← Акыда

Акыда · id 9837

الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة

عبد الله بن عبد الحميد الأثري

Полный текст (318 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿١٢٤﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (١) . أهل الإيمان في معية الله تعالى: قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) . وقال: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (٣) . أهل الإيمان يحفظهم إيمانهم من الوقوع في الفواحش: قال الله تعالى عن نبيه يوسف ﵊: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (٤) . أهل الإيمان بنور إيمانهم يميزون بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، وبين البدعة والسنة: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ

стр. 177

يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) . أهل الإيمان وعدهم الله تعالى بالنصر والتمكين: قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) . أهل الإيمان هم أهل العز والكرامة: قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) . قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٤) . أهل الإيمان تستغفر لهم ملائكة عرش الرحمن ﷻ : قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ

стр. 178

كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (١) . أهل الإيمان يهديهم الله تعالى بإيمانهم إلى الصراط المستقيم: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٢) . أهل الإيمان يبشرهم الله تعالى في الدنيا والآخرة بالأمن والسعادة، وبالنعيم الدائم في الآخرة: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴿٣٠﴾ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴿٣١﴾ نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ (٣) .

стр. 179

أهل الإيمان وعدهم الله - سبحانه تعالى - جنة الخلد، وما فيها من النعم الذي لا عين رأت ولا أذن سمعت: قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١) . وغيرها من ثمرات شجرة الإيمان المباركة التي لا يكاد يمضي على المؤمن زمن قليل حتى يجني ثمرة من ثمراتها، وتبلغ الثمرة كمالها ونضجها، إذا كان الله تعالى ورسوله ﷺ أحب إليه مما سواهما، ويصبح العبد يحب ويبغض لله، ويكره أن يعود إلى الكفر، كما يكره أن يقذف في النار. نسأل الله - جلت قدرته - أن يرزقنا حلاوة الإيمان وحقيقته وكماله؛ حتى يحشرنا مع النبيين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا؛ إنه جواد كريم.

стр. 180

من صفات أهل الإيمان صفات عباد الرحمن المؤمنين الصادقين المتقين المخلصين - أهل الإيمان والطاعة - كثيرة جداً في القرآن والسنة، وتفاوتت هذه الصفات قلة وكثرة؛ فقد عرضها ووصفها لنا الوحيان الشريفان بأنها صفات كريمة، فاضلة، مباركة، خيرة، حميدة، عالية، سامية، عزيزة؛ فهم صفوة خلق الله تعالى بصفاتهم المميزة، وهم الذين يستحقون أن يضافوا إلى الرحمن ويكونوا عباده ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ كيف لا، وقد تكفل الإسلام بتهذيبهم وتربيتهم، قال الله ﵎: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ﴿١٢٣﴾ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (١) . وقد دعا الله تعالى، ورسوله ﷺ جميع المؤمنين إلى أن يتصفوا بصفاتهم، ويتخلقوا بأخلاقهم؛ حتى يعيشوا حياة إيمانية

стр. 181

كريمة مباركة سعيدة؛ ثم ينالوا بذلك ثواب الله تعالى ورضوانه وجنته ونعيمه الأبدي. والمؤمن الصادق مع ربه - جل وعلا - حريص على هذه الصفات الكريمة، والأخلاق الحميدة، لكي يبقى قلبه وحياته في الإيمان ومع الإيمان، وأن يتصف بصفات أهلها، ويحاول جاداً أن يعيها ثم يعيشها؛ حتى ينال بها رضوان الله تعالى والجنة. فهذه بعض صفاتهم كما جاءت في كتاب ربهم وخالقهم وهاديهم، وفي سنة نبيهم ومربيهم ومرشدهم؛ لعلنا نحذو حذوهم، ونتمسك بمنهجهم، ونتصف بصفاتهم؛ حتى نحقق كمال الإيمان، ونكون مع المحسنين السابقين إلى جنات الخلد. فمن صفاتهم التي هي سبب لفلاحهم، والفوز بجنة الفردوس والخلود فيها، ما وصفهم الله ﵎ به في صدر سورة (المؤمنون) ، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴿٢﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿٣﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴿٤﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿٥﴾ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٦﴾

стр. 182

فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿٧﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴿٨﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٩﴾ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ﴿١٠﴾ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١) . ومن صفاتهم الخوف والوجل عند ذكر الله تعالى، وذلك لقوة إيمانهم، ومراقبتهم لربهم، وكأنهم بين يديه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴿٣﴾ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٢) . ومن صفاتهم عدم الشك في إيمانهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٣) .

стр. 183

ومن صفاتهم طاعتهم لله تعالى ولرسوله ﷺ وموالاتهم للمؤمنين، وقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) . ومن صفاتهم الجليلة ما وصفهم الله بقوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) . ومن صفاتهم العظيمة والمميزة؛ محبتهم لحكم الله تعالى، والتسليم التام لشرعه في كل صغيرة وكبيرة، قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (٣) .

стр. 184

ومن صفاتهم الحميدة، الكريمة، العالية، والكثيرة ما جمعها الله ﷻ في قوله الكريم: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (١) . ومن صفاتهم؛ أنهم يقدمون طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله ﷺ ورضاهما على كل شيء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) . وقال: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣) .

стр. 185

ومن صفاتهم؛ أنهم يخشون الله تعالى وحده، ولا يخافون أحداً سواه - سبحانه - قال تعالى: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ﴾ (١) . ومن صفاتهم؛ أنهم يخلصون دينهم لله، قال تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢) . ومن صفاتهم؛ أنهم لا تأخذوهم رأفة في إقامة حدود الله قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) . ومن صفاتهم؛ أنهم يردون الأمر إلى الله تعالى وإلى رسوله ﷺ عند النزاع والخلاف، قال تعالى:

стр. 186

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (١) . ومن صفاتهم؛ أنهم صادقون مع الله تعالى في عهدهم لنصرة الدين، قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (٢) . ومن صفاتهم؛ أنهم يعملون الصالحات، قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ (٣) . ومن صفاتهم؛ أنهم إخوة في الله، والمؤمن أخو المؤمن، يحبون لإخوانهم ما يحبونه لأنفسهم، ولا يحملون عليهم حقداً ولا غلاً؛ بل يدعون لهم بظهر الغيب بالمغفرة والهداية والصلاح والتوفيق، والسداد، قال تعالى:

стр. 187

﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) . وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢) . وقال النبي ﵌: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (٣) . ومن صفاتهم؛ أنهم يحبون النبي ﷺ محبة قوية، لا تعدلها محبة أحد غيره كائناً من كان: قال النبي ﵌: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) (٤) .

стр. 188

ومن صفات المؤمنين ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ : أنهم مبتلون وممتحنون في دينهم ودنياهم، والبلاء والامتحان كفارة لهم من الذنوب والخطايا، ورفعة لهم في الدرجات، والدنيا لهم كالسجن بالنسبة إلى نعيم الآخرة؛ سجن لقلوبهم وجوارحهم من زينتها وفتنها وشهواتها ومعاصيها، قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا﴾ (١) . وقال النبي ﵌: (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله؛ حتى يلقى الله وما عليه خطيئة) (٢) . وقال: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) (٣) . ومن صفاتهم؛ أنهم أحسن الناس أخلاقاً، وأكملهم خلقاً وسيرة؛ لا يتكلمون إلا بالخير، ويكرمون الجار ويحسنون إليه، ويكرمون الضيف؛ بطيب الكلام، وطلاقة الوجه، والخدمة بالنفس، قال الله تعالى عن ضيف خليله إبراهيم ﵇:

стр. 189

﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (١) . وقال النبي ﵌: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) (٢) . وقال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) (٣) . من أقوال أئمة أهل السنة والجماعة في المؤمنين وصفاتهم: قال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁: (المؤمن يطبع على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب) (٤) . وقال الصحابي الجليل أبي بن كعب ﵁: (المؤمن بين أربع: إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن قال صدق، وإن حكم عدل) (٥) .

стр. 190

وقال التابعي الجليل الحسن البصري ﵀: (الرجاء والخوف مطيتا المؤمن) (١) . وقال الإمام الفضيل بن عياض ﵀: (المؤمن قليل الكلام كثير العمل، والمنافق كثير الكلام قليل العمل؛ كلام المؤمن حكم، وصمته تفكر، ونظره عبر، وعمله بر، وإذا كنت كذلك، لم تزل في عبادة) (٢) . وقال الإمام الزاهد مالك بن دينار ﵀: (مثل المؤمن؛ مثل اللؤلؤة أينما كانت حسنها معها) (٣) . وقال التابعي وهب بن منبه ﵀: (المؤمن يخالط ليعلم، ويسكت ليسلم، ويتكلم ليفهم، ويخلو لينعم) (٤) . وقال الزاهد شقيق بن إبراهيم البلخي ﵀:

стр. 191

(المؤمن مشغول بخصلتين، والمنافق مشغول بخصلتين؛ المؤمن بالعبر والتفكر، والمنافق بالحرص والأمل) (١) . وقال الإمام الزاهد محمد بن المنكدر ﵀: (إن الله تعالى يحفظ العبد المؤمن في ولده وولد ولده، ويحفظ في دويرته، وفي دويرات حوله؛ فما يزالون في حفظ وعافية ما كان بين ظهرانيهم) (٢) . فهذا قل من كثر من صفات عباد الرحمن؛ فإذا أردنا الفلاح والنجاح والنجاة؛ فعلينا التمسك بما كان عليه هؤلاء العظام، وأن نأتسي بهم؛ فهم اقتدوا برسول الله ﷺ وتخلقوا بأخلاقه، وامتثلوا أوامره، وكانوا كما قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (٣) .

стр. 192

خوارم الإيمان المعاصي وأثرها على الإيمان عند أهل السنة والجماعة

стр. 193

المعاصي وأثرها على الإيمان المعاصي والذنوب التي هي دون الكفر أو الشرك عند أهل السنة والجماعة تنقسم إلى قسمين: كبائر، وصغائر. الكبيرة: هي كل معصية يترتب عليها حد في الدنيا، أو عقوبة، أو توعد بالنار، أو عذاب، أو لعنة، أو غضب. الصغيرة: هي كل معصية لا يترتب عليها حد في الدنيا، ولا وعيد في الآخرة. والأعمال الصالحة - عندهم - تكفر صغائر الذنوب. والتوبة الصادقة من المعاصي - أياً كان الذنب - مقبولة عند الله تعالى؛ إذا اجتمعت فيها شروطها، وهي: الإقلاع عن الذنب، والندم على ذلك، والعزم على عدم العودة إليها. واستدلوا على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع (١) .

стр. 194

قال تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا﴾ (١) (٢) . وقال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ (٣) . وقال: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ (٤) . وقال النبي ﵌: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ مكفرات ما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر) (٥) (٦) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات) قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال:

стр. 195

(الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) (١) . حكم الإصرار على المعاصي: أما الإصرار على المعاصي، والاستغراق فيها، والاستمرار عليها، وعدم الإقلاع عنها، وعدم الاستغفار والتوبة منها، وعزم القلب عليها، أو الفرح بفعلها؛ فحكمها عند أهل السنة والجماعة كحكم مرتكب الكبائر، ويخشى على صاحبه من سوء العاقبة؛ لأن المعصية عندهم بريد الكفر، وهي مشتقة منه وآيلة إليه، والإكثار منها ينبت النفاق في القلب، وقد يؤدي إلى الوقوع في الكفر والردة - والعياذ بالله - لأن المعاصي - مع الإصرار والاستغراق فيها - تحيط بصاحبها وتستولي على قلبه وتطمسه؛ حتى لا يبقى فيه من الإيمان شيء. قال تعالى: ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢) .

стр. 196

وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١) . وقال النبي ﷺ : (إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه) (٢) . وقال النبي ﷺ : (إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء؛ فإذا نزع واستغفر وتاب سقل قلبه، وإن زيد فيها حتى تعلو قلبه، فهو الران الذي ذكر الله ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ) (٣) . وقال حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄: (لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار) (٤) .

стр. 197

وقال الصحابي الفقيه عبد الله بن مسعود ﵁: (إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه) (١) . والصغائر من المعاصي والذنوب؛ قد تتحول إلى الكبائر لأسباب نذكر منها: ١- الإصرار والمداومة عليها. ٢- استصغار المعصية واحتقارها. ٣- الفرح بفعل المعصية الصغيرة والافتخار بها. ٤- فعل المعصية ثم المجاهرة بها؛ لأن المجاهر غير معافى. ٥- أن يكون فاعل المعصية الصغيرة عالماً يقتدى به؛ لأنه إذا ظهر أمام الناس بمعصيته كبر ذنبه. إن المعاصي والذنوب عند أهل السنة والجماعة: تؤثر في الإيمان من حيث نقصه بحسب قلتها وكثرتها، لا من حيث بقاؤه وذهابه؛ فافتراق المعاصي بمفردها والإصرار عليها لا يخرج من الدين إن لم يقترن بها سبب من أسباب الكفر، كاستحلال المعصية، أو الاستهانة بحكمها سواء كان بالقلب، أو اللسان، أو الجوارح.

стр. 198

آثار المعاصي الوخيمة على العبد: المعاصي والذنوب له من الآثار القبيحة المذمومة المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله تعالى؛ فمنها (١) : ١- حرمان العلم: فإن العلم نور يقذفه الله تعالى في القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور. ٢- وحشة يجدها العاصي في قلبه، وبينه وبين الله تعالى، لا توازنها ولا تقارنها لذة أصلاً. ووحشة تحصل بينه وبين الناس، ولاسيما أهل الخير منهم. ٣- تعسير أموره: فلا يتوجه لأمر؛ إلا يجده مغلقاً دونه، أو متعسراً عليه. ٤- ظلمة يجدها في قلبه حقيقة، يحس بها كما يحس بظلمة الليل؛ فتوهن قلبه وبدنه، وتحرمه الطاعة. ٥- أن المعاصي تقصر العمر، وتمحق بركته، والعياذ بالله. ٦- المعاصي تجر المعاصي، كما أن الطاعات تجر الطاعات. ٧- المعاصي تصد عن التوبة، وصاحبه أسير شيطانه.

стр. 199

٨- تكرار المعاصي يورث القلب إلفها ومحبتها؛ حتى يفتخر صاحبه بالمعصية فلا يعافى؛ لأن المعصية تهون أختها وتصغرها. ٩- المعاصي تورث صاحبه الهوان عند ربه، وسقوط منزلته. ١٠- شؤم المعاصي يعم الإنسان والحيوان والنبات. ١١- المعاصي تورث الذل. ١٢- المعاصي تفسد العقل وتذهب بنوره. ١٣- المعاصي تورث الطبع على القلوب، وتوقع الوحشة فيه؛ فيكون صاحبه من الغافلين. ١٤- الذنوب تورث العبد لعنة الله تعالى ولعنة رسوله ﷺ . ١٥- الذنوب تورث حرمان دعوة رسول الله ﷺ والملائكة. ١٦- المعاصي سبب الخسف والزلازل وفساد البلاد والعباد. ١٧- المعاصي والذنوب تميت غيرة القلب، وتذهب بحياءه، وتطمس نوره، وتعمي بصيرته. ١٨- المعاصي والذنوب تزيل النعم وتحل النقم. ١٩- المعاصي والذنوب مواريث الأمم الهالكة.

стр. 200

حكم مرتكب الكبيرة: أهل السنة والجماعة لا يسلبون وصف الإيمان من العبد إذا عمل عملاً ما من المحذورات لا يكفر الله فاعله، أو ترك ما لا يكفر تاركه من الواجبات، ولا يخرجونه من الإيمان إلا بفعل ناقض من نواقضه. ومرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان؛ فهو في الدنيا مؤمن ناقص الإيمان؛ مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وفي الآخرة تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه. أي: إن مرتكب الكبيرة - عندهم - له حكمان؛ حكم في الدنيا، وحكم في الآخرة. حكمه في الدنيا: أنه مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، ولا يصح أن يعطى اسم الإيمان المطلق؛ بل يكون معه مطلق الإيمان، وهو حد الإسلام. فإن كان الذنب الذي ارتكبه، لا حد فيه، وتاب منه، قبل الله تعالى توبته بفضله ومنه - سبحانه - أو فيه حد، وأقيم عليه الحد؛ فهو كفارة له، ويصبح حكمه حكم عامة المسلمين. حكمه في الآخرة: أنه يكون تحت المشيئة، إن لم يتب من كبيرته؛ فأمره إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة برحمته

стр. 201

وفضله، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه وذلك بعدله ؛ لأنه مستحق للعقاب، ولكنه لا يستحق الخلود في النار؛ بل يخرج من النار بما معه من الإيمان، وإن كان مثقال ذرة. لأن الإيمان عند أهل السنة والجماعة؛ يقبل التبعيض والتجزئة، وبقليله يخرج الله من النار من دخلها بفضله ورحمته. ولذلك فإنهم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بكل ذنب؛ إلا بذنب يزول به أصل الإيمان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ (١) (٢) . أي: إن العبد إذا مات على الشرك؛ فإن الله تعالى لا يغفر له، والمشرك مخلد في نار جهنم - والعياذ بالله - وإذا مات على ما دون الشرك من المعاصي من الكبائر؛ فإنه يدخل تحت مشيئة الله سبحانه، قال الله ﵎: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣) .

стр. 202

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) . فسمى الله المقتول أخاً للقاتل: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٢) (٣) . أي: أن القتل كبيرة من الكبائر، ومع ذلك فإن الله تعالى لم يسلب عن هؤلاء المقاتلين اسم الإيمان وسماهم المؤمنين وإخوة في الدين رغم الاقتتال وبغي بعضهم على بعض؛ فالإيمان والأخوة الإيمانية لا يزولان مع القتال كغيره من الكبائر التي هي دون الشرك. وقال الله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ

стр. 203

سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ﴾ (١) (٢) . وقال النبي ﵌: (لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء) (٣) . وعن عبادة بن الصامت ﵁ وكان شهد بدراً، وهو أحد النقباء ليلة العقبة: أن رسول الله ﷺ قال، وحوله عصابة من أصحابه: (بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان، تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف؛ فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه هـ، وإن شاء عاقبه) فبايعناه على ذلك (٤) .

стр. 204

وعن أبي ذر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (أتاني جبريل ﵇ فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة) . قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: (وإن زنى وإن سرق) (١) (٢) . وقال النبي ﵌: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؛ لا يلقى الله بهما عبد غير شاك، فيحجب عنه الجنة) (٣) . وقال النبي ﵌: (يقول الله :.. من لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئاً، لقيته بمثلها مغفرة) (٤) (٥) .

стр. 205

وقال أبو بكر الصديق ﵁: (إياكم والكذب؛ فإن الكذب مجانب الإيمان) (١) . وقال أبو هريرة ﵁: (الإيمان نزه؛ فمن زنا فارقه الإيمان، فإن لام نفسه وراجع؛ راجعه الإيمان) (٢) . وقال أبو الدرداء ﵁: (ما الإيمان؛ إلا كقميص أحدكم يخلعه مرة ويلبسه أخرى، والله ما أمن عبد على إيمانه إلا سلبه فوجد فقده) (٣) . وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه كان يدعو غلاماً غلاماً، فيقول: (ألا أزوجك؟ ما من عبد يزني إلا نزع الله منه نور الإيمان) (٤) . وسأله عكرمة؛ كيف ينزع الإيمان منه؟ قال: (هكذا - وشبك بين أصابعه ثم أخرجها - فإن تاب عاد إليه هكذا - وشبك بين أصابعه) (٥) .

стр. 206

وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: (ولا نكفر مسلماً بذنب من الذنوب، وإن كانت كبيرة، إذا لم يستحلها) (١) . وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: (لو أن رجلاً ركب الكبائر كلها بعد أن لا يشرك بالله؛ ثم تخلى من هذه الأهواء والبدع؛ دخل الجنة) (٢) . وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: (من تولى يوم الزحف، لا منحرفاً لقتال، ولا متحيزاً إلى فئة؛ خفت عليه - إلا أن يعفو الله - أن يكون قد باء بسخط من الله) (٣) . وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: (يخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام شيء إلا الشرك بالله العظيم، أو برد فريضة من فرائض

стр. 207

الله جاحداً بها؛ فإن تركها كسلاً، أو تهاوناً كان في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه) (١) . وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى: (إن المعاصي والذنوب لا تزيل إيماناً، ولا توجب كفراً، ولكنها إنما تنفي من الإيمان حقيقته وإخلاصه، الذي نعت الله به أهله واشترط عليهم في مواضع من كتابه) (٢) . وعقد الإمام البخاري ﵀ باباً في (صحيحه) قطع فيه بأن المعاصي لا يكفر مرتكبها، قال: (باب: المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك؛ لقول النبي ﷺ : (إنك امرؤ فيك جاهلية) وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء:٤٨] ) (٣) . وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀ في عقيدته: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) .

стр. 208

وقال الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: (وندين بأن لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب يرتكبه؛ كالزنا والسرقة وشرب الخمر، كما دانت بذلك الخوارج وزعمت أنهم كافرون. ونقول: إن من عمل كبيرة من هذه الكبائر؛ مثل الزنا والسرقة وما أشبهها، مستحلاً لها غير معتقد لتحريمها؛ كان كافراً)) (١) . وقال الإمام أبو بكر الإسماعيلي ﵀ اعتقاد أهل الحديث وأهل السنة والجماعة، وقال: (ويقولون: إن أحداً من أهل التوحيد ومن يصلي إلى قبلة المسلمين؛ لو ارتكب ذنباً، أو ذنوباً كثيرة، صغائر، أو كبائر مع الإقامة على التوحيد لله، والإقرار بما التزمه وقبله عن الله؛ فإنه لا يكفر به، ويرجون له المغفرة، قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ ) (٢) .

стр. 209

وقال الإمام ابن بطة العكبري رحمه الله تعالى: (وقد أجمعت العلماء - لا خلاف بينهم - أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بمعصية؛ نرجو للمحسن، ونخاف على المسئ) (١) . ونقل الإمام أبو إسماعيل الصابوني ﵀ اعتقاد أئمة السلف، أصحاب الحديث، أهل السنة والجماعة، وقال: (ويعتقد أهل السنة: أن المؤمن وإن أذنب ذنوباً كثيرة صغائر كانت، أو كبائر؛ فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها، ومات على التوحيد والإخلاص؛ فإن أمره إلى الله إن شاء عفا عنه، وأدخله الجنة يوم القيامة سالماً غانماً، غير مبتلى بالنار، ولا معاقب على ما ارتكبه من الذنوب، واكتسبه ثم استصحبه - إلى يوم القيامة - من الآثام والأوزار، وإن شاء عاقبه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيها؛ بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار) (٢) .

стр. 210

وقال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: (اتفق أهل السنة على أن المؤمن لا يخرج عن الإيمان بارتكاب شيء من الكبائر، إذا لم يعتقد إباحتها، وإذا عمل شيئاً منها؛ فمات قبل التوبة، لا يخلد في النار؛ كما جاء به الحديث؛ بل هو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه بقدر ذنوبه، ثم أدخله الجنة برحمته) (١) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (من أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وهم مع ذلك: لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما يفعله الخوارج؛ بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي؛ كما قال سبحانه في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ..

стр. 211

ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار، كما تقوله المعتزلة؛ بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ . وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ . ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته؛ فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم) (١) . وقال الإمام ابن أبي العز رحمه الله تعالى: (إن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفراً ينقل عن الملة بالكلية، كما قالت الخوارج؛ إذ لو كفر كفراً ينقل عن الملة؛ لكان مرتداً يقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص، ولا تجري الحدود في الزنى والسرقة وشرب الخمر، وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من

стр. 212

دين الإسلام. ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود في النار مع الكافرين) (١) .

стр. 213

من أسباب سقوط العقوبة عن عصاة الموحدين أهل السنة والجماعة متفقون على أن الله قد جعل لعباده المؤمنين المذنبين الذين يقعون في المعاصي؛ أسباباً لنجاتهم من عقوبة معاصيهم التي توعد الله تعالى عليها في الدنيا والآخرة؛ ففتح لهم أبواب رحمته بهذه الأسباب؛ مناً وتفضلاً وكرماً منه جل وعلا، وقد دل عليها الكتاب والسنة، وأقوال أئمة أهل السنة والجماعة، ومنها: ١- التوبة الصادقة والاستغفار الدائم: إذا كانت توبة نصوحاً وخالصة من القلب، ويصحبها الندم على ما فات من المعاصي، والاستغفار منها، وعزم القلب على عدم العودة إليها، يقبلها الله تعالى بمنه وفضله ورحمته، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴿٥٩﴾ إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (١) .

стр. 214

وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (١) . ٢- الأعمال الصالحة: إذا كان العمل صالحاً؛ خالصاً لله تعالى وحده، موافقاً لشرعه، وسنة رسوله ﷺ ويأتي في مكانه وزمانه الذي حدده الشرع؛ فإنه باتفاق أهل السنة والجماعة يكفر الذنوب والمعاصي، قال الله ﵎: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (٢) . ٣- المصائب التي تصيب العبد في الدنيا: إذا صبر عليها وذكر الله وحمده واستغفره؛ فاز بالثواب، وكفرت خطاياه، وإن سخط اكتسب إثماً، وبقيت خطاياه، قال النبي ﷺ : (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم - حتى الشوكة يشاكها - إلا كفر الله بها من خطاياه) (٣) .

стр. 215

٤- ما يعمل للميت من أعمال البر: إن أعمال المؤمنين للعبد في حياته وبعد مماته؛ كالصدقة، والدعاء، والاستغفار، والترحم عليه.. ونحوها - شفاعة له عند الله ، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (١) . وقال النبي ﷺ : (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) (٢) . ٥- عذاب القبر: إن ما يحصل للعبد المؤمن في قبره من الفتنة والضغطة والروعة؛ يكفر به الله تعالى خطاياه. ٦- أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها: إن ما يحصل للعبد المؤمن من المحن، من ساعة موته إلى أن ينجيه الله من الحساب يوم القيامة، وإلى دخوله الجنة - كفارة له.
следующие страницы →