← Фикх общий

Фикх общий · id 9838

مفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لحج بيت الله الحرام

عبد الله بن جاسر

Полный текст (572 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اسم الكتاب: مفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لحج بيت الله الحرام. تأليف الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر النجدي التميمي الوهيبي الأشيقري ثم المكي السلفي عفا الله عنه ونفع بعلومه آمين. الجزء الأول، الطبعة الثالثة. الرياض ١٤١٢ هـ، الموافق ١٩٩٢ م. طبع على نفقة صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، أجزل الله مثوبته. ْْْْْْْْْْْ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ - ترجمة المؤلف: - نسبه: هو الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر بن محمد بن عثمان بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن بجاد ينتهي نسبه إلى بسام بن عقبة من آل راجح من أوهبة تميم. - مولده: ولد هذا العالم الجليل في بلد أشيقر (من أعمال الوشم) في شهر محرم سنة ١٣٢٣ هـ، ورباه والده أحسن تربية ولما بلغ من العمر سبع سنين جعله عند مقرئ يسمى عبد الرحمن بن موسى يعلمه القرآن الكريم ولما بلغ من العمر أربع عشرة سنة حفظ القرآن المجيد.

стр. 3

- مشايخه: ثم اشتغل بطلب العلم لدى شيخه إبراهيم بن صالح بن عيسى من بلد أشيقر ولازمه ملازمة تامة وكان ابتداء طلبه العلم لدى شيخه إبراهيم المذكور سنة ١٣٣٦ هـ، ولا زال يقرأ عليه في كثير من الفنون قراءة بحث وتحقيق إلى سنة ١٣٤٢ هـ، ومن الكتب التي قرأها على شيخه في أول الطلب (مجموعة التوحيد) ثم بعد إكمالها قرأ عليه فتح المجيد ثم شرح الدليل وشرح الزاد وشرح الشينشوري مع حاشية إبراهيم الباجوري في الفرائض كرره قراءة على شيخه عشر مرات تقريباً وفي اللغة العربية شرح الشيخ خالد على الأجرومية ثم متممة الأجروية وشرحيهما للأهدل والفاكهي، ثم شرح القطر ثم قرأ عليه شرح المنتهى للشيخ منصور البهوتي قراءة بحث وتحقيق وتفهم وتدقيق وأكمل دراسته عليه مرتين وعلق ﵀ على شرح المنتهى على نسخته الخطية أثناء الدرس والمطالعة حاشية حافلة تحتوي على فوائد نفسية ومباحث غزيرة وهي باقية حتى الآن لم تجرد ولو جردت لجاءت في مجلدين وليتها تجرد لأن الكتابة قد استغرقت جميع مواضع البياض ويخشى من انقطاع أطراف الورق فتذهب الفائدة بفقدان بعض الكلمات. وقرأ على شيخه في العروض كتاب الجدول الصافي في علمي العروض والقوافي وقرأ عليه الجزرية وشروحها لابن المصنف والشيخ زكريا الأنصاري وغيرهما وقرأ عليه أطرفاً من الكتب الستة وتفسير القرآن العظيم وغير ذلك من الفنون وقد أجازه بسنده للرواية عنه وبعد رحيل شيخه إبراهيم إلى عنيزة رحل إلى مكة فاستوطنها سكناً له وقرأ على علماء الحرم المكي ولازمهم وتضلع في العلم فكان فقيهاً لا يجاري وقد وهبه الله فهما ثاقباً وقوة في الحفظ وفراسة في الأحكام، ومن العلماء الذين درسوه الشيخ سعد وقاص البخاري من علماء مكة المكرمة.

стр. 4

ومن مشايخه العالم العلامة البحر الفهامة السلفي الشيخ محمد الطيب الأنصاري المدني ﵀ فقرأ عليه قراءة بحث وتحقيق وقد خصص له مجلساً للقراءة عليه وقد استفاد منه علماً كثيراً وقد أجازه جماعة من العلماء الأعلام والأجلاء الكرام منهم العلامة الشيخ أحمد بن إبراهيم بن حمد العيسى. - أعماله: في صفر سنة ١٣٥٠ هـ، تولى القضاء في المستعجلة بمكة ثم تعين في الطائف وذلك في سنة ١٣٥٥ هـ، ثم تعين في قضاء المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وذلك سنة ١٣٥٦ هـ، وأقام فيها قاضياً سبع سنين ثم صدر أمر الملك عبد العزيز ﵀ بنقله إلى مكة في أول عام ١٣٦٣ هـ، وأن يكون برئاسة القضاء عضواً وسكرتيراً ثم صدر أمر الملك عبد العزيز ﵀ بأن يكون معاوناً لرئيس القضاة بمكة ثم مساعداً لرئيس القضاء في مكة ولما أنشئت هيئة التمييز للأحكام تعين عضواً فيها ثم رئيساً لها حتى أحيل على التقاعد لإكماله السن النظامية في ١-٧-٩٣ هـ، بموجب القرار رقم ٢٦٩٧ في ٢٥-٦-٩٣ هـ، فتجرد للعبادة ونفع الخلق الكثير وكان آية في مكارم الأخلاق، توفى ﵀ في ١٠-٢-١٤٠١ هـ، له من الأبناء عبد العزيز وإبراهيم.

стр. 5

- مؤلفاته: لشيخنا من المؤلفات (كتاب مفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لحج بيت الله الحرام، وهو هذا، وحاشيته على المنتهى وشرحها علقها أثناء الدرس وفي أوقات المطالعة وهي باقية على الهامش لم تجرد وقد تقدم ذكرها، وله فوائد في الفقه الحنبلي لا تقل عن ستة كراريس وله رسالة سماها تنبيه النبيه والغبي فيما التبس على الشيخ المغربي ألفها في المدينة المنورة في آخر شعبان سنة ١٣٥٨ هـ، رد فيها على شيخ مغربي أنكر تكليم الله لموسى وزعم أن جبريل أظهر لموسى كلام الله من اللوح المحفوظ وهذا اعتقاد مبدع خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة من أن الله جل وعلا كلم موسى حقيقة بكلام سمعه موسى من الله تقدس وعلا وتتضمن الرسالة سماع جبريل ﵇ القرآن الكريم من رب العزة والجلال والإكرام وأن الله يتكلم إذا شاء بصوت. ولشيخنا رسالة في وجوب السمع والطاعة لولي أمر المسلمين وإن جار ما لم يأمر بمعصية ألفها في بلد شقراء في ٢٥-٨-١٣٤٧ هـ، وألفت لمناسبة حصلت حين ذاك وهي رسالة مفيدة، وله غير ذلك من الرسائل والمسائل وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ - خطبة الكتاب: قال المؤلف عبد الله بن عبد الرحمن بن جاسر عفا الله عنه، الحمد لله الحي القيوم ذي الجلال والإكرام، والشكر له ذي الفضل والجود والكرم والمنن العظام، الذي هدانا للإسلام، وأسبغ علينا نعمه وألطافه الجسام، وشرع لنا فضلاً منه وتكرماً حج بيته الحرام، وجعله محلاً لتنزلات الرحمة ومحو الآثام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي خص الحج بوقت محدود، وأطلق وقت العمرة في جميع العام، وفرض الحج والعمرة على كل حر مسلم مكلف مستطيع من الأنام. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله وخليله وحبيبه أفضل من أحرم من ميقات ولبى ووقف بعرفة نهاراً إلى الغروب وبات بمزدلفة ومنى ورمى ونحر وحلق وطاف بالبيت الحرام، وصلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه الذين تمسكوا بسنته وسعوا كما سعى بين الصفا والمروة، ووقفوا بتلك المشاعر العظام. أما بعد: فإن الحج من أفضل الطاعات عند رب العالمين، وأجل الأعمال الصالحة لمحو ذنوب المذنبين، وقد استعنت الله وألفت فيه هذا الكتاب، وسميته: (مفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لحج بيت الله الحرام) . وهو يشتمل على بيان أحكام الحج وإيضاح مشكلاته، وذكر مصححاته ومفسداته وأركانه وواجباته ومسنوناته، وغير ذلك من متعلقاته، وسقت فيه بحوثاً مفيدة وفوائد فريدة لا تجدها في غيره، لا سيما في المسائل التي كثر فيها السؤال

стр. 7

والاستشكال في مواسم الحج، مثل مسألة ما إذا طاف المتمتع وسعى لعمرته ثم أحرم بالحج قبل الحلق أو التقصير هل يصح حجه أم لا؟ ومثل مسألة المتمتع هل يكفيه لعمرته وحجه سعى واحد بين الصفا والمروة أم لا بد من سعين واحد للعمرة والآخر للحج؟ وسقت الأحاديث الصحيحة في ذلك، ومثل مسألة رمى الجمار الثلاث لنفسه ومستنيبه أو موليه، ومثل مسألة منع أخذ الشعر والظفر عند الإحرام إذا كان في عشر ذي الحجة ومن نيته أن يضحي أو يضحى عنه، ووجوب أخذ ذلك عند إتمام عمرته، وبيان الفرق بينهما، وغير ذلك من البحوث المفيدة، وتكلمت في الغالب على بعض الأحاديث التي أوردها الفقهاء في المناسك والزيارة وهي غير صحيحة ولا حسنة، كما أني أرجح من الروايات والأقوال ما يوافق الدليل وإن خالف الصحيح من المذهب، مثل قول صاحب المنتهى والإقناع وغيرهما: إنه إذا أتى على رمي جمرة العقبة يستقبل القبلة مع أن الصحيح الذي تدل عليه السنة أنه يجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه وغير ذلك، وقد تعرضت في بعض المسائل لذكر الخلاف بين الأئمة لاسيما في فصل: ولا يجوز لمن أراد دخول مكة أو الحرم أو نسكاً تجاوز الميقات بغير إحرام؛ وفي باب الإحرام ومحظوراته، وباب الفدية، فإني قد سقت في ذلك مذاهب الأئمة أكثر مما سقته في غيره. هذا، وإني قد أسوق العبارة الصريحة في بيان المسألة ثم أعقبها بعبارة تؤيدها من المنتهى أو الإقناع أو غيرهما، ولم أتلفت إلى أن هذا يعد تكراراً لأن منه ما يحلو لزيادة الإيضاح. وقد دعاني إلى جمع هذا الكتاب قوله ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد

стр. 8

صالح يدعو له) ، وإن لم أكن أهلاً للإكرام فقد يكرم الطفيلي في محل الكرام. هذا، وإني أرجو من الواقف عليه والناظر فيه إن وجد فيه ما يوافق الحق والصواب فليبادر بالقبول ويتذكر يوم الحساب عند رب الأرباب، وإن عثر على شيء زلت فيه القدم أو سبق به القلم فليستحضر بقلبه أنه لم يسلم من الخطأ إلا رسول الله ﷺ سيد العرب والعجم، كما قيل: ومن ذا الذي ترضى سجاياها كلها ... كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه. وكما قيل: من يلتمس للناس عيباً يجد لهم ... عيوباً ولكن الذي فيه أكثر. وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعصمنا من الخطأ والزلل، ويحفظنا من التصنع بالقول والعمل، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وسبباً للفوز بجنات النعيم (يوم لا ينفع مالٌ ولا بنونَ إلا من أتى الله بقلبٍ سليمٍ) (وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيبُ) . وهذا أوان الشروع في المقصود بعون الله الملك المعبود، فأقول وبالله الاعتماد وهو الموفق للصواب والسداد.

стр. 9

-- كتاب المناسك: جمع منسك بفتح السين وكسرها، وهو التعبد، يقال تنسك: إذا تعبد وغلب إطلاقها على متعبدات الحج، والمنسك في الأصل: من النسيكة، وهي الذبيحة، قال تعالى: (إن صلاتي ونسكي) : أي ذبيحتي (ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له) . قال الجوهري: النسك بالإسكان: العبادة، وبالضم: الذبيحة، انتهى. واعلم أن الحج والعمرة يجبان بشروط خمسة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى والحج لغة: القصد إلى من تعظمه، وشرعاً: قصد مكة وعرفة لعمل مخصوص في زمن مخصوص والعمرة لغة: الزيارة، ويقال أعمره: إذا زاره. وشرعاً: زيارة البيت الحرام على وجه مخصوص، ووجوبهما بالكتاب والسنة. فأما الكتاب فقوله : (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) ، وقوله: (وأتموا الحج والعمرة لله) . وأما السنة فمنها ما في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا) ، ومنها حديث عائشة ﵂ قالت: (يا رسول الله هل على النساء من جهاد؟ قال: نعم عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة) . رواه أحمد وابن ماجة بإسناد صحيح، وإذا ثبت ذلك في حق النساء فالرجال أولى. والأخبار الواردة في فضله كثيرة مشهورة: فمنها ما في الصحيحين عن

стр. 10

أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور) . وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة والترمذي إلا أنه قال: (غفر له ما تقدم من ذنبه) . وعنه أن رسول الله ﷺ قال: (لعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) . رواه مالك والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة، وعن عائشة ﵂ قالت: (قلت يا رسول الله نرى الجهاد أفضل الأعمال أفلا نجاهد؟ فقال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور) . رواه البخاري وغيره. وابن خزيمة في صحيحه. ولفظه قالت: (قلت يا رسول الله هل على النساء من جهاد؟ قال: عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة) . وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تابعوا بين الحج والعمر فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة) . رواه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال أبو هريرة: حجة مبرورة تكفر خطايا سنة وغير ذلك من الأحاديث والآثار، وتجب العمرة على المكي أيضا، ونص الغمام أحمد على أنها لا تجب على المكي بخلاف غيره، قال الإمام أحمد: (كان ابن عباس يرى العمر واجبة ويقول: يا أهل مكة ليس عليكم عمرة إنما عمرتكم الطواف بالبيت) وهو من رواية إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف. قال شيخ الإسلام: والقول بوجوب العمرة على أهل مكة

стр. 11

قول ضعيف جداً مخالف للسنة الثابتة، ولهذا كان أصح الطريقين عن أحمد أن أهل مكة لا عمرة عليهم رواية واحدة، وفي غيرهم روايتان وهي طريقة أبي محمد المقدسي، وطريقة المجد أبي البركات في العمرة ثلاث روايات، ثالثها تجب على غير أهل مكة انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وعن الإمام أحمد ﵀ أن العمرة سنة وليست واجبة، روى ذلك عن ابن مسعود، وبه قالت المالكية والحنفية وشيخ الإسلام، فعلى هذه الرواية يجب إتمامها إذا شرع فيها، والمذهب وجوبها كما تقدم؛ ويروى ذلك عن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وغيره وهو أحد قولي الشافعي. وفرض الحج سنة تسع من الهجرة عند أكثر العلماء وقيل سنة عشر، وقيل ست، وقيل خمس، ولم يحج النبي ﷺ بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة وهي حجة الوداع، قال القاضي أبو يعلى: سميت بذلك لأنه ﷺ ودع الناس فيها، وقال: (ليبلغ الشاهد الغائب) ، أو لأنه لم يعد على مكة بعد انتهى؛ ولا خلاف بين العلماء أن حجة الوداع كانت سنة عشر من الهجرة وكان قارناً فيها. قال الإمام أحمد ﵀: لا أشك أنه ﷺ كان قارناً والمتعة أحب إليّ انتهى، واستدل بما روى أنس: (سمعت رسول الله ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعاً يقول لبيك عمر وحجاً) . متفق عليه، وقول الإمام أحمد والمتعة أحب إليّ، وذلك لأن النبي ﷺ تأسف فقال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى ولحللت معكم) ، ويأتي الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. والحج فرض كفاية كل عام على من لم يجب عليه عينا، نقله في الآداب الكبرى لابن مفلح عن الرعاية لابن حمدان. وقال هو خلاف ظاهر قول الأصحاب انتهى. قال الشيخ عثمان بن قائد النجدي: ويمكن

стр. 12

أن يقال: من لا يجب عليه الحج عيناً بأن يكون أدى حجة الإسلام فالحج في حقه بعد ذلك فرض كفاية باعتبار اندراجه في عموم المخاطبين بفرض الكافية فيعزم كل عام على الحج مع القدرة لو لم يحج غيره، وهو نفل في حقه أيضاً باعتبار خصوصه فيسن له العزم على الحج كل عام مع القدرة، فزيد مثلاً إذا كان أدى حجة الإسلام ثم رأى الناس تهيئوا للخروج إلى الحج فعزم على الخروج معهم كان عزمه وأخذه في الأسباب على سبيل النفلية ظاهراً، ثم إذا حج الجميع فمن كان منهم حجته حجة الإسلام فثوابه ثواب فرض العين، وغيره إن كان ممن دخل في عموم المخاطبين بفرض الكفاية أثيب كل فرد منهم ثواب فرض الكفاية لاستوائهم في مطلق أداء فرض الكفاية. وملخص هذا الحج في حق هذا القسم عند التوجه إليه فرض كفاية على العموم، نفل على الخصوص، وبعد فعل الحج يتبين أنهم قاموا بفرض الكفاية فيثابون على الخصوص ثواب فرض الكفاية، ومثل هذا يأتي في الصلاة على الميت ونحوها، فلا منافاة بين كلام الرعاية وغيرها لما علمت من ثبوت الاعتبارين المذكورين، وبهذا أيضاً يندفع ما أورده الشيخ خالد الأزهري في جمع الجوامع، والظاهر أيضاً سقوط فرض الكفاية بفرض العين لحصول المقصود مع كونه أعلى، هذا ما ظهر لي ولم أره مسطوراً انتهى. ولا يجب الحج والعمرة في العمر إلا مرة واحدة إلا لعارض نذر أو قضاء نسك، لما روى أبو هريرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: (يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجال: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال النبي ﷺ : لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم) . رواه أحمد ومسلم والنسائي. وعن ابن عباس قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال:

стр. 13

(يا أيها الناس كتب عليكم الحج، فقال الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: لو قلتها لوجبت. ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها، الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع. رواه أحمد والنسائي بمعناه. ووجوبهما على الفور نص عليه أحمد، فيأثم إن أخرهما بلا عذر بناء على أن الأمر المطلق عند الأصوليين للفور، ويؤيد خبر ابن عباس مرفوعاً قال: (تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا دري ما يعرض له) . رواه أحمد. قال شيخ الإسلام: الحج واجب على الفور عند أكثر العلماء انتهى. فإن قيل: لو كان واجباً على الفور لم يؤخره ﷺ ، قيل: أما تأخيره ﷺ هو وأصحابه الحج بناء على أن الحج فرض سنة تسع فيحتمل أنه كان في آخرها، أو لأنه أطلع نبيه ﷺ على أنه لا يموت حتى يحج فيكون على يقين من الإدراك. قال أبو زيد الحنفي، أو لاحتمال عدم الاستطاعة، أو حاجة خوف في حقه منعه من الخروج ومنع أكثر أصحابه خوفاً عليه. والصحيح أن الحج فرض سنة تسع كما تقدم وأن فرضه كان في آخرها، وأن آية فرضه هي قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً) وهي نزلت عام الوفود آخر سنة تسع وأنه ﷺ لم يؤخر الحج بعد فرضه عاماً واحداً، وهذا هو اللائق بهديه وحاله ﷺ . ويشترط للحج والعمرة خمسة شروط: أحدها الإسلام. الثاني العقل، وهما شرطان للوجوب والصحة، فلا يجب حج ولا عمرة على كافر ولو مرتداً لأنه ممنوع من دخول الحرم، وهو مناف له، ويعاقب الكافر على الحج والعمرة وعلى سائر فروع الإسلام كالصلاة والزكاة والصوم كالتوحيد إجماعاً، قال الشيخ عثمان بن قائد: أي لا يجب الحج والعمرة على الكافر وجوب أداء، وأما وجوب

стр. 14

الخطاب فثابت، وهذا مبني على الصحيح عند الأصوليين من خطاب الكفار بالفروع انتهى. ولا يجب الحج والعمرة عليه باستطاعته في حال ردته فقط بأن استطاع زمن الردة دون زمن الإسلام لأنه ليس من أهل الوجوب زمن الردة، ولا تبطل استطاعته في إسلامه بردته، بل يثبت الحج في ذمته إذا عاد للإسلام، وإن حج واعتمر ثم ارتد ثم أسلم وهو مستطيع لم يلزمه حج ولا عمرة لأنهما إنما يجبان في العمر مرة واحدة وقد أتى بهما في حين إسلامه، وردته بعد الإتيان بهما لا تبطلهما إذا عاد إلى الإسلام كسائر عباداته. ولا يصح الحج والعمرة من الكافر ولو مرتداً، لأن كلا من الحج والعمرة عبادة من شرطها الإسلام، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط، ويبطل إحرامه ويخرج منه بردته فيه لقوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك) . ولا يجب الحج والعمرة على المجنون لحديث (رفع القلم عن ثلاثة) الحديث، ولا يصحان منه إن عقده بنفسه أو عقده له وليه كالصوم، وإنما صح من الصغير دون التمييز إذا عده له وليه للنص الوارد في ذلك، ولا تبطل استطاعته بجنونه فيحج عنه، ولا يبطل إحرامه بالجنون إذا أحرم وهو عاقل ثم جن بعد إحرامه كالصوم لا يبطل بالجنون، ولا يبطل الإحرام بالإغماء والموت، والسكر كالنوم. الشرط الثالث البلوغ. الرابع كمال الحرية، وهما شرطان للوجوب والإجزاء فقط دون الصحة، فلا يجب الحج ولا العمرة على الصغير لأنه غير مكلف، ولا على قن لأن مدتهما تطول فلم يجبا عليه؛ لما فيه من إبطال حق السيد، وكذا مكاتب ومدبر، وأم ولد ومعتق بعضه ومعلق عتقه بصفة، ويصح الحج والعمرة منهم لحديث ابن عباس (أن امرأة رفعت إلى النبي ﷺ صبياً فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر) . رواه مسلم. والقن من أهل العبادة فصح

стр. 15

منه الحج والعمرة كالحر، وقد نظم الشيخ عثمان بن قائد النجدي شروط وجوب الحج والعمرة في بيتين فقال رحمه الله تعالى: الحج والعمرة واجبان ... في العمر مرة بلا تواني بشرط إسلام كذا حرية ... عقل بلوغ قدرة جلية. فقوله في البيت بلا توانٍ إشارة إلى أن وجوبهما بالشروط المذكورة على الفور، فيأثم إن أخرهما بلا عذر، وقوله قدرة جلية إشارة إلى الاستطاعة، والله أعلم. ويجزئ الحج والعمرة كافراً أسلم وهو حر مكلف ثم أحرم بحج قبل دفع من عرفه أو بعده إن عاد فوقف في وقته، أو أحرم بعمرة ثم طاف وسعى لها، أو أفاق من جنون وهو حر مكلف بالغ ثم أحرم بحج أو عمرة وفعل ما تقدم. ولا يجزئ حج الصغير والقن والمكاتب والمدبر وأم الولد والمعتق بعضه والمعلق عتقه بصفة عن حجة الإسلام، إلا أن يبلغ الصغير وهو حر مسلم عاقل محرماً، أو يعتق القن المكلف ونحوه محرماً قبل الدفع من عرفة أو بعده قبل فوات وقت الوقوف إن عاد إلى عرفة فوقف قبل طلوع فجر يوم النحر، ويلزمه العود إلى عرفة في وقت الوقوف إن أمكنه العود لوجوب الحج على الفور ما لم يكن أحرم مفرداً أو قارناً وسعى فيه بعد طواف القدوم فلا يجزئه على الأصح، قال في الإقناع وشرحه: ولو سعى قن أو صغير بعد طواف القدوم وقبل الوقوف والعتق والبلوغ وقلنا السعي ركن وهو المذهب لم يجزئه الحج عن حجة الإسلام لوقوع الركن في غير وقت الوجوب، أشبه ما لو كبر للإحرام ثم بلغ، فعلى هذا لا يجزئه ولو أعاد السعي بعد البلوغ والعتق لأنه لا يشرع مجاوزة عدده ولا تكراره وخالف الوقوف من حيث إنه إذا بلغ أو أعتق بعده وأعاده في وقته يجزئه، إذ استدامته مشروعة ولا قدر له محدود ما دام وقت الوقوف باقيا، وقيل يجزئه إذا أعاد السعي

стр. 16

لحصول الركن الأعظم وهو الوقوف وتبعية غيره له، ولا تجزئ العمرة من بلغ أو عتق في طوافها وإن أعاده وفاقاً انتهى. ومعنى قوله ولا قدر له محدود أن الوقوف بعرفة يكفي ولو لحظة فلا يقدر بساعة أو ساعتين ونحو ذلك، قال الشيخ مرعي في الغاية: ويتجه الصحة ولو بعد سعي إن فسخ حجة إلى عمرة ولم يسق هديا أو يقف بعرفة كما يأتي انتهى. قلت ما ذكره صاحب الغاية من الاتجاه واضح لا غبار عليه كما يأتي أنه يسن للمفرد والقارن الفسخ إذا لم يسوقا هديا أو يقفا بعرفة، وحينئذ إذا فسخ حجة إلى عمرة صح ذلك بل الفسخ سنة ولكن لو لم يفسخ حجة إليها، فالذي ينبغي أن يقال به هو القول بالإجزاء إذا أعاد السعي، وإن حكى بصيغة التمريض وخالف الصحيح من المذهب، لحديث (الحج عرفة) والله أعلم. ومتى أمكنه العود إلى عرفة في وقت الوقوف فلم يفعل استقر الوجوب عليه سواء كان مؤسراً أو معسراً، لأن ذلك وجب عليه بإمكانه في موضعه فلم يسقط بفوات القدرة بعده. ولا تجزئ عمرة الصغير والقن والمكاتب والمدبر وأم الولد والمبعض والمعلق عتقه بصفة عن عمرة الإسلام إلا أن يبلغ الصغير أو يعتق القن ونحوه في العمرة محرماً قبل الشروع في طوافها فتجزئهم عن عمرة الإسلام إذا طاف وسعى لها. قال ابن رجب في القاعدة السادسة عشرة: ومنها إذا بلغ الصبي أو عتق العبد وهما محرمان قبل فوات وقت الوقوف فهل يجزئهما عن حجة الإسلام؟ على روايتين أشهرهما الإجزاء، فقيل لأن إحرامهما انعقد مراعي لأنه قابل للنقل والانقلاب. وقيل بل يقدر ما مضى منه كالمعدوم ويكتفي بالموجد منه. وقيل إن قلنا الإحرام شرط محض كالطهارة للصلاة اكتفى بالموجود منه، وإن قيل هو ركن لم يكتف به انتهى. قال في المنتهى وشرحه: ويكون من بلغ محرماً وقن عتق محرماً

стр. 17

كمن أحرم إذاً: أي بعد بلوغه وعتقه لأنها حال تصح لتعيين الإحرام كحال ابتداء الإحرام وإنما يعتد بإحرام ووقوف موجودين، إذا: أي حال البلوغ والعتق وما قبله تطوع لم ينقلب فرضا. قاله الموفق ومن تابعه وقدمه في التنقيح. وقال جماعة منهم صاحب الخلاف والانتصار والمجد وغيرهم: ينعقد إحرام الصغير والقن موقوفا، فإذا تغيرت حاله إلى بلوغ أو حرية تبين فرضيته: أي الإحرام كزكاة معجلة انتهى. قلت لعل من فائدة الخلاف زيادة أجر الفرض على النقل، والله أعلم. قال الشيخ مرعي في الغاية: ويتجه لو حج وفي ظنه أنه صبي أو قن فبان بالغاً أو حرا أنه يجزئه انتهى. -- فصل: ويصح الحج والعمرة من صغير ذكر أو أنثى ولو ولد لحظة، فإن كان مميزاً أحرم بإذن وليه، وإن لم يكن مميزاً أحرم عنه وليه فيصير الصغير محرماً بذلك، وهو مذهب المالكية والشافعية. وقالت الحنفية: لا ينعقد إحرام الصبي ولا يصير محرماً بإحرام وليه، لأن الإحرام سبب يلزم به حكم فلم يصح من الصبي كالنذر، ودليل من قال بالصحة حديث ابن عباس: (أن امرأة رفعت إلى النبي ﷺ صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر) . رواه مسلم. قال في المنتهى وشرحه: ويُحرم ولي في مال عمن لم يميز لتعذر النية منه، وولي المال الأب أو وصيه أو الحاكم، وظاهره لا يصح من غيرهم بلا إذنهم. قلت إن لم يكن ولي فمن يلي الصغير يعقد له كما ذكره في الإقناع وغيره في قبول زكاة وهبة انتهى. قال الشيخ محمد الخلوتي: وهذا ظاهر قوله ﷺ : (نعم ولك أجر) حيث لم يستفصل فيسأل هل له أب حاضر أو لا؟ انتهى. قال الموفق في المغني: فإن أحرمت عنه أمه صح لقول النبي

стр. 18

صلى الله عليه وسلم: (ولك أجر) ولا يضاف الأجر إليها إلا لونه تبعاً لا في الإحرام، قال الإمام أحمد في رواية حنبل: يحرم عنه أبوه أو وليه واختاره ابن عقيل، وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه لا يحرم عنه إلا وليه، لأنه لا ولاية للأم على ماله، والإحرام يتعلق به إلزام مال فلا يصح من غير ذي ولاية كشراء شيء له، فأما غير الأم والولي من الأقارب كالأخ والعم وابنه فيخرَّج فيهم وجهان بناء على القول في الأم. أما الأجانب فلا يصح إحرامهم عنه وجهاً واحداً انتهى ملخصاً؛ ومعنى إحرام الولي عنه، نيته لإحرام له فيجرده كما يجرد الكبير نفسه، ويعقد له الإحرام، ويصير الصغير محرماً سواء كان الولي محرماً أو حلالاً ممن عليه حجة الإسلام، أو ممن كان قد حج عن نفسه، ولأن الولي يعقد له النكاح ولو كان مع الولي أربع نسوة، ويقع إحرام الصغير لازما، وحكمه كالمكلف نصاً، قال في الغاية وشرحها: ويتجه احتمال قوي الصحة لو أحرم الولي عن نفسه وعن موليه الغير المميز معاً، كما لو جعل لكل إحراماً على حدته وهو متجه انتهى. وعليه فيقول: أدخلت نفسي وهذا الصغير في نسك كذا ونحو ذلك، ويعايا بها فيقال: شخص يصح أن يحرم عن غيره بالحج في حال إحرامه عن نفسه، ويجاب عنها فيقال هذا في الولي فإنه يصح أن يحرم عن الطفل المولى عليه ولو كان الولي محرماً، والله أعلم. ويحرم مميز بإذن الولي عن نفسه لأنه يصح وضوءه فيصح إحرامه كالبالغ، وليس لولي المميز تحليله إذا أحرم كالبالغ. ولا يصح إحرام المميز بغير إذن وليه لأنه يؤدي إلى لزوم ما لم يلزم فلم ينعقد بنفسه كالبيع؛ ولا يحرم الولي عن المميز لعدم الدليل على ذلك وكل ما أمكن الصغير، مميزاً كان أو دونه، فعله بنفسه كالوقوف بعرفة والمبيت

стр. 19

بمزدلفة وليالي منى لزمه فعله؛ بمعنى أنه لا يصح أن يفعل عنه لعدم الحاجة إليه، لا بمعنى أنه يأثم بتركه لأنه غير مكلف سواء أحضره الولي فيهما، أعني الوقوف والمبيت أو غير الولي أو لم يحضره أحد، ويفعل ولي بنفسه أو نائبه عن مميز وغيره ما يعجزهما من أفعال حج وعمرة، لكن لا يبدأ ولي أو نائبه في رمي جمرات إلا بنفسه كنيابة حج، فإن بدأ برمي عن موليه وقع عن نفسه إن كان محرماً بفرضه، كمن أحرم عن غيره وعليه حجة الإسلام، قال في المغني: ولا يجوز أن يرمي عنه إلا من قد رمى عن نفسه لأنه لا يجوز أن ينوب عن الغير وعليه فرض نفسه، قال في المنتهى وشرحه: لكن لا يبدأ ولي في رمي جمرات إلا بنفسه كنيابة حج، فإن رمى عن موليه وقع عن نفسه إن كان محرماً بفرضه انتهى. قال الشيخ محمد الخلوتي على قول صاحب المنتهى لكن لا يبدأ في رمي إلا بنفسه: أي فيما إذا كان حج فرض كما قيد به في شرحه، قال في الإقناع وشرحه: وما عجز عنه الصغير فعله عنه الولي لكن لا يجوز أن يرمي عنه: أي عن الصغير إلا من رمى عن نفسه كما في النيابة في الحج إن كان الولي محرماً بفرضه، قاله في المبدع وشرح المنتهى، وإن رمى عن الصغير أولا وقع الرمي عن نفسه كمن أحرم عن غيره وعليه حجة الإسلام، انتهى ملخصاً. قلت: يفهم من كلامهم أنه إذا كان الولي محرماً بنفل الحج أنه يجوز له أن يرمي عن موليه قبل رميه عن نفسه، ويقاس عليه النائب في رمي الجمار إذا رمى عن مستنيبه قبل نفسه إذا كان النائب محرماً بنفل الحج، ويأتي البحث في ذلك مستوفى عند ذكر رمي الجمار، والله الموفق للصواب. قال الشيخ مرعي في الغاية: ويتجه أنه لا يصح رمي عن صغير من غير موليه كما لا يصح الإحرام من غيره عنه وتقدم وهو متجه، قال شارح الغاية أو من أذن له الولي كبقية أفعال الحج انتهى. وهو

стр. 20

صريح في كلامهم حيث قالوا ويفعل ولي صغير ومميز بنفسه أو نائبه ما يعجزهما من أفعال الحج، قال الموفق في المغني: قال الإمام أحم يرمي عن الصبي أبواه أو وليه انتهى. وكان ابن عمر ﵄ يحج بصبيانه وهم صغار فمن استطاع منهم أن يرمي رمى، ومن لم يستطع أن يرمي، رمى عنه، وإن كان الولي حلالاً لم يعتد برميه لأنه لا يصح منه لنفسه رمى، فلا يصح عن غيره، ومعنى هذا أنه لا يعتد برمي الحلال وهو من لم يحج في هذه السنة التي رمى فيها لأنه غير متلبس بعبادة الحج في هذه السنة فلم يكن صالحاً لأدائها ولا شيء منها ولذا لم يصح منه الرمي عن نفسه لكونه لم يحج، وإذا لم يصح منه عن نفسه فعن غيره من باب أولى، هذا ما ظهر لي، والله أعلم. ولا يرد عليه إحرام الولي عمن لم يميز حيث كان يصح إحرامه عنه ولو كان حلالاً، لأنا نقول إذا عقد الولي الإحرام للصغير صار الصغير محرماً كما تقدم قريباً، وإن أمكن الصبي أن يناول النائب الحصا ناوله إياه وإلا استحب أن توضع الحصاة في كفه ثم تؤخذ فترمى عنه، فإن وضعها النائب في يده ورمى بها عنه فجعل يده كالآلة فحسن ليوجد منه نوع عمل، وإن أمكن الصغير أن يطوف ماشياً فعله كالكبير وإلا طيف به محمولاً أو راكباً كالمريض، ويجوز وإن لم يكن الطفل طاهراً لأن طهارته ليست شرطاً لصحة طوافه، فيعايا بها فيقال: شخص صح طوافه بلا طهارة ولا تيمم من غير عجز عن استعمال ذلك ولا عدم، ولا فرق بين أن يكون الحامل له حلالا أو حراماً ممن أسقط الفرض عن نفسه أولاً جعلاً للحامل له بمنزلة المركوب ولوجود الطواف من الصبي كمحمول مريض، ولم يوجد من الحامل إلا النية كحالة الإحرام بخلاف الرمي. وتعتبر النية من الطائف به، فإن لم ينو الطواف عن الصبي لم يجزئه، قال في الإقناع: وتعتبر النية

стр. 21

من الطائف به، قال الشيخ منصور: ولعله إذا كان دون التمييز وإلا فلا بد من النية منه كالإحرام انتهى. قال في المنتهى: ويعتبر نية طائف به انتهى، قال الشيخ محمد الخلوتي: لعله في غير المميز على قياس الإحرام، وعلى قياسه أيضاً أنه إذا كان مميزاً يأتي به لنفسه بنيته بإذن وليه انتهى. ويعتبر كونه ممن يصح أن يعقد له الإحرام بأن يكون وليه أو نائبه لأن الطواف تعتبر له النية فلما تعذرت من الصغير اعتبرت ممن له النيابة عنه بالشرع، بخلاف الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ومنى، فإن نوى الطائف بالصغير الطواف عن نفسه وعن الصبي وقع الطواف عن الصبي كالكبير يطاف به محمولاً لعذر، لأن الطواف فعل واحد لا يصح وقوعه عن اثنين، ونفقه الحج التي تزيد على نفقة الحضر وكفارته في مال وليه إن كان وليه أنشأ السفر به تمريناً على الطاعة لأنه السبب فيه وكما لو أتلف مال غيره بأمره قال ابن عقيل، ولا حاجة إلى التمرن على الحج لأنه لا يجب في العمر إلا مرة واحدة وقد لا يجب إذا فقدت شروطه أو أحدهما. وأما نفقة الحضر، ففي مال الصبي بكل حال لأنه لا بد له منها مقيماً كان أو مسافراً، وأما سفر الصبي مع الولي للتجارة أو الخدمة أو إلى مكة ليستوطنها أو ليقيم بها لعلم أو غيره مما يباح للولي السفر بالصبي في وقت الحج وغيره ومع الإحرام وعدمه، فلا نفقة على الولي بل هي على الصبي قال في المبدع رواية واحدة، وعمد صغير وعمد مجنون لمحظور خطأ لا يجب فيه إلا ما يجب في خطأ المكلف أو في نسيانه لعدم اعتبار قصدهما فلا يجب بفعلهما شيء إلا فيما يجب على المكلف في خطأ ونسيان كإزالة الشعر وتقليم الظفر وقتل الصيد والوطء، بخلاف الطيب ولبس المخيط وتغطية الرأس. قال الشيخ الخلوتي: أي إذا طرأ جنونه بعد إحرامه وإلا فسيأتي أن الإحرام لا ينعقد مع الجنون ولا الإغماء

стр. 22

ولا السكر انتهى. قلت: يأتي ذلك في باب الإحرام وتقدم شيء منه، وإن فعل الولي بهما فعلاً لمصلحة كتغطية رأس الصغير أو المجنون المحرم لبرد أو حر أو تطيبه لمرض أو حلق رأسه لأذى، فكفارته على الولي إذا كان الولي أنشأ السفر به تمرينا على الطاعة، أما لو سافر به لتجارة ونحوها فهي في مال الصبي كما لو فعله الصبي نفسه، هذا مقتضى ما نقله في الفروع والمبدع، وشرح المنتهى لمؤلفه الفتوحي عن المجد واقتصروا عليه، فأما إن فعله الولي لا لعذر فكفارته عليه بكل حال كمن حلق رأس محرم بغير إذنه، قال في المنتهى وشرحه: وإن وجب في كفارة على ولي بأن أنشأ السفر به تمرينا على الطاعة صوم صام الولي عنه لوجوبها عليه ابتداء كصوم عن نفسه، وعلم منه أن الكفارة لو لم تجب على الولي ودخلها صوم لم يصم الولي، لأن الواجب بأصل الشرع لا تدخله النيابة انتهى. قال الشيخ منصور في حاشيته على المنتهى: قوله وإن وجب في كفارة على ولي إلى آخره، يعني إذا وجبت الكفارة على الولي لكونه أنشأ السفر به تمرينا على الطاعة وكان فيها صوم فللولي الصوم لوجوبها عليه ابتداء كصومه عن نفسه، وعلم منه أنه لا يصوم في كفارة عن الصبي حيث وجبت عليه لأن الواجب بأصل الشرع لا تدخله النيابة كما مر، هذا مفهوم كلامه في الفروع. وعبارة التنقيح وتبعه في الإقناع: وإن وجب في كفارة صوم صام الولي فعمومه يتناول ما إذا كانت الكفارة على الولي أو الصبي، وهل هو مراد لكون الصوم إذاً من توابع الحج فتدخله النيابة تبعاً كركعتي الطواف، ويكون مخالفاً لكلام الفروع كما هو مقتضى قوله، يعني صاحب التنقيح في أول خطبته: وإن وجدت فيه شيئاً مخالفاً لأصله أو غيره فاعتمده فإنه وضع عن تحرير أوْ لا لكونه جزم في الإنصاف بما قاله في الفروع غير حاكٍ فيه خلافاً، ولعل

стр. 23

هذا هو حكمة عدول المصنف، يعني الشيخ محمد بن أحمد الفتوحي في المنتهى عما في التنقيح مع كونه التزمه أولاً انتهى. قال الشيخ محمد الخلوتي في حاشية المنتهى: قوله وإن وجب في كفارة إلى آخره هذه العبارة تبع المصنف فيها ظاهر كلام الفروع وهو مخالف لظاهر عبارة التنقيح، وعبارته في التنقيح: وإن وجب في كفارة صوم صام الولي وتبعه في الإقناع في التعبير، وكل من العبارتين مشكل، أما الأولى فلما فيها من التناقض بحسب الظاهر لأن صدرها يقتضي أن الكفارة استقرت على الولي، وقوله عنه يقتضي أنها وجبت على مَوليه، وأما الثانية فلأن إطلاقها يقتضي أنه متى وجب في الكفارة صوم سواء كانت وجبت على الولي أو الصغير لزم الولي الصوم، فيقتضي أن ما وجب في الصوم بأصل الشرع تدخله النيابة. فإن قلت: أي العبارتين أولى؟ قلت: الأولى. ويجاب عن التناقض اللازم عليها بأن قوله صام عنه ليس لكون الكفارة استقرت على الصبي بل لكون الوجوب جاء من جهته لأن أصل الفعل عنه، وبأن الضمير في عنه راجع للواجب لا للصغير وإن كان هذا خلال حل شيخنا، يعني خاله الشيخ منصوراً في شرحه. وعبارة المبدع، فإذا وجبت على الولي ودخل فيها الصوم فصومها عن نفسه انتهى. وهي معينة للمراد من عبارة المصنف، يعني صاحب المنتهى، ولو أسقط يعني صاحب المنتهى لفظ عن لكان أظهر للمراد انتهى كلام الخلوتي. قال الشيخ عثمان بن قائد في حاشية المنتهى: قوله صام عنه؛ المتبادر من عبارته أن الصوم عن الصغير، وهو مناقض لقوله وجب على ولي. والحاصل أن صوم كفارة واجبة على ولي واجب على الولي، وصوم كفارة في مال الصبي واجب على الصبي إذا بلغ كما ذكره منصور. وفي المبدع: متى دخل في الكفارة اللازمة للولي صوم صام عن نفسه، وهي ظاهرة لا غبار

стр. 24

عليها فيتعين حمل ما نهى على ذلك بأن يراد بقوله عنه: أي عن ذلك الواجب، اللهم إلا أن يقال معنى كونه عن الصغير أن الوجوب إنما جاء من جهته فنسب إليه، وفي التنقيح والإقناع وإن وجب في كفارة صوم صام الولي وفيها عموم غير مراد بقرينة أنه جزم في الإنصاف بما قاله في الفروع الذي جزم به المصنف، يعني صاحب المنتهى هنا غير حاك فيه خلافاً، قال منصور: ولعل هذا حكمة عدول المصنف عما في التنقيح مع كونه التزمه أولاً فما هنا أولى من عبارتهما على ما فيه فتأمل انتهى كلام عثمان. قال الشيخ منصور في شرح الإقناع بعد كلام سبق: وعلى هذا لو كانت الكفارة على الصبي ووجب فيها صوم لم يصم الولي عنه بل يبقى في ذمته حتى يبلغ. فإن مات أطعم عنه كقضاء رمضان وهذا مقتضى كلامه أيضاً في المبدع وشرح المنتهى لمؤلفه. انتهى كلام الشيخ منصور وفي الغاية للشيخ مرعي: وإن وجب في كفارة مطلقاً صوم صام ولي خلافا للمنتهي في تفصيله، إذ الصوم لا يصح ممن لم يميز ومن مميز نفل انتهى. قال الشيخ سليمان بن علي في منسكه: وإن وجب في كفارة صوم صام ولي إذ الصوم من الطفل لا يصح ومن المميز نفل انتهى. تبنيه: تبين من العبارات المتقدمة حصول الخلاف في هذه المسألة فصاحب الفروع والإنصاف فيه والمبدع والمنتهى وشرحيه للمؤلف ومنصور. وحاشية الشيخ منصور على المنتهى وشرحه على الإقناع، والشيخ محمد الخلوتي في حاشيته على المنتهى، والشيخ عثمان بن قائد النجدي في حاشيته على المنتهى يرون أنه إذا وجبت الكفارة على الولي ودخلها صوم صام الولي، وإن وجبت الكفارة على الصبي فلا يصوم الولي عنه؛ وأما صاحب التنقيح فيه وصاحب الإقناع والغاية وسليمان بن علي فيرون أنه إذا وجب في كفارة صوم صام الولي

стр. 25

سواء كانت الكفارة على الولي أو الصبي. فإن قيل: أي القولين أولى؟ قلت الأول. ويكون حكم المسألة في هذا كما قاله الشيخ منصور حيث قال: وعلى هذا لو كانت الكفارة على الصبي ووجب فيها صوم لم يصم الولي عنه بل يبقى في ذمته حتى يبلغ، فإن مات أطعم عنه كقضاء رمضان انتهى كلام منصور، والله أعلم. ووطء الصبي كوطء البالغ ناسياً، فإن كان قبل التحلل الأول أفسد حجه وإلا فلا ويمضي في فاسده ويلزمه القضاء بعد البلوغ نصاً، ويعايا بها فيقال: صبي مميز كلفناه بالحج في صباه مع أنه لا يصح إلا بعد البلوغ ويجاب عنها فيقال: هذا فيما إذا أحرم بالحج بإذن وليه ثم أفسده بالجماع فإنه يلزمه القضاء لكن لا يصح إلا بعد البلوغ في المنصوص، فلو قضاه قبل بلوغه لم يصح نص عليه لأنه إفساد لإحرام لازم وذلك يقتضي وجوب القضاء، ونية الصبي تمنع التكليف بفعل العبادات البدنية لضعفه عنها، ونظير ذلك وجود الاحتلام أو الوطء من المجنون، فإنه يوجب الغسل عليه لوجود سببه ولا يصح منه إلا بعد الإفاقة لفقد أهليته للغسل في الحال. وكذا الحكم إذا تحلل الصبي من إحرامه لفوات وقت الوقوف فإن يقتضيه إذا بلغ، وفي الهدي التفصيل السابق أو تحلل الصبي لإحصار، وقلنا يجب القضاء يقضيه إذا بلغ والفدية على ما سبق، ويأتي أن المحصر لا يلزمه قضاء، لكن إذا أراد الصبي القضاء، بعد البلوغ لزمه أن يقدم حجة الإسلام على المقضية كالمنذورة، فلو خالف وقدم المقضية على حجة الإسلام فهو كالحر البالغ يحرم قبل الفرض بغيره فينصرف نفله إلى حجة الإسلام ثم يقضي بعد ذلك، ومتى بلغ الصبي في الحجة الفاسدة التي وطيء فيها في حال يجزئه عن حجة الفرض لو كانت صحيحة بأن بلغ وهو بعرفة أو بعده وعاد فوقف في وقته ولم يكن سعى

стр. 26

بعد طواف القدوم لحجة أو قرانه فإنه يمضي في تلك الحجة التي بلغ في أثنائها ثم يقضيها فوراً ويجزئه ذلك الحج القضاء عن حجة الإسلام والقضاء كما يأتي نظيره في العبد، أما إن كان قد سعى بعد طواف القدوم، فقد تقدم في الشرط الثالث من شروط الحج الكلام في ذلك فراجعه إن أردت، وذكر الموفق في المغني وجهاً أن الصبي لا يجب عليه القضاء إذا أفسد حجه لئلا تجب عبادة بدنية على من ليس من أهل التكليف، وهذا الوجه وجيه، والله أعلم. -- فصل: ويصح الحج والعمرة من قن ذكر أو أنثى صغير أو كبير على ما تقدم في الصغير الحر لعدم المانع، ويلزمان القن البالغ بنذره لهما، أما الصغير فلا ينعقد نذره، ولا يجوز أن يحرم قن بنذر ولا نفل، ومثله مدبر وأم ولد، ولا أن تحرم زوجة بنفل حج أو عمرة إلا بإذن سيد وزوج لتفويت حقهما بالإحرام، فإن عقد القن والمرأة الإحرام بنفل بلا إذن سيد وزوج، فللزوج والسيد تحليلهما ويكونان كمحصر، ويأثم من لم يمتثل من قن وزوجه، وله وطء زوجته وأمته إذا أحرمتا بلا إذنه إذا أمرهما بالتحلل وخالفتا، ولا يجوز لزوج وسيد تحليلهما مع إذن لهما في إحرام لوجوبه بالشروع، ويصح من زوج وسيد رجوع في إذن بإحرام قبل إحرامهما، ومتى علما برجوع امتنع عليهما الإحرام كما لو لم يأذن الزوج والسيد وإلا فالخلاف في عزل الوكيل قبل علمه بعزل موكله له: والمذهب أنه ينعزل فيكون الحكم هنا كما لو لم يأذنا، قال الشيخ عثمان النجدي: فله التحليل إذاً وإن لم يعلم من أحرم بالرجوع انتهى. ولا يصح رجوع في إحرام بعد إذن فيه وبعد إحرام للزومه، ولا يجوز لزوج وسيد تحليل زوجة وقن أحرما بنذر أذن

стр. 27

فيه زوج وسيد للقن والزوجة، فإن لم يأذنا في الإحرام بالنذر فللسيد تحليل قنه مننه، وليس للزوج تحليل زوجته منه لوجوبه عليها كالواجب بأصل الشرع، ولا يمنع زوج زوجته من فرض كملت شروطه ونفقتها عليه كقدر نفقة الحضر وما زاد فمن مالها، ويستحب لها استئذانه فإن أذن وإلا حجت بمحرم، فلو لم تكمل شروطه فله منعها من الخروج إليه ومن الإحرام به لتفويتها حقه فيما ليس بواجب عليها. قال الشيخ عثمان: فلو لم تكمل شروط الوجوب بل شروط الإجزاء أعني سوى الاستطاعة بدليل أنه لو كان نفلا في حق غير المستطيعة لملك تحليلها، والحاصل أنه متى أحرم الحر المسلم المكلف غير المستطيع فإنه يلزمه المضي فيه ويجزئه ذلك عن حجة الفرض بحيث أنه لو استطاع بعد ذلك لم تلزمه إعادته، رجلاً كان أو امرأة انتهى. ويأتي أن الاستطاعة شرط للوجوب فقط لا للصحة والإجزاء، وإن أحرمت بحج الفرض الذي لم تكمل شروطه بلا إذنه لم يملك تحليلها لوجوب إتمامه بشروعها فيه، وليس للزوج منعها من العمرة الواجبة إذا كملت شروطها ولا تحليلها منها إذا أحرمت بها وإن لم تكمل شروطها لوجوبها بالشروع فيها كالحج. ومن أحرمت بواجب حج أو عمرة بأصل الشرع أو النذر فحلف زوجها ولو بالطلاق الثلاث لا تحج العام لم يجز أن تحل من إحرامها للزومه ويقع عليه الطلاق، وتصير في هذه الحال بلا محرم، إن لم يكن معها غيره ممن يصلح أن يكون محرماً لها، وإن أفسد قن حجه بوطء فيه قبل التحلل الأول مضى في فاسده وقضاه كحر، ويصح القضاء من قن مكلف في رقه لأنه وجب فيه فصح كالصلاة والصيام بخلاف حجة الإسلام، وليس لسيده منعه من قضاء إن كان شرع فيما أفسده من حج أو عمرة بإذنه، لأن إذن السيد فيه إذن في موجبه، ومن موجبه قضاء ما أفسده على الفور، فإن لم يكن

стр. 28

بإذن السيد فله منعه منه كالنذر، وإن عتق القن قبل أن يأتي بالقضاء لزمه أن يبتدئ بحجة الإسلام لأنها آكد، فإن خالف فبدأ بالقضاء فحكمه كالحر يبدأ بنذر أو غيره قبل حجة الإسلام فيقع عن حجة الإسلام ثم يقضي في القابل، قال في المنتهى وشرحه: وإن عتق قن في الحجة الفاسدة أو بلغ الحر في الحجة الفاسدة وكان عتقه أو بلوغه في حال تجزئه عن حجة الفرض لو كانت الحجة الفاسدة صحيحة مضى فيها كالحر وقضاها وأجزأته حجة القضاء عن حجة الإسلام وحجة القضاء لأن القضاء يحكي الأداء انتهى. فقوله في حال تجزئه عن الفرض: أي بأن كان ذلك قبل الدفع من عرفة أو بعده وعاد ووقف في وقت الوقوف ولم يكن سعى بعد طواف القدوم لحجه أو قرانه كما مر، أما إن بلغ بعد الوقوف ولم يقف ثانياً فإنه لا تجزئه حجة القضاء عن حجة الإسلام والقضاء؛ قال المحب بن نصر الله البغدادي: وإذا لم تجزئه فليس له فعل حجة القضاء قبل حجة الإسلام فإن أحرم بالقضاء انصرف إلى حجة الإسلام ويبقى القضاء في ذمته كالعبد إذا أفسد حجته ثم عتق فإنهم ذكروا ذلك فيهما، انتهى كلام ابن نصر الله. وقن في جنايته بفعل محظور في إحرامه كحر معسر في الفدية بالصوم، فإن مات العبد ولم يصم ما وجب عليه فيسن لسيده أن يطعم عنه كما ذكروه في قضاء رمضان ولا يصوم عنه، وإن تحلل القن لحصر عدو منعه من الحرم أو حلله سيده لعدم إذنه له لم يتحلل قبل الصوم كحر أحصر وأعسر فيصوم عشرة أيام بنية التحلل ثم يتحلل، وليس للسيد منع القن من الصوم نص عليه لوجوبه بأصل الشرع فهو كرمضان، وإن أفسد قن حجة بأن وطيء فيه قبل التحلل الأول صام عن البدنة عشرة أيام كالحر المعسر، وكذا إن تمتع قن أو قرن أو أفسد عمرته صام عن الدم عشرة أيام: ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع لأنه لا مال له، وحكم

стр. 29

المدبر والمكاتب والمعلق عتقه بصفة والمبعض حكم القن فيما ذكره، ومشترى القن المحرم كبائعه في تحليله إن كان أحرم بلا إذن بائعه وفي عدمه إن كان أحرم بإذنه، وللمشتري فسخ البيع إن لم يعلم بإحرام القن لما فيه من تفويت منافعه عليه مدة الحج ولم يملك المشتري تحليله إن كان إحرامه بإذن البائع، فإن ملك مشتر تحليله بأن كان أحرم بلا إذن البائع فلا فسخ لأن إبقاءه في الإحرام كإذنه له فيه ابتداء وكذا لا فسخ للمشتري إن علم أنه محرم. -- فصل: وليس للوالدين منع ولدهما من حج الفرض والنذر ولا تحليله منه، ولا يجوز للولد طاعتهما في ترك الحج الواجب أو التحلل منه، وكذا كل ما وجب كصلاة الجماعة والجمع والسفر للعلم الواجب لأنها فرض عين فلا يعتبر إذن الأبوين فيها كالصلاة، ولكل من أبوي حر بالغ حرين منع ولدهما البالغ من إحرام بنفل حج أو عمرة كمنعه من نفل جهاد للإخبار، وأما ما يفعله في الحضر من نفل نحو صلاة وصوم فلا يعتبر فيه إذن وتجب طاعتهما في غير معصية. قال في المستوعب وغيره ولو كانا فاسقين وهو ظاهر إطلاق أحمد. قال في الإنصاف وظاهر رواية المرودي لا طاعة لهما في مكروه وظاهر رواية جماعة لا طاعة لهما في ترك مستحب. وقال المجد وتبعه ابن تميم: لا يجوز منع ولده من سنة راتبة. قال شيخ الإسلام: تجب طاعتهما فيما فيه نفع لهما ولا ضرر عليه ولو شق. قال الشيخ مرعي في الغاية: ووقع خُلف في المباح، فقيل يلزمه طاعتهما ولو كانا فاسقين فلا يسافر إلا بإذنهما، ويتجه صحة هذا في سفر وفي كل ما يخافان عليه منه انتهى. ولا يحللان ولدهما البالغ إذا أحرم بحج التطوع لوجوبه

стр. 30

بالشروع فيه، ولا يحلل غريم مديناً أحرم بحج أو عمرة لوجوبهما بالشروع فيهما، وليس لولي سفيه مبذر بالغ منعه من حج الفرض وعمرته ولا تحليله من إحرام بأحدهما لتعينه عليه كالصلاة وتدفع نفقته إلى ثقة ينفق عليه في الطريق يقوم مقام الولي في التصرف له، ويحلل سفيه بصوم كحر معسر إذا أحرم السفيه بنفل لمنعه في التصرف في ماله إن زادت نفقة السفر على نفقة الإقامة ولم يكتسب السفيه الزيادة في سفره، فإن كانت نفقة السفر بقدر نفقة الحصر أو زادت وكان يكتسب الزائد لم يحلل لا ضرر عليه في ماله. -- فصل: الشرط الخامس لوجوب الحج والعمرة الاستطاعة للآية والأخبار، وهي شرط للوجوب فقط لا للصحة والإجزاء، فغير المستطيع إذا حج واعتمر صح ذلك منه وأجزأه عن حجة الإسلام وعمرته، ولا تبطل الاستطاعة بجنون ولو مطبقاً ولا ردة، ويحج عنهما، وكذا الموت، على ما يأتي إن شاء الله. والاستطاعة ملك زاد يحتاجه في سفر ذهاباً وإياباً من مأكول ومشروب وكسوة وملك وعائه لأنه لا بد منه، ولا يلزمه حمل الزاد إن وجد بثمن مثله أو زائد يسيراً بالمنازل في طرق الحاج، وملك راحلة لركوبه بآلتها بشراء أو كراء يصلحان أعني الراحلة وآلتها لمثله في مسافة قصر عن مكة وهي مسيرة يومين قاصدين معتدلين، وذلك أربع وعشرون ساعة بسير الأثقال من الإبل ودبيب الأقدام، ولا يعتبر ملك راحلة فيما دون مسافة القصر عن مكة من مكي وغيره بينه وبين مكن دون المسافة كأهل لزيمة وبحرة ووادي فاطمة المسمى سابقا بمر الظهران ونحوهم، لقدرتهم على المشي فيها غالباً، ولأن مشقتها يسيرة ولا يخشى فيها عطب لو انقطع بها

стр. 31

بخلاف البعيدة، ويعايا بها فيقال: فقير لا يجد راحلة مع وجوب الحج عليه ويجاب عنها فيقال: هذا فيما إذا كان بمكة أو قريباً منها وهو قادر على المشي، وكذا من مكل ما يحج به لكنه أخر الحج حتى افتقر فإن الحج واجب في ذمته والله أعلم، إلا لعاجز عن المشي كشيخ كبير فيعتبر له ملك الراحلة بآلتها حتى فيما دون مسافة القصر، ولا يلزمه السير حبواً ولو أمكنه. وأما الزاد فيعتبر، قربت المسافة أو بعدت مع الحاجة إليه أو ملك ما يقدر به من نقد أو عرض على تحصيل الزاد والراحلة وآلتهما، فإن لم يملك ذلك لم يلزمه الحج لكن يستحب لمن أمكنه المشي والكسب بالصنعة، ويكره لمن حرفته المسألة، وينبغي أن يكثر من الزاد والنفقة عند إمكانه ليؤثر محتاجاً ورفيقاً، وأن تطيب نفسه بما ينفقه لأنه أعظم في أجره، ويستحب أن لا يشارك غيره في الزاد وأمثاله، واجتماع الرفاق كل يوم على طعام أحدهم على المناوبة أليق بالورع من المشاركة في الزاد، ويعتبر كون ما تقدم من الزاد والراحلة وآلتهما أو ما يقدر به على تحصيل ذلك فاضلا عما يحتاج إليه من كتب ومسكن للسكنى أو مسكن يحتاج إلى أجرته لنفقته أو نفقة عياله أو بضاعة يختل ربحها المحتاج إليه لو صرف فيه شيئاً منها لما فيه من الضرر عليه، وخادم لنفسه لأنه من الحوائج الأصلية وعما لا بد له منه من لباس مثله وغطاء ووطاء وأوان ونحوها، وفاضلاً عن قضاء دينه حالا كان الدين أو مؤجلا لله أو لآدمي، وعما لا بد له منه كمؤنثه ومؤنة عياله الذين تلزمه مؤنتهم، لكن إن كن المسكن واسعاً أو الخادم نفسياً فوق ما يصلح له وأمكن بيعه وشراؤه قدر الكفاية منه ويفضل ما يحج به، لزمه ذلك لأنه مستطيع، فإن لم يفضل عنه ما يحج به لم يلزمه، وكذا إن استغنى بإحدى نسختي كتاب باع الأخرى. ويقدم النكاح مع عدم الوسع للنكاح والحج من خاف العنت نصا.

стр. 32

قال في الإقناع وشرحه: ويعتبر في الاستطاعة أن يكون له إذا رجع من حجه ما يقوم بكفايته وكفاية عياله على الدوام ولم يعتبر على رواية ما يكفيه بعد رجوعه، فيعتبر إذاً أن يكون له ما يقوم بكفايته وكفاية عياله إلى أن يعود، وجزم به في الكافي والروضة، وقدمه في الرعاية انتهى ملخصاً، قال في المنتهى وشرحه: وأن يكون فاضلاً عن مؤنته ومؤنة عياله على الدوام حتى بعد رجوعه من عقار أو بضاعة يتجر فيها أو صناعة ونحوها، كعطاء من ديوان: أراتب من بيت المال ونحوه، وإلا لم يلزمه لتضرره بإنفاق ما في يده إذاً انتهى. قال في المغني: والزاد الذي تشترط القدرة عليه هو ما يحتاج إلهي في ذهابه ورجوعه من مأكول ومشروب وكسوة، فإن كان يملكه أو وجده يباع بثمن المثل في الغلاء والرخص أو بزيادة يسيرة لا تجحف بماله لزمه شراؤه، وإن كانت تجحف بماله لم يلزمه كما قلنا في شراء المال للوضوء إلى أن قال: وأما الراحلة فيشترط أن يجد راحلة تصحل لمثله إلى أن قال: ويعتبر أن يكون هذا فاضلا عما يحتاج إليه لنفقة عياله الذين تلزمه مؤنتهم في مضيه ورجوعه. وأن يكون فاضلاً عما يحتاج هو وأهله إليه من مسكن وخادم وما لا بد منه، وأن يكون فاضلاً عن قضاء دينه. انتهى ملخصاً. قال الشيخ عبد الله بن ذهلان: وفي هامش الإقناع عن المطلع مدة ذهابه ورجوعه انتهى. وكتب عليه بعضهم عن المبدع ما نصه وظاهره أنه قصد النفقة عليه وعلى عياله إلى أن يعود ويبقى له ما يقوم بكفايته وكفاية عياله من عقار أو بضاعة أو صناعة انتهى. وذكر في الإنصاف عن هذا القول أنه الصحيح من المذهب وقال به جموع من الفقهاء؛ والآخر قاله في الروضة والكافي والرعايتين والفائق فقط، والمفهوم لا يساعده انتهى كلام ابن ذهلان. قلت ما قاله في الروضة والكافي والرعايتين والفائق أقرب إلى الصحة ولو لم يساعده

стр. 33

مفهوم عبارة بعض الأصحاب بقولهم وعيتبر أن يكون له إذا رجع من حجه ما يقوم بكفايته، وكفاية عياله على الدوام كما سنبين ذلك قريباً إن شاء الله تعالى. قالت الشافعية: يشترط في الزاد ما يكفيه لذهابه ورجوعه فاضلا عما يحتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقتهم وكسوتهم مدة ذهابه ورجوعه وفاضلاً عن مسكن وخادم يحتاج إليهما وعن قضاء دين يكون عليه حالاً كان أو مؤجلاً انتهى. قالت المالكية: الاستطاعة هي إمكان الوصول بلا مشقة عظمت ولو بلا زاد وراحلة لذي صنعة تقوم به ولو بالسؤال، إذا كان ذلك عيشه في بلاده وكانت العادة إعطاءه وقدر على المشي، وإن يكونا آمناً على نفسه وماله، ويعتبر ما يرجع به إلى محل يمكنه فيه التعيش إن خشي الضياع بالإقامة بمكة انتهى. وقالت الحنفية: مقدار ما يتعلق به وجوب الحج ملك مال يبلغه إلى مكة ذاهباً وراجعاً راكباً في جميع السفر لا ماشياً بنفقة متوسطة فاضلاً عن مسكنه وخادمه وفرسه وسلاحه وآلات حرفة وثيابه وأثاثه ونفقة من عليه نفقته وكسوته وقضاء ديونه ولو مؤجلة إلى حين عوده، ولا يشترط نفقة لما بعد إيابه لا سنة ولا شهراً ولا يوماً انتهى. فتحرر لنا من ذلك أن المقدم من الروايتين عند الحنابلة اعتبار أن يكون له من النفقة إذا رجع من حجة ما يقوم بكفايته وكفاية عياله على الدوام؛ وعلى الرواية الأخرى عندهم لا يعتبر ذلك وإنما يعتبر أن يكون عنده من النفقة ما يقوم بكفايته وكفاية عياله مدة ذهابه للحج ورجوعه فقط وفاقاً للحنفية والمالكية والشافعية، وهذه الرواية أقرب إلى الصواب إن شاء الله تعالى، لأن القول بأن الإنسان لا يكون مستطيعاً للحج إلا إذا كان عنده من النفقة بعد رجوعه من الحج ما يكفيه ويكفي عياله على الدوام، أي دوام حياته يقضي بأن لا يكون غالب الأغنياء مستطيعين للحج لأنه قل من يثق من الأغنياء أن عنده

стр. 34

من المال ما يكفيه ويكفي عياله على الدوام، هذا ما ظهر لي والله أعلم. ولا يصير من لا يملك الزاد والراحلة وتوابعهما مستطيعاً ببذل غره له ما يحتاج إليه لحجته وعمرته ولو أباه أو ابنه للمنة وفاقاً للحنفية، وعلى الأصح عند الشافعية كبذل رقبة لمكفر أو كبذل إنسان نفسه ليحج عن نحو مريض لا يرجي برء مرضه وليس له ما يستنيب به. ومن الاستطاعة سعة الوقت بأن يكون متسعاً يمكن الخروج والمسير حسب العادة لتعذر الحج مع ضيق وقته؛ فلو شرع من وقت وجوبه فمات بالطريق تبينا عدم وجوبه عليه لعدم وجود الاستطاعة. ومن الاستطاعة أمن طريق يمكن سلوكه لأن إيجاب الحج مع عدم ذلك ضرر وهو منفي شرعاً، ولو كان الطريق الممكن سلوكه بحراً أو غير معتاد لأن غايته أنه مشق وهو لا يمنع الوجوب كبعد البلد، وإن غلب الهلال في الطريق لم يلزمه سلوكه، وإن غلبت السلامة فيه لزمه، وإن سلم فيه قوم وهلك قوم ولا غالب منهما بل استويا لم يلزمه سلوكه. قال الشيخ: أعان على نفسه فلا يكون شهيداً. ويشترط في الطريق إمكان سلوكه بلا خفارة، فإن لم يمكن سلوكه إلا بها لم يجب ولو يسيرة، وقال الموفق والمجد: إن كانت الخفارة يسيرة لزمه لأنه ضرر يسير، وزاد المجد إذا أمن باذل الخفارة الغدر من المبذول له، قال في الإنصاف: ولعله مراد من أطلق بل يتعين، قال شيخ الإسلام: الخفارة تجوز عند الحاجة إليها في الدفع عن المخفر ولا تجوز مع عدم الحاجة إليها كما يأخذه السلطان من الرعايا انتهى. قال في المصباح: خفر بالعهد يخفر من باب ضرب وفي لغة من باب قتل: إذا وفى به، وخفرت الرجل: حميته وأجرته من طالبه فأنا خفير والاسم

стр. 35

الخفارة بضم الخاء وكسرها. والخفارة مثلثة الخاء: جُعل الخفير وتمامه فيه ويشترط في الطريق أن يوجد فيه الماء والعلف على المعتاد بالمنازل في الأسفار لأنه لو كلف حمل مائة وعلف بهائمه فوق المعتاد من ذلك أدى إلى مشقة عظيمة، فإن وجد على العادة ولو بحمل من منهل إلى آخر أو العلف من موضع إلى آخر لزمه لأنه معتاد. قلت اشتراط العلف فيما إذا كان مركوبه حيواناً كما هو ظاهر ومن الاستطاعة دليل لجاهل طريق مكة وقائد لأعمى، لأن في إيجابه عليهما بلا دليل وقائد ضرراً عظيماً وهو منتف شرعاً، ويلزم الجاهل والأعمى أجرة مثلهما لتمام الواجب بهما، ولو تبرع القائد والدليل لم يلزم الجاهل والأعمى للمنة، فلو كملت له الشروط ولم يكن الطريق آمناً فمات لم يلزمه هذا المذهب، فلو كملت له الشروط ولم يكن الطريق آمنا فمات لم يلزمه هذا المذهب، وعن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن سعة الوقت وأمن الطريق وقائد الأعمى ودليل الجاهل من شرائط لزوم الأداء اختاره الأكثر، فعلى هذا يأثم إن لم يعزم على الحج إذا اتسع الوقت وأمن الطريق ووجد القائد والدليل كما نقول في طروّ الحيض بعد دخول الوقت، فإن الحائض تأثم إن لم تعزم على القضاء إذا زال، فالعزم في العبادات مع العجز عنها يقوم مقام الأداء في عدم الإثم حال العجز، فإن مات من وجد الزاد والراحلة قبل وجود هذين الشرطين: سعة الوقت وأمن الطريق وعلى قياسهما قائد الأعمى ودليل الجاهل، أخرج عنه من ماله لمن ينوب عنه، على القول الثاني لموته بعد جوبه عليه دون القول الأول لعدم وجوبه عليه، قال في المستوعب: والفرق بين شرط الوجوب وشرط الأداء أن ما كان شرطاً في الوجوب إذا مات قبل وجوده لم يجب الحج في ماله، وما كان شرطاً في الأداء ووجوب السعي إذا مات قبل وجوده فقد كملت في حقه شرائط الوجوب ووجب الحج في ماله انتهى. قال في الشرح الكبير: واختلفت

стр. 36

الرواية في إمكان المسير وتخلية الطريق، فروى أنهما من شرائط الوجوب لا يجب الحج بدونهما، لأن الله إنما فرض الحج على المستطيع وهذا غير مستطيع، ولأن هذا يتعذر معه فعل الحج فكان شرطاً كالزاد والراحلة، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وروى أنهما من شرائط لزوم الأداء، فلو كملت الشروط الخمسة ثم مات قبل وجود هذين الشرطين حج عنه بعد موته، وإن أعسر بعد وجودهما بقي في ذمته وهو ظاهر كلام الخرقي، وذلك لأن النبي ﷺ لما سئل: (ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والرحلة) حديث حسن انتهى ملخصاً. فمن كملت له الشروط الخمسة المتقدمة وجب عليه السعي للحج والعمرة فوراً نصاً، فيأثم إن أخره بلا عذر بناء على أن الأمر للفور وفاقاً للحنفية والمالكية، وإنما يجب عليه السعي فوراً للحج إذا كان الحج في وقت المسير وإلا انتظر إلى وقت المسير للحج. وعند الشافعية إذا وجدت شرائط وجوب الحج وجب على التراخي فله تأخيره ما لم يخش العضب، فإن خشيه حرم عليه التأخير على الأصح عندهم؛ وعندهم أيضا إذا أخره فمات تبين أنه مات عاصيا على الأصح لتفريطه؛ قالوا ومن فوائد موته عاصياً أنه لو شهد بشهادة ولم يحكم بها حتى مات لم يحكم بها، كما لو بان فسقه، ويحكم بعصيانه من السنة الأخيرة من سني الإمكان على الأصح عندهم. -- فصل: في الاستنابة في الحج والعمرة: والعاجز عن سعي لحج وعمر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه لنحو زمانة أو ثقل بحيث لا يقدر مع الثقل على ركوب راحلة ولو في محمل إلا بمشقة

стр. 37

شديدة غير محتملة أو لكونه نضو الخلقة: أي نحيفها لا يقدر ثبوتاً على راحلة إلا بمشقة غير محتملة، يلزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه فوراً من بلده لأنه وجب عليه كذلك، قال الشيخ مرعي أو موضع أيسر فيه انتهى. وبهذا قالت الشافعية والحنفية، وقالت المالكية: لا حج عليه إلا أن يستطيع بنفسه لأن الله تعالى قال: (من استطاع إليه سبيلاً) وهذا غير مستطيع، ولأن هذه عبادة لا تدخلها النيابة مع القدرة فلا تدخلها مع العجز كالصوم والصلاة انتهى. ودليل الجمهور حديث الخثعمية المتفق عليه وهو حجة قاطعة ودليل واضح، ويكفي أن ينوي النائب عن المستنيب وإن لم يسمه لفظاً، وإن نسي اسمه ونسبه نوى من دفع إليه المال ليحج عنه. وأجزأ فعل نائب عمن عوفي من نحو مرض أبيح لأجهل الاستنابة، لأنه أتى بما أمر به فخرج من عهدته كما لو لم يبرأ وكالمتمتع إذا شرع في الصوم ثم قدر على الهدي. وقالت الشافعية وأصحاب أبي حنيفة: لا يجزئه، لأن هذا بدل إياس فإذا برأ تبينا أنه لم يكن ميؤساً منه فلزمه الأصل. ولنا أن المستنيب أتى بما أمر به فخرج من عهدته، والمعتبر لجواز استنابة النائب اليأس ظاهراً، وسواء عوفي قبل فراغ نائبه من النسك أو بده ولا يجزيء مستنيباً إن عوفي قبل إحرام نائبه لقدرته على المبدَل قبل الشروع في البدل، ومن يرجى برؤه لا يستنيب؛ فإن فعل لم يجزئه وإن لم يبرأ وفاقاً للشافعية. وقالت الحنفية له ذلك ويكون مراعى؛ فإن قدر على الحج بنفسه لزمه، وإلا أجزأه ذلك انتهى وما تقدم ذكره في الاستنابة هو فيما إذا كان الحج فرضا؛ أما إن كان نفلا فتصح الاستنابة فيه عند الحنابلة ولو لم يكن المستنيب معذوراً كما يأتي إن شاء الله تعالى؛ وإن كان المعضوب قادراً على نفقة راكب ولم يجد نائباً في الحج عنه انبنى بقاؤه في ذمته على إمكان المسير على ما تقدم. فإن قلنا هو شرط للزوم الأداء بقي

стр. 38

في ذمته حتى يجد نائباً، وإن قلنا شرط للوجوب وهو المذهب لم يثبت في ذمته، فإذا وجد النائب بعد لم تلزمه الاستنابة إلا أن يكون مستطيعاً إذ ذاك، قال ابن نصر الله البغدادي على قول الأصحاب وأجزأ فعل نائب عمن عوفي لا قبل إحرام نائبه - لكن إذا لم يعلم النائب حتى أحرم فهل يقع حجه عن نفسه أو عن مستنيبه، وهل نفقته على مستنيبه أو في ماله، وهل ثواب حجه لنفسه أو لمن استنابه؟ لم أجد من تكلم على ذلك، ويتوجه وقوعه عن مستنيبه ولزوم نفقته أيضاً وثوابه له أيضا، لأنه إن فات إجزاء ذلك عنه لم يفت وقوعها عنه نفلاً، انتهى كلام ابن نصر الله، واستظهره الشيخ عثمان بن قائد وقال: وعليه فيعايا بها، فيقال: شخص صح نفل حجه قبل فرضه انتهى. قال في الإقناع وإن عوفي قبل إحرام النائب لم يجزئه. قال الشيخ عبد الله بن ذهلان: مفهومه أنه لو عوفي بعد إحرامه فإنه يجزئه ولو كان إحرامه قبل الميقات انتهى. قال الشيخ مرعي في الغاية: ولا يجزيء مستنيباً إن عوفى قبل إحرام نائبه، ويتجه ولا يرجع عليه بما أنفق قبل أن عوفى بل بعده لعزله إذاً انتهى. قال في شرح الغاية: قوله ويتجه ولا يرجع المستنيب عليه: أي على نائبه بما أنفق قبل أن عوفى المستنيب بل يرجع عليه بما أنفق من مال مستنيبه بعده: أي بعد أن شفي لعزله إياه إذاً، أي بمجرد شفائه انعزل نائبه حكماً أي سواء علم أم لم يعلم قياسا على الوكيل، وهو متجه. قال ابن العماد في شرح الغاية: وفي القلب من إطلاق هذه العبارة شيء فليتأمل انتهى. قال الشيخ ابن عوض في حاشية الدليل، قال ابن نصر الله وحكى كلامه آنف الذكر، ثم قال: وتفصيل مرعي في هذا ظاهر، لأنه قبل أن عوفى كان وكيلاً فله النفقة وبعده لا، لعزله حكما وصرح بما قاله مرعي الشيخ منصور

стр. 39

في شرح المفردات، فقال: قلت ويلزمه رد النفقة انتهى، وقول ابن نصر الله أظهر يعض عليه بالنواجذ انتهى، قال في المنتهى وشرحه: ومن لزمه حج أو عمرة بأصل الشرع أو بإيجابه على نفسه فتوفي قبله ولو قبل التمكن من فعله لنحو حبس أو أسر أو عدة وكان استطاع مع سعة الوقت وخلف مالاً أخرج عنه: أي الميت من جميع ماله: أي لا من الثلث حجة وعمرة: أي ما يفعلان به من حيث وجباً: أي من بلد الميت نصا، لأن القضاء يكون بصفة الأداء ولو لم يوص بذلك انتهى، قال الشيخ محمد الخلوتي: قوله ولو قبل التمكن عبارة شيخنا في حاشيته على المنتهى: قوله ولو قبل التمكن كأسير ومحبوس ظلماً ومريض يرجى برؤه ومعتدة ونحو ذلك، وكان قد وجد الزاد والراحلة وآلتهما في حال اتساع الوقت لحجة، كما مر آنفاً بناء على الصحيح من أن اتساع الوقت شرط للوجوب، أما على قول الأكثر من أنه شرط للزوم الأداء فإنه يستناب عنه حيث كان قد وجد الزاد والراحلة بآلتهما على كل حالة انتهى. واعلم أن كلام المتن هنا ظاهر في البناء على قول الأكثر من أن اتساع الوقت شرط للزوم الأداء، فإنه قوله ولو قبل التمكن معناه فيما يظهر ولو ضاق الوقت ولم يتمكن من السعي، وأما حمل شيخنا له على من لم يتمكن لمانع كالحبس ونحوه مع اتساع الوقت فتكلف غير ظاهر دعاه إليه حمل كلام المصنف هنا وفيما سلف على وتيرة واحدة من المشي على الصحيح من القولين في المسألة انتهى كلام الخلوتي. قلت: الصحيح من القولين في المسألة أن اتساع الوقت شرط للوجوب، قال في الإقناع وشرحه: ومن وجب عليه الحج لاجتماع الشروط السابقة فتوفي قبله فرّط في الحج بأن أخره لغير عذر أو لم يفرط كالتأخير لمرض يرجي برؤه أو لحبس أو أسر أو نحوه، أخرج عنه من جميع ماله حجة وعمرة، ولو لم يوص به؛ لأنه حق استقر عليه فلم

стр. 40

يسقط بموته ولهذا كان من جميع ماله، ولا فرق بين الواجب بأصل الشرع أو إيجابه على نفسه، ويكون الإحجاج عنه من حيث وجب عليه لا من حيث موته، لأن القضاء يكون بصفة الأداء، ويجوز أن يستناب عنه من أقرب وطنيه لتخير المنوب عنه لو كان حيا، ويجوز من خارج بلده دون مسافة القص؛ لأن ما دونها في حكم الحاضر، ولا يجوز أن يستناب عنه مما فوق مسافة القصر، ولا يجزئه حج من استنيب عنه مما فوق المسافة لعدم إتيانه بالواجب انتهى ملخصا. وقال أبو حنيفة ومالك: يسقط بالموت، فإن وصى به فهو من الثلث لأنه عبادة بدنية فيسقط بالموت كالصلاة، وعند الشافعية متى توفي من وجب عليه الحج ولم يحج فإنه يجب أن يخرج عنه من جميع ماله ما يحج به عنه ويعتمر وفاقا للحنابلة، قال في المغني: فإن كان له وطنان استنيب من أقربهما، فإن وجب عليه الحج بخراسان ومات ببغداد أو وجب عليه ببغداد فمات بخراسان، فقال أحمد يحج عنه من حيث وجب عليه لا من حيث موته انتهى. قال في المنتهى وشرحه: ويسقط حج عمن وجب عليه ومات قبله بحج أجنبي عنه بدون مال ودون إذن وارث وكذا عمرة انتهى. قال في الغاية ويرجع على تركته إن نواه انتهى. وتبعه الشيخ سليمان بن علي في منسكه فقال ويسقط بحج أجنبي عنه بلا إذن وارث ويرجع على تركته إن نواه انتهى، قال الخلوتي في حاشيته على المنتهى: قوله ويسقط بحج أجنبي عنه: وله الرجوع بما أنفق على ما في الإقناع قبيل باب صوم التطوع، وعبارته: ويجوز أن يحج عنه حجة الإسلام ولو بغير إذن وليه وله الرجوع على التركة بما أنفق انتهى. قال في الإقناع وشرحه: يوقع الحج والعمرة عن الميت ولا إذن له ولا لوارثه كالصدقة عنه انتهى. ويأتي ولا يسقط حج عن معضوب حي ولو معذوراً إلا بإذنه، ويقع حج من حج عن
следующие страницы →