن طول الصحبة يتضمن غالباً السماع لحمله ماعند المحدث أو أكثره فتحمل "عن" على الغالب، وإن كانت محتملة للإرسال) (٣) ، وزاد ابن رُشيد الأمر بياناً بقوله: (وحجة هذا المذهب هي الأولى بعينها ـ أي حجة المذهب الأول ـ ولكنه خفّف في اشتراط السماع تنصيصاً في كل حديث لتعذر ذلك، ولوجود القرائن المفهمة للاتصال. من إيراد الإسناد وإرادة الرفع بعضهم عن بعض عند قولهم (فلان عن فلان) مع طول الصحبة) (٤) . وهذا المذهب أيضاً فيه تشدد لا يخفى، وتعنت لا موجب له، وهل يمكن أن تُثبت طول الصحبة في كل الأسانيد التي صححها كبار الأئمة النقاد؟ , ومن دلائل وهن هذا المذهب أنه حادث في القرن الخامس الهجري بعد أن استقر عمل المحدثين على قبول السند إذا جمع شروطاً ثلاثة هي: ١ ـ عدالة المحدثين. ٢ ـ لقاء بعضهم بعضاً مجالسة ومشاهدة. ٣ ـ البراءة من التدليس (٥) . ولهذا قال ابن رُشيد: (وهو أيضاً من مذاهب أهل التشديد) (٦) .

стр. 42

الثالث: وهو مذهب من يحتج بالسند المعنعن، والمعنعن عنه، ولو مرة واحدة، وكان الراوي بريئاً من تهمة التدليس (١) . وهذا هو رأي علي بن المديني، والإمام البخاري، وأكثر الأئمة (٢) بل حكى ابن عبد البر (٣) وأبو عمرو المقرئ (٤) الإجماع على قبول المحدثين للسند المعنعن إذا توفرت فيه الشروط السابقة. ولا نخوض الآن في حجج هذا المذهب، لأننا سنعرض لها ـ إن شاء اللهـ بالتفصيل في الباب الثاني من هذا البحث. ومما تجدر الإشارة إليه هنا ما ذكره أبو عمرو بن الصلاح بقوله: (ومنهم من يقتصر في ذلك على اشتراط مطلق اللقاء أو السماع وزاد عليه، فاشترط أبو عمرو الداني المقرئ الحافظ: أن يكون معروفاً بالرواية عنه، واشترط أبو الحسن القابسي المالكي (٥) أن يكون قد أدرك المنقول عنه إدراكاً بيناً (٦) . وفيما قاله أبو عمرو المقرئ وأبو الحسن القابسي إجمال يستدعى التساؤل: هل قصدا بقولهما " أن يكون معروفاً بالرواية" و"أن يكون أدرك المنقول عنه إدراكاً

стр. 43

بيناً" طول الصحبة كما هو مذهب أبي المظفر بن السمعاني؟ أم أنهما قصدا تحقق اللقاء بدليل يقيني؟ أم أنهما قصدا العلم بالمعاصرة؟ . وعندما تأملتُ ذلك وجدت أن قول أبي الحسن القابسي ثابت عنه ولم يقع اختلاف عليه في حكايةمذهبه، فقد ذكر ابن رُشيد قول القابسي بقوله (وقال الفقيه المحدث أبو الحسن القابسي: "وكذلك ما قالوا فيه: (عن، عن) ، فهو أيضاً من المتصل إذا عُرف أن ناقله أدرك المنقول عنه إدراكاً بيناً، ولم يكن ممن عُرف بالتدليس) (١) فقوله هذا يحتمل أحد الأمرين: ١ ـ أن يكون قصد بقوله "الإدراك البين" ثبوت المعاصرة البينة، وإلى هذا مال ابن رشيد (٢) . ٢ ـ أن يكون قصده مطلق اللقاء كما هو مذهب الإمام البخاري، وهذاهو الذي أميل إليه ولكن لا أقطع به، فقد ألمح السخاوي إلى هذا الاحتمال بقوله: (قد يحتمل الكناية بذلك عن اللقاء) (٣) ويُفهم من صنيع العلائي (٤) أنه يُرجح هذا الاحتمال، إذ ذكر قول القابسي ضمن مذهب ابن المديني والبخاري، ولعل مما يقوي هذا الاحتمال أيضاً زيادة كلمة " بيّناً " فلو كان أراد العلم بالمعاصرة لكانت كلمة " أدرك " كافية في الدلالة على مقصودها ذاك. وأما قول أبي عمرو الداني المقرئ فقد وقع اختلاف في نقل عبارته حول هذا الموضوع فبينما نقل ابن الصلاح عنه أنه قال: (أن يكون معروفاً بالرواية عنه) ، نجد أن ابن رُشيد نقل قوله في موضعين ليس فيهما نص العبارة التي نقلها ابن الصلاح، قال ابن رشيد: (وقال الحافظ أبو عمرو المقرئ: " وما كان من الأحاديث العنعنة التي يقول فيها ناقلوها: (عن، عن) فهي ايضاً مسندة متصلة بإجماع أهل النقل، إذا عُرف أن الناقل أدرك المنقول عنه إدراكاً بيناً، ولم يكن ممن عرف بالتدليس، وإن لم يذكر سماعاً") (٥) .

стр. 44

وهذا شبيه بكلام القابسي السابق، والموضع الثاني الذي نقل فيه ابن رُشيد قول أبي عمرو المقرئ هو ما جاء في قوله: (قال أبو عمرو المقرئ الداني في جُزيء له وضعه في "بيان المتصل والمرسل والموقوف والمنقطع": "المسند من الآثار الذي لا إشكال في اتصاله: هو ما يرويه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه بسن يحتملها، وكذلك شيخه عن شيخه إلى أن يصل الإسناد إلى الصحابي إلى رسول الله ﷺ (١) . وتعريف المسند هو في حقيقة الأمر ليس لأبي عمرو المقرئ بل هو للحاكم أبي عبد الله ذكره في كتابه "معرفة علوم الحديث" (٢) والذي يتحصل من هذين النصين أنه ليس لأبي عمرو المقرئ رأي مستقل، أو مذهب مغاير للآخرين، فالنص الأول في حقيقة الأمر هو من كلام أبي الحسن القابسي الذي هو أكبر سناً وأقدم وفاة منه، وقد أوضحتُ آنفاً الترجيح الذي أميل إليه في فهم كلام القابسي، والنص الثاني كما رأينا هو ايضاً لأبي عبد الله الحاكم المتوفي سنة (٤٠٥هـ) وهو أكبر سناً وأقدم وفاة من أبي عمرو المقرئ. ولكن إن كان أبو عمرو بن الصلاح لم يتصرف في عبارة أبي عمرو المقرئ، فإن العبارة تحتمل الأمور التي ذكرتُها سابقاً، ولا تقتضي المعرفة بالرواية عن المنقول عنه السماع، فهذا سعيد بن المسيب كان يسمى " راوية عمر" والنقاد مختلفون في سماعه من عمر، فالبعض ينفيه، والبعض يثبت سماعه من عمر في قليلٍ مما يرويه لا في كل ما يحدث به عنه (٣) . وكذلك سليمان بن بُريدة معروف بالرواية عن أبيه، ورغم ذلك فإن البخاري لم يثبت سماع سليمان من أبيه، وقال في ذلك: (ولم يذكر سليمان سماعاً من أبيه) (٤) . وصفوة القول: أن قول أبي عمرو المقرئ: (أن يكون معروفاً بالرواية

стр. 45

عنه) (١) فيه إجمال ويحتمل أن يدخل تحت المذهب الثاني أو الثالث أو الرابع، وليس هو مذهب خامس في المسألة. الرابع: وهو مذهب من احتج بالسند المعنعن وحكم باتصاله إذا كان اللقاء ممكناً مع السلامة من التدليس، عُلم السماع أو لم يعلم، إلا أن يأتي ما يعارض ذلك مما يدل على عدم المعاصرة أو عدم السماع (٢) . وهذاهو قول الإمام مسلم وجمع من الأئمة والعلماء، وقد احتج مسلم لهذا المذهب بحجج وأدلة، وسأعرض لها ـ إن شاء الله تعالى ـ في الباب الثالث من هذا البحث بتفصيل وتوسع. وبعد أن عرضنا للمذاهب الأربعة التي حكيت في كتب " أصول الحديث " في الاحتجاج بالإسناد المعنعن، يتضح لنا أن المذهب الأول لم يقبل بالسند المعنعن مطلقاً ولم يحتج إلا بالأسانيد التي يظهر فيها السماع والإخبار نصاً، والسند المعنعن في حكم المنقطع لدى اصحاب هذا القول، ولم ينقل العلماء مذهباً يُقابل هذا المذهب في قبول السند المعنعن مطلقاً وبدون أي شروط، وربما يكون أكثر المذاهب تساهلاً في الاحتجاج بالسند المعنعن هو مذهب الإمام مسلم، قال الحافظ ابن حجر: (من حكم بالانقطاع مطلقاً شدَّد، ويليه من شرط طول الصحبة، ومن اكتفى بالمعاصرة سَهّل، والوسط الذي ليس بعده إلا التعنت مذهب البخاري ومن وافقه) (٣) . والذي نخلص إليه أن المذهب الأول والثاني، هما من مذاهب أهل التشديد، وأن عمل الأئمة النقاد وأهل العلم والدراية على خلافهما، بل إن بعض العلماء نقل الإجماع على قبول السند المعنعن إذا توفرت فيه شروط تضمن تقوية احتمال الاتصال على احتمال الانقطاع، وسأورد كلام بعض العلماء في الاحتجاج بالسند المعنعن فيما يلي:

стр. 46

قال ابن عبد البر: (اعلم ـ وفقك الله ـ أني تأملت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط الصحيح في النقل منهم، ومن لم يشترطه، فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروطاً ثلاثة، وهي: ١ ـ عدالة المحدثين في أحوالهم. ٢ ـ ولقاء بعضهم بعضاً مجالسة ومشاهدة. ٣ ـ وأن يكونوا براء من التدليس (١) . وقال أبو عبد الله الحاكم: (هذا النوع من هذه العلوم هو معرفة الأحاديث المعنعنة، وليس فيها تدليس، وهي متصلة بإجماع أئمة أهل النقل على تورع رواتها عن أنواع التدليس) (٢) . وقال الخطيب البغدادي: (وأهل الحديث مجمعون على أن قول المحدث حدثنا فلان عن فلان صحيح معمول به، إذا كان شيخه الذي ذكره يُعرف أنه قد أدرك الذي حدث عنه ولقيه، وسمع منه، ولم يكن هذا المحدث ممن يدلس، ولا يعلم أنه يستجيز إذا حدثه به أن يسقط ذلك، ويروي الحديث عالياً، فيقول: حدثنا فلان عن فلان، أعني الذي لم يسمعه منه، لأن الظاهر من الحديث السالم من رواية ما وصفنا، الاتصالًُ وإن كانت العنعنة هي الغالبة على إسناده) (٣) . وقال ابن الصلاح: (والصحيح والذي عليه العمل أنه من قبيل الإسناد المتصل، وإلى هذا ذهب الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم وقبلوه.. وهذا بشرط أن يكون الذين أضيفت العنعنة

стр. 47

إليهم قد ثبتت ملاقاة بعضهم بعضاً مع براءتهم من وصمة التدليس، فحينئذٍ يحمل على ظاهر الاتصال إلا أن يظهر فيه خلاف ذلك) (١) . وبهذا يتقرر أن الذي يصفو من المذاهب الأربعة السابقة هو المذهب الثالث الذ١ي هو مذهب الإمام البخاري، والمذهب الرابع الذي هومذهب الإمام، مسلم وهذان المذهبان هما موضوع دراستي هذه، وسأتناولهما بالبسط والبحث في البابين الثاني والثالث ـ إن شاء الله تعالى ـ (٢) . المبحث الرابع حكم الألفاظ التي بمنزلة "عن " هناك ألفاظ وصيغ أداء تَرِد في اسانيد المحدثين، وهي مُحتملة للسماع، وفي الوقت نفسه تُطلق فيما ليس بسماع، وهذه الألفاظ مثل: "أنّ" و "قال"، و"ذكر فلان" و "حدث فلان" و " كان فلان" (٣) ..إلخ. فهل حكم هذه الألفاظ كحكم العنعنة؟ فيكون فيها مذاهب أربعة كالمذاهب التي تمت دراستها سابقاً. أم أنها مختلفة عنها؟ . وسأتناول بالبحث فيما يلي صيغتي الأداء "أنّ" و "قال"، وعليهما تقاس باقي الصيغ والألفاظ المُحتملة للسماع، وعدم السماع. أولاً: صيغة الأداء "أنّ" ومثالها: (مالك عن الزهري أن سعيد بن المسيب قال كذا) (٤) ولأهل العلم في حكمها من حيث الاتصال ثلاثة مذاهب هي:

стр. 48

١ ـ أن لفظة "أن" مثل " عن" سواء بسواء، فما يشترط في "عن" حتى يكون السند متصلاً، يشترط في "أنّ " أيضاً. وهذا المذهب ينسب للإمام مالك (١) وللجمهور من أهل العلم، قال ابن عبد البر: (فجمهور أهل العلم، على أن "عن" و"أن" سواء، وأن الاعتبار بالحروف، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحاً، كان حديث بعضهم عن بعض أبداً بأي لفظ ورد محمولاً على الاتصال، حتى تتبين فيه علة الانقطاع) (٢) . ولم يكن المتقدمون (٣) يفرقون بين "عن" و "أن" بسبب عدم استقرار المصطلحات، ولأن قواعد الرواية لم تتأصل بعد. قال ابن رجب: (وقد ذكر الإسماعيلي في صحيحه أن المتقدمين كانوا لا يفرقون بين هاتين العبارتين، وكذلك ذكر أحمد أيضاً أنهم يتساهلون في ذلك ... وكان يقع ذلك منهم أحياناً على وجه التسامح وعدم التحرير. قال أحمد في رواية الأثرم في حديث سفيان عن أبي النضر عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن حُذافة في النهي عن صيام أيام التشريق: " ومالك قال فيه: عن سليمان بن يسار أن النبي ﷺ بعث عبد الله بن حُذافة". قال أحمد: " هو مرسل، سليمان بن يسار لم يدرك عبد الله بن حذافة، قال: وهم كانوا يتساهلون بين " عن عبد الله بن حذافة" وبين " أن النبي ﷺ بعث عبد الله بن حذافة".

стр. 49

قيل له: وحديث أبي رافع أن النبي ﷺ بعثه يخطب ميمونة، وقال مطر: عن أبي رافع؟ قال: " نعم، وذاك أيضاً") (١) . وقد احتج ابن عبد البر لهذا المذهب بقوله: من المجمع عليه (أن الإسناد المتصل بالصحابي سواء قال فيه: قال رسول الله ﷺ كل ذلك سواء عند العلماء) (٢) وهذا المذهب هو اختيار ابن عبد البر. ٢ ـ أن صيغة الأداء " أن" محمولة على الانقطاع، حتى يتبين السماع من جهة أخرى، فهي و" عن " ليستا سواء عند أصحاب هذا القول (٣) . قال البرديجي (٤) "أن" محمولة على الانقطاع، حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من طريق آخر أو يأتي ما يدل على أنه قد شهده وسمعه) (٥) . وقد نُسب هذا المذهب إلى البرديجي، ونسبه ابن الصلاح (٦) إلى الإمام أحمد بن حنبل، وإلى يعقوب بن شيبة، وقال: (ووجدت مثل ما حكاه ـ يعني ابن عبد البر ـ عن البرديجي أبي بكر الحفاظ، للحافظ الفحل يعقوب بن شيبة في مسنده الفحل فإنه ذكر ما رواه أبو الزبير عن ابن الحنفية عن عمار قال: "أتيت النبي ﷺ وهو يصلي فسلمت عليه، فرد عليّ السلام" وجعله مسنداً موصولاً وذكر رواية قيس بن سعد لذلك عن عطاء بن أبي رباح عن ابن الحنفية: "أن عماراً

стр. 50

مر بالنبي ﷺ وهو يصلي، فجعله مرسلاً من حيث كونه قال: " أن عماراً فعل" ولم يقل " عن عمار"، والله أعلم) (١) . ولكن العراقي خالف ابن الصلاح فيما ذهب إليه من نسبة هذا المذهب إلى الإمام أحمد ويعقوب بن شيبة، فقال: (وما حكاه المصنف ـ يعني ابن الصلاح ـ عن أحمد بن حنبل وعن يعقوب بن شيبة من تفرقتهما بين "عن" و "أن" ليس الأمر فيه على مافهمه من كلامهما، ولم يفرق أحمد ويعقوب بين " عن" و "أن" لصيغة "أن" ولكن لمعنى آخر) (٢) . وسيأتي بيان مذهب الإمام أحمد بن حنبل في المذهب الثالث. ٣ ـ أن صيغة الأداء "أنَّ" لها حالتان. أـ إذا قالها الراوي في سند (وكان خبرها قولاً لم يتعد لمن لم يدركه (٣) التحقت بحكم " عن" بلا خلاف. كأن يقول التابعي: إن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت كذا، فهو نظير ما لو قال: عن أبي هريرة أنه قال: سمعتُ كذا) (٤) . ب ـ إذا جاءت في سند، (وكان خبرها فعلاً، نُظر إن كان الراوي أدرك ذلك التحقت بحكم " عن"، وإن كان لم يدركه لم تلتحق بحكمها. فقول يعقوب بن شيبة في رواية عطاء عن ابن الحنفية: أن عماراً مر بالنبي ﷺ هذا مرسل. إنما هو من جهة كونه أضاف إلى الصيغة الفعل الذي لم يدركه ابن الحنفية، وهو مرور عمار. إذ لا فرق أن يقول ابن الحنفية: أن عماراً مر بالنبي ﷺ وأن النبي ﷺ مر بعمار، فكلاهما سواء في ظهور الإرسال. ولو كان أضاف إليها ـ أي الصيغة

стр. 51

"أن" ـ القول كأن يقول: عن ابن الحنفية أن عماراً قال: مررت بالنبي ﷺ لكان ظاهر الاتصال) (١) . وقد قال الحافظ زين الدين العراقي مُبيناً هذا المذهب المبني على التفصيل: (وجملة القول فيه أن الراوي إذا روى قصة، أو واقعة، فإن كان أدرك ما رواه بأن حكى قصة وقعت بين يدي النبي ﷺ وبين بعض أصحابه، والراوي لذلك صحابي قد أدرك تلك الواقعة حكمنا لها بالاتصال، وإن لم نعلم أن الصحابي شهد تلك القصة، وإن علمنا أنه لم يدرك الواقعة فهو مرسل صحابي، وإن كان الراوي كذلك تابعياً كمحمد بن الحنفية مثلاً فهي منقطعة. وإن روى التابعي عن الصحابي قصة أدرك وقوعها كان متصلاً، ولو لم يصرح بما يقتضي الاتصال وأسندها إلى الصحابي بلفظ: "أن فلاناً قال " أو بلفظ " قال قال فلان" فهي متصلة أيضاً ... بشرط سلامة التابعي من التدليس، وإن لم يدركها ولا أسند حكايتها إلى الصحابي فهي منقطعة) (٢) . وقد سئل الإمام أحمد فقيل له: (إن رجلاً قال: عروة أن عائشة قالت: يارسول الله، وعن عروة عن عائشة سواء. فقال: كيف هو سواء؟ ليس هو بسواء) (٣) . قال العراقي موجهاً كلام الإمام أحمد: (وإنما فرَّق بين اللفظين لأن عروة في اللفظ الأول لم يسند ذلك إلى عائشة، ولا أدرك القصة، وإلا فلو قال عروة: إن عائشة قالت: قلت: يارسول الله، لكان ذلك متصلاً لأنه أسند ذلك إليها، وأما

стр. 52

اللفظ الثاني فأسنده عروة إليها بالعنعنة فكان ذلك متصلاً) (١) . وهذا المذهب حكى ابن المواق (٢) اتفاق أهل النقل عليه، وأقره العراقي على هذا وقال: (وليس في ذلك خلاف بين أهل النقل.. وممن حكى اتفاق أهل النقل على ذلك الحافظ أبو عبد الله بن المواق في كتاب "بغية النقاد" (٣) فذكر من عند أبي داود حديث عبد الرحمن بن طرفة "أن جده عرفجة قطع أنفه يوم الكلاب" الحديث (٤) ، وقال: إنه عند أبي داود هكذا مرسل. قال: وقد نبّه ابن السكن على إرساله، فقال: فذكر الحديث مرسلاً. قال ابن المواق: وهو أمر بيِّن لا خلاف بين أهل التمييز من أهل هذا الشأن في انقطاع ما يروى كذلك، إذا عُلم أن الراوي لم يُدرك زمان القصة كما في هذا الحديث) (٥) . وقد تعقب الحافظ ابن حجر ذلك فقال: (لكن في نقل الاتفاق نظر، وقد قال ابن عبد البر ـ في الكلام على حديث ضمرة عن عبيد الله بن عبد الله قال: "أن

стр. 53

عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبا واقد الليثي: ماذا كان يقرأ به النبي ﷺ في الأضحى والفطر (١) .. الحديث. قال: قال قوم: هذا منقطع، لأن عبيد الله لم يلق عمر بن الخطاب ري الله عنه، وقال قولم: بل هو متصل، لأن عبيد الله لقي أبا واقد. قلت: وهذا وإن كنا لا نسلمه لأبي عمر، فإنه يخدش في نقل الاتفاق) (٢) . ومع التسليم بأن نقل اتفاق أهل النقل على هذا المذهب فيه نظر كما قرر الحافظ ابن حجر، إلا أن هذا المذهب هو الذي اختاره أحمد بن حنبل، وغيره من كبار الحفاظ، كأبي زرعة، وأبي حاتم، والدارقطني، وغيرهم من الأئمة (٣) ، وذهب كبار المحققين إلى ترجيح هذا المذهب واختياره، كالعراقي، وابن رجب، وابن حجر. والذي يُفهم من كلام العراقي، وابن رجب، أن هذا المذهب الثالث هو عين المذهب الأول والثاني، فلا يكون في الصيغة "أن" أي خلاف، فقد قال العراقي: (فما فعله أحمد ويعقوب بن أبي شيبة صواب سواء ليس مخالفاً لقول مالك، ولا لقول غيره، وليس في ذلك خلاف بين أهل النقل) (٤) . وقال ابن رجب: (وأما إذا روى الزهري مثلاً عن سعيد بن المسيب ثم قال مرة إن سعيد بن المسيب قال: فهذا محمول على الرواية عنه دون انقطاع، ولعل هذا هو مراد مالك الذي حكاه أحمد عنه، ولم يخالفه) (٥) . وقد تعقب ابنُ رجب ابن عبد البر في نقله لكلام البرديجي الذي يمثل المذهب الثاني في المسألة، فقال: (ولم يذكر لفظ البرديجي، فلعله قال ذلك

стр. 54

في القسم الثاني) (١) . ورغم ما في كلامي العراقي، وابن رجب، من وجاهة، فقد اخترت ذكر المذاهب في صيغة الأداء "أنّ"، لأن المذهبين الأول والثاني، نُقلا على وجه الإطلاق، دون تقييد أو تفصيل. وعَقِبَ أن ألممنا بمذاهب أهل الفن في الصيغة "أن" يأتي الآن دور التساؤل عن موقف الإمامين البخاري ومسلم من السند "المؤنن" ماهو؟ فأما الإمام البخاري، فقد قال الحافظ ابن رجب: (والبخاري قد يخرج من هذا القسم ـ يعني الحالة الثانية التي ذكرت في المذهب الثالث ـ في صحيحه، كحديث عكرمة أن عائشة قالت للنبي ﷺ في قصة امرأة رفاعة (٢) .. هذا على تقدير أن يكون عكرمة سمع من عائشة) (٣) . وما قاله ابن رجب صحيح فقد أخرج البخاري في صحيحه عدداً من الأحاديث على هذه الهيئة، وقد تتبع الدارقطني بعضاً من ذلك (٤) ، وانتقدها على البخاري، ومثالاً على ذلك قال الدارقطني: (وأخرج البخاري عن سليمان بن حرب عن محمد بن طلحة عن أبيه عن مصعب: رأى سعد أن له فضلاً فقال النبي ﷺ .. (٥) وهذا مرسل) (٦) . والحقيقة أن هناك ضوابط قد التفت إليها البخاري عند احتجاجه بالسند "المؤنن".

стр. 55

ومن هذه الضوابط التي راعاها الإمام البخاري في الأسانيد "المؤمننة" التي أخرجها في صحيحه ما يلي: ١ ـ أن يكون الراوي معروفاً بالرواية عمن ذكره (١) . ٢ ـ أن يترجح له بالقرائن أن الراوي أخذه عن الشيخ المذكور في السياق (٢) ومن هذه القرائن أن يكون الحديث موصولاً في الأصل من طريق ذلك الراوي عن شيخه. ففي الحديث الذي انتقده الدارقطني آنفاً، نصّ ابن حجر على أنه وجد الحديث موصولاً من طريق مصعب بن سعد عن أبيه أنه رأى فذكره (٣) . ومن هذه القرائن أن يوجد في متن الحديث ما يدل على الاتصال، وأن الراوي يحكي الحديث عن شيخه (٤) فيُستدل بهذا على أن أصل الحديث مسموع للراوي من شيخه. ولذا قال ابن حجر: (البخاري يعتمد على هذه الصيغة إذا حفت بها قرينة تقتضي الاتصال) (٥) . وجماع القول في موقف البخاري من صيغة "أن" أنه يهتم بحال القرائن التي تحف كل سند ورد بهذه الصيغة، فإن كانت القرائن تُرجح الاتصال، فإن البخاري لا يتوانى في الاحتجاج به، وإن كان لا تتوفر له قرائن تُرجح اتصاله، فإن البخاري لا يحتج بمثله. وموقف البخاري قريب من المذهب الثالث، ولكن ليس هو بحذافيره، ولم يطبقه بحرفية، وإنما جعل القرائن هي الحكم في القبول والرفض، والحق أن في هذا الموقف وسطية وإنصافاً جليين، لا سيما إذا استحضرنا ما ذُكر من أن

стр. 56

المتقدمين لا يُفرقون بين "عن" و"أن" في بعض الأحيان (١) . وأما الإمام مسلم فلم تسعفنا المصادر بشيء عن موقفه حيال هذه الصيغة، ولكن الذي يغلب على الظن أن موقفه موافق لجمهور أهل الحديث الذي قالوا بالتفصيل بين حالتي ورود الصيغة "أن" وهو المذهب الثالث. ولكن يتبقى سؤال هام جداً حول موقف الإمام مسلم من صيغة "أن" والسؤال هو إذا روى رجل حديثاً عن آخر فقال فيه: "أن فلاناً فعل كذا" هل يكتفي في هذه الحالة عند الإمام مسلم بمجرد إمكان اللقاء فقط؟ . وقد أجاب الحافظ ابن رجب على هذا بقوله: (وهذا إنما يكون فيمن اشتهر بالرواية عن المحكي قصته، كعروة عن عائشة ـ أي التسوية بين "أن" و "عن" أما من لم يعرف له سماع منه فلا ينبغي أن يحمل على الاتصال ولا عند من يكتفي بإمكان اللقي) (٢) . ومما يؤيد أن صيغة "أن" لا يكفي لاتصالها مجرد المعاصرة والسلامة من التدليس، ما قاله العلائي: ("عن" استقر شيوعها في الاتصال بالشروط المتقدمة، والاحتمال قائم في "أن".. والذي يقتضيه النظر أن "أن" تقتضي الاتصال بالشروط المتقدمة ـ في الحديث، لكنها أنزل درجة من "عن") (٣) . ثانياً: صيغة الأداء "قال" ومثالها: "عن همام قال: قال قتادة: كذا " فهل هذه الصيغة تفيد الانقطاع؟ أم هي محتملة للاتصال والانقطاع؟ قال الخطيب البغدادي: (وأما قول المحدث قال فلان، فإن كان المعروف من حاله أنه لا يروي إلا ما سمعه جعل ذلك بمنزلة ما يقول فيه غيره: ثنا، وإن كان قد يروي سماعاً، وغير سماع، لم يحتج من رواياته إلا بما بين الخبر فيه) (٤) .

стр. 57

وذكر ابن رجب أن لهذه الصيغة ثلاثة أحوال: (أحدثها: أن يكون القائل لذلك ممن يُعلم منه عدم التدليس، فتكون روايته مقبولة محتجاً بها، كهمام، وحماد بن زيد، وحجاج بن محمد، وغيرهم. قال همام: "ماقلت: قال قتادة فأنا سمعته من قتادة " وقال حماد بن زيد: "إني أكره إذا كنت لم أسمع من أيوب حديثاً أن أقول: قال أيوب كذا وكذا فيُظن أني قد سمعته " وقال شعبة ""لأن أزني أحب إلي من أن أقول؛ قال فلان، ولم أسمعه منه " وكذلك حجاج بن محمد كان إذا قال: " قال ابن جريج: فقد سمعه. والحال الثاني: أن يكون القائل لذلك معروفاً بالتدليس: فحكم قوله قال فلان، حكم قوله: عن فلان: كما سبق، وبعضهم كانت هذه عادته كابن جريج، قال أحمد: " كل شيء قال ابن جريج: قال عطاء، أو عن عطاء، فإنه لم يسمعه " وقال أيضاً: " إذا قال ابن إسحاق: وذكر فلان، فلم يسمعه منه ". الحال الثالث: أن يكون حاله مجهولاً. فهل يحمل على الاتصال أم لا؟ قد ذكر الفقهاء من أصحابنا، وأصحاب الشافعي خلافاً في الصحابي إذا قال: قال رسول الله ﷺ هل يحمل على السماع أم لا؟ وأن الأصح حمله على السماع. وحكى ابن عبد البر عن الجمهور من العلماء أن من روى عمن صح له لقيه والسماع منه، وقال: " قال فلان" حمل على الاتصال. بل كلامه يدل على أنه إجماع منهم) (١) . لاريب أن الحالتين الأولى والثانية ـ اللتين ذكرهما ابن رجب ـ ليستا محل خلاف عند أحدٍ من نقاد أهل الحديث، ويتوجه النظر إلى الحالة الثالثة ـ والتي لم يُزِل ابن رجب عنها الغموض ـ في غير ما رواه الصحابة، إذ مرسل الصحابي محكوم باتصاله عند الجمهور، والذي جرى عليه عمل المحدثين هو قبول مرسل الصحابي، فإذا روى رجل فقال: " قال فلان" ولا يُعرف هل لقي من يروي عنه أم لا، ولم يتهم بتدليس، فهل يحكم باتصال حديثه؟

стр. 58

الذي يظهر لي أن مذهب من يقول بأنه لا يُحتج من الأسانيد إلا بما ثبت فيه اللقاء، ولو لمرة واحدة لا إشكال فيه. لأن مثل هذه الصيغة غير كافية لإثبات اللقاء فيكون السند في هذه الحالة غير متصل حتى يثبت اللقاء. وأما على مذهب من يكتفي بالمعاصرة وإمكان اللقاء، فتكون الأسانيد المروية بالصيغة "قال" محل إشكال، وإن كان من المُسلَّم به أن " العنعنة" أشهر، وأقوى في دلالة العُرف على الاتصال من الصيغة "قال " ولكن أيضاً هذه الصيغة محتملة، وليس من السهل أن أُصدر حكماً على موقف الإمام مسلم من هذه الصيغة هل هي عنده كالعنعنة أم هي أحط رتبة، وهل يكفي لاتصالها مجرد المعاصرة وإمكان اللقاء؟ لا سيما وأن أحداً لم يعرض لهذا السؤال، وكما أنه لم يوجد في نصوص الإمام مسلم التي وقفت عليها ما يجلي الأمر، فأدع الأمر على الاحتمال. قال العلائي مبيناً منزلة صيغة "قال" من أخواتها: (إن رتبة "قال" مجردة منحطة عن رتبة " عن"، و"أن" أياً، إلا أن يصرح الراوي بأنه لا يقولها إلا فيما سمعه، أو يُعرف ذلك من عادته) (١) . ومما يحسن أن أختم به هذا المبحث كلام ابن عبد البر قاله في الألفاظ والصيغ المحتملة يُعد بمثابة قاعدة في هذا الشأن، قال ـ رحمه الله تعالى ـ: (إن الاعتبار ليس بالحروف، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحاً، كان حديث بعضهم عن بعض أبداً بأي لفظ ورد محمولاً على الاتصال، حتى تتبين فيه علة الانقطاع) (٢) . ولابد من تقييد هذا الإطلاق، فيمن لم يكن مدلساً، إذ عنعنة المدلس، وكل صيغ الأداء غير الصريحة في ثبوت السماع؛ إذا جاءت في أسانيد المدلسين، لا تحمل على الاتصال، ولابد أيضاً من استحضار ماقيل في الإسناد"المؤنن" من تفصيل تبناه أكثر المحدثين لتقييد الكلام السابق.

стр. 59

المبحث الخامس العنعنة في السند هل هي من الشيخ أم من تصرف التلميذ ومن دونه ؟ قد يكون من المُسلّم به لدى البعض الاعتقاد بأن العنعنة في السند هي من لفظ الراوي عن المروي عنه، فسفيان بن عيينة إذا روى عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة، فإن الزهري هو الذي قال: " عن أبي سلمة " وأبو سلمة هو الذي قال: " عن عائشة". ولكن الأمر ليس على إطلاقه، وإن كان البعض بتوهم ذلك، والذي أُرجحه أن العنعنة قد تكون من تصرف التلاميذ أيضاً، بل ذهب الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي إلى أكثر من ذلك فقال: (كلمة "عن" ليست من لفظ الراوي الذي يذكر اسمه قبلها بل هي من لفظ من دونه) (١) . ولأهمية هذه القية في تصور موضوع بحثنا، شعرت بضرورة تسليط بعض الأضواء عليها قدر الطاقة، وبما يتناسب مع طبيعة موضوع البحث، وسأذكر فيما يلي نصوصاً، فيها ما يشير إلى أن رواة الأسانيد قد يتصرفون في إبدال لفظ "حدثنا" و"سمعت" إلى لفظة "عن". ١ ـ قال الخطيب البغدادي: (إنما استجاز كتبة الحديث الاقتصار على العنعنة لكثرة تكررها، ولحاجتهم إلى كتب الأحاديث المجملة بإسنادواحد، فتكرار القول من المحدث ثنا فلان عن سماعه من فلان يشق ويُضعف، لأنه لو قال: أحدثكم عن سماعي من فلان، وروى فلان عن سماعه من فلان، وفلان عن سماعه من فلان، حتى يأتي على أسماء جميع مسندي الخبر إلى أن يرفع إلى النبي ﷺ في كل حديث يرد مثل ذلك الإسناد، لطال وأضجر، وربما كثر رجال الإسناد حتى يبلغوا عشرة وزيادة على ذلك، وفيه إضرار بكتبة الحديث، وخاصة

стр. 60

المقلين منهم، والحاملين لحديثهم في الأسفار، ويذهب بذكر ما مثلناه مدة من الزمان، فساغ لهم لأجل هذه الضرورة استعمال "عن فلان") (١) . ٢ ـ (قال الحاكم: قرأت بخط محمد بن يحيى سألتُ أبا الوليد: أكان شعبة يفرق بين "أخبرني" و "عن"؟ فقال: أدركت العلماء وهم لا يفرقون بينهما) (٢) . وعقَّب ابن رجب على ذلك بقوله (وحمله البيهقي على من لا يُعرف بالتدليس، ويمكن حمله على من ثبت لقيه أيضاً) (٣) . ٣ ـ قال يعقوب بن سفيان الفسوي: (سمعت عبد الرحمن بن إبراهيم دحيماً قال: حدثنا الوليد (٤) قال: كان الأوزاعي إذا حدثنا يقول: حدثنا يحيى قال: حدثنا فلان ثنا فلان حتى ينتهي. قال الوليد: فربما حدثت كما حدثني، وربما قلت: عن عن تخففنا من الأخبار) (٥) . ٤ ـ وسأل عبد الله بن أحمد أباه: (أبو معاوية فوق شعبة ـ أعني ـ في حديث الأعمش؟ فقال: أبو معاوية في الكثرة والعلم ـ يعني علمه بالأعمش ـ وشعبة صاحب حديث يؤدي الألفاظ والأخبار، أبومعاوية عن عن..) (٦) . ٥ ـ وقال الإمام أحمد: (كنت أسأل يحيى بن سعيد عن أحاديث إسماعيل بن أبي خالد عن عامر عن شريح وغيره، فكان في كتابي "إسماعيل قال حدثنا عامر عن شريح" فجعل يحيى يقول: إسماعيل عن عامر، فقلت: إن في

стр. 61

كتابي حدثنا عامر، حدثنا عامر، فقال لي يحيى: هي صحاح إذا كان مما ليس يسمعه إسماعيل من عامر أخبرته) (١) . ٦ ـ وقال الإمام أحمد: (قال عفان: جاء جرير بن حازم إلى حماد بن زيد فجعل يقول: حدثنا محمد قال: سمعت شريحاً، حدثنا محمد قال: سمعت شريحاً. فجعل حماد يقول: ياأبا النضر عن محمد عن شريح، عن محمد عن شريح) (٢) . فبعض الرواة من المحدثين طلباً للتخفيف يتصرفون في صيغ الأداء فيبدّلون "حدثنا" و "سمعت" و"أخبرنا" إلى صيغة أخف واسهل هي "عن" ولكن أيقتصر تصرف بعض الرواة على صيغ الأداء الثابتة الاتصال أم أن التصرف يمكن أن يكون أيضاً بتبديل صيغ الأداء المحتملة كالصيغة "حدث فلان"، "قال فلان"، "ذكر فلان"، "كان فلان يقول" مما ليس بصريح في الاتصال؟ . تولى العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي الإجابة عن هذا السؤال فقال: (اُشتهر في هذا الباب العنعنة مع أن كلمة "عن" ليست من لفظ الراوي الذي يذكر اسمه قبلها، بل هي من لفظ من دونه، وذلك كما لو قال همام: "حدثنا قتادة عن أنس" فكلمة "عن" من لفظ همام، لأنها متعلقة بكلمة " حدثنا" وهي من قول همام، ولأنه ليس من عادتهم أن يبتدئ الشيخ فيقول: "عن فلان" وإنما يقول: "حدثنا" أو أخبرنا، أو قال أو ذكر، أو نحو ذلك، وقد يبتدئ فيقول: " فلان ... " كما ترى بعض أمثلة ذلك في بحث التدليس من (فتح المغيث) (٣) ، وغيره، ولهذا يكثر في كتب الحديث إثبات "قال " في أثناء الإسناد قبل "حدثنا " و "أخبرنا" وذلك في نحو قول البخاري: " حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال: حدثنا يحيى بن سعيد" وكثيراً ما تحذف فيزيدها الشراح أو قراء الحديث (٤) ولا تُثبت قبل كلمة "عن" وتصفح إن شئت (شرح القسطلاني على صحيح البخاري) .

стр. 62

فبهذا يتضح أنه في قول همام " حدثنا قتادة عن أنس" لا يُدرى كيف قال قتادة، فقد يكون قال: " حدثني أنس"، أو "قال أنس" أو " حدث أنس"، أو " ذكر أنس" أو "سمعت أنساً" أو غير ذلكمن لاصيغ التي تصرح بسماعه من أنس أو تحتمله لكن لا يُحتمل أن يكون قال: "بلغني عن أنس " إذ لو قال هكذا لزم همام أن يحكي لفظه أومعناه كأن يقول: "حدثني قتادة عمن بلغه عن أنس " وإلا كان همام مدلساً تدليس التسوية وهو قبيح جداً) (١) . وما قاله الشيخ المعلمي ـ رحمه الله تعالى ـ هو الصواب في نظري، إلا أنني لا أرى التعميم في أن صيغة "عن" هي من التلميذ وليست من الشيخ ـكما يقول هو ﵀ لأنه أحياناً قد يبتدئ بهذا الشيخ لتلاميذه، ويشهد لذلك: ١ ـ ما أخرجه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه إذ قال: (حدثني عبد الرحمن بن إبراهيم عن عمرو بن أبي سلمة قال: قلت للأوزاعي في المناولة، أقول فيها: حدثنا؟ قال: إن كنت حدثتك فقل. فقلت: أقول: أخبرنا؟ قال: لا. قال: قلت: فكيف أقول؟ قال: قل: قال أبو عمرو، وعن أبي عمرو) (٢) . فلم يمانع الاوزاعي من أن يُبدأ التحديث بـ"عن" وهذا يدل على أن الأمر كان سائغاً عندهم أن يبتدئ الشيخ أحياناً بقوله: " أحدثكم عن فلان" أو "عن فلان قال.. " أو " عن فلان".٢ ـ أخرج مسلم في صحيحه هذا الحديث الذي قال فيه: (وحدثني أبو أيوب الغيلاني، سليمان بن عبد الله، وحجاج بن الشاعر، قالا: حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا قُرة عن أبي الزبير حدثنا جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به دخل النار ". قال أيوب: قال أبو الزبير: عن جابر) (٣) .

стр. 63

فأثبت أبو أيوب الغيلاني: أن كلمة "عن" متعلقة بقول أبي الزبير، فهو قائلها. ٣ ـ قال الذهبي: (فإذا قال الوليد أو بقية: عن الأوزاعي، فواهٍ، فإنهما يدلسان كثيراً عن الهلكى) (١) . فنسب الذهبي إلى الوليد وبقية كلمة "عن" على أنهما قد قالاها. ٤ ـ قال النسائي في شأن بقية بن الوليد: (إذا قال: حدثنا، وأخبرنا، فهو ثقة وإذا قال: عن فلان، فلا يؤخذ عنه، لأنه لا يُدرى عمن أخذه) (٢) . وهنا جعل النسائي قائل كلمة "عن" هو بقية فأضافها إليه، وبقية بن الوليد، والوليد بن مسلم مشهوران بالتدليس (٣) ومعروفان به. ولاشك في أن ما ذهب إليه المعلمي، مذهب قوي ومتين، والملاحظة التي أبديتها تقتصر فقط على جانب التعميم الذي يفهم من كلامه، فإذا تقرر أن بعض الرواة يُبدِّلون الصيغة " عن" بصيغ الأداء الدالة على السماع أو المحتملة له، وأنه ليست كل كلمة "عن" في السند هي من تصرف رواة السند بل قد تكون من الشيخ يبتدئ بها مجلسه فيحملها الرواة عنه دون تصرف منهم. إذا تقرر ذلك تتضح لنا أهمية هذا المبحث إذ يكون من المحتمل في الأسانيد المعنعنة التي لم يثبت فيها لقاء أو سماع، أن الراوي قد قال في حديثه عن شيخه: " حدثني" أو " حدثنا" أو "سمعت" أو "أخبرنا" ونحو ذلك ولكن التلميذ أو أحد رواة السند طلباً للتخفف اختصر وقال: "عن" عوضاً عن "حدثني" أو "سمعت" ومن المحتمل أيضاً أن الراوي قد قال: " ذكر فلان" أو "قال فلان" إلا أن التلميذ أو أحد رواة السند قال: "عن". فقد يكون السماع ثابتاً، ولكن السند المنقول ليس فيه غلا العنعنة دون لفظ السماع، وهذا الاحتمال يكون قائماً في الأسانيد المعنعنة التي لم يثبت لقاء بعض

стр. 64

رواتها من بعض، أو يرد سماعٍ بعضهم من بعضٍ، فتصبح عملية مراعاة القرائن مع قيام ذلك الاحتمال، أمراً وجيهاً، بل يكون متعيناً.

стр. 65

الفصل الثالث تمييز هذه المسألة من المسائل المشاهبة المبحث الأول: تمييزها من مسائل عدم الاتصال في السند المبحث الثاني: تمييزها من مسألة شرط البخاري ومسلم. المبحث الأول تمييزها من مسائل عدم الاتصال في السند تتلخص المسألة موضع البحث فيما يلي: إذا روى محدث غير مدلس عن محدث آخر حديثاً، فهل يكفي للاحتجاج به مجرد المعاصرة مع إمكان اللقاء؟ ، أم لابد من ثبوت اللقاء بين المُحدِث والمُحدَث عنه ولو مرة واحدة؟ . فأما إذا كان في ذلك الحديث إرسال (١) أو إعضال (٢) ، أو انقطاع (٣) أو تدليس (٤) ، فلا يكون ذلك الحديث موضع احتجاج، لأنه سيكون حينذاك ضعيفاً لعلة عدم الاتصال. فالفرق بين المسألة التي هي موضع البحث، وهذه الأمور التي تُعِل الحديث

стр. 66

بعدم الاتصال، أن السند في مسألتنا سليم في الظاهر من الإرسال والانقطاع والتدليس لذا أصبح موضع نظر هل يُحتج به بعد سلامته من كل ما يسبب عدم الاتصال بمجرد المعاصرة وإمكان اللقاء؟ أم لابد من ثبوت اللقاء ولو مرة واحدة؟ أما فإذا كان السند مرسلاً أومعضلاً أو منقطعاً أو مُدلَّساً، فلا يبحث فيه عن المعاصرة وإمكان اللقاء أو ثبوته، وهذا في ـ نظري ـ ليس محل اشتباه فالفرق واضح وجلي بين الأمرين. ولكن السؤال الذي يحتاج إلى إجابة هو: ما الفرق بين المرسل الخفي والمسألة السابقة؟ والمرسل الخفي هن: رواية المحدث عمن عاصره ولم يلقه (١) . فالاشتراك بينهما في المعاصرة، إلا أنه في المرسل الخفي قد قام الدليل على عدم لُقي المحدث لمن عاصره، إما بتصريح المحدث نفسه، أو بتصريح إمام مطلع (٢) فأمر المعاصرة لم يعد على الاحتمال بل تأكدنا من أن عدم التلاقي هو الراجح. بينما في المسألة السابقة لم يأتِ ما يُثبت عدم التلاقي بين المتعاصرين. بل الأمر باقٍ على الاحتمال إذ اللقاء ممكن وجائز، ولا يوجد ما يدل على عدم الاتصال. وبهذا يتجلى الفرق بين أنواع عدم الاتصال، والمسألة التي هي موضع البحث. المبحث الثاني تمييزها من مسألة شرط البخاري ومسلم . يكثر في كلام بعض العلماء على الأحاديث أن يقولوا: هذا الحديث على

стр. 67

شرط البخاري، وهذا الحديث على شرط مسلم، وهذا على شرط الشيخين فما الذي يقصده من يطلق مثل هذه العبارات كأبي عبد الله الحاكم، ومن جاء بعده؟ هل القصد من قولهم: هذا الحديث على شرط البخاري أي أن هذا الحديث قد ثبت فيه لقاء كل رواته بعضهم من بعض، كما هو شرط البخاري في السند المعنعن؟ . وهل القصد من قولهم: هذا الحديث على شرط مسلم أي أن هذا الحديث متصل ولو لم يثبت فيه لقاء بعض رواته من بعض اكتفاءً بالمعاصرة وإمكان اللقاء؟ ثم إذا كان مما في السؤالين الآنفين صحيحاً فماذا يعني قولهم: هذا الحديث على شرط الشيخين، وقد عُلِم أن مذهبيهما في السند المعنعن مختلفان؟ . في البدء لابد من التأكيد على أن ما ورد في الأسئلة السابقة ليس صواباً، والصحيح أني لم أجد أحداً من الأئمة قد بيّن مراد العلماء في قولهم: على شرط البخاري أنه بمعنى ثبوت اللقاء بين رواة السند، أو قولهم: على شرط مسلمٍ أنه بمعنى أن المعاصرة وإمكان اللقاء متحققان في السند ومما يزيدنا يقيناً أنه يستحيل أن يكون المراد من شرط البخاري أو مسلم ما سبق هو مفهوم قولهم: على شرط الشيخين، مع معرفتنا باختلاف قولهما في الحديث المعنعن، ولأن مذهب البخاري في السند المعنعن إذا تحقق في سندٍ لزم أن يتحقق مذهب مسلم، فالأولى ـ لو كان الأمر كذلك ـ أن يقال: على شرط البخاري فقط. والحق الذي رجحه عدد من المحققين أن معنى قول العلماء في حكمهم على بعض الأحاديث: هذا على شرط الشيخين، وهذا على شرط البخاري، وهذا على شرط مسلم، يعني أن رجال سند هذا الحديث قد أخرج لهما الشيخان، لذا يصفونه بأنه على شرطهما، فأما إذا كان رجال سنده مُخرج لهم في صحيح البخاري، فإنهم يصفون الحديث الذي هذه حاله بأنه على شرط البخاري، وإذا كان رجال سند الحديث مُخرج لهم في صحيح مسلم، يصفون الحديث بأنه على شرط مسلم.

стр. 68

وهذا هو مراد الحاكم إذا أطلق هذه العبارات (١) ، وهو اختيار ابن الصلاح (٢) والنووي (٣) وابن دقيق العيد (٤) والذهبي (٥) وابن حجر (٦) وغيرهم. وقد قيّد غير واحد من المحققين ما سبق بأنه لا يصح إطلاق الحكم على حديث بأنه على شرط الشيخين، أو على شرط أحدهما إلا في حالة كون ذلك السند قد أُخرج عندهما بصورة الاجتماع، فأما إن كانا أخرجا لرجاله بصورة الانفراد فلا يكون على شرطهما. قال ابن الصلاح: (من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في صحيحه بأنه من شرط الصحيح عند مسلم، فقد غفل وأخطأ، بل ذلك يتوقف على النظر في أنه كيف روى عنه، وعلى أي وجه روى عنه) (٧) . وقال ابن حجر: (فعلى من يعزو إلى شرطهما، أو شرط واحد منهما، أن يسوق ذلك السند بنسق رواية من نسب إلى شرطه، ولو في موضعٍ من كتابه) (٨) . وقال أيضاً: (لا يكون الحديث على شرطهما إلا إذا احتجا برواته على صورة الاجتماع، فإذا كان الإسناد قد احتج كل واحد منهما برجل منه، ولم يحتج بآخر منه كالحديث الذي يروى عن طريق شعبة مثلاً عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ فإن مسلماً احتج بحديث سماك إذا كان من رواية الثقات عنه، ولم يحتج بعكرمة، واحتج البخاري بعكرمة دون

стр. 69

سماك، فلا يكون الإسناد والحالة هذه على شرطهما حتى يجتمع فيه صورة الاجتماع. وقد صرح بذلك الإمام أبو الفتح القشيري (١) ، وغيرهما) (٢) . وقال السخاوي: (الشرط إنما يتم إذا خُرِّج لرجال السند بالصورة المجتمعة) (٣) . وبما تقدم يُعلم أنه لا يصح وصف حديث بأنه على شرط الشيخين، أو على شرط أحدهما، حتى يجمع أموراً ثلاثة هي: ١ ـ أن يكون إسناد ذلك الحديث محتجاً برواته في الصحيحين أو أحدهما. ٢ ـ أن يكون إسناد ذلك الحديث مُخرج في الصحيحين أو أحدهما على صورة الاجتماع، وليس على صورة الاجتماع، وليس على صورة الانفراد. ٣ ـ أن يكون الإسناد بالإضافة إلى الأمرين السابقين سالماً من العلل، كعنعنة مدلس أو وجود من اختلط في آخر عمره.. (٤) . فحيثما وُجد الحكم على حديث بأنه على شرط الشيخين أو على شرط أحدهما، فإن معنى ذلك رجال الإسناد في كتابيهما مع التقييد السالف بيانه قبل أسطر، ولا ينصرف المعنى إلى مذهبيهما في السند المعنعن لما تقرر.

стр. 70

الفصل الرابع الجذور التاريخية للمسألة إن أقدم وثيقة بين أيدينا شرحت شروط الاحتجاج بالسند المعنعن، وعرضت الآراء في المسالة وأدلة كل رأي، هي مقدمة صحيح الإمام مسلم بن الحجاج. ومن المعروف أن شيخي الإمام مسلم، علي بن المديني، ومحمد بن إسماعيل البخاري قد قالا باشتراط ثبوت اللقاء ولو مرة واحدة في السند المعنعن كي يحتج به، وأظهرا ذلك في مصنفاتهما، ولكنهما لم يتعرضا إلى شرح مذهبهما وتحديده وأدلته، بل اكتفيا بالتطبيق العملي للمذهب الذي ينتحلانه. وهذا ما يدعو إلى التساؤل: متى بدأ النقاد يتكلمون في شروط اتصال السند المعنعن؟ ولأهمية هذا السؤال، ولأن المصادر التي وقفتُ عليها ـ لم تتعرض للإجابة عليه فقد تطلبتُ قدر طاقتي، النصوص التي فيها إشارات حول هذه النقطة في أثناء البحث عن موضوع رسالتي هذه. وقد عثرت على نصوص لشعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، فيها إشارات واضحة على أن السند المعنعن لا يعتبر متصلاً مالم يثبت سماع رواته بعضهم من بعض، ومن هذه النصوص: أولاً: بعض ما جاء عن شعبة بن الحجاج في ذلك: ١ ـ قال وكيع بن الجراح (قال شعبة: فلان عن فلان مثله لا يجزي، قال وكيع: وقال سفيان الثوري يجزي) (١) . وقال شعبة ايضاً (كل حديث ليس فيه "حدثنا" و"أخبرنا" فهو مثل

стр. 71

الرجل بالفلاة معه البعير ليس له خطام) (١) . وقال أيضاً: (كل حديث ليس فيه "حدثنا"، و"أنبأنا"؛ فهو خل أو بقل) (٢) . وكل هذه النصوص تؤكد اعتناء شعبة بتفقد السماعات في الأسانيد، وقد طبَّق كلامه السابق في عدة نصوص سآتي على ذكرها الآن. ٢ ـ قال شعبة: (قد أدرك رُفيع أبو العالية علي بن أبي طالب، ولم يسمع منه شيئاً) (٣) . ورُفيع بن مهران، أبو العالية الرياحي، البصري، أدرك الجاهلية وأسلم بعد وفاة النبي ﷺ بسنتين، ودخل على أبي بكر، وصلى خلف عمر (٤) . وقد أثبت علي بن المديني سماعه من عمر بن الخطاب ومن علي بن أبي طالب (٥) . والبخاري أيضاً أثبت سماعه من علي (٦) . وليس معنى قول شعبة: (ولم يسمع منه شيئاً) أنه لم يرو عنه، فقد قال البخاري: (وقال آدم حدثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت أبا العالية، وكان أدرك علياً قال: قال علي: القضاة ثلاثة) (٧) . وشعبة لم يقنع بمجرد المعاصرة وإمكان اللقاء، بل جزم بأن أبا العالية لم يسمع من علي بن أبي طالب مع تيقنه بأنه أدركه وروى عنه. ٣ ـ وقال حجاج بن محمد الأعور: (قلت لشعبة: قد أدرك ربعي علياً؟

стр. 72

قال: نعم. حَدَّث عن علي، ولم يقل: سمع) (١) . وربعي هو ابن حِراش بن جحش العبسي، أبو مريم الكوفي، قدم الشام وسمع خطبة عمر بالجابية (٢) . وحديث ربعي عن علي في الصحيحين (٣) وليس في الصحيحين أو أحدهما لربعي عن علي غيره. ومن العجب أن شعبة هو راوي حديث ربعي عن علي وفيه التصريح بسماع ربعي من علي، قال البخاري: (حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرنا شعبة قال: أخبرني منصور قال: سمعت ربعي بن حِراش يقول: سمعتُ علياً يقول: قال النبي ﷺ "لا تكذبوا عليَّ، فإنه من كذب عليَّ فليلج النار") وعند مسلم أيضاً من طريق محمد بن جعفر غندر عن شعبة عن منصور عن ربعي أنه سمع علياً رضي اللهع نه يخطب.. الحديث. فلعل شعبة لم يجد سماع ربعي من علي في أول الأمر فقال ما نقله عنه حجاج بن محمد، ثم بعد ذلك وجد نص السماع في رواية منصور عن ربعي. وليس الذي يعنينا في هذا الفصل ماهو الصواب في سماع ربعي من علي، وإنما كيف تعامل شعبة مع الأسانيد المعنعنة التي لم يثبت عنده سماع رواتها من بعض، وقد لاحظنا في هذا النص أن شعبة مقر بإدراك ربعي لعلي بن أبي طالب ﵁ ولكنه لم يقبل بذلك وقال: (لم يقل: سمع) أي أنه لم يرد عنه ما يثبت أنه سمع من علي. ٤ ـ قال الإمام أحمد بن حنبل: (حدثنا محمد بن جعفر وبهز وحجاج قالوا: حدثنا شعبة قال: سمعتُ علقمة بن مرثد يحدث عن سعد بن عُبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان عن النبي ﷺ أنه قال: " إن خيركم من علَّم القرآن أو تعلمه ".

стр. 73

قال محمد بن جعفر وحجاج: فقال أبو عبد الرحمن: فذاك الذي أقعدني هذا المقعد. قال حجاج: قال شعبة: ولم يسمع أبو عبد الرحمن من عثمان، ولا من عبد الله (١) ولكن قد سمع من علي) (٢) . وشعبة يقول ذلك في أبي عبد الرحمن السلمي مع علمه أن أبا عبد الرحمن قد أدرك عثمان بن عفان وعاصره، فقد أخرج البخاري في صحيحه (٣) الحديث السابق عن شعبة بسنده وورد فيه: (قال: واقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج) والقائل هو سعد بن عبيدة كما رجح الحافظ ابن حجر (٤) . فلم يكن خافياً على شعبة بأن أبا عبد الرحمن السلمي لم يسمع من عثمان بن عفان ﵁ ولا يُعرف أبو عبد الرحمن بتدليس حتى يقال: لعل شعبة جزم بعدم سماعه لأن أبا عبد الرحمن مدلس. وقد جزم البخاري بسماع أبي عبد الرحمن من عثمان ومن عبد الله بن مسعود (٥) . ٥قال يحيى بن سعبد القطان: (سمعت شعبة ينكر أن يكون مجاهد سمع من عائشة) (٦) . وقال يحيى بن سعيد القطان: في تحديث موسى الجهني عن مجاهد

стр. 74

"خرجت علينا عائشة ﵂ " (١) : (حدث به شعبة فأنكره - يعني أنكر أن يكون مجاهد سمع من عائشة -) (٢) . وموسى الجهني هو موسى بن عبد الله الجهني، وثقه يحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والنسائي، والعجلى، وابن حبان، وابن سعد، وقال أبو زرعة: صالح، وقال أبو حاتم: لا بأس به (٣) . وقال الحافظ ابن حجر: (ثقة عابد لم يصح أن القطان طعن فيه) (٤) . ورغم أن في حديث موسى الجهني - الذي بلغ شعبة - نص سماع مجاهد من عائشة، ومع وجود المعاصرة إذا ولد مجاهد سنة إحدى وعشرين للهجرة تقريباً وما نسبة إحدى وعشرين للهجرة تقريباً ومات سنة ١٠١هـ وقيل ١٠٣ وقيل غير ذلك من سنة وفاته (٥) . وعائشة ﵂ ماتت سنة ثمان وخمسين (٦) ، إلا أن شعبة أنكر سماع مجاهد من عائشة. وقد أخرج الشيخان لمجاهد عن عائشة عدة أحاديث، وعند البخاري (٧) في صحيحه نص صريح في أن مجاهداً قد سمع عائشة. والمحصلة التي نخرج بها من النصوص السابقة هي أن شعبة بن الحجاج من أوائل من فتش عن سماعات رواة الأحاديث بعضهم من بعض إذا لم تكن الأسانيد التي تروى عنهم ظاهر فيها السماع بصيغ صريحة الاتصال. ولاغرو أن يكون شعبة من أوائل من بدأوا التفتيش عن السماعات، فقد قال صالح جزرة: (أول من تكلم في الرجال شعبة، ثم تبعه القطان، ثم أحمد

стр. 75

يحيى) (١) ، وذكر أبو داود الطيالسي: أنه رأى (رجلاً يقول لشعبة: قل حدثني، أو أخبرني، فقال شعبة: فقدتكوعدمتك، وهل جاء بهذا أحد قبلي؟) (٢) . وقد أخذ يحيى بن سعيد القطان عن شعبة ذلك الأمر، وحذى حذوة وتعلم منه هذه الصناعة، قال الإمام أحمد بن حنبل: (لم يكن في زمان يحيى القطان مثله، كان تعلم من شعبة) (٣) ، وقال يحيى بن سعيد القطان مبيناً طول ملازمته لشعبة: (اختلفت إلى شعبة عشرين سنة) (٤) . وسأذكر فيما يلي بعضاً من النصوص التي نقلت عن يحيى بن عيد القطان في ذلك الأمر. ثانياً: بعض ما جاء عن يحيى بن سعيد القطان في ذلك: ١- قال يحيى بن سعيد: (كل شيء يحدث به شعبة عن رجل فلا تحتاج أن تقول عن ذاك الرجل انه سمع فلاناً؟ ، قد كفاك أمره) (٥) . ويفهم من هذا النص أن منهج يحيى بن سعيد القطان والأصل عنده هو البحث عن سماعات الرواة مطلقاً سواء أكانوا مدلسين أم لم يكونوا، ويستثنى ما رواه شعبة عن شيوخه فلا يحتاج أن يسأل: هل شيخ شعبة سمع من الذي يروي عنه أم لا؟ ، لأن شعبة قد كفى من بعده. ٢- قال علي بن المديني: (قلت ليحيى - يعني القطان - سمع زرارة من ابن عباس؟ قال: ليس فيها شيء سمعت) (٦) . ٣- قال يحيى بن سعيد: (قلت لابن أبي رواد: من ابن زبيبة (٧) هذا؟ قال: قد أدرك عبد الله بن عمر ﵄، قال يحيى: أظنه قال: أدرك ابن
следующие страницы →