← Фикх общий

Фикх общий · id 9838

مفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لحج بيت الله الحرام

عبد الله بن جاسر

Полный текст (572 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المسألة التي كثير فيها النزاع والاختلاف بين الأصحاب، فله الحمد والشكر لا نحصي ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه، والله أعلم. (التنبيه الثاني) : وقع اختلاف بين الأصحاب في المحرم المتمتع الذي لم يسق الهدي إذا طاف لعمرته وسعى ولم يحلق أو يقصر، ثم أحرم بالحج فهل يصح حجه ويصير قارنا لإدخاله الحج على العمرة ويلزمه دم لتركه الحلق، والتقصير، أو لا يصح حجه لإدخاله الحج على العمرة قبل التقصير أو الحلق وهو ممن ليس معه هدي؟ وهذا نص ما نسوقه من الأقوال في هذه المسألة التي طال النزاع فيها، لا سيما في وقت موسم الحج، فنقول: قال في المنتهى وشرحه: ويصح إدخال حج على عمرة ممن معه هدي ولو بعد سعيها، قال الشيخ عثمان بن قائد النجدي: مفهومه أنه إذا لم يكن معه هدي، لا يصح إحرامه بالحج إذاً إلا بعد فراغه من العمرة، لا أنه ينعقد فاسداً ويمضي فيه كما يدل عليه صريح كالمه الآتي في الفصل الثاني في قوله: ومع مخالفته إلى حج أو قران يتحلل بفعل حج ولم يجزه عن واحد منهما ولا دم ولا قضاء، فقوله ولم يجزه دليل على عدم الصحة، وقوله ولا قضاء دليل على أنه لم ينعقد فاسداً فتدبر انتهى، قال الشيخ عبد الله أبو بطين: أقول ظاهر المغني أنه يصير في هذه الحالة أيضاً قارنا وكذا المستوعب وأفتى بذلك الشيخ سليمان بن علي، وخالفه الشيخ عبد الله بن ذهلان، ورد ما في المغني العلامة الشيخ إبراهيم بن نصر الله، وقال إنه سهو لأنه قدم أنه لا يصح، وأجاب العلامة ابن مفلح بأن المراد بما هنا المتمتع السائق للهدي، فعلمت أن ما أفتى به سليمان بن علي اعتماد على ظاهر العبارة من غير تحرير لكن على القاعدة هو مشكل انتهى كلام الشيخ عبد الله أبي بطين. قلت: عبارة المغني التي أشارة إليها الشيخ، أبو بطين هي قوله بصفحة أربعمائة واثنتي عشرة من الجزء الثالث: وإن أحرم

стр. 107

بالحج قبل التقصير فقد أدخل الحج على العمرة فيصير قارنا انتهى، وعبارة المغني هذه فيها إشكال جداً لأنه بعد الشروع في طواف العمرة لا يصح إدخال الحج عليها، وكذا بعد سعيها بطريق الأولى إلا لمن معه هدي فكيف إذا طاف للعمرة وسعى وأحرم بالحج قبل الحلق أو التقصير للعمرة يكون قارنا؟ هذا خلاف صريح عبارات الأصحاب حيث ذكروا أنه بعد الشروع في طواف العمرة لا يصح إدخال الحج عليها لأنه قد شرع في التحليل من العمرة إلا لمن معه هدي، والله أعلم. وعبارة الشيخ سليما بن علي التي أشار إليها الشيخ عبد الله أبو بطين هذا نصها: وإذا طاف المتمتع وسعي ولم يحلق، ثم أحرم وقد بقي عليه حلق العمرة الواجب فالظاهر أن هذا يصير قارنا فيلزمه حكم القران، قاله في المستوعب وغيره في المتمتع، والناسي والعامد سواء انتهى، قال الشيخ عبد الله بن ذهلان: والظاهر لنا جواز ذلك مع الإشكال لأنه بعد الطواف للعمرة لا يصح إدخال الحج عليها لمن ليس معه هدي كما صرح به غير واحد انتهى، قال في الشرح الكبير: إذا أدخل الحج على العمرة قبل طوافها من غير خوف لفوات جاز وكان قارنا بغير خلاف، فأما بعد الطواف فليس له ذلك ولا يصير قارنا وبهذا قال الشافعي وأبو ثور، وقال مالك: يصير قارنا، وحكى ذلك عن أبي حنيفة كما قبل الطواف. ولنا أنه شرع في التحلل من العمرة فلم يجز إدخال الحج عليها كما بعد السعي، إلا أن يكون معهد هدي فله ذلك انتهى. وقد نقل الشيخ أحمد المنقور في مجموعة ما تقدم من كلام الشيخ سليمان، وكلام شيخه عبد الله بن ذهلان، وكلام صاحب الشرح، ثم قال وكذلك عبارة المنتهى، والإقناع مع قولهم: الحلق من واجبات العمرة، ومن ترك واجباً فعليه دم فهل يصح إحرامه بالحج قبل الحلق أو التقصير،

стр. 108

كما نقل عن الشيخ أبي المواهب ويلزمه دم أم لا لقولهم ويفرغ منها، وبعضهم عبر أنه يتحلل منها، ولقولهم لا يصح إدخال الحج على العمرة بعد الطواف إلا لمن معه هدي فيها إشكال، وميل شيخنا، يعني ابن ذهلان مع الثقل إلى عم صحة إحرامه بالحج، والله أعلم. انتهى كلام المنقور، قال ابن منجا في شرحه للمقنع: ويشترط في إدخال الحج على العمرة في حق من لم يسق الهدي أن يكون قبل الطواف، فلو طاف ثم أدخل عليها الحج لم يصح لأنه قد أتى بمقصود العمرة وشرع في التحلل منها، فإن كان ساق الهدي لم يمنع من ذلك انتهى: قلت بل يلزمه إدخال الحج على العمرة لاضطراره إلى ذلك لعدم صحة تحلله من العمرة لسوقه الهدي، والله أعلم. وقال في الجزء الثالث من الشرح الكبير بصفحة أربعمائة وإحدى عشرة: وفي الحديث دليل على أنه لا يحل إلا بالتقصير وهذا ينبني على أن التقصير هل هو نسك أو لا؟ وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى: فإن أحرم بالحج قبل التقصير وقلنا هو نسك فقد أدخل الحج على العمرة وصار قارنا انتهى كلام الشارح، وعلى نسخة خطية من الشرح الكبير حاشية بخط الشيخ احمد بن إبراهيم بن نصر الله البغدادي المتوفى سنة سبع وثلاثين وثمانمائة، قوله وصار قارناً كذا وقع في المغني، وهو مشكل إذ إدخال الحج على العمرة إنما يصير به قارناً إذا كان قبل الشروع في أفعال العمرة كما تقدم إيضاحه في باب الإحرام، فكيف يصير قارناً وقد طاف للعمرة وسعى فهذا سهو انتهى. وتحتها حاشية أخرى بخط الشيخ إبراهيم بن مفلح جوابه لقائل أن يقول: المصنف يتكلم في المعتمر إذا أدخل الحج على العمرة وقد تقدم لك الكلام عليه باعتبار حالتين: حالة ساق فيها هدياً، وأخرى لا، فأما إذا ساق الهدي فإنه يصح إدخال الحج على العمرة

стр. 109

قبل الطواف وبعده، صرح به في بابا الإحرام ويصير قارناً انتهى. قلت ما ذكره الشيخ أحمد بن إبراهيم بن نصر الله وجيه، لأن عبارة الشرح الكبير التي علق عليها ابن نصر الله صريحة في حالة عدم سوق الهدي، لأن نصها هكذا: فإن أحرم بالحج قبل التقصير، وقلنا هو نسك فقد أدخل الحج على العمرة وصار قارناً انتهى. فهذا واضح في أنه في هذه الحالة يسوغ له التقصير وأنه لم يقصر وأدخل الحج على العمرة يكون قارنا، وكذا في المغني، وعبارته: وإن أحرم بالحج قبل التقصير فقد أدخل الحج على العمرة فيصير قارنا انتهى. وأما الحالة التي ساق الهدي فيها فلا تنطبق على عبارة الشرح الكبير المذكورة، لأنه ليس له أن يحلق أو يقصر لسوق الهدي، وأما قول الشيخ إبراهيم بن مفلح: فأما إذا ساق الهدي فإنه يصح إدخال الحج على العمرة قبل الطواف وبعده فيقال عنه: إذا ساق الهدي لزمه إدخاله الحج على العمرة، فإذا طاف وسعى لعمرته ثبت على إحرامه ولم يتحلل بحلق ولا تقصير، لأنه مضطر إلى إدخاله عليها، قال تعالى: (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله) ، فإذا ذبحه يوم النحر حل من الحج والعمرة معاً، لأن التمتع أحد نوعي الجمع بين الحج والعمرة كالقران، فحمل الشيخ إبراهيم بن مفلح عبارة الشرح الكبير المذكورة على من ساق الهدي بعيد لما أوضحناه؛ كما أن قوله إذا ساق الهدي يصح إدخال الحج على العمرة قبل الطواف وبعده يحتاج إلى زيادة بيان وهو أنه يلزمه الإدخال كما تقدم، والله أعلم. قال في المقنع قبيل باب صفة الحج، فإن كان معتمراً قصر من شعره وتحلل إلا أن يكون المتمتع قد ساق هدياً فلا يحل حتى يحج وعليها حاشية، هذا نصبها: قوله فإن كان معتمراً قصر من شعره إلى آخره، لأنه ﵊ اعتمر ثلاث عمر سوى عمرته التي مع حجته وكان يحل إذا سعى، وظاهره أن التقصير له أفضل

стр. 110

من الحلق، فلو أحرم بالحج قبل التقصير وقلنا هو نسك صار قارناً فإن تركهما فعليه دم إن قلنا هما نسك، وإن وطئ قبله فعليه دم وعمرته صحيحة، انتهى من المبدع، قال ابن منجا في شرحه: فإن قيل إن الحلق والتقصير نسك كما هو الصحيح من المذاهب لم يحل قبل فعله كالطواف، وإن قيل ليس بنسك حل قبله لأن الحل لا يتوقف على فعل ما ليس بنسك انتهى، قال في المغني: والحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة في ظاهر مذهب أحمد وقول الخرقي وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، وعن أحمد أنه ليس بنسك وإنما هو إطلاق من محظور كان محرماً عليه بالإحرام فأطلق منه عند الحل كاللباس والطيب وسائر محظورات الإحرام، فعلى هذه الرواية لا شيء على تاركه ويحصل الحل بدونه وذكر دليل من قال بهذه الرواية، ثم قال والرواية الأولى أصح وذكر دليل من قال بها أيضاً فليراجع عند الاحتياج إليه. وذكر في الشرح الكبير مثل عبارة المغني هذه سواء بسواء، وقال في المغني أيضاً بعد كلام سبق وهذا ينبني عل أن التقصير نسك وهو المشهور فلا يحل إلا به، وفيه رواية أخرى أنه إطلاق من محظور فيحل بالطواف والسعي حسب انتهى. فإن قيل فبأي القولين تعتمدون وبأيهما تفتون؟ قلت: الذي تطمئن إليه النفس هو القول بصحة إحرامه بالحج قبل الحلق أو التقصير إذا كان ناسيا أو جاهلاً لكن يلزمه دم لتركه الحلق أو التقصير، وإنما قلت بهذا القول نظراً إلى أن الله لم يجعل علينا في الدين من حرج، وإلى أن هذا الحاج قد تحمل المشاق في سبيل أداء نسكه لربه أرحم الراحمين وبذل ماله وأجهد نفسه لله رب العالمين، فإذا وصل إلى مكة شرفها الله مستبشراً بها بعد الجهد والمشقة وإنفاق المال وطاف وسعي لعمرته ونسى الحلق والتقصير، أو جهل أنه يلزمه أحدهما، ثم

стр. 111

أحرم بالحج مع المحرمين مريداً بذلك وجه الله وأداء ما افترضه عليه طالباً مرضاته وثوابه، وقلنا بعدم صحة حجة مع تحمله تلك المشاق صار في ذلك حرج وضيق عليه وإبطال لأعماله، وقد قال تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) ، وقال تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) الآيات، وقال ﷺ : (عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ، وممن قال بصحة حجه والحالة هذه صاحب المغني والشرح والمستوعب والمبدع، وقال به الشيخ أبو الموهب الحنبلي، والشيخ سليمان بن علي وتتمشى صحة حجة على الرواية الثانية عن الإمام أحمد التي تنص على أن الحلق والتقصير ليس بنسك وإنما هو إطلاق من محظور فإنه على هذه الرواية لا شيء على تارك الحلق والتقصير ويحصل الحل بدونه كما تقدم. وبه قالت المالكية لأن عندهم إذا أحرم بالحج بعد كمال سعي العمرة، وقبل الحلاق، يصح إحرامه ولم يكن مردفاً للحج على العمرة وحرم الحلق ويجب عليه هدي لوجوب تأخير الحلق عليه بسبب إحرامه بالحج، فإن حلق لم يسقط عنه الهدي ولزمته فدية أيضاً لحلقه وهو محرم. والحاصل عندهم أن الواجب أصالة ترك الإحرام بالحج حتى يحلق للعمرة، فإن خالف ذلك الواجب وأحرم بالحج قبل حلقه للعمرة لزمه تأخير الحلق إلى الفراغ من الحج، وأهدى لترك ذلك الواجب الأصلي، فإن قدم الحلق قبل الفراغ من الحج لزمه هدي لترك التأخير الواجب وفدية لإزالة الأذى، قالوا ولو كان الحلق بالقرب كمن اعتمر في آخر يوم عرفة ثم أحرم بالحج ولم يحلق حتى وصل إلى منى يوم النحر فحلق، فيلزمه الدم ولا يسقط عنه لأن الخلق للنسك الثاني لا للأول، كما نقله الحطاب عن الطراز انتهى كلامهم، وحكى صحة حجه، والحالة هذه عن أبي حنيفة، ويأتي إن شاء الله في باب دخول مكة البحث في المتمتع إذا فرغ من عمرته وحجه، ثم علم أنه على غير طهارة فراجعه عند الحاجة إلى ذلك.

стр. 112

-- فصل: وعمل القارن كالمفرد في الأجزاء نقله الجماعة، ويسقط ترتيب العمرة ويصير الترتيب للحج كما يتأخر الحلاق إلى يوم النحر فوطؤه قبل طواف القدوم، وكان لم يدخل مكة قبل ذلك أو دخلها ولم يطف لقدومه لا يفسد عمرته: أعني إذا وطئ وطئاً لا يفسد الحج، مثل أن وطئ بعد التحلل الأول فإنه لا يفسد حجه، وإذا لم يفسد حجه لم تفسد عمرته لقول عائشة: (وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً) متفق عليه. ويجب على المتمتع دم إجماعاً، لقوله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) الآية. ويجب على قارن دم لأنه ترفه بسقوط أحد السفرين كالمتمتع، والدم المذكور دم نسك لا دم جبران لما تقدم من أفضلية التمتع على غيره ولا نقص فيه يجبر به بشرط أن لا يكون المتمتع والقارن من حاضري المسجد الحرام لقوله تعالى: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) ، وهذا في المتمتع، والقارن مقيس عليه، وحاضرو المسجد الحرام هم أهل مكة وأهل الحرم ومن كان من الحرم دون مسافة القصر لأن حاضر الشيء من حل فيه أو قرب منه، أوجاوره بدليل رخص السفر، فمن له منزلان متأهل بهما أحدهما دون مسافة القصر من الحرم كأهل وادي فاطمة المعروف سابقاً بمر الظهران وكأهل المضيق ولزيمة والشرايع وبحرة ونحوها. والآخر فوق مسافة القصر أو مثلها كجدة والطائف لم يلزمه دم التمتع ولو كان إحرامه من المنزل البعيد، أو كان أكثر إقامته، إو إقامة ماله في البعيد لأن بعض أهله من حاضري المسجد الحرام فلم يوجد الشرط؛ فلو استوطن أفقي ليس من أهل الحرم مكة فحاضر لا دم عليه لعموم الآية، ومن دخل مكة من

стр. 113

غير أهلها متمتعاً أو قارنا ناويا الإقامة بها بعد فراغ نسكه أو نوى الإقامة بعد فراغه من النسك، أو استوطن مكي بلداً كالمدينة والطائف وجدة، ثم عاد إلى مكة مقيماً متمتعاً أو قارناً لزمه دم، لأنه حال الشروع في النسك لم يكن من حاضري المسجد الحرام. (فائدة) : قال المحب بن نصر الله البغدادي: لو ساق المتمتع أو القارن هديا تطوعاً من قبل الميقات فهل يجزئه عن الدم الواجب، أو لا بد من دم آخر؟ لم أجد من صرح بذلك وظاهر الأحاديث يجزئه، وظاهر كلامهم يلزمه غيره لأنه استحق لتعينه بالهدي فلم يجز عن واجب غيره انتهى كلامه، قلت: الصحيح أنه يجزئه عن هدي التمتع والقران لظاهر الأحاديث، ولا عبرة بظاهر كلامهم، والله أعلم. -- فصل: ويشترط في وجوب دم متمتع وحده دون القارن زيادة عما تقدم ستة شروط: الشرط الأول: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج لقوله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) . والاعتبار بالشهر الذي أحرم بها فيه لا بالشهر الذي حل منها فيه، فلو أحرم بالعمرة في شهر رمضان الذي ليس من أشهر الحج، ثم حل منها بأن طاف وسعى وحلق، أو قصر في شوال الذي هو من أشهر الحج لم يكن متمتعاً لأن الإحرام نسك يعتبر للعمرة أو من أعمالها فاعتبر في أشهر الحج كالطواف، وإن أحرم الأفقعي بعمرة في غير أشهر الحج، كرمضان مثلاً، ثم أقام بمكة واعتمر من التنعيم في أشهر الحج وحج من عامه

стр. 114

فهو متمتع نصاً، لأنه اعتمر وحج في أشهر الحج من عامه وعليه دم لعموم الآية، وهذا مبني على قول الموفق والشارح: إنه لا يشترط لوجوب الدم على المتمتع الإحرام بالعمرة من الميقات أو مسافة قصر، ويأتي في الشرط الخامس إن شاء الله تعالى، أما إن اعتمر بعد الحج فإنه لا يكون متمتعاً، لأن عمرته حصلت في غير أشهر الحج، وقال الحسن: من اعتمر بعد النحر فهي متعة. قال ابن المنذر: لا نعلم أحداً، قال بهذا القول. ذكره في المغني، وتقدم في صفة التمتع شيء من ذلك فليراجع. الشرط الثاني: أن يحج من عامه، فلو اعتمر في أشهر الحج وحج من عام آخر فليس بمتمتع للآية، لأنه يقتضي الموالاة بينهما ولأنهم إذا أجمعوا على أن من اعتمر في غير أشهر الحج، ثم حج من عامه فليس بمتمتع فلئلا يكون متمتعاً إذا لم يحج من عامه من باب أولى، لأن التباعد بينهما أكثر وتقدم ذلك في صفة التمتع. الشرط الثالث: أن لا يسافر بين الحج والعمر مسافة قصر فأكثر، فإن سافر مسافة قصر فأكثر فأحرم بالحج بعد حلة من العمرة فلا دم عليه، نص عليه أحمد لما روي عن عمر أنه قال: (إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع، فإن خرج ورجع فليس بمتمتع) ولأنه إذا رجع إلى الميقات أو ما دونه لزمه الإحرام منه، فإن كان بعيداً فقد أنشأ سفراً بعيداً لحجة فلم يترفه بترك أحد السفرين فلم يلزمه دم. قلت: فعلى هذا إذا اعتمر في أشهر الحج ثم سافر إلى جدة أو الطائف ونحوهما مما يبلغ مسافة قصر عن مكة ثم رجع منهما محرماً بالحج في عامه سقط عنه دم التمتع، لأنه أحرم بالحج من مسافة قصر عن مكة هذا مقتضى كلامهم قال ناظم المفردات:

стр. 115

مسافة القصر لذي الأسفار ... ما بينما الحج والاعتمار. به دم المتعة والقران ... سقوطه فواضح البرهان. قال شارحها الشيخ منصور: يعني إذا أحرم بالعمرة وحل منها ثم سافر فأحرم بالحج من مسافة قصر فأكثر من مكة سقط عنه دم التمتع، وروي ذلك عن عطاء وإسحاق والشافعي إن رجع إلى الميقات فلا دم عليه. وقال أصحاب الرأي: إن رجع إلى مصره بطلت متعته وإلا فلا. وقال مالك: إن رجع إلى مصره أو إلى غيره أبعد من مصره بطلت متعته وإلا فلا. وقال الحسن هو متمتع وإن رجع إلى بلده، واختاره ابن المنذر لعموم (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) . ولنا قول عمر وذكر ما تقدم عنه ثم قال: وأما سقوط دم القرآن بالسفر المذكور فهو القياس ولكن كلامهم يقتضي لزومه لأن اسم القران باق بعد السفر بخلاف المتمتع، قال في الفروع: والصحيح أن اسم التمتع باق أيضاً انتهى. قال النووي: وإنما يجب الدم على المتمتع بأربعة شروط: أن لا يعود إلى ميقات بلده لإحرامه الحج، وأن يكون إحرامه بالعمرة في أشهر الحج، وأن يحج من عامه، وأن لا يكون من حاضري المسجد الحرام وهم أهل الحرم؛ ومن كان منه على أقل من مرحلتين، فإن فقد أحد هذه الشروط فلا دم عليه وهو متمتع على الأصح، وقيل يكون مفرداً انتهى. الشرط الرابع: أن يحل من العمرة قبل إحرامه بالحج، فإن أحرم به قبل حله من العمرة كما فعل النبي ﷺ صار قارنا وليس بتمتع ولو بعد سعي العمرة لمن معه هدي، ولزمه دم قران لترفهه بترك أحد السفرين، هكذا ذكر في المنتهى والإقناع، وغيرهما في هذا الموضع بأنه يكون قارناً؛ وبيان ذلك أنه إذا لم يكن معه هدي وأحرم بالحج قبل الشروع في طواف العمرة فإنه يصير قارناً،

стр. 116

وإلا بأن كان الإحرام به بعد الشروع في طواف العمرة فإنه لا يصح كما تقدم، أما إذا كان معه هدي لزمه إدخال الحج على العمرة لأنه مضطر إلى الإدخال حيث كان ممنوعاً من التحلل لسوقه الهدي، وهل يكون متمتعاً حينئذ أو قارناً؟ تقدم البحث في ذلك فليراجع. الشرط الخامس: أن يحرم بالعمر من ميقات بلده أو من مسافة قصر فأكثر من مكة، فلو أحرم من دون مسافة قصر من مكة كمن قرية المضيق أو لزيمة لم يكن عليه دم تمتع لأن حكمه حكم حاضري المسجد الحرام، وإنما يكون عليه دم مجاوزه الميقات بغير إحرام إن تجاوزه كذلك، وهو من أهل الوجوب، واختار الموفق والشارح أن الأفقي إذا ترك الإحرام من الميقات وأحرم من دونه بعمرة، ثم حل منها وأحرم بالحج من مكة من عامه فهو متمتع، وعليه دمان: دم المتعة، ودم لإحرامه من دون الميقات، وقال القاضي أبو يعلى: إذا تجاوز الميقات حتى صار بينه وبين مكة أقل من مسافة القصر فأحرم منه فلا دم عليه للمتعة، لأنه من حاضري المسجد الحرام، قال الموفق: وليس بجيد فإن حضور المسجد الحرام إنما يحصل بالإقامة به ونيته ذلك وهذا لم تحصل منه الإقامة ولا نيتها. قال الموفق: وإن أحرم الأفقي بعمرة في غير أشهر الحج ثم أقام بمكة واعتمر من التنعيم في أشهر الحج وحجم من عامة فهو متمتع نص عليه أحمد وعليه دم؛ وفي تنصيصه على هذه الصورة تنبيه على إيجاب الدم في الصورة الأولى بطريق الأولى انتهى. قلت: ما ذهب إليه الموفق بناء منه على أنه لا يشترط لوجوب دم التمتع الإحرام بالعمرة من الميقات أو مسافة قصر وصححه في الإقناع ومشى على اشتراط ذلك في المنتهى. وما ذهب إليه الموفق هو الصحيح كما ذكره صاحب الإقناع. قال في المغني بعد كلام سبق فأما إن خرج المكي مسافراً غير

стр. 117

منتقل ثم عاد فاعتمر من الميقات وحج من عامه فلا دم عليه، لأنه لم يخرج بهذا السفر عن كون أهله من حاضري المسجد الحرام انتهى. قلت كأهل مكة إذا رجعوا من مصيف الطائف إلى مكة وأتوا بعمرة من الميقات في أشهر الحج وحجوا من عامهم فإنه لا دم عليهم، لأنهم لم يخرجوا بذلك عن كونهم من حاضري المسجد الحرام، والله أعلم. الشرط السادس: أن ينوي التمتع في ابتداء العمرة أو في أثنائها ذكره القاضي أبو يعلى، وتبعه الأكثرون لظاهر الآية وحصول الترفه. قال الشيخ مرعي بن يوسف: فلا تكفي نية عمرة فقط في وجوب الدم انتهى، واختار الموفق والشارح أنه لا يشترط نية التمتع لوجوب الدم وقدمه في المحرر والفائق، ومشى في المنتهى والإقناع على اشتراط ذلك، والصحيح ما اختاره الموفق والشارح لما يأتي من أن المفرد والقارن يسن لهما فسخ نيتهما بالحج وينويان بإحرامهما بذلك عمرة مفردة وأن من كان منهما طاف وسعى قصر وحل من إحرامه وأنه لا يمنع الفسخ إلا سوق الهدي أو الوقوف بعرفة، وأنه إذا فسخ يكون متمتعاً عليه دم التمتع، وقد يكون الفسخ بعد الطواف والسعي بمكة أو بعد خروجه منها إلى منى قبل الوقوف، ومع هذا كله فإنه لم ينو التمتع إلا حين الفسخ ووجب عليه دم التمتع، إذا تقرر هذا فيرد على من ذهب إلى اشتراط نية التمتع في ابتداء العمرة أو في أثنائها مسئلة الفسخ الآتية فإن الأصحاب أوجبوا عليه دم التمتع وإن لم ينو التمتع في ابتداء العمرة أو في أثنائها، والله أعلم. قال في المنتهى وشرحه ولا تعتبر هذه الشروط جميعها في كونه أي الآتي بالحج والعمرة يسمى متمتعاً فإن المتعة تصح من المكي كغيره. ورواية المروذي ليس لأهل مكة متعة: أي ليس عليهم دم انتهى، ومعناه في الإقناع وشرحه، ولا يعتبر لوجوب دم تمتع وقران وقوع

стр. 118

النسكين عن واحد، فلو اعتمر لنفسه وحج عن غيره أو اعتمر عن غيره وحج عن نفسه أو فعل ذلك عن اثنين بأن حج عن أحدهما واعتمر عن الآخر، وجب الدم بشرطه وهو على النائب إن لم يأذنا له في ذلك لأنه بسبب مخالفته، وإن أذنا فعليهما، وإن أذن أحدهما وحده فعليه النصف والباقي على النائب على ما ذكره في الشرح فيما إذا استنابه اثنان في النسكين فقرن بينهما لهما واستنابه واحد في أحد النسكين فقرن له ولنفسه، قال في الغاية وشرحها ويتجه، وكذا صوم وجب على نائب أحرم متمتعاً، فإن كان مأذونا له في التمتع فعلى مستنيبه، وإن كان بلا إذن فعليه، هذا إن كان نائباً عن واحد، وإن كان نائباً عن اثنين فأحرم متمتعاً بلا إذنهما فعليه أن يصوم العشرة أيام، وإن كان بإذنهما احتمل أن يصوم نائب الثلاثة وهما أي الآذنان السبعة، ويجبر الكسر فيصوم كل واحد أربعة أيام، لأن اليوم لا يتبعض في الصيام، واحتمل أن يصوم كل واحد منهما خمسة أيام لوجوب ذلك بسببهما وهو متجه انتهى. -- فصل: ويلزم دم وتمتع وقران بطلوع فجر يوم النحر لقوله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) أي فليهد، وحمله على أفعال الحج أولى من حمله على إحرامه كقوله (الحج عرفة) ، وعن الإمام أحمد رحمه الله تعالى رواية يجب الدم على المتمتع والقارن بإحرام الحج وفاقاً للحنفية والشافعية، وعن الإمام أحمد رواية بإحرام العمرة، قال ابن مفلح في الفروع: ويتوجه أن ينبني عليها ما إذا مات بعد سبب الوجوب يخرج عنه من تركته، وقال الشافعي في أظهر قوليه، وقال بعض أصحابنا: فائدة الروايات إذا تعذر الدم وأراد الانتقال إلى الصوم فمتى ثبت

стр. 119

التعذر ففيه الروايات، وأما وقت ذبحه فصرح أكثر الأصحاب أنه لا يجوز ذبحه قبل وجوبه. قال في الفروع: وقال القاضي وأصحابه لا يجوز قبل فجر يوم النحر، وفاقا لأبي حنيفة ومالك فظاهره يجوز إذا وجب انتهى. قال في الإنصاف هذا الحكم مع وجود الهدي أما مع عدمه فيأتي في كلام المصنف يعني الموفق في أثناء باب الفدية أن وقت وجوب صوم الثلاثة علة المتمتع والقارن وقت وجوب الهدي، ويجوز تقديمها بإحرام العمرة نص عليه وعليه أكثر الأصحاب انتهى. قال الشيخ سليمان بن علي: ويلزمه بطلوع فجر يوم النحر، فإن طلع وهو موسر لزمه، وإن طلع وهو معسر فلا، ولو أيسر انتهى. قلت صريح عبارة الأصحاب أن دم التمتع والقران يجب بطلوع فجر يوم النحر وعليه لا يلزم من وجوبه جواز ذبحه بطلوع الفجر لأن الأصحاب صرحوا في باب الهدي والأضاحي أن وقت ابتداء ذبح هدي التمتع والقران ونحوهما هو بعد صلاة العيد من يوم النحر أو بعد مضي قدرها في حق من لا صلاة في موضعه وذكروا أنه إن ذبح هديا أو أضحية قبل وقته المذكور لم يجزئه وصنع به ما شاء لأنه لحم وعليه بدل الواجب لبقائه في ذمته وهذا هو الصحيح، فإطلاق الأصحاب هنا يقيد بما هناك. وعند الشافعية وقت وجوب دم التمتع إذا أحرم بالحج فإذا وجب جازت إراقته ولم يتوقت بوقت لكن الأفضل إراقته يوم النحر، ويجوز إراقته بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج على الأصح عندهم ولا يجوز قبل التحلل من العمرة على الأصح عندهم، وأما الصوم فلا يجوز عندهم تقديمه على الإحرام بالحج ويأتي شيء من مذهبهم ومذهب غيرهم في باب الفدية إن شاء الله، ولا يسقط دم تمتع وقران بفساد نسكهما نص عليه لأن ما وجب الإتيان به في الصحيح وجب في الفاسد كالطواف وغيره، ولا يسقط دم تمتع وقران

стр. 120

أيضا بفوات الحج كما لو فسد ما لم يقضه على صفة أعلى وإلا سقط قال محمد الخلوتي. قال في المنتهى وشرحه: وإذا قضى القارن قارنا لزمه دمان: دم لقرانه الأول ودم لقرانه الثاني انتهى. قال الشيخ منصور في حاشيته على المنتهى: يعني إذا قضي القارن الذي فاته الحج قارنا لزمه دمان دم لقرانه الأول ودم لقرانه الثاني. وأما من أفسد قرانه فإنه يذبح فيه ما وجب به كالصحيح كما يعلم مما يأتي انتهى. وإذا قضى القارن مفرداً لم يلزمه شيء لقرانه الأول لأنه أتى بنسك أفضل من نسكه فإذا فرغ من قضي مفرداً من الحج أحرم بالعمرة من أبعد الميقاتين اللذين أحرم في أحدهما بالقران وفي الآخر بالحج كمن فسد حجه ثم قضاه يحرم من أبعد الميقاتين، وإن لم يحرم بالعمرة من أبعد الميقاتين لزمه دم لتركه واجبا. قال في المنتهى وشرحه: وإن قضى القارن مفرداً لم يلزمه شيء قال في حاشية المنتهى للشيخ منصور يعني لا لما فاته ولا لما أتى به لأنه انتقل إلى صفة أعلى وجزم بعضهم أنه يلزمه دم لقرانه الفائت لأن القضاء كالأداء قال في الفروع وهو ممنوع؛ فعلم أن قولهم لا يسقط الدم بفوات النسك ليس على إطلاقه ومقتضى كلامهم أن القارن إذا قضى متمتعاً لا يلزمه شيء للفائت لأنه انتقل إلى صفة أعلى، ولا للقضاء لأنه لا ترفه فيه بترك السفر إذ يلزمه بعد فراغ العمرة أن يحرم بالحج من أبعد الميقاتين، وأن المتمتع إذا قضى يلزمه دم لتمتعه الفائت على أي صفة قضاه لأنه لم يؤده على وجه أعلى، ودم آخر إن قضى متمتعاً أو قارنا لا مفرداً والله أعلم انتهى كلام الشيخ منصور في حاشيته، قلت لكن قوله وجزم بعضهم أنه يلزمه دم لقرانه الفائت لأن القضاء كالأداء غير وجيه؛ لأن هذا التعليل لا يطابق الواقع لأن القضاء هو الإفراد كالأداء غير وجيه؛ لأن هذا التعليل لا يطابق الواقع لأن القضاء هو الإفراد والأداء هو القران، ولو قال لأن الدم لا يسقط في الجملة بفوات النسك لصلح التعليل والتعبير والله أعلم.

стр. 121

وإن قضى القارن متمتعاً فإذا تحلل من العمرة أحرم بالحج من الأبعد من الميقاتين اللذين أحرم من أحدهما قارنا ومن الآخر بالعمرة لأنه إذا كان الأبعد الأول فالقضاء يحكيه لأن الحرمات قصاص، وإن كان الثاني فقد وجب عليه الإحرام بحلوله فيه لوجوب القضاء على الفور، قال الشيخ منصور: والظاهر أنه لا دم عليه إذاً لفوات الشرط انتهى. قلت مراد الشيخ منصور بقوله لفوات الشرط ما ذكروه في الشرط الثالث من شروط وجوب الدم على المتمتع حيث قالوا: وأن لا يسافر بين الحج والعمرة مسافة قصر فإن فعل فأحرم بالحج من مسافة قصر فأكثر فلا دم عليه نصاً. والله أعلم. -- فصل: ويسن لمن كان قارناً أو مفرداً فسخ نيتهما بالحج وينويان بإحرامهما ذلك عمرة مفردة فمن كان منهما قد طاف وسعى قصر وحل من إحرامه، وإن لم يكن طاف وسعى فإنه يطوف ويسعى ويقصر ويحل، فإذا فرغا من العمرة وحلا منها أحرما بالحج ليصيرا متمتعين ويتمان أفعال الحج ما لم يكونا ساقا هدياً أو وقفاً بعرفة لأنه صح أن النبي ﷺ أمر أصحابه الذين أفردوا الحج وقرنوا أن يحلوا كلهم ويجعلوها عمرة إلا من كان معه هدي، متفق عليه. وقال سلمة بن شبيب للإمام أحمد: كل شيء منك حسن جميل إلا خلة واحدة، فقال: وما هي؟ قال: تقول بفسخ الحج. قالت: كنت أرى أن لك عقلاً، عندي ثمانية عشر حديثا جياداً صحاحاً كلها في فسخ الحج أتركها لقولك؟ وقد روى فسخ الحج إلى العمرة ابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة وأحاديثهم متفق عليها ورواه غيرهم وأحاديثهم كلها صحاح، وإذا فسخ الحج إلى العمرة صار متمتعاً حكمه حكم المتمتعين في وجوب الدم وغيره وقال القاضي أبو يعلى: لا يجب الدم لأن من

стр. 122

شرط وجوبه أن ينوي في ابتداء العمرة أو في أثنائها أنه متمتع، قال الموفق والشارح: وهذه دعوى لا دليل عليها تخالف عموم الكتاب وصريح السنة الثابتة فإن الله تعالى قال: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) ، وفي حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (من لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحل ثم ليهل بالحج وليهد ومن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله) . متفق عليه. ولأن وجوب الدم في المتعة للترفه بسقوط أحد السفرين، وهذا المعنى لا يختلف بالنية وعدمها فوج بأن لا يختلف وجوب الدم، على أنه لو ثبت أن النية شرط فقد وجدت فإنه ما حل حتى نوى أنه يحل ثم يحرم بالحج انتهى كلام الموفق، قلت وهو الحق وما قاله القاضي ليس بشيء، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قد ثبت بالنقول المستفيضة التي لم يختلف في صحتها أهل العلم بالحديث أن النبي ﷺ لما حج حجة الوداع هو وأصحابه أمرهم جميعهم أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي فإنه أمره أن يبقي على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله يوم النحر، وكان النبي ﷺ قد ساق الهدي هو وطائفة من أصحابه وقرن هو بين العمرة والحج فقال: لبيك عمرة وحجاً ولم يعتمر بعد الحج أحد ممن كان مع النبي ﷺ إلا عائشة وحدها لأنها قد حاضت فلم يمكنها الطواف لأن النبي ﷺ قال: (تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت) فأمرها أن تهل بالحج وتدع أفعال العمرة لأنها كانت متمتعة، ثم إنها طلبت من النبي ﷺ أن يعمرها فأرسلها مع أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر فاعتمرت من التنعيم، وتمامه فيه، قال شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى بعد كلام سبق، وفي السنن عن البراء

стр. 123

بن عازب، قال: خرج رسول الله ﷺ وأصحابه فأحرمنا بالحج فلما قدمنا مكة قال: (اجعلوا حجكم عمرة فقال الناس يا رسول الله قد أحرمنا بالحج فكيف نجعلها عمرة؟ فقال انظروا ما آمركم به فافعلوه، فرددوا عليه القول فغضب ثم انطلق حتى دخل على عائشة وهو غضبان فرأت الغضب في وجه فقالت: من أغضبك أغضبه الله، فقال: وما لي لا أغضب وأنا آمر أمراً فلا يتبع) . قال ابن القيم ﵀ ونحن نشهد الله علينا أنا لو أحرمنا بحج لرأينا فرضاً علينا فسخه إلى عمرة تفادياً من غضب رسول الله ﷺ واتباعاً لأمره، فوالله ما نسخ هذا في حياته ولا بعده ولا صح حرف واحد يعارضه ولا خص به أصحاب دون من بعدهم، بل أجرى الله سبحانه على لسان سراقة أن يسأله: هل ذلك مختص بهم؟ فأجاب بأن ذلك كائن لأبد الأبد، فما ندري ما نقدم على هذه الأحاديث، وهذا الأمر المؤكد الذي أغضب رسول الله ﷺ على من خالفه، وتمامه في زاد المعاد. وفي الانتصار وعيون المسائل لو ادعى مدع وجوب الفسخ لم يبعد. واختار ابن حزم وجوبه وقال هو قول ابن عباس وعطاء ومجاهد وإسحاق. وفي مسلم عن ابن عباس: أن من طاف حل وقال سنة نبيكم ﷺ . فإن قيل هل يصح الفسخ وإن لم ينو فعل الحج من عامه؟ قيل منعه ابن عقيل وغيره نقل ابن منصور لا بد أن يهل بالحج من عامه ليستفيد فضيلة التمتع ولأن الحج على الفور فلا يؤخر لو لم يحرم به فكيف وقد أحرم به، واختلف كلام القاضي أبو يعلى وقدم الصحة لأنه بالفسخ حصل على صفة يصح منه التمتع، ولأن العمرة لا تصير حجاً والحج يصير عمرة لمن حصر عن عرفة أو فاته الحج، قلت وفيما قاله القاضي نظر لأنه إنما يحصل على صفة يصح منه التمتع إذا حج من عامه الذي فسخ فيه، أما إذا لم يحج عام الفسخ فإن

стр. 124

الصفة المذكورة منتفية عنه فالصحيح ما نقله ابن منصور من أنه لا بد أن يهل بالحج من عامه ليستفيد فضيلة التمتع وألا ينو إهلالاً بالحج من عامه فإنه لا يسوغ له فسخ الحج، والله أعلم. وقالت الحنفية والمالكية والشافعية وداود: لا يجوز له فسخ الحج إلى العمرة، وقولهم هذا رد للنصوص الصحيحة الصريحة الواردة في ذلك، ومن أراد الاطلاع على حجج الطرفين والأحاديث الواردة في ذلك فليراجع زاد المعاد يظفر بالمارد والله الموفق؛ فإن كان المفرد والقارن ساقا الهدي لم يصح الفسخ لما تقدم من أن السائق للهدي يثبت على إحرامه ولا يحل إلا يوم النحر أو كانا وقفا بعرفة لم يصح الفسخ لأن من وقف بعرفة قد أتى بمعظم الحج وأمن فوته بخلاف غيره فلو فسخا في الحالتين حال سوق الهدي والوقوف بعرفة فلغو وهما باقيان على نسكهما الذي أحرما به. قال في الإقناع وشرحه ومثله في المنتهى وشرحه: ولو ساق المتمتع هدياً لم يكن له أن يحل من عمرته فيحرم بحج إذا طاف وسعى لعمرته قبل تحلله بالحلق (أو التقصير) فإذا ذبحه يوم النحر حل من الحج والعمرة معا انتهى. ومفهومه أنه لا يحل منهما حتى يذبح الهدي وهو خلاف ما يأتي من أن التحلل الأول يحصل باثنين من ثلاثة: رمي جمرة العقبة وحلق وطواف، وتقدم في صفة التمتع البحث في ذلك وهي يسمي في هذه الصورة متمتعاً أو قارنا فليراجع. قال ابن عمر: (تمتع الناس مع النبي ﷺ بالعمرة إلى الحج، فقال من كان معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم عليه حتى يقضي حجه) ولأن التمتع أحد نوعي الجمع بين الحج والعمرة كالقران.

стр. 125

(تنبيه) : لا يمنع نية الفسخ للمفرد والقارن إلا سوق الهدي أو الوقوف بعرفة، أما من لم يسق الهدي ولم يقف بعرفة فإنه يسن له فسخ الحج إلى العمرة كما تقدم، قال في الإنصاف: اعلم أن فسخ القارن والمفرد حجهما إلى العمرة مستحب بشرطه نص عليه. وعليه الأصحاب قاطبة وهو من مفردات المذهب انتهى. قال في المنتهى وشرحه للمصنف، وسن لمفرد وقارن فسخ نيتهما بحج وينويان بإحرامهما ذلك الأول الذي هو الإفراد أو القران عمرة مفردة فمن كان منهما قد طاف وسعى قصر وحل من إحرامه، وإن لم يكن طاف وسعى فإن يطوف ويسعى ويقصر ويحل من إحرامه على الأصح نص على ذلك لأنه صح أن النبي ﷺ أمر أصحابه الذين أفردوا الحج وقرنوا أن يحلوا كلهم ويجعلوها عمرة إلا من كان معه هدي متفق عليه. وليس الفسخ إبطالا للإحرام من أصله بل نقل له من الحج إلى العمرة انتهى. قال الشيخ منصور في حاشيته على الإقناع: قوله ويسن لمن كان قارنا أو مفردا فسخ نيتهما بالحج إلى آخره ظاهره سواء كان طاف وسعى أم لا، وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب، قال في المقنع: يفسخ إن طاف وسعى فظاهره أن الطواف والسعي شرط في استحباب الفسخ. قال ابن منجا وليس الأمر كذلك انتهى. وذكر أنه إذا طاف وسعى ثم فسخ يحتاج إلى طواف وسعي لأجل العمرة ورده الزركشي بأنه ليس في كلامهم ما يقتضي أنه يطوف طوافاً ثانياً، قال في الإنصاف عقبه قلت قال في الكافي يسن لهما إذا لم يكن معهما هدي أن يفسخا نيتهما بالحج وينويا عمرة مفردة ويحلا من إحرامهما بطواف وسعي وتقصير ليصيرا متمتعين انتهى. وكأنه يلوح بالاعتراض على الزركشي في قوله وليس في كلامهم ما يقتضي أنه يطوف طوافاً ثانياً كما زعم ابن منجا فإن كلام الكافي المذكور يقتضي

стр. 126

إعادة الطواف والسعي حيث قال ويحلا من إحرامهما بطواف وسعي ولم يقيده بما إذا لم يكونا طافا وسعيا فمقتضاه مطلقا وهو واضح لأن طواف القدوم نفل فكيف يجزئ عن طواف العمرة وهو ركن، والسعي شرطه أن يكون بعد طواف نسك والطواف السابق لم يكن للعمرة فلم يعتد بالسعي بعده لها والله أعلم. وتابع في شرح المنتهى القولين في الموضعين من غير عزو انتهى كلام الشيخ منصور في الحاشية. قلت الصحيح عدم إعادة الطواف والسعي، والله أعلم. والمعتمر غير المتمتع يحل بكل حال إذا فرغ من عمرته في أشهر الحج وغيرها ولو كان معه هدي لأن النبي ﷺ اعتمر ثلاث عمر سوى عمرته التي مع حجته فكان يحل فإن كان معه هدي نحره عند المروة إن أمكن، وإلا يمكن كما في هذه الأزمان نحره في أي بقاع الحرم شاء لأن كله منحر، والمرأة إذا دخلت مكة متمتعة فحاضت أو نفست قبل طواف العمرة لم يكن لها أن تدخل المسجد الحرام وتطوف بالبيت فإن خشيت فوات الحج أو خافه غيرها أحرم بالحج وجوبا. قال منصور: والخشية ليست شرطاً لجواز إدخال الحج على العمرة كما مر بل شرط لوجوبه فيجب إذاً لأن الحج واجب فوراً ولا طريق له إلا ذلك فتعين انتهى من حاشية المنتهى. وصار قارنا نص عليه في الحائض وفاقا للمالكية والشافعية. وقال أبو حنيفة يصير رافضاً للعمرة، قال الإمام أحمد ما قاله غيره، ودليلنا ما روى مسلم أن عائشة كانت متمتعة فحاضت فقال لها النبي ﷺ : (أهلِّي بالحج) ولأن إدخال الحج على العمرة يجوز من غير خشية الفوات فمعها أولى لكونها ممنوعة من دخول المسجد ولم تقض طواف القدوم لفوات محله كتحية المسجد، ويجب بإدخال الحج على العمرة دم قران إن لم يكمن من حاضري المسجد الحرام قياساً على المتمتع كما تقدم وتجزئ عمرة القارن عن

стр. 127

عمرة الإسلام، قال في شرح المنتهى: فإن كان أحرم بالعمرة وطاف وسعى لها ثم أدخل الحج عليها لسوقه الهدي فعليه دم التمتع وليس بقارن كما سبق انتهى. والذي سبق هو قوله في المنتهى وشرحه: وإن ساقه أي الهدي متمتع لم يكن له أن يحل من عمرته فيحرم بحج إذا طاف وسعى لعمرته قبل تحليل بحلق فإذا ذبحه يوم النحر حل منهما أي الحج والعمرة معاً نصاً ولا يصير قارنا لاضطراره لإدخال الحج على عمرته انتهى ملخصا، وتسقط العمرة عن القارن فتندرج أفعالها في الحج لحديث ابن عمر مرفوعاً (من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد عنهما حتى يحل منهما جميعاً) إسناده جيد رواه النسائي والترمذي وقال حسن غريب. -- فصل: ومن أحرم وأطلق بأن نوع الدخول في نسك ولم يعين نسكا صح إحرامه نص عليه أحمد وفاقا للأئمة الثلاثة كإحرامه بمثل ما أحرم به فلان، وحيث صح مع الإبهام صح مع الإطلاق لتأكده وكونه لا يخرج منه بمحظوراته وله صرف الإحرام إلى ما شاء من الأنساك نص عليه أحمد بالنية لا باللفظ لأن له أن يبتدئ الإحرام بأي الأنساك شاء فكان له صرف المطلق إلى ما أراد، والصرف واجب وإلا يكون متلاعباً، وما عمل من أحرم مطلقاً من طواف وغيره قبل صرفه لأحد الأنساك فهو لغو لا يعتد به لعدم التعيين لحديث (وإنما لكل امرئ ما نوى) ولأن الطواف وغيره وجد لا في حج ولا عمرة فلم يجزه والأولى صرف إحرامه إلى العمرة لأن التمتع أفضل، وإن أحرم بمثل ما أحرم به فلان أو أحرم بما أحرم به فلا وعلم ما أحرم به فلان، قبل إحرامه أو بعده انعقد

стр. 128

إحرامه بمثله لحديث جابر: إن عليا قدم من اليمن فقال له النبي ﷺ : (بم أهللت؟ فقال بما أهل به رسول الله ﷺ قال فاهد وامكث حراما) . رواه مسلم وغيره. (تنبيه) : لم يقل علي ﵁ باهلالك، توقيرا وتلذذا بذكر رسول الله ﷺ ، والله أعلم، فإن كان الأول أحرم مطلقا كان للثاني الذي أحرم بمثله صرف إحرامه إلى ما شاء من الأنساك كما لو أحرم هو مطلقاً ولا يتعين عليه صرف إحرامه إلى ما يصرفه إليه الأول ولا إلى ما كان صرفه إليه الأول بعد إحرامه مطلقا، ويعمل الثاني بقول الأول إنه أحرم بنسك كذا لا بما وقع في نفسه هو قال الشيخ محمد الخلوتي: وظاهره سواء كان فلان عدلاً أو فاسقا انتهى. فإن جعل من أحرم بما أحرم به فلان أو بمثله إحرام فلان واستمر الجهل فللثاني جعله عمره لصحة فسخ الإفراد والقران إليها وله جعله حجاً أو قرانا، ولو شك الذي أحرم بما أحرم به فلان أو بمثله هل أحرم الأول فكما لو لم يحرم الأول لأن الأصل عدمه فينعقد إحرامه مطلقا فيصرفه لما شاء كما لو أحرم ابتداء مطلقا فإن صرفه قبل طوافه وقع طوافه بعد ذلك إلى صرفه إليه، وإن طاف قبل صرفه إلى نسك معين لم يعتد بطوافه لأنه لا في حج ولا عمرة وتقدم، ولو كان إحرام الأول فاسداً بأن كان في حال الجنون أو السكر أو الإغماء أو وطئ فيه فكنذره عبادة فاسدة فينعقد إحرام الثاني بمثله من الأنساك إلا أنه يكون على الوجه الصحيح المشروع، ويصح وينعقد إحرام قائل: أحرمت يوما أو أحرمت بنصف نسك ونحوهما كأحرمت نصف يوم أو بثلث نسك لأنه إذا أحرم زمنا لم يصر حلالا فيما بعده حتى يؤدي نسكه ولو رفض إحرامه، وإذا دخل في نسك لزمه إتمامه فيقع إحرامه مطلقا ويصرفه لما شاء، ولا يصح إحرام قائل: إن أحرم زيد مثلا

стр. 129

فانا محرم لعدم الجزم حيث علق إحرامه، وكذا إن كان زيد محرما فقد أحرمت فلم يكن محرما لعدم جزمه، فإن كان زيد محرما والحالة هذه لم يتعين إحرام الثاني بمثله فيما يظهر، والله أعلم. (فائدة) : إذا خاف الرجل لضيق الوقت أن يحرم بالحج فيفوته فيلزمه القضاء ودم الفوات فالحيلة أن يحرم إحراماً مطلقاً ولا يعينه فإن اتسع له الوقت جعله حجاً أو قراناً أو تمتعاً وإن ضاق عليه الوقت جعله عمرة ولا يلزمه غيرها قاله شمس الدين ابن القيم ﵀، ومن أحرم بحجتين أو عمرتين انعقد إحرامه بإحداهما ولغت الأخرى لأن الزمان لا يصلح لهما مجتمعتين فيصح بواحدة منهما مفردة كتفريق الصفقة ولا ينعقد الإحرام بهما معاً كبقية أفعالهما وكنذرهما في عام واحد فإنه يجب عليه إحداهما في ذلك العام لأن الوقت لا يصلح لهما، قال القاضي أبو يعلى وغيره: هو كنية صومين في يوم ولو فسدت هذه المنعقدة لم يلزمه إلا قضاؤها، قال الشيخ منصور: والظاهر أنه لا يلزمه فعل الثانية في العام القابل ولا كفارة لأنه من نذر المحال، والله أعلم انتهى. ومن أحرم بنسك تمتع أو إفراد أو قران ونسيه أو أحرم بنذر ونسى ما نذره قبل طواف صرفه إلى عمره استحباباً لأنها اليقين لأنه يسن له فسخ الحج والقران إليها من العلم فمع النسيان أولى، ويجوز صرف إحرامه إلى غير العمرة لعدم تحقق المانع فإن صرفه إلى قران أو إفراد صح حجاً فقط دون العمرة فيما إذا صرفه إلى قران لأنه يحتمل أن يكون المنسي حجاً مفرداً فلا يصح إدخال العمرة عليه فصحة العمرة مشكوك فيها فلا تسقط من ذمته بالشك ولا دم عليه لأنه لم يتحقق أنه قارن ولا يجب الدم مع الشك في سببه وإن جعل المنسي عمرة فكفسخ حج إلى عمرة فيصح إن لم يقف بعرفة ولم يسق هديا ويلزمه دم المتعة بشروط للآية ويحزئه تمتعه عن الحج والعمرة جميعاً لصحتهما على كل تقدير لأن غايته أن يكون أحرم قارنا أو مفرداً وفسخهما سنة كما تقدم، وإن نسى ما أحرم به أو ما نذره بعد الطواف ولا هدي معه يتعين صرفه إلى العمرة ولا يجعله حجاً ولا قرانا لاحتمال أن يكون المنسي عمرة، وتقدم أنه لا يجوز إدخال الحج على العمرة بعد طوافها لمن لا هدى معه فيسعى ويحلق أو يقصر، ثم يحرم بالحج مع بقاء وقته ويتمه ويسقط عنه فرضه لتأديته إياه ويلزمه دم بكل حال لأنه إن كان المنسي حجا أو قرانا فقد حلق فيه في غير أوان الحلق، وفي الحلق قبل أوانه دم جبران، وإن كان معتمراً فقد تحلل ثم حج وعليه دم المتعة

стр. 130

بشروطه، قال الشيخ منصور: لكن إن فسخ نية الحج إلى العمر قبل حلقه فلا دم عليه. قلت وهو كما قال لأن فسخ المفرد والقارن نيتهما بحج إلى عمرة سنة كما تقدم، ومراد منصور بقوله فلا دم عليه أي للحق، وأما دم التمتع فيلزمه إذا فسخ بشروطه والله أعلم، قال الشيخ مرعي في الغاية فيسعى ويحلق ثم يحرم بحج مع بقاء وقت وقوف ويتمه ويتجه ولا دم للحلق إن تبين أنه حاج خلافاً لهما: يعني للإقناع والمنتهى، لأن الحج فسخ بالصرف انتهى كلام مرعي، قلت: أما دم التمتع فيلزمه إذا فسخ كما تقدم والله أعلم، وإذا خالف ما وجب عليه من صرفه إلى العمرة بعد الطواف بأن صرف إحرامه مع نسيانه بعد طواف ولا هدى معه إلى حج أو إلى قران لم يصح ويتحلل بفعل حج لاحتمال أن يكون حجا ولم يجزه فعل ذلك عن واحد من الحج والعمرة لاحتمال أن يكون المنسي عمرة فلا يصح إدخال الحج عليها بعد طوافها لمن لا هدى معه أو يكون المنسي حجاً فلا يصح إدخال العمرة عليه ولا دم عليه ولا قضاء للشك في سببهما الموجب لهما والأصل براءته لكن إن كان عليه حجة الإسلام

стр. 131

أو عمرته فإنها تستمر باقية بذمته، قال في المنتهى وشرحه: ومن كان معه هدى وطاف ثم نسى ما أحرم به صرفه إلى الحج وجوباً وأجزأه حجه عن حجة الإسلام لصحته بكل حال ولا يجوز له التحلل قبل إتمام نسكه انتهى، وإن أحرم عن اثنين استناباه في حج أو عمرة وقع عن نفسه أو أحرم عن أحدهما لا بعينه وقع إحرامه ونسكه عن نفسه دونهما لعدم إمكان وقوعه عنهما ولا مرجح لأحدهما ويضمن ما أخذه منهما ليحج به عنهما فيرد لهما بدله وكذا يقع عن نفسه لو أحرم عنه وعن غيره بطريق الأولى ويرد ما أخذه من الغير، ومن أهلّ لعامين بأن قال: لبيك العام وعام قابل حج من عامه واعتمر من قابل قاله عطاء حكاه عنه أحمد ولم يخالفه، قال الشيخ مرعي: ويتجه احتمال أن ذلك ندب انتهى، ومن أخذ من اثنين حجتين ليحج عنهما في عام واحد أدب على فعله ذلك لفعله محرماً نصاً، وقال في الإنصاف قلت قد قيل إنه يمكن فعل حجتين في عام واحد بأن يقف بعرفة ثم يطوف للزيارة بعد نصف ليلة النحر بيسير ثم يدرك الوقوف بعرفة ثانياً قبل طلوع الفجر ليلة النحر انتهى، قلت قوله بيسير وذلك لأجل دخول وقت طواف الزيارة لأنه سيأتي أن وقته يدخل بمضي نصف ليلة النحر لمن وقف بعرفة قبل وإلا يكن وقف بعرفة فوقته بعد الوقوف بعرفة فلا يعتد بالطواف قبل الوقوف. قال الشيخ منصور: ولا يصح ممن أحرم بالحج ووقف بعرفة ثم طاف وسعى ورمى جمرة العقبة وحلق في نصف الليل الثاني أن يحرم بحجة أخرى ويقف بعرفة قبل الفجر لأن رمى أيام التشريق عمل واجب بالإحرام السابق فلا يجوز مع بقائه أن يحرم بغيره هذا معنى كلام القاضي أبي يعلى وسلم الإجماع على أنه لا يجوز حجتان في عام واحد انتهى. قال في المنتهى والإقناع وشرحهما: ومن استنابه اثنان في عام

стр. 132

بنسك فأحرم عن أحدهما بعينه ولم ينسه صح إحرامه عنه ولم يصح إحرامه للآخر بعده نصاً في ذلك العام بحج ولو بعد طوافه للزيارة بعد نصف ليلة النحر ورميه لأن توابع الإحرام الأول من المبيت ليالي منى، ورمي الجمار أيامها باقية فلا يصح إدخال إحرام على إحرام انتهى بتصرف وجيه وتقدم قريباً، وإن نسي المعين بالإحرام من مستنيبيه وتعذر علمه فإن فرط نائب كأن تعذر علمه من تفريطه بأن كان يمكنه كتابة اسمه أو ما يتميز به فلم يفعل أعاد الحج عنهما فيحج عن كل واحد حجة لتفريطه ولا يكون الحج لأحدهما بعينه لعدم أولويته، وإن فرط موصى إليه بذلك بأن لم يسمِّه للنائب غرم موصى إليه نفقة إعادة الحج عنهما، وإلا يفرط نائب ولا موصى إليه بأن سماه الموصى إليه للنائب وعينه ابتداء ولم يحصل منه تفريط في نسيانه لكنه نسيه فالغرم لذلك من تركة موصييه المستناب عنهما لعدم التفريط لأن الحج عنهما فنفقته عليهما ولا موجب لضمانه عنهما، قال في الإقناع وشرحه: هذا إن كان النائب غير مستأجر لذلك أي للحج عنهما لأنه أمين، وإلا بأن كان مستأجراً له إن قلنا تصح الإجارة للحج لزماه: أي لزم النائب الأجير أن يحج عنهما ليوفي بما استؤجر له انتهى، وتقدم الكلام على الاستنابة في الحج وعلى ضمان الحجة بأجرة في فصل الاستنابة في الحج والعمر فليراجع عند الحاجة فإنه مفيد جداً. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: والمستحب أن يأخذ الحاج عن غيره ليحج، لا أن يحج ليأخذ فمن كان قصده إبراء ذمة الميت أو الشوق إلى الحج أو رؤية المشاعر فهذا آخذ ليحج ومثله كل رزق أخذ على عمل صالح، ففرق بين من يقصد الدين فقط والدنيا وسيلة وبين من يقصد الدنيا والدين وسيلة؛ فالأول لا بأس به والأشبه أن الثاني ليس له في الآخرة من خَلاق انتهى.

стр. 133

(فائدة) لا يصح حج وصي، قال في الإنصاف: لا يصح أن يحج وصي بإخراجها، ولا يصح أن يحج وارث على الصحيح من المذهب انتهى. قال في الشرح الكبير: إذا كان فيها فضل إلا بإذن الورثة وإن لم يكن فيها فضل جاز لأنه لا محاباة فيها انتهى. وما قاله الشارح وجيه والله أعلم. -- فصل: والتلبية سنة لفعله ﷺ وأمره بها، وهي ذكر في الإحرام فلم تجب كسائر الأذكار، ويسن ابتداء التلبية عقب إحرامه على الأصح لقول جابر: فأهلَّ رسول الله ﷺ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، الحديث وهذه تلبية رسول الله ﷺ وجاء ذلك في الصحيحين رواه البخاري عن عائشة ومسلم عن جابر، وقيل إا استوى على راحلته وجزم به في المقنع وغيره وتبعهم في المختصر ومشى على الأول في المنتهى والإقناع وغيرهما، ويسن ذكر نسكه فيها وذكر العمرة قبل الحج للقارن فيقول لبيك عمرة وحجاً لحديث أنس، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لبيك عمرة وحجاً) متفق عليه. وقال جابر قدمنا مع رسول الله ﷺ ونحن نقول لبيك بالحج الحديث، وقال ابن عباس: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال: (حل كله) متفق عليه. ومعنى الإهلال: رفع الصوت بالتلبية، من قولهم استهل الصبي إذا صاح، ويسن الإكثار من التلبية لخبر سهل بن سعد (ما من مسلم يلبي إلى لبى ما عن يمينه وشماله من شجر أو حجر أو مدر حتى تنقطع

стр. 134

الأرض من ههنا وههنا. رواه الترمذي بإسناد جيد، وابن ماجة من رواية إسماعيل بن عياش عن المدنيين، وهو ضعيف عنهم، ويسن جهر ذكر بالتلبية لقول أنس: (سمعتهم يصرخون بها صراخا) رواه البخاري، وخبر السائب ابن خلاد قال: قال رسول الله ﷺ : (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية) أسانيده جيدة رواه الخمسة وصححه الترمذي وأخرجه مالك في الموطأ والشافعي عنه وابن حبان والحاكم والبيهقي وصححوه، قال الترمذي في جامعه: باب ما جاء في رفع الصوت بالتلبية وساق بسنده حديث خلاد ثم قال حديث خلاد عن أبيه حديث حسن صحيح وهو خلال بن السائب بن خلاد بن سويد الأنصاري عن أبيه انتهى. ولا يجهد نفسه في رفع صوته زيادة على الطاقة خشية ضرر يصيبه، ولا يستحب إظهار التلبية في مساجد الحل وأمصاره، قال أحمد إذا أحرم في مصره لا يعجبني أن يلبي حتى يبرز، لقول ابن عباس لمن سمعه يلبي بالمدينة: إن هذا لمجنون إنما التلبية إذا برزت يعني إذا خرجت من العمران إلى البراز، واحتج القاضي وأصحابه بأن إخفاء التطوع أولى خوف الرياء على من لا يشاركه في تلك العبادة بخلاف البراري وعرفات والحرم ومكة، ولا يستحب إظهارها في طواف القدوم والسعي بعده خوف اشتغال الطائفتين والساعين عن أذكارهم، ولا بأس بالتلبية سراً للمفرد والقارن في طواف القدوم والسعي بعده. وأما المتمتع والمعتمر فيقطعان التلبية إذا شرعا في طواف العمرة، ويكره رفع الصوت بها حول البيت وإن لم يكن طائفا لئلا يشغل الطائفين عن طوافهم وأذكارهم المشروعة لهم، ويستحب أن يلبي عن أخرس ومريض وصغير ومجنون ومغمى عليه، وزاد بعضهم ونائم تكميلاً لنسكهم وكالأفعال التي

стр. 135

يعجزون عنها، ويسن الدعاء بعد التلبية فيسأل الله الجنة ويعوذ به من النار لما روى خزيمة بن ثابت (أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله رضوانه الجنة واستعاذ برحمته من النار) رواه الشافعي والدارقطني، وفي إسناده صالح بن محمد بن أبي زائدة وهو مدني ضعيف، ويدعو بما أحب لأنه مظنة إجابة الدعاء، ويسن عقبها الصلاة على النبي ﷺ لأنه موضع شرع فيه ذكر الله تعالى فشرع فيه ذكر رسوله ﷺ كالصلاة والأذان ولا يرفع صوته بالدعاء والصلاة عليه ﷺ عقب التلبية لعدم وروده، وصفة التلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. وتقدم في حديث عائشة وجابر والمشهور في (والنعمة) النصب. قال عياض ويجوز الرفع على الابتداء ويكون الخبر محذوفا، والتقدير إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك، قاله ابن الأنباري والمشهور نصب والملك ويجوز الرفع وتقديره والملك كذلك انتهى من فتح الباري، قال الطحاوي والقرطبي: أجمع العلماء على هذه التلبية انتهى، وهي مأخوذة من لب بالمكان إذا لزمه فكأنه قال أنا مقيم على طاعتك، وكررت لأنه أراد إقامة بعد إقامة، ولبيك لفظه مثنى وليس بمثنى حقيقة لأنه لا واحد له في لفظه، ولم يقصد به التثنية بل التكثير كحنانيك، أي رحمة بعد رحمة أو مع رحمة، وقيل معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم حين نادى بالحج، وقيل محمد عليهما من الله أفضل الصلاة والسلام، قال في تصحيح الفروع: أكثر العلماء على أنه إبراهيم ﷺ وقد قطع به البغوي وغيره من أهل التفسير انتهى. قلت: الصحيح أن الداعي هو الله وأن الخطاب في لبيك الله لدلالة ما بعده من

стр. 136

اللفظ اللهم ولا شريك لك وإثبات الحمد والنعمة والملك له سبحانه لا شريك له ويأتي قريباً ما يؤيد ذلك عن شيخ الإسلام ﵀. وسن لمن رأى ما يعجبه أو يكرهه أن يقول: لبيك إن العيش عيش الآخرة، قاله ﷺ حين وقف بعرفات ورأى جمع المسلمين. رواه الشافعي وغيره عن مجاهد مرسلا. وقاله ﷺ في أشد أحواله في حفر الخندق. رواه الشافعي أيضا، لكن ليس فيه لبيك بل قال: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، ومعناه أن الحياة المطلوبة الهنيئة الدائمة هي حياة الدار الآخرة. والله أعلم. قال شيخ الإسلام ﵀: فإذا أحرم لبى بتلبية رسول الله ﷺ : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وإن زاد على ذلك لبيك ذا المعارج أو لبيك وسعديك ونحو ذلك جاز كما كان الصحابة يزيدون ورسول الله ﷺ يسمعهم فلا ينهاهم، وكان هو يداوم على تلبيته ويلبي من حين يحرم سواء ركب دابته أو لم يركبها، والتلبية هي إجابة دعوة الله لخلقه حين دعاهم إلى حج بيته على لسان خليله إبراهيم ﷺ ، والملبي هو المستسلم المنقاد لغيره كما ينقاد الذي لبب وأخذ بلبته؛ والمعنى إنا مجيبون لدعوتك مستسلمون لحكمك مطيعون لأمرك مرة بعد مرة دائماً لا نزال على ذلك، والتلبية شعار الحج فأفضل الحج العَج والثَّج، فالعج رفع الصوت بالتلبية، والثج إراقة دماء الهدي، ولهذا يستحب رفع الصوت بها للرجل بحيث لا يجهد نفسه، والمرأة ترفع صوتها بحيث تسمع رفيقتها، ويستحب الإكثار منها عند اختلاف الأحوال مثل أدبار الصلوات ومثل ما إذا صعد نشزا أو هبط واديا أو سمع ملبيا أو أقبل الليل والنهار أو التقت الرفاق، وكذلك إذا فعل ما نهى عنه. وقد روى (إنه من لبى حتى تغرب

стр. 137

الشمس فقد أمسى مغفوراً له، وإن دعا عقب التلبية وصلى على النبي ﷺ وسأل الله رضوانه، واستعاذ برحمته من سخطه والنار فحسن، انتهى كلام شيخ الإسلام، وفي حديث جابر: (كان رسول الله ﷺ يلبي في حجته إذا لقي راكباً أو علا أكمة أو هبط واديا وفي أدبار الصلوات المكتوبة وفي آخر الليل) ، وأما استحبابها فيما إذا فعل محظوراً ناسيا، ثم ذكره فلتدارك الحج واستشعار إقامته عليه ورجوعه إليه، وكسر همزة إن أولى من فتحها عند الجماهير، قال ثعلب: من كسر فقد عم، يعني حمد الله على كل حال، ومن فتح فقد خص، أي لبيك لأن الحمد لك أي لهذا السبب الخاص، قال في الفروع، ويقول: لبيك إن أي بكسر الهمزة عند أحمد، قال شيخنا: يعني شيخ الإسلام هو أفضل عند أصحابنا والجمهور انتهى. وقول الأسنوي: إن الزمخشري نقل عن الشافعي اختيار الفتح رده الأذرعي بأن اختيارات الشافعي لا تؤخذ من الزمخشري لأن أصحاب الشافعي أدرى باختياراته من غيرهم ولم ينقلوا ذلك عنه انتهى. ولا تسن الزيادة على تلبية رسول الله ﷺ لأنه ﷺ لزم تلبيته هذه فكررها ولم يزد عليها ولا تكره الزيادة عليها، نص عليه أحمد لأن ابن عمر كان يلبي تلبية رسول الله ﷺ ، ويزيد معها: (لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل) . متفق عليه، يروي في والرغباء فتح الراء والمد وضم الراء مع القصر، وزاد عمر: لبيك ذا النعماء والفضل لبيك لبيك مرغوباً ومرهوبا إليك لبيك. رواه الأثرم. وروى أن أنساً كان يزيد لبيك حقاً حقاً تعبدا ورقاً. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال في تلبييه: (لبيك إله الحق لبيك) حديث حسن رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وصححه ابن حبان والحاكم. ولا يستحب تكرار التلبية في حالة واحدة قاله

стр. 138

أحمد، قال في المستوعب وغيره: وقال له الأثرم: ما شيء تفعله العامة يلبون دبر الصلاة ثلاثا؟ فتبسم وقال لا أدري من أين جاءوا به؟ قلت أليس يجزئه مرة؟ قال: بلى لأن المروي التلبية مطلقاً من غير تقييد وذلك يحصل بمرة، وقال الموفق وتبعه الشارح: تكرارها ثلاثا في دبر الصلاة حسن: فإن الله وتر يحب الوتر انتهى. ولا تشرع التلبية بغير العربية لقادر على التلبية بها لأنها ذكر مشروع فلم تشرع بغير العربية مع القدرة كالآذان والأذكار المشروعة في الصلاة، وإن لم يكن قادرا على العربية لبى بلغته كالتكبير في الصلاة، وقالت الحنفية: وتجوز التلبية بالعربية والفارسية والتركية والهندية وغيرها بأن لسان كان انتهى. ويستحب التلبية في مكة والمسجد الحرام وسائر مساجد الحرم كمسجد منى وفي عرفات أيضاً وسائر بقاع الحرم لأنها مواضع النسك، قال في الفروع: ولبى النبي ﷺ بمزدلفة قاله ابن مسعود. رواه مسلم، ولبى ابن مسعود من منى إلى عرفة فقيل له ليس اليوم يوم تلبية بل يوم تكبير فقال: (أجهل الناس أم نسوا؟ خرجت مع رسول الله ﷺ فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا أنه يخالطها تكبير أو تهليل) . رواه أحمد انتهى. ولا بأس أن يلبي الحلال لأنها ذكر مستحب للمحرم فلم تركه لغيره كسائر الأذكار، تلبي المرأة استحبابا لدخولها في العمومات، ويعتبر أن تسمع نفسها التلبية لأنها لا تكون متلفظة بذلك إلا كذلك ويكره جهرها أكثر من سماع رفيقتها، قال ابن المنذر أجمع العلماء على أنه السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها انتهى، وإنما كره لها رفع الصوت مخافة الفتنة بها، ويقطع الحاج التلبية عند رمي أول حصاة من جمرة العقبة، قال الإمام أحمد يلبي حتى يرمي جمرة العقبة يقطع عند أول حصاة وفاقاً للحنفية والشافعية لأن في الصحيحين عن ابن عباس (أن أسامة كان ردف النبي صلى الله عليه

стр. 139

وسلم من عرفة إلى المزدلفة ثم أردف الفضل من مزدلفة إلى منى فكلاهما قال لم يزل النبي ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة) ، وللنسائي فلما رمى قطع التلبية، ورواه حنبل: قطع عند أول حصاة، وأصح الروايتين عن مالك قطع التلبية إذا زالت الشمس من يوم عرفة. (تنبيه) : المحرم لا يخلو من أربع حالات لأنه إما أن يكون محرما بعمرة متمتعا بها إلى الحج أو مفرداً أو قارنا أو معتمرا عمرة، ففي حالة إحرامه بعمرة متمتعاً بها إلى الحج أو بعمرة مفردة يقطع التلبية إذا شرع في طواف العمرة، وفي حالة إفراده بالحج أو قرانه بين الحج والعمرة له أن يلبي سراً في طواف القدوم والسعي بعده ويكره له رفع الصوت بالتلبية لئلا يشغل الطائفين عن طوافهم وأذكارهم، وفي حالة ما إذا كان حاجاً سواء كان متمتعاً أو مفردا أو قارنا فإنه يقطع التلبية عند رمي أول حصاة من جمرة العقبة، والله أعلم، قال الإمام أحمد ﵀: إذا حج عن رجل يقول أول ما يلبي: عن فلان ثم لا يبالي أن لا يقول بعد، وذلك لقول النبي ﷺ للذي سمعه يلبي عن شبرمة (لب عن نفسك ثم لب عن شبرمة) وقد بوب للحديث أبو البركات المجد ابن تيمية في المنتقى. فقال: باب من حج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه، ثم قال عن ابن عباس: (إن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة قال: مَن شبرمة؟ قال أخ لي أو قريب لي قال حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) . رواه أبو داود وابن ماجة، وقال: فاجعل هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة، والدارقطني، وفقيه قال: (هذه عنك وحج عن شبرمة) . انتهى، وقد أخرج هذا الحديث أيضاً ابن حبان وصححه والبيهقي وقال إسناده صحيح، وليس في هذا الباب أصح منه. قال في

стр. 140

نيل الأوطار: وقد روى موقوفاً والرفع زيادة يتعين قبولها إذا جاءت من طريق ثقة، وهي ههنا كذلك لأن الذي رفعه عبدة بن سليمان، قال الحافظ وهو ثقة محتج به في الصحيحين وقد تابعه على رفعه محمد بن بسر ومحمد بن عبيد الله الأنصاري وكذا رجح عبد الحق، وابن القطان رفعه، ورجح الطحاوي أنه موقوف وتمامه فيه، وعند الشافعية التلبية سنة وليست واجبة وفاقا لنا، وعند أبي حنيفة أنها من شرط الإحرام لا يصح إلا بها كالتكبير للصلاة، وعند المالكية أنها واجبة يجب بتركها دم. والله أعلم. (تنبيه مهم جداً) : ينبغي أن يحذر الملبي في حال تلبيته من أمور يفعلها بعض الغافلين: من الضحك واللعب ونحو ذلك، وليكن مقبلاً على ما هو بصدده بسكينة ووقار وليشعر نفسه أنه يجيب ربه وبارئه ، فإن أقبل على الله بقلبه مخلصا له في القول والعمل خائفاً من ربه راجياً له أقبل الله عليه وأثابه فإن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وإن أعرض عن الله تعالى وتعلق على غيره وارتكب شيئاً من البدع أو الفسوق أو العصيان أو الرياء أو المباهاة، أعرض الله عنه وأحبط عمله، عياذاً بالله من الخذلان، ومن نزغات الشيطان، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. -- باب: محظورات الإحرام: وهي ما يحرم على المحرم فعله بسبب الإحرام، وهي تسعة: (أحدها) إزالة الشعر من جميع بدنه ولو من أنفه بلا عذر، وسواء في ذلك العمد والنسيان والجهل، لقوله تعالى: (ولا تحلقوا رءوسكم حتى تبلغ الهدي محله) وهذا نص على

стр. 141

حلق الرأس وألحق بالحلق القلع والنتف ونحوه، وبالرأس سائر البدن لأنه في معناه؛ فإن كان للمحرم عذر من مرض أو قمل أو قروح أو صداع أو شدة حر لكثرته مما يتضرر بإبقاء الشعر أزال الشعر وفدى كما لو احتاج لأكل صيد فأكله فعليه جزاؤه لقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) ولما روى كعب بن عجرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لعلك آذك هوامك، قال نعم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك شاة) . متفق عليه واللفظ للبخاري، وفي لفظ مسلم: (كأن هوام رأسك تؤذيك؟ فقلت: أجل. فقال احلقه واذبح شاة أو صم ثلاثة أيام أو تصدق بثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين) . وكعب بن عجرة بضم العين وسكون الجيم وفتح الراء، ابن أمية البلوي، حليف الأنصار شهد الحديبية ونزلت فيه آية الفدية. وأخرج ابن سعد بسند جيد عن ثابت بن عبيد الله: أن يد كعب قطعت في بعض المغازي، ثم سكن الكوفة. وتوفى بالمدينة سنة إحدى وخمسين، وله في البخاري حديثان، وقصة كعب حصلت وهو محرم مع النبي ﷺ بالحديبية، وقوله: هو أُمّك بتشديد الميم، جمع هامة بتشديدها، والمراد بها هنا القمل كما جاء ذلك صريحا عن كعب حيث قال: (كان بي أذى من رأسي فحملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال ما كنت أرى الجهد قد بلغ بك ما أرى) . الحديث متفق عليه. (الثاني) : من محظورات الإحرام: تقليم الأظفار لأنه إزالة جزء من بدنه تحصل به الرفاهية فأشبه إزالة الشعر إلا من عذر فيباح عند العذر كالحلق، وسواء كان التقليم من يد أو رجل أصلية أو زائدة، وسواء كان تقليما أو قصا أو نحوهما

стр. 142

وسواء في ذلك العمد والنسيان والجهل، فمن حلق ثلاث شعرات فصاعدا أو قلم ثلاثة أظفار فأكثر ولو مخطئاً أو ناسياً فعليه دم شاة أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين، هذا المذهب قاله القاضي وفاقا للشافعي، وعن أحمد رواية: في أربع شعرات تكون الفدية، نقلها جماعة اختارها الخرقي، وقال أبو حنيفة لا يجب الدم بدون ربع الرأس؛ لأن الربع يقوم مقام الكل وكذا في الرقبة كلها أو الإبط الواحد أو العانة، وقال مالك: إذا حلق من رأسه ما أماط به الأذى وجب الدم، ويأتي تفصيل الفدية في بابها إن شاء الله تعالى، وخصت بالثلاث لأنها جمع وألحقت حالة عدم العذر بحالة وجوده لأنها أولى بوجوب الفدية، وأما التقليم: فبالقياس على الحلق لأنه في معناه في حصول الرفاهية، وفيما دون الثلاث من الشعرات في الأظفار في كل واحد طعام مسكين، ففي شعرة واحدة طعام مسكين، وفي شعرتين طعاماً مسكينين، وفي تقليم ظفر واحد طعام مسكين، وفي ظفرين طعاما مسكينين، لأنه أقل ما وجب شرعا فدية، وفي قص بعض الظفر ما في جميعه وفي قطع بعض شعرة ما في جميعها، ففي بعض الظفر أو بعض الشعرة طعام مسكين، وفي شعرتين وبعض أخرى، أو ظفرين، وبعض آخر فدية كاملة، لأنه غير مقدر بمساحة وهو يجب فيهما سواء طالا أو قصرا كالموضحة يجب المقدر فيها مع كبرها وصغرها، وإن حلق رأسه مثلاً أو قص ظفره بإذنه، فالفدية على المحلوق رأسه دون الحالق وفاقاً لمالك والشافعي، وإن حلق رأسه أو قص ظفره بلا إذنه لكنه سكت ولم ينه الحالق ولو كان الحالق محرماً فالفدية على المحلوق رأسه لأن الله تعالى أوجب الفدية بحلق الرأس مع عمله أن غيره يحلقه، ولأن الشعر أمانة عند كوديعة فإذا سكت ولم ينه الحالق فقد فرط فيه فيضمنه، ولا شيء على الحالق ونحوه

стр. 143

ولو محرما لأنه محظور واحد فلا يوجب فديتين، ولو أكره المحرم على حلق شعر نفسه أو تقليم ظفره فحلقه أو قلمه بيده مكرها فالفدية عليه لأنه إتلاف وهو يستوي فيه من باشره طائعاً أو مكرها، وإن كان المحرم المحلوق رأسه مكرها وحلق رأسه بيد غيره أو كان نائماً وحلق رأسه فالفدية على الحالق، نص عليه وفاقا لمالك، وكذا قلم ظفره لأنه أزال ما منع من إزالته كحلق محرم رأس نفسه، ولأنه لا فعل من المحلوق رأسه كإتلاف أجنبي وديعة غيره، وقيل على المحلوق رأسه وفقا لأبي حنيفة، وللشافعي القولان. قلت حاصل ذلك أن المحرم المحلوق رأسه ونحوه له أربع صور: الأولى: أن يحلق زيد رأس عمرو بإذن عمرو. الثانية: أن يحلق زيد رأس عمرو مع سكوت عمرو. الثالثة: أن يكره زيد عمرا على حلق رأس عمرو بيده، أعني بيد عمرو. الرابعة: أن يكره زيد عمرا على حلق رأس عمرو بيد زيد أو كان عمرو نائماً وحلق زيد رأس عمرو، فالفدية في الصور الثلاث الأولى على عمرو، والفدية في الصورة الرابعة على زيد الحالق، ومثل ذلك يقال في الظفر ونحوه، والله سبحانه أعلم، ومن طيِّب غيره والغير محرم فكحالق، فإن كان بإذنه أو سكت ولم ينهه فالفدية على المفعول به، وإن كان مركها أو نائما فعلى الفاعل، ويأتي أنه لا فدية على من تطيب مركها إن شاء الله تعالى، وإن حلق محرم شعر حلال أو قلم المحرم أظفار حلال أو طيب المحرم حلالا بلا مباشر طيب أو ألبس محرم حلالا مخيطا فلا فدية على المحرم وفاقاً لمالك والشافعي لإباحة ذلك للحلال ولأنه شعر أو ظفر مباح الإتلاف، فلم يجب بإتلافه جزاء كبهيمة الأنعام، وعند أبي حنيفة يتصدق بشيء. وحكم الرأس والبدن في إزالة الشعر، وفي الطيب وفي اللبس واحد لأنه جنس واحد لم يختلف إلا موضعه، فإن حلق شعر رأسه

стр. 144

وبدنه ففدية واحدة كما لو لبس قميصاً وسراويل أو تطيب في رأسه وبدنه أو لبس فيهما فعليه فدية واحدة لأن الحلق إتلاف هو آكد من ذلك ومع ذلك ففيه فدية واحدة فهنا أولى، وإن حلق من رأسه شعرتين ومن بدنه شعرة أو حلق من بدنه شعرتين، ومن رأسه واحدة فعليه دم أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين كما لو كانت من موضع واحد، وإن خرج في عينيه شعر فقلعه فلا شيء عليه أو نظل شعر حاجبيه فغطى عينيه فإزالة فلا شيء عليه لأن الشعر آذاه فكان له إزالته من غير فدية كقتل الصيد الصائل، بخلاف ما إذا حلق شعره لقمل أو صداع أو شدة حر فتجب الفدية لأن الأذى من غير الشعر وكذا إن انكسر ظفره فقصه لأنه يؤذيه بقاؤه وكذا إن وقع بظفره مرض فأزاله أو قطع إصبعاً بظفرها أو جلدة عليها شعر فهدر لأنه زال تبعاً والتابع لا يفرد بحكم كقطع أشفار عيني إنسان يضمنها دون أهدابها أو افتصد فزال شعر فهدر وإن لم يمكن مداواة مرضه إلا بقصه قصه وفدى، قال أبو داود في مسائله لأحمد وساق بسنده إلى عطاء قال يعصر المحرم القرحة والدمل انتهى. وإن خلل المحرم لحيته أو مشطها أو خلل رأسه أو مشطه فسقط منه شعر ميت فلا شيء عليه، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: إن خلل لحيته فسقط إن كان شعراً ميتاً فلا شيء عليه انتهى، وإن تيقن أن الشعر بان بالمشط أو التخليل فدى، وتستحب الفدية مع الشك في كونه بان بمشط أو كان ميتاً احتياطاً لبراءة ذمته ولا يجب لأن الأصل عدمه، وللمحرم حك بدنه ورأسه برفق نص عليه أحمد ما لم يقطع شعراً فيحرم عليه، وللمحرم غسل رأسه وبدنه في حمام وغيره بلا تسريح، لأن تسريحه تعريضا لقطعه روى ذلك عن عمر وعلي وابن عمر وجابر وغيرهم وفاقا لأبي حنيفة والشافعي (لأن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 145

غسل رأسه وهو محرم ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر) متفق عليه حديث أبي أيوب، واغتسل عمر وقال: (لا يزيد الماء الشعر إلا شعثاً) . رواه مالك والشافعي، وقد روي عن ابن عباس، قال ربما قال لي عمر ونحن محرمون بالجحفة تعال أباقيك أينا أطول نفساً في الماء. رواه سعيد، ومعنى أباقيك أصابرك في البقاء تحت الماء ليعلم أينا أطول نفسا فيه، وكره الإمام مالك للمحرم أن يغطس في الماء ويغيب فيه رأسه، قال في الفروع: والكراهة تفتقر إلى دليل انتهى. قال شيخ الإسلام: وإذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك لم يضره وإن تيقن أنه انقطع بالغسل وله أن يغتسل من الجنابة بالاتفاق وكذلك لغير الجنابة انتهى. وللمحر غسل رأسه بسدر وخطمى وصابون وأشنان ونحوها لقوله ﷺ : في المحرم الذي وقصته راحلته (اغسلوه بماء وسدر مع بقاء الإحرام عليه) وقيس على السدر ما يشبهه، وذكر جماعة أنه يكره وجزم به في المستوعب والموفق في المغني والشارح وابن رزين وحكاه الموفق عن أبي حنيفة ومالك والشافعي لتعرضه لقطع الشعر، وعنه يحرم والصحيح الجواز وقاله القاضي وغيره وهو ظاهر ما قدمه في الفروع، وصححه في الكافي وغيره، ومشى عليه في المنتهى والإقناع وغيرهما، ورواية التحريم ضعيفة، والله أعلم، وإن وقع في أظفاره مرض فأزالها من ذلك المرض فلا شيء عليه وتقدم وإن انكسر ظفره فأزال أكثر مما انكسر فعليه فدية ما زاد على المنكسر لعدم الحاجة إلى إزالته بخلاف المنكسر (الثالث من محظورات الإحرام) تعمد تغطية رأس الذكر إجماعاً لنهيه ﷺ المحرم عن لبس العمائم والبرانس، وقوله في المحرم الذي وقصته راحلته (ولا تخمروا رأسه) والأذنان من الرأس، ومنه أيضاً النزعتان والصدغ، والتحذيف والبياض فوق الأذنين، فما كان من الرأس حرم على
следующие страницы →