بيت المقدس وصلى إماماً بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ثم عاد إلى مكة قبل الفجر (١) .
قال الله تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ﴿١٢﴾ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴿١٣﴾ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ﴿١٤﴾ عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ﴿١٥﴾ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴿١٦﴾ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴿١٧﴾ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (٢) .
ومن معجزاته أيضاً؛ صلى الله عليه وآله سلم:
انشقاق القمر: آية عظيمة أعطاها الله لنبيه ﷺ دليلاً على نبوته، وكان ذلك في مكة حينما طلب المشركون منه آية.
تكثير الطعام له، وقد وقع هذا منه ﷺ أكثر من مرة.
تكثير الماء ونبعه من بين أصابعه الشريفة، وتسبيح الطعام له وهو يؤكل، وقد وقع هذا الشيء كثيراً من الرسول ﷺ .
إبراء المرضى، وشفاء بعض أصحابه على يديه ﷺ دون دواء حسي.
стр. 142
أدب الحيوان معه، وإذعان الأشجار إليه، وتسليم الأحجار عليه؛ صلوات الله وسلامه عليه.
الانتقام العاجل من بعض من خانه وعانده ﷺ .
إخباره ببعض الأمور الغيبية، وإخباره عن الأمور التي وقعت بعيداً عنه فور وقوعها، وإخباره عن أمور غيبية قبل حدوثها؛ فحدثت بعد ذلك كما أخبر به ﷺ .
إجابة دعائه ﷺ عامة.
وحفظ الله تعالى له ﷺ وكف الأعداء عنه.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم! قال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب. قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة؛ فقال رسول الله ﷺ :
(لو دنا مني لاختطفته الملائكة؛ عضواً عضواً) (١) .
стр. 143
(٥)
الإيمان باليوم الآخر
أهل السنة والجماعة: يعتقدون ويؤمنون باليوم الآخر، ومعناه الاعتقاد الجازم والتصديق الكامل؛ بيوم القيامة، والإيمان بكل ما أخبر به الله تعالى في كتابه، وأخبر به رسوله ﷺ مما يكون بعد الموت، وحتى يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار.
لقد أكد الله ذكر اليوم الآخر في كتابه العزيز في مواضع كثيرة، وربط الإيمان به بالإيمان بالله.
قال تعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (١) .
وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بأن وقت قيام الساعة علمه عند الله لا يعلمه أحد إلا الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (٢) .
وإذا كان الله قد أخفى وقت وقوع الساعة عن عباده فإنه تعالى
стр. 144
قد جعل لها أمارات وعلامات وأشراطاً؛ تدل على قرب وقوعها.
ويؤمنون بكل ما وقع وسيقع من أشراط الساعة الصغرى والكبرى التي هي أمارات على قيام الساعة؛ لأنها تدخل في الإيمان باليوم الآخر.
علامات الساعة الصغرى:
وهي التي تتقدم الساعة بأزمان متفاوتة، وتكون من النوع المعتاد وقد يظهر بعضها مصاحباً للأشراط الكبرى، وعلامات أشراط الساعة الصغرى كثيرة جداً؛ نذكر شيئاً مما صح منها:
فمن ذلك بعثة النبي ﷺ وختم النبوة والرسالة به، وموته ﷺ وفتح بيت المقدس، وظهور الفتن، واتباع سنن الأمم الماضية من اليهود والنصارى، وخروج الدجالين، وأدعياء النبوة.
ووضع الأحاديث المكذوبة على رسول الله ﷺ ورفض سنته، وكثرة الكذب، وعدم التثبت في نقل الأخبار، ورفع العلم والتماس العلم عند الأصاغر، وظهور الجهل والفساد، وذهاب الصالحين، ونقض عرى الإسلام عروة عروة، وتداعي الأمم على أمة محمد ﷺ ثم غربة الإسلام وأهله.
وكثرة القتل، وتمني الموت من شدة البلاء، وغبطة أهل القبور
стр. 145
وتمني الرجل أن يكون مكان الميت من شدة البلاء، وكثرة موت الفجأة والموت في الزلازل والأمراض، وقلة عدد الرجال، وكثرة النساء، وظهورهن كاسيات عاريات، وتفشي الزنا في الطرقات، وظهور أعوان الظلمة الذين يجلدون الناس.
وظهور المعازف، والخمر، والزنا، والربا، والحرير، واستحلالها، وظهور الخسف والمسخ والقذف.
وتضييع الأمانة، وإسناد الأمر إلى غير أهله، وزعامة الأراذل من الناس، وارتفاع أسافلهم على خيارهم، وولادة الأمة ربتها، والتطاول في البنيان، وتباهي الناس في زخرفة المساجد، وتغير الزمان؛ حتى تعبد الأوثان، ويظهر الشرك في الأمة.
والسلام على المعارف فقط، وكثرة التجارة، وتقارب الأسواق ووجود المال الكثير في أيدي الناس مع عدم الشكر، وكثرة الشح، وكثرة شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور الفحش، والتخاصم والتباغض والتشاحن، وقطيعة الرحم، وسوء الجوار.
وتقارب الزمان وقلة البركة في الأوقات، وانتفاخ الأهلة، وحدوث الفتن كقطع الليل المظلم، ووقوع التناكر بين الناس، والتهاون بالسنن التي رغب فيها الإسلام، وتشبه الشيوخ بالشباب.
وكلام السباع والجمادات للإنس، وحسر ماء الفرات عن جبل من ذهب، وصدق رؤيا المؤمن.
стр. 146
وما يقع من مدينة رسول الله ﷺ حيث تنفي الخبث، فلا يبقى فيها إلا الأتقياء الصالحون، وعودة جزيرة العرب مروجاً وأنهاراً، وخروج رجل من قحطان يدين له الناس.
وكثرة الروم وقتالهم للمسلمين، وقتال المسلمين لليهود حتى يقول الحجر والشجر: (يا مسلم هذا يهودي؛ فتعال فاقتله) (١) .
وفتح روما كما فتحت القسطنطينية.. إلى غير ذلك من علامة الساعة الصغرى الثابتة في الأحاديث الصحيحة.
علامات الساعة الكبرى:
وهي التي تدل على قرب قيام الساعة؛ فإذا ظهرت كانت الساعة على إثرها، وأهل السنة والجماعة؛ يؤمنون بها كما جاءت عن النبي ﷺ ومنها:
ظهور المهدي: وهو محمد بن عبد الله من أهل بيت النبي ﷺ ويخرج من قبل المشرق يملك سبع سنين، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجورا، تنعم الأمة في عهده نعمة لم تنعمها قط، تخرج الأرض نباتها، وتمطر السماء قطرها، ويعطي المال بغير عدد.
стр. 147
وخروج المسيح الدجال (١) ونزول المسيح عيسى بن مريم ﵇ عند المنارة البيضاء شرقي دمشق الشام، وينزل حاكماً بشريعة محمد ﷺ عاملاً بها، وأنه يقتل الدجال، ويحكم في الأرض بالإسلام، ويكون نزوله على الطائفة المنصورة التي تقاتل على الحق، وتكون مجتمعة لقتال الدجال؛ فينزل وقت إقامة الصلاة يصلي خلف أمير تلك الطائفة.
وخروج يأجوج ومأجوج، والخسوفات الثلاثة: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وخروج الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض وتكليمها للناس، والنار التي تسوق الناس إلى أرض المحشر.
وأهل السنة والجماعة:
يؤمنون بكل ما يكون من أمور الغيب بعد الموت، مما أخبر به الله ورسوله ﷺ من سكرات الموت، وحضور ملائكة الموت، وفرح المؤمن بلقاء ربه، وحضور الشيطان عند الموت، وعدم قبول إيمان
стр. 148
الكافر عند الموت، وعالم البرزخ، ونعيم القبر وعذابه وفتنته للروح والجسد، وسؤال الملكين وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وأن أرواح أهل السعادة منعمة، وأرواح أهل الشقاوة معذبة.
ويؤمنون بيوم القيامة الكبرى الذي يحيي الله فيه الموتى، ويبعث العباد من قبورهم، ثم يحاسبهم.
ويؤمنون بالنفخ في الصور، وهي نفختان، وقيل: ثلاث نفخات: الأولى: نفخة الفزع.
الثانية: نفخة الصعق التي يتغير بها العالم المشاهد، ويختل نظامه، وفيها الفناء والصعق، وفيها هلاك من قضى الله إهلاكه.
الثالثة: نفخة البعث، والنشور، والقيام لرب العالمين.
ويؤمنون بالبعث والنشور، وأن الله يبعث من في القبور؛ فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا، تدنو منهم الشمس؛ فيعرقون على قدر أعمالهم، ومنهم من يلجمه العرق، وأول من يبعث وتنشق عنه الأرض نبينا محمد ﷺ .
وفي ذلك اليوم العظيم يخرج الناس من الأجداث كأنهم جراد منتشر، مسرعين مهطعين إلى الداعي، وقد خفتت كل حركة، وخيم الصمت الرهيب، حيث تنشر صحف الأعمال؛
стр. 149
فيكشف المخبوء، ويظهر المستور، ويفتضح المكنون في الصدور، ويكلم الله عباده يوم القيامة ليس بينه وبينهم ترجمان، ويدعى الناس بأسمائهم وأسماء آبائهم.
ويؤمنون بالميزان الذي له كفتان توزن به أعمال العباد.
ويؤمنون بما يكون من نشر الدواوين، وهي صحائف الأعمال، فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره.
والصراط منصوب على متن جهنم، يتجاوزه الأبرار، ويزل عنه الفجار (١) .
والجنة والنار مخلوقتان، وموجودتان الآن، لا تفنيان أبداً، وقد خلقهما الله تعالى قبل الخلق، والجنة دار المؤمنين الموحدين والمتقين، والنار دار المذنبين، والكافرين من المشركين، واليهود، والنصارى، والمنافقين، والملحدين، والوثنيين.
стр. 150
ويؤمنون بأن أمة محمد ﷺ أولى الأمم محاسبة يوم القيامة، وأولى الأمم في دخول الجنة، وهم نصف أهل الجنة، ويدخل الجنة منهم سبعون ألفاً بغير حساب.
ويؤمنون بعدم خلود الموحدين في النار، وهم الذين دخلوا النار بمعاص ارتكبوها غير الإشراك بالله تعالى؛ لأن المشركين خالدون في النار لا يخرجون منها أبدا، والعياذ بالله.
ويؤمنون بحوض نبينا ﷺ في عرصات القيامة، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وريحه أطيب من المسك، وآنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر وعرضه شهر، من شرب منه لا يظمأ أبدا، ويحرم ذلك على من ابتدع في الدين.
قال النبي ﷺ : (حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبدا) (١) .
وقال: (إني فرطكم على الحوض، من مر علي شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً. ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم) .
وفي رواية:
стр. 151
(فأقول: إنهم مني؛ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غير بعدي) (١) .
والشفاعة والمقام المحمود لنبينا محمد بن عبد الله ﷺ يوم القيامة، وشفاعته لأهل الموقف لفصل القضاء بينهم هي المقام المحمود، وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، ويكون الرسول ﷺ أول داخل فيها، وشفاعته لعمه أبي طالب أن يخفف عنه من العذاب.
وهذه الشفاعات الثلاث خاصة بالنبي ﷺ وليست لأحد غيره.
وشفاعته ﷺ لرفع درجات بعض أمته ممن يدخلون الجنة إلى درجات عليا، وشفاعته ﷺ لطائفة من أمته يدخلون الجنة بغير حساب.
وشفاعته ﷺ في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة، وفي أقوام آخرين قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها.
وشفاعته ﷺ في إخراج عصاة الموحدين من النار؛ فيشفع لهم ﷺ فيدخلون الجنة.
وهذه الشفاعة تشاركه فيها الملائكة، والنبيون، والشهداء،
стр. 152
والصديقون، والصالحون، والمؤمنون (١) . ثم يخرج الله ﵎ من النار أقواماً بغير شفاعة؛ بل بفضله ورحمته.
فأما الكفار؛ فلا شفاعة لهم، لقوله تعالى:
﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (٢) .
وعمل المؤمن يوم القيامة يشفع له أيضاً، كما أخبر بذلك النبي ﷺ فقال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة) (٣) .
والموت يؤتى به يوم القيامة؛ فيذبح كما أخبر النبي ﷺ :
(إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، أتي بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار؛ ثم يذبح، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة! لا موت. ويا أهل النار! لا موت؛ فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم) (٤) .
стр. 153
(٦)
الإيمان بالقدر
أهل السنة والجماعة: يعتقدون اعتقاداً جازماً أن كل خير وشر يكون بقضاء الله وقدره، وأن الله فعال لما يريد؛ فكل شيء بإرادته، ولا يخرج عن مشيئته وتدبيره، وعلم كل ما كان وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وقدر المقادير للكائنات حسبما سبق به علمه واقتضته حكمته، وعلم أحوال عباده، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، وغير ذلك من شؤونهم؛ فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته.
وملخص القول في القدر: هو ما سبق به العلم، وجرى به القلم، مما هو كائن إلى الأبد.
قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ (١) .
وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٢) .
стр. 154
وقال النبي ﷺ : (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه) (١) .
وأهل السنة يقولون: الإيمان بالقدر لا يتم إلا بأربعة أمور، وتسمى: مراتب القدر، أو أركانه، وهذه الأمور هي المدخل لفهم مسألة القدر، ولا يتم الإيمان بالقدر إلا بتحقيق جميع أركانه؛ لأن بعضها مرتبط ببعض؛ فمن أقر بها جميعا اكتمل إيمانه بالقدر، ومن انتقص واحداً منها، أو أنكره؛ فقد اختل إيمانه بالقدر.
المرتبة الأولى: العلم:
الإيمان بأن الله تعالى عالم بكل ما كان، وما يكون، وما لم يكن، لو كان كيف يكون؛ جملة وتفصيلاً، وأنه علم ما الخلق عاملون قبل خلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وحركاتهم وسكناتهم، وعلم الشقي منهم والسعيد، وذلك بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلاً، قال الله ﵎:
﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢) .
стр. 155
المرتبة الثانية: الكتابة:
وهي الإيمان بأن الله كتب ما سبق به علمه من مقادير المخلوقات في اللوح المحفوظ، وهو الكتاب الذي لم يفرط فيه من شيء؛ فكل ما جرى وما يجري وكل كائن إلى يوم القيامة؛ فهو مكتوب عند الله تعالى في أم الكتاب، ويسمى: الذكر، والإمام، والكتاب المبين، قال الله ﵎:
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (١) .
وقال النبي ﵌:
(إن أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد) (٢) .
المرتبة الثالثة: الإرادة والمشيئة:
أي: أن كل ما يجري في هذا الكون فهو بإرادة الله ومشيئته الدائرة بين الرحمة والحكمة، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وسلطانه، وهم
стр. 156
يسألون، وما وقع من ذلك؛ فإنه مطابق لعلمه السابق المكتوب في اللوح المحفوظ، فمشيئة الله نافذة، وقدرته شاملة، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ فلا يخرج عن إرادته شيء.
قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) .
وقال النبي ﷺ : (إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد؛ يصرفه حيث يشاء) (٢) .
المرتبة الرابعة: الخلق:
وهي الإيمان أن الله خالق كل شيء، لا خالق غيره ولا رب سواه، وأن كل ما سواه مخلوق؛ فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، قال الله ﵎:
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٣) .
فهو خالق العباد وأفعالهم، وأن كل ما يجري من خير وشر، وكفر وإيمان، وطاعة ومعصية شاءه الله، وقدره، وخلقه، قال الله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ (٤) .
стр. 157
وقال: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا﴾ (١) .
وأن الله تعالى الخالق المتفرد بالخلق والإيجاد؛ فهو خالق كل شيء بلا استثناء، لا خالق غيره ولا رب سواه، قال تعالى:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٢) .
وأن الله يحب الطاعة ويكره المعصية، ويهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله، قال الله تعالى:
﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣) .
ولا حجة لمن أضله ولا عذر له؛ لأن الله قد أرسل الرسل لقطع الحجة، وأضاف عمل العبد إليه، وجعله كسبا له، ولم يكلفه إلا بما يستطيع، قال الله ﵎:
﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ (٤) .
وقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (٥) .
وقال: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٦) .
стр. 158
وقال: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (١) .
ولكن لا ينسب الشر إلى الله لكمال رحمته؛ لأنه أمر بالخير ونهى عن الشر، وإنما يكون الشر في مقتضياته وبحكمته.
قال تعالى: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ (٢) .
والله منزه عن الظلم، ومتصف بالعدل؛ فلا يظلم أحداً مثقال ذرة، وكل أفعاله عدل ورحمة.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (٣) .
وقال: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٤) .
وقال: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (٥) .
والله تعالى لا يسأل عما يفعل وعما يشاء لقوله تعالى:
﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٦) .
فالله تعالى خلق الإنسان وأفعاله، وجعل له إرادة، وقدرة، واختياراً، ومشيئة، وهبها الله له لتكون أفعاله منه حقيقة لا مجازا،
стр. 159
ثم جعل له عقلاً يميز به بين الخير والشر، ولم يحاسبه إلا على أعماله التي هي بإرادته واختياره؛ فالإنسان غير مجبر بل له مشيئة واختيار؛ فهو يختار أفعاله وعقائده؛ إلا أنه تابع في مشيئته لمشيئة الله، وكل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فالله تعالى هو الخالق لأفعال العباد، وهم الفاعلون لها؛ فهي من الله خلقاً وإيجاداً وتقديراً، ومن العبد فعلاً وكسبا، قال تعالى: ﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ﴿٢٨﴾ وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) .
ولقد رد الله تعالى على المشركين حين احتجوا بالقدر، وقالوا: ﴿لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ (٢) .
فرد الله عليهم كذبهم، بقوله: ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ﴾ (٣) .
وأهل السنة والجماعة:
يعتقدون أن القدر سر الله في خلقه، لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ضلالة؛ لأن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، قال تعالى:
стр. 160
﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (١) .
وأهل السنة والجماعة:
يسلمون تسليماً مطلقاً لقول الله ﵎:
﴿قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (٢) .
ويحاجون به من خالفهم من الفرق الضالة والمنحرفة.
وهذا هو الذي آمن به السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان؛ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
стр. 161
نعمة الإيمان وحالاته
стр. 162
إن الإيمان نعمة عظيمة جليلة في حياة المسلم، تزكي العمر وتبارك الحياة، وتضمن الآخرة، وترفع صاحبها في الدنيا والآخرة؛ لأن فيها الحياة الحقيقية والسعادة الأخروية، وهذه النعمة لا يعرفها إلا من ذاق طعمها، ولا يحس بها إلا من عاشها.
والإيمان نور هاد مضيء يهبه الله تعالى لمن يشاء من عباده، ويصرفه عمن يشاء، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ (١) .
فالإيمان منحة ربانية يمنها الله تعالى على عباده المؤمنين الصادقين برحمته وبفضله وعطائه، فمن وجده فقد وجد الخير كله، ومن فقده فقد كل شيء، ولم ينفعه أي شيء، قال تعالى:
﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢) .
стр. 163
والإيمان نعمة يشعر بها من آمن بالله تعالى رباً، وبرسوله ﷺ نبياً، وأطاع الله، وأطاع رسوله ﷺ وعمل فيما أمر به، وانتهى عما نهي عنه، باطناً وظاهراً؛ فإذا فعل ذلك كان من المؤمنين الصادقين، وحشر في زمرتهم ومع خيرتهم، قال تعالى:
﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (١) .
وللإيمان مع المؤمنين المتقين الصادقين العاملين بأوامر الله تعالى بإخلاص، والمتبعين لسنة رسوله ﷺ ؛ حالات وصفات يهبها الله تعالى لهم بفضله ورحمته، منها:
كتابة الإيمان في القلوب:
يكتب الله الإيمان في قلوب عبادة كتابة دائمة ثابتة؛ فلا يفارقهم ما داموا مع الله - جل وعلا - فإذا ثبت ورسخ واستقر في القلوب، لا يقوى أحد على محوه أبداً؛ لأنه هبة الله - جل وعلا - لعباده الصالحين العاملين، قال تعالى:
стр. 164
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) .
حلاوة الإيمان في القلوب:
يجد المؤمن حلاوة الإيمان في قلبه، ويذوقها ويسعد بها، وإذا ذاقها سيبقى يطلبها ويشتاق إليها، وإذا عاش معها تتحول حياته إلى سعادة واستقرار دائم.
قال النبي ﵌:
(ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبداً لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله، كما يكره أن يلقى في النار) (٢) .
стр. 165
طعم الإيمان في القلوب:
الإيمان رغم كونه أمراً معنوياً، له طعم لذيذ حلو طيب؛ يجده ويذوقه المؤمن في قلبه وكيانه.
قال النبي ﵌:
(ثلاث من كن فيه وجد طعم الإيمان: من كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه) (١) .
وقال: (ذاق طعم الإيمان؛ من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا) (٢) .
نور الإيمان في القلوب:
الإيمان نور مشرق مضيء؛ يشرق قلب المؤمن، ثم يضيء جوارحه وطريقه، ثم ينعكس على حياته، ويجعله من أسعد
محبة الإيمان في القلوب:
محبة الإيمان غامرة ظاهرة بدهية فطرية؛ جبل الإنسان عليها، وإذ استقرت محبته في قلب المؤمن عكست على ظاهره نوره، ولا يبقى لنقيضه مكان فيه، ونقيضه هو الكفر والفسوق والعصيان.
والله هو الذي يحبب الإيمان إلى عباده الصالحين العاملين، ويكره إليهم نقيضه، قال تعالى:
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (١) .
زينة الإيمان في القلوب:
الإيمان زينة جميلة لصاحبه في الدنيا والآخرة؛ ولن يبدو صاحبه جميلاً بدونه، وهذه الزينة يهبها الله تعالى لمن يشاء من عباده، ويضاعفها عليهم، ويقذفها في قلوبهم، قال تعالى:
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴿٧﴾ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) .
стр. 168
الإيمان كشجرة راسخة في القلوب:
إنه كشجرة طيبة، مباركة، كريمة، خيرة، نافعة، مثمرة، حية، راسخة، قوية، ثابتة، نامية؛ أصلها ثابت، جذورها ضاربة في أعماق الأرض، وهكذا الإيمان في قلب المؤمن؛ يرسخ في أعماق القلب، ويثمر ثماراً يانعة هي الطاعات والحسنات، قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء ﴿٢٤﴾ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿٢٥﴾ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ (١) .
الإيمان يتبوأ في القلوب:
تبوؤ الإيمان في الأصل أمر معنوي، ولكن عندما يتبوأ الإيمان في القلب المؤمن يتحول إلى أمر محسوس يدركه المؤمن ويلمحه، ويصبح له (بيت الإيمان) أي: أن الإيمان يكون له داراً ومنزلاً وقراراً، يقيم فيه.
стр. 169
وقال تعالى عن الأنصار حين تبوؤا الدار قبل المهاجرين فامتلكوها، وتبوؤا الإيمان فتمكنوا منه:
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) .
نداء الإيمان في القلوب:
نداء الإيمان محبب إلى قلوب المؤمنين الصادقين العاملين المستجيبين لله تعالى ولرسوله ﷺ ؛ لأنه نداء الفطرة، ويحمل أعظم رسالة، ويؤدي أفضل وظيفة، إنه الداعي إلى الله ﵎ وإلى الخير كله، وإلى النور والطمأنينة، والحياة السعيدة في الدنيا، ويبشر بالحياة الكريمة الأبدية في الآخرة، قال تعالى:
﴿رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ﴾ (٢) .
стр. 170
الإيمان ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة:
ينفع صاحبه في حياة الدنيا؛ وهذا ملحوظ في أهل الإيمان، أهل الطاعة، والفضل، والقيم، والأخلاق؛ من المؤمنين الصالحين.
وينفع صاحبه يوم الحساب، يوم الحسرة والندامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، يوم يخسر الكافرون أنفسهم وأهليهم وأموالهم، ومن حولهم، يومها يتبوأ المؤمنون مكانهم في جنات الخلد خالدين فيها أبداً، قال تعالى:
﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ (١) .
قال: ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (٢) .
стр. 171
للإيمان مجالس يزداد فيه ويتجدد:
مجالس الإيمان: هي الجلسات الإيمانية المباركة التي يجتمع فيها أهل الإيمان والطاعة من المؤمنين العاملين الصادقين؛ يذكرون فيها الله تعالى، ويتدارسون كتابه ويتدبرونه، ويفقهون سنة نبيه ﷺ وأحكام شرعه لكي يطبقوها، ويتواصون فيها بالحق والصبر، ويحيون فيها إيمانهم ويعيشونه، فيزدادون إيماناً على إيمانهم، وتنزل عليهم الرحمة والبركة والسكينة، قال تعالى:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ٢٨﴾ ﴾ (١) .
وقال النبي ﵌: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) (٢) .
стр. 172
الإيمان يعلو ولا يعلى عليه:
الإيمان الصادق الرباني: هو أساس كل خير، ومنبع العزة، ومصدر الكرامة، والشرف، والسيادة، يعيش صاحبه عزيزاً، سعيداً، قوياً، ثابتاً على طريق الحق، وقد وعد الله أهل الإيمان والطاعة بالنصر والتمكين في الأرض، قال تعالى:
﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ١٣٩ ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿١٤٠﴾ وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (١) .
الإيمان شعب ودرجات:
قال النبي ﵌: (الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) (٢) .
стр. 173
فوائد الإيمان وثمراته
الإيمان الصحيح الصادق له من الفوائد والثمرات العاجلة والآجلة، في حياة الدنيا، وفي الآخرة، منها:
أن أهل الإيمان يغتبطون بولاية الله ﵎:
قال تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١) .
أهل الإيمان ينعمون بالحياة الطيبة: قال تعالى:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٢) .
أهل الإيمان يحبهم الله تعالى ويحبهم المؤمنون:
стр. 174
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (١) .
أهل الإيمان يدافع عنهم الله قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ (٢) .
أهل الإيمان لهم البشرى في الحياة الدنيا والآخرة:
قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٦٢﴾ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴿٦٣﴾ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣) .
أهل الإيمان من أعظم تسليتهم عند المصائب؛ الإيمان:
قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤) .
стр. 175
أهل الإيمان هم أهل الأمن والاطمئنان:
﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨١﴾ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (١) .
أهل الإيمان يهرعون إلى إيمانهم ويتقوون به في كل ما يعتريهم من خير وشر، وطاعة ومعصية، ويسر وعسر:
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٢) .
أهل الإيمان ينتفعون من المواعظ والتذكير:
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ
стр. 176
زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿١٢٤﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (١) .
أهل الإيمان في معية الله تعالى:
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) .
وقال: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (٣) .
أهل الإيمان يحفظهم إيمانهم من الوقوع في الفواحش:
قال الله تعالى عن نبيه يوسف ﵊:
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (٤) .
أهل الإيمان بنور إيمانهم يميزون بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، وبين البدعة والسنة:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ
стр. 177
يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) .
أهل الإيمان وعدهم الله تعالى بالنصر والتمكين:
قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) .
أهل الإيمان هم أهل العز والكرامة:
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) .
قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٤) .
أهل الإيمان تستغفر لهم ملائكة عرش الرحمن ﷻ :
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ
стр. 178
كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (١) .
أهل الإيمان يهديهم الله تعالى بإيمانهم إلى الصراط المستقيم: قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٢) .
أهل الإيمان يبشرهم الله تعالى في الدنيا والآخرة بالأمن والسعادة، وبالنعيم الدائم في الآخرة:
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴿٣٠﴾ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴿٣١﴾ نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ (٣) .
стр. 179
أهل الإيمان وعدهم الله - سبحانه تعالى - جنة الخلد، وما فيها من النعم الذي لا عين رأت ولا أذن سمعت:
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١) .
وغيرها من ثمرات شجرة الإيمان المباركة التي لا يكاد يمضي على المؤمن زمن قليل حتى يجني ثمرة من ثمراتها، وتبلغ الثمرة كمالها ونضجها، إذا كان الله تعالى ورسوله ﷺ أحب إليه مما سواهما، ويصبح العبد يحب ويبغض لله، ويكره أن يعود إلى الكفر، كما يكره أن يقذف في النار.
نسأل الله - جلت قدرته - أن يرزقنا حلاوة الإيمان وحقيقته وكماله؛ حتى يحشرنا مع النبيين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا؛ إنه جواد كريم.
стр. 180
من صفات أهل الإيمان
صفات عباد الرحمن المؤمنين الصادقين المتقين المخلصين - أهل الإيمان والطاعة - كثيرة جداً في القرآن والسنة، وتفاوتت هذه الصفات قلة وكثرة؛ فقد عرضها ووصفها لنا الوحيان الشريفان بأنها صفات كريمة، فاضلة، مباركة، خيرة، حميدة، عالية، سامية، عزيزة؛ فهم صفوة خلق الله تعالى بصفاتهم المميزة، وهم الذين يستحقون أن يضافوا إلى الرحمن ويكونوا عباده ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ كيف لا، وقد تكفل الإسلام بتهذيبهم وتربيتهم، قال الله ﵎:
﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ﴿١٢٣﴾ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (١) .
وقد دعا الله تعالى، ورسوله ﷺ جميع المؤمنين إلى أن يتصفوا بصفاتهم، ويتخلقوا بأخلاقهم؛ حتى يعيشوا حياة إيمانية