← Акыда

Акыда · id 9837

الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة

عبد الله بن عبد الحميد الأثري

Полный текст (318 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أركان الإيمان عند أهل السنة والجماعة

стр. 107

أركان الإيمان إن معتقد أهل السنة والجماعة في أصول الإيمان؛ يتلخص في التصديق بأركانه الستة، كما أخبر النبي ﷺ في حديث جبريل ﵇ لما جاء يسأله عن الإيمان؛ فقال ﷺ : (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره) (١) . فالإيمان يقوم على هذه الأركان الستة؛ إذا سقط منها ركن لم يكن الإنسان مؤمناً البتة؛ لأنه فقد ركناً من أركان الإيمان؛ فالإيمان لا يقوم إلا على أركانه تامة، كما لا يقوم البنيان إلا على أركانه مكتملة. لذا لا يتم الإيمان إلا بأركانه الستة جميعاً على الوجه الصحيح الذي دل عليه الكتاب والسنة، ومن جحد شيئاً منها فليس بمؤمن، وإن ادعى الإيمان، وقام ببعض أركان الإسلام.

стр. 108

(١) الإيمان بالله الإيمان بالله : هو التصديق الجازم بوجود الله وربوبيته - جل وعلا - واتصافه بكل صفات الكمال، ونعوت الجلال، واستحقاقه وحده العبادة، واطمئنان القلب بذلك اطمئناناً تُرى آثاره في سلوك الإنسان، والتزامه بأوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه، وهو أساس العقيدة الإسلامية ولبها؛ فهو الأصل، وكل أركان العقيدة مضافة إليه، وتابعة له. فالإيمان بالله تعالى يتضمن الإيمان بوحدانيته، واستحقاقه للعبادة؛ لأن وجوده - جل وعلا - لا شك فيه ولا ريب، وقد دل على وجوده : الفطرة، والعقل، والشرع، والحس. ومن الإيمان بالله تعالى الإيمان بوحدانيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وذلك بالإقرار بأنواع التوحيد الثلاثة، واعتقادها، والعمل بها، وهذه الأنواع هي: (توحيد الربوبية، (توحيد الألوهية) ، (توحيد الأسماء والصفات) .

стр. 109

١- توحيد الربوبية (١) : معناه الاعتقاد الجازم والإقرار التام؛ بأن الله تعالى وحده رب كل شيء ومليكه، لا شريك له، وهو الخالق وحده، وهو مدبر العالم والمتصرف فيه والقادر عليه، وأنه خالق العباد، ورازقهم، ومحييهم، ومميتهم، ولا معقب لحكمه، والإيمان بقضاء الله وقدره، وبوحدانيته في ذاته، وخلاصته (توحيد الله تعالى بأفعاله) . وقد قامت الأدلة الشرعية على وجوب الإيمان بربوبية الله تعالى؛ كقوله ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) . وقوله: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣) . وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ (٤) . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٥) . وهذا النوع من التوحيد أقر به كفار قريش، وأكثر أصحاب

стр. 110

الملل والديانات؛ فكلهم يعتقدون أن خالق العالم هو الله وحده، قال الله ﵎ عنهم: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (١) . وذلك لأن قلوب العباد مفطورة على الإقرار بربوبيته - جل وعلا - لذا؛ فلا يصبح معتقده موحدا؛ حتى يلتزم بالنوع الثاني من أنواع التوحيد، وهو: ٢- توحيد الألوهية (٢) : هو إفراد الله تعالى بالعبادة، ويسمى توحيد العبادة، ومعناه الاعتقاد الجازم؛ بأن الله هو الإله الحق ولا إله غيره، وكل معبود سواه باطل، وإفراده تعالى بالعبادة والخضوع والطاعة المطلقة، وأن لا يشرك به أحد كائنا من كان، ولا يصرف شيء من العبادة لغيره تعالى؛ كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والدعاء، والاستعانة، والنذر، والذبح، والتوكل، والخوف

стр. 111

والرجاء والحب، والإنابة، والخشية، والتذلل، وغيرها من أنواع العبادة الظاهرة والباطنة، وأن يعبد الله بالحب والخوف والرجاء جميعاً، وعبادته ببعضها دون بعض ضلال، قال الله ﵎: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) . وقال: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) . وتوحيد الألوهية هو ما دعا إليه جميع الرسل، وإنكاره هو الذي أورد الأمم السابقة موارد الهلاك. وهو أول الدين وآخره وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، ولأجله أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وسلت سيوف الجهاد، وفرق بين المؤمنين والكافرين، وبين أهل الجنة وأهل النار. وهو معنى قوله تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ . قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٣) .

стр. 112

ومن كان رباً خالقاً، رازقاً، مالكاً، متصرفاً، محيياً، مميتاً، موصوفاً بكل صفات الكمال، ومنزهاً من كل نقص، بيده كل شيء؛ وجب أن يكون إلهاً واحداً لا شريك له، ولا تصرف العبادة إلا له سبحانه، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) . فتوحيد الربوبية متضمن توحيد الألوهية؛ لأن المشركين لم يعبدوا إلهاً واحداً، وإنما عبدوا آلهة متعددة، وزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى، وهم مع ذلك معترفون بأنها لا تضر ولا تنفع؛ لذلك لم يجعلهم الله مؤمنين رغم اعترافهم بتوحيد الربوبية؛ بل جعلهم في عداد الكافرين بإشراكهم غيره في العبادة. ومن هنا يختلف معتقد أهل السنة والجماعة عن غيرهم في توحيد الألوهية؛ فهم لا يعنون كما يعني البعض أن معناها: أنه لا خالق ولا رازق إلا الله فحسب؛ بل إن توحيد الألوهية عندهم لا يتحقق إلا بوجود أصلين: الأول: أن تصرف جميع أنواع العبادة له - سبحانه - دون

стр. 113

ما سواه، ولا يعطى المخلوق شيئاً من حقوق الخالق وخصائصه. أي: لا يعبد إلا الله تعالى، ولا يصلي لغير الله، ولا يسجد لغير الله، ولا ينذر ولا يذبح لغير الله، ولا يتوكل على غير الله، ولا يستعان إلا به، ولا يدعى غيره تعالى، إلى غير ذلك من الأمور التي هي من خصائص الله تعالى، والتي لا يقدر عليها إلا الله. وإن توحيد الألوهية يقتضي إفراد الله تعالى وحده بالعبادة. والعبادة: تكون بقول القلب واللسان، وبعمل القلب والجوارح، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٦٢﴾ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١) . وقال: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٢) . الثاني: أن تكون العبادة موافقة لما أمر الله تعالى به، وأمر رسوله ﷺ . فتوحيد الله - سبحانه - بالعبادة والخضوع والطاعة والمحبة: هو تحقيق شهادة أن ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ .

стр. 114

ومتابعة رسول الله ﷺ والإذعان لما أمر به، ونهى عنه، والانقياد المطلق له ﷺ : هو تحقيق أن ﴿مُّحَمَّدٌاً رَّسُولُ اللَّهِ﴾ . فمنهج أهل السنة والجماعة: أنهم يعبدون الله تعالى ولا يشركون به شيئاً؛ فلا يسألون إلا الله، ولا يستعينون إلا بالله، ولا يستغيثون إلا به سبحانه، ولا يتوكلون إلا عليه جل وعلا، ولا يخافون إلا منه، ويتقربون إلى الله تعالى بطاعته، وعبادته، وبصالح الأعمال، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ (١) . ٣- توحيد الأسماء والصفات: معناه الاعتقاد الجازم بأن الله له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو متصف بجميع صفات الكمال، ومنزه عن جميع صفات النقص، متفرد بذلك عن جميع الكائنات. وأهل السنة والجماعة: يعرفون ربهم بصفاته الواردة في القرآن والسنة، ويصفون ربهم بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ولا يحرفون

стр. 115

الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون (١) في أسمائه وآياته، ويثبتون لله ما أثبت لنفسه من غير تمثيل، ولا تكييف، ولا تعطيل، ولا تحريف، وقاعدتهم في كل ذلك قوله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (٢) . وقوله: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٣) . وأهل السنة والجماعة: لا يحددون كيفية صفات الله تعالى؛ لأنه - جل وعلا - لم يخبر عن الكيفية، ولأنه لا أحد أعلم من الله - سبحانه - بنفسه. قال تعالى: ﴿قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ﴾ (٤) .

стр. 116

وقال تعالى: ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١) . ولا أحد أعلم بالله بعد الله، من رسول الله ﷺ الذي قال الله في حقه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴿٣﴾ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢) . وأهل السنة والجماعة: يؤمنون أن الله هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) . وكما أن ذاته لا تشبه الذوات، فكذلك صفاته لا تشبه الصفات؛ لأنه - سبحانه - لا سمي له، ولا كفء له ولا ند له، ولا يقاس بخلقه؛ فيثبتون لله ما أثبته لنفسه إثباتاً بلا تمثيل وتنزيهاً بلا تعطيل؛ فحين يثبتون لله ما أثبته لنفسه لا يمثلون، وإذا نزهوه لا يعطلون الصفات التي وصف نفسه بها.

стр. 117

ويؤمنون أن الله محيط بكل شيء، وخالق كل شيء، ورازق كل حي، قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١) . وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٢) . ويؤمنون بأن الله تعالى استوى (٣) على العرش فوق سبع سموات، كما يؤمنون بعلو الله عن خلقه وأنه بائن من خلقه، أحاط بكل شيء علماً، كما أخبر عن نفسه في كتابه العزيز في سبع آيات كريمات؛ بلا تكييف (٤) . قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٥) .

стр. 118

وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١) . وقال: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴿١٦﴾ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (٢) . وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٣) . وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ (٤) . وقال النبي ﵌: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟) (٥) (٦) . وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بأن الكرسي والعرش حق لا ريب فيه، قال الله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٧) .

стр. 119

والعرش لا يقدر قدره إلا الله، والكرسي في العرش كحلقة ملقاة في فلاة وسع السموات والأرض، والله مستغن عن العرش والكرسي، وهو - سبحانه - منزه عن أن يحتاج إلى العرش، وما دونه، فشأن الله ﵎ أعظم من ذلك؛ بل العرش والكرسي محمولان بقدرته وسلطانه. وأن الله تعالى خلق آدم ﵇ بيديه، وأن كلتا يديه يمين، ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، كما وصف نفسه سبحانه، فقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ (١) . وقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٢) . وأهل السنة والجماعة: يثبتون لله سمعاً، وبصراً، وعلماً، وقدرة، وقوة، وعزاً، وكلاماً، وحياةً، ومعيةً، ومحبةً، ورحمةً، وغضباً، ورضاً، وقدماً، وساقاً، ويداً، وغيرها من الصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه في كتابه العزيز، وعلى لسان نبيه الكريم ﷺ بكيفية يعلمها الله

стр. 120

ولا نعلمها؛ لأنه لم يخبرنا عن الكيفية، قال الله ﵎: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (١) . ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢) . ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٣) . ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (٤) . ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٥) . ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٦) . ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (٧) . ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (٨) . ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (٩) . ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١٠) . وغيرها من آيات الصفات.

стр. 121

وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بأن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم، ويزورونه، ويكلمهم ويكلمونه، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١) . وسيرونه كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، كما أخبر النبي ﷺ بذلك، فقال: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته..) (٢) . وأن الله ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل نزولاً يليق بجلاله وعظمته. قال النبي ﷺ : (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر؛ فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ ومن يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له؟) (٣) . ويؤمنون بأن الله تعالى يجيء يوم الميعاد للفصل بين العباد، مجيئاً يليق بجلاله، قال : ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ

стр. 122

الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ﴿٢١﴾ وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (١) . ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ (٢) . فمنهج أهل السنة والجماعة في كل ذلك: الإيمان الكامل بما أخبر به الله تعالى، وأخبر به رسوله ﷺ والتسليم به؛ كما قال الإمام - التابعي الفقيه - محمد بن مسلم الزهري ﵀: (من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم) (٣) . وكما قال الإمام - الحافظ الحجة - سفيان بن عيينة ﵀: (كل ما وصف الله تعالى به نفسه في القرآن فقراءته؛ تفسيره لا كيف، ولا مثل) (٤) . وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: (آمنت بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله) (٥) .

стр. 123

وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي، وسفيان بن عيينة، ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث في الصفات والرؤية، فقالوا: (أمروها كما جاءت بلا كيف) (١) . وقال الإمام مالك بن أنس ﵀: (إياكم والبدع) قيل: وما البدع؟ قال: (أهل البدع هم الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان) (٢) . وسأله رجل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فقال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا ضالاً) وأمر به أن يخرج من المجلس) (٣) . وقال الإمام أبو حنيفة ﵀: (لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء؛ بل يصفه بما

стр. 124

وصف به نفسه، ولا يقول فيه برأيه شيئاً؛ تبارك الله تعالى رب العالمين) (١) . ولما سئل ﵀ عن صفة النزول، فقال: (ينزل بلا كيف) (٢) . وقال الإمام الحافظ نعيم بن حماد الخزاعي ﵀: (من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيهاً) (٣) . وقال بعض السلف: (قدم الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم) (٤) . فهذه عقيدة السلف الصالح وأقوال أئمتهم في الإيمان بالله؛ فمن سلك مسلكهم يكون ملتزماً بمنهج الرسول ﷺ وأصحابه سواء كان السالك في عصرهم، أو في العصور المتأخرة، وكل من خالفهم لا يكون منهم، وإن كان موجوداً بينهم.

стр. 125

(٢) الإيمان بالملائكة الإيمان بالملائكة: هو الإيمان بوجودهم إيماناً جازماً لا يتطرق إليه شك، ولا ريب، قال الله ﵎: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (١) . لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً﴾ (٢) . فأهل السنة والجماعة: يؤمنون بهم إجمالاً، وأما تفصيلاً فبمن صح به الدليل ممن سماه الله ورسوله ﷺ ؛ كجبريل الموكل بالوحي، وميكائيل الموكل بالمطر، وإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور، وملك الموت الموكل بقبض الأرواح، ومالك خازن النار.

стр. 126

وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بوجودهم، وأنهم عباد مخلوقون، خلقهم الله تعالى من نور، وهم ذوات حقيقية، وليسوا قوى خفية، وهم خلق من خلق الله تعالى. والملائكة خلقتهم عظيمة، منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك، وثبت أن جبريل ﵇ له ستمائة جناح. وهم جند من جنود الله، قادرون على التمثل بأمثال الأشياء، والتشكل بأشكال جسمانية؛ حسبما تقتضيها الحالات التي يأذن بها الله وهم مقربون من الله ومكرمون. والملائكة لا يأكلون ولا يشربون، ولا يملون عن عبادة الله تعالى، ولا يفترون، ولا يتعبون، ويتصفون بالحسن، والجمال، والحياء، والنظام. والملائكة يختلفون عن البشر؛ بأنهم جبلوا على الطاعة وعدم العصيان، خلقهم الله لعبادته وتنفيذ أوامره، قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ﴿٢٦﴾ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴿٢٧﴾ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا

стр. 127

خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (١) . والملائكة يسبحون الله ليلاً ونهاراً، ويطوفون بالبيت المعمور في السماء السابعة، وهم يخشون الله تعالى ويخافونه. منهم الموكلون بحمل العرش، ومنهم الموكلون بالوحي، ومنهم الموكل بالجبال، ومنهم خزنة الجنة وخزنة النار. ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد، ومنهم الموكلون بقبض أرواح المؤمنين، ومنهم الموكلون بقبض أرواح الكافرين، ومنهم الموكلون بسؤال العبد في القبر. ومنهم من يستغفرون للمؤمنين ويصلون عليهم ويحبونهم، ومنهم من يشهد مجالس العلم وحلقات الذكر؛ فيحفونهم بأجنحتهم، ومنهم من هو قرين للإنسان لا يفارقه، ومنهم من يدعو العباد إلى فعل الخير، ومنهم من يشهد جنائز الصالحين، ويقاتلون مع المؤمنين ويثبتونهم في جهادهم مع أعداء الله. ومنهم الموكلون بحماية الصالحين، وتفريج كربهم، ومنهم

стр. 128

الموكلون بالعذاب. والملائكة لا يدخلون بيتاً فيه تمثال، ولا صورة، ولا كلب، ولا جرس، ويتأذون مما تتأذى منه بنو آدم. قال النبي ﷺ : (إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة) (١) . وقال: (لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة) (٢) . والملائكة كثيرون لا يعلم عددهم إلا الله . قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ (٣) . وقد حجبهم الله تعالى عنا؛ فلا نراهم في صورهم التي خلقوا عليها، ولكن كشفهم لبعض عباده، كما رأى النبي ﷺ جبريل على صورته التي خلقه الله عليها مرتين، قال الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴿١٣﴾ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ (٤) . وقال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ ﴿٢٢﴾ وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ (٥) .

стр. 129

(٣) الإيمان بالكتب أهل السنة والجماعة: يؤمنون ويعتقدون اعتقاداً جازماً أن الله أنزل على رسله كتباً فيها أمره، ونهيه، ووعده ووعيده، وما أراده الله من خلقه، وفيها هدى ونور، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (١) . وأن الله أنزل كتبه على رسله لهداية البشرية، قال تعالى: ﴿الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٢) . ومن هذه الكتب: القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، وأعظمها التوراة والإنجيل والقرآن، وأعظم الثلاثة وناسخها وأفضلها هو القرآن. ولم يتكفل الله سبحانه بحفظ شيء من هذه الكتب - عدا

стр. 130

القرآن - بل استحفظ عليها الأحبار والربانيون؛ لكنهم لم يحافظوا عليها، وما رعوها حق رعايتها؛ فحصل فيها تغيير وتبديل. والقرآن العظيم: هو كلام رب العالمين، وكتابه المبين، وحبله المتين؛ أنزله الله على رسوله محمد بن عبد الله ﷺ ليكون منهجاً للأمة، ومخرجاً للناس من الظلمات إلى النور، وهادياً لهم إلى الرشاد، وإلى الصراط المستقيم. وقد بين الله فيه أخبار الأولين والآخرين، وخلق السموات والأرضين، وفصل فيه الحلال والحرام، وأصول الآداب والأخلاق وأحكام العبادات والمعاملات، وسيرة الأنبياء والصالحين، وجزاء المؤمنين والكافرين، ووصف الجنة دار المؤمنين، ووصف النار دار الكافرين،، وجعله شفاء لما في الصدور، وتبياناً لكل شيء، وهدى ورحمة للمؤمنين، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (١) . ويجب على جميع الأمة اتباعه وتحكيمه مع ما صح من السنة

стр. 131

عن النبي ﷺ لأن الله بعث رسوله إلى جميع الثقلين؛ ليبين لهم ما أنزله إليهم، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) . وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بأن القرآن كلام الله تعالى - حروفه ومعانيه - منه بدأ وإليه يعود، منزل غير مخلوق، تكلم الله به حقاً، وأوحاه إلى جبريل؛ فنزل به جبريل ﵇ على محمد ﷺ . أنزله الحكيم الخبير بلسان عربي مبين، ونقل إلينا بالتواتر الذي لا يرقى إليه شك، ولا ريب، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٩٢﴾ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ ﴿١٩٣﴾ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ﴿١٩٤﴾ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ (٢) . والقرآن الكريم: مكتوب في اللوح المحفوظ، وتحفظه الصدور، وتتلوه الألسن، ومكتوب في الصحف، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٣) .

стр. 132

وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴿٧٧﴾ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ﴿٧٨﴾ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ﴿٧٩﴾ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) . والقرآن الكريم: المعجزة الكبرى الخالدة لنبي الإسلام محمد بن عبد الله ﷺ وهو آخر الكتب السماوية؛ لا ينسخ ولا يبدل، وقد تكفل الله بحفظه من أي تحريف، أو تبديل، أو زيادة، أو نقص إلى يوم يرفعه الله تعالى، وذلك قبل يوم القيامة. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢) . وأهل السنة والجماعة: يكفرون من أنكر حرفاً منه أو زاد أو نقص، وعلى هذا فنحن نؤمن إيماناً جازماً بأن كل آية من آيات القرآن منزلة من عند الله، وقد نقلت إلينا بطريق التواتر القطعي. والقرآن الكريم: لم ينزل جملة واحدة على رسول الله ﷺ بل نزل منجماً، أي مفرقاً حسب الوقائع، أو جواباً عن أسئلة، أو حسب مقتضيات الأحوال في ثلاث وعشرين سنة.

стр. 133

والقرآن الكريم: يحتوي على (١١٤) سورة، (٨٦) منها نزلت في مكة، و (٢٨) منها نزلت في المدينة، وتسمى السور التي نزلت قبل الهجرة النبوية بالسور المكية، والسور التي نزلت بعد الهجرة بالسور المدنية، وفيه تسع وعشرون سورة افتتحت بالحروف المقطعة. وقد كتب القرآن في عهد النبي ﷺ وبمرأى منه؛ حيث كان للوحي كتبة من خيرة الصحابة ﵃ يكتبون كل ما نزل من القرآن وبأمر من النبي ﷺ ثم جمع في عهد أبي بكر بين دفتي المصحف، وفي عهد عثمان على حرف واحد؛ رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وأهل السنة والجماعة: يهتمون بتعليم القرآن وحفظه، وتلاوته، وتفسيره، والعمل به. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (١) . ويتعبدون لله تعالى بقراءته؛ لأن في قراءة كل حرف منه حسنة كما أخبر النبي ﷺ حيث قال:

стр. 134

(من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، ولا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) (١) . وأهل السنة والجماعة: لا يجوزون تفسير القرآن بالرأي المجرد؛ فإنه من القول على الله بغير علم، ومن عمل الشيطان، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴿١٦٨﴾ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) . بل يفسر القرآن بالقرآن وبالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ثم بأقوال التابعين، ثم باللغة العربية التي نزل بها القرآن.

стр. 135

(٤) الإيمان بالرسل أهل السنة والجماعة: يؤمنون ويعتقدون اعتقاداً جازماً بأن الله تعالى أرسل إلى عباده رسلاً مبشرين ومنذرين، ودعاة إلى دين الحق؛ لهداية البشر، وإخراجهم من الظلمات إلى النور. فكانت دعوتهم إنقاذاً للأمم من الشرك والوثنية، وتطهيراً للمجتمعات من التحلل والفساد، وأنهم بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، ونصحوا أممهم، وجاهدوا في الله حق جهاده، وقد جاؤوا بمعجزات باهرات تدل على صدقهم، ومن كفر بواحد منهم؛ فقد كفر بالله تعالى وبجميع الرسل ﵈ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ﴿١٥٠﴾ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ﴿١٥١﴾ وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (١) .

стр. 136

وقد بين الله الحكمة من بعثة الرسل الكرام، فقال تعالى: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١) . ولقد أرسل الله تعالى رسلاً وأنبياء كثيرين منهم من ذكره لنا في كتابه أو على لسان نبيه ﷺ ومنهم من لم يخبرنا عنهم. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (٢) . وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ (٣) . والمذكور من أسمائهم في القرآن خمسة وعشرون رسولاً ونبياً، وهم: أبو البشر آدم، إدريس، نوح، هود، صالح، إبراهيم، لوط، إسماعيل، إسحاق، يعقوب، يوسف، شعيب، أيوب، ذو الكفل، موسى، هارون، داود، سليمان، إلياس، اليسع، يونس، زكريا، يحيى، عيسى، ومحمد خاتم الأنبياء والرسل؛ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

стр. 137

وقد فضل الله بعض الأنبياء والرسل على بعض، وقد أجمعت الأمة على أن الرسل أفضل من الأنبياء، والرسل بعد ذلك متفاضلون فيما بينهم، وأفضل الرسل والأنبياء أولو العزم، وهم خمسة: محمد، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وأفضل أولي العزم نبي الإسلام، وخاتم الأنبياء والمرسلين ورسول رب العالمين؛ محمد بن عبد الله ﷺ قال تعالى: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١) . وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بهم جميعاً من سمى الله منهم ومن لم يسم، من أولهم آدم.. إلى آخرهم وخاتمهم وأفضلهم نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله؛ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. والإيمان بالرسل إيمان مجمل، والإيمان بنبينا محمد ﷺ إيمان مفصل؛ يقتضي ذلك من المسلمين اتباعه ﷺ فيما جاء به من ربه على وجه التفصيل.

стр. 138

(محمد رسول الله) (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) هو: أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وعدنان من ولد نبي الله إسماعيل بن إبراهيم الخليل على نبينا وعليهما السلام. وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، ورسول الله إلى الناس أجمعين، عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب، وهو خير الخلائق، وأفضلهم وأكرمهم على الله تعالى، وأعلاهم درجة، وأقربهم إليه وسيلة. وهو المبعوث إلى الثقلين؛ بالحق والهدى، بعثه الله رحمة للعالمين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (١) . أنزل عليه كتابه وأتمنه على دينه، وكلفه بتبليغ رسالته، وقد عصمه من الزلل في تبليغه لهذه الرسالة، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴿٣﴾ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢) .

стр. 139

ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته، ومن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (١) . وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، ومحمد ﷺ بعث إلى الناس كافة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢) . وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بأن الله تعالى أيد نبيه ﷺ بالمعجزات (٣) الظاهرة والآيات الباهرة: ومن تلك المعجزات وأعظمها القرآن الذي تحدى الله تعالى به أفصح الأمم وأبلغها، وأقدرها على المنطق (٤) .

стр. 140

ومن أكبر المعجزات - بعد القرآن - التي أيد الله بها نبيه ﷺ ؛ معجزة الإسراء والمعراج. فأهل السنة والجماعة: يؤمنون بأن النبي ﷺ عرج به في اليقظة بروحه وجسده إلى السماء، وذلك في ليلة الإسراء، وقد أسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بنص القرآن. قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (١) . ثم عرج به ﷺ إلى السماء، حيث صعد حتى السماء السابعة، ثم فوق ذلك حيث شاء الله من العلى، عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى، وأكرمه الله بما شاء وأوحى إليه وكلمه، وشرع له خمس صلوات في اليوم والليلة، ودخل الجنة فاطلع عليها، واطلع على النار، ورأى الملائكة، ورأى جبريل على صورته الحقيقة التي خلقه الله عليها، وما كذب فؤاد النبي ﷺ ما رأى، بل كان كل ما رآه بعيني رأسه حقاً، تعظيماً له وتشريفاً على سائر الأنبياء وإظهاراً لعلو مقامه ﷺ فوق الجميع، ثم نزل

стр. 141

بيت المقدس وصلى إماماً بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ثم عاد إلى مكة قبل الفجر (١) . قال الله تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ﴿١٢﴾ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴿١٣﴾ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ﴿١٤﴾ عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ﴿١٥﴾ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴿١٦﴾ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴿١٧﴾ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (٢) . ومن معجزاته أيضاً؛ صلى الله عليه وآله سلم: انشقاق القمر: آية عظيمة أعطاها الله لنبيه ﷺ دليلاً على نبوته، وكان ذلك في مكة حينما طلب المشركون منه آية. تكثير الطعام له، وقد وقع هذا منه ﷺ أكثر من مرة. تكثير الماء ونبعه من بين أصابعه الشريفة، وتسبيح الطعام له وهو يؤكل، وقد وقع هذا الشيء كثيراً من الرسول ﷺ . إبراء المرضى، وشفاء بعض أصحابه على يديه ﷺ دون دواء حسي.

стр. 142

أدب الحيوان معه، وإذعان الأشجار إليه، وتسليم الأحجار عليه؛ صلوات الله وسلامه عليه. الانتقام العاجل من بعض من خانه وعانده ﷺ . إخباره ببعض الأمور الغيبية، وإخباره عن الأمور التي وقعت بعيداً عنه فور وقوعها، وإخباره عن أمور غيبية قبل حدوثها؛ فحدثت بعد ذلك كما أخبر به ﷺ . إجابة دعائه ﷺ عامة. وحفظ الله تعالى له ﷺ وكف الأعداء عنه. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم! قال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب. قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة؛ فقال رسول الله ﷺ : (لو دنا مني لاختطفته الملائكة؛ عضواً عضواً) (١) .

стр. 143

(٥) الإيمان باليوم الآخر أهل السنة والجماعة: يعتقدون ويؤمنون باليوم الآخر، ومعناه الاعتقاد الجازم والتصديق الكامل؛ بيوم القيامة، والإيمان بكل ما أخبر به الله تعالى في كتابه، وأخبر به رسوله ﷺ مما يكون بعد الموت، وحتى يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. لقد أكد الله ذكر اليوم الآخر في كتابه العزيز في مواضع كثيرة، وربط الإيمان به بالإيمان بالله. قال تعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (١) . وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بأن وقت قيام الساعة علمه عند الله لا يعلمه أحد إلا الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (٢) . وإذا كان الله قد أخفى وقت وقوع الساعة عن عباده فإنه تعالى

стр. 144

قد جعل لها أمارات وعلامات وأشراطاً؛ تدل على قرب وقوعها. ويؤمنون بكل ما وقع وسيقع من أشراط الساعة الصغرى والكبرى التي هي أمارات على قيام الساعة؛ لأنها تدخل في الإيمان باليوم الآخر. علامات الساعة الصغرى: وهي التي تتقدم الساعة بأزمان متفاوتة، وتكون من النوع المعتاد وقد يظهر بعضها مصاحباً للأشراط الكبرى، وعلامات أشراط الساعة الصغرى كثيرة جداً؛ نذكر شيئاً مما صح منها: فمن ذلك بعثة النبي ﷺ وختم النبوة والرسالة به، وموته ﷺ وفتح بيت المقدس، وظهور الفتن، واتباع سنن الأمم الماضية من اليهود والنصارى، وخروج الدجالين، وأدعياء النبوة. ووضع الأحاديث المكذوبة على رسول الله ﷺ ورفض سنته، وكثرة الكذب، وعدم التثبت في نقل الأخبار، ورفع العلم والتماس العلم عند الأصاغر، وظهور الجهل والفساد، وذهاب الصالحين، ونقض عرى الإسلام عروة عروة، وتداعي الأمم على أمة محمد ﷺ ثم غربة الإسلام وأهله. وكثرة القتل، وتمني الموت من شدة البلاء، وغبطة أهل القبور

стр. 145

وتمني الرجل أن يكون مكان الميت من شدة البلاء، وكثرة موت الفجأة والموت في الزلازل والأمراض، وقلة عدد الرجال، وكثرة النساء، وظهورهن كاسيات عاريات، وتفشي الزنا في الطرقات، وظهور أعوان الظلمة الذين يجلدون الناس. وظهور المعازف، والخمر، والزنا، والربا، والحرير، واستحلالها، وظهور الخسف والمسخ والقذف. وتضييع الأمانة، وإسناد الأمر إلى غير أهله، وزعامة الأراذل من الناس، وارتفاع أسافلهم على خيارهم، وولادة الأمة ربتها، والتطاول في البنيان، وتباهي الناس في زخرفة المساجد، وتغير الزمان؛ حتى تعبد الأوثان، ويظهر الشرك في الأمة. والسلام على المعارف فقط، وكثرة التجارة، وتقارب الأسواق ووجود المال الكثير في أيدي الناس مع عدم الشكر، وكثرة الشح، وكثرة شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور الفحش، والتخاصم والتباغض والتشاحن، وقطيعة الرحم، وسوء الجوار. وتقارب الزمان وقلة البركة في الأوقات، وانتفاخ الأهلة، وحدوث الفتن كقطع الليل المظلم، ووقوع التناكر بين الناس، والتهاون بالسنن التي رغب فيها الإسلام، وتشبه الشيوخ بالشباب. وكلام السباع والجمادات للإنس، وحسر ماء الفرات عن جبل من ذهب، وصدق رؤيا المؤمن.
следующие страницы →