Полный текст (572 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الرواية في إمكان المسير وتخلية الطريق، فروى أنهما من شرائط الوجوب لا يجب الحج بدونهما، لأن الله إنما فرض الحج على المستطيع وهذا غير مستطيع، ولأن هذا يتعذر معه فعل الحج فكان شرطاً كالزاد والراحلة، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وروى أنهما من شرائط لزوم الأداء، فلو كملت الشروط الخمسة ثم مات قبل وجود هذين الشرطين حج عنه بعد موته، وإن أعسر بعد وجودهما بقي في ذمته وهو ظاهر كلام الخرقي، وذلك لأن النبي ﷺ لما سئل: (ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والرحلة) حديث حسن انتهى ملخصاً. فمن كملت له الشروط الخمسة المتقدمة وجب عليه السعي للحج والعمرة فوراً نصاً، فيأثم إن أخره بلا عذر بناء على أن الأمر للفور وفاقاً للحنفية والمالكية، وإنما يجب عليه السعي فوراً للحج إذا كان الحج في وقت المسير وإلا انتظر إلى وقت المسير للحج.
وعند الشافعية إذا وجدت شرائط وجوب الحج وجب على التراخي فله تأخيره ما لم يخش العضب، فإن خشيه حرم عليه التأخير على الأصح عندهم؛ وعندهم أيضا إذا أخره فمات تبين أنه مات عاصيا على الأصح لتفريطه؛ قالوا ومن فوائد موته عاصياً أنه لو شهد بشهادة ولم يحكم بها حتى مات لم يحكم بها، كما لو بان فسقه، ويحكم بعصيانه من السنة الأخيرة من سني الإمكان على الأصح عندهم.
-- فصل: في الاستنابة في الحج والعمرة:
والعاجز عن سعي لحج وعمر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه لنحو زمانة أو ثقل بحيث لا يقدر مع الثقل على ركوب راحلة ولو في محمل إلا بمشقة
стр. 37
شديدة غير محتملة أو لكونه نضو الخلقة: أي نحيفها لا يقدر ثبوتاً على راحلة إلا بمشقة غير محتملة، يلزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه فوراً من بلده لأنه وجب عليه كذلك، قال الشيخ مرعي أو موضع أيسر فيه انتهى. وبهذا قالت الشافعية والحنفية، وقالت المالكية: لا حج عليه إلا أن يستطيع بنفسه لأن الله تعالى قال: (من استطاع إليه سبيلاً) وهذا غير مستطيع، ولأن هذه عبادة لا تدخلها النيابة مع القدرة فلا تدخلها مع العجز كالصوم والصلاة انتهى. ودليل الجمهور حديث الخثعمية المتفق عليه وهو حجة قاطعة ودليل واضح، ويكفي أن ينوي النائب عن المستنيب وإن لم يسمه لفظاً، وإن نسي اسمه ونسبه نوى من دفع إليه المال ليحج عنه. وأجزأ فعل نائب عمن عوفي من نحو مرض أبيح لأجهل الاستنابة، لأنه أتى بما أمر به فخرج من عهدته كما لو لم يبرأ وكالمتمتع إذا شرع في الصوم ثم قدر على الهدي.
وقالت الشافعية وأصحاب أبي حنيفة: لا يجزئه، لأن هذا بدل إياس فإذا برأ تبينا أنه لم يكن ميؤساً منه فلزمه الأصل. ولنا أن المستنيب أتى بما أمر به فخرج من عهدته، والمعتبر لجواز استنابة النائب اليأس ظاهراً، وسواء عوفي قبل فراغ نائبه من النسك أو بده ولا يجزيء مستنيباً إن عوفي قبل إحرام نائبه لقدرته على المبدَل قبل الشروع في البدل، ومن يرجى برؤه لا يستنيب؛ فإن فعل لم يجزئه وإن لم يبرأ وفاقاً للشافعية.
وقالت الحنفية له ذلك ويكون مراعى؛ فإن قدر على الحج بنفسه لزمه، وإلا أجزأه ذلك انتهى وما تقدم ذكره في الاستنابة هو فيما إذا كان الحج فرضا؛ أما إن كان نفلا فتصح الاستنابة فيه عند الحنابلة ولو لم يكن المستنيب معذوراً كما يأتي إن شاء الله تعالى؛ وإن كان المعضوب قادراً على نفقة راكب ولم يجد نائباً في الحج عنه انبنى بقاؤه في ذمته على إمكان المسير على ما تقدم. فإن قلنا هو شرط للزوم الأداء بقي
стр. 38
في ذمته حتى يجد نائباً، وإن قلنا شرط للوجوب وهو المذهب لم يثبت في ذمته، فإذا وجد النائب بعد لم تلزمه الاستنابة إلا أن يكون مستطيعاً إذ ذاك، قال ابن نصر الله البغدادي على قول الأصحاب وأجزأ فعل نائب عمن عوفي لا قبل إحرام نائبه - لكن إذا لم يعلم النائب حتى أحرم فهل يقع حجه عن نفسه أو عن مستنيبه، وهل نفقته على مستنيبه أو في ماله، وهل ثواب حجه لنفسه أو لمن استنابه؟ لم أجد من تكلم على ذلك، ويتوجه وقوعه عن مستنيبه ولزوم نفقته أيضاً وثوابه له أيضا، لأنه إن فات إجزاء ذلك عنه لم يفت وقوعها عنه نفلاً، انتهى كلام ابن نصر الله، واستظهره الشيخ عثمان بن قائد وقال: وعليه فيعايا بها، فيقال: شخص صح نفل حجه قبل فرضه انتهى. قال في الإقناع وإن عوفي قبل إحرام النائب لم يجزئه.
قال الشيخ عبد الله بن ذهلان: مفهومه أنه لو عوفي بعد إحرامه فإنه يجزئه ولو كان إحرامه قبل الميقات انتهى.
قال الشيخ مرعي في الغاية: ولا يجزيء مستنيباً إن عوفى قبل إحرام نائبه، ويتجه ولا يرجع عليه بما أنفق قبل أن عوفى بل بعده لعزله إذاً انتهى.
قال في شرح الغاية: قوله ويتجه ولا يرجع المستنيب عليه: أي على نائبه بما أنفق قبل أن عوفى المستنيب بل يرجع عليه بما أنفق من مال مستنيبه بعده: أي بعد أن شفي لعزله إياه إذاً، أي بمجرد شفائه انعزل نائبه حكماً أي سواء علم أم لم يعلم قياسا على الوكيل، وهو متجه.
قال ابن العماد في شرح الغاية: وفي القلب من إطلاق هذه العبارة شيء فليتأمل انتهى. قال الشيخ ابن عوض في حاشية الدليل، قال ابن نصر الله وحكى كلامه آنف الذكر، ثم قال: وتفصيل مرعي في هذا ظاهر، لأنه قبل أن عوفى كان وكيلاً فله النفقة وبعده لا، لعزله حكما وصرح بما قاله مرعي الشيخ منصور
стр. 39
في شرح المفردات، فقال: قلت ويلزمه رد النفقة انتهى، وقول ابن نصر الله أظهر يعض عليه بالنواجذ انتهى، قال في المنتهى وشرحه: ومن لزمه حج أو عمرة بأصل الشرع أو بإيجابه على نفسه فتوفي قبله ولو قبل التمكن من فعله لنحو حبس أو أسر أو عدة وكان استطاع مع سعة الوقت وخلف مالاً أخرج عنه: أي الميت من جميع ماله: أي لا من الثلث حجة وعمرة: أي ما يفعلان به من حيث وجباً: أي من بلد الميت نصا، لأن القضاء يكون بصفة الأداء ولو لم يوص بذلك انتهى، قال الشيخ محمد الخلوتي: قوله ولو قبل التمكن عبارة شيخنا في حاشيته على المنتهى: قوله ولو قبل التمكن كأسير ومحبوس ظلماً ومريض يرجى برؤه ومعتدة ونحو ذلك، وكان قد وجد الزاد والراحلة وآلتهما في حال اتساع الوقت لحجة، كما مر آنفاً بناء على الصحيح من أن اتساع الوقت شرط للوجوب، أما على قول الأكثر من أنه شرط للزوم الأداء فإنه يستناب عنه حيث كان قد وجد الزاد والراحلة بآلتهما على كل حالة انتهى.
واعلم أن كلام المتن هنا ظاهر في البناء على قول الأكثر من أن اتساع الوقت شرط للزوم الأداء، فإنه قوله ولو قبل التمكن معناه فيما يظهر ولو ضاق الوقت ولم يتمكن من السعي، وأما حمل شيخنا له على من لم يتمكن لمانع كالحبس ونحوه مع اتساع الوقت فتكلف غير ظاهر دعاه إليه حمل كلام المصنف هنا وفيما سلف على وتيرة واحدة من المشي على الصحيح من القولين في المسألة انتهى كلام الخلوتي. قلت: الصحيح من القولين في المسألة أن اتساع الوقت شرط للوجوب، قال في الإقناع وشرحه: ومن وجب عليه الحج لاجتماع الشروط السابقة فتوفي قبله فرّط في الحج بأن أخره لغير عذر أو لم يفرط كالتأخير لمرض يرجي برؤه أو لحبس أو أسر أو نحوه، أخرج عنه من جميع ماله حجة وعمرة، ولو لم يوص به؛ لأنه حق استقر عليه فلم
стр. 40
يسقط بموته ولهذا كان من جميع ماله، ولا فرق بين الواجب بأصل الشرع أو إيجابه على نفسه، ويكون الإحجاج عنه من حيث وجب عليه لا من حيث موته، لأن القضاء يكون بصفة الأداء، ويجوز أن يستناب عنه من أقرب وطنيه لتخير المنوب عنه لو كان حيا، ويجوز من خارج بلده دون مسافة القص؛ لأن ما دونها في حكم الحاضر، ولا يجوز أن يستناب عنه مما فوق مسافة القصر، ولا يجزئه حج من استنيب عنه مما فوق المسافة لعدم إتيانه بالواجب انتهى ملخصا.
وقال أبو حنيفة ومالك: يسقط بالموت، فإن وصى به فهو من الثلث لأنه عبادة بدنية فيسقط بالموت كالصلاة، وعند الشافعية متى توفي من وجب عليه الحج ولم يحج فإنه يجب أن يخرج عنه من جميع ماله ما يحج به عنه ويعتمر وفاقا للحنابلة، قال في المغني: فإن كان له وطنان استنيب من أقربهما، فإن وجب عليه الحج بخراسان ومات ببغداد أو وجب عليه ببغداد فمات بخراسان، فقال أحمد يحج عنه من حيث وجب عليه لا من حيث موته انتهى. قال في المنتهى وشرحه: ويسقط حج عمن وجب عليه ومات قبله بحج أجنبي عنه بدون مال ودون إذن وارث وكذا عمرة انتهى. قال في الغاية ويرجع على تركته إن نواه انتهى. وتبعه الشيخ سليمان بن علي في منسكه فقال ويسقط بحج أجنبي عنه بلا إذن وارث ويرجع على تركته إن نواه انتهى، قال الخلوتي في حاشيته على المنتهى: قوله ويسقط بحج أجنبي عنه: وله الرجوع بما أنفق على ما في الإقناع قبيل باب صوم التطوع، وعبارته: ويجوز أن يحج عنه حجة الإسلام ولو بغير إذن وليه وله الرجوع على التركة بما أنفق انتهى. قال في الإقناع وشرحه: يوقع الحج والعمرة عن الميت ولا إذن له ولا لوارثه كالصدقة عنه انتهى. ويأتي ولا يسقط حج عن معضوب حي ولو معذوراً إلا بإذنه، ويقع حج من حج عن
стр. 41
حي بلا إذنه عن نفسه ولو كان الحج نفلا عن محجوج عنه بلا إذنه، قال الشيخ منصور في شرح المنتهى: لكن قياس ما سبق آخر الجنائز يصح جعل ثوابه لحي أو ميت انتهى. قال الشيخ سليمان بن علي: ولا يصح النسك عن حي بلا إذنه ويقع على نفسه ولو نفلاً، فإن جعل ثوابه له حصل انتهى.
ولو مات من وجب عليه الحج واستقر في ذمته، أو مات نائبه في طريق الحج، حج عنه من حيث مات هو أو نائبه فيما بقي مسافة وقولاً وفعلا، لفعله قبل موته بعض ما وجب عليه وهو السعي إلى ذلك الموضع الذي مات فيه، فلا يلزم أن يحج عنه من وطنه، لأن المنوب عنه لم يكن عليه أن يرجع إلى وطنه ثم يعود إلى الحج، قال ابن نصر الله البغدادي: يؤخذ منه جواز نيابة اثنين في حجة واحدة كل واحد منهما يأتي ببعضها، ولم أجد من ذكر ذلك وهو غير ممتنع انتهى. قال في المغني: فإن خرج للحج فمات في الطريق حج عنه من حيث مات؛ لأنه أسقط بعض ما وجب عليه فلم يجب ثانيا، وكذلك إن مات نائبه استنيب من حيث مات لذلك، ولو أحرم بالحج ثم مات صحت النيابة عنه فيما بقي من النسك، سواء كان إحرامه لنفسه أم لغيره نص عليه، لأنها عبادة تدخلها النيابة، فإذا مات بعد فعل بعضها قضي عنه باقيها كالزكاة انتهى. قال الشيخ منصور في حاشيته على الإقناع: قوله حج عنه من حيث مات ينبغي تقييده فيما إذا مات بأن يكون وجب عليه قبل موته بأن اتسع الوقت له وإلا انبنى على القولين السابقين، وإذا استنيب عنه من موضع موته إلى دون مسافة قصر فقياس ما قبله لا يمتنع ويجزئه بخلاف ما لو استنيب من فوق المسافة، وإذا مات النائب في حج النفل، فظاهر كلامهم لا تجب الاستنابة فيما بقي مع أنه يجب بالشروع، ولم أر من تعرض له انتهى كلام منصور: قلت ظاهر عبارات الأصحاب خلاف ما ذكره منصور لأن حج
стр. 42
النفل يجب بالشروع فيه وقد أطلق الأصحاب الوجوب فلم يقيدوه بما إذا شرع فيه بنفسه دون نائبه، وبما إذا كان فرضا لا نفلا، وإذا كان الحال ما ذكر فإطلاقهم يستفاد منه العموم ما لم يأت دليل صريح يؤيد ما ذكره منصور.
فائدة: إذا مات في الطريق من قصد الحج نفلا أو مات نائبه فلا يخلو إما أن يكون قد أحرم أولا، فإن كان قد أحرم وجبت الاستنبابة في إتمام نسكه لأنه بالإحرام قد شرع فيه فوجب إتمامه، وإن كان لم يحرم فلا تجب الاستنابة فيه لأنه لم يشرع في حج النفل فلم يكن واجباً عليه، هذا ما ظهر لي والله أعلم.
تنبيه: قول فقهائنا ﵏: ومن وجب عليه الحج فتوفي قبله حج عنه من حي وجب عليه لا من حيث موته لا يعارض ما ذكروه من أنه إذا مات في الطريق حج عنه من حيث مات، لأن المراد بالأول إذا مات غير قاصد للحج، والمراد بالثاني إذا مات في أثناء الطريق قاصداً للحج، والله أعلم.
فوائد: الأولى: إذا مرض من أحرم بالحج وأتى ببعض المناسك وعجز عن طواف الإفاضة فإنه يطاف به راكباً أو محمولاً، ولا يستنيب إن كان حجه فرضاً، فإن كان نفلا جاز له أن يستنيب ولو لغير عذر؛ لأن الاستنابة في نفل الحج جائزة ولو لغير عذر ففي بعضه من باب أولى.
الثانية: لا يصح أن يستنيب في طواف الوداع ولو كان معذوراً إذا كان حجه فرضاً، بل يطاف به راكباً أو محمولاً، فإن لم يفعل فعليه دم، أما إن كان حجه نفلاً فله الاستنابة فيه ولو كان لغير عذر كطواف الإفاضة وأولى.
стр. 43
الثالثة: إذا توفي إنسان وقد بقي عليه بعض مناسك الحج فإنها تفعل عنه بعد موته ولا فرق بين الفرض والنفل ولا كون الحج عن نفسه أو عن غيره. والله أعلم.
لكن يأتي في فصل ثم يفيض إلى مكة حكم المحرم إذا مات، وأن النبي ﷺ لم يأمر أن يؤدى عنه بقية الحج في الرجل الذي وقصته راحلته بعرفة. ويأتي في باب محظورات الإحرام أيضاً، ومن وجب عليه نسك ومات قبله وضاق ماله عن أدائه من بلده استنيب به من حيث بلغ، أو لزمه دين وعليه حج وضاق ماله عنهما أخذ من ماله لحج بحصته كسائر الديون وحج بما أخذ للحج من حيث بلغ، قال الإمام أحمد ﵀ في رجل أوصى أن يحج عنه ولا تبلغ النفقة، قال يحج عنه من حيث تبلغ النفقة للراكب من غير مدينته، وهذا لقول النبي ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) ولأنه قادر على أداء بعض الواجب فلزمه كالزكاة انتهى. وإن صد من وجب عليه حج أو نائبه بطريقة فعل عنه ما بقي مسافة وفعلا وقولا؛ فيستناب عنه من حيث صد لأنه أسقط عنه بعض الواجب، وإن أوصى شخص بنسك نفل وأطلق فلم يقل من محل كذا، جاز أن يفعل عنه من ميقات بلد الموصي، نص عليه أحمد ما لم تمنع منه قرينة كجعل ما يمكن الحج به من بلده فيستناب به منه كحج واجب كما لو صرح به، وإن لم يف ثلثه بحج من محل وصيته حج به من حيث بلغ أو يعان به في الحج نص عليه أحمد، قال في الفروع: ومن ضمن الحَجَّةَ بأجرة أو جعل فلا شيء له ويضمن ما تلف بلا تفريط كما سبق. انتهى، قال في حاشية ابن قندس على مشكلات مسائل الفروع: قوله ومن ضمن الحجة بأجرة أو جعل، معنى ذلك ما يفعله أهل زماننا أن النائب يجعل له جعل على
стр. 44
أن يحج ويعتمر ويكون الجعل له فإذا لم يتفق له إتمامها، إما لكونه أحصر أو ضل أو تلف ما أخذه أو مات قبل إتمام الحج المسقط للفرض، فإنه يضمن ما تلف ولا شيء له.
وقد سبق كلامه، يعني صاحب الفروع بما يشبه ذلك فقال: ولو أحصر أو ضل أو تلف ما أخذه فرّط أولاً فلا يحتسب له بشيء، قال صاحب الرعاية: وإن كان النائب ضمن الحجة بأجرة أو بجعل فلا شيء له ويضمن ما تلف أو أنفق منه ولو لم يفرط، وما لزمه إذاً من دم أو كفارة بفعل محظور أو ترك واجب ففي ماله، وكذا دم الإحصار، إلا أن قال قلت بل يستأجر من تركته من يتمم ما لزمه منها ولوارثه أخذ الأجرة من مستنيبه أو ما بقي منها، انتهى كلام ابن قندس في حاشيته ملخصاً.
قال الشيخ سليمان بن علي: إذا تقرر هذا فمقتضى قاعدة المذهب أن الجعالة صحيحة على الحج والعمرة وعلى أحدهما، ومقتضى الجعالة أيضاً أن المجعول له إذا تعذر عليه إتمام العمل بفسخه لعقد الجعالة باختياره أو بموته أو حبسه أنه لا يستحق شيئاً، لكن على قول ابن قندس هذا الذي حكاه عن صاحب الرعاية، وهو قوله بل يستأجر من تركته يعني تركة النائب من يتمم ما لزمه منها، ولوارثه أخذ الأجرة من مستنيبه أو ما بقي منها، أنه إذا استناب النائب بأجرة أولا من يطوف طواف الإفاضة ويفعل باقي النسك أنه يلزم دفع الجعل إليه، فعلى هذا إذا مات ثم تمم باقي النسك صح، وإن لم يكن تمم وكان الفائت طواف الإفاضة فتتميمه ممكن لأن طواف الإفاضة لا حد لآخره، والله أعلم انتهى.
ولا يصح ممن لم يحج عن نفسه وكذا من عليه حج قضاء أو نذرا أن يحج عن فرض غيره ولا نذره وا نافلته حياً كان محجوجاً عنه أو ميتاً، فإن فعل انصرف إلى حجة الإسلام ورد النائب ما أخذه من غيره ليحج عنه لعدم إجزاء حجه عنه ووقوعه عن نفسه، ويعايا بها فيقال: شخص نوى شيئاً فألغيناه
стр. 45
وصححنا له غيره من غير نية، وجوابها أن يقال هاذ فيما إذا نوى الحج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه فإنه يرد ما أخذ ويكون الحج عن نفسه انتهى. وأما من حج عن نفسه واعتمر صح منه ذلك عن غيره ولو كان غير عدل، ويحرم على الصحيح من المذهب أخذ الأجرة على النيابة في الحج، وتجوز الجعالة، وظاهر جواز غير العدل إذا كان بتعيين الموصى أو كان بغير عوض ولو لم يعينه الموصى، وأما النائب بعوض فيشترط أن يكون عدلاً.
قال في المنتهى وشرحه المصنف ويحج عن الموصى بمباشرة إنسان ثقة سوى المعين، وقال في القندسية في سجود السهو والثقة هو الضابط العدل وكذا حكم من عليه العمرة، فمن عليه عمرة الإسلام أو عمرة قضاء أو نذر لم يجز ولم يصح أن يعتمر عن غيره ولا نذره ولا نافلته، وبهذا قالت الشافعية، وقالت الحنفية والمالكية: يجوز أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه انتهى.
ومن أدى أحد النسكين فقط صح أن ينوب فيه قبل أداء الآخر وأن يفعل نذره ونفله، فمن حج حجة الإسلام فله أن يحج نذراً ونفلا وأن ينوب عن غيره في الحج قبل أن يعتمر، ومن اعتمر عمرة الإسلام فله أن يعتمر نذراً ونفلا وأن ينوب عن غيره في العمر قبل أن يحج، قال في المغني: وليس للصبي وللعبد أن ينوبا في الحج عن غيرهما لأنهما لم يسقطا فرض الحج عن أنفسهما فهما كالحر البالغ في ذلك وأولى منه، ويحتمل أن لهما النيابة في حج التطوع دون لا فرض لأنهما من أهل التطوع دون الفرض ولا يمكن أن تقع الحجة التي نابا فيها عن فرضهما، لكونهما ليسا من أهله فبقيت لمن فعلت عنه، وعلى هذا لا يلزمهما رد ما أخذا لذلك كالبالغ الحر الذي قد حج عن نفسه انتهى، ويصح أن ينوب الرجل عن المرأة، وأن تنوب المرأة عن الرجل في الحج والعمرة ولا كراهة في نيابتها عنه للخبر.
وحكم النائب
стр. 46
كالمنوب عنه في ذلك لأنه فرعه، فلو أحرم بنذر أو نفل عمن عليه حجة الإسلام وقع إحرامه عنها وكذا لو كان عليه حجة قضاء أو حجة نذر وأحرم بنفل، ولو أحرم بنذر حج ونفله من عليه حجة الإسلام وقع حجه عنها دون النذر والنفل، نص عليه الإمام أحمد لقول ابن عمر وأنس: وتبقى المنذورة في ذمته، وكذا حكم العمرة وفاقاً للشافعية، وقالت الحنفية والمالكية: يقع ما نواه وهو رواية عن الإمام أحمد، وقول أبي بكر عبد العزيز: ويصح أن يحج عن معضوب واحد في فرضه وآخر في نذره في عام واحد، ويعايا بها فيقال: حجات مفروضات تقع عن مكلف واحد في عام واحد، ويجاب عنها فيقال: هذا في المعضوب إذا نذر حجات وكان عليه حجة الإسلام فاستناب أشخاصاً لأدائها في سنة واحدة انتهى.
والمعضوب هو العاجز عن حج لكبر أو نحوه من العضب بمهملة ومعجمة وهو القطع كأنه قطع عن كمال الحركة والتصرف، ويصح أن يحج عن ميت واحد في فرضه وآخر في نذره في عام واحد لأن كلا عبادة مفردة كما لو اختلف نوعهما وأي النائبين أحرم أو لا قبل الآخر فعن حجة الإسلام ثم الحجة الأخرى التي تأخر إحرام نائبها عن نذره ولو لم ينوه الثاني عن النذر، لأن الحج يعفى فيه عن التعيين ابتداء لانعقاده مبهما ثم يعين، والعمرة في ذلك كالحج ويصح أن يجعل قارن أحرم بحج وعمرة أو بها ثم به الحج عن شخص استنابه فيه والعمرة عن شخص آخر استنابه فيها بإذن الشخصين في ذلك لأن القران نسك مشروع، فإن لم يأذنا وقع الحج والعمرة للنائب ورد لهما ما أخذه منهما لأنه أمر بنسك مفرد ولم يأت به فكان مخالفاً كمن أمر بحج فاعتمر أو عكسه ذكره القاضي أبو يعلي وغيره وقدم في المغني والشرح يقع عنهما ويرد من نفقة كل واحد منهما نصفها، فإن أذن أحدهما دون الآخر رد على غير الآذن نصف نفقته وحده لأن المخالفة
стр. 47
في صفته لا في أصله ولو أمر بأحد النسكين فقرن بينه وبين النسك الآخر لنفسه فالحكم فيه كذلك ودم القران على النائب إن لم يؤذن له فيه وإن أذنا فعليهما، وإن أذن أحدهما دون الآخر فعلى الآذن نصف الدم ونصفه على النائب.
قال في الإقناع وشرحه، ومن أوقع نسكاً فرضاً أو نفلاً عن حي بلا إذنه أو أوقع نسكاً لم يؤمر به كأمره بحج فيعتمر وعكسه بأن يؤمر بالاعتمار فيحج لم يجز عن الحي كزكاة: أي كإخراج زكاة حي بلا إذنه، ويرد المأمور المخالف فيما تقدم ما أخذه من الآمر لعدم فعله ما أخذ العوض لأجهل ويقع الحج والعمرة عن الميت ولا إذن له ولا لوارثه كالصدقة عنه انتهى.
وتقدم أنه لو جعل ثوابه لحي أو ميت حصل فليعاود ويتعين النائب بتعيين وصي جعل إليه التعيين لقيامه مقام الموصى، فإن أبى الوصي التعيين عين غيره كوارث أو حاكم، وكذا لو أبى موسى إليه بحج عن غيره لسقوط حقه بإبائه، ويصح أن يستنيب القادر والعاجز في نفل الحج وفي بعضه كالصدقة وكذا عمرة وهذا المذهب وفاقاً للحنفية لأنها حجة لا تلزمه بنفسه فجاز أن يستنيب فيها كالمعضوب.
وقالت الشافعية لا يصح لأنه قادر على الحج بنفسه فلم يجز أن يستنيب فيه كالفرض وهو رواية عن الإمام أحمد.
ويأتي في باب الإحصار قول صاحب المغني والشرح فإن أحب أن يستنيب من يتمم عنه أفعال الحج جاز في التطوع لأنه جاز أن يستنيب في جملته فجاز في بعضه ولا يجوز في حج الفرض إلا أن ييأس عن القدرة عليه في جميع العمر كما في الحج كله انتهى.
فإن قيل كيف تجوز الاستنابة في البعض، وتطوع الحج والعمرة يجب إتمامه بالشروع فيهما لأن نفلهما كفرضهما؟ قلت لا مانع شرعاً للقادر من الاستنابة في بعض نفل الحج والعمرة؛ لأنه تجوز الاستنابة للقادر في كله ففي بعضه أولى ولأن الاستنابة في بعضه إتمام لما شرع فيه لا ترك للإتمام، ولكن يشترط
стр. 48
في ذلك أن يكون المستنيب قد أتى ببعض الحج ثم استناب في إكماله، أما من لم يفعل بعض الحج فليس له استنابة غيره في بعضه هذا ما ظهر لي، والله أعمل.
فإن قيل هل يعتبر في النائب في إتمام الحج أن يكون قد تلبس بالحج في سنة الإتمام أولا لا يعتبر ذلك. قلت: الظاهر الأول لأن غير المتلبس بالحج في تلك السنة غير صالح لأداء هذه العبادة أو بعضها عن نفسه فعن أداء بعضها بالنيابة عن غيره من باب أولى، وقد نص فقهاؤنا ﵏ عل مثل ذلك في الاستنابة في الرمي، فقالوا لا يعتد برمي حلال، ومرادهم بذلك من لم يحج تلك السنة، هذا ما ظهر لي، والله أعلم.
ويستحب أن يحج عن أبويه إن كانا ميتين أو عاجزين، ويقدم أمه لأنها أحق بالبر، ويقد واجب أبيه على نفلها، ولا يجوز أن يشرك والديه ي حجة واحدة بخلاف الأضحية، والله أعلم.
والنائب في بفعل النسك فرضاً كان أو نفلا أمين فيما أعطيه من مال يحج منه أو يعتمر، فيركب وينفق منه بمعروف ويضمن نائب ما أنفقه زائداً على نفقة المعروف أو ما زاد على نفقة طريق أقرب من الطريق البعيد إذا سلكه بلا ضرر في سلوك الأقرب؛ لأنه غير مأذون فيه نطقاً ولا عرفاً، ويجب عليه أن يرد ما فضل عن نفقته بالمعروف لأنه لم يملكه له المستنيب وإنما أباح له النفقة منه، وجزم الشيخ مرعي بأنه لا يرد الفاضل إن كان بجعل معلوم وإلا رده، قال في الإرشاد وغيره في حج عني بهذا فما فضل لك ليس له أن يشتري به تجارة قبل حجه انتهى.
قال الإمام أحمد في الذي يأخذ دراهم للحج لا يمشي ولا يقتر في النفقة ولا يسرف، وقال في رجل أخذ حجة عن ميت ففضلت معه فضلة يردها ولا يناهد أحداً إلا بقدر ما لا يكون سرفاً ولا يدعو إلى طعامه ولا يتفضل، ثم قال: أما إذا أعطي ألف درهم أو كذا وكذا فقيل له حج بهذه فله أن يتوسع فيها، وإن فضل شيء فهو له، وإذا قال
стр. 49
الميت حجوا عني حجة بألف درهم فدفعوها إلى رجل فله أن يتوسع فيها وما فضل فهو له قلت: وصفة المناهدة أن يدفع كل واحد من الرفقة شيئاً من النفقة وإن لم يتساووا إلى من ينفق عليهم منه ويأكلون جميعاً؛ فلو أكل بعضهم أكثر من رفيقه فلا بأس وهي مباحة فلذا قال الإمام أحمد: ولا يناهد أحداً إلا بقدر ما لا يكون سرفاً، قال في المغني بعد كلام سبق: وفي الاستئجار على الحج روايتان: إحداهما لا يجوز وهو مذهب أبي حنيفة وإسحق، والأخرى يجوز وهو مذهب مالك والشافعي وابن المنذر.
وفائدة الخلاف أنه متى لم يجز أخذ الأجرة فلا يكون إلا نائباً محضاً وما يدفع إليه من المال يكون نفقة لطريقه، فلو مات أو أحصر أو مرض أو ضل الطريق لم يلزمه الضمان لما أنفق، نص عليه أحمد لأنه إنفاق بإذن صاحب المال، وإذا ناب عنه آخر فإنه يحج من حيث بلغ النائب الأول من الطريق لأنه حصل قطع هذه المسافة بمال المنوب عنه فلم يكن عليه الإنفاق دفعة أخرى: كما لو خرج بنفسه فمات في بعض الطريق فإنه يحج عنه من حيث انتهى، وما فضل معه من المال رده إلا أن يؤذن له في أخذه، ويتفق على نفسه بقدر الحاجة من غير إسراف ولا تقتير، وليس له التبرع بشيء منه إلا أن يؤذن له في ذلك وما لزمه من الدماء بفعل محظور فعليه في ماله لم يؤذن له في الجناية فكان موجبهاً عليه كما لو لم يكن نائباً ودم المتعة والقران إن أذن له في ذلك على المستنيب لأنه أذن في سببهما، وإن لم يؤذن له فعليه لأنه كجناية، ودم الإحصار على المستنيب لأنه للتخلص من مشقة السفر فهو كنفقة الرجوع، وإن أفسد حجه فالقضاء عليه ويرد ما أخذ، لأن الحجة لم تجز عن المستنيب لتفريطه وجنايته وكذلك إن فاته الحج بتفريطه، وإن فات بغير تفريط احتسب له بالنفقة لأنه لم يفت بفعله فلم يكن مخالفاً
стр. 50
كما لو مات، وإن قلنا بوجوب القضاء فهو عليه في ماله كما لو دخل في حج ظن أنه عليه ولم يكن ففاته، وإن أقام بمكة أكثر من مدة القصر بعد إمكان السفر للرجوع، أنفق من مال نفسه، لأنه غير مأذون له فيه فأما من لا يمكنه الخروج قبل ذلك فله النفقة لأنه مأذون له فيه، وله نفقة الرجوع وإن أقام بمكة سنين ما لم يتخذها داراً، فإن اتخذها داراً ولو ساعة لم يكن له نفقة رجوعه لأنه صار بنية الإقامة مكياً فسقطت نفقته فلم تعد، وإن مرض في الطريق فعاد فله نفقة رجوعه لأنه لا بد له منه وقد حصل بغير تفريطه فأشبه ما لو قطع عليه الطريق أو أحصر، وإن قال خفت أن أمرض فرجعت فعليه الضمان لأنه متوهم، وعن أحمد فيمن مرض في
الكوفة فرجع يرد ما أخذ وفي جميع ذلك إن أذن له في النفقة فله ذلك لأن المال للمستنيب فجاز ما أذن فيه، وإن شرط أحدهما أن الدماء الواجبة عليه على غيره لم يصح الشرط؛ لأن ذلك من موجبات فعله أو الحج الواجب عليه فلم يصح شرطه على غيره كما لو شرطه على أجنبي، وإن قلنا يجوز الاستئجار على الحج جاز أن يستنيب من غير استئجار فيكون الحكم فيه على ما ذكرنا وأن يستأجر، فإن استأجر من يحج عنه أو عن ميت اعتبر فيه شروط الإجارة وما يأخذه أجرة يملكه ويباح له التصرف فيه والتوسع به في النفقة وغيرها وما فضل فهو له، وإن أحصر أو ضل الطريق أو ضاعت النفقة فهو من ضمانه وعليه الحج، وإن مات انفسخت الإجارة لتلف المعقود عليه كما لو ماتت البهيمة المستأجرة ويكون الحج أيضاً من الموضع الذي بلغ إليه النائب وما لزمه من الدماء فعليه لأن الحج عليه انتهى ملخصا وبتصرف في التقديم والتأخير، وفيه مع ما تقدم وما يأتي بعض تكرار سقناه طلباً للفائدة، قال الشيخ مرعي في الغاية: ونفقة حج فاسد على نائب كقضائه ويرد ما أخذ ويتجه تبين وقوع
стр. 51
الحج من أصله عن النائب انتهى، قال في شرح الإقناع: وله أي النائب نفقة خادمه إن لم يخدم نفسه مثله ويرجع بما استدانه لعذر وبما أنفق على نفسه بنية رجوع انتهى، قال في المنتهى وشرحه ويجع نائب بما استدانه لعذر على مستنيبه ويرجع بما أنفق على نفسه بنية رجوع، وظاهره ولو لم يستأذن حاكماً لأنه قام عه بواجب وما لزم نائباً بمخالفته كفعل محظور ضمنه أي النائب لأنه بجنايته، وكذا نفقة نسك فسد وقضائه ويرد ما أخذ لأن النسك لم يقع عن مستنيبه لجنايته وتفريطه انتهى.
قلت حاصل ذلك أن النائب في الحج له حالتان: الأولى أن يكون أخذ من المستنيب أو وارثه مالاً معلوماً ليحج عن المستنيب في مقابل ذلك ففي هذه الحالة يكون النائب ضامناً للحجة لأنها في عهدته فما غرمه في حجته هذه من نفقة أو دم نسك أو جبران أو غير ذلك، ففي ماله لأنه أخذ المال ملتزماً للحج عن المستنيب وليس على المستنيب شيء من النفقة أو غيرها سوى ما دفع أولاً من المال للنائب وإن لم يتيسر للنائب إتمام الحج بنفسه أو نائبه رد جميع ما أخذه من المال للمستنيب أو وارثه، لأنه لم يف بما حصل عليه الاتفاق بينه وبين المستنيب أو وارثه وعلى هذا عمل الناس قديماً وحديثاً. الحالة الثانية أن يكون النائب قصد الحج عن المستنيب من غير مقابلة مال معلوم، بل حصل الاتفاق بينه وبين المستنيب أو وارثه على أن يحج عن المستنيب بنفقته فقط فهذا نائب محض وأمين فيما ينفقه من مال المستنيب، فما لزمه في حجته من أجرة مركوب أو نفقة بمعروف أو دم أو غير ذلك، فمن مال المستنيب، وإن قصرت النفقة واستدان بنية الرجوع على مستنيبه رجع ولا يضمن شيئاً مما لزمه في حجته ما لم يتعد أو يفرط، وتقدم كلام ابن قندس فيمن ضمن الحجة
стр. 52
فليراجع وبالله التوفيق. وتقدم أن الاستنابة عن الحي في فرضه لا تصح إلا أن يكون معضوباً، والله أعلم.
-- فصل:
-- في مخالفة النائب:
قال في المغني ومثله في الشرح الكبير: إذا أمره بحج فتمتع أو اعتمر لنفسه من الميقات ثم حج نظرت، فإن خرج إلى الميقات فأحرم منه بالحج جاز ولا شيء عليه نص عليه أحمد وهو مذهب الشافعي، وإن أحرم بالحج من مكة فعليه دم لترك ميقاته ويرد من النفقة بقدر ما ترك من إحرام الحج فيما بين الميقات ومكنة، وقال القاضي: لا يقع فعله عن الآمر ويرد جميع النفقة لأنه أتى بغير ما أمر به، وهو مذهب أبي حنيفة، ولنا أنه إذا أحرم من الميقات فقد أتى بالحج صحيحاً من ميقاته، وإن أحرم به من مكة فما أخل إلا بما يجبره الدم فلم تسقط نفقته، كما لو تجاوز الميقات غير محرم فأحرم دونه، وإن أمره بالإفراد فقرن لم يضمن شيئاً وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة يضمن لأنه مخالف، ولنا أنه أتى بما أمر به وزيادة فصح ولم يضمن، ثم إن كان أمره بالعمرة بعد الحج ففعلها فلا شيء عليه، وإن لم يفعل رد من النفقة بقدرها، وإن أمره بالتمتع فقرن، وقع عن الآمر، لأنه أمر بهما وإنما خالف في أنه أمره بالإحرام بالحج من مكة فأحرم به من الميقات، وظاهر كلام أحمد أنه لا يرد شيئاً من النفقة وهو مذهب الشافعي، وقال القاضي: يرد نصف النفقة لأن غرضه في عمره مفردة وتحصيل فضيلة التمتع وقد خالفه في ذلك وفوته عليه وإن أفراد وقع عن المستنيب أيضاً ويرد نصف النفقة لأنه أخل بالإحرام بالعمرة من الميقات وقد أمره به وإحرامه
стр. 53
بالحج من الميقات زيادة لا يستحق به شيئاً، وإن أمره بالقران فأفرد أو تمتع صح ووقع النسكان عن الآمر ويرد من النفقة بقدر ما ترك من إحرام النسك الذي تركه من الميقات، وفي جميع ذلك إذا أمره بالنسكين ففعل أحدهما دون الآخر رد من النفقة بقدر ما ترك ووقع المفعول عن الآمر وللنائب من النفقة بقدره، وإن أمره بالحج فحج ثم اعتمر لنفسه أو أمره بعمرة فاعتمر ثم حج عن نفسه صح ولم يرد شيئاً من النفقة لأنه أتى بما أمر به على وجهه، وإن أمره بالإحرام من ميقات فأحرم من غيره
جاز لأنهما سواء في الأجزاء، وإن أمره بالإحرام من بلده فأحرم من الميقات جاز لأنه الأفضل، وإن أمره بالإحرام من الميقات فأحرم من بلده جاز لأنه زيادة لا تضر، وإن أمره بالحج في سنة أو بالاعتمار في شهر ففعله في غيره جاز لأنه مأذون فيه في الجملة انتهى. ويأتي في باب الإحرام مسائل في النيابة تناسب هذا الموضع وكذلك في الكلام عن رمي الجمار فلتراجع عند الحاجة.
-- فصل:
ويشترط لوجوب الحج على المرأة شابة كانت أو عجوزاً مسافة قصر ودونها وجود محرم نصاً، قال الإمام أحمد، المحرم من السبيل، قال الشيخ محمد الخلوتي وهذا الشرط من قسم الاستطاعة لا شرط سادس، ويدل لذلك قول الإمام المحرم من السبيل انتهى، فمن لم يكن لها محرم لم يلزمها الحج بنفسها ولا بنائبها ويعايا بها فيقال: غني بالغ عاقل حر لا يجب الحج عليه. ويجاب عنها فيقال: هذا في المرأة إذا كانت غنية لكن ليس لها محرم فإن المقدم من الروايتين أنه لا يجب الحج عليها، ولا فرق بين حج الفرض والتطوع في اشتراط المحرم، ويعتبر
стр. 54
المحرم لكل ما يعد سفراً عرفاً، ولا يعتبر المحرم إذا خرجت في أطراف البلد مع عدم الخوف عليها لأنه ليس بسفر، والمحرم معتبر لمن لعورتها حكم وهي بنت سبع سنين فأكثر لأنها محل الشهوة بخلاف من دونها.
قال شيخ الإسلام: وإماء المرأة يسافرن معها ولا يفتقرن إلى محرم لأنه لا محرم لهن في العادة الغالبة ويتوجه في عتقائها من الإماء مثله على ما قاله شيخ الإسلام من أنه لا محرم لهن في العادة، ويحتمل عكسه لانقطاع التبعية وملك أنفسهن بالعتق، قال في الفروع: وظاهر كلامهم، أي الأصحاب، اعتبار المحرم للكل، أي الأحرار وإمائهن وعتقائهن لعموم الأخبار، وعدمه، أي المحرم للمذكورات كعدم المحرم للحرة الأصل فلا يباح لها السفر بغيره مطلقاً، ونقل الأثرم: لا يشترط المحرم في الحج الواجب قال أحمد لأنها تخرج مع النساء ومع كل من أمنته، وقال ابن سيرين تخرج مع مسلم لا بأس به، وقال الأوزاعي مع قوم عدول، وقال مالك مع جماعة من النساء، وقال الشافعي مع حرة مسلمة ثقة، وقال بعض أصحابه وحدها مع الأمن، والصحيح عندهم يلزمها مع نسوة ثقات ويجوز لها مع واحدة، وعند شيخنا تحج كل امرأة آمنة مع عدم المحرم، وقال إن هذا متوجه في كل سفر طاعة وعنه لا يعتبر المحرم إلا في مسافة القصر وفاقاً لأبي حنيفة كما لا يعتبر في أطراف البلد مع عدم الخوف انتهى كلام صاحب الفروع ملخصاً، قال ابن المنذر: تركوا القول بظاهر الحديث واشترط كل واحد شرطاً لا حجة معه عليه انتهى كلام ابن المنذر.
قلت الصحيح من المذهب أن المحرم شرط للوجوب وعليه فلا يجب الحج على المرأة التي لا محرم لها كما قال الإمام أحمد ﵀: المحرم من السبل والمحرم المعتبر لوجوب النسك وجواز سفرها معه زوج، ويشترط فيه ما يشترط في غيره من العقل والبلوغ، وسمي الزوج محرماً مع حلها له لحصول المقصود من
стр. 55
صيانتها وحفظها به مع إباحة الخلوة بها، والمحرم أيضاً من تحرم عليه المرأة على التأبيد بنسب كالأب والابن والأخ والعم والخال، أو سبب مباح كزوج أمها وابن زوجها وأبيه وأخيها من رضاع لحرمتها، لكن يستثنى من سبب مباح نساء النبي ﷺ فإنهن محمرات على غيره على الأبد ولسنا محارم لهن إلا من بينه وبينهن نسب أو رضاع محرم أو مصاهرة كذلك، وحكمهن وإن كان قد انقطع بموتهن لكن قصدنا بيان خصوصيتهن وفضيلتهن، وخرج بقولنا مباح أم الموطوءة بشبهة أو زنا وبنتها فليس الواطئ لهن محرماً لعدم إباحة السبب، وخرج بقولنا لحرمتها الملاعنة فإن تحريمها على الملاعن عقوبة وتغليظ لا لحرمتها فلا يكون الملاعن محرماً لها، ويعتبر أن يكون المحرم ذكراً فأم المرأة وبنتها ليستا محرماً لها، ويعتبر كونه بالغاً عاقلاً مسلماً فمن دون البلوغ والمجنون والكافر ليس محرماً لأن غير المكلف لا يحصل به المقصود من الحفظ، والكافر لا يؤمن عليها كالحضانة وكالمجوسي لاعتقاده حلها، قال في الفروع: ويشترط كن المحرم ذكراً مكلفاً مسلماً خلافاً لأبي حنيفة والشافعي انتهى، ولا تعتبر الحرية في المحرم فلو كان أبو المرأة أو أخوها من نسب أو رضاع أو ولد زوجها أو أبوه ونحوه عبداً لم يضر ذلك، والعبد ليس محرماً لسيدته نص عليه الإمام أحمد لأنها لا تحرم عليه أبداً، إذ لو أعتقته لجاز له أن يتزوجها ولأنه لا يؤمن عليها ولو جاز له النظر إليها، وعن الإمام أحمد رواية أن العبد محرم لسيدته، وقال صاحب المحرر ذكر القاضي في شرح المذهب أن مذهب أحمد أنه محرما وفقاً للشافعي، واختار
ابن عقيل ثبوت المحرمية بوطء الشبهة وهو ظاهر ما في التلخيص فإنه قال بسبب غير محمر، واختاره شيخ الإسلام وذكره قول أكثر العلماء لثبوت جمع الأحكام فيدخل في الآية بخلاف الزنا، قال الشيخ
стр. 56
يحيى بن عطوة التميمي المتوفى سنة ٩٤٨ في بلد الجبيلة وهو تلميذ العسكري: يشترط في محرم المرأة أن يكون بصيراً انتهى. قلت لم أر من سبقه إلى ذلك من الأصحاب، وفي النفس من اشتراط ذلك شيء، والذي ينبغي القول به عدم اشتراط ذلك في المحرمية، والله أعلم.
ونفقة المحرم زمن سفره معها لأداء نسكها على المرأة لأنه من سبيلها، فيشترط لوجوب النسك عليها أن تملك زاداً وراحلة بآلتهما لها ولمحرمها، وأن تكون الراحلة وآلتها صالحين لهما على ما تقدم، فإن لمت تملك المرأة ذلك لها ولمحرمها لم يلزمها، قال الشيخ محمد الخلوتي في حاشيته على المنتهى ونفقة المحرم عليها زوجاً أو غيره لكن الذي يلزمها في جانب الزوج ما زاد على نفقة الحضر فيما يظهر فليراجع انتهى. قلت لا معنى لما ذكره الخلوتي هنا، والذي يظهر من إطلاقهم خلافه، وإنما يقال ذلك في مسألة أخرى وهي أن وجوب نفقة الزوجة على زوجها في السفر يكون بقدر نفقة الحضر وما زاد فعليها.
قال الشيخ منصور في شرح الإقناع: فيجب لها عليه بقدر نفقة الحضر وما زاد فعليها: أي إذا كان الذي معها زوجها وهذه مسألة أخرى. وتحقيق ذلك أن نقول: الزوجة تلزمها نفقة زوجها زمن سفره معها لأداء نسكها حيث كان محرماً لها سواء زادت على نفقة الحضر أم لم تزد، كما أن الزوج يلزمه نفقة زوجته بقدر نفقه الحضر لا غير وما زاد فعليها. إذا تقرر هذا اتضح لك أن عبارة الشيخ منصور في شرح الإقناع قد خرج فيها عن موضوع المسألة التي جرى التفريع عليها، وأن عبارة الشيخ الخلوتي في حاشيته على المنتهى قد فيها ما أطلقه الأصحاب من وجوب نفقة المحرم على المرأة في السفر زوجاً أو غيره، والله ولي التوفيق، قال في الغاية: ويجوز لها أن تتزوج من يحج بها انتهى، ولا يلزم المحرم مع بذلها الزاد والراحلة وما يحتاجه سفر معها للمشقة كحجة عن نحو كبيرة
стр. 57
عاجزة، قال المحب بن نصر الله: مفهوم كالمهم أنه إذا كان مسافراً معها وامتنع من صحبتها لزمه ذلك لعدم المشقة انتهى، وتكون إن امتنع محرمها من سفره معها كمن لا محرم لها فلا وجوب عليها وظاهر كلامهم لا يلزمها أجرة له. وفي الفروع: ويتوجه أن يجب له جرة مثله لا النفقة كقائد الأعمى ولا دليل يخص وجوب النفقة انتهى، والمذهب ما تقدم من وجوب نفقته عليها، قال في المنتهى وشرحه: ومن أيست منه أي المحرم استنابت من يفعل النسك عنها ككبير عاجز، فإن وجدت بعد فحكمها كالمعضوب، والمراد أيست بعد أن وجدت المحرم وفرطت بالتأخير حتى فقد لما قدمناه من نص الإمام انتهى.
قلت نص الإمام الذي أشار إليه هو قوله المحرم من السبيل وعليه ولا يجب الحج عليها ولو كانت غنية إذا لم تجد محرماً، وقوله فحكمها كالمعضوب: أي في إجزاء الحج عنها لأن المعضوب إذا استناب لعجزه ثم عوفى بعد حج النائب عنه يجزئه، وعلى القول المقابل للمذهب منن أن وجود المحرم شرط للزوم الأداء لا للوجوب فإنها إذا أيست من المحرم يلزمها أن تستنيب من يؤدي النسك عنها، سواء وجدت المحرم قبل ذلك وفرطت بالتأخير حتى فقد أو لم تجد محرماً أصلاً، ويعايا بها، فيقال: شخص صحيح قوي يستطيع الثبوت على الراحلة يجوز له أن يستنيب في حجة الإسلام، وجوابها أن يقال هذا في المرأة إذا أيست من المحرم، وقلنا إنه شرط للزوم الأداء على الرواية التي هي مقابل المذهب أو على المذهب من أن المحرم شرط للوجوب إذا كانت قد وجدته وفرطت بالتأخير حتى عدم، فإن عليها أن تستنيب من يؤدي النسك عنها، والله أعلم.
قال الشيخ محمد الخلوتي: قال في المنتهى: ومن أيست منه استنابت، حَمَله ولده الموفق على من وجدت المحرم أولاً ثم عدمته، وليس مبنياً على القول بأن المحرم شرط للزوم الأداء فإن المنصف يعني الشيخ
стр. 58
الفتوحي قد مشى سابقا على الصحيح من أنه شرط للوجوب لا للزوم الأداء وبيَّن في شرحه أن مما ينبني على هذا القول أن من لم تجد محرماً لا يلزمها الحج بنفسها ولا بنائبها، وعبارته هنا بدون هذا الحمل ظاهرة في القول بالقول الضعيف وعبارة شيخنا في حاشيته لا تخلو عن تعقيد انتهى كلام الخلوتي، وعبارة شيخه الشيخ منصور التي أشار إليها هذا نصها: قوله ومن أيست منه أي المحرم استنابت، هذا محمول على ما إذا وجدت المحرم ثم عدمت كما قال ولده الموفق، وإلا فمبني على أن المحرم شرط للزوم الأداء لا للوجوب كما يعلم من كلامه في أول الفصل في شرحه يعني شرح الفتوحي على المنتهى؛ وحكايته: نص الإمام انتهى كلام منصور، ومراده بنص الإمام هو قول أحمد المحرم من السبيل. قلت: ففي كلام الشيخ منصور نوع تعقيد كما قاله تلميذه ابن أخته محمد الخلوتي، ولو قال الشيخ منصور هذا محمول على ما إذا وجدت المحرم ثم عدمت، كما قال ولده الموفق، وكما يعلم من كلامه في أول الفصل في شرحه وحكايته نص الإمام، وإلا فهو مبني على القول بأن المحرم شرط للزوم الأداء لا للواجب، لسلم من التعقيد الذي أشار إليه الخلوتي والله أعلم.
وإن حجت امرأة بدون محرم حرم سفرها بدونه وأجزأها حجها وفاقاً للأئمة الثلاثة كمن حج وترك حقاً يلزمه من نحو دين فإنه يحرم عليه ذلك ويجزئه الحج، لكن على الصحيح من المذهب لا رخصة له فلا قصر ولا فطر لأن السفر محرَّم، وإن مات محرم سافرت معه بالطريق فإن كان مات قريباً رجعت لأنها في حكم الحاضرة، وإن كان مات بعيداً مضت في سفرها للحج، لأنها لا تستفيد برجوعها شيئاً لأنه بغير محرم ولو مع إمكان إقامتها ببلد، لأنها تحتاج إلى الرجوع ولم تصر محصرة إذ لا تستفيد بالتحلل زوال ما بها كالمريض، لكن إن كان حجها تطوعاً وأمكنها الإقامة ببلد فهو
стр. 59
أولى من السفر بغير محرم، وقال في المنتهى: وإن مات بالطريق مضت في حجها ولم تصر محصرة انتهى، وقال في الإقناع وإن مات المحرم قبل خروجها لم تخرج، وإن مات بعده، فإن كان قريباً رجعت، وإن كان بعيداً مضت ولم تصر محصرة انتهى، قال الشيخ عثمان بن قائد النجدي: فبين عبارة الإقناع والمنتهى تخالف بالإطلاق والتقييد، ولم ينبه الشيخ منصور في شرح المنتهى على ذلك انتهى. قلت لأن صاحب المنتهى أطلق مضيها إذا مات، وصاحب الإقناع قيده بما إذا كان بعيداً والله أعلم، وقد ذكر صاحب المنتهى والإقناع وغيرهما في باب العدد تفاصيل جيدة فيما إذا كان المحرم المتوفى زوجاً فليراجع في محله عند الحاجة إليه، وعلى القول برجوعها إذا مات محرمها قريباً فهو فيما إذا أمكنها الرجوع، وإلا بأن كانت في سيارة فيها ركاب سواها أو بابور بري أو بحري أو طائرة مثلاً، فإنها في هذه الحالة لا تتمكن من الرجوع في الغالب إذا مات محرمها، وحينئذ لا إثم عليها إذا لم ترجع للعذر، وكذلك فيما يظهر لو تمكنت من الرجوع، ولكنها خشيت في رجوعها بغير محرم انفراد فاسق بها في الطريق أو عدم الاهتداء إليه أو ضرراً يلحقها في بدنها أو مالها، فإنه لا يلزمها الرجوع ولو كانت دون مسافة قصر، والله أعلم.
(تتمة) يصح حج المغصوب على الحج وأجير الخدمة والمكاري والتاجر، قال بعض المفسرين في قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم) هو النفع والربح في التجارة، وكان ناس من العرب يتأثمون أن يتجروا أيام الحج، وإذا دخلت عشر ذي الحجة كفوا عن البيع والشراء فلم يقم لهم سوق، ويسمون من يخرج للتجارة الداج، ويقولون هؤلاء الداج وليسوا بالحاج، وقيل كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية يتجرون فيها أيام الموسم،
стр. 60
وكانت معايشهم منها فلما جاء الإسلام تأثموا فرفع عنهم الجناح في ذلك وأبيح لهم، وإنما يباح ما لم يشغل عن العبادة، وعن ابن عمر ﵄ أن رجلاً قال له إنا نكرى في هذا الوجه وإن قوما يزعمون أن لا حج لنا، فقال سأل رجل رسول الله ﷺ عما سألت عنه، فلم يرد عليه حتى نزلت: (ليس عليكم جناحٌ أن تبتغوا فضلا من ربكم) فدعا به فقال أنتم حجاج.
وعن عمر ﵁ أنه قيل له هل كنتم تكرهون التجارة في الحج؟ فقال وهل كنت معايشنا إلا من التجارة في الحج. انتهى. قال في المصباح: عكاظ وزان غراب: سوق من أعظم أسواق الجاهلية وراء قرن المنازل بمرحلة من عمل الطائف، وقال أبو عبيد: هي صحراء مستوية لا جبل بها ولا علم، وهي بين نجد والطائف وكان يقام فيها السوق في ذي القعدة نحوا من نصف شهر، ثم يأتون موضعاً دونه إلى مكة يقال له سوق مجنة فيقام فيه السوق إلى آخر الشهر، ثم يأتون موضعاً قريباً منهن يقال له ذو المجاز فيقام فيه السوق إلى يوم التروية، ثم يصدرون إلى منى، والتأنيث لغة الحجاز، والتذكير لغة تميم انتهى كلام صاحب المصباح، قال في القاموس: وذو المجاز سوق كانت لهم على فرسخ من عرفة بناحية كبكب انتهى. قال الأزرقي: مجنة سوق بأسفل مكة على بريد منها وهي سوق لكنانة وأرضها من أرض كنانة وهي التي يقول فيها بلال ﵁.
وهل أردن يوما مياه مجنة: وذو المجاز سوق لهذيل عن يمين الموقف من عرفة قريب من كبكب على فرسخ من عرفة انتهى. وقد حصل في عكاظ أربعة أيام في الجاهلية بين قريش
стр. 61
وبين هوازن وهي: يوم شمطة ويوم العبلا ويوم يثرب ويوم الحريرة، وهذه المواضيع معروفة الآن وهي قريبة من مطار الطائف فيستدل على موضع عكاظ بهذه المواضع الأربعة، والله أعلم.
إذا تقرر هذا فإن الحج من المغصوب والأجير والتاجر صحيح ولا إثم، نص على ذلك الإمام أحمد وفاقاً للأئمة الثلاثة، قال في الفصول والمنتخب: والثواب بحسب الإخلاص، قال أحمد: ولو لم يكن تجارة كان أخلص انتهى.
ولهذا ذكر في الإقناع والمنتهى وغيرهما أنه متى نوع مع نية الصوم هضم الطعام مع نية الحج التجارة أو رؤية البلاد النائية أن ذلك ينقص من الأجر، وهذا مع عدم تمحض النية كلها لذلك فإن تمخضت لذلك فعبادة باطلة فيجب على كل مسلم أن يخلص أعماله لله جل وعلا، قال الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن رجب: الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض صلاة وصوم، وقد يصدر في نحو صدقة وحج، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وقال إن شارك الرياء العمل من أصله فالنصوص الصحيحة على بطلانه، وإن كان أصل العمل لله ثم طرأ عليه خاطر الرياء ودفعه لم يضر بلا خلاف، وإن استرسل معه فخلاف، رجح أحمد أن عمله لا يبطل بذلك انتهى، وإن حج على حيوان مغصوب ومثله سيارة مغصوبة أو بما مغصوب، عالماً ذاكراً لذلك وقت حجه لم يصح وإلا صح، وما أحسن ما قال بعض الفضلاء في هذين البيتين:
إذا حججت بمال أصله سحت ... فما حججت ولكن حجت العير
ما يقبل الله إلا كل صالحة ... ما كل من حج بيت الله مبرور
قال الشيخ مرعي في غايته: ولو تاب من ذلك في الحج قبل الدفع من عرفة أو بعده إن عاد فوقف في الوقت مع تجديد إحرام. إن حجة يصح لتلبسه بالمباح
стр. 62
حال فعل الأركان انتهى. وقد سئل الشيخ موسى الحجاوي عمن حج بمال حرام ما حم حجه؟ فأجاب إذا حج بالمال الحرام من جمل أو نفقة لزمه أن يحج ثانياً لعدم سقوطه بالمال الحرام انتهى. وروي أن الإمام مالكا ﵀ وقف في المسجد الحرام في الحج ونادى: أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس: من حج بمال حرام فليس له حج انتهى.
-- باب المواقيت:
جمع ميقات، وهو لغة: الحد، وشرعاً: مواضع وأزمنة معينة لعبادة مخصوصة، فميقات أهل المدينة ذو الحليفة بضم الحاء وفتح اللام، وهي أبعد المواقيت عن مكة وبينها وبين مكة عشر مراحل أو أقل أو أكثر بحسب اختلاف السير والطرق فإن منها إلى مكة عدة طرق وبينها وبين المدينة ستة أميال تقريباً وتعرف الآن بأبيار علي، قيل سميت بذلك لأن عليا ﵁ قاتل الجن في بعض تلك الآبار، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وهو كذب لا أصل له فإن الجن لم يقاتلهم أحد من الصحابة، وعلي ﵁ أرفع قدراً من أن تثبت الجن لقتاله، ولا فضيلة لهذه البئر ولا مذمة، ولا يستحب أن يرمى بها حجر ولا غيره، بل فعل ذلك والقول به من خرافات الجاهلين، وفي هذا الميقات مسجد يسمى مسجد الشجرة وقد خرب وعمر في سنة ثمان وثمانين ومائتين وألف، قال السمهودي في تاريخه: قد اختبرت ذرع ذلك فكان من عتبة باب المسجد النبوي المعروف بباب السلام إلى عتبة مسجد الشجرة بذي الحليفة تسعة عشر ألف ذراع بتقديم المثناة الفوقية وسبعمائة ذراع بتقديم السين واثنين وثلاثين ذراعاً ونصف ذراع بذراع اليد، وقد نظم بعضهم أسماء المواقيت وأسماء أهلها فقال:
стр. 63
عرق العراق يلملم اليمنى ... وذو الحليفة يُحرم المدني.
والشام جحفة إن مررت بها ... ولأهل نجد قرن فاستبن.
ونظمها بعضهم أيضاً مبيناً مقدار بعد كل منها عن مكة، فقال:
قرن يلملم ذات عرق كلها ... في البعد مرحلتان من أم القرى.
ولذي الحليفة بالمراحل عشرة ... وبها لجحفة ستة فأخبر تري.
انتهى، والمراد بسير الإبل المحملة والمشي على الإقدام.
وميقات أهل الشام ومصر والمغرب: الجحفة بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، قرية على طريق المدينة خربة قرب رابغ على يسار الذاهب لمكة تعرف الآن بالمقابر كان اسمها مهيعة فجحف السيل بأهلها فسميت بذلك، وتلى ذا الحليفة بالبعد عن مكة، قال في المنتهى وشرحه: وبينها وبين المدينة ثمان مراحل وبينها وبين مكة ثلاث مراحل أو أربع، ومن أحرم من رابغ فقد أحرم قبل الميقات بيسير انتهى.
وفي فتح الباري لابن حجر العسقلاني: بينها وبين مكة خمس مراحل أو ست، وفي قول النووي في شرح المذهب ثلاث مراحل نظر انتهى.
قلت ما ذكره الحافظ في الفتح وجيه لأن المسافة التي بين الجحفة ومكة هي كما ذكر خلافا لما في شرح المهذب والمنتهى وغيرهما.
قال شيخ الإسلام في منسكه الأخير بعد كلام سبق: ولهذا صار الناس يحرمون قبل الجحفة من المكان الذي يسمى رابغاً، وهذا ميقات لمن حج من ناحية المغرب كأهل الشام ومصر وسائر المغرب، لكن أهل الشام إذا اجتازوا بالمدينة النبوية كما يفعلونه في هذه الأوقات أحرموا من ميقات أهل المدينة فإن هذا هو المستحب لهم بالاتفاق، وإن أخروا الإحرام إلى الجحفة ففيه نزاع انتهى.
وقال في الاختيارات: ومن ميقاته الجحفة كأهل مصر والشام إذا مروا على المدينة فلهم تأخير الإحرام
стр. 64
إلى الجحفة، ولا يجب عليها الإحرام من ذي الحليفة، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك انتهى.
وحكى الأثرم عن الإمام أحمد أنه سئل أي سنة وقت النبي ﷺ المواقيت؟ فقال عام حج انتهى. والجحفة كانت مسكن اليهود فدعا رسول الله ﷺ ربه في أوائل الهجرة أن ينقل حُمى المدينة إليها فنقلها إليها حتى لو مر بها طائر حُمَّ فنزلت في اليهود فقطعتهم. فإن قيل كيف جعلت ميقاتاً وفيها الحمى المذكورة مع أن في ذلك ضرراً على المسلمين؟ أجيب بأن نقل الحمى إليها مدة مقام اليهود بها، ثم زالت الحمى عنها بزوالهم من الحجاز أو قبله حين أقت النبي ﷺ المواقيت، وذلك لأنه ﷺ لا يأمر بما فيه ضرر على المسلمين كما علم من قواعد الشريعة المطهرة. وعند المالكية إذا مرَّ المصري والشامي والمغربي بذي الحليفة فالأفضل لهم أن يحرموا منها ولهم التأخير للجحفة. وفي منسك الشيخ يحيى الحطاب من المالكية، قال مالك: ومن حج في البحر من أهل مصر والشام وشبههما أحرم إذا حاذى الجحفة، قال شارحه الشيخ محمد البناني: أي ولا يؤخره إلى البر، وعليه درج الخرشي في شرحه حيث قال: إن من سافر في البحر فإنه يحرم إذا حاذى الميقات ولا يؤخره إلى البر انتهى.
فعليه إذا لم يحرم عند محاذاة الميقات ببحر وأخره إلى البر أساء وعليه دم عندهم، وقد نقل ابن الحاج في مناسكه رواية ابن نافع عن مالك وهي تخالف ما تقدم عن مالك، ونص ما في مناسك ابن الحاج قال ابن نافع لا يحرم المسافر في السفن، ورواه عن مالك ﵀ انتهى، كذا في الحطاب على منسك خليل انتهى، وعند الحنفية أن من سلك طريقا ليس فيه ميقات معين براً أو بحراً اجتهد وأحرم إذا حاذى ميقاتاً منها، ومن حذو الأبعد أولى، وإن لم يعلم المحاذاة فعلى مرحلتين من مكة كجدة، وعندهم أن من
стр. 65
ترك ميقاته الذي جاوزه وأحرم من ميقات آخر ولو أقرب إلى مكة من الأول، سقط عنه الدم، وإن المدني إذا جاوز ذا الحليفة غير محرم إلى الجحفة كره، وفي لزوم الدم عندهم خلاف، والصحيح عدم وجوبه لأنه إذا كان في طريقه ميقاتان فالسالك مخير عندهم في أن يحرم من الأول وهو الأفضل، أو يحرم من الثاني فإنه رخصة له، وروي عن أبي حنيفة أنه قال في غير أهل المدينة: إذا مروا على المدينة فجاوزوها إلى الجحفة فلا بأس بذلك وأحب إليّ أن يحرموا من ذي الحليفة لأنهم لما وصلوا إلى الميقات الأول لزمهم محافظة حرمته فيكره لهم تركها انتهى.
وقالت الشافعية: من سلك البحر أو طريقاً ليس فيه شيء من المواقيت الخمسة أحمر إذا حاذى أقرب المواقيت إليه، فإذا كان عند محاذاة ذي الحليفة على ميلين منها، وعند محاذاة الجحفة على ميل كان ميقاته الجحفة، وإن استويا في القرب إليه أحرم عند محاذاة الأبعد من مكة، فإن لم يحاذ شيئا كالآتي من غربي جدة في البحر أحرم على مرحلتين من مكة. قلت: إنما سقت في هذا الموضع مذاهب الأئمة الثلاثة رغبة في حصول الفائدة للناظر في هذا الكتاب، ويأتي إن شاء الله تحقيق الكلام في هذه المسألة على مذهب الحنابلة عند قولنا: ومن لم يمر بميقات من المذكورات أحرم بحج أو عمرة وجوباً إذا علم أنه حاذى أقرب المواقيت، وبالله التوفيق.
وميقات أهل اليمن يَلَمْلَمُ بفتح التحتية أوله ويقال له ألملم بهمزة أوله، وهو أصل يلملم قلبت الهمزة ياء، ويقال أيضاً يرمرم براءين مهملتين بدل اللامين، فإن أريد به الجبل فمنصرف، وإن أريد به البقعة فغير منصرف، قال في الإقناع وشرحه: وجبل معروف انتهى، وفي المصباح وألملم جبل بتهامة على ليلتين من مكة، وهو ميقات أهل اليمن، وقد غلب على البقعة فيمتنع الصرف للعملية والتأنيث، ويبدل من الهمزة ياء فيقال يلملم انتهى
стр. 66
ملخصا، وبين يلملم وبين مكة مرحلتان أربعون ميلاً. واليمن كل ما كان على يمين الكعبة من بلاد الغور، والنسبة إليه يمني على القياس، ويماني على غير القياس. وميقات أهل نجد قرن بفتح القاف وسكون الراء، يقال له قرن المنازل، على يوم وليلة من مكة بسير الإبل المحملة، قال في المصبح: نجد سمي بها بلاد معروفة من ديار العرب مما يلي العراق وليست من الحجاز وإن كانت من جزيرة العرب، قال في التهذيب: كل ما وراء الخندق الذي خندقه كسرى على سواد العراق فهو نجد إلى أن تميل إلى الحرة، فإذا ملت إليها فأنت في الحجاز، وقال الصنعاني: كل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد انتهى، وقد غلط صاحب المصباح حيث قال: وقرن بالسكون ميقات أهل نجد، وهو جبل مشرف على عرفات، ويقال له قرن المنازل وقرن الثعالب انتهى. وقال في شرح المصابيح: وقرن جبل أملس كأنه بيضة في تدوره، وهو مطل على عرفات انتهى، وهذا وَهم، وقال في القاموس: قرن جبل مطل على عرفات والحجر الأملس النقي وميقات أهل نجد وهي قرية عند الطائف أو اسم الوادي كله انتهى. قلت قرن المنازل هو ميقات أهل نجد وهو معروف مشهور ويسمى الآن بالسيل الكبير، ويتصل وادي السيل هذا بوادي المحرم المسمى أيضاً قرناً الذي تمر معه السيارات الذاهبة من الطائف إلى مكة مع الجبل المسمى كرا، وكالهما يطلق عليهما اسم قرن الميقات المذكور فمن أحرم من أحدهما فقد أحرم من الميقات الشرعي والله أعلم.
وأما قرن الثعالب فقد قال الفاكهي في أخبار مكة: إنه جبل مشرف على أسفل مِنى قريباً من مسجد الخيف بينه وبين المسجد ألف وخمسمائة ذراع، وقيل له ذلك لكثرة ما كان يأوي إليه من الثعالب انتهى كلامه.
وميقات أهل المشرق والعراق وخراسان وابقي الشرق ذات عِرق، منزل معروف سمي بذلك لعرق فيه: أي جبل
стр. 67
صغير، أو أرض سبخة تنبت الطرفا، قال في الإقناع وهي قرية خربة قديمة، وعرق هو الجبل المشرف على العقيق انتهى ملخصاً، وإذا كان الميقات قرية فانتقلت إلى مكان آخر فموضع الإحرام من الأولى، وإن انتقل الاسم إلى الثانية؛ لأن الحكم تعلق بذلك الموضع فلا يزول بخرابه، وقد رأى سعيد بن جبير رجلاً يريد أن يحرم من ذات عرق فأخذ بيده حتى خرج به من البيوت وقطع الوادي فأتى به المقابر هذه ذات عرق الأولى، قال في فتح الباري: عرق بكسر العين وسكون الراء بعدها قاف هو الحد الفاصل بين نجد وتهامة انتهى ملخصاً، قال بعض متأخري الحنفية: ذات عرق بعد المضيق إلى جهة العراق وقبل العقيق فمن أحرم منه فقد أحرم من الميقات بيقين انتهى. قال بعض الشافعية: والأفضل في حق أهل العراق والمشرق أن يحرموا من العقيق، وهو وادٍ بقرب ذات عرق أبعد منها انتهى.
قلت: ذات عرق وهي ميقات أهل المشرق والعراق وخراسان وباقي الشرق، وموضعها معروف مشهور، وبها وادٍ وهي بين العقيق وبين قرية المضيق، وكان بعض حجاج أهل نجد إذا حجوا على الإبل يحرمون منها فيدخلون إليها مع الطريق المسمى الآن عند أهل نجد وغيرهم بريع الضريبة بفتح الضاد وكسر الراء على وزن الزريبة، وأما أهل المشرق والعراق وغيرهم ممن على جهاتهم فهم في هذه الأزمان لا يحرمون من هذا الميقات لأنهم يحجون في الغالب على سيارات وهي لا تتمكن من عبور هذا الطريقة لمشقته، وإنما يأتون على قرن الميقات أو من طريق جدة وأما العقيق فهو وادٍ كبير معروف مشهورة وهو غير وادي العقيق الذي بقرب المدينة المنورة الذي ورد فيه الحديث، عن ابن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ بوادي العقيق يقول: (أتأني الليلة آت من ربي فقال صلّ
стр. 68
في هذا الوادي المبارك، وقل عمرة في حجة) فإن هذا بينه وبين المدينة أربعة أميال تقريباً.
وهي المواقيت كلها ثبتت بالنص لما روى ابن عباس قال: وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرنا ولأهل اليمن يلملم. هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج والعمرة ومن كان دون ذلك فمهله من أهل وكذلك أهل مكة يهلون منها. متفق عليه.
وعن عائشة أن النبي ﷺ وقَّت لأهل العراق ذات عرق. رواه أبو داود والنسائي، وعن جابر نحوه مرفوعا. رواه مسلم. والأفضل أن يحرم من أول الميقات وهو الطرف الأبعد عن مكة احتياطا، وإن أحرم من الميقات من الطرف الأقرب من مكة جاز لإحرامه من الميقات وفاقاً للأئمة الثلاثة.
(تنبيه) : إذا أحرم من قرن المسمى بالسيل من موضع القهاوي التي خارج الوادي إلى جهة مكة فإنه لا يعتبر محرماً من الميقات المذكور، بل يكون حكمه حكم من جاوز الميقات بغير إحرام، ويلزمه ما يلزم المجاوز للميقات غير محرم من الدم، وقد وقع في ذلك جم غفير من الحجاج والمعتمرين لا سيما بعد أن بينت هذه القهاوي وصار الحجاج يقفون عندها بسياراتهم للإحرام، وقليل من الحجاج من إذا أراد الإحرام يرجع إلى الوادي حتى يحرم من نفس الميقات الذي وقته رسول الله ﷺ ، فالواجب على من نصح نفسه التنبه لذلك وتنبيه الجاهل عن الإحرام من نفس القهاوي التي بعد الوادي مما يلي مكة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
والمواقيت المذكورة لأهلها ولمن مر عليها من غير أهلها ممن يريد الحج
стр. 69
والعمرة كما في الحديث، وقوله في الحديث (هن لهن) أي المواقيت المذكورة للجماعات المذكورة أو لأهلن على حذف المضاف، ووقع في صحيح البخاري في باب مَهَل أهل اليمن بلفظ (هن لأهلهن) ووقع في البخاري أيضاً بلفظ (هن لهم ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمر ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة) ومعنى هن لهم أن المواقيت المذكورة لأهل البلاد المذكورة، فعلى هذا إذا مر الشامي أو المدني أو المصري أو غيرهم على غير ميقات بلده كالشامي يمر بذي الحليفة والنجدي يمر بذات عرق فإنه يحرم من الميقات الذي مر عليه لأنه صار ميقاته، ومن منزله بين الميقات ومكة كأهل خليص وعسفان ووادي فاطمة وبحرة وحده بالحاء المهملة ولزيمة والشرائع ونحوهم فميقاته من موضعه وفاقاً للمالكية والحنفية والشافعية لقوله ﷺ : (ومن كان دون ذلك فمهله من أهله) فإن كان له منزلان جاز أن يحرم من أقربهما إلى مكة، والأولى أن يحرم من البعيد عن مكة كما تقدم في طرفي الميقات، وجزم الشيخ مرعي في الغاية بأن بلاده كلها منزله، قال محمد الخلوتي: ومن منزله دونها فيمقاته منه، والمراد من بلده انتهى.
وحكم من منزله دون الميقات خارجا من الحرم كأهل لزيمة والشرائع ووادي فاطمة ونحوهم إذا جاوز قريته إلى ما يلي الحرم حكم المجاوز للميقات لأن موضعه ميقاته فهو في حقه كالمواقيت الخمسة في حق الأفقي وأهل مكة ومن بها من غيرهم، سواء كانوا في مكة أو في الحرم كمنى ومزدلفة إذا أرادوا العمرة فمن الحل، ومن التنعيم أفضل، وهو مذهب الحنابلة وفاقاً للحنفية لأن النبي ﷺ أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم، متفق عليه، ولأن أفعال العمرة كلها في الحرم فلم يكن بد من الحل ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم، بخلاف الحج فنه يخرج إلى عرفة وهي من الحل
стр. 70
فيحصل الجمع بين الحل والحرم، والتنعيم أقرب الحل إلى مكة، وقال الإمام أحمد: كلما تباعد فهو أعظم للأجر، وفي التلخيص والمستوعب من الجعرانة أفضل وفاقاً للشافعية لاعتماره ﷺ منها، فإن أحرم أهل مكة وحرمها من مكة أو من الحرم انعقد إحرامهم بالعمرة لأهليتهم له، ومخالفة الميقات لا تمنع الانعقاد كمن أحرم بعد الميقات، وفيه دم لمخالفة الميقات كمن جاوز الميقات، بلا إحرام ثم إن خرج إلى الحل قبل إتمام العمرة ولو بعد الطواف أجزأته عمرته عن عمرة الإسلام لأن الإحرام من المحل المشروع له ليس شرطاً لصحة النسك وكذا تجزئة العمرة إن لم يخرج إلى الحل لما سبق قدمه في المغني، قال الزركشي هو المشهور.
وفوات الإحرام من الميقات لا يقتضي البطلان لأن الإحرام من الميقات ليس شرطا كما تقدم، فإن أحرم من مكة أو الحرم قارنا فلا دمه عليه لأجل إحرامه بالعمرة من مكة تغليبا للحج على العمرة لاندراجها فيه وسقوط أفعالها. وأما دم القِران فيلزمه بشرطه، وإن أراد من بمكة أو الحرم الحج فإن يحرم من مكة مكياً كان الحاج أو غيره إذا كان في مكة من حيث شاء منها، لقول جابر: (أمرنا رسول الله ﷺ لما حللنا أن نحرم من الأبطح) رواه مسلم. ونص أحمد في رواية حرب يُحرم من المسجد، وفي الإيضاح والمبهج لأبي الفرج الشيرازي: من تحت الميزاب ويسمى الحطيم، لكن حديث جابر صريح في أن النبي ﷺ أمر الصحابة ﵃ أن يُحرموا من الأبطح ولم أطلع على دليل يقضي بتفضيل الإحرام من المسجد أو من تحت الميزاب أو غيرهما من بقاع مكة، والله أعلم.
ويجوز إحرامه من سائر الحرم ومن الحل كالعمرة وكما لو خرج إلى الميقات
стр. 71
الشرعي، ولا دم عليه لعدم الدليل على وجوبه، ويأتي في باب صفة الحج شيء مما تقدم، ومن لم يمر بميقات من المذكورات أحرم بحج أو عمرة وجوباً إذا علم أنه حاذى أقرب المواقيت منه لقول عمر ﵁: (انظروا حذوها من طريقكم) رواه البخاري، وسن له أن يحتاط ليخرج من عهدة الواجب، فإن لم يعلم حذو الميقات أحرم من بعدٍ إذ الإحرام قبل الميقات جائز، وتأخيره عنه حرام فإن تساويا قُرباً منه فإنه يحرم من حذو أبعدهما من مكة من طريقه، لأنه أحوط، فإن لم يحاذ ميقاتاً كالذي يجيء من سواكن إلى جدة من غير أن يمر برابغ ولا يلملم لأنهما أمامه فيصل جدة قبل محاذاتهما، أحرم عن مكة بقدر مرحلتين فيحرم في المثال من جدة لأنها على مرحلتين من مكة، لأنه أقل المواقيت، وتقدم البحث في ذلك على مذاهب الأئمة الثلاثة، فإن أحرم ثم علم بعد أنه قد جاوز غير محرم ما يحاذي الميقات فعليه دم، قاله في المغني والشرح، قال في المبدع: وهو متجه.
-- فصل:
ولا يجوز لمن أراد دخول مكة ولو لتجارة أو زيارة أو أراد دخول الحرم أو أراد نسكا تجاوز الميقات بغير إحرام إن كان حراً مسلماً مكلفاً؛ بخلاف الرقيق والكافر وغير المكلف، لأنهم ليسوا من أهل فرض الحج، فلو جاوز الميقات رقيق أو كافر أو غير مكلف ثم لزمهم الإحرام بأن عتق الرقيق، وأسلم الكفار، وكلف غير المكلف، أحرموا من موضعهم لأنه حصل دون الميقات وعلى وجه مباح فكان له أن يحرم منه كأهل ذلك الموضع ولا دم عليهم إذا أحرموا من
стр. 72
موضعهم، لأنهم لم يجاوزوا الميقات حال وجوب الإحرام عليهم بغير إحرام، فإن لم يرد الحرم ولا نسكا لم يلزمه الإحرام بغير خلاف، لأنه ﷺ وأصحابه أتوا بدراً مرتين وكانوا يسافرون للجهاد فيمرون بذي الحليفة بغير إحرام. قال شيخ الإسلام: وليس لأحد أن يجاوز الميقات إذا أراد الحج أو العمرة إلا بإحرام، وإن قصد مكة لتجارة أو لزيارة فينبغي له أن يحرم، وفي الوجوب نزاع انتهى. وعند الحنفية: يجب الإحرام من الميقات لأحد النسكين، ويحرم تأخيره عنه لمن أراد الحج أو العمرة أو دخول مكة أو الحرم ولو كان لقصد التجارة أو غيرها من إرادة نزهة أو دخول بيته ولم يرد نسكا، ويلزمه الدم بتأخير الإحرام عن الميقات ويجب عليه أحد النسكين إن لم يحرم عند دخول الميقات أو بعده إلى أن دخل مكة فيلزمه التلبس بحجة أو عمرة ليقوم بحق حرمة البقعة، وعندهم أيضا أن من جاوز الميقات غير محرم ثم أحرم بعد المجاوزة أو لم يحرم بعدها فعليه العود: أي يجب عليه الرجوع إلى ميقات من المواقيت، ولو كان أقربها إلى مكة ولم يتعين عليه العود إلى خصوص ميقاته الذي تجاوزه بلا إحرام. وعن أبي يوسف الأولى أن يحرم من ميقاته كما صرح به في المحيط، وإن لم يعد مطلقا فعليه دم لمجاوزة الميقات.
فإن عاد قبل شروعه في طواف أو وقوف سقط الدم إن لبى من الميقات، وقال أبو حنيفة: لا يسقط الدم بالعود محرما لبى أو لم يلب، وقال زفر لا يسقط لبى أو لم لب لأن جنايته لا ترتفع بالعود، وعندهم أيضا يجوز لمن منزله الميقات أو داخله من أفقي وغيره، دخول الحرم ومكة إلا أن يريد نسكا، هذا ملخص مذهب الحنفية. وعند المالكية أن المار بالميقات، إما أن يريد مكة أولاً، فإن كان لا يريد مكة أو كان غير مخاطب بالنسك كالعبد والصبي فلا إحرام عليه، فإن بدا له دخول مكة بعد
стр. 73
تعدي الميقات فأحرم فلا دم عليه ولو كانت حجة الإسلام، وإن كان يريد مكة وجب عليه الإحرام ولو لم يرد نسكا، فلو دخلها بغير إحرام وجب عليه أن يرجع إلى الميقات ليحرم منه إلا أن يغلب على ظنه فوات الحج أو الرفقة التي لا يجد غيرها فيحرم من مكانه الذي هو به ولا يرجع ويلزمه هدي.
وإن أحرم بعد تعدي الميقات وجب عليه الهدي ولو لم يرد نسكا، لأن قصد مكة كقصد النسك كما في نقل ابن عرفة واعتمدوه، قال أبو مصعب من أصحاب مالك وعبد الملك لا يجوز أن يدخل مكة إلا محرماً ولو لتجارة أو لكونها وطنه أو لزيارة أهل بمكة أو لاستقضاء حق من غرمائه أو لشبه ذلك، وقال ابن شهاب: له أن يدخل حلالا ولا شيء عليه، هذا ملخص مذهب المالكية، وعند الشافعية إذا انتهى إنسان إلى الميقات وهو يريد حجاً أو عمرة لزمه أن يحرم منه، فإن جاوزه غير محرم عصى ولزمه أن يعود إليه ويحرم منه إن لم يكن له عذر، فإن كان له عذر كخوف الطريق أو الانقطاع من الرفقة أو ضيق الوقت أحرم ومضى في نسكه ولزمه دم إذا لم يعد، فإن عاد إلى الميقات قبل الإحرام فأحرم منه أو بعد الإحرام ودخول مكة قبل أن يطوف أو يفعل شيئاً من أنواع النسك سقط عنه الدم، وإن عاد بعد فعل نسك لم يسقط عنه الدم، وسواء في لزوم الدم من جاوزه عامداً أو جاهلاً أو ناسياً أم معذوراً بغير ذلك، وإنما يفترقون في الإثم فلا إثم على الناسي والجاهل ويأثم العامد، وأما إذا لم يرد حجاً ولا عمرة فإنه لا يلزمه الإحرام إذا أتى الميقات، هذا ملخص مذهب الشافعية والله أعلم. قال الشيخ أبو محمد المقدسي في المغني: النوع الثالث المكلف الذي يدخل للحرم إما مكة أو غيرها ليغر قتال ولا حاجة متكررة فلا يجوز له تجاوز الميقات غير محرم، وبه قال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: لا يجب الإحرام
стр. 74
عليه. وعن أحمد ما يدل على ذلك، وقد روى عن ابن عمر أنه دخلها بغير إحرام ولأن الوجوب من الشرع ولم يرد من الشارع إيجاب ذلك على كل داخل فبقى عن الأصل.
إذا ثبت هذا فمتى أراد هذا الإحرام بعد تجاوز الميقات رجع فأحرم منه، فإن أحرم من دونه فعليه دم كالمريد للنسك انتهى ملخصاً، وقال أيضا ومن دخل الحرم بغير إحرام ممن يجب عليه الإحرام فلا قضاء عليه، وهذا قول الشافعي، وقال أبو حنيفة يجب عليه أن يأتي بحجة أو عمرة إلى أن قال ولنا أنه مشروع كتحية البقعة فإذا لم يأت به سقط لتحية المسجد وتمامه فيه ومثله في الشرح الكبير. قال في الفروع: إذا أراد حر مسلم مكلف نسكا أو مكة نص عليه أو الحرم لزمه إحرام من ميقاته وفاقاً لأبي حنيفة ومالك إلا أن أبا حنيفة يجوِّز لمن منزله الميقات أو داخله من أفقي وغيره دخول الحرم ومكة إلا أن يريد نسكاً ولا وجه للتفرقة، وظاهر مذهب الشافعي يجوز مطلقا إلا أن يريد نسكا، وعن أحمد مثله ذكرها القاضي وجماعة وصححها ابن عقيل وهي أظهر للخبر السابق، وينبني على عموم المفهوم والأصل عدم الوجوب يعني عدم وجوب الإحرام على كل داخل، والله أعلم.
(تنبيه) : لا يجوز لمن أراد دخول الحرم أو مكة أو أراد نسكاً تجاوز الميقات
стр. 75
بغير إحرام هذا هو المذهب وعن الإمام أحمد رواية لا يجب عليه الإحرام إذا لم يرد نسكا ذكرها القاضي أبو يعلى وجماعة وصححها ابن عقيل واستظهرها ابن مفلح في الفروع، قال الموفق في المغني لأن الوجوب من الشرع ولم يرد من الشارع إيجاب ذلك على كل داخل فبقى على الأصل انتهى.
وروى عن ابن عمر أنه دخلها بغير إحرام وهو الصحيح من مذهب الشافعية، إذا تقرر هذا فعلى المذهب لو لم ينو نسكا ودخل مكة غير محرم فهل يلزم دم أو لا؟ الظاهر أنه لا يلزمه دم لأن الدم إنما يجب لجبران النقص الذي حصل في نسكه، وهذا لم يأت بنسك يجبره بدم وتقدم قريبا قول صاحب المغني إن الإحرام مشروع لتحية البقعة فإذا لم يأت به سقط كتحية المسجد، فإن تجاوز الميقات بغير إحرام لقتال مباح جاز لدخوله ﷺ يوم فتح مكة وعلى رأسه المغفر ولم ينقل عنه ولا عن أحد من أصحابه أنه دخل مكة محرماً ذلك اليوم، أو لخوف أو لحاجة تتكرر كحطاب وفيج وهو رسول السلطان وناقل ميرة وحشاش وحطاب وفحام وناقل فاكهة من الطائف أو غيره وصاحب البريد ونحوهم ومكي يتردد لقرية بالحل، قال مرعي أو خارج الميقات انتهى.
فهؤلاء لهم الدخول بلا إحرام لما روى حرب عن ابن عباس (لا يدخل إنسان مكة إلا محرما إلا الجمالين والحطابين وأصحاب منافعها) احتج به أحمد دفعاً للمشقة والضرر لتكرره، قال ابن عقيل وكتحية المسجد في حق قيمة للمشقة، ثم إن بدا لمن لا يلزمه الإحرام ممن تقدم ذكرهم ممن تتكرر حاجته، والمكي الذي يتردد إلى قريته بالحل أن يحرم أو بدا لمن لم يرد الحرم كقاصد عسفان أو المضيق أو وادي فاطمة المسمى بمر الظهران أو لزيمة أو الشرايع ونحوهم أن يحرم أو تجاوز الميقات غير قاصد مكة ثم بدا له قصدها فجميع هؤلاء يحرمون من الموضع الذي بدا لهم
следующие страницы →