الإيمان
حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة
مراجعة وتقديم
فضيلة الشيخ الدكتور
عبد الرحمن بن صالح المحمود
إعداد
عبد الله بن عبد الحميد الأثري
стр. 2
تقديم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد: فهذا كتاب مختصر في الإيمان ومسائله؛ أعده أخونا الفاضل الشيخ عبد الله بن عبد الحميد الأثري.
وقد جاء الكتاب على غرار كتابيه؛ الموجزين النافعين:
(الوجيز في عقيدة السلف الصالح) و (أحكام وأنواع التوسل المشروع والممنوع) ، واللذين سبق طبعهما.
وقد قرأت كتابه هذا: (الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة) ؛ فألفيته مختصراً جامعاً، مدعما بالأدلة من الكتاب والسنة، والنقول عن أئمة أهل السنة المعتبرين؛ ثم إنه ابتعد فيه عن تفاصيل المسائل والخلاف فيها، والردود والمناقشات التي يعتني بها المتخصصون ونحوهم.
стр. 3
ومن ثم جاء كتابه:
١- نافعاً لعموم المسلمين على مختلف مستوياتهم؛ فهو موجز وشامل ومدلل.
٢- لا يستغني عن مثله طالب العلم؛ إذا أراد جمع شتات هذا الموضوع، وتدريسه وتعليمه للآخرين.
٣- كما أنه مناسب جداً لغير الناطقين بالعربية؛ إذا تُرجم إلى لغاتهم؛ لأنهم سيجدون فيه من السهولة والوضوح ما يغني عن المطولات، وصعوبة المناقشات للمخالفين.
فجزى الله المؤلف خير الجزاء، ونفع به وبعلمه، ورزقنا وإياه العلم النافع والعمل الصالح.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
كتبه
عبد الرحمن الصالح المحمود
٩ شوال ١٤٢٣هـ
أستاذ قسم العقيدة
كلية أصول الدين جامعة الإمام محمد بن سعود
стр. 4
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إله الأولين والآخرين، المتفرد بالجلال والكمال، والمتنزه عن الشركاء والأنداد والأمثال؛ الذي حبب إلى المؤمنين الإيمان، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وجعلهم من الراشدين.
وأفضل الصلاة وأتم التسليم على رسوله الأمين، إمام المؤمنين المتقين الصادقين الموحدين، وسيد الثقلين المبعوث رحمة للعالمين؛ الذي حقق التوحيد، وصدق مع ربه، وعاش حقائق الإيمان والدين، وعلم أصحابه حقيقة الإيمان.
وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر المحجلين، الكرام الميامين؛ الذين نتقرب إلى ربنا بحبهم أجمعين، والتابعين العظام من بعدهم، والذين اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا.
اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع؛ آمين.
стр. 5
أما بعد: فإن العقيدة الإسلامية الصحيحة، هي الأساس في هذا الدين، وهي المنطلق الذي ينطلق منه إسلام المرء، وعليها تبنى جميع المعارف؛ فمن صحت عقيدته صح عمله، ومن فسدت عقيدته فسد جميع عمله، ولا يصح الدين، ولا يقبل العمل عند الله تعالى إلا بالإيمان الصحيح الذي تبنى عليه العقيدة الصالحة السالمة من الشرك.
وإن الإيمان بالله له أهمية بالغة في حياة المسلم؛ لأن سعادته في الدارين مبنية على قوة إيمانه بربه وقربه منه؛ فمن أطاع الله تعالى في ما أمره، وآمن به إيماناً صادقاً، واجتنب ما نهي عنه، وقال: سمعنا وأطعنا، آمنا وصدقنا؛ فقد فاز فوزاً عظيماً.
كما أن نجاة العبد من عذاب الله، ومن شديد عقابه تكون بالإيمان الصحيح الذي علمنا إياه رسوله الأمين ﷺ ، قال تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور﴾ (١) .
стр. 6
والإيمان بالغيب هو أساس التسليم التام لله تعالى في أمره ونهيه، وعندما يثبت هذا الإيمان في قلب المؤمن؛ لا تجده يعترض على أي شيء من الشرع المنزل، ولا يصد عنه؛ بل هو في غاية الانقياد، وتمام الانشراح لشرع الله تعالى.
والإيمان الصحيح الصادق الراسخ؛ هو المحرك الذي يقرب من الله تعالى، ويجلب ولايته، ويتحصن به المؤمن من كيد أعدائه من شياطين الإنس والجن، ومن معتقداتهم الفاسدة وأفعالهم القبيحة، وأسس هذا الإيمان هي: العلم الصحيح المستقى من الوحيين الشريفين، والإيمان بالغيب، والكفر بالطاغوت، والقيام بمقتضى التكليف الشرعي، والإخلاص لله تعالى في العبادة، والصدق في متابعة الرسول ﷺ .
وبهذه الأسس تترسخ شجرة الإيمان في القلب المؤمن؛ ثم يجد حلاوته ولذته، قال الله ﵎:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء ﴿٢٤﴾ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (١) .
стр. 7
فجذور شجرة الإيمان هي أركانها الستة، وساقها الإخلاص لله تعالى ومتابعة الرسول ﷺ ، وفروعها الأعمال الصالحة من أعمال القلوب والجوارح، وثمرتها اليانعة هي الأمن والاطمئنان والحياة الطيبة، وسعادة الدنيا والآخرة، وولاية الله تعالى.
ولقد كانت الأمة على هذا الإيمان الصحيح والعقيدة الحقة التي جاء بها النبي ﷺ عن ربه - جل وعلا - وبلغها لصحابته الكرام ﵃ أجمعين - فكانوا أكمل الناس إيماناً، ويقيناً، وفهماً، وتبليغاً لهذه العقيدة.
وقد اعتصموا بهذه العقيدة، وارتبط الإيمان عندهم بالعمل بديهيا، وكانوا يكرهون الابتداع في الدين، والجدال والخصومات والمراء، وكان هديهم التسليم التام لشرع الله تعالى.
وعندما فتح باب الفتنة بمقتل ثاني الخلفاء الراشدين؛ تتابعت الفتن من بعده، وظهرت فرق الابتداع الذين خالفوا منهج الرسول ﷺ وصحابته الكرام، وتمزق شمل الأمة بعدها، وأصبحت شيعاً وأحزاباً؛ وكان الأمر كما أخبر به النبي ﷺ .
فعن الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 8
ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل؛ حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة؛ كلهم في النار إلا ملة واحدة. قال: من هي يا رسول الله؟ قال:
ما أنا عليه وأصحابي (١) .
وعندما حدثت هذه الفرق في الأمة - كما أخبرنا النبي ﷺ لم يعدم ولن يعدم الخير فيها، إذ ظلت فئة منها متمسكة بالهدى والحق، وهم ظاهرون إلى قيام الساعة، لا يضرهم من خذلهم، أو خالفهم؛ مصداقاً لبشرى النبي ﷺ فيهم، حيث قال:
(لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم؛ حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك) (٢) .
ولا شك أن أهل السنة والجماعة المتقنين أثر الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان؛ هم الطائفة المنصورة القائمة على دين الله الحق، وهم الذين عناهم النبي ﷺ :
стр. 9
ومن هنا وجب على المسلم أن يتعرف على عقيدة هذه الطائفة المباركة التي تلتزم الإسلام الصحيح.
وعليه - أيضاً - أن يعرف الإيمان الذي آمنوا وعملوا به معاً، ويعرف حقيقة هذا الإيمان، ومسماه، ومراتبه، وخوارمه، ونواقضه، وموانعه، وأركانه التي هي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.
ولأن الإيمان بهذه المغيبات أساس هذا الدين، فإن الله تعالى لا يقبل إيمان الذي يجحد أحدها؛ حتى يؤمن بها جميعا.
ولما كثر كلام الناس عن حد الإسلام والإيمان، ونتج عن ذلك الجدال والخصومات الكثيرة؛ قديماً وحديثاً، وزلت به الأقدام؛ فضلوا وأضلوا؛ ثم ذهب الرجال وبقي الجدال، ولا يزال باقياً يهدد وحدة الأمة، ويهز كيانها، والله المستعان.
ومن هذا المنطلق نظرت إلى المسلم المعاصر اليوم - مع قلة الهمم وبعد الناس عن علوم الدين - فإذا هو يحتاج أن يتيسر له العلوم الإسلامية؛ لأن مخاطبة العوام بلغة عصرهم (١) ، وعلى مستوى فهمهم، وإنزال عقولهم منازلها، والتعرف على مداخل
стр. 10
نفوسهم من الوسائل والأسباب المهمة لهدايتهم بإذن الله تعالى، وهذا ما يقره الدعاة العاملون في الساحة الإسلامية، وذلك من خلال دعوة العوام، وقربهم منهم، ومخاطبتهم إياهم عن كثب، ولنا في سيرة إمام الدعاة ﷺ شواهد كثيرة على ذلك.
فهم يحتاجون إلى تعريف ميسر ومفهوم للإيمان - مع المحافظة التامة على عقيدة أئمة أهل السنة والجماعة - ومتى يطلق الإيمان، ومتى يمنع إطلاقه، ومتى يتطابق لفظه مع الإسلام، ومتى يفترقان، وأيهما أشمل؟ وما هي أركانه، ودرجاته، ومراتبه، وصفات أهله، وثمراته، وخوارمه، ونواقضه ومبطلاته التي تزيل حكمه وتبطل أثره؟ فقد يرتد أحدهم عن الدين من حيث لا يشعر! وما هي أسباب ترك الإيمان والإعراض عنه؟
فاستعنت بالله وجمعت ما أمكن جمعه من المسائل التي تتعلق بالإيمان، وذلك من كتاب الله العزيز، وسنة نبيه الأمين ﷺ ، وأقوال أئمة أهل السنة والجماعة.
واجتهدت في عرض المسائل على المادة العلمية، وعرضها بإختصار مع سلاسة الأسلوب والعبارة، واختيار التبويب المناسب، لكي تكون قريبة من مدارك عامة الناس، ولا يصعب فهمها عليهم؛ وحتى تكون سبباً لقراءتهم، ثم لهدايتهم بإذن الله تعالى.
стр. 11
والتزمت الألفاظ الشرعية المأثورة عن أئمة أهل السنة والجماعة قدر الإمكان.
وحرصت أن تكون هذه الرسالة دليلاً للمسلم المستقيم، أو المهتدي حديثاً إلى طريق الحق؛ وعوناً له لتحصيل مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة الإيمان.
وتركت جميع أقوال الفرق الضالة؛ حتى لا تكدر وتلبس على العامة، ثم يضطرب عندهم الفهم الصحيح لمسألة الإيمان، وذلك لكثرة شبهاتهم التي هي من خطوات الشيطان لرد طالب الحق عن الحق، ولكي ينهلوا - أيضاً - العلم من منبعه الصحيح؛ كما كان الأمر في الصدر الأول من هذه الأمة المعصومة، وقبل الافتراق.
رغم أنني أعلم أن التطرق لموضوع الإيمان ليس بأمر سهل وهين، وخصوصاً مع قلة الباع - والله المستعان - ولكني توكلت على الله تعالى؛ آملاً منه أن لي مخرجاً؛ كما دلنا على ذلك كتاب الله ﵎، وسنة رسوله ﷺ .
ثم بذلت ما في وسعي لتكن هذه الرسالة قد استوعبت ما يحتاجه المسلم من عقيدته في هذا الموضوع، ولا أدعي أني وصلت بهذا العمل إلى المطلوب، ولا سيما أنني مسبوق بأئمة كبار قد
стр. 12
كتبوا في باب الإيمان فأجادوا وأفادوا وجزاهم الله عن المسلمين خيرا.
ولكني أؤمل أن أكون قد وفقت إلى ما سعيت إليه، وقربت الموضوع، وسهلت عبارته في هذه الرسالة التي سميتها:
الإيمان؛ حقيقته، خوارمه، نواقضه
عند أهل السنة والجماعة
هذا هو جهد المقل؛ فإن وفقت وأصبت، فمن الله ﵎ وحده لا شريك له، وهو الموفق سبحانه. وإن أخفقت وأخطأت؛ فمن نفسي، وعجزي، وقلة حيلتي.
وأعوذ بالرحمن - سبحانه - من الشيطان والخذلان.
وأحسن الله تعالى لمن دلني على نقص، ولم يبخل علي، ونبهني إليه مشكوراً مأجوراً.
كما أشكر كل من كان له فضل علي من إبداء رأي، أو مراجعةٍ، أو نصيحةٍ، أو دعاء؛ فجزاهم الله خيراً (١) .
стр. 13
وأسأل الله تعالى؛ أن يثبتنا على الإيمان، ويحببه إلينا، ويزين قلوبنا به، وأن يغرس فيها شجرته؛ لنذوق حلاوة الإيمان، ونجد فيها طعم الحياة بالإيمان، ويكرمنا بالعيش في ظلاله.
وأسأله - جلت قدرته - أن يعصمنا من الشيطان الرجيم، وأن يعيننا عليه، وعلى مكره، وكيده، وشبهاته، وخطواته وخطراته؛ بحوله وقوته.
وصلى الله وسلم على الهادي البشير والسراج المنير نبينا وقائدنا وإمامنا ومرشدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه راجي رحمة ربه الغفور
أبو محمد
عبد الله بن عبد الحميد بن عبد المجيد آل إسماعيل الأثري
نزيل اصطنبول
عفا الله عنه
١٦ ذو الحجة ١٤٢٢هـ
стр. 14
حقيقة الإيمان
عند
أهل السنة والجماعة
стр. 15
تعريف الإيمان
الإيمان في اللغة: الإيمان لغة له معنيان:
أولاً - (الأمن) : أي: إعطاء الأمن والأمان والطمأنينة؛ الذي هو ضد الخوف. وآمنته ضد أخفته.
قال الله تعالى: ﴿وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ (١) .
فآمن، أي: أصبح داخلاً في الأمن.
واستأمن إليه، أي: دخل في أمانه.
والأمنة والأمانة: نقيض الخيانة.
ومنه اسم الله ﵎ (المؤمن) ؛ لأنه - سبحانه - أمن عباده أن يظلمهم.
ثانياً - (التصديق) : أي الذي يصدق قوله بالعمل.
والتصديق: ضد التكذيب.
وإذا قال العبد: آمنت بالله تعالى رباً؛ أي: صدقت به.
والمؤمن مبطن من التصديق مثل ما يظهر.
стр. 16
قال الله تعالى: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ﴾ (١) .
وقال: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ﴾ (٢) .
والتصديق يتضمن الأمن والأمان.
ولهذا قال إخوة يوسف ﵇ لأبيهم:
﴿وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ (٣) .
أي: لا تقر بخبرنا، ولا تثق به، ولا تطمئن إليه، ولو كنا صادقين.
إذن الإيمان لغة: له معنيان حسب الاستعمال؛ الأمن والتصديق، والمعنيان متداخلان (٤) .
стр. 17
- ولكن لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - رأي آخر في معنى الإيمان اللغوي، وهو من آرائه السديدة، واختياراته الموفقة؛ حيث اختار معنى (الإقرار) للإيمان.
لأنه رأى أن لفظة (أقر) أصدق في الدلالة والبيان على معنى الإيمان الشرعي من غيرها؛ لأمور وأسباب ذكرها ثم ناقشها بالمعقول، ورد بتحقيق علمي رصين قول من ادعى: أن الإيمان مرادف للتصديق، وذكر فروقاً بينهما؛ تمنع دعوى الترادف.
قال ﵀: (فكان تفسيره - أي الإيمان - بلفظ الإقرار؛ أقرب من تفسيره بلفظ التصديق، مع أن بينهما فرقا) (١) .
وقال أيضاً: (ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار؛ لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد) (٢) .
وقال ﵀ في رده على من ادعى الترادف بين الإيمان والتصديق:
(إنه - أي الإيمان - ليس مرادفاً للتصديق في المعنى؛ فإن كل مخبر عن مشاهدة، أو غيب، يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال:
стр. 18
كذبت؛ فمن قال: السماء فوقنا، قيل له: صدق، كما يقال: كذب.
وأما لفظ الإيمان؛ فلا يستعمل إلا في الخبر عن غائب، لم يوجد في الكلام أن من أخبر عن مشاهدة، كقول: طلعت الشمس وغربت، أنه يقال: آمناه، كما يقال: صدقناه.
ولهذا؛ المحدثون والشهود ونحوهم، يقال: صدقناهم، وما يقال: آمنا لهم؛ فإن الإيمان مشتق من الأمن، فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر؛ كالأمر الغائب الذي يؤمن عليه المخبر، ولهذا لم يوجد قط في القرآن وغيره لفظ: آمن له؛ إلا في هذا النوع) (١) .
وقال أيضاً: (إن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب؛ كلفظ التصديق؛ فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت، أو كذبت، ويقال: صدقناه، أو كذبناه، ولا يقال: لكل مخبر: آمنا له، أو كذبناه.
ولا يقال: أنت مؤمن له، أو مكذب له؛ بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، يقال: هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب) (٢) .
стр. 19
وقال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀:
(أكثر أهل العلم يقولون: إن الإيمان في اللغة: التصديق، ولكن في هذا نظر! لأن الكلمة إذا كانت بمعنى الكلمة؛ فإنها تتعدى بتعديها، ومعلوم أن التصديق يتعدى بنفسه، والإيمان لا يتعدى بنفسه؛ فنقول مثلاً: صدقته، ولا تقول آمنته! بل تقول: آمنت به، أو آمنت له.
فلا يمكن أن نفسر فعلاً لازماً لا يتعدى إلا بحرف الجر بفعل متعد ينصب المفعول به بنفسه، ثم إن كلمة (صدقت) لا تعطي معنى كلمة (آمنت) فإن (آمنت) تدل على طمأنينة بخبره أكثر من (صدقت) .
ولهذا؛ لو فسر (الإيمان) بـ (الإقرار) لكان أجود؛ فنقول: الإيمان: الإقرار، ولا إقرار إلا بتصديق، فتقول أقر به، كما تقول: آمن به، وأقر له كما تقول: آمن له) (١) .
واعلم أخي المسلم علمنا الله وإياك طريقة السلف الصالح:
أن الحقائق قد تعرف بالشرع كالإيمان، وقد تعرف باللغة كالشمس، وقد تعرف بالعرف كالقبض.
стр. 20
وأن التعريف الشرعي قد يتفق مع التعريف اللغوي، وقد يختلف؛ بحيث يكون بالمعاني الشرعي أشمل من اللغوي، ولكن العبرة بالمعني الشرعية الذي نتعبد الله تعالى به.
وهكذا في مسمى الإيمان؛ إذ التصديق أحد أجزاء المعنى الشرعي على الصحيح المشهور عند أئمة أهل السنة والجماعة، وعلى ذلك دلت نصوص الكتاب والسنة.
فالمعنى المختار للإيمان لغة: هو الإقرار القلبي:
ويكون الإقرار:
- باعتقاد القلب: أي تصديقه بالأخبار.
- عمل القلب: أي إذعانه وانقياده للأوامر.
стр. 21
الإيمان في الاصطلاح الشرعي:
الإيمان عند السلف الصالح - أهل السنة والجماعة - هو:
التصديق الجازم، والإقرار الكامل، والاعتراف التام؛ بوجود الله تعالى وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، واستحقاقه وحده العبادة، واطمئنان القلب بذلك اطمئناناً تُرى آثاره في سلوك الإنسان، والتزامه بأوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه.
وأن محمد بن عبد الله ﷺ رسول الله، وخاتم النبيين، وقبول جميع ما أخبر به ﷺ عن ربه - جل وعلا - وعن دين الإسلام؛ من الأمور الغيبية، والأحكام الشرعية، وبجميع مفردات الدين، والانقياد له ﷺ بالطاعة المطلقة فيما أمر به، والكف عما نهى عنه ﷺ وزجر؛ ظاهراً وباطناً، وإظهار الخضوع والطمأنينة لكل ذلك.
وملخصه: (هو جميع الطاعات الباطنة والظاهرة) .
- الباطنة: كأعمال القلب، وهي تصديق القلب وإقراره.
- الظاهرة: أفعال البدن من الواجبات والمندوبات.
ويجب أن يتبع ذلك كله: قول اللسان، وعمل الجوارح والأركان، ولا يجزيء واحد من الثلاث إلا بالآخر؛ لأن أعمال الجوارح داخلة في مسمى الإيمان، وجزء منه.
стр. 22
فمسمى الإيمان عند أهل السنة والجماعة؛ كما أجمع عليه أئمتهم وعلماؤهم، هو:
(تصديق بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان؛ يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية) .
ومن أصولهم التي اتفقوا عليها في مسمى الإيمان على اختلاف عباراتهم في التعبير - إجمالاً وتفصيلاً - وذلك خوفاً من الاشتباه، أو الالتباس؛ أن الإيمان مركب من:
(قول، وعمل) . أو (قول، وعمل، ونية) . أو (قول، وعمل، ونية، واتباع السنة) .
أي: أن مسمى الإيمان يطلق عند أهل السنة والجماعة على ثلاث خصال مجتمعة، لا يجزيء أحدهما عن الآخر، وهذه الأمور الثلاثة جامعة لدين الإسلام:
(اعتقاد القلب، إقرار اللسان، عمل الجوارح) .
وبعبارة أخرى عندهم:
- قول القلب، وقول اللسان.
- عمل القلب، وعمل الجوارح.
ويمكن توضيح ذلك؛ بالتفصيل التالي:
стр. 23
أولاً - قول القلب: هو معرفته للحق، واعتقاده، وتصديقه، وإقراره، وإيقانه به؛ وهو ما عقد عليه القلب، وتمسك به، ولم يتردد فيه، قال الله ﵎:
﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴿٣٣﴾ لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٢) .
وقال النبي ﷺ : (يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير) (٣) .
قول اللسان: إقراره والتزامه.
أي: النطق بالشهادتين، والإقرار بلوازمها.
قال تعالى: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ
стр. 24
مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢) .
وقال النبي ﵌: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ... ) (٣) .
ثانياً: عمل القلب: نيته، وتسليمه، وإخلاصه، وإذعانه، وخضوعه، وإنقياده، والتزامه، وإقباله إلى الله تعالى، وتوكله عليه - سبحانه - ورجاؤه، وخشيته، وتعظيمه، وحبه وإرادته.
قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (٤) .
وقال تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى ﴿١٩﴾ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ﴿٢٠﴾ وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ (٥) .
стр. 25
وقال النبي ﵌: (يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه) (١) .
عمل الجوارح:
أي فعل المأمورات والواجبات، وترك المنهيات والمحرمات.
فعمل اللسان: ما لا يؤدى إلا به؛ كتلاوة القرآن، وسائر الأذكار؛ من التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، والدعاء، والاستغفار، والدعوة إلى الله تعالى، وتعليم الناس الخير، وغير ذلك من الأعمال التي تؤدى باللسان؛ فهذا كله من الإيمان.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ (٢) .
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (٣) .
وعمل الجوارح: مثل الصلاة، والقيام، والركوع، والسجود، والصيام، والصدقات، والمشي في مرضاة الله تعالى؛ كنقل الخطا
стр. 26
إلى المساجد، والحج، والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من أعمال شعب الإيمان.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٧٧﴾ ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ﴿٦٣﴾ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (٢) .
فهذه الخصال الثلاث:
(اعتقاد القلب، إقرار اللسان، عمل الجوارح) .
اشتمل عليها مسمى الإيمان عند أهل السنة والجماعة؛ فمن أتى بجميعها؛ فقد اكتمل إيمانه.
стр. 27
الأدلة من القرآن
على أن الأعمال جزء من الإيمان
ومما يدل على أنه لا بد من اعتقاد القلب من إقرار اللسان وعمل الجوارح؛ وصف الله تعالى للمؤمنين الصادقين في كثير من الآيات؛ بصفات زائدة على التصديق؛ إذ وصفهم بالخصال الثلاثة المذكورة؛ كما أطلق صفة المؤمنين الكاملين - حقاً وصدقاً - على الذين آمنوا بالله تعالى، وصدقوا رسوله ﷺ ولم يشكوا في ذلك، ولم يرتابوا، وانقادوا لأمره، ثم عملوا بما آمنوا به؛ من أصول الدين وفروعه، وظاهره وباطنه، وظهرت آثار هذا الإيمان في عقائدهم، وأقوالهم، وأعمالهم الظاهرة والباطنة؛ وبهذه الأعمال حققوا الإيمان الكامل؛ فاستحقوا هذا الوصف من ربهم - جل وعلا - فدل كل هذا على أن الإيمان يعم هذه الخصال الثلاث؛ لأن الله تعالى أدخل أعمالهم في مسمى الإيمان في الآيات القرآنية، وجعلها شرطاً في قبول إيمانهم؛ إذن فلا يكون المؤمن مؤمناً حقاً إلا بتلك الأعمال الصالحة، كما قال الله ﵎:
يُحَافِظُونَ ﴿٩﴾ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ﴿١٠﴾ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١) .
وقد جعل الله أيضاً - جميع الطاعات من الإيمان في كثير من الآيات، قال الله في كتابه العزيز: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٢) .
لم يختلف المفسرون بأن الله أراد من ﴿إِيمَانَكُمْ﴾ في الآية؛ صلاتكم إلى بيت المقدس فسمى الصلاة إيماناً، ولو لم تكن جزءاً من الإيمان وركنا فيه؛ لما صح تسميتها به؛ فهذا دليل بين على أن العمل من الإيمان.
وكذلك قرن الله الإيمان مع العمل في كثير من الآيات، وجعل جنة الخلد جزاءً لمن آمن وعمل صالحاً.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ (٣) .
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ (٤) .
стр. 31
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ (١) .
وقال: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢) .
وقال: ﴿وَالْعَصْرِ ﴿١﴾ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿٢﴾ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣) .
وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ ﴿٩٢﴾ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤) .
وهذه الآيات الكريمات البينات؛ كلها تدخل الأعمال الصالحة، وجميع الطاعات معها في مسمى الإيمان.
إذن صفة المؤمن في القرآن: هو الذي يفعل ما يوجب عليه الشرع من أعمال القلب والجوارح، وإذا فعل كان جزاؤه عند الله أن يدخله الجنة، ويكفر عن سيئاته، ويزحزحه عن النار.
стр. 32
الأدلة من السنة
على أن الأعمال جزء من الإيمان
قال النبي ﵌:
(قل آمنت بالله؛ فاستقم) (١) .
وقال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) (٢) .
وقال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبداً لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقى في النار) (٣) .
وقال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) (٤) .
стр. 33
وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لوفد عبد القيس؛ عندما سألوه عن أمور الدين؛ فأمرهم:
(بالإيمان بالله وحده) وقال: (أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وتعطوا الخمس من المغنم) (١) .
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: (إيمان بالله ورسوله) قيل: ثم ماذا؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) قيل: ثم ماذا؟ قال: (حج مبرور) (٢) .
وقال ﷺ : (من قام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه) (٣) .
وقال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (٤) .
стр. 34
وغيرها من الأحاديث النبوية الدالة على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق ولا القول بدون العمل وأداء الفرائض.
فهذه هي الأدلة من الكتاب والسنة؛ تدل على أن الأعمال جزء من الإيمان، ولم يثبت المدح فيهما إلا على إيمان معه العمل؛ لا على إيمان خال عن أعمال، وهذا هو القول الحق، الذي أجمع عليه سلف هذه الأمة، ومن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا.
فتعريفهم للإيمان حكم الشرعي موافق للنقول؛ أما غيرهم فقد مالوا عن الحق وجانبوا الصواب.
وفي الحقيقة أن المؤمن الصادق مع ربه - جل وعلا - والطالب للحق، العامل لآخرته؛ يبتعد من شبهات الشيطان وخطواته، ويتبع الجماعة، ولا يقول قولاً ولا يعمل عملاً إلا وله فيها إمام من أئمة أهل السنة المعتبرين، ويكفيه - أيضاً - دليل واحد صحيح من الشرع، لكي يعتقد ذلك الأمر ويعمل بها؛ فكيف وقد تضافرت الأدلة الشرعية الصريحة من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ على صحة ما أجمع عليه سلف هذه الأمة المعصومة، في مسمى الإيمان، وفي جميع ما يعتقدون، والحمد لله.
стр. 35
خلاصة القول في مسمى الإيمان:
هو ما وقر في القلب، وصدقه اللسان والعمل. وبدت ثمراته واضحة في الجوارح بامتثال أوامر الله تعالى، والابتعاد عن نواهيه.
لأن اسم الإيمان يقع على من يصدق بجميع ما جاء به الرسول ﷺ عن ربه - جل وعلا - اعتقاداً، وإقراراً، وعملاً.
وأن العباد لا يتساون في الإيمان ولا يتماثلون فيه أبداً؛ لذا من صدق بقلبه، وأقر بلسانه، ولم يعمل بجوارحه الطاعات التي أمر بها؛ لم يستحق اسم الإيمان.
ومن أقر بلسانه، وعمل بجوارحه، ولم يصدق ذلك بقلبه؛ لم يستحق اسم الإيمان.
وإذا تجرد الإيمان عن العمل؛ فلا فائدة فيه، ولو كان الإيمان المجرد عن العمل ينفع أحداً لنفع إبليس - نعوذ بالله منه ومن خطواته - فقد كان يعرف أن الله واحد لا شريك له، وأن مصيره لا شك إليه سبحانه؛ لكنه عندما جاءه الأمر الإلهي ﴿اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ولم يشفع له علمه بالوحدانية والربوبية؛ لأنه لم يحقق توحيد العبادة.
إذن فالتصديق المجرد عن العمل لا قيمة له عند رب العالمين!
стр. 36
والإيمان لم يأت في القرآن والسنة مجرداً عن العمل؛ بل عطف عليه العمل الصالح في كثير من الآيات والأحاديث - كما بينا ذلك - وهذا العطف من باب الخاص على العام، أو البعض على الكل؛ وذلك للتأكيد على الأعمال الصالحة.
فالإيمان والعمل متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، والعمل صورة الإيمان وجوهره، وهو من لوازمه ومقتضياته، ونصف معناه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد ما نقل أقوال أئمة أهل السنة والجماعة على أن الأعمال جزء من الإيمان:
(وكان من مضى من سلفنا؛ لا يفرقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع كما يجمع هذه الأديان اسمها، ويصدقه العمل؛ فمن آمن بلسانه، وعرف بقلبه، وصدق بعمله؛ فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن قال بلسانه، ولم يعرف بقلبه، ولم يصدق بعمله؛ كان في الآخرة من الخاسرين، وهذا معروف عن غير واحد من السلف والخلف؛ وأنهم يجعلون العمل مصدقاً للقول) (١) .
стр. 37
زيادة الإيمان ونقصانه
ومن عقيدة السلف الصالح - أهل السنة والجماعة - التي أجمعوا عليها: أن الإيمان يزيد وينقص، وأهله يتفاضلون فيه.
فقد وردت أدلة كثيرة من الآيات والأحاديث، ومن أئمة السلف الصالح على أن الإيمان درجات وشعب، يزيد وينقص.
الإيمان يزيد: بأعمال القلب والجوارح وبقول اللسان؛ كالطاعات والعبادات؛ من التصديق والمعرفة والعلم، وذكر الله تعالى، والحب والبغض في الله، والخوف والرجاء من الله، والتوكل على الله.. الخ، والقيام بجميع شعائر الدين من الأعمال الصالحة.
الإيمان ينقص: بأعمال القلب والجوارح وبقول اللسان؛ كفعل المعاصي والمنكرات، وارتكاب الذنوب والكبائر، والأقوال والأفعال الرديئة، وبغفلة القلب ونسيان ذكر الله تعالى، وبالحسد، والكبر، والعجب، والرياء والسمعة، والجهل، والإعراض، والتعلق بالدنيا، وقرناء السوء، وجميع الأعمال الطالحة.
وأن أهل الإيمان يتفاضلون في إيمانهم على حسب علمهم وعملهم؛ فبعضهم أكمل إيمانا من بعض.
وقال النبي ﵌: (من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان) (١) .
وقال: (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا) (٢) .
وقال: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان) (٣) .
وقال: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن ذرة من خير) (٤) .
ووجه الدلالة في هذه الآيات والأحاديث واضح وبين في أن الإيمان يزيد، وما جاز عليه الزيادة جاز عليه النقصان.
стр. 40
ومن الأدلة على نقصان الإيمان، قول الله تعالى في المنافقين:
﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ (١) .
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (٢) .
وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٣) .
وفي قول النبي ﷺ : ( ... وذلك أضعف الإيمان) (٤) .
وبناءً على زيادته ونقصانه يتكامل المؤمنون في إيمانهم، ويتفاضلون بقدر طاعتهم لله وموافقتهم لشرعه، قال تعالى:
﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٥) .