← Акыда

Акыда · id 9837

الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة

عبد الله بن عبد الحميد الأثري

Полный текст (318 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار، كما تقوله المعتزلة؛ بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ . وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ . ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته؛ فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم) (١) . وقال الإمام ابن أبي العز رحمه الله تعالى: (إن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفراً ينقل عن الملة بالكلية، كما قالت الخوارج؛ إذ لو كفر كفراً ينقل عن الملة؛ لكان مرتداً يقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص، ولا تجري الحدود في الزنى والسرقة وشرب الخمر، وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من

стр. 212

دين الإسلام. ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود في النار مع الكافرين) (١) .

стр. 213

من أسباب سقوط العقوبة عن عصاة الموحدين أهل السنة والجماعة متفقون على أن الله قد جعل لعباده المؤمنين المذنبين الذين يقعون في المعاصي؛ أسباباً لنجاتهم من عقوبة معاصيهم التي توعد الله تعالى عليها في الدنيا والآخرة؛ ففتح لهم أبواب رحمته بهذه الأسباب؛ مناً وتفضلاً وكرماً منه جل وعلا، وقد دل عليها الكتاب والسنة، وأقوال أئمة أهل السنة والجماعة، ومنها: ١- التوبة الصادقة والاستغفار الدائم: إذا كانت توبة نصوحاً وخالصة من القلب، ويصحبها الندم على ما فات من المعاصي، والاستغفار منها، وعزم القلب على عدم العودة إليها، يقبلها الله تعالى بمنه وفضله ورحمته، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴿٥٩﴾ إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (١) .

стр. 214

وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (١) . ٢- الأعمال الصالحة: إذا كان العمل صالحاً؛ خالصاً لله تعالى وحده، موافقاً لشرعه، وسنة رسوله ﷺ ويأتي في مكانه وزمانه الذي حدده الشرع؛ فإنه باتفاق أهل السنة والجماعة يكفر الذنوب والمعاصي، قال الله ﵎: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (٢) . ٣- المصائب التي تصيب العبد في الدنيا: إذا صبر عليها وذكر الله وحمده واستغفره؛ فاز بالثواب، وكفرت خطاياه، وإن سخط اكتسب إثماً، وبقيت خطاياه، قال النبي ﷺ : (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم - حتى الشوكة يشاكها - إلا كفر الله بها من خطاياه) (٣) .

стр. 215

٤- ما يعمل للميت من أعمال البر: إن أعمال المؤمنين للعبد في حياته وبعد مماته؛ كالصدقة، والدعاء، والاستغفار، والترحم عليه.. ونحوها - شفاعة له عند الله ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) . وقال النبي ﷺ : (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) (٢) . ٥- عذاب القبر: إن ما يحصل للعبد المؤمن في قبره من الفتنة والضغطة والروعة؛ يكفر به الله تعالى خطاياه. ٦- أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها: إن ما يحصل للعبد المؤمن من المحن، من ساعة موته إلى أن ينجيه الله من الحساب يوم القيامة، وإلى دخوله الجنة - كفارة له.

стр. 216

٧ - الشفاعة يوم القيامة: وهذه من رحمة الله تعالى لعباده المؤمنين يوم الحسرة والندامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وأعظم الشفاعات في ذلك اليوم شفاعة النبي ﷺ لأمته، ثم شفاعة غيره ممن يأذن الله تعالى لهم بالشفاعة في ذلك اليوم العصيب، والله المستعان. ٦ - رحمة الله - الغفور الرحيم - وعفوه ومغفرته: وهذه أهم وأعظم أسباب نجاة العبد المؤمن من النار، وفوزه بالجنة، وذلك بفضل الله ورحمته ومنه وكرمه وإحسانه من غير شفاعة أحد، والحمد لله رب العالمين. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم؛ أن يجعلنا من عباده الصالحين المتقين الذين ينالون رحمته وفضله وجنته. ونسأله - جلت قدرته - أن يعاملنا ويتجاوز عنا يوم القيامة برحمته وفضله، لا بعدله.. اللهم آمين.

стр. 217

طبقات عصاة الموحدين يوم الدين: فالذي دل عليه الكتاب، والسنة، وأقوال أئمة أهل السنة والجماعة؛ أن عصاة أهل التوحيد يوم القيامة ثلاث طبقات: الطبقة الأولى: قوم رجحت حسناتهم بسيئاتهم؛ فأولئك يدخلون الجنة من أول وهلة، ولا تمسهم النار أبداً. الطبقة الثانية: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، وتكافأت فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، وهؤلاء هم أصحاب الأعراف - في أصح أقوال أهل العلم - الذين ذكر الله تعالى أنهم يوقفون بين الجنة والنار ما شاء الله أن يوقفوا؛ ثم يؤذن لهم في دخول الجنة. الطبقة الثالثة: قوم لقوا الله تعالى مصرين على كبائر الإثم والفواحش، ومعهم أصل التوحيد؛ فرجحت سيئاتهم بحسناتهم؛ فهؤلاء مستحقون للوعيد وهم تحت المشيئة، إن شاء الله عذبهم وإن شاء غفر لهم؛ فمنهم من يشفع له فلا يعذب، ومنهم الذين يدخلون النار بقدر ذنوبهم، فمنهم من تأخذه إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه، ومنهم من فوق ذلك؛ حتى إن

стр. 218

منهم من لم يحرم منه على النار إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، وهؤلاء هم الذين يأذن الله تعالى بالشفاعة فيهم لنبينا محمد ﷺ ولغيره من الأنبياء من بعده، والأولياء، والملائكة، ومن شاء الله أن يكرمه؛ فيحد لهم حداً فيخرجونهم، ثم يحد لهم حداً فيخرجونهم، ثم هكذا، فيخرجون من كان في قلبه وزن دينار من خير، ثم من كان في قلبه نصف دينار من خير، ثم برة، ثم خردلة، ثم ذرة، ثم أدنى من ذلك إلى أن يقول الشفعاء: (ربنا لم نذر فيها خيرا) . ويخرج الله تعالى من النار أقواماً لا يعلم عدتهم إلا هو بدون شفاعة الشافعين، ولن يخلد في النار أحد من الموحدين، ولو عمل أي عمل، ولكن كل من كان منهم أعظم إيماناً وأخف ذنباً كان أخف عذاباً في النار وأقل مكثاً فيها وأسرع خروجاً منها، وكل من كان أضعف إيماناً وأعظم ذنباً كان بضد ذلك، والعياذ بالله. وهذا مقام ضلت فيه الأفهام، وزلت فيه الأقدام، وهدى الله الذين آمنوا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (١) .

стр. 219

نواقض الإيمان عند أهل السنة والجماعة

стр. 220

تعريفات لابد منها نرى من الضروري قبل البدء ببيان نواقض الإيمان، أن نبين بعض المفاهيم والقواعد والأسس والضوابط عند أهل السنة والجماعة في باب التكفير؛ حتى تعيننا على فهم هذه النواقض. وتحديد المصطلحات أمر ضروري، ومهم جداً لفهم عقيدة أهل السنة والجماعة؛ لأن الأحكام مبنية على التعريف الصحيح؛ فإذا لم نفهم التعريف الصحيح لمصطلحاتهم وقواعدهم العقدية بوضوح؛ فلن نتفق ابتداء على فهم عقيدتهم. المصطلح: (هو إخراج الشيء عن معنى لغوي إلى معنى آخر لبيان المراد) (١) . المصطلح الشرعي: وهو ما تعارف عليه العلماء في التعبير عن مقاصدهم الشرعية.

стр. 221

ومصطلحات العقيدة الإسلامية تنقسم إلى قسمين: ١- المصطلحات العقدية الصحيحة: هي تلك الألفاظ التي وردت في الكتاب، والسنة، وأقوال أئمة أهل السنة والجماعة، أو لم ترد ولكن دلت عليها المعاني الصحيحة. ٢- المصطلحات العقدية الفاسدة: هي تلك الألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنة، ولا في أقوال أئمة أهل السنة والجماعة، أو هي من ألفاظ الكتاب والسنة، ولكنها حرفت واستعملت في غير مواضعها.

стр. 222

(١) (تعريف الناقض) الناقض في اللغة: المفسد لما أبرم من عقد، أو بناء. فهو بمعنى ناكث الشيء، ومنشر العقد. والنقض ضد الإبرام. ونقيضك؛ الذي يخالفك. قال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴿٩١﴾ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ (١) . قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ (٢) (٣) .

стр. 223

الناقض في الاصطلاح: هو الاعتقاد والقول والفعل المكفر؛ الذي ينتفي به إيمان العبد ويزول، ويخرجه من دائرة الإسلام والإيمان إلى حظيرة الكفر، والعياذ بالله. وفي المصطلح الفقهي عند الفقهاء؛ يطلق اسم المرتد على الذي ينقض إيمانه بهذه المكفرات الثلاث. وفي كتب الفقه باب يسمى: (باب المرتد وأحكامه) .

стр. 224

(٢) (تعريف الردة) الردة في اللغة: صرف الشيء بذاته، أو بحالة من أحواله، يقال: رددته فارتد، ويقال: رده: أي صرفه. ورد الشيء عليه: لم يقبله منه. والارتداد والردة: الرجوع في الطريق الذي جاء منه لكن الردة تخص بالكفر، والارتداد يستعمل فيه وفي غيره، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ (١) . أي: لا ترجعوا. والردة اسم من الارتداد، وهو التحول والرجوع عن الشيء إلى غيره، ومنه الرجوع عن الإسلام. والمرتد أي: الراجع، وهو الذي رجع عن دينه، وكفر بعد إسلامه (٢) .

стр. 225

الردة في الاصطلاح: هي الكفر بعد الإسلام طوعا؛ إما باعتقاد، أو بفعل، أو بقول، أو شك. و (هي قطع الإسلام بنية كفر، أو قول كفر، أو فعل مكفر؛ سواء قاله: استهزاء، أو عناداً، أو اعتقاداً) (١) . قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢) . وقال النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) (٣) . واتفق أهل السنة والجماعة؛ بأن الردة لا تصح إلا من عاقل؛ فأما من لا عقل له؛ كالطفل، والمجنون، ومن زال عقله؛ بإغماء، أو نوم، أو مرض، أو شرب دواء يباح شربه؛ فلا تصح ردته، ولا حكم لكلامه بغير خلاف.

стр. 226

(٣) (تعريف الشرك) الشرك في اللغة: هو المقارنة وخلاف الانفراد، ويطلق على المعاني الآتية: المخالطة, والمصاحبة والمشاركة. تقول: شاركته في الأمر، وشركته فيه أشركته شركاً، ويأتي شركة، ويقال: أشركته، أي جعلته شريكاً (١) . الشرك في الاصطلاح: هو اتخاذ الند مع الله تعالى؛ سواء أكان هذا الند في الربوبية أم في الألوهية أو الأسماء والصفات، أي: جعل شريك مع الله في التوحيد، ولذا يكون الشرك ضد التوحيد، كما أن الكفر ضد الإيمان، قال تعالى: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) . وغالب الشرك عند الناس يقع في الألوهية؛ كالشخص الذي يدعو مع الله تعالى غيره، أو يصرف له شيئاً من أنواع العبادة،

стр. 227

كالذبح والنذر، والخوف والرجاء والمحبة، والخشية، والإنابة، والدعاء، والتوبة، والتعظيم والإجلال، والاستعانة، والطاعة، والتوكل به، وغيرها. والشرك أعظم الذنوب إطلاقاً؛ لأنه تشبيه المخلوق بالخالق في خصائصه؛ ومن الخصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه. التفرد بملك الضرر والنفع والعطاء والمنع. العبودية المطلقة له، بأن تكون العبادة كلها له وحده، مع غاية الحب والذل. فمن أشرك مع الله أحداً فقد شبهه به - سبحانه - وهذا من أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات؛ بالقادر الغني بالذات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١) . والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه؛ فمن عبد غير الله فقد وضع العبادة في غير موضعها، وصرفها لغير مستحقها، وهذا من أعظم الظلم. والله تعالى يغفر الذنوب جميعاً إلا الشرك؛ لمن لم يتب منه.

стр. 228

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (١) . والشرك يحبط جميع الأعمال، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) . والمشرك حرمت عليه الجنة، وهو مخلد في النار، والعياذ بالله، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ (٣) . والمشرك حلال الدم والمال، قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ (٤) . والشرك في الشرع نوعان: شرك أكبر، وشرك أصغر. الشرك الأكبر: هو بمعنى الكفر الأكبر؛ يحبط جميع الأعمال، ويخرج

стр. 229

صاحبه من الإسلام، ويخلده في النار، إذا مات عليه، ولم يتب منه، ولا تنفعه شفاعة الشافعين يوم القيامة. والشرك الأكبر: هو صرف شيء من العبادة لغير الله تعالى؛ كدعاء غير الله. ومحبة غيره تعالى كمحبته. والخوف من غيره تعالى، والاعتقاد بأن غيره يضر وينفع، أو التسوية بين الله وغيره في الخشية، وكالتقرب بالذبائح والنذور لغير الله. والتوكل على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله. وطاعة غير الله تعالى في التشريع والحكم. والاعتقاد بقدرة الأنبياء والصالحين والأولياء على التصرف في الكون مع الله تعالى، وغير ذلك من العبادات التي يجب أن تصرف لله تعالى وحده لا شريك له. الشرك الأصغر: هو ما ورد في النصوص الشرعية من تسمية بعض الذنوب شركاً، ولم يصل إلى حد الشرك الأكبر، ولكنه ذريعة إليه ووسيلة للوقوع فيه، وهو أعظم وأكبر من الكبائر. وهذا النوع لا يخرج صاحبه من الإسلام، ولا ينفي عنه أصل الإيمان، ولكن ينافي كماله الواجب. وحكمه أنه لا يغفر لصاحبه إلا بالتوبة، وإذا مات عليه ولم

стр. 230

يتب منه؛ فهو تحت المشيئة، وأمره إلى الله تعالى، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه، ولو عذب لا يخلد في النار، وتناله شفاعة الشافعين بإذن الله تعالى. والشرك الأصغر قسمان: القسم الأول: شرك باللسان والجوارح، وهو ألفاظ وأفعال: فالألفاظ كالحلف بغير الله، وقول: ما شاء الله وشئت، والصواب أن يقال: ما شاء الله ثم شاء فلان. ومنه التسمية: بملك الملوك، أو قاضي القضاة، والتعبيد لغير الله تعالى؛ كتسمية الشخص بعبد النبي، وعبد الحسين، وغيرها. والأفعال: كلبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه، وتعليق التمائم خوفاً من العين، والتطير والتشاؤم من أشياء عند رؤيتها أو سماعها، والامتناع عن العمل المنوي فعله بسبب ذلك، وغيرها من الأعمال التي تخالف ما جاء به الشرع. القسم الثاني: شرك خفي، وهو شرك النية، أي: يقصد بعمله رضا الناس؛ كالرياء والسمعة، وإرادة الدنيا ببعض الأعمال.

стр. 231

(٤) (تعريف الفسق) الفسق في اللغة: هو الخروج عن الشيء أو القصد، وهو الخروج عن الطاعة. والفسق: الفجور. ويقال إذا خرجت الرطبة من قشرها؛ قد فسقت الرطبة من قشرها، والفأرة عن جحرها (١) . الفسق في الاصطلاح: العصيان وترك أمر الله تعالى، والخروج عن طاعته، وعن طريق الحق. ورجل فاسق: أي عصى وجاوز حدود الشرع. ويقال: فسق عن أمر ربه؛ أي خرج عن طاعته. والفسق أعم من الكفر؛ حيث إنه يشمل الكفر وما دونه من المعاصي كبائرها وصغائرها، وإذ أطلق يراد به أحياناً الكفر المخرج من الإسلام، وأحياناً يراد به الذنوب والمعاصي التي هي دون الكفر؛ بحسب درجة المعصية، وحال العاصي نفسه (٢) .

стр. 232

والفسق في الشرع نوعان: فسق أكبر، وفسق أصغر. الفسق الأكبر: هو رديف الكفر الأكبر، والشرك الأكبر؛ يخرج صاحبه من الإسلام، وينفي عنه مطلق الإيمان، ويخلده في النار، إذا مات ولم يتب منه، ولا تنفعه شفاعة الشافعين يوم القيامة، قال الله ﵎: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١) . وقال: ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢) . الفسق الأصغر: هو رديف الكفر الأصغر، والشرك الأصغر، هو فسق دون فسق، وهو المعصية التي لا تنفي عن صاحبها أصل الإيمان، أو مطلق الإيمان، ولا تسلبه صفة الإسلام، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٣) . وقال: ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤) .

стр. 233

(٥) (تعريف الكفر) الكفر في اللغة: هو الستر والتغطية: يقال لمن غطى درعه بثوبه: قد كفر درعه. والمكفر: الرجل المتغطي بسلاحه. ويقال: كفر الزارع البذر في الأرض: إذا غطاه بالتراب. وسمي الليل كافراً لتغطيته كل شيء. والكفر: ضد الإيمان؛ سمي بذلك لأنه تغطية للحق. والكفر جحود النعمة، وهو نقيض الشكر. والكافر: جاحد لأنعم الله تعالى (١) . الكفر في الاصطلاح: هو الاعتقاد والقول والعمل المنافي للإيمان، وهو على شعب، ومراتب متفاوتة. والكفر: هو نقيض الإيمان، أو عدم الإيمان.

стр. 234

والإيمان: هو الإقرار التام ظاهراً وباطناً بما جاء به الرسول ﷺ من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، والعمل به ظاهراً وباطناً. أي: هو جميع الطاعات الباطنة والظاهرة. والكفر: ما يناقض الإيمان؛ من اعتقاد، أو قول، أو عمل. والكفر: هو الكفر بالله وعدم الإيمان به أو بما جاء به رسوله ﷺ من التشريع، أو إنكار شيء من ذلك، أو الإيمان ببعضه دون بعض؛ سواء كان معه تكذيب، أو لم يكن معه تكذيب؛ بل مجرد شك وريب، أو توقف، أو إعراض، أو حسد، أو كبر، أو بغض الدين، أو بغض الرسول ﷺ أو سبه، أو عداوته، أو اتباع لبعض الأهواء الصادة عن اتباع حكم الله . ويقع الكفر: باعتقاد القلب، وبالفعل، وبالقول، وبالشك، وبالترك. فالإيمان والكفر نقيضان لا يجتمعان أبداً؛ فمتى وجد أحدهم انتفى الآخر، ومن المقرر في المعقول أن النقيضين لا يجتمعان.

стр. 235

والكفر ذو أصول وشعب متفاوتة: منها ما يوجب الخروج من ملة الإسلام، ومنها ما هو دون ذلك. فيرد ذكر الكفر في النصوص الشرعية؛ مراداً به - أحياناً - الكفر الأكبر أي المخرج عن الملة، وأحياناً الكفر الأصغر غير المخرج عن الملة، وذلك أن للكفر شعباً كما أن للإيمان شعباً، وكما أن الإيمان قول وعمل، فكذلك الكفر قول وعمل. والمعاصي والذنوب كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان. ومن أصول أهل السنة والجماعة؛ أنه من الممكن أن يجتمع في العبد بعض شعب الإيمان، وبعض شعب الكفر أو النفاق التي لا تنافي أصل الإيمان وحقيقته، قال الله ﵎: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾ (١) (٢) .

стр. 236

والكفار في الشرع صنفان: الصنف الأول: كفار أصليون؛ أي الذين لم يدخلوا في دين الإسلام أصلاً، وهم: الدهريون، والفلاسفة، والمشركون، والمجوس، والوثنيون، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، وغيرهم من أمم الكفر؛ فهؤلاء قد دل على كفرهم الكتاب والسنة والإجماع، وموتاهم مخلدون في النار، ويحرم عليهم دخول الجنة، وأمرهم معلوم من الدين بالضرورة. فهؤلاء الكفار؛ يجب على المسلمين دعوتهم إلى الإسلام حتى يستجيبوا؛ فإن لم يستجيبوا وجب قتالهم متى استطاعوا ذلك؛ حتى يدخلوا في الإسلام، أو يدفعوا الجزية وهم صاغرون. الصنف الثاني: المرتدون؛ الذين ينتسبون إلى الإسلام، ولكن يصدر منهم اعتقاد، أو فعل، أو قول، يناقض إسلامهم؛ فيكفرون بذلك، وإن قاموا ببعض شعائر الإسلام؛ كالباطنية، وغلاة الرافضة، والقاديانية، ونحوهم.

стр. 237

والكفر في الشرع نوعان: كفر أكبر، وكفر أصغر. النوع الأول: كفر أكبر مخرج من الملة: وهو يناقض الإيمان، ويخرج صاحبه من الإسلام، ويوجب الخلود في النار، ولا تناله شفاعة الشافعين، ويكون بالاعتقاد، وبالقول، وبالفعل، وبالشك والريب، وبالترك، وبالإعراض، وبالاستكبار. ولهذا الكفر أنواع كثيرة؛ من لقي الله تعالى بواحد منها لا يغفر له، ولا تنفعه الشفاعة يوم القيامة، ومن أهمها: ١- كفر الإنكار والتكذيب: وهو ما كان ظاهراً وباطناً، مثل اعتقاد كذب الرسل، وأن إخبارهم عن الحق بخلاف الواقع، أو ادعاء أن الرسول ﷺ جاء بخلاف الحق، وكذلك من ادعى أن الله تعالى حرم شيئاً أو أحله مع علمه بأن ذلك خلاف أمر الله ونهيه. ٢- كفر الجحود الإباء والاستكبار مع التصديق: وهو عدم الانقياد والإذعان لرسول الله ظاهراً مع العلم به ومعرفته باطناً، وذلك بأن يقر أن ما جاء به الرسول ﷺ حق من ربه؛ لكنه يرفض اتباعه أشراً وبطراً واحتقاراً للحق وأهله.

стр. 238

٣- كفر الشك: بأن لا يجزم بصدق النبي ﷺ ولا كذبه؛ بل يشك في أمره، ويتردد في اتباعه؛ إذ المطلوب هو اليقين بأن ما جاء به الرسول من ربه حق لا مرية فيه؛ فمن شك في الاتباع لما جاء به الرسول، أو جوز أن يكون الحق خلافه؛ فقد كفر كفر شك. ٤- كفر الإعراض: بأن يعرض بسمعه وقلبه عما جاء به الرسول ﷺ ؛ فلا يصدق ذلك ولا يكذبه، ولا يوالي الرسول ﷺ ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ماجاء به، ويترك الحق لا يتعلمه ولا يعمل به، ويهرب من الأماكن التي يذكر فيها الحق؛ فهو كافر كفر إعراض. ٥- كفر النفاق: هو إظهار الإسلام والخير، وإبطان الكفر والشر. وهو مخالفة الباطن للظاهر، وإظهار القول باللسان، أو الفعل؛ بخلاف ما في القلب من الاعتقاد. والمنافق: يخالف قوله فعله، وسره علانيته؛ فهو يدخل الإسلام من باب، ويخرج من باب آخر، ويدخل في الإيمان ظاهراً، ويخرج منه باطناً؛ فهذا هو النفاق الأكبر.

стр. 239

٦- كفر السب والاستهزاء: وهو استهزاء، أو سخرية أو انتقاص، أو سب بشيء من دين الإسلام مما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ سواء كان هازلاً، أو لاعباً، أو مجاملاً لكفار، أو في حال مشاجرة، أو في حال عضب، ونحوها؛ فقد أجمع الأئمة على كفر فاعله. ٧- كفر البغض: وهو كره دين الإسلام، أو شيئاً من أحكامه، أو شيئاً من شرع الله تعالى، أو مما أنزل، أو كره نبي الإسلام ﷺ أو ما جاء به من الشرع، أو شيئاً من ذلك، وتمنى أنه لم يكن، أو كره شيئاً مما أجمع أهل العلم عليه أنه من الدين. لأن من تعظيم هذا الدين العظيم محبته، ومحبة الله تعالى ورسوله الأمين ﷺ وما أنزل الله من الشرع من أوامره ونواهيه، ومحبة أوليائه، والمحبة: شرط من شروط (لا إله إلا الله) . والبغض يناقض المحبة والقبول والانقياد والتسليم، ويريد العداوة والكراهية للحق ولأوليائه.

стр. 240

النوع الثاني: كفر أصغر غير مخرج من الملة: وهو ما لا يناقض أصل الإيمان؛ بل ينقصه ويضعفه، ولا يسلب صاحبه صفة الإسلام وحصانته، وهو المشهور عند العلماء بقولهم: (كفر دون كفر) ويكون صاحبه على خطر عظيم من غضب الله إذا لم يتب منه؛ وقد أطلقه الشارع على بعض المعاصي والذنوب على سبيل الزجر والتهديد؛ لأنها من خصال الكفر، وهي لا تصل إلى حد الكفر الأكبر، وما كان من هذا النوع فمن كبائر الذنوب. وهو مقتض لاستحقاق الوعيد والعذاب دون الخلود في النار، وصاحب هذا الكفر ممن تنالهم شفاعة الشافعين، ولهذا النوع من الكفر صور كثيرة، منها: ١- كفر النعمة: وذلك بنسبتها إلى غير الله تعالى بلسانه دون اعتقاده. قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) . كقول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي على سبيل إسناد

стр. 241

النعمة إلى آبائه، أو قول أحدهم: لولا فلان لم يكن كذا.. وغيرها مما هو جار على ألسنة كثير من الناس، والمراد أنهم ينسبونه إلى أولئك، مع علمهم أن ذلك بتوفيق الله. ومن ذلك تسمية الأبناء بعبد الحارث، وعبد الرسول، وعبد الحسين ونحوها؛ لأنه عبده لغيره الله مع أنه هو خالقه والمنعم عليه. ٢- كفران العشير والإحسان: عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (أريت النار؛ فإذا أكثر أهلها النساء، يكفرن) قيل: أيكفرن بالله. قال: (يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان؛ لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت خيراً قط) (١) . ٣- الحلف بغير الله تعالى: لقوله ﷺ : (من حلف بغير الله فقد كفر، أو أشرك) (٢) . فإجماع أهل السنة والجماعة على أن هذا الشرك والكفر هما

стр. 242

من الأصغر الذي لا يخرج صاحبه من الإسلام، ما لم يعظم المخلوق به في قلب الحالف كعظمة الله تعالى. ٤- قتال المسلم: لقوله ﷺ : (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) (١) . وقوله ﷺ : (لا ترجعوا بعدي كفاراً؛ يضرب بعضكم رقاب بعض) (٢) . فهذا النوع من الكفر غير مخرج من الملة باتفاق الأئمة؛ لأنهم لم يفقدوا صفات الإيمان، لقول الله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (٣) . ٥- الطعن في النسب، والنياحة على الميت: قال النبي ﷺ : (اثنتان في الناس هما بهم كفر؛ الطعن في النسب، والنياحة على الميت) (٤) .

стр. 243

٦- الانتساب إلى غير الأب: قال النبي ﵌: (لا ترغبوا عن آبائكم؛ فمن رغب عن أبيه فهو كفر) (١) . وقال ﷺ : (ليس من رجل ادعى لغير أبيه - وهو يعلمه - إلا كفر، ومن ادعى قوماً ليس له فيهم نسب؛ فليتبوأ مقعده من النار) (٢) . وأنواع الكفر الأصغر كثيرة يتعذر حصرها؛ فكل ما جاءت به النصوص الشرعية من تسميته كفراً، ولم يصل إلى حد الكفر الأكبر، أو النفاق الأكبر، أو الشرك الأكبر، أو الفسق الأكبر، أو الظلم الأكبر؛ فهو كفر أصغر.

стр. 244

(٦) (تعريف النفاق) النفاق في اللغة: هو مأخوذ من النفق، وهو السرب في الأرض الذي يستتر فيه؛ سمي النفاق بذلك؛ لأن المنافق يستر كفره ويغيبه. وقيل إنه مأخوذ من نافقاء اليربوع، وهو باب جحره؛ لأنه في ظاهره أرض مستوية وباطنه حفرة قد أعدها اليربوع للتخلص من الخطر وقت الحاجة؛ فاستطاع بهذا الفعل أن يخدع الصياد؛ فكذلك المنافق يظهر خلاف ما يبطن) (١) . النفاق في الاصطلاح: هو إظهار الإسلام والخير، وإبطال الكفر والشر. وهو مخالفة الباطن للظاهر، وإظهار القول باللسان، أو الفعل؛ بخلاف ما في القلب من الاعتقاد. أي: هو إظهار متابعة ما جاء به الرسول ﷺ مع إبائه وجحده بالقلب، فهو مظهر للإيمان ومبطن للكفر.

стр. 245

والمنافق: يخالف قوله فعله، وسره علانيته؛ فهو يدخل الإسلام من باب، ويخرج من باب آخر، ويدخل في الإيمان ظاهراً، ويخرج منه باطناً. والنفاق: هو مصطلح شرعي لم تعرفه العرب بهذا المعنى الخاص، وإن كان أصله الذي أخذ منه في اللغة معروفاً (١) . قال الله ﵎ عن المنافقين في كتابه العزيز: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) . وقال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ ﴿١٧﴾ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴿١٨﴾ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ﴿١٩﴾ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ

стр. 246

عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ (٢) . وقال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ﴿٦٤﴾ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ ﴿٦٥﴾ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ (٣) . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿٧٣﴾ يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ

стр. 247

يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ (١) . ولهذا جعل الله ﵎ المنافقين شراً من الكافرين. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (٢) . ولهذا جعل الله ﵎ المنافقين شراً من الكافرين. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (٣) . الزنديق والزندقة: وهناك مصطلح آخر عند بعض الفقهاء للمنافق؛ فإنه يطلقون عليه لفظ (الزنديق) وهو في الأصل لفظ أعجمي، ولكنه شاع على ألسن الفقهاء. والزنديق: هو نفس المنافق من حيث إنه يعتقد عقائد كفرية، ويظهر شعائر الإسلام، ولكن الزنديق في الغالب يظهر كفره ويدعو إليه، ويعرف عنه ذلك؛ كطوائف الباطنية ومن كان مثلهم.

стр. 248

النفاق في الشرع نوعان: النفاق كالكفر والشرك والفسق - درجات ومراتب؛ منها ما هو مخرج من الإسلام، ومنها غير مخرج منه: أولاً - النفاق الأكبر ؛ المخرج من الملة، والموجب للخلود في الدرك الأسفل من النار: هو إبطان الكفر في القلب، وإظهار الإيمان على اللسان والجوارح، ويترتب على هذا النوع ما يترتب على الكفر الأكبر؛ من حيث انتفاء الإيمان عن صاحبه، وخلوده في جهنم؛ لكن المنافق أشد عذاباً من الكافر؛ لأنه في الدرك الأسفل من النار - إذا مات عليه. والمنافق: إذا لم يظهر ما في باطنه من مخالفة الدين، وأظهر الأعمال الظاهرة من الإسلام؛ فهو في الظاهر مسلم، وتجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة في الدنيا، ويعامل معاملة المسلمين؛ لأننا لم نؤمر بالشق عن ما في القلوب، وهذا في الأصل خارج عن نطاق وقدرة ابن آدم. لأن الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان الباطن الذي يكون صاحبه من المؤمنين حقاً.

стр. 249

والنفاق: إذا أطلق ذكره في القرآن؛ فإن المراد به النفاق الأكبر المنافي للإيمان؛ بخلاف الكفر فإنه يأتي - أحياناً - بمعنى الكفر الأصغر، وكذلك الظلم والفسق والشرك، أما في السنة فقد ورد النفاق الأصغر. والمنافقون شر وأسوأ أنواع الكفار؛ لأنهم زادوا على كفرهم الكذب والمراوغة والخداع للمؤمنين، ولذلك أخبرنا الله تعالى عن صفاتهم في القرآن بالتفصيل، ووصفهم بصفات الشر كلها؛ لكي لا يقع المؤمنون في حبائلهم وخداعهم، ومن صفاتهم: - الكفر وعدم الإيمان. - التولي والإعراض عن حكم الله تعالى وحكم رسوله ﷺ . - الاستهزاء بالدين وأهله والسخرية منهم. - الميل بالكلية إلى أعداء الدين، ومظاهرتهم ومناصرتهم على المؤمنين والمسلمين. ومن أنواع النفاق الكثيرة: من أظهر الإسلام وهو مكذب بما جاء به الله، أو بعض ما جاء به الله، أو كذب الرسول ﷺ ، أو بعض ما جاء به الرسول، وكمثل من لم يعتقد وجوب طاعته ﷺ ، أو أبغض الرسول ﷺ ، أو آذى الرسول ﷺ ، أو كره

стр. 250

الانتصار لدين الرسول ﷺ أو سر بكسر راية الدين، أو الاستهزاء والسخرية بالمؤمنين؛ لأجل إيمانهم وطاعتهم لله تعالى ولرسوله ﷺ ، أو التولي والإعراض عن الشرع.. إلى غير ذلك من الاعتقادات الكفرية المخرجة من الملة. وهذا الصنف من المنافقين موجودون في كل زمان ومكان. ثانياً - النفاق الأصغر ؛ غير المخرج من الملة: هو النفاق العملي، واختلاف السر والعلانية في الواجبات، وذلك بعمل شيء من أعمال المنافقين؛ مع بقاء أصل الإيمان في القلب وصاحبه لا يخرج من الملة، ولا ينفى عنه مطلق الإيمان، ولا مسمى الإسلام، وهو معرض للعذاب كسائر المعاصي، دون الخلود في النار، وصاحبه ممن تناله شفاعة الشافعين بإذن الله. وهذا النوع من النفاق مقدمة وطريق للنفاق الأكبر؛ لمن سلكه وكان ديدنه. وأمثلة ذلك: الكذب في الحديث، وإخلاف الوعد، وخيانة الأمانة، والفجور في الخصومة، والغدر بالعهود، وكالرياء الذي لا يكون في أصل العمل، وإظهار المودة للغير والقيام له بالخدمة مع إضمار عكسه في النفس.
следующие страницы →