← Акыда

Акыда · id 9837

الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة

عبد الله بن عبد الحميد الأثري

Полный текст (318 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والإيمان لم يأت في القرآن والسنة مجرداً عن العمل؛ بل عطف عليه العمل الصالح في كثير من الآيات والأحاديث - كما بينا ذلك - وهذا العطف من باب الخاص على العام، أو البعض على الكل؛ وذلك للتأكيد على الأعمال الصالحة. فالإيمان والعمل متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، والعمل صورة الإيمان وجوهره، وهو من لوازمه ومقتضياته، ونصف معناه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد ما نقل أقوال أئمة أهل السنة والجماعة على أن الأعمال جزء من الإيمان: (وكان من مضى من سلفنا؛ لا يفرقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع كما يجمع هذه الأديان اسمها، ويصدقه العمل؛ فمن آمن بلسانه، وعرف بقلبه، وصدق بعمله؛ فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن قال بلسانه، ولم يعرف بقلبه، ولم يصدق بعمله؛ كان في الآخرة من الخاسرين، وهذا معروف عن غير واحد من السلف والخلف؛ وأنهم يجعلون العمل مصدقاً للقول) (١) .

стр. 37

زيادة الإيمان ونقصانه ومن عقيدة السلف الصالح - أهل السنة والجماعة - التي أجمعوا عليها: أن الإيمان يزيد وينقص، وأهله يتفاضلون فيه. فقد وردت أدلة كثيرة من الآيات والأحاديث، ومن أئمة السلف الصالح على أن الإيمان درجات وشعب، يزيد وينقص. الإيمان يزيد: بأعمال القلب والجوارح وبقول اللسان؛ كالطاعات والعبادات؛ من التصديق والمعرفة والعلم، وذكر الله تعالى، والحب والبغض في الله، والخوف والرجاء من الله، والتوكل على الله.. الخ، والقيام بجميع شعائر الدين من الأعمال الصالحة. الإيمان ينقص: بأعمال القلب والجوارح وبقول اللسان؛ كفعل المعاصي والمنكرات، وارتكاب الذنوب والكبائر، والأقوال والأفعال الرديئة، وبغفلة القلب ونسيان ذكر الله تعالى، وبالحسد، والكبر، والعجب، والرياء والسمعة، والجهل، والإعراض، والتعلق بالدنيا، وقرناء السوء، وجميع الأعمال الطالحة. وأن أهل الإيمان يتفاضلون في إيمانهم على حسب علمهم وعملهم؛ فبعضهم أكمل إيمانا من بعض.

стр. 38

قال الله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ (١) . وقال: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٢) . وقال: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٣) . وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٤) . وقال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٥) . وقال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ (٦) . وقال تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (٧) . وقال تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (٨) .

стр. 39

وقال النبي ﵌: (من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان) (١) . وقال: (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا) (٢) . وقال: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان) (٣) . وقال: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن ذرة من خير) (٤) . ووجه الدلالة في هذه الآيات والأحاديث واضح وبين في أن الإيمان يزيد، وما جاز عليه الزيادة جاز عليه النقصان.

стр. 40

ومن الأدلة على نقصان الإيمان، قول الله تعالى في المنافقين: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ (١) . وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (٢) . وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٣) . وفي قول النبي ﷺ : ( ... وذلك أضعف الإيمان) (٤) . وبناءً على زيادته ونقصانه يتكامل المؤمنون في إيمانهم، ويتفاضلون بقدر طاعتهم لله وموافقتهم لشرعه، قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٥) .

стр. 41

أسباب زيادة الإيمان إن الله ﵎ جعل للإيمان موارد كثيرة تعززه وتقويه، وأسباباً عديدة تزيده وتنميه؛ إذا فعلها قوي يقينه وزاد إيمانه، وارتفع درجاته في الدنيا والآخرة، والإيمان سبب لكل خير عاجل وآجل. ومن أهم أسباب زيادة الإيمان التي وردت في الكتاب والسنة: ١- طلب العلم النافع المستمد من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ والعمل به؛ فمن وفق فيهما، فقد وفق لأعظم أسباب زيادة الإيمان. ٢- معرفة أسماء الله الحسنى؛ الواردة في الكتاب والسنة، والحرص على فهم معانيها، والتعبد بها. ٣- قراءة القرآن وتدبره: فهو من أنفع دواعي زيادة الإيمان؛ فالذي يقرأه بتدبر وتأمل؛ يجد فيه من العلوم والمعارف ما يقوي به إيمانه، ويزيده وينميه، ولا تكون هذه الزيادة إلا مع فهم القرآن وتطبيقه، والعمل به.

стр. 42

٤ - تأمل سيرة الرسول الأمين ﷺ ومعرفة ما هو عليه من الأخلاق العالية، والأوصاف الكاملة، والخصال الكريمة، والشمائل الحميدة؛ لأن من درس وتأمل سيرته ﷺ وصفاته؛ فقد استكثر لنفسه من الخير، وازداد حبه ويقينه للنبي ﷺ وأورثه هذه المحبة متابعته، والعمل بسنته ﷺ . ٥- تأمل محاسن الإسلام؛ لأن الدين الإسلامي كله محاسن؛ فعقائده أصح وأنفع وأصدق العقائد من بين عقائد الأديان والملل، وأحكامه أحسن الأحكام وأعدلها للعباد، وأخلاقه أجمل الأخلاق وأكملها إطلاقاً؛ فالمتأمل في هذه كلها يزين الله الإيمان في قلبه ويحببه إليه، فيجد حلاوته؛ فيزداد إيماناً. ٦- تأمل آيات الله ومخلوقاته؛ فالمتأمل في عظمة خلق السموات والأرض وما فيهن من المخلوقات المتنوعة والعجيبة، وفي نفس الإنسان وما هو عليه من الصفات؛ فإن ذلك من الأسباب القوية لزيادة الإيمان وترسيخه في القلب. ٧- الإكثار من ذكر الله تعالى، والدعاء؛ لأنه من أهم أسباب صلة العبد بربه جل وعلا، فهو يغرس شجرة الإيمان في القلب ويغذيه ويقويه.

стр. 43

٨- الإكثار من النوافل بعد الفرائض؛ لأنها تقرب العبد إلى ربه ، والاجتهاد في الإحسان، والإتقان في جميع العبادات. ٩- الاتصاف بصفات المؤمنين الصادقين وأولياء الله الصالحين، واتباع آثارهم، والأخذ بهديهم، ومجالستهم؛ لأن ذلك يذكر العبد بربه تعالى، ويرقق قلبه، ويزيده إيماناً. ١٠- الدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي بالحق والصبر. ١١- البعد عن شعب الكفر، وكبائر الذنوب، والنفاق، والفسوق، والعصيان؛ لأن هذه المعاصي سبب ضعف الإيمان في القلب، والبعد عنها سبب لزيادته وقوته. إلى غير ذلك من الأسباب. واعلم - أخي المسلم - علمنا الله تعالى وإياك طريق النجاة: أن من أهم أسباب نقصان الإيمان في قلب العبد هو عدم تعاهد أسباب زيادة الإيمان، وإهمال تقويته، وترك العناية به؛ فكما أن المحافظة على هذه الأسباب سبب في زيادة الإيمان فإهمالها سبب في نقصه.

стр. 44

ومن أهم أسباب نقص الإيمان: - الجهل بأمور الدين، وعلوم الشرع. - الغفلة، والإعراض، والنسيان. - فعل المعاصي، وارتكاب الذنوب. - طاعة النفس الأمارة بالسوء. - الركون إلى الدنيا، وفتنتها، وزينتها. - مجالس اللهو، وقرناء السوء. - اتباع خطوات الشيطان. إلى غير ذلك من الأسباب.

стр. 45

مراتب الإيمان علمنا مما سبق أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل؛ يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، وأهله متفاوتون فيه على حسب علمهم وعملهم. فالإيمان يزيد بالطاعات والأعمال الصالحة إلى ما شاء الله تعالى؛ حتى يوصل صاحبه درجة الصديقين، ويرفعه إلى الدرجات العليين، وهذه المرتبة تسمى (حقيقة الإيمان) . وكذلك ينقص الإيمان بالمعاصي؛ حتى لا يبقى منه شيء ينفع صاحبه عند الله يوم الحساب. إذن فللإيمان حد أدنى من أخل به ذهب إيمانه، ولن ينجو صاحبه من الخلود في النار! والعياذ بالله. وهذه المرتبة تسمى الإسلام فإن الإيمان - عند أهل السنة والجماعة - مراتب ودرجات ومنازل، والمؤمنون فيه على طبقات متفاوتون في مراتب إيمانهم؛ فمنهم من معه أصل الإيمان، ومنهم من عمل بحقائقه واستكمل

стр. 46

الإيمان، وبلغ درجات الكمال الواجب، أو المستحب؛ فهؤلاء معهم (حقيقة الإيمان) . فمراتب الإيمان - عند أهل السنة والجماعة - كالآتي: المرتبة الأولى: (أصل الإيمان) : ويسمى أيضاً (الإيمان المجمل) أو (مطلق الإيمان) . وهذه المرتبة من الإيمان غير قابلة للنقصان؛ لأنها حد الإسلام، والفاصل بين الإيمان والكفر، وهذا النوع واجب على كل من دخل دائرة الإيمان، وشرط في صحته، وبه تثبت الأحكام الشرعية؛ لأن اسم الإيمان وحكمه يشمل كل من دخل فيه، وإن لم يستكمله، ولكن معه الحد الأدنى منه، هو ما يصح به إسلامه، ومرتكب الكبائر داخل في هذا المعنى، والمنفي عنه ليس اسم الإيمان والدخول فيه، وإنما المنفي هو حقيقته وكماله الواجب؛ فهو لا يسلب مطلق الإيمان، أي أصله، ولا يعطى الإيمان المطلق التام. وهذا الإيمان يتحقق بالتصديق والانقياد المجمل، وتوحيد الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله، واستحقاقه - سبحانه - وحده للعبادة، واتباع أوامره ونواهيه، واتباع رسوله ﷺ . وهذه المرتبة لا يشترط فيه وجود العلم التام بالإيمان.

стр. 47

فإذا عمل بهذا كله؛ فقد حقق أصل الإيمان الذي ينجو به من الكفر، ومن الخلود في النار، ومصيره يكون إلى الجنة؛ إن مات عليه، وإن قصر في بعض الواجبات، أو اقترف بعض المحرمات. وصاحب هذه المرتبة يدخل في دائرة الإسلام، أو الإيمان المقيد، وكذلك يدخل فيه من أسلم من أهل الطاعة ممن لم تدخل حقائق الإيمان في قلوبهم، ويدخل فيه - أيضاً - أهل الكبائر عموماً، ويسمى صاحبه: مؤمنا ناقص الإيمان، أو فاسقاً، أو عاصياً.. إلخ. المرتبة الثانية (الإيمان الواجب) : ويسمى أيضاً (الإيمان المفصل) أو (الإيمان المطلق) أو (حقيقة الإيمان) . وهذه المرتبة تكون بعد مرتبة (أصل الإيمان) ويكون صاحبها ممن يؤدي الواجبات ويتجنب الكبائر والمنكرات، ويلتزم بكل تفصيلات الشريعة؛ تصديقاً والتزاماً وعملاً، ظاهراً وباطناً؛ حسب استطاعته، وبقدر ما يزيد علمه وعمله يزداد إيمانه، وإذا ارتكب بعض الصغائر؛ يكفر عنه حسناته واجتنابه للكبائر، ولكن المتورع عن الصغائر أكمل إيماناً ممن يقع فيها.

стр. 48

وصاحب هذه المرتبة؛ موعود بالجنة بلا عذاب؛ وينجو من الدخول في النار؛ إن مات على ذلك، ويدخل في عداد المؤمنين الأبرار الذين قال الله ﵎ فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٢) . المرتبة الثالثة (الإيمان المستحب) : ويسمى أيضاً (الإيمان الكامل بالمستحبات) . وهذه المرتبة تكون بعد مرتبة (الإيمان الواجب) وهي مرتبة (الإحسان) وصاحبها لا يكتفي بعمل الواجبات وترك المنكرات؛ بل يضيف إلى ذلك فعل المستحبات، واجتناب المكروهات والمشتبهات؛ بقدر ما ييسر الله تعالى له ذلك.

стр. 49

ويتفاوت أصحاب هذه المراتب، بقدر تفاوتهم بالعلم والعمل، ويقابل ذلك تفاوتهم في درجات العلى من جنة الخلد. قال الله في كتابه العزيز عن هذه المراتب: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴿٣٢﴾ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (١) . السابق بالخيرات: هو المحسن الذي عبد الله كأنه يراه، وهو الفاعل للواجبات والمستحبات، التارك للمحرمات، والمتورع عن المكروهات، والمجتنب للمحظورات والمشتبهات، وهو صاحب (الإيمان الكامل المستحب) . المقتصد: المكتفي بفعل الواجبات، واجتناب المحظورات، وإن لم يحافظ على المسنونات، ولا تورع عن المكروهات، وهو صاحب (الإيمان الواجب) .

стр. 50

الظالم لنفسه: هو المفرط في بعض الواجبات، والمرتكب لبعض المحرمات والمعاصي التي لا تصل إلى الكفر، أو الشرك الأكبر، وهو صاحب (الإيمان المجمل) . قال الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄: (السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد ﷺ (١) .

стр. 51

أقوال أئمة أهل السنة والجماعة في مسمى الإيمان

стр. 52

أقوال أئمة أهل السنة والجماعة في مسمى الإيمان اتفق أئمة أهل السنة والجماعة - سلفاً وخلفاً - على أن الإيمان: قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح؛ يزيد بالطاعة وكثرة العبادة، وينقص بالمعصية والغفلة، وقد حكى الإجماع على ذلك أكثر أهل العلم ﵏ بل أصبح هذا القول من مميزات أهل السنة والجماعة، والفارقة بينهم وبين أهل البدع والأهواء. وأقوالهم في هذا الباب كثيرة جداً لا يمكن حصرها في هذه الرسالة، ولكن نذكر بعضاً منها على سبيل المثال لا الحصر: كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأصحابه: (هلموا نزدد إيماناً) فيذكرون الله تعالى (١) . وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁:

стр. 53

(الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، من لا صبر له لا إيمان له) (١) . وقال عبد الله بن مسعود ﵁: (اللهم زدنا إيماناً، ويقينا، وفقها) (٢) . وقال عبد الله بن رواحة ﵁: (تعالوا نؤمن ساعة؛ تعالوا فلنذكر الله ونزدد إيماناً؛ لعله يذكرنا بمغفرته) (٣) . وقال معاذ بن جبل ﵁: (اجلس بنا نؤمن ساعة) (٤) . وقال جندب بن عبد الله البجلي ﵁: (كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حزاورة؛ فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن؛ ثم تعلمنا القرآن؛ فازددنا به إيماناً) (٥) .

стр. 54

وقال أبو هريرة ﵁: (الإيمان نزه؛ فمن زنى فارقه الإيمان، فإن لام نفسه وراجع راجعه الإيمان) (١) . وكان عبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وأبو الدرداء ﵃ يقولون: (الإيمان يزيد وينقص) (٢) . وقال عمير بن حبيب الخطمي ﵁: (الإيمان يزيد وينقص، قيل: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله فحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا فذلك نقصانه) (٣) . وقال عمار بن ياسر ﵁: (ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار) (٤) . وقال التابعي الجليل عروة بن الزبير ﵀: (ما نقصت أمانة عبد قط؛ إلا نقص إيمانه) (٥) .

стр. 55

وقال الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز ﵀: (فإن للإيمان فرائض وشرائع وحدوداً وسنناً؛ فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان) (١) . وقال التابعي الإمام مجاهد بن جبر ﵀: (الإيمان: قول وعمل؛ يزيد وينقص) (٢) . وقال الإمام الحسن البصري ﵀ (ت ١١٠هـ) : (ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال) (٣) . وقال الوليد بن مسلم القرشي: سمعت الأوزاعي، ومالك بن أنس، وسعيد بن عبد العزيز؛ ينكرون قول من يقول: إن الإيمان قول بلا عمل، ويقولون: (لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان) (٤) . وقال أيضاً: سمعتهم يقولون: (ليس للإيمان منتهى هو في زيادة أبداً، وينكرون على من

стр. 56

يقول: إنه مستكمل الإيمان، وإن إيمانه كإيمان جبريل ﵇ (١) . وقال شيخ الإسلام الإمام الأوزاعي ﵀ (ت ١٥٧هـ) : (لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة؛ فكان من مضى ممن سلف لا يفرقون بين الإيمان، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع كما يجمع هذه الأديان اسمها وتصديقه العمل؛ فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه وصدق ذلك بعمله فذلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن قال بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدقه بعمله لم يقبل منه، وكان في الآخرة من الخاسرين) (٢) . وقال الإمام مالك ﵀ (ت ١٧٩هـ) : (الإيمان: قول وعمل) (٣) .

стр. 57

وقال الإمام الحافظ سفيان الثوري ﵀ (ت ١٦١هـ) : (الإيمان: يزيد وينقص) (١) . وقال الإمام عبد الله بن المبارك ﵀ (ت ١٨١هـ) : (الإيمان: قول وعمل، والإيمان يتفاضل) (٢) . وقال الإمام الفضيل بن عياض ﵀ (ت ١٨٦هـ) : (الإيمان عندنا داخله وخارجه الإقرار باللسان والقول بالقلب، والعمل به) (٣) . وقال الإمام أبو الثور البغدادي ﵀ (ت ٢٤٠هـ) : (الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح) (٤) . وقال الإمام وكيل بن الجراح ﵀ (ت ١٧٩هـ) : (أهل السنة يقولون: الإيمان: قول وعمل) (٥) .

стр. 58

وقال الإمام يحيى بن سعيد القطان ﵀ (ت ١٩٨هـ) : (كل من أدركت من الأئمة كانوا يقولون: الإيمان: قول وعمل؛ يزيد وينقص، ويقدمون أبا بكر وعمر في الفضيلة والخلافة) (١) . وقال الإمام سفيان بن عيينة ﵀ (ت ١٩٨هـ) : (الإيمان: قول وعمل؛ يزيد وينقص) (٢) . وعن الإمام الحافظ الحميدي ﵀ قال: سمعت ابن عيينة يقول: (الإيمان: قول وعمل؛ يزيد وينقص) فقال له أخوه إبراهيم بن عيينة: يا أبا محمد، لا تقولن: يزيد وينقص؛ فغضب وقال: (اسكت يا صبي! بلى حتى لا يبقى منه شيء) (٣) . وقال الإمام الشافعي ﵀ (ت ٢٠٤هـ) : (الإيمان: قول وعمل؛ يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ (٤) .

стр. 59

وقال: (كان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركناهم: أن الإيمان: قول وعمل ونية، ولا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر) (١) . وقال الإمام عبد الرزاق الصنعاني ﵀ (ت ٢١١هـ) : (سمعت معمراً، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن جريح، وسفيان بن عيينة، يقولون: الإيمان: قول وعمل؛ يزيد وينقص) (٢) . وقال الإمام عبد الله الحميدي ﵀ (ت ٢١٩هـ) : (الإيمان: قول وعمل؛ يزيد وينقص، لا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل ولا قول إلا بنية، ولا قول وعمل بنية إلا بسنة) (٣) . قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ (ت ٢٢٤هـ) : (اعلم - رحمك الله - أن أهل العلم والعناية بالدين افترقوا في هذا الأمر فرقتين: فقالت إحداهما: الإيمان بالإخلاص لله

стр. 60

وشهادة الألسنة وعمل. وقالت الفرقة الأخرى: بل الإيمان بالقلوب والألسنة، فأما الأعمال فإنما هي تقوى وبر، وليست من الإيمان. وإنا نظرنا في اختلاف الطائفتين؛ فوجدنا الكتاب والسنة يصدقان الطائفة التي جعلت الإيمان بالنية والقول والعمل جميعاً، وينفيان ما قالت الأخرى) (١) . وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ (ت ٢٤١هـ) : (أجمع تسعون رجلاً من التابعين وأئمة السنة، وأئمة السلف، وفقهاء الأمصار على أن السنة التي توفي عنها رسول الله ﷺ .. - فذكر أموراً منها -: الإيمان: قول وعمل؛ يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية) (٢) . وقال: (الإيمان: يزيد وينقص؛ فزيادته بالعمل، ونقصانه بترك العمل) (٣) . وعن عبد الملك بن عبد الحميد الميموني: أنه سأل أبا عبد الله: الإيمان قول ونية؟ فقال لي: (كيف يكون بلا نية؛ نعم قول وعمل ونية، لابد من النية - قال لي - النية متقدمة) (٤) .

стр. 61

وقال الإمام البخاري ﵀ (ت ٢٥٦هـ) : (كتبت عن ألف من العلماء وزيادة، ولم أكتب إلا عمن قال: الإيمان: قول وعمل ولم أكتب عن من قال: الإيمان: قول) (١) . وقال: (لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحداً يختلف في أن الإيمان: قول وعمل؛ يزيد وينقص) (٢) . وقال الإمام إسحاق بن راهويه ﵀ (ت ٢٨٣هـ) : (الإيمان: يزيد وينقص؛ حتى لا يبقى منه شيء) (٣) . وقال الإمام أبو زرعة الرازي ﵀ (ت ٢٦٤هـ) : (الإيمان عندنا قول وعمل؛ يزيد وينقص، ومن قال غير ذلك؛ فهو مبتدع مرجئ) (٤) . وقال الإمام أبو حاتم الرازي ﵀ (ت ٢٧٤هـ) : (مذهبنا واختيارنا وما نعتقده وندين الله به ونسأله السلامة في الدين والدنيا: أن الإيمان قول وعمل؛ يزيد وينقص) (٥) .

стр. 62

وقال الإمام يعقوب بن يوسف الفسوي ﵀ (ت ٢٧٧هـ) : (الإيمان عند أهل السنة: الإخلاص لله بالقلوب والألسنة والجوارح، وهو قول وعمل؛ يزيد وينقص، على ذلك وجدنا كل من أدركنا من عصرنا بمكة والمدينة والشام والبصرة والكوفة) ثم ذكر منهم ثلاثين ونيفا) (١) . وقال الإمام محمد بن نصر المروزي ﵀ (ت ٢٩٤هـ) : (الإيمان: أن تؤمن بالله) : أن توحده، وتصدق به بالقلب واللسان، وتخضع له ولأمره، بإعطاء العزم للأداء لما أمر، مجانباً للاستكشاف والاستكبار، والمعاندة، فإذا فعلت ذلك لزمت محابه، واجتنبت مساخطه) (٢) . وقال الإمام ابن جرير الطبري ﵀ (ت ٣١٠هـ) : (أما القول في الإيمان هل هو قول وعمل، وهل يزيد وينقص، أم لا زيادة فيه ولا نقصان؟ فإن الصواب فيه قول من قال: هو قول وعمل يزيد وينقص، وبه جاء الخبر عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وعليه مضى أهل الدين والفضل) (٣) .

стр. 63

وقال الإمام أبو الحسن الأشعري ﵀ عن ما أجمع عليه السلف من الأصول (ت ٣٢٤هـ) : (وأجمعوا على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية) (١) . وقال الإمام البربهاري ﵀ (ت ٣٢٩هـ) : الإيمان قول وعمل. وعمل وقول، ونية وإصابة؛ يزيد وينقص، يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى منه شيء) (٢) . وقال الإمام الآجري ﵀ (ت ٣٦٠هـ) : (اعلموا - رحمنا الله وإياكم - أن الذي عليه علماء المسلمين: أن الإيمان واجب على جميع الخلق؛ وهو تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح. ثم اعلموا: أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق؛ إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقاً، ولا تجزئ معرفة بالقلب، ونطق باللسان؛ حتى يكون عمل بالجوارح؛ فإذا كملت فيه هذه الثلاث خصال: كان مؤمناً. دل على ذلك القرآن والسنة، وقول علماء المسلمين) (٣) .

стр. 64

وقال: (فالأعمال - رحمكم الله - بالجوارح تصديق عن الإيمان بالقلب واللسان، فمن لم يصدق الإيمان بعمل جوارحه؛ مثل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وأشباه لهذه، ورضي من نفسه بالمعرفة والقول لم يكن مؤمناً، ولم تنفعه المعرفة والقول، وكان تركه للعمل تكذيباً لإيمانه، وكان العمل بما ذكرناه تصديقاً منه لإيمانه، وبالله التوفيق) (١) . وقال أيضاً: - اعلموا - رحمنا الله وإياكم - يا أهل القرآن، ويا أهل العلم بالسنن والآثار، ويا معشر من فقههم الله تعالى في الدين بعلم الحلال والحرام: أنكم إن تدبرتم القرآن - كما أمركم الله تعالى - علمتم أن الله تعالى أوجب على المؤمنين بعد إيمانهم به وبرسوله العمل، وأنه تعالى لم يثن على المؤمنين بأنه قد رضي عنهم وأنهم قد رضوا عنه، وأثابهم على ذلك الدخول إلى الجنة والنجاة من النار إلا بالإيمان وحده حتى ضم إليه العمل الصالح. قرن مع الإيمان العمل الصالح، لم يدخلهم الجنة بالإيمان وحده حتى ضم إليه العمل الصالح الذي وفقهم له، فصار الإيمان لا يتم لأحد حتى يكون مصدقاً بقلبه، وناطقاً بلسانه، وعاملاً بجوارحه،

стр. 65

لا يخفى على من تدبر القرآن وتصفحه، وجده كما ذكرت. واعلموا - رحمنا الله وإياكم - أني قد تصفحت القرآن فوجدت ما ذكرته في شبيه من خمسين موضعاً من كتاب الله تعالى، أن الله ﵎ لم يدخل المؤمنين الجنة بالإيمان وحده؛ بل أدخلهم الجنة برحمته إياهم، وبما وفقهم له من الإيمان والعمل الصالح) (١) . وقال الإمام ابن بطة ﵀ (ت ٣٨٧هـ) : (واعلموا - رحمكم الله - أن الله لم يثن على المؤمنين، ولم يصف ما أعد لهم من النعيم المقيم والنجاة من العذاب الأليم، ولم يخبرهم برضاه عنهم إلا بالعمل الصالح والسعي الرابح، وقرن القول بالعمل، والنية بالإخلاص؛ حتى صار اسم الإيمان مشتملاً على المعاني الثلاثة، لا ينفصل بعضها من بعض، ولا ينفع بعضها دون بعض؛ حتى صار الإيمان قولاً باللسان، وعملاً بالجوارح، ومعرفة بالقلب؛ خلافاً لقول المرجئة الضالة الذين زاغت قلوبهم، وتلاعبت الشياطين بعقولهم) (٢) .

стр. 66

وقال الإمام أبو بكر الإسماعيلي ﵀ عن اعتقاد أئمة الحديث؛ أنهم يقولون (ت ٣٧١هـ) : (إن الإيمان قول وعمل ومعرفة) (١) . وقال الإمام ابن أبي زيد القيرواني ﵀ (ت ٣٨٦هـ) : (أن الإيمان قول باللسان، وإخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح؛ يزيد ذلك بالطاعة، وينقص بالمعصية نقصاً عن حقائق الكمال لا محبط للإيمان، ولا قول إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بموافقة السنة، وأنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب وإن كان كبيراً، ولا يحبط الإيمان غير الشرك بالله تعالى) (٢) . وقال الإمام الحافظ ابن مندة ﵀ (ت ٣٩٥هـ) : (الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالأركان؛ يزيد وينقص) (٣) .

стр. 67

وقال الإمام الحافظ ابن أبي زمنين ﵀ (ت ٣٩٩هـ) : (ومن أقوال أهل السنة: أن الإيمان إخلاص لله بالقلوب، وشهادة بالألسنة، وعمل بالجوارح؛ على نية حسنة، وإصابة السنة.. أن الإيمان درجات ومنازل يتم ويزيد وينقص، ولولا ذلك استوى الناس فيه، ولم يكن للسابق فضل على المسبوق) (١) . وقال الإمام إسماعيل الصابوني ﵀ (ت ٤٤٩هـ) : (ومن مذهب أهل الحديث: أن الإيمان قول وعمل ومعرفة؛ يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية) (٢) . وقال الإمام ابن بطَّال المالكي ﵀ (ت ٤٤٩هـ) : (مذهب أهل السنة من سلف الأمة وخلفها: أن الإيمان قول وعمل؛ يزيد وينقص، والحجة على زيادته ونقصانه؛ ما أورده البخاري في كتاب الله من ذكر الزيادة في الإيمان، وبيان ذلك أنه من لم تحصل له بذلك الزيادة؛ فإيمانه أنقص من إيمان من حصلت له) (٣) .

стр. 68

وقال الإمام الحليمي ﵀ (ت ٤٠٣هـ) : (ومما يدل على أن الإيمان يزيد وينقص قول النبي ﷺ للنساء: (إنكن ناقصات عقل ودين) (١) . وقال الإمام القاضي أبو يعلى الفراء (ت ٤٥٨هـ) ﵀ عن تعريف الإيمان الشرعي: (وأما حده في الشرع فهو جميع الطاعات الباطنة والظاهرة؛ فالباطنة أعمال القلب، وهو تصديق القلب، والظاهرة هي أفعال البدن الواجبات والمندوبات) (٢) . وقال الإمام البيهقي ﵀ (ت ٤٥٨هـ) : (أن الإيمان يزيد وينقص، وإذا قبل الزيادة قبل النقص) (٣) . وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀ (ت ٤٦٠هـ) : (أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل؛ ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان) (٤) .

стр. 69

وقال الإمام البغوي ﵀ (ت ٥١٦هـ) : (اتفقت الصحابة والتابعين فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان.. وقالوا إن الإيمان قول وعمل وعقيدة؛ يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية على ما نطق به القرآن في الزيادة، وجاء في الحديث بالنقصان في وصف النساء) (١) . وقال الإمام قوَّام السنة الأصفهاني ﵀ (ت ٥٣٥هـ) : (الإيمان في الشرع عبارة عن جميع الطاعات الظاهرة والباطنة) (٢) . وقال: (قال علماء السلف.. والإيمان قول وعمل ونية؛ يزيد وينقص، زيادته البر والتقوى، ونقصانه الفسوق والفجور) (٣) . وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني ﵀ (ت ٥٦١هـ) : (ونعتقد أن الإيمان قول باللسان، ومعرفة بالجنان، وعمل بالأركان) (٤) .

стр. 70

وقال الحافظ عبد الغني المقدسي ﵀ (ت ٦٠٠هـ) : (الإيمان قول وعمل ونية؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية) (١) . وقال الإمام ابن قدامة المقدسي ﵀ (ت ٦٢٠هـ) : (الإيمان: قول باللسان، وعمل بالأركان، وعقد بالجنان؛ يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان) (٢) . وقال الإمام النووي ﵀ (ت ٦٧٦هـ) : (قال عبد الرزاق: سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحابنا: سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وعبيد بن عمر، والأوزاعي، ومعمر بن راشد، وابن جريح، وسفيان بن عيينة، يقولون: الإيمان: قول وعمل؛ يزيد وينقص. وهذا قول: ابن مسعود، وحذيفة، والنخعي، والحسن البصري، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعبد الله بن المبارك؛ فالمعنى الذي يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمنين هو إتيانه بهذه الأمور الثلاثة: التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح) (٣) .

стр. 71

وقال: (إن الطاعات تسمى إيماناً وديناً، وإذا ثبت هذا علمنا أن من كثرت عبادته زاد إيمانه ودينه، ومن نقص عبادته نقص دينه) (١) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ت ٧٢٨هـ) : (ومن أصول أهل السنة: أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية) (٢) . وقال: (ولهذا كان القول: إن الإيمان قول وعمل - عند أهل السنة - من شعائر السنة، وحكى غير واحد الإجماع على ذلك) (٣) . وقال الإمام الحافظ ابن القيم ﵀ (ت ٧٥١هـ) : (حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل. والقول قسمان: قول القلب، وهو الاعتقاد، وقول اللسان، وهو التكلم بكلمة الإسلام، والعمل قسمان: عمل القلب، وهو نيته وإخلاصه،

стр. 72

وعمل الجوارح؛ فإذا زالت هذه الأربعة، زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب، لم تنفع بقية الأجزاء) (١) . وقال الإمام الحافظ ابن كثير ﵀ (ت ٧٤٤هـ) في تفسير الآية ﴿٢﴾ من سورة الأنفال: (وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب، كما هو مذهب جمهور الأمة؛ بل قد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من الأئمة كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد، كما بينا ذلك مستقصى في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة) . وقال - أيضاً - في تفسير الآية ﴿١٢٤﴾ من سورة التوبة: (وهذه الآية من أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيد وينقص، كما هو مذهب أكثر السلف والخلف من أئمة العلماء؛ بل قد حكى غير واحد الإجماع على ذلك، وقد بسط الكلام على هذه المسألة في أول شرح البخاري ﵀ .

стр. 73

وقال العلامة ابن أبي العز الحنفي ﵀ (ت ٧٩٢هـ) : (اختلف الناس فيما يقع عليه اسم الإيمان اختلافاً كثيراً: فذهب مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه، وسائر أهل الحديث، وأهل المدينة ﵏، وأهل الظاهر، وجماعة من المتكلمين: إلى أنه تصديق بالجنان، وإقرار باللسان وعمل بالأركان) (١) . وقال الإمام ابن رجب الحنبلي ﵀ (ت ٧٩٥هـ) في شرح حديث النبي ﷺ : (اللهم! زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهديين) (٢) : (أما زينة الإيمان؛ فالإيمان قول وعمل ونية؛ فزينة الإيمان تشمل زينة القلب بتحقيق الإيمان له، وزينة اللسان بأقوال الإيمان، وزينة الجوارح بأعمال الإيمان) (٣) . وقال في شرحه لقول البخاري: الإيمان قول وعمل: (وأكثر العلماء قالوا: هو قول وعمل. وهذا كله إجماع من السلف وعلماء أهل الحديث، وقد حكى الشافعي إجماع

стр. 74

الصحابة والتابعين عليه، وحكى أبو ثور الإجماع عليه أيضاً. وقال الأوزاعي: كان من مضى ممن سلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل، وحكاه غير واحد من سلف العلماء عن أهل السنة والجماعة، وممن حكى ذلك عن أهل السنة والجماعة: الفضيل بن عياض، ووكيع ابن الجراح، وممن روي عنه أن الإيمان قول وعمل: الحسن، وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والزهري، وهو قول الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وغيرهم) وقال أيضاً: (زيادة الإيمان ونقصانه قول جمهور العلماء) (١) . وقال العلامة أبو الفضل شهاب الدين محمود الآلوسي ﵀ (ت ١٢٧٠هـ) في تفسير الآية ﴿٢﴾ من سورة الأنفال: (وهذا أحد أدلة من ذهب إلى أن الإيمان يقبل الزيادة والنقص، وهو مذهب الجم الغفير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، وبه أقوال لكثرة الظواهر الدالة على ذلك من الكتاب والسنة من غير معارض لها عقلاً؛ بل قد احتج عليه

стр. 75

بعضهم بالعقل أيضاً، وذلك أنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة بل المنهمكين في الفسق والمعاصي مساوياً لإيمان الأنبياء والملائكة - عليهم الصلاة والسلام - واللازم باطل؛ فكذا الملزوم (١) . وقال العلامة السفاريني ﵀ (ت ١١٨٨هـ) : (الذي اعتمده أئمة الأثر وعلماء السلف: أن الإيمان: تصديق بالجنان وإقرار باللسان، وعمل بالأركان؛ يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان, وإلا فمجرد تصديق القلب من غير إقرار باللسان لا يحصل به الإيمان؛ فإن إبليس لا يسمى مؤمنا بالله، وإن كان مصدقاً بوجوده وربوبيته) (٢) . وقال العلامة صديق حسن القنوجي ﵀ (ت ١٣٠٧هـ) : (إن الإيمان الشرعي المطلوب لا يكون؛ إلا اعتقاداً وقولاً وعملاً؛ هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة بل قد حكاه الشافعي وأحمد وأبو عبيد، وغير واحد إجماعاً أن الإيمان قول وعمل) (٣) .
следующие страницы →