Полный текст (572 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الشرعي، ولا دم عليه لعدم الدليل على وجوبه، ويأتي في باب صفة الحج شيء مما تقدم، ومن لم يمر بميقات من المذكورات أحرم بحج أو عمرة وجوباً إذا علم أنه حاذى أقرب المواقيت منه لقول عمر ﵁: (انظروا حذوها من طريقكم) رواه البخاري، وسن له أن يحتاط ليخرج من عهدة الواجب، فإن لم يعلم حذو الميقات أحرم من بعدٍ إذ الإحرام قبل الميقات جائز، وتأخيره عنه حرام فإن تساويا قُرباً منه فإنه يحرم من حذو أبعدهما من مكة من طريقه، لأنه أحوط، فإن لم يحاذ ميقاتاً كالذي يجيء من سواكن إلى جدة من غير أن يمر برابغ ولا يلملم لأنهما أمامه فيصل جدة قبل محاذاتهما، أحرم عن مكة بقدر مرحلتين فيحرم في المثال من جدة لأنها على مرحلتين من مكة، لأنه أقل المواقيت، وتقدم البحث في ذلك على مذاهب الأئمة الثلاثة، فإن أحرم ثم علم بعد أنه قد جاوز غير محرم ما يحاذي الميقات فعليه دم، قاله في المغني والشرح، قال في المبدع: وهو متجه.
-- فصل:
ولا يجوز لمن أراد دخول مكة ولو لتجارة أو زيارة أو أراد دخول الحرم أو أراد نسكا تجاوز الميقات بغير إحرام إن كان حراً مسلماً مكلفاً؛ بخلاف الرقيق والكافر وغير المكلف، لأنهم ليسوا من أهل فرض الحج، فلو جاوز الميقات رقيق أو كافر أو غير مكلف ثم لزمهم الإحرام بأن عتق الرقيق، وأسلم الكفار، وكلف غير المكلف، أحرموا من موضعهم لأنه حصل دون الميقات وعلى وجه مباح فكان له أن يحرم منه كأهل ذلك الموضع ولا دم عليهم إذا أحرموا من
стр. 72
موضعهم، لأنهم لم يجاوزوا الميقات حال وجوب الإحرام عليهم بغير إحرام، فإن لم يرد الحرم ولا نسكا لم يلزمه الإحرام بغير خلاف، لأنه ﷺ وأصحابه أتوا بدراً مرتين وكانوا يسافرون للجهاد فيمرون بذي الحليفة بغير إحرام. قال شيخ الإسلام: وليس لأحد أن يجاوز الميقات إذا أراد الحج أو العمرة إلا بإحرام، وإن قصد مكة لتجارة أو لزيارة فينبغي له أن يحرم، وفي الوجوب نزاع انتهى. وعند الحنفية: يجب الإحرام من الميقات لأحد النسكين، ويحرم تأخيره عنه لمن أراد الحج أو العمرة أو دخول مكة أو الحرم ولو كان لقصد التجارة أو غيرها من إرادة نزهة أو دخول بيته ولم يرد نسكا، ويلزمه الدم بتأخير الإحرام عن الميقات ويجب عليه أحد النسكين إن لم يحرم عند دخول الميقات أو بعده إلى أن دخل مكة فيلزمه التلبس بحجة أو عمرة ليقوم بحق حرمة البقعة، وعندهم أيضا أن من جاوز الميقات غير محرم ثم أحرم بعد المجاوزة أو لم يحرم بعدها فعليه العود: أي يجب عليه الرجوع إلى ميقات من المواقيت، ولو كان أقربها إلى مكة ولم يتعين عليه العود إلى خصوص ميقاته الذي تجاوزه بلا إحرام. وعن أبي يوسف الأولى أن يحرم من ميقاته كما صرح به في المحيط، وإن لم يعد مطلقا فعليه دم لمجاوزة الميقات.
فإن عاد قبل شروعه في طواف أو وقوف سقط الدم إن لبى من الميقات، وقال أبو حنيفة: لا يسقط الدم بالعود محرما لبى أو لم يلب، وقال زفر لا يسقط لبى أو لم لب لأن جنايته لا ترتفع بالعود، وعندهم أيضا يجوز لمن منزله الميقات أو داخله من أفقي وغيره، دخول الحرم ومكة إلا أن يريد نسكا، هذا ملخص مذهب الحنفية. وعند المالكية أن المار بالميقات، إما أن يريد مكة أولاً، فإن كان لا يريد مكة أو كان غير مخاطب بالنسك كالعبد والصبي فلا إحرام عليه، فإن بدا له دخول مكة بعد
стр. 73
تعدي الميقات فأحرم فلا دم عليه ولو كانت حجة الإسلام، وإن كان يريد مكة وجب عليه الإحرام ولو لم يرد نسكا، فلو دخلها بغير إحرام وجب عليه أن يرجع إلى الميقات ليحرم منه إلا أن يغلب على ظنه فوات الحج أو الرفقة التي لا يجد غيرها فيحرم من مكانه الذي هو به ولا يرجع ويلزمه هدي.
وإن أحرم بعد تعدي الميقات وجب عليه الهدي ولو لم يرد نسكا، لأن قصد مكة كقصد النسك كما في نقل ابن عرفة واعتمدوه، قال أبو مصعب من أصحاب مالك وعبد الملك لا يجوز أن يدخل مكة إلا محرماً ولو لتجارة أو لكونها وطنه أو لزيارة أهل بمكة أو لاستقضاء حق من غرمائه أو لشبه ذلك، وقال ابن شهاب: له أن يدخل حلالا ولا شيء عليه، هذا ملخص مذهب المالكية، وعند الشافعية إذا انتهى إنسان إلى الميقات وهو يريد حجاً أو عمرة لزمه أن يحرم منه، فإن جاوزه غير محرم عصى ولزمه أن يعود إليه ويحرم منه إن لم يكن له عذر، فإن كان له عذر كخوف الطريق أو الانقطاع من الرفقة أو ضيق الوقت أحرم ومضى في نسكه ولزمه دم إذا لم يعد، فإن عاد إلى الميقات قبل الإحرام فأحرم منه أو بعد الإحرام ودخول مكة قبل أن يطوف أو يفعل شيئاً من أنواع النسك سقط عنه الدم، وإن عاد بعد فعل نسك لم يسقط عنه الدم، وسواء في لزوم الدم من جاوزه عامداً أو جاهلاً أو ناسياً أم معذوراً بغير ذلك، وإنما يفترقون في الإثم فلا إثم على الناسي والجاهل ويأثم العامد، وأما إذا لم يرد حجاً ولا عمرة فإنه لا يلزمه الإحرام إذا أتى الميقات، هذا ملخص مذهب الشافعية والله أعلم. قال الشيخ أبو محمد المقدسي في المغني: النوع الثالث المكلف الذي يدخل للحرم إما مكة أو غيرها ليغر قتال ولا حاجة متكررة فلا يجوز له تجاوز الميقات غير محرم، وبه قال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: لا يجب الإحرام
стр. 74
عليه. وعن أحمد ما يدل على ذلك، وقد روى عن ابن عمر أنه دخلها بغير إحرام ولأن الوجوب من الشرع ولم يرد من الشارع إيجاب ذلك على كل داخل فبقى عن الأصل.
إذا ثبت هذا فمتى أراد هذا الإحرام بعد تجاوز الميقات رجع فأحرم منه، فإن أحرم من دونه فعليه دم كالمريد للنسك انتهى ملخصاً، وقال أيضا ومن دخل الحرم بغير إحرام ممن يجب عليه الإحرام فلا قضاء عليه، وهذا قول الشافعي، وقال أبو حنيفة يجب عليه أن يأتي بحجة أو عمرة إلى أن قال ولنا أنه مشروع كتحية البقعة فإذا لم يأت به سقط لتحية المسجد وتمامه فيه ومثله في الشرح الكبير. قال في الفروع: إذا أراد حر مسلم مكلف نسكا أو مكة نص عليه أو الحرم لزمه إحرام من ميقاته وفاقاً لأبي حنيفة ومالك إلا أن أبا حنيفة يجوِّز لمن منزله الميقات أو داخله من أفقي وغيره دخول الحرم ومكة إلا أن يريد نسكاً ولا وجه للتفرقة، وظاهر مذهب الشافعي يجوز مطلقا إلا أن يريد نسكا، وعن أحمد مثله ذكرها القاضي وجماعة وصححها ابن عقيل وهي أظهر للخبر السابق، وينبني على عموم المفهوم والأصل عدم الوجوب يعني عدم وجوب الإحرام على كل داخل، والله أعلم.
(تنبيه) : لا يجوز لمن أراد دخول الحرم أو مكة أو أراد نسكاً تجاوز الميقات
стр. 75
بغير إحرام هذا هو المذهب وعن الإمام أحمد رواية لا يجب عليه الإحرام إذا لم يرد نسكا ذكرها القاضي أبو يعلى وجماعة وصححها ابن عقيل واستظهرها ابن مفلح في الفروع، قال الموفق في المغني لأن الوجوب من الشرع ولم يرد من الشارع إيجاب ذلك على كل داخل فبقى على الأصل انتهى.
وروى عن ابن عمر أنه دخلها بغير إحرام وهو الصحيح من مذهب الشافعية، إذا تقرر هذا فعلى المذهب لو لم ينو نسكا ودخل مكة غير محرم فهل يلزم دم أو لا؟ الظاهر أنه لا يلزمه دم لأن الدم إنما يجب لجبران النقص الذي حصل في نسكه، وهذا لم يأت بنسك يجبره بدم وتقدم قريبا قول صاحب المغني إن الإحرام مشروع لتحية البقعة فإذا لم يأت به سقط كتحية المسجد، فإن تجاوز الميقات بغير إحرام لقتال مباح جاز لدخوله ﷺ يوم فتح مكة وعلى رأسه المغفر ولم ينقل عنه ولا عن أحد من أصحابه أنه دخل مكة محرماً ذلك اليوم، أو لخوف أو لحاجة تتكرر كحطاب وفيج وهو رسول السلطان وناقل ميرة وحشاش وحطاب وفحام وناقل فاكهة من الطائف أو غيره وصاحب البريد ونحوهم ومكي يتردد لقرية بالحل، قال مرعي أو خارج الميقات انتهى.
فهؤلاء لهم الدخول بلا إحرام لما روى حرب عن ابن عباس (لا يدخل إنسان مكة إلا محرما إلا الجمالين والحطابين وأصحاب منافعها) احتج به أحمد دفعاً للمشقة والضرر لتكرره، قال ابن عقيل وكتحية المسجد في حق قيمة للمشقة، ثم إن بدا لمن لا يلزمه الإحرام ممن تقدم ذكرهم ممن تتكرر حاجته، والمكي الذي يتردد إلى قريته بالحل أن يحرم أو بدا لمن لم يرد الحرم كقاصد عسفان أو المضيق أو وادي فاطمة المسمى بمر الظهران أو لزيمة أو الشرايع ونحوهم أن يحرم أو تجاوز الميقات غير قاصد مكة ثم بدا له قصدها فجميع هؤلاء يحرمون من الموضع الذي بدا لهم
стр. 76
الإحرام فيه، لأنهم حصلوا دون الميقات على وجه مباح، فأشبه أهل ذلك المكان ولا دم على واحد منهم لأنهم لم يجاوزوا الميقات حال وجوب الإحرام عليهم بغير إحرام، ولأن من منزله دون الميقات لو خرج إلى الميقات ثم عاد غير محرم وأحرم من منزله لم يلزمه شيء، قال المحقق عثمان بن قائد النجدي: اعلم أن المار على الميقات لا يجوز له تجاوزه بلا إحرام بسبعة شروط: الإسلام والحرية والتكليف وإرادة مكة أو الحرم هذه الأربعة وجودية، والخامس والسادس والسابع: عدم القتال المباح والخوف والحاجة المتكررة وهذه الثلاثة عدمية فتدبر انتهى.
وحيث أحرم من الميقات لدخول مكة أو الحرم لا لنسك طاف وسعى وحلق أو قصر وحل من إحرامه، قال في المنتهى وشرحه: وأبيح للنبي ﷺ وأصحابه دخول مكة محلِّين ساعة من يوم الفتح، وهي من طلوع الشمس إلى صلاة العصر، لا قطع شجر لأنه ﷺ قام الغد من يوم فتح مكة فحمد لله وأثنى عليه، ثم قال: (إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ولا يعضد بها شجراً، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أحلت لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد منكم الغائب) وكذا في الإقناع وشرحه وغيرهما من كتب الأصحاب مع تصريحهم بجواز مجاوزة الميقات بلا إحرام لدخول مكة أو الحرم إذا كان لقتال مباح، واستدلوا بفعل النبي ﷺ وهو دخول مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر، فإذا جاز لنا دخول مكة أو الحرم بلا إحرام للقتال المباح فكيف يكون دخول النبي ﷺ وأصحابه مكة محلين ساعة من يوم الفتح من خصائصه ﷺ ؟ والذي يظهر
стр. 77
أن الخصوصية إنما هي في جواز البداءة بالقتال وعاد التحريم بعد الساعة التي أحل الله مكة فيها لرسوله ﷺ فلا يجوز لنا أن نبدأ أحداً بالقتال فيها، أما إذا بدأنا أحد بالقتال جاز لنا قتاله لقوله تعالى: (ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم) أما ترك الإحرام لدخول مكة أو الحرم للقتال المباح وهو الدفاع عن المسلمين فليس من خصائصه ﷺ ، ولم يبح للنبي ﷺ ولا لأحد من أصحابه ولا غيرهم قطع الشجر وقتل صيد الحرم.
ومن تجاوز الميقات بلا إحرام يريد نسكا فرضاً أو نفلا ولو كان جاهلا أنه الميقات أو حكمه أو ناسيا أو مكرها، لزمه أن يرجع إلى الميقات فيحرم منه حيث أمكن كسائر الواجبات إن لم يخف فوت حج أو علة نفسه أو أهله أو ماله لصاً أو غيره، فإن خاف لم يلزمه رجوع ويحرم من موضعه، فإن رجع إلى الميقات فأحرم منه فلا دم عليه لأنه أتى بالواجب عليه كما لو لم يجاوزه ابتداء. وإن أحرم دون الميقات من موضعه أو غيره لعذر أو غيره صح وعليه دم وفاقاً للأئمة الثلاثة سواء أمكن رجوعه أم لا، وإن رجع محرماً إلى الميقات لم يسقط الدم برجوعه، نص عليه لأنه وجب لتركه إحرامه من ميقاته فلم يسقط كما لو لم يرجع، وإن فسد نسكه هذا الذي تجاوز فيه الميقات بلا إحرام لم يسقط دم المجاوزة نص عليه كدم محظور، ونقل منها يسقط لأن القضاء واجب، وعند الحنفية من كان منزله في نفس الميقات أو داخل الميقات إلى الحرم كأهل لزيمة والشرائع والمضيق ووادي فاطمة وبحرة ونحوهم، فإن ميقاته للحج والعمرة جميع المسافة من الميقات إلى انتهاء الحل وهو في رخصة وعدم لزوم كفارة ما لم يدخل أرض الحرم بلا إحرام، وإحرامه من دويرة أهل أفضل، وله دخول مكة بغير إحرام إذا لم يرد نسكا، فإن أراد نسكا وجب عليه الإحرام
стр. 78
حينئذ، وأما من كان منزله خارج الميقات إلى الحل فيجب عليه الإحرام من الميقات لأحد النسكين ولو لقصد مكة أو الحرم أو تجارة بها أو نزهة أو دخول بيته، هذا ملخص مذهبهم، قال صاحب الفروع ابن مفلح: ولا وجه للتفرقة يعني تفرقة الحنفية بين من كان خارج الميقات وبين من كان فيه أو دونه إلى الحرم، حيث قالوا بوجوب الإحرام لدخول مكة أو الحرم مطلقا على من كان خارج الميقات دون من كان في الميقات أو داخله إلى الحرم إذ لم يرد نسكا والله أعلم.
وعند المالكية من تردد إلى مكة بحطب أو فاكهة أو غيرهما من دون الميقات كأهل وادي فاطمة ولزيمة والمضيق وجدة فله أن يدخل مكة بغير إحرام، أما إن تردد لها من المواقيت فلا يجوز له أن يتعدى الميقات بلا إحرام هذا مذهبهم في هذه المسئلة، وفي إلزامهم للمتردد المذكور بالإحرام من الميقات كلما مر عليه مشقة وحرج، وقد قال تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) .
(فائدة) : إذا ركب إنسان طائرة من نجد قاصداً مكة لأداء نسكه فميقاته الشرعي قرن المعروف بالسيل، وحيث إنه لا يتمكن من النزول بالطائرة في الميقات المذكور وقصد جدة لينزل في مطارها فإن الواجب عليه والحالة ما ذكر نية الإحرام في الطائرة إذا أتى على الميقات قرن المذكور أو على ما يحاذيه فإذا نزل بجدة محرماً قصد مكة لأداء نسكه، ولا يجوز له ترك الإحرام إذا أتى على الميقات أو حاذاه بقصد الإحرام من جدة، لأن الإحرام من الميقات أو ما يحاذيه واجب وتجاوزه بغير إحرام محرم وفيه دم. ومثله إذا ركب طائرة من المدينة ونحوها قاصداً مكة والله أعلم. وكره إحرام بحجة أو عمرة قبل الميقات المكاني وينعقد، ووجه الكراهة ما نقله أبو شامة عن أبي بكر الخلال: (أن رجلاً جاء إلى
стр. 79
مالك بن أنس فقال من أين أحرم؟ قال: من الميقات الذي وقت رسول الله ﷺ وأحرم منه، فقال الرجل: فإن أحرمت من أبعد منه؟ فقال مالك: لا أرى ذلك، فقال: ما تكره من ذلك؟ فقال: أكره عليك الفتنة، فقال: وأي فتنة في زيادة الخير؟ فقال مالك فإن الله تعالى يقول: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) وأي فتنة أكبر من أنك خصصت بفضل لم يخص به رسول الله ﷺ ؟ وفي رواية أن رجلاً قال لمالك بن أنس من أين أحرم؟ قال: من حيث أحرم رسول الله ﷺ ، فأعادها عليه مراراً، فقال: إن زدت على ذلك؟ قال: فلا تفعل، فإني أخاف عليك الفتنة، قال: وما في هذا من الفتنة، إنما هي أميال أزيدها. قال فإن الله تعالى يقول: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) الآية. قال: وأي فتنة في هذا؟ قال مالك: وأي فتنة أعظم من أن ترى أن اختيارك خير من اختيار الله واختيار رسوله. حكاه في كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث.
قال أحمد هو أعجب إليّ، وقال القاضي أبو يعلى وأصحابه وأبو محمد المقدسي في المغني والسامري في المستوعب وغيرهم، وروي الحسن (أن عمران بن حصين أحرم من مصره، أي بلده فبلغ ذلك عمر، فغضب عليه وقال: يتسامع الناس أن رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ أحرم من مصره. وقال: إن عبد الله بن عامر أحرم من خراسان فلما قدم على عثمان لامه فيما صنع وكرهه له) وراهما سعيد والأثرم.
وقال البخاري: كره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان، وعند المالكية يكره الإحرام قبل الميقات المكاني، وعند الشافعية يجوز أن يحرم قبل وصوله الميقات. وفي الأفضل قولان: الصحيح عندهم الإحرام من الميقات اقتداء برسول الله ﷺ . والثاني من دويرة
стр. 80
أهله، وعند الحنفية يجب الإحرام من أي ميقات كان، سواء كان ميقات بلده أو غيره. والسنة عندهم أن يكون إحرامه من ميقات بلده والأفضل من دويرة أهله. لأنه من باب المبادرة إلى الطاعات والمسارعة إلى الخيرات، والفاضل عندهم كل ما قدمه على ميقاته من غير دويرة أهله قبل وصول ميقاته لكن بشرط كونه في أشهر الحج، والحرام عندهم تأخيره عن الميقات المعين لهن والمكروه عندهم تجاوز ميقاته إلى أدنى منه إذا كان في طريقه ميقاتان، ويصح الإحرام عندهم في جميع الصور الموافقة والمخالفة إلا أنه يجب في الحرام الدم، فلا يشترط لصحة الإحرام مكان ولا زمان هذا مذهبهم، والله أعلم.
ويكره عندنا أن يحرم بالحج قبل أشهره لقول ابن عباس: (من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج) رواه البخاري ولأنه أحرم بالعبادة قبل وقتها فأشبه ما لو أحرم قبل الميقات المكاني، فإن أحرم بالحج قبل أشهره انعقد، ويدل لصحة إحرامه بالحج قبل أشهره قوله تعالى: (يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) وكلها مواقيت للناس فكذا للحج. وقوله تعالى: (الحج أشهر معلومات) أي معظمه فيها كقوله ﵊: (الحج عرفة) ولا ينقلب إحرامه بالحج قبل ميقاته المكاني أو الزماني عمرة. خلافاً لما اختاره الآجري وابن حامد، نقل أبو طالب وسندي يلزمه الحج إلا أن يفسخه بعمرة فله ذلك على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
وميقات العمرة الزماني جميع العام لعدم المخصص لها بوقت دون آخر فتباح كل وقت من أوقات السنة في أشهر الحج وغيرها، فلا يكره الإحرام بها يوم النحر ولا يوم عرفة ولا أيام التشريق كالطواف المجرد، إذ الأصل الإباحة ولا دليل على الكراهة، ويأتي في صفة العمرة بيان صورة الإحرام يوم النحر، وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وسمي شوال بذلك لأن فيه يخرج
стр. 81
الحاج فتشول الإبل بأذنابها: أي تحركها؛ وسمي ذوي القعدة بذلك لأنهم كانوا يقعدون فيه عن القتال، وقيل لأن موسى ﵇ قعد فيه بطور سيناء، وقيل لأنهم كانوا يقعدون فيه عن الأسفار؛ وسمي ذو الحجة بذلك لوقوع مناسكه فيه، وما قلناه من أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة هو ما رواه ابن عمر مرفوعاً وقاله جمع من الصحابة، فيوم النحر منها لأن العشر بإطلاقها للأيام كالعدة، قال تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) ، قال القاضي أبو يعلى والموفق وغيرهما: العرب تغلِّب التأنيث في العدد خاصة لسبق الليالي فتقول سرنا عشراً، وإنما فات الحج بفجر يوم النحر لخروج وقت الوقوف فقط لا بخروج وقت الحج. فإن قيل الأشهر جمع في قوله تعالى: (الحج أشهر معلومات) وأقل الجمع ثلاثة، قلنا: الجمع يطلق على اثنين كقوله تعالى: (فإن كان له إخوة) وعلى اثنين وبعض آخر كعدة ذات الأقراء قال تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) لأنها تشمل القرءين وبعض الثالث عند من جعل القروء الأطهار كما هو رواية عن أحمد، وهو مذهب الشافعي، أما من جعل الأقراء الحيض، كما هو الصحيح من المذهب، فلا بد من ثلاثة أقراء كاملة في العدة، والله أعلم.
يوم النحر هو يوم الحج الأكبر لحديث ابن عمر مرفوعاً (يوم النحر يوم الحج الأكبر) رواه البخاري. وعند الشافعية ميقات الحج الزماني شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة آخرها طلوع الفجر يوم العيد وليس منها يوم النحر ولا ينعقد الإحرام بالحج عندهم في غير هذه المدة، فإن أحرم به في غيرها لم ينعقد حجاً وانعقد عمرة مجزئة من عمرة الإسلام على الأصح عندهم. ولو أحرم عندهم قبل أشهر الحج إحراماً مطلقاً انعقد عمرة، وعند المالكية
стр. 82
الميقات الزماني من ابتداء شوال من أول ليلة الفطر إلى قرب فجر ليلة النحر بقدر ما يسع الإحرام والوقوف. ويمتد زمن الإحلال منه إلى انتهاء ذي الحجة وهو المشهور عندهم، وقيل إلى الحادي عشر، وقيل إلى آخر أيام الرمي، وفائدة الخلاف عندهم في تأخير طواف الإفاضة، فعلى المشهور لا يلزمه الدم إلا إذا أخره إلى المحرم، وعلى القولين الضعيفين لا يلزمه إلا إذا أخره إلى الحادي عشر أو عن أيام الرمي؛ وإنما كان ما ذكر هو المشهور عندهم للتمسك بالحقيقة في قوله تعالى: (الحج أشهرٌ معلوماتٌ) لأن أقل الجمع ثلاثة، ومعنى الآية عندهم الحج وقته أشهر معلومات بمعنى أن له التحلل في ذي الحجة بتمامه، ولا يلزمه دم إلا بدخول المحرَّم، لا بمعنى أن له أن يبتدئ الإحرام به بعد فجر النحر، فإن ذلك لم يقله مالك ولا غيره ممن يعتد به.
ويكره الإحرام عندهم بالحج قبل شوال ولكنه ينعقد، وعند الحنفية يكره الإحرام بالحج قبل أشهره مع الصحة، وأشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة منه يوم النحر وفاقاً للحنابلة.
-- باب:
الإحرام أول الأركان، وهو في اللغة نية الدخول في التحريم، يقال أشتى إذا دخل في الشتاء، وأربع: إذا دخل في الربيع، وأنجد: إذا دخل نجدا، وأتهم: إذا دخل تهامة، وأصبح وأمسى: إذا دخل في الصباح والمساء.
وفي الشرع: نية الدخول في النسك وإن لم يتجرد من ثيابه المحظورة على المحرم لا نيته ليحج أو يعتمر، سمي الدخول في النسك إحراماً، لأن المحرم بإحرامه حرم على نفسه
стр. 83
أشياء كانت مباحة له: من النكاح والطيب والصيد وأشياء من اللباس ونحوها.
ومنه في الصلاة (تحريمها التكبير) ويسن لمريد الإحرام أن يغتسل وفاقاً للحنفية والشافعية والمالكية ذكراً كان أو أنثى، ولو حائضاً أو نفساء، (لأن النبي ﷺ أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل) . رواه مسلم. وأمر عائشة أن تغتسل لإهلال الحج وهي حائض، فإن رجت الحائض والنفساء الطهر قبل الخروج من الميقات استحب لهما تأخير الغسل حتى تطهراً ليكون أكمل لهما وإلا اغتسلتا قبل الطهر لما تقدم، ولأن مجاوزة الميقات بلا إحرام غير جائز على ما تقدم، ويتيمم عادم الماء لإحرامه وكذا العاجز عن استعماله لنحو مرض وفاقاً للشافعية كسائر ما يستحب له الغسل، ولا يضر حدثه بعد غسله قبل إحرامه، قال مرعي: ويتجه ولو كان الحث بجماع وحيض، وإن الطفل يغسله وليه انتهى، فعلى هذا إذا اغتسل للإحرام ثم أحدث قبل نية الإحرام فقد حصل المسنون كحدثه بعد غسل للإحرام ثم أحدث قبل نية الإحرام فقد حصل المسنون كحدثه بعد غسل الجمعة وقبل صلاتها.
وقالت الحنفية: لو اغتسل ثم أحدث ثم توضأ وأحرم لم ينل فضل الغسل لأن كماله أن يصلي به، هذا هو الراجح عندهم. وعن الإمام أحمد لا يستحب التيمم، اختاره الموفق والشارح وصاحب الفائق وابن عبدوس في تذكرته وصوّبه في الإنصاف. قال الموفق: والصحيح أن التيمم غير مسنون لأنه غسل غير واجب فلم يستحب التيمم له عند عدم الماء كغسل الجمعة. والفرق بين الواجب والمسنون أن الواجب شرع لإباحة الصلاة والتيمم يقوم مقامه في ذلك، والمسنون يراد للتنظيف وقطع الرائحة، والتيمم لا يحصل هذا بل يحصل شعثاً وتغييراً انتهى. قلت وهذه الرواية هي التي تطمئن إليها النفس وإن كان المذهب خلافها والله أعلم.
قال في تنوير الأبصار للحنفية: التيمم لغسل الإحرام عند العجز عن الماء ليس بمشروع لأنه ملوث انتهى. وعند المالكية: أن من لم
стр. 84
يجد ماء يغتسل به للإحرام أو وجده ولكن خاف باستعماله ضرراً أو زيادته أو تأخير برء فإنه لا يتيمم للإحرام، وعند الحنفية لا يقوم التيمم مقام الغسل عند العجز عن الماء إلا لمن جاز له أن يصلي صلاة سنة الإحرام فإنه يتيمم حينئذ. قال شيخ الإسلام ﵀: ويستحب أن يغتسل للإحرام ولو كانت نفساء أو حائضاً انتهى.
قال شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى بعد كلام سبق في صفة حجة النبي ﷺ (فصلى النبي ﷺ الظهر بالمدين بالمسجد أربعاً ثم ترجل وادهن وليس إزاره ورداءه وخرج بين الظهر والعصر فنزل بذي الحليفة فصلي بها العصر ركعتين ثم بات بها وصلى بها المغرب والعشاء والصبح والظهر فصلى بها خمس صلوات وكان نساؤه كلهن معه وطاف عليهن تلك الليلة فلما أراد الإحرام اغتسل غسلاً ثانياً لإحرامه غير غسل الجماع الأول) وقد قال زيد بن ثابت (إنه رأى النبي ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل) قال الترمذي حديث حسن غريب انتهى ملخصا. وقال ابن القيم أيضا وخرج ﷺ من المدينة يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة بعد ما صلى الظهر بالمدينة أربعاً والعصر بذي الحليفة ركعتين وبات بذي الحليفة ثم أهلِّ بعد صلاة الظهر من يقوم الأحد بذي الحليفة في موضع مصلاه ثم ركب ناقته واستوت به على البيداء وهو يهل ودخل ﷺ مكة يوم الأحد صبح رابعة من ذي الحجة انتهى ملخصاً من زاد المعاد. وسن لمريد الإحرام تنظف بأخذ شعره: من حلق العانة وقص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظفار، لكن محل سنية أخذ الشعر وتقليم الأظفار عند الإحرام هو فيما إذا كان في غير عشر ذي الحجة لمن يريد التضحية عن نفسه أو لمن يضحي عنه غيره تلك السنة، أما إذا أراد أن يضحي عن نفسه أو علم أن أحداً يضحي
стр. 85
عنه فإنه يحرم عليه إذا دخل عشر ذي الحجة أخذ شيء من شعره أو ظفره أو بشرته حتى يضحي أو يضحَّى عنه، ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك في باب الأضحية: وسن له أيضا قطع رائحة كريهة كالجمعة ولأن الإحرام يمنع أخذ الشعر والأظفار فاستحب فعله قبله لئلا يحتاج إليه في إحرامه فلا يتمكن منه فيه، قال إبراهيم كان يستحبون ذلك ثم يلبسون أحسن ثيابهم رواه سعيد.
ويسن لمريد الإحرام أن يتطيب ولو امرأة غير محدة لحرمة الطيب عليها في بدنه سواء كان الطيب مما تبقى عينه كالمسك أو أثره كالعود والبخور وماء الورد، لقول عائشة ﵂ (كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف البيت) رواه البخاري. وقالت: (كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم) متفق عليه. والوبيص بفتح الواو وكسر الموحدة آخره صاد مهملة: هو بريق أثره ولمعانه، قال الإسماعيلي كما نقله القسطلاني: الويبص زيادة على البريق والمراد به التلألؤ قال وهو يدل على وجود عين باقية لا الريح فقط انتهى.
قال شيخ الإسلام وكذلك إن شاء المحرم أن يتطيب في بدنه فهو حسن ولا يؤمر المحرم قبل الإحرام بذلك فإن النبي ﷺ فعله ولم يأمر به الناس انتهى.
ويستحب للمرأة إذا أرادت الإحرام خضاب بحناء لحديث ابن عمر: (من السنة أن تدلك المرأة يديها في حناء) ولأنه من الزينة أشبه الطيب. ويكره لمريد الإحرام تطييبه ثوبه الذي يريد الإحرام فيه وهو إزاره ورداؤه، فإن طيبه فله استدامة لبسه ما لم ينزعه، فإن نزعه فليس له لبسه والطيب فيه، لأن الإحرام يمنع الطيب ولبس المطيب دون الاستدامة، فإن نزعه وأثر الطيب باق لم يغسله حتى يذهب فدى لاستعماله الطيب، أو نقل
стр. 86
الطيب من موضع من بدنه إلى موضع آخر أو تعمد مسه بيده فعلق الطيب بها أو نحى الطيب عن موضعه ثم رده إليه بعد إحرامه فدى لأنه ابتداء للطيب، فإن ذاب الطيب بالشمس أو بالعرق، فسال إلى موضع آخر من بدن المحرم فلا شيء عليه لحديث عائشة قالت: (كنا نخرج مع رسول الله ﷺ إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراها النبي ﷺ فلا ينهاها) . رواه أبو داود. ومذهب الشافعية في الطيب عند الإحرام كمذهب الحنابلة. وعند الحنفية يستحب لمن أراد الإحرام أن يدَّهن ويتطيب، وبما لا يبقى أثره من الطيب أفضل: ويستحب عندهم بالمسك وإذهاب جرمه بماء الورد ونحوه من الماء السافي، والأولى عندهم أن لا يطيب ثيابه، وعند المالكية يكره لمريد الإحرام أن يتطيب، واحتجوا بحديث يعلى بن أمية أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبي ﷺ يعني ساعة، ثم قال: (اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات وانزع عنك الجبة واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك) متفق عليه، ولأنه يمنع من ابتدائه فمنع عندهم من استدامته، وحجة الأئمة الثلاثة ما تقدم من الأحاديث عن عائشة، قال ابن عبد البر: لا خلاف بين جماعة أهل العلم بالسير والآثار أن قصة صاحب الجبة كانت عام حنين والجعرانة سنة ثمان، وحديث عائشة في حجة الوداع سنة عشر: أي فهو ناسخ انتهى.
ويتجرد مريد الإحرام عن المخيط إن كان ذكراً لأنه ﵊ تجرد لإهاله، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: والتجرد من اللباس واجب في الإحرام وليس شرطاً فيه، فلو أحرم وعليه ثيابه صح ذلك بسنة رسول الله ﷺ وباتفاق الأئمة أهل العلم، وعليه أن
стр. 87
ينزع اللباس المحظور انتهى. وعند الحنفية التجرد مستحب وليس بواجب قبل الإحرام حتى لو أحرم وهو لابس للمخيط ينعقد ويكره، وعند المالكية التجرد عن المخيط واجب. واختلف كلام الشافعية في ذلك، فعند النووي في منسكه أن التجرد سنة، والذي مشي عليه النووي في المجموع كالرافعي في العزيز أنه واجب. ويسن لمن يريد الإحرام أن يلبس ثوبين أبيضين لحديث (خير ثيابكم البياض) رواه النسائي، ويجوز الإحرام في غير البياض بلا خلاف، وفي الحديث (إن موسى بن عمران ﵇ أحرم بعباءة قطوانية) وهي العباءة المخططة.
قال شيخ الإسلام: ويستحب أن يحرم في ثوبين نظيفين، فإن كان أبيضين فهما أفضل، ويجوز أن يحرم في جميع أجناس الثياب المباحة من القطن والكتان والصوف، والسنة أن يحرم في إزار ورداء سواء كانا مخيطين أو غير مخيطين باتفاق الأئمة، ولو أحرم في غيرهما جاز إذا كان مما يجوز لبسه، ويجوز أن يحرم في الأبيض وغيره من الألوان الجائزة وإن كان ملوناً انتهى.
ويسن أن يكونا نظيفين كما تقدم لأنه يستحب له التنظيف في بدنه فكذلك في ثيابه، والثوبان اللذان يحرم فيهما إزار ورداء، سواء كان جديدين أو غسيلين، فالرداء على كتفه والإزار في وسطه لما روى أحمد عن ابن عمر مرفوعاً: (ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين) قال ابن المنذر ثبت ذلك ويجوز إحرامه في ثوب واحد، وفي التبصرة بعضه على عاتقه، ويسن لمريد الإحرام أن يلبس نعلين لما تقدم من الخبر، والنعلان هما التاسومة، ولا يجوز له لبس سرموزة ونحوها إن وجد النعلين، وللمرأة لبس المخيط في الإحرام إلا القفازين، والمراد بالمخيط هو كل ما يخاط على قدر المبلوس عليه كالقميص والسراويل والبرنس والقباء والدرع ونحوه مما يصنع من لبد ونحوه وإن لم يكن فيه خياطة، ولو لبس إزاراً موصلاً أو اتشح بثوب مخيط
стр. 88
أو اتزر به جاز لأن ذلك ليس لبساً للمخيط المصنوع على قدر الملبوس عليه لمثله، وعند المالكية والشافعية والحنفية يسن أن يلبس المحرم إزاراً ورداء ونعلين وأن يكون الإزار والرداء أبيضين نظيفين جديدين أو خلقين وفاقاً لمذهب الحنابلة.
قال الإمام مالك ﵀: عندي ثوب قد أحرمت فيه حججا ما غسلته، قال بعض علماء المالكية يريد مالك بذلك أنه لا يشترط في ثوبي الإحرام أن يكونا جديدين بل يجوز له أن يلبس في حال إحرامه غير الجديد ولو كان خلقاً أو وسخاً ولا يلزمه غسله حيث كان طاهراً ولكن الأولى غسله حيث كان وسخاً لأن النظافة من الإيمان، ويحمل قول مالك عندي ثوب إلى آخره على أنه غير وسخ ولو كان وسخاً لغسله، كيف لا؟ وهو إمام دار الهجرة فكلامه يدل على جواز الإحرام في غير الجديد ولو لم يغسله انتهى.
(فائدتان: الأولى) لا يضطبع حال الإحرام وإنما يسن الاضطباع حال الطواف فقط خلافاً لما توهمه العوام من أن الاضطباع في جميع أحوال الإحرام.
(الثانية) : قال البخاري ﵀ في صحيحه، وقال إبراهيم النخعي: لا بأس أن يبدل ثيابه، قال الحافظ ابن حجر في الفتح أي بغير المحرم ثيابه ما شاء، وفي رواية ابن أبي شيبه أنهم لم يروا بأسا أن يبدل المحرم ثيابه قال سعيد: وحدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: كان أصحابنا إذا أتوا بئر ميمون اغتسلوا ولبسوا أحسن ثيابهم فدخلوا مكة انتهى.
قال أبو داود في مسائله عن الحسن إنه كان لا يرى بأساً أن يظاهر المحرم بما شاء من الأزر والأردية ويبدل ثيابه التي أحرم فيها بغيرها من الثياب. انتهى.
قالت المالكية: له أن يبيت في غير الثوب الذي أحرم فيه وله أن يبدل ثوبه وإن كان لقملٍ آذاه وأن يبيعه. انتهى. ويسن إحرامه عقب صلاة فرض أو نفل ندباً نص عليه لأنه صلى الله
стр. 89
عليه وسلم أهلَّ في دبر صلاة. رواه النسائي، وإحرامه عقب الصلاة أولى، وإن شاء أحرم إذا ركب، وإن شاء أحرم إذا سار قبل مجاوزة الميقات، لورود ذلك كله عنه ﷺ ، ولا يركعهما وقت نهى ولا من عدم الماء والتراب لحديث (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) ولا يركعهما من عجز عن استعمال الماء والتراب لقروح لا يستطيع معها مس البشرة لفقد شرطه، قال في الفروع: ويتوجه انه يستحب أن يستقبل القبلة عند إحرامه صح عن ابن عمر انتهى.
قال شيخ الإسلام ﵀: يستحب أن يحرم عقيب صلاة إما فرضاً وإما تطوعاً إن كان وقت تطوع في أحد القولين، وفي الآخر إن كان يصلي فرضاً أحرم عقيبه وإلا فليس للإحرام صلاة تخصه وهذا أرجح انتهى.
قال ابن القيم ﵀: وأهلَّ رسول الله ﷺ في حجة الوداع في مصلاه ثم ركب على ناقته وأهلّ أيضا ثم أهلّ لما استقلت به على البيداء، قال ابن حزم كان ذلك قبل الظهر بيسير وهذا وهم منه، والمحفوظ أنه إنما أهلَّ بعد صلاة الظهر ولم يقل أحد قط إن إحرامه كان قبل الظهر ولا أدري من أين له هذا؟ وقد قال ابن عمر: (ما أهلَّ رسول الله ﷺ إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره) وقد قال أنس (إنه صلى الظهر ثم ركب) والحديثان في الصحيح، فإذا جمعت أحدهما إلى الآخر تبين أنه إنما أهلَّ بعد صلاة الظهر انتهى ملخصا.
قال أبو محمد في المغني: والأولى الإحرام عقيب الصلاة لما روى سعيد بن جبير قال (ذكرت لابن عباس إهلال رسول الله ﷺ ، فقال أوجب رسول الله ﷺ الإحرام حين فرغ من صلاته ثم خرج فلما ركب رسول الله ﷺ راحلته واستوت به قائمة أهل فأدرك ذلك منه قوم فقالوا: أهل حين استوت به الراحلة وذلك أنهم لم يدركوا إلا ذلك، ثم سار حتى
стр. 90
علا البيداء فأهل فأدرك ذلك منه قوم فقالوا أهل حين علا البيداء) . رواه أبو داود والأثرم، وهذا لفظ الأثرم، وهذا فيه بيان وزيادة علم فيتعين حمل الأمر عليه انتهى. وعند الحنفية يصلي ركعتين بعد اللبس ينوي بهما سنة الإحرام يقرأ فيهما بسورتي الإخلاص ولا يصليهما وقت نهى، ولو أحرم بغير صلاة جاز إحرامه وكره، فإذا سلم فالأفضل أن يحرم وهو جالس مستقبل القبلة في مكانه، وعند الشافعية يصلي ركعتين ينوي بهما سنة الإحرام يقرأن فيهما بعدد الفاتحة سورتي الإخلاص، فإن أحرم بعد فريضة أغنته عن ركعتي الإحرام ولو صلاهما منفردتين عن الفريضة كان أفضل، فإن كان الإحرام في وقت كراهة الصلاة لم يصلهما على الأصح عندهم، وفي الأفضل من وقت الإحرام قولان للشافعي: أحدهما أن يحرم عقب الصلاة وهو جالس. والثاني أن يحرم إذا ابتدأ السير راكباً أو ماشياً، وهذا هو الصحيح عندهم.
ويستحب أن يستقبل القبلة عند الإحرام هذا مذهبهم، وعند المالكية يسن لمريد الإحرام أن يركع ركعتين إن كان متوضئاً وإلا بأن لم يجد ماء تيمم وركعهما، ويستحب أن يقرأ فيهما بسورتي الإخلاص، فإن كان وقت نهي انتظر وقت الجواز إلا أن يخاف فوات الرفقة فيحرم بغير صلاة، فإن أحرم بعد صلاة فريضة أغنته عن ركعتي الإحرام، والأفضل عندهم تخصيصه بركعتين فإذا استوى راكباً أحرم وإن كان ماشيا فحين يشرع في المشي هذا ملخص مذهبهم، ولا ينعقد الإحرام إلا بالنية فهي شرط فيه، فإن قيل قد سبق أن الإحرام هو نية النسك فكيف يقال لا تنعقد النية إلا بالنية، وأن النية شرط في النية مع أنه يؤدي إلى التسلسل، وأما التجرد فليس ركناً ولا شرطا في النسك، قلنا لما كان التجرد هيئة تجامع نية النسك ربما أطلق الإحرام عليها فاحتيج إلى التنبيه، على أن تلك الهيئة ليست كافية
стр. 91
بنفسها بل لا بد معها من النية وأنها لا تفتقر إلى غيرها من تلبية أو سوق هدي كما يأتي إن شاء الله تعالى.
قال شيخ الإسلام ﵀: ولا يكون الرجل محرماً بمجرد ما في قلبه من قص الحج ونيته، فإن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده بل لا بد من قول أو عمل يصير به محرماً، هذا هو الصحيح من القولين انتهى.
وعند الشافعية صفة الإحرام أن ينوي بقلبه الدخول في الحج والتلبس به، وإن كان معتمراً نوى الدخول في العمرة، وإن كان قارنا نوى الدخول في الحج والعمرة، والواجب أن ينوي هذا بقلبه ولا يجب التلفظ به ولا التلبية ولكن الأفضل أن يتلفظ به بلسانه وأن يلبي.
وعند المالكية حقيقة الإحرام نية النسك، وينعقد بمجرد النية على الراجح عندهم. ولو لم يحصل قول ولا فعل يتعلقان به من تلبية وتجرد من المخيط، ومقابل هذا قول خليل مع قول أو فعل تعلقا به وهو تابع لابن شاش وابن بشير واللخمي وهو ضعيف.
وعند الحنفية الإحرام هو الدخول في التزام حرمة ما يكون حلالاً عليه قبل التزام الإحرام، ويشترط لصحة الإحرام عندهم النية والتلبية، أو تقليد البدنة مع السوق، ولا يدخل في الإحرام بمجرد النية بل لا بد من التلبية أو ما يقوم مقامها حتى لو نوى ولم يلب لا يصير محرماً، وكذا لو لبي ولم ينو، وعند أبي يوسف يصير محرماً بمجرد النية، هذا ملخص مذهبهم في هذه المسألة. والله أعلم.
ويستحب التلفظ بما أحرم به فيقصد بنيته نسكاً معيناً لفعله ﷺ وفعل من معه في حجة الوداع، ولأن أحكام ذلك تختلف فاستحب تعيينه ليترتب عليه مقتضاه، ونية النسك كافية فلا يحتاج معها إلى تلبية ولا سوق هدي، خلافاً للحنفية لعموم حديث (إنما الأعمال بالنيات) وإن لبى أو ساق هديا من غير نية لم ينعقد إحرامه للخبر، ولو نطق بغير ما نواه نحو أن ينوي العمرة فيسبق
стр. 92
لسانه إلى الحج أو ينوي الحج فيسبق لسانه إلى العمرة أو ينوي القران فيسبق لسانه إلى أحدهما أو ينوي أحدهما فيسبق لسانه إلى كليها، انعقد إحرامه بما نواه دون ما لفظ به وفاقاً للشافعية والحنفية لأن النية محلها القلب، وينعقد إحرامه حال جماعة لأنه لا يخرج منه به، ويفسد إحرامه بالجماع فيمضي في فاسده ويقضيه كما يأتي إن شاء الله تعالى، ويخرج من الإحرام بردة لعموم قوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك) ولا يخرج منه بجنون وإغماء وسكر وموت لخبر المحرم الذي وقصته راحلته، ولا ينعقد الإحرام مع وجود الجنون أو الإغماء أو السكر لعدم أهليته للنية، فإذا أراد الإحرام نوى بقلبه قائلا بلسانه: اللهم إني أريد النسك الفلاني ويعينه من عمرة أو حج أو قران ويلفظ بما عينه فيسره لي وتقبله مني وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني أو فلي أن أحل، فإذا أراد التمتع قال اللهم إني أريد العمر فيسرها لي وتقبلها مني وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني. وإن أراد الإفراد قال: اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني ويشترط.
وإن أراد القران قال: اللهم إني أريد الحج والعمرة فيسرهما لي وتقبلهما مني ويشترط، وهذا الاشتراط سنة، ويفيد هذا الشرط شيئين أحدهما أنه إذا عاقه عدو أو مرض أو ذهاب نفقة أو ضل الطريق ونحوه أن له التحلل، والثاني أنه متى حل بذلك فلا شيء عليه، وممن رأى الاشتراط في الإحرام عمر وعلي وابن مسعود وعمار ﵃، به قال عبيدة السلماني وعلقمة والأسود وشريح وسعيد بن المسيب وعطاء وعكرمة والشافعي بالعراق، وأنكر الاشتراط ابن عمر وطاوس وسعيد بن جبير والزهري ومالك وأبو حنيفة. وعن أبي حنيفة أن الاشتراط يفيد سقوط الدم، فأما التحلل فهو ثابت عنده بكل إحصار واحتجوا بأن ابن عمر كان ينكر الاشتراط ويقول: حسبكم سنة نبيكم
стр. 93
صلى الله عليه وسلم، وحجة القائلين بالاشتراط ما روت عائشة ﵂ قالت: (دخل الني ﷺ على ضباعة بنت الزبير فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية؟ فقال النبي ﷺ : (حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني) متفق عليه، وعن ابن عباس ﵄ (أن ضباعة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج فكيف أقول؟ قال قولي: لبيك اللهم لبيك ومحلي من الأرض حيث تحبسني، فإن لك على ربك ما استثنيت) رواه مسلم، ولقول عائشة لعروة قل: اللهم إني أريد الحج فإن تيسر وإلا فعمرة، ولا قول لأحد مع قول النبي ﷺ فكيف يعارض بقول ابن عمر، ولو لم يكن في الاشتراط حديث لكان قول الخليفتين الراشدين مع من قد ذكرنا قوله من فقهاء الصحابة أولى من قول ابن عمر، وإذا اشترط وحل فلا شيء عليه، نص عليه الإمام أحمد.
قال في المستوعب وغيره إلا أن يكون معه هدي فيلزمه نحره؛ ولو قال: فلي أن أحل خير، فإن اشترط بما يؤدي معنى الاشتراط كقوله: اللهم إني أريد النسك الفلاني إن تيسر لي وإلا فلا حرج عليّ، جاز لأنه في معنى ما تقدم في الخبر، وإن قال في إحرامه متى شئت أحللته أو إن أفسدته لم أقضه لم يصح اشتراطه لأنه لا عذر له في ذلك وإحرامه صحيح، وإن نوى الاشتراط ولم يتلفظ به لم يفد لقول النبي ﷺ لضباعة: (قولي محلي) أي مكان إحلالي (من الأرض حيث حبستي) قال الشيخ منصور في شرح الإقناع: والقول لا يكون إلا باللسان. انتهى. قلت: أما القول في حديث ضباعة هذا فهو صريح في الأمر بالنطق بالاشتراط حيث جاء فيه (قولي محلي حيث حبستني) ولكن قد يكون القول بالفعل أيضا كما في حديث عمار حين تمرغ
стр. 94
في الصعيد وفيه (إنما يكفيك أن تقول) أي تفعل (بيديك هكذا ثم ضرب بيديه الأرض) ، فالقول يطلق على الفعل أيضا كقولهم قال بيده هكذا، والله أعلم.
قال ابن أبي الفتح في المطلع ومحلي أي مكان إحلالي بفتح الحاء وكسرها فالفتح مقيس والكسر سماع، يقال حل بالمكان يحل بضم حاء المضارع، وحل من إحرامه وأحل منه انتهى، وقال الزركشي: ظاهر كلام الخرقي وصاحب التلخيص أنه يحل بمجرد الحصر وهو ظاهر الحديث.
-- فصل:
ويخير مريد الإحرام بين التمتع والإفراد والقران، ذكره جماعة إجماعاً لقول عائشة (خرجنا مع النبي ﷺ فقال: من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليهل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل، قالت وأهلَّ بالحج وأهلَّ به ناس معه وأهلّ ناس بالعمرة والحج وأهلّ ناس بالعمرة وكنت فيمن أهل بعمرة) . متفق عليه. وما روي في هذا الحديث عن عائشة ﵂ من أنه ﷺ أهلّ بالحج يخالف ما روي عنها وعن غيرها من الصحابة من أنه ﷺ قرن بين الحج والعمرة. وإسناد القران أصح من إسناد الإفراد كما يأتي في كلام شيخ الإسلام وغيره، وذهبت طائفة من السلف والخلف أنه لا يجوز إلا التمتع، وقاله ابن عباس ومن وافقه من أهل الحديث، وكره التمتع عمر وعثمان ومعاوية وانب الزبير وبعضهم والقران.
واختلف في علة اسمه متمتعاً؟ فقال ابن القاسم أنه يتمتع بكل ما لا يجوز للمحرم
стр. 95
فعله في وقت حلوله من العمرة إلى وقت إنشاء الحج، وقيل سمي متمتعاً لإسقاط أحد السفرين وذلك أن حق العمرة أن تقصد بسفر وحق الحج أن يقصد بسفر فلما تمتع بإسقاط أحد السفرين ألزمه الله هدياً كالقارن انتهى.
وأفضل الأنساك الثلاثة التمتع في قول ابن عمر وابن عباس وعائشة وجمع، ونص عليه الإمام أحمد في رواية صالح وعبد الله، وقال لأنه آخر ما أمر به النبي ﷺ ، قال أبو داود وسمعته يقول: نرى التمتع أفضل، وسمعته قال لرجل يريد أن يحج عن أمه: تمتع أحب إلي، قال إسحق بن إبراهيم كان اختيار أبي عبد الله الدخول بعمرة لقوله ﷺ : (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولأحللت معكم) .
وفي الصحيحين أنه أمر أصحابه لما طافوا وسعوا أن يجعلوها عمرة إلا من ساق هدياً وثبت على إحرامه لسوقه الهدي وتأسف ولا ينقلهم إلا إلى الأفضل ولا يتأسف إلا عليه، وروي المروذي عن أحمد: إن ساق الهدي فالقران أفضل وإن لم يسقه فالتمتع أفضل (لأن النبي ﷺ قرن حين ساق الهدي ومنع كل من ساق الهدي من الحل حتى ينحر هديه) .
قال شيخ الإسلام ﵀: ومن وافى الميقات في أشهر الحج فهو مخير بين ثلاثة أنواع، وهي التي يقال لها التمتع والإفراد والقران، فإن شاء أهلّ بعمرة فإذا حل منها أهلّ بالحج وهو يخص باسم التمتع وإن شاء أحرم بهما جميعاً أو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج قبل الطواف وهو القران وهو داخل في اسم التمتع في الكتاب والسنة وكلام الصحابة، وإن شاء أحرم بالحج مفرداً وهو الإفراد، وتحقيق الأفضل من ذلك أنه يتنوع باختلاف حال الحاج، فإن كان يسافر سفرة للعمرة وسفرة أخرى للحج أو يسافر إلى مكة قبل أشهر الحج ويعتمر ويقيم بها حتى يحج فهذا الإفراد له أفضل
стр. 96
باتفاق الأئمة الأربعة، والإحرام بالحج قبل أشهره ليس مسنوناً بل مكروه، وإذا فعله فهل يصير محرماً بعمرة أو بحج؟ فيه نزاع.
وأما إذا فعل ما يفعله غالب الناس وهو أن يجمع بين العمرة والحج في سفرة واحدة ويقدم مكة في أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، فهذا إن ساق الهدي بالقران أفضل له، وإن لم يسق الهدي فالتحلل من إحرامه بعمرة أفضل فإنه قد ثبت بالنقول المستفيضة التي لم يختلف في صحتها أهل العلم بالحديث (أن النبي ﷺ لما حج حجة الوداع هو وأصحابه أمرهم جميعهم أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي فإنه أمره أن يبقى على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله يوم النحر، وكان النبي ﷺ قد ساق الهدي هو وطائفة من أصحابه وقرن هو بين العمرة والحج فقال: لبيك عمرة وحجاً) ولم يعتمر أحد بعد الحج ممن كان مع النبي ﷺ إلا عائشة وحدها لأنها كان قد حاضت فلم يمكنها الطواف لأن النبي ﷺ قال: (تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت) فأمرها أن تهل بالحج وتدع أفعال العمرة لأنها كانت متمتعة، ثم إنها طلبت من النبي ﷺ أن يعمرها فأرسلها مع أخيها عبد الرحمن فاعتمرت من التنعيم ولم يكن على عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين أحد يخرج من مكة ليعتمر إلا لعذر لا في رمضان ولا في غيره، والذين حجوا مع النبي ﷺ ليس فيهم من اعتمر بعد الحج من مكة إلا عائشة كما ذكر، ولا كان هذا من فعل الخلفاء الراشدين والذين استحبوا الإفراد من الصحابة إنما استحبوا أن يحج في سفره ويعتمر في أخرى ولم يستحبوا أن يحج ويعتمر عقب ذلك عمرة مكية، بل هذا لم يكونوا يفعلونه قط اللهم إلا أن يكون شيئاً نادراً، وقد تنازع السلف في هذا هل
стр. 97
يكون متمتعاً عليه دم أم لا؟ وهل تجزئة هذه العمرة عن عمرة الإسلام أو لا؟ (وقد اعتمر النبي ﷺ بعد هجرته أربع عمر إلى أن قال: والعمرة الرابعة مع حجته) فإنه قرن بين العمرة والحج باتفاق أهل المعرفة بسنته
وباتفاق الصحابة على ذلك، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه تمتع تمتعاً حل فيه بل كانوا يسمون القران تمتعاً، ولا نقل عن أحد من الصحابة أنه لما قرن طاف طوافين وسعى سعيين وعامة المنقول عن الصحابة في صفة حجته ﷺ ليست بمختلفة، وإنما اشتبهت على من لم يعرف مرادهم وجميع الصحابة الذين نقل عنهم أنه أفرد الحج كعائشة وابن عمر وجابر قالوا أنه تمتع بالعمرة إلى الحج، فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة وابن عمر بإسناد أصح من إسناد الإفراد ومرادهم بالتمتع القران كما ثبت ذلك في الصحاح أيضا، فإذا أراد الإحرام فإن كان قارنا قال: لبيك عمرة وحجاً، وإن كان متمتعاً قال: لبيك عمرة، وإن كان مفرداً قال: لبيك حجاً، أو قال اللهم إني قد أوجبت عمرة وحجاً أو أوجبت عمرة، أو أوجبت حجاً، أو أريد الحج، أو أريدهما، أو أريد التمتع بالعمرة إلى الحج، فمهما قال من ذلك أجزاء باتفاق الأمة ليس في ذلك عبارة مخصوصة ولا يجب شيء من هذه العبارات باتفاق الأئمة، كما لا يجب التلفظ بالنية في الطهارة والصلاة والصيام باتفاق الأئمة بل متى لبى قاصدا للإحرام انعقد إحرامه باتفاق المسلمين، ولا يجب عليه أن يتكلم قبل التلبية بشيء، ولكن تنازع العلماء هل يتحسب أن يتكلم بذلك كما تنازعوا هل يستحب التلفظ بالنية في الصلاة؟ والصواب المقطوع به أنه لا يستحب شيء من ذلك فإن النبي ﷺ لم يشرع للمسلمين شيئاً من ذلك ولا كان يتكلم قبل التكبير بشيء من ألفاظ النية لا هو ولا أصحابه، بل لما أمر ضباعة بنت الزبير بالاشتراط قالت فكيف أقول؟ قال
стр. 98
قولي: (لبيك اللهم لبيك ومحلي من الأرض حيث تحبسني) رواه أهل السنن وصححه الترمذي، ولفظ النسائي (إني أريد الحج فكيف أقول) ؟ قولي: (لبيك اللهم لبيك ومحلي من الأرض حيث تحبسني فإن لكِ على ربك ما استثنيت) ، وحديث الاشتراط في الصحيحين لكن المقصود بهذا اللفظ أنه أمرها بالاشتراط في التلبية ولم يأمرها أن
تقول قبل التلبية شيئاً لا اشتراطاً ولا غيره، وكان يقول في تلبيته لبيك عمرة وحجاً، وكان يقول للواحد من أصحابه: بم أهللت؟ إلى أن قال والإهلال هو التلبية، قال ولو أحرم إحراماً مطلقاً جاز، فلو أحرم بقصد الحج من حيث الجملة ولا يعرف ها التفصيل جاز، ولو أهل ولبى كما يفعل الناس قصداً للنسك ولم يسم شيئاً بلفظه ولا قصد بقلبه لا تمتعاً ولا إفراداً ولا قرانا، صح حجه أيضاً وفعل واحداً من الثلاثة، فإن فعل ما أمر به النبي ﷺ أصحابه كان حسناً، وإن اشترط على ربه خوفاً من العارض فقال: وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني كان حسناً فإن النبي ﷺ أمر ابنة عمه ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أن تشترط على ربها لما كانت شاكية، فخاف أن يصدها المرض عن البيت ولم يكن يأمر بذلك كل من حج. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀، قال شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى بعد كالم سبق (ثم أهلّ رسول الله ﷺ بالحج والعمرة في مصلاه) ولم ينقل عنه أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر، وإنما قلنا إنه كان قارنا لبضعة وعشرين حديثاً صحيحة صريحة في ذلك وساق ﵀ جميعها، وذكر منها حديث جابر بن عبد الله (أن رسول الله ﷺ حج ثلاث حجج: حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعد ما هاجر معها عمرة) . رواه الترمذي وغيره، وحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ بوادي
стр. 99
العقيق يقول: (أتاني الليلة آت من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة) . رواه البخاري في صحيحه، وحديث البراء الذي جاء فيه (إني قد سقت الهدي وقرنت) .
رواه أبو داود، وحديث علي الذي رواه النسائي، وجاء فيه (سمعت رسول الله ﷺ يلبي بهما جميعاً) وما رواه مسلم من حديث عمران بن حصين (أن رسول الله ﷺ جمع بين حج وعمرة ثم لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل قرآن يحرّمه) وما رواه الإمام أحمد من حديث سراقة بن مالك الذي جاء فيه (وقرن النبي ﷺ في حجة الوداع) إسناده ثقات، وما رواه الإمام أحمد أيضاً من حديث الهرماس بن زياد الباهلي (أن رسول الله ﷺ قرن في حجة الوداع بين الحج والعمرة) ، وما رواه أحمد أيضاً من حديث جابر بن عبد الله (أن رسول الله ﷺ قرن بالحج والعمرة فطاف لهما طوافاً واحداً) وفيه الحجاج بن أرطأة وحديثه لا ينزل عن درجة الحسن ما لم يتفرد بشيء أو يخالف الثقات، وما رواه الإمام أحمد أيضا من حديث أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أهلوا يا آل محمد بعمرة في حج) وما رواه مالك في الموطأ من حديث عائشة، وجاء فيه قال رسول الله ﷺ : (من كان معه هدي فليهلّ بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً ومعلوم أنه كان معه ﷺ الهدي فهو أولى من بادر إلى ما أمر به. انتهى.
ثم يلي التمتع في الأفضلية الإفراد، لأن فيه كمال أفعال النسكين ولما في الصحيحين عن ابن عباس وجابر (أن النبي ﷺ أفرد الحج) . وقال عمر وعثمان وجابر هو أفضل الأنساك، لما ذكرنا ولإتيانه بالحج تاماً من
стр. 100
غير احتياج إلى آخر، وتقدم قريباً في كلام شيخ الإسلام (أنه ﷺ أهلّ بالحج والعمرة قارنا) وأن إسناد القران أصح من إسناد الإفراد، وأيد ذلك ابن القيم في كتاب الهدي النبوي وساق بضعة وعشرين حديثاً على ذلك.
ثم يلي الإفراد في الأفضلية القران، وتقدم أنه ﷺ حج قارنا. وعند الحنفية أفضل الأنساك القران، قالوا وهو اختيار الجمهور من السلف وكثير من الخلف، ثم التمتع ثم الإفراد بالحج، وعند الشافعية أفضل الأنساك الإفراد ثم التمتع ثم القران، والقران أفضل من إفراد الحج من غير أن يعتمر بعده في سنته فإن تأخير العمرة عن سنة الحج مكروه عندهم، والمراد بسنته عندهم ما بقي من شهري ذي الحجة الذي هو شهر حجة، أما إذا لم يعتمر في تلك السنة أصلاً فإن كلا من التمتع والقران أفضل من الإفراد عندهم. وعند المالكية: أفضل الأنساك الإفراد، ثم القران، ثم التمتع.
وصفة التمتع الذي هو أفضل الأنساك عندنا أن يحرم بالعمرة أطلقه جماعة منهم صاحب المحرر والوجيز وجزم آخرون من ميقات بلده في أشهر الحج نص عليه الإمام أحمد وروى معناه بإسناد جيد عن جابر، ولأنه لو لم يحرم بها في أشهر الحج لم يجمع بين النسكين فيه ولم يكن متمتعاً، وأن يفرغ منها. قال في المستوعب: ويتحلل لأنه لو أحرم بالحج قبل التحلل من العمرة لكان قارنا واجتماع النسكين التمتع والقران ممتنع لتباينهما ثم يحرم بالحج من مكة أو قريب منها نقله حرب وأبو داود، لما روي عن عمر أنه قال: (إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع، وإن خرج ورجع فليس بمتمتع) وعن ابن عمر نحوه ويشترط أن يحج في عامه لقوله تعالى: (فمن تمتع) وظاهره يقتضي الموالاة بينهما ولأنه لم أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج ثم حج من عامه لا يكون متمتعاً فلئلا يكون متمتعاً إذا لم يحج من عامه
стр. 101
أولى، واشتراط الإحرام من مكة أو قريب منها ذكره في المقنع والفائق والرعايتين والحاويين وجزم به في الإقناع، وعبارته: ثم يحرم بالحج من مكة أو قريب منها انتهى. والذي عليه أكثر الأصحاب عدم التقييد ونسبه في الفروع إلى الأصحاب منهم صاحب المذهب ومسبوك الذهب والخلاصة، ذكره في الإنصاف وقطع بعدم التقييد في المنتهى، وعبارته مع شرحه ثم يحرم به أي الحج في عامه مطلقاً: أي من مكة أو قربها أو بعيد منها بعد فراغه منها أي العمرة انتهى.
قال في العمدة للشيخ منصور وشرحها للشيخ عثمان بن قائد: وأفضل الأنساك التمتع بأن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج في عامه من مكة، أو قربها، أو بعيد منها خلافاً لما يوهمه تقييد الإقناع بالقرب منها انتهى. قلت: إذا أحرم بالعمرة في أشهر الحج من الميقات وفرغ منها وتحلل ثم أحرم بالحج في عامه من مسافة قصر فأكثر عن مكة فإنه يكون متمتعاً كما جرى عليه في المنتهى، وغيره ولكن لا دم عليه كما يأتي بيان ذلك في الشرط الثالث من شروط وجوب الدم على المتمتع، والله أعلم.
ولو أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج لم يكن متمتعاً، ولو أتم أفعال العمرة من طواف وسعى وحلق أو تقصير في أشهرة، ويأتي الكلام على هذا إن شاء الله تعالى: قال القاضي أبو يعلى وغيره: ولو تحلل من الحج يوم النحر ثم أحرم فيه بعمرة فليس بمتمتع في ظاهر ما نقل ابن هانئ ليس على معتمر بعد الحج هدي لأنه في حكم ما ليس من أشهره بدليل فوت الحج فيه انتهى.
وصفة الإفراد أن يحرم بالحج مفرداً فإذا فرغ من الحج اعتمر عمرة الإسلام إن كانت باقية عليه. وصفة القران أن يحرم بها جميعاً لفعله ﷺ ، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل الشروع في طوافها، لما روت عائشة قالت: (أهللنا بالعمرة
стр. 102
ثم أدخلنا عليها الحج) وفي الصحيحين (أن ابن عمر فعله وقال هكذا صنع رسول الله ﷺ وفي الصحيح (أنه أمر عائشة بذلك) وساء كان إدخال الحج على العمرة في أشهر الحج أو لا؛ لأنه لا يعتبر لصحة إدخال الحج على العمرة الإحرام بالحج في أشهره لصحة الإحرام به قبل أشهره كما تقدم، قال في الإقناع وشرحه: فإن كان شرع في طواف العمرة لم يصح إدخاله عليها لأنه شرع في التحلل من العمرة كما لو سعى إلا لمن معه الهدي فيصح الإدخال ولو بعد السعي بناء على المذهب أنه لا يجوز له التحلل حتى يبلغ الهدي محله ويصير قارنا، جزم به في المبدع والشرح وشرح المنتهى لمؤلفه هنا وهو مقتضى كلامه في الإنصاف، وقال في الفروع وشرح المنتهى لمؤلفه في موضع آخر: لا يصير قارناً إذا انتهى أي بل يصير متمتعاً، قال في المنتهى وشرحه للشيخ منصور: ويصح إدخال حج على عمرة ممن معه هدي ولو بعد سعيها بل يلزمه كما يأتي لأنه مضطر إليه لقوله تعالى: (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله) .
قال في شرحه هنا؛ يعني شرح المؤلف: ويصير قارنا على المذهب ورده في أثناء الفصل بعده؛ ومن أحرم به أي الحج ثم أدخلها أي العمرة عليه لم يصح إحرامه بها أي العمرة لأنه لم يرد به أثر ولم يستفيد به فائدة بخلاف ما سبق فلا يصير قارنا انتهى بل يصير مفرداً لأنه لا يلزمه بالإحرام الثاني شيء: قال الشيخ محمد الخلوتي في حاشيته على المنتهى على قوله ولو بعد سعيها: ظاهر سياق المتن أن يكون قارناً وصرح بذلك في شرحه هنا حيث قال: ويصير قارنا على المذهب انتهى، ولكن صرح في شرحه فيما يأتي بأ، هـ يكون متمتعاً وهو مخالف لذلك، وعبارة شيخنا، يعني الشيخ منصوراً في الحاشية عند قول المصنف في الفصل الآتي وإلا صار قارنا بعد تقدير المتن. ومحل هذا إذا لم يدخله عليها بعد سعيها لكونه ساق الهدي، فإن
стр. 103
كان كذلك فهو متمتع هذا مقتضى كلامه في شرحه، وفي الأنصاف يكون قارنا ولم يحك خلافاً وتبعه في الإقناع انتهى، ويمكن التوفيق بين كلام المصنف، يعني الفتوحي هنا وفي شرحه بأن غرضه هنا بيان صحة الإحرام بالحج على هذا الوجه المخصوص لا بيان صفة من صفات القران بدليل مقابلته بالصفة غير الصحيحة، وغرضه في الشرح بيان أنه في هذه الحالة يسمى متمتعاً لا قارنا تنبيهاً على مخالفة ما في الأنصاف وإن مشى عليه في الإقناع، وذكر المصنف في شرحه هنا أنه المذهب فيكون ذلك اختياراً له وهذا تقدير لكلامهم فليحرر انتهى كلام الخلوتي. قلت والصفة غير الصحيحة التي ذكرها محمد الخلوتي، هي قوله في المنتهى، ومن أحرم بالحج، ثم أدخلها عليه لم يصح إحرامه بها، والله أعلم.
وقول الخلوتي فيكون ذلك اختياراً له: يعني أن قول الفتوحي في شرحه على المنتهى ويصير قارناً على المذهب اختيار له، والله أعلم، وقال الشيخ عثمان بن قائد النجدي على قول الشيخ محمد الخلوتي فليحرر. أقول: الأظهر والله أعلم أنه متى أحرم بالحج قبل فراغه من العمرة حيث جاز له الإدخال فإنه يصير قارناً على كل حال كما يؤخذ ذلك من صريح الإنصاف وكذلك صريح الإقناع وشرح المنتهى في موضع بلا دفاع وكما يفهمه إطلاق قول المصنف الآتي وإلا صار قارناً، فإنك إذا قابلت هذا الموضع بما ذكره الشارح هناك ظهر لك الرجحان، والله ولي التوفيق.
وعليه التكلان فتأمل وتمهل، انتهى كلام الشيخ عثمان، قال في المنتهى وشرحه للشيخ منصور: وإن ساقه أي الهدي متمتع لم يكن له أن يحل من عمرته فيحرم بحج إذا طاف وسعى لعمرته قبل تحليل بحلق فإذا ذبحه يوم النحر حل منهما، أي الحج والعمر معاً نصاً، لأن التمتع أحد نوعي الجمع بين الحج والعمر كالقران ولا يصير قارناً لاضطراره لإدخال حجه على عمرته، هذا معنى كلامه
стр. 104
في شرحه هنا، يعني شرح المنصف وتقدمت الإشارة إليه انتهى ملخصاً، وقوله لاضطراره إشارة منه إلى الفرق بين هذه الصورة وبين ما إذا أدخل الحج على العمر قبل الشروع في طوافها مت تمكنه من التحلل منها لعدم سوقه الهدي، أما هذه الصورة فإنه لا يتمكن من التحلل لسوقه الهدي، وجزم الشيخ مرعي بن يوسف في غايته بأنه في هذه الصورة قان، ولكن الصحيح أنه في هذه الصورة متمتع والله أعلم. قال في المنتهى وشرحه لمنصور: ويشترط في وجوب دم متمتع وحده أي دون القارن زيادة عما تقدم ستة شروط إلى أن قال: وأن يحل منها أي العمرة قبل إحرامه به أي الحج وإلا يحل من العمرة قبل إحرامه بالحج بأن أدخله عليها كما فعل ﵊، صار قارناً فيلزمه دم القران وليس بمتمتع، وظاهره ولو بعد سعيها لمن معه هدي انتهى. قال الشيخ منصور في حاشيته على المنتهى: قوله وإلا صار قارناً محل هذا إذا لم يدخله عليها بعد سعيها لكونه ساق الهدي، فإن كان كذلك فهو متمتع، هذا مقتضى كلامه في شرحه، وفي الإنصاف يكون قارناً ولم يحك خلافاً وتبعه في الإقناع انتهى ملخصاً.
(تنبيهان) الأول: قد اختلف كلام الأصحاب في هذه المسألة اختلافاً واضحاً ولم يأت أحد منهم بما يزيل الإشكال فاستعنت الله جل وعلا وأمعنت النظر في المسألة فظهر لي الصواب بتوفيق الله الملك الوهاب، فأقول وبالله التوفيق: المتمتع إذا أحرم من الميقات بعمرة متمتعاً بها إلى الحج له حالتان: حالة ساق فيها الهدي وحالة أخرى لم يسق فيها هدياً، فالحالة التي ساق الهدي فيها إذا طاف لعمرته وسعى ثبت على إحرامه لسوقه الهدي ولزمه إدخال الحج على العمرة لسوقه الهدي ويثبت على إحرامه حتى يحل منهما جميعاً يوم النحر، وهذه الحالة
стр. 105
يكون فيها متمتعاً لا قارنا، وإن لم نقل بأنه متمتع لزم منه أن من ساق الهدي لا يكون متمتعاً أصلاً.
وأما الحالة التي لم يسق فيها هديا فإنه إذا طاف لعمرته وسعى حلق أو قصر وحل من عمرته ثم أحرم بالحج، لكن في هذه الحالة إذا أدخل الحج على العمرة باختياره أو اضطراره فيما إذا ضاق الوقت وخشي فوات الحج أو خشيته حائض ونحوها وكان ذلك الإدخال قبل الشروع في طواف العمرة، صح الإدخال المذكور وصار قارناً، وحينئذ يطوف بالبيت للقدوم إن أمكنه كسائر القارنين، فإن كان قد شرع في طواف العمرة لم يصح إدخال الحج عليها ولزمه التحلل من العمرة لأنه قد شرع في التحلل بالشروع في طواف العمرة. وأما القارن فله حالتان أيضاً: حالة ساق الهدي فيها، وحالة لم يسق فيها هدياً، فالحالة التي ساق الهدي فيها يثبت على إحرامه بعد طواف القدوم والسعي بعده إن لم يؤخر السعي إلى أن يطوف للإفاضة ولا يحل في هذه الحالة إلا يوم النحر.
وأما الحالة التي لم يسق فيها هدياً فالسنة أن يفسخ نيته بالحج وينويه عمرة ويتحلل منها، سواء كان الفسخ بعد الطواف والسعي أو قبلهما، وإن لم ينو فسخ الحج إلى العمرة فإنه يثبت على إحرامه ولا يحل من حجته وعمرته إلا يوم النحر، وقد نص الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن عمل القارن كعمل المفرد، وأنه يسقط ترتيب العمرة عن القارن ويصير الترتيب للحج، إذا تقرر هذا فالفرق بين حالة القارن التي ساق الهدي فيها وحالة المتمتع التي ساق الهدي فيها أيضاً أن المتمتع إذا طاف بالبيت يطوف طواف العمرة الذي هو ركن، وأما القارن فإنه يطوف طواف القدوم الذي هو نفل ولا يطوف للعمرة لأن طواف العمرة يختص بالمعتمر عمرة مفردة، وبالمتمتع لا غير، وقد تقدم أن القران داخل في اسم التمتع في الكتاب والسنة وكلام الصحابة، وهذا الفرق قد منَّ الله به علي في هذه
стр. 106
المسألة التي كثير فيها النزاع والاختلاف بين الأصحاب، فله الحمد والشكر لا نحصي ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه، والله أعلم.
(التنبيه الثاني) : وقع اختلاف بين الأصحاب في المحرم المتمتع الذي لم يسق الهدي إذا طاف لعمرته وسعى ولم يحلق أو يقصر، ثم أحرم بالحج فهل يصح حجه ويصير قارنا لإدخاله الحج على العمرة ويلزمه دم لتركه الحلق، والتقصير، أو لا يصح حجه لإدخاله الحج على العمرة قبل التقصير أو الحلق وهو ممن ليس معه هدي؟ وهذا نص ما نسوقه من الأقوال في هذه المسألة التي طال النزاع فيها، لا سيما في وقت موسم الحج، فنقول: قال في المنتهى وشرحه: ويصح إدخال حج على عمرة ممن معه هدي ولو بعد سعيها، قال الشيخ عثمان بن قائد النجدي: مفهومه أنه إذا لم يكن معه هدي، لا يصح إحرامه بالحج إذاً إلا بعد فراغه من العمرة، لا أنه ينعقد فاسداً ويمضي فيه كما يدل عليه صريح كالمه الآتي في الفصل الثاني في قوله: ومع مخالفته إلى حج أو قران يتحلل بفعل حج ولم يجزه عن واحد منهما ولا دم ولا قضاء، فقوله ولم يجزه دليل على عدم الصحة، وقوله ولا قضاء دليل على أنه لم ينعقد فاسداً فتدبر انتهى، قال الشيخ عبد الله أبو بطين: أقول ظاهر المغني أنه يصير في هذه الحالة أيضاً قارنا وكذا المستوعب وأفتى بذلك الشيخ سليمان بن علي، وخالفه الشيخ عبد الله بن ذهلان، ورد ما في المغني العلامة الشيخ إبراهيم بن نصر الله، وقال إنه سهو لأنه قدم أنه لا يصح، وأجاب العلامة ابن مفلح بأن المراد بما هنا المتمتع السائق للهدي، فعلمت أن ما أفتى به سليمان بن علي اعتماد على ظاهر العبارة من غير تحرير لكن على القاعدة هو مشكل انتهى كلام الشيخ عبد الله أبي بطين.
قلت: عبارة المغني التي أشارة إليها الشيخ، أبو بطين هي قوله بصفحة أربعمائة واثنتي عشرة من الجزء الثالث: وإن أحرم
стр. 107
بالحج قبل التقصير فقد أدخل الحج على العمرة فيصير قارنا انتهى، وعبارة المغني هذه فيها إشكال جداً لأنه بعد الشروع في طواف العمرة لا يصح إدخال الحج عليها، وكذا بعد سعيها بطريق الأولى إلا لمن معه هدي فكيف إذا طاف للعمرة وسعى وأحرم بالحج قبل الحلق أو التقصير للعمرة يكون قارنا؟ هذا خلاف صريح عبارات الأصحاب حيث ذكروا أنه بعد الشروع في طواف العمرة لا يصح إدخال الحج عليها لأنه قد شرع في التحليل من العمرة إلا لمن معه هدي، والله أعلم.
وعبارة الشيخ سليما بن علي التي أشار إليها الشيخ عبد الله أبو بطين هذا نصها: وإذا طاف المتمتع وسعي ولم يحلق، ثم أحرم وقد بقي عليه حلق العمرة الواجب فالظاهر أن هذا يصير قارنا فيلزمه حكم القران، قاله في المستوعب وغيره في المتمتع، والناسي والعامد سواء انتهى، قال الشيخ عبد الله بن ذهلان: والظاهر لنا جواز ذلك مع الإشكال لأنه بعد الطواف للعمرة لا يصح إدخال الحج عليها لمن ليس معه هدي كما صرح به غير واحد انتهى، قال في الشرح الكبير: إذا أدخل الحج على العمرة قبل طوافها من غير خوف لفوات جاز وكان قارنا بغير خلاف، فأما بعد الطواف فليس له ذلك ولا يصير قارنا وبهذا قال الشافعي وأبو ثور، وقال مالك: يصير قارنا، وحكى ذلك عن أبي حنيفة كما قبل الطواف. ولنا أنه شرع في التحلل من العمرة فلم يجز إدخال الحج عليها كما بعد السعي، إلا أن يكون معهد هدي فله ذلك انتهى. وقد نقل الشيخ أحمد المنقور في مجموعة ما تقدم من كلام الشيخ سليمان، وكلام شيخه عبد الله بن ذهلان، وكلام صاحب الشرح، ثم قال وكذلك عبارة المنتهى، والإقناع مع قولهم: الحلق من واجبات العمرة، ومن ترك واجباً فعليه دم فهل يصح إحرامه بالحج قبل الحلق أو التقصير،
стр. 108
كما نقل عن الشيخ أبي المواهب ويلزمه دم أم لا لقولهم ويفرغ منها، وبعضهم عبر أنه يتحلل منها، ولقولهم لا يصح إدخال الحج على العمرة بعد الطواف إلا لمن معه هدي فيها إشكال، وميل شيخنا، يعني ابن ذهلان مع الثقل إلى عم صحة إحرامه بالحج، والله أعلم. انتهى كلام المنقور، قال ابن منجا في شرحه للمقنع: ويشترط في إدخال الحج على العمرة في حق من لم يسق الهدي أن يكون قبل الطواف، فلو طاف ثم أدخل عليها الحج لم يصح لأنه قد أتى بمقصود العمرة وشرع في التحلل منها، فإن كان ساق الهدي لم يمنع من ذلك انتهى: قلت بل يلزمه إدخال الحج على العمرة لاضطراره إلى ذلك لعدم صحة تحلله من العمرة لسوقه الهدي، والله أعلم.
وقال في الجزء الثالث من الشرح الكبير بصفحة أربعمائة وإحدى عشرة: وفي الحديث دليل على أنه لا يحل إلا بالتقصير وهذا ينبني على أن التقصير هل هو نسك أو لا؟ وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى: فإن أحرم بالحج قبل التقصير وقلنا هو نسك فقد أدخل الحج على العمرة وصار قارنا انتهى كلام الشارح، وعلى نسخة خطية من الشرح الكبير حاشية بخط الشيخ احمد بن إبراهيم بن نصر الله البغدادي المتوفى سنة سبع وثلاثين وثمانمائة، قوله وصار قارناً كذا وقع في المغني، وهو مشكل إذ إدخال الحج على العمرة إنما يصير به قارناً إذا كان قبل الشروع في أفعال العمرة كما تقدم إيضاحه في باب الإحرام، فكيف يصير قارناً وقد طاف للعمرة وسعى فهذا سهو انتهى. وتحتها حاشية أخرى بخط الشيخ إبراهيم بن مفلح جوابه لقائل أن يقول: المصنف يتكلم في المعتمر إذا أدخل الحج على العمرة وقد تقدم لك الكلام عليه باعتبار حالتين: حالة ساق فيها هدياً، وأخرى لا، فأما إذا ساق الهدي فإنه يصح إدخال الحج على العمرة
стр. 109
قبل الطواف وبعده، صرح به في بابا الإحرام ويصير قارناً انتهى. قلت ما ذكره الشيخ أحمد بن إبراهيم بن نصر الله وجيه، لأن عبارة الشرح الكبير التي علق عليها ابن نصر الله صريحة في حالة عدم سوق الهدي، لأن نصها هكذا: فإن أحرم بالحج قبل التقصير، وقلنا هو نسك فقد أدخل الحج على العمرة وصار قارناً انتهى. فهذا واضح في أنه في هذه الحالة يسوغ له التقصير وأنه لم يقصر وأدخل الحج على العمرة يكون قارنا، وكذا في المغني، وعبارته: وإن أحرم بالحج قبل التقصير فقد أدخل الحج على العمرة فيصير قارنا انتهى.
وأما الحالة التي ساق الهدي فيها فلا تنطبق على عبارة الشرح الكبير المذكورة، لأنه ليس له أن يحلق أو يقصر لسوق الهدي، وأما قول الشيخ إبراهيم بن مفلح: فأما إذا ساق الهدي فإنه يصح إدخال الحج على العمرة قبل الطواف وبعده فيقال عنه: إذا ساق الهدي لزمه إدخاله الحج على العمرة، فإذا طاف وسعى لعمرته ثبت على إحرامه ولم يتحلل بحلق ولا تقصير، لأنه مضطر إلى إدخاله عليها، قال تعالى: (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله) ، فإذا ذبحه يوم النحر حل من الحج والعمرة معاً، لأن التمتع أحد نوعي الجمع بين الحج والعمرة كالقران، فحمل الشيخ إبراهيم بن مفلح عبارة الشرح الكبير المذكورة على من ساق الهدي بعيد لما أوضحناه؛ كما أن قوله إذا ساق الهدي يصح إدخال الحج على العمرة قبل الطواف وبعده يحتاج إلى زيادة بيان وهو أنه يلزمه الإدخال كما تقدم، والله أعلم.
قال في المقنع قبيل باب صفة الحج، فإن كان معتمراً قصر من شعره وتحلل إلا أن يكون المتمتع قد ساق هدياً فلا يحل حتى يحج وعليها حاشية، هذا نصبها: قوله فإن كان معتمراً قصر من شعره إلى آخره، لأنه ﵊ اعتمر ثلاث عمر سوى عمرته التي مع حجته وكان يحل إذا سعى، وظاهره أن التقصير له أفضل
стр. 110
من الحلق، فلو أحرم بالحج قبل التقصير وقلنا هو نسك صار قارناً فإن تركهما فعليه دم إن قلنا هما نسك، وإن وطئ قبله فعليه دم وعمرته صحيحة، انتهى من المبدع، قال ابن منجا في شرحه: فإن قيل إن الحلق والتقصير نسك كما هو الصحيح من المذاهب لم يحل قبل فعله كالطواف، وإن قيل ليس بنسك حل قبله لأن الحل لا يتوقف على فعل ما ليس بنسك انتهى، قال في المغني: والحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة في ظاهر مذهب أحمد وقول الخرقي وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، وعن أحمد أنه ليس بنسك وإنما هو إطلاق من محظور كان محرماً عليه بالإحرام فأطلق منه عند الحل كاللباس والطيب وسائر محظورات الإحرام، فعلى هذه الرواية لا شيء على تاركه ويحصل الحل بدونه وذكر دليل من قال بهذه الرواية، ثم قال والرواية الأولى أصح وذكر دليل من قال بها أيضاً فليراجع عند الاحتياج إليه. وذكر في الشرح الكبير مثل عبارة المغني هذه سواء بسواء، وقال في المغني أيضاً بعد كلام سبق وهذا ينبني عل أن التقصير نسك وهو المشهور فلا يحل إلا به، وفيه رواية أخرى أنه إطلاق من محظور فيحل بالطواف والسعي حسب انتهى.
فإن قيل فبأي القولين تعتمدون وبأيهما تفتون؟ قلت: الذي تطمئن إليه النفس هو القول بصحة إحرامه بالحج قبل الحلق أو التقصير إذا كان ناسيا أو جاهلاً لكن يلزمه دم لتركه الحلق أو التقصير، وإنما قلت بهذا القول نظراً إلى أن الله لم يجعل علينا في الدين من حرج، وإلى أن هذا الحاج قد تحمل المشاق في سبيل أداء نسكه لربه أرحم الراحمين وبذل ماله وأجهد نفسه لله رب العالمين، فإذا وصل إلى مكة شرفها الله مستبشراً بها بعد الجهد والمشقة وإنفاق المال وطاف وسعي لعمرته ونسى الحلق والتقصير، أو جهل أنه يلزمه أحدهما، ثم
следующие страницы →