← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9842

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي

عبد القادر عودة

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي]ـ المؤلف: عبد القادر عودة الناشر: دار الكاتب العربي، بيروت عدد الأجزاء: ٢ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

[مقدمة المؤلف] الحمد الله الذي علم الإنسان بعد جهل، وهداه بعد ضلال، وفقهه بعد غفلة، والصلاة والسلام على محمد رسول الله الذي أرسله ربه للناس كافة بشيراً ونذيراً وهادياً ومعلماً؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حيَّ عن بيّنة. وبعد؛ فهذه دراسات في التشريع الجنائي الإسلامي مقارنة بالقوانين الوضعية، وفقني الله فيها إلى إظهار محاسن الشريعة، وتفوقها على القوانين الوضعية، وسبقها إلى تقرير كل المبادئ الإنسانية، والنظريات العلمية والاجتماعية التي لم يعرفها العالم ولم يهتد إليها العلماء إلا أخيراً. وسيرى القارئ مصداق هذا القول بين دفتي هذا الكتاب، وأرجو أن لا ينتهي من قراءته إلا وقد أصبح يعتقد بما أعتقده، وهو أن الشريعة الإسلامية هي شريعة كل زمان ومكان. والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٥ - ٢٨] . * * *

стр. 3

تقديم وتوجيه ١ - موضوع البحث: هذه دراسات في التشريع الجنائي الإسلامي مقارنة بالقوانين الوضعية وعلى الأخص القانون المصري، تقوم على بحث المبادئ والنظريات العامة في الشريعة والقوانين، وبيان وجوه الخلاف والوفاق بينهما. وقد بدأت فيها بمقارنة أحكام القسم الجنائي، وأرجو أن يعينني الله حتى أتمه، وأن يوفقني بعد إتمامه إلى مقارنة أحكام القسم المدني. ٢ - محتويات الجزء الأول: وقد خصصت هذا الجزء لمباحث القسم الجنائي العام، وسيكون الجزء الثاني شاملاً للقسم الجنائي الخاص. ٣ - مدى المقارنة بين الشريعة والقانون الوضعي: وسيرى القارئ أني حرصت أشد الحرص على أن تكون المقارنة شاملة لكل المبادئ والنظريات في كل موضوع جل أو هان، وقد أردت من هذا أن يكون القارئ على علم بأحكام الشريعة في كل صغيرة وكبيرة ومدى اتفاقها أو اختلافها مع أحكام القوانين الوضعية، كما أردت أن أقطع الطريق على من في قلوبهم مرض فلا يقولون لماذا خاض في هذا الموضوع وترك ذاك. وحين أقارن بين الشريعة والقوانين الوضعية، لن أتتبع القانون في أطواره الأولى بالمقارنة والموازنة، ولن أقارن بين القانون في القرن السابع الميلادي وبين الشريعة التي أنزلت على محمد ﷺ في أول هذا القرن؛ فإن القانون في هذه العهود لم يكن في مستوى يسمح له أن يقارن بالشريعة الإسلامية، ولكني أقارن حين أقارن بين القانون في عصرنا الحاضر وبين الشريعة، وحين أفعل هذا إنما أقارن بين قانون متغير متطور يسير حثيثاً نحو الكمال حتى يكاد يبلغه كما يقال، وبين شريعة نزلت من ثلاثة عشر قرناً لم تتغير ولم تتبدل فيما مضى ولن تتغير أو تتبدل في المستقبل، شريعة تأبى طبيعتها التغيير والتبديل؛ لأنها من

стр. 4

عند الله، ولا تبديل لكلمات الله، ولا لأىًّ من صنع الله الذي أتقن كل شئ خلقه، فليس ما يخلقه في حاجة إلى إتقان من بعد خلقه. فنحن إذن حين نقارن إنما نقارن بين أحدث الآراء والنظريات في القانون، وبين أقدمها في الشريعة، أو نحن نقارن بين الحديث القابل للتغيير والتبديل، وبين القديم المستعصي على التغيير والتبديل، وسنرى ونلمس من هذه المقارنة أن القديم الثابت خير من الحديث المتغير، وأن الشريعة على قدمها أجل من أن تقارن بالقوانين الوضعية الحديثة، وأن القوانين الوضعية بالرغم مما انطوت عليه من الآراء واستحدث لها من المبادئ والنظريات لا تزال في مستوى أدنى من مستوى الشريعة. وليعجب من شاء كما يشاء من هذا القول، فإن الحق في هذه الأيام أصبح غير مألوف بحيث يعجب منه أكثر الناس، ولكن العجب لن يستبد بمن كان له عقل يفكر، ويقدر، ويقارن، ويوازن، ويميز الخبيث من الطيب. إن الحديث قد يكون خيراً من القديم إذا قورن ما صنعه الناس قديماً بما يصنعه الناس اليوم، ولكن الحديث لن يتهيأ له أن يصل إلى مستوى القديم إذا قورن ما يصنعه الناس بما صنعه رب الناس. لقد صنع الله موسى وعيسى ومحمداً وأوحى إليهم بالتوراة والإنجيل والقرآن. فهل جاء قبلهم أو بعدهم من غير الرسل من يصح أن يوضع معهم موضع المقارنة؟ وهل استطاع البشر أن يأتوا بمثل ما أتوا به؟ ولقد صنع الله السماء والأرض، وسخر لنا الشمس والقمر، وخلقنا معشر البشر، فهل يحسن البشر أن يصنعوا مثل هذا؟ أنهم لا يحسنون أن يصنعوه، بل إن أكثرهم لا يحسنون أن يفقهوه. وإذا استساغت عقول البشر أن تضع ما يصنعه مخلوق في مستوى ما صنعه مخلوق آخر؛ فإن هذه العقول لا تستسيغ بأي حال أن تضع ما يصنعه المخلوق في مستوى ما صنعه الخالق، لأنها تدرك الفرق بين الصناعتين، وتحس المدى الواسع بين الصانعين. ولا شك أن العقول التي تدرك هذا جديرة بأن تدرك الفرق بين

стр. 5

الشريعة الإسلامية وهي من صنع الله، وبين القوانين الوضعية وهي من صنع البشر، فإذا عجزت بعض العقول عن إدراك الفرق بينهما، فأولى بأصحابها أن لا يعجبوا مما نقول وعليهم أن يعجبوا من أنفسهم كيف لا يدركون الواقع المحسوس، وكيف لا يفهمون الأوليات والبدائة؟ ٤ - المذاهب الشرعية المقارن بها: وسيرى القارئ أني لم أعتمد في المقارنة على مذهب واحد من مذاهب الفقهاء الإسلاميين، وإنما جعلت عماد المقارنة المذاهب الأربعة المشهورة، وهي: المذهب المالكي، والمذهب الحنفي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، فبينت أحكام كل مذهب من هذه المذاهب في كل موضوع طرقته، واجتهدت أن أبين أساس الخلاف بين المذاهب أن كان ثمة خلاف، ليكون القارئ ملماً باتجاه كل مذهب وسنده. ٥ - علة الاقتصار على المذاهب الأربعة: وكان بودي أن أدرس بعض المذاهب الأخرى المشهورة كمذاهب الشيعة والخوارج والظاهرية، ولكن ظروفي ووسائلي ووقتي قصرت بي عن بلوغ ما أريد، فأنا موظف شاء حظه أن يكون مقر عمله في الريف دائماً حيث تقل المكتبات والكتب أو تنعدم، ومن ثم فقد اعتمد على نفسي في اقتناء الكثير الذي لا أجده، وقنعت باستعارة القليل الذي أجده، وأغلب من يعتمدون على أنفسهم مثلي في هذه الحالة لا يستطيعون أن يحصلوا على كل ما يشتهون. وكان الوقت معظم مشاكلي، فعملي الرسمي يأخذ مني كل أوقات فراغي تقريباً، ولولا أني خصصت أوقات راحتي اليومية وأيام عطلتي السنوية للدراسة والاطلاع، لما تغلبت على هذه المشكلة. وقد كان هذا كله سبباً في أن أقصر دراستي على هذه المذاهب الأربعة وأن أترك ما عداها من المذاهب المشهورة، ولعلي أتدارك ما فاتني في طبعة مقبلة إن شاء الله.

стр. 6

٦ - لغة البحث: ولم أشأ أن أكتب اللغة التي يكتب بها فقهاء الشريعة؛ لأني دون شك أعجز من أن أجاريهم في أسلوبهم الدقيق العميق ولأن القارئ العادي يعجز عن فهم هذا الأسلوب، وفضلت أن أكتب باللغة التي يكتبها ويفهمها رجل القانون الآن مكتفياً بإبقاء الاصطلاحات الفنية الشرعية أو ذكرها وذكر ما يقابلها في اصطلاحنا القانوني، ولكني لم أهمل الإشارة إلى المراجع التي استندت إليها أو أخذت عنها. وقد دفعني لسلوك هذا الطريق الحرص على أن يفهم كل قارئ ما أكتب دون حاجة إلى تعمق في الفهم أو كد للذهن، ولعلي بهذه الطريقة أكون قد سهلت لمن درسوا دراسة مدنية فهم الشريعة دون حاجة للرجوع إلى كتبها، بل لعلي أكون قد سهلت لهؤلاء فهم كتب الشريعة على حقيقتها إذا ما حاولوا الرجوع إليها بعد قراءة كتابي هذا، فمما لا شك فيه أن كتب الشريعة مكتوبة بلغة دقيقة مركزة، ولا يستطيع فهم هذه الكتب إلا من مرن على قراءتها، وكان على علم بالقواعد الشرعية الأساسية، هذه صفات لا تتوافر غالباً فيمن درسوا دراسة مدنية. على أني مهما حاولت أن ألتزم أساليبنا القانونية، فإني اعلم أني عاجز عن التخلص من أثر الأساليب الشرعية، ولعل مصاحبتي الطويلة لكتب الشريعة قد تركت أثرها في لغتي وأسلوبي، وهو أثر أرجو أن يفيد القارئ وأن يقربه بمرحلة من فهم كتب الشريعة. ٧ - الفقهاء والشراح: وقد التزمت أن أقصر لفظ الفقهاء على علماء الشريعة، وأن أخصص لفظ الشراح لعلماء القانون، وأحب الآن أن أنبه لذلك حتى إذا ما عرض أحد اللفظين غير مميز على القارئ لم يشتبه عليه الأمر. وأساس هذه التفرقة غلبة التسمية وانطباق اسم كلِّ على عمله، ففي الشريعة يسمون العالم في الغالب فقيهاً، وفي القوانين يسمون العالم في الغالب شارحاً، والواقع أن طبيعة عمل كل منهما تصلح أساساً للاسم الذي غلب عليه، فالعالم في الشريعة يشرح

стр. 7

النصوص وهي قليلة، ويستنبط القواعد والمبادئ والنظريات التي تترتب على هذه النصوص ويترتب على أساسها الأحكام، فأكثر عمله فقه وأقله شرح، ومن ثم غلب عليه لفظ الفقيه. والعالم في القانون أكثر عمله شرح النصوص التي لا حد لها من الكثرة، وهو يشرحها طبقاً للقواعد والمبادئ التي جاءت بها النصوص العامة، وهذا لا يمنعه أن يستنبط بين الحين والآخر مبدأ جديداً أو نظرية حديثة، إلا أن استنباط المبادئ والنظريات هو أقل عمله وشرح النصوص هو أكثر عمله، لأن ورود النصوص في كل ما يتصور من حالات يسد عليه باب التفكير والاستنباط ويوجهه إلى الشرح، ومن ثم غلب عليه لفظ الشارح. ٨ - لماذا بدأت بالقسم الجنائي ؟: ولقد بدأت بالقسم الجنائي لأنه القسم المنبوذ المظلوم في الشريعة. فنحن معشر القانونيين لا ندرس من الشريعة إلا الجزء الخاص بالأحوال الشخصية، وما عدا ذلك فهو مهمل إهمالاً يكاد يكون تاماً، وبخاصة القسمين المدني والجنائي. وقد أدى بنا هذا الإهمال إلى نتيجة لابد منها وهي أنا نجهل أحكام هذين القسمين جهلاً فاضحاً. ولكننا بالرغم من ذلك نعترف بان الشريعة بلغت في المسائل المدنية مستوى لا يقل عن المستوى الذي بلغته القوانين الوضعين. وقد ساعدنا على هذا الاعتراف من وجه أن رجال القانون يرجعون إلى الشريعة مجبرين في قليل من المواضع المدنية، لأن نصوص القانون المدني التي تحكم هذه المواضيع أخذت عن الشريعة الإسلامية، وهذه النصوص على قلتها يمكن أن تعطي فكرة لا بأس بها عن الشريعة. كذلك ساعد على هذا الاعتراف من وجه آخر أن المرحوم محمد قدري باشا سهل بكتابه "مرشد الحيران" المقارنة بين القسم المدني من الشريعة على مذهب أبي حنيفة وبين القوانين الوضعية، حيث نظم أحكام المذهب الحنفي في المسائل المدنية في مواد وأبواب متتالية على غرار مواد وأبواب القانون المدني المصري، فمكن ﵀ بعمله هذا لكل من يطلع

стр. 8

على كتابه أن يقارن بسهولة بين أحكام الشريعة وأحكام القانون، وأن يعرف دون الرجوع إلى الكتب الفقهية مدى الائتلاف والاختلاف، وإن كانت هذه المعرفة وتلك المقارنة لا تنتهي في الغالب إلى نتائج صحيحة ما دام المطلع يجهل كل الجهل الأصول والقواعد العامة التي قامت عليها الأحكام الشرعية، وما دام يجهل كل شئ عن آراء فقهاء المذاهب الأخرى. أما القسم الجنائي فهو في عقيدة جمهور رجال القانون لا يتفق مع عصرنا الحاضر ولا يصلح للتطبيق اليوم، ولا يبلغ مستوى القوانين الوضعية. وهي عقيدة خاطئة مضللة. وإذا حاول أي شخص منصف أن يعرف الأساس الذي قامت عليه هذه العقيدة فسيعجزه أن يجد لها أساساً سوى الجهل، وسيدهشه أن يعلم أننا نحكم على القسم الجنائي في الشريعة بعد الصلاحية ونحن نجهل كل الجهل أحكام الشريعة الجنائية مجملة ومفصلة. ومن المؤلف للنفس أن تروج هذه العقيدة الخاطئة أو الأكذوبة الكبرى، وأن يلقنها الطلبة على أنها عقيدة مسلًّم بها من أولي العلم والقائمين على أمر التشريع، بالرغم من أنها قائمة على مخالفة الواقع، وإنكار الحقائق، والجهل الفاضح بأحكام الشريعة. ومن أراد أن يعرف مدى خطأ هذه العقيدة وضلالها فعليه أن يرجع إلى كتب الشريعة الإسلامية ليرى أن كل مبدأ وكل قاعدة وكل نظرية في الشريعة الإسلامية تنادي بخطأ هذه العقيدة وبعدها عن الصواب. وقد رأيت في الواجب عليّ - بعد أن تبين لي ذلك - أن أحارب هذه العقيدة الخاطئة الظالمة، وأن أبدأ بالكتابة في القسم الجنائي الذي نبذناه دون حق، وجهلناه دون عذر؛ لأعرّف الناس بهذا القسم على حقيقته، ولأبين لهم أن الشريعة تتفوق على القوانين الوضعية تفوقاً عظيماً في المسائل الجنائية العامة، وأن القسم الجنائي في الشريعة صالح كل الصلاحية للتطبيق في عصرنا الحالي وفي المستقبل كما كان صالحاً كل الصلاحية في الماضي.

стр. 9

٩ - كيف دفعت لدراسة الشريعة ؟ وأعترف للقارئ أنني لم أبدأ دراسة الشريعة الإسلامية إلا في سنة ١٩٤٤م، وأنني لم أكن قبل ذلك مشغوفاً بقراءة كتب الفقه، ولكني كنت مشغوفاً بقراءة كتب التاريخ وسير أبطال الإسلام. وكتب التاريخ الإسلامي لا تتعرض عادة للمسائل الفقهية، ولكنها حين تتعرض للبطل كقاضِ أو حاكم أو مشرِّع، تذكر بعض ما أثر عنه من قضاء أو حكم أو تشريع، وهذه الآثار تثير في الرجل الفني روح المقارنة والمفاضلة، وقد أدهشني أني لم أجد قضاء أو حكماً أو تشريعاً إسلامياً إلا روعيت فيه المبادئ والنظريات الجنائية الحديثة التي قيل لنا في المدارس أنها من ابتداع القوانين الوضعية، وإن العالم لم يعرفها إلا في القرن التاسع عشر على إثر الثورة الفرنسية، فحملني هذا التناقض الظاهر بين ما سمعت وبين ما لمست على أن أدرس القسم الجنائي في الشريعة دراسة منظمة، وقد خرجت من دراستي بأن العيب الوحيد في هذا القسم هو أن الناس يجهلونه كل الجهل، وأنه فيما عدا ذلك خير من أي قانون وضعي على وجه الأرض، بل هو المثل الأعلى الذي يجب أن يأخذ به ويحتذيه كل مشرع وضعي في أي بلد غير إسلامي. ١٠ - حاجة الكتب الشرعية إلى تهذيب: ولقد أتعبني دراسة القسم الجنائي حيث بدأت الدراسة وأنا لا أعرف شيئاً يذكر عن علم الأصول ولا المصطلحات الفقهية، وزاد الدراسة تعباً أني لم أتعود قراءة كتب الفقه، وأن هذه الكتب ليست مفهرسة، وليس من السهل على من يحب الاطلاع على مسألة معينة أن يعثر على حكمها في الحال، بل عليه أن يقرأ باباً وأبواباً حتى يعثر على ما يريد خصوصاً إذا لم يكن له من يرشده، وقد ييأس الباحث من العثور على ما يريد ثم يوفقه الله فيعثر عليه مصادفة في مكان لم يكن يتوقع أن يجده فيه. ولا يسير فقهاء المذاهب المختلفة على غرار واحد في الترتيب والتأليف، فما يقدمه مذهب قد يؤخره المذهب الآخر، وما يدخل في باب معين في هذا المذهب

стр. 10

قد لا يدخله المذهب الآخر في نفس الباب. ويضاف إلى ما سبق أن الفقهاء يكتبون بعبارة مركزة دقيقة، وهم في كثير من الأحوال يذكرون الحكم ولا يذكرون علته خصوصاً في الكتب المختصرة والمتون. ولا شك أن دراسة المذاهب الشرعية دراسة مقارنة مجهده بذاتها؛ لأني كنت أدرس بدلاً من الكتاب الواحد أربعة كتب؛ ولكن هذه الدراسة أفادتني في الواقع فائدة كبرى إذ سهلت لي فهم مختلف النظريات وفهم الأسس التي بني عليها كل فقيه نظريته، وساعدت على إظهار الفروق الدقيقة بين المذاهب الفقهية. وأعترف أني عندما قرأت كتب الشريعة لأول مرة لم أفهمها حق الفهم، فقد أخذت عن بعض المسائل فكرة تبين لي خطؤها في القراءة الثانية، ومن ثم فقد قرأتها مثنى وثلاث ورباع، بل قرأتها حتى أصبحت أستزيد بقراءتها عمقاً ولا أكاد أصحح خطأ. ولقد حملني على قراءة الموضوع الواحد أكثر من مرة أني كنت أدرس المذاهب الأربعة وأدرس عدة كتب لمؤلفين مختلفين في كل مذهب، وساعد على هذا أني لم أحصل أول الأمر إلا على كتب قليلة مختصرة، ثم صرت أحصل تباعاً على غيرها مما هو أكثر توسعاً منها. على أني مع هذا لا أعتقد أني سلمت من الوقوع في خطأ، فما أنا إلا إنسان غير معصوم بذل جهده في تجنب الخطأ، وإني لأرجو ممن يعثر على خطأ أن يبصرني به مشكوراً لأتجنبه في المستقبل. وحين لمست المجهود الذي يجب على رجل القانون أن يبذله ليلم بأحكام الشريعة، ورأيت النتائج الباهرة التي وصلت إليها، واكتشفت الأخطاء المضحكة المبكية التي وقعنا فيها، شعرت أن عليّ واجباً عاجل الأداء نحو الشريعة، ونحو زملائي من رجال القانون، ونحو كل من درسوا دراسة مدنية، وهذا الواجب هو أن أعرض على الناس أحكام الشريعة في المسائل الجنائية في لغة يفهمونها وبطريقة يألفونها، وأن أصحح لرجال القانون معلوماتهم عن الشريعة، وأن أنشر على الناس الحقائق التي حجبها الجهل عنا زمناً طويلاً.

стр. 11

١١ - طريقة التأليف: وسيرى القارئ أني نظمت الكتاب وبوبته على غرار كتب القانون، وقد تعمدت هذا لأقرِّب البحث من قلوب رجال القانون وعقولهم، وحتى لا يشعروا أنه غريب عليهم أو على غير مألوفهم؛ فيقدموا على قراءته متشوقين، ويسهل عليهم أن يبحثوا عما يشاءون لأنهم سيجدونه في المحل الذي ألفوا أن يجدوه فيه. وقد شجعني على اختيار هذه الطريقة أن الفقهاء لا يفصلون بين القسم العام والقسم الخاص كما يفعل اليوم شراح القانون، بل هم يتكلمون عن القواعد العامة بمناسبة الكلام على الجرائم الخاصة كلما اقتضى الأمر بحث قاعدة أو كلام عليها، فإذا ما فصلت القسم العام عن القسم الخاص وأظهرت أحكام كلِّ على حدة، فإنما فعلت ذلك لتسهيل البحث ونزولاً على حكم التطور في التأليف والترتيب، وقد اقتضاني هذا أن أدرس الحدود والقصاص والتعازير، أو بتعبير آخر: كل ما كتب عن الجرائم، لاستخراج من هذا كله القواعد العامة، ثم نظمتها بعد جمعها على الوجه الذي سيره القراء. ١٢ - كيف وصمت الشريعة بعدم الصلاحية ؟ وقد تبين لي - كما سيتبين للقارئ - من دراسة الشريعة أن القائلين بأن الشريعة لا تصلح للعصر الحاضر لا يبنون رأيهم على دراسة علمية أو حجج منطقية، لأن الدراسة العلمية والمنطق يقتضيان القول بتفوق الشريعة الإسلامية على القوانين الوضعية، وبصلاحية الشريعة لهذا العصر ولما سيتلوه من عصور. وفوق هذا؛ فالقائلون بعدم صلاحية الشريعة للعصر الحاضر فريقان: فريق لم يدرس الشريعة ولا القانون، وفريق درس القانون دون الشريعة. وكلا الفريقين ليس أهلاً للحكم على الشريعة لأنه يجهل أحكامها جهلاً مطبقاً، ومن جهل شيئاً لا يصلح للحكم عليه. والواقع أن هؤلاء الجاهلين بالشريعة يبنون عقيدتهم الخاطئة في عدم

стр. 12

صلاحية الشريعة على قياس خاطئ وليس على دراسة منظمة، ذلك أنهم تعلموا أن القوانين الوضعية القائمة الآن لا تمت بسبب إلى القوانين القديمة التي كانت تطبق حتى أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر الميلاديين، وعلموا أن القوانين الوضعية الحديثة قائمة على نظريات فلسفية واعتبارات اجتماعية وإنسانية لم يكن لها وجود في القوانين القديمة، وتحملهم المقارنة بين هذين النوعين من القوانين على الاعتقاد بعدم صلاحية القوانين القديمة للعصر الحاضر، وهو اعتقاد كله حق، ولكنهم ينساقون بعد ذلك إلى الخطأ حين يقيسون الشريعة الإسلامية بالقوانين الوضعية فيقولون: ما دامت القوانين التي كانت سائدة حتى أواخر القرن الثامن عشر لا تصلح لعصرنا الحاضر؛ فكذلك الشريعة الإسلامية التي كانت سائدة في العصور الوسطى، والتي ظل الكثير من أحكامها معمولاً به حتى أواخر القرن الثامن العشر. وفي هذا القياس الباطل خطؤهم المجسم الذي لا يكاد يفوت الناقد البصير. ١٣ - وجه الخطأ في قياس الشريعة بالقانون: ووجه الخطأ في هذا القياس أنهم سووا بين القوانين الوضعية التي وضعها البشر وبين الشريعة الإسلامية التي تكفل بوضعها خالق البشر، فهم حين يقيسون إنما يقيسون الأرض بالسماء والناس برب الناس، فكيف يستوي في عقل عاقل أن يقيس نفسه بربه وأرضه بسمائه؟ وجه الخطأ في هذا القياس أنهم سووا بين الشريعة والقانون وهما مختلفان في طبيعتهما جد الاختلاف، ونستطيع أن نتبين مدى هذا الخلاف إذا استعرضنا نشأة كل منهما ومميزاته الجوهرية التي تميزه عن غيره. ١٤ - لا قياس بين مختلفين: وإذا صح أن الشريعة تختلف عن القوانين اختلافات أساسية وتتميز عنها بمميزات جوهرية فقد امتنع القياس؛ لأن القاعدة أن القياس يقتضي مساواة المقيس بالمقيس عليه، فإذا انعدمت المساواة فلا قياس، أو كان القياس باطلاً.

стр. 13

ولما كان القائلون بعدم صلاحية الشريعة للعصر الحاضر يبنون رأيهم على قياس الشريعة بالقوانين الوضعية، ولا مساواة بين الشريعة وهذه القوانين؛ فيكون قياسهم باطلاً، وادعاؤهم بعدم صلاحية الشريعة للعصر الحاضر ادعاء باطلاً، لأنه بني على قياس باطل، وما قام على الباطل فهو باطل. وسنستعرض فيما يلي نشأة القانون ونشأة الشريعة ووجوه الخلاف بينهما ومميزات كل منهما، وسيظهر هذا الاستعراض الفرق جلياً بين الشريعة والقانون لمن لا يحسن التفريق بينهما، وسيتبين منه أن الشريعة تختلف عن القانون اختلافات أساسية، وتتميز عنه بصفات جوهرية. ١٥ - نشأة القانون: ينشأ القانون الوضعي في الجماعة التي ينظمها ويحكمها ضئيلاً محدود القواعد، ثم يتطور بتطور الجماعة، فتزداد قواعده وتتسامى نظرياته كلما ازدادت حاجات الجماعة وتنوعت، وكلما تقدمت الجماعة في تفكيرها وعلومها وآدابها. فالقانون الوضعي كالوليد ينشأ صغيراً ضعيفاً، ثم ينمو ويقوى شيئاً فشيئاً حتى يبلغ أشده، وهو يسرع في التطور والنمو والسمو كلما تطورت الجماعة التي يحكمها وأخذت بحظ من الرقي والسمو، ويبطئ في تطوره ونموه كلما كانت الجماعة بطيئة النمو والتطور. فالجماعة إذن هي التي تخلق القانون الوضعي وتصنعه على الوجه الذي يسد حاجاتها وينظم حياتها، وهو تابع لها وتقدمه مرتبط بتقدمها. وعلماء القانون الوضعي حين يتحدثون عن النشأة الأولى للقانون يقولون: إنه بدأ يتكون مع تكون الأسرة والقبيلة، وإن كلمة رب الأسرة كانت قانون الأسرة، وكلمة شيخ القبيلة كانت قانون القبيلة، وإن القانون ظل يتطور مع الجماعة حتى تكونت الدولة، وإن عادات كل أسرة كانت لا تتفق مع عادات غيرها من الأسر، وتقاليد كل قبيلة لم تكن مماثلة لتقاليد غيرها من القبائل. وإن الدولة حين بدأت تتكون وحَّدت العادات والتقاليد وجعلت منها قانوناً ملزماً لجميع الأفراد والأسر والقبائل الداخلين في نطاق الدولة. ولكن

стр. 14

قانون كل دولة لم يكن يتفق في الغالب مع قوانين الدول الأخرى، وظل هذا الخلاف حتى بدأت المرحلة الأخيرة من التطور القانوني في أعقاب القرن الثامن عشر على هدي النظريات الفلسفية والعلمية والاجتماعية، فتطور القانون الوضعي من ذلك الوقت حتى الآن تطوراً عظيماً، وأصبح قائماً على نظريات لم يكن لها وجود في العهود السابقة. وأساس هذه النظريات الحديثة العدالة والمساواة والرحمة والإنسانية. وقد أدى شيوع هذه النظريات في العالم إلى توحيد معظم القواعد القانونية في كثير من دول العالم، ولكن بقى لكل دولة قانونها الذي يختلف عن غيره من القوانين في كثير من الدقائق والتفاصيل. هذه هي خلاصة لنشأة القانون وتطوره والمراحل التي مر بها تبين بجلاء أن القانون حين نشأ كان شيئاً يختلف كل الاختلاف عن القانون الآن، وأنه ظل يتغير ويتطور حتى وصل إلى شكله الحالي، وأنه لم يصل إلى ما هو عليه الآن إلا بعد تطور طويل بطئ استمر آلاف السنين. ١٦ - نشأة الشريعة: وإذا كانت هذه هي نشأة القانون، فإن الشريعة الإسلامية لم تنشأ هذه النشأة ولم تسر في هذا الطريق. لم تكن الشريعة قواعد قليلة ثم كثرت، ولا مبادئ متفرقة ثم تجمعت، ولا نظريات أولية ثم تهذبت. ولم تولد الشريعة طفلة مع الجماعة الإسلامية ثم سايرت تطورها ونمت بنموها، وإنما وُلدت شابة مكتملة، ونزلت من عند الله شريعة كاملة شاملة جامعة مانعة، لا ترى فيها عوجاً، ولا تشهد فيها نقصاً، أنزلها الله تعالى من سمائه على قلب رسوله محمد ﷺ في فترة قصيرة لا تجاوز المدة اللازمة لنزولها، فترة بدأت ببعثة الرسول وانتهت بوفاته، أو انتهت يوم قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ولم تأت الشريعة لجماعة دون جماعة، أو لقوم دون قوم، أو لدولة دون

стр. 15

دولة، وإنما جاءت للناس كافة من عرب وعجم، شرقيين وغربيين، على اختلاف مشاربهم وتباين عاداتهم وتقاليدهم وتاريخهم، فهي شريعة كل أسرة، وشريعة كل قبيلة، وشريعة كل جماعة، وشريعة كل دولة، بل هي الشريعة العالية التي استطاع علماء القانون الوضعي أن يتخيلوها، ولكنهم لم يستطيعوا أن يوجدوها. وقد جاءت الشريعة كاملة لا نقص فيها، جامعة تحكم كل حالة، مانعة لا تخرج عن حكمها حالة، شاملة لأمور الأفراد والجماعات والدول، فهي تنظم الأحوال الشخصية والمعاملات وكل ما يتعلق بالأفراد، وتنظم شئون الحكم والإدارة والسياسة وغير ذلك مما يتعلق بالجماعة، كما تنظم علاقات الدول بعضها بالبعض الآخر في الحرب والسلم. ولم تأت الشريعة لوقت دون وقت، أو لعصر دون عصر، أو لزمن دون زمن، وإنما هي شريعة كل وقت، وشريعة كل عصر، وشريعة الزمن كله حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وقد صيغت الشريعة بحيث لا يؤثر عليها مرور الزمن، ولا يبلي جِدَّتها، ولا يقتضي تغيير قواعدها العامة ونظرياتها الأساسية، فجاءت نصوصها من العموم والمرونة بحيث تحكم كل حالة جديدة ولو لم يكن في الإمكان توقعها، ومن ثم كانت نصوص الشريعة غير قابلة للتغيير والتبديل كما تتغير نصوص القوانين الوضعية وتتبدل. وأساس الفرق بين الشريعة والقانون هو أن الشريعة من عند الله جل شأنه، وهو يقول: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾ [يونس: ٦٤] ، وهو عالم الغيب القادر على أن يضع للناس نصوصاً تبقى صالحة على مر الزمان. أما القوانين فمن وضع البشر، وتوضع بقدر ما يسد حاجتهم الوقتية، وبقدر قصور البشر عن معرفة الغيب تأتي النصوص القانونية التي يضعونها قاصرة عن حكم ما لم يتوقعوه. ولقد جاءت الشريعة من يوم نزولها بأحدث النظريات التي وصل إليها

стр. 16

أخيراً القانون الوضعي مع أن القانون أقدم من الشريعة، بل جاءت الشريعة من يوم نزولها بأكثر ما وصل إليه القانون الوضعي، وحسبنا أن نعرف أن كل ما يتمنى رجال القانون اليوم أن يتحقق من المبادئ موجود في الشريعة من يوم نزولها. ١٧ - لا مماثلة بين الشريعة والقانون: ونستطيع بعد أن استعرضنا نشأة القانون ونشأة الشريعة أن نقول بحق: إن الشريعة لا تماثل القانون ولا تساويه، ولا يصح أن تقاس به، وإن طبيعة الشريعة تختلف تماماً عن طبيعة القانون، ولو كانت طبيعة الشريعة من طبيعة القانون الوضعي لما جاءت على الشكل الذي جاءت به، وعلى الوصف الذي أسلفنا، ولوجب أن تأتي شريعة أولية ثم تأخذ طريق القانون في التطور مع الجماعة، وما كان يمكن أن تأتي بالنظريات الحديثة التي لم تعرفها القوانين الوضعية إلا أخيراً، بل ما كان يمكن أن تصل إلى مثل هذه النظريات إلا بعد أن تعرفها القوانين وبعد مرور آلاف من السنين. ويستطيع القارئ من استعراض تاريخ القانون وتاريخ الشريعة أن يتبين الاختلافات المتعددة بين الشريعة والقانون والمميزات الكثيرة التي تميز الشريعة عن القانون، وللقارئ أن يتقصى تلك الاختلافات وهذه المميزات إذا شاء، أما أنا فأكتفي بأن أبرز الاختلافات الأساسية والمميزات الجوهرية، لأن في الكلام عليها ما يغني عن الكلام على غيرها. ١٨ - الاختلافات الأساسية بين الشريعة والقانون: تختلف الشريعة الإسلامية عن القوانين الوضعية اختلافاً أساسياً من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن القانون من صنع البشر، أما الشريعة فمن عند الله، وكلٌّ من الشريعة والقانون يتمثل فيه بجلاء صفات صانعه، فالقانون من صنع البشر ويتمثل فيه نقص البشر وعجزهم وضعفهم وقلة حيلتهم، ومن ثمَّ كان القانون عرضة للتغيير والتبديل، أو ما نسميه التطور، كلما تطورت الجماعة إلى درجة لم تكن متوقعة

стр. 17

أو وجدت حالات لم تكن منتظرة. فالقانون ناقص دائماً ولا يمكن أن يبلغ حد الكمال ما دام صانعه لا يمكن أن يوصف بالكمال، ولا يستطيع أن يحيط بما سيكون وإن استطاع الإلمام بما كان. أما الشريعة: فصانعها هو الله، وتتمثل قدرة الخالق وكماله وعظمته وإحاطته بما كان وما هو كائن؛ ومن ثمَّ صاغها العليم الخبير بحيث تحيط بكل شئ في الحال والاستقبال حيث أحاط علمه بكل شئ، وأمر جل شأنه أن لا تغير ولا تبدل حيث قال: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾ [يونس: ٦٤] ؛ لأنها ليست في حاجة للتغيير والتبديل مهما تغيرت الأوطان والأزمان وتطور الإنسان. وقد يصعب على بعض الناس بأن يؤمنوا بهذا القول لأنهم لا يؤمنون قبل كل شئ بأن الشريعة من عند الله، ولست أهتم من أمر هؤلاء إلا بأن يؤمنوا بأن الشريعة تتوفر فيها الصفات التي ذكرتها، وعلى أن أقيم لهم الدليل على توافرها وعليهم هم بعد ذلك أن يبحثوا إن شاءوا عن سبب توفر هذه الصفات في الشريعة دون غيرها، وأن يبحثوا عن صانعها، ولينتظروا مني أن أقدم لهم الدليل عند الكلام على مميزات الشريعة، وإن كان في كل فصل من فصول هذا الكتاب الدليل على ما أقول. أما الذين يؤمنون بأن الشريعة من عند الله فليس يصعب عليهم أن يؤمنوا بتوفر الصفات التي ذكرناها في الشريعة ولو لم يقدم لهم الدليل المادي على ذلك، لأن منطقهم يقضي عليهم أن يؤمنوا بتوفر بهذه الصفات فمن كان يؤمن بأن الله هو خلق السموات والأرض، وسير الشمس والقمر والنجوم، وسخر الجبال والرياح والماء، وأنبت النبات، وصور الأجنة في بطون أمهاتهم، وجعل لكل مخلوق خلقه من الحيوان ونبات وجماد نظاماً دائماً لا يخرج عليه، ولا يحتاج لتغيير ولا تبديل ولا تطور. من كان يؤمن بأن الله وضع قوانين ثابتة تحكم طبائع الأشياء وحركاتها واتصالاتها، وأن هذه القوانين الطبيعية بلغت من الروعة والكمال

стр. 18

ما لا يستطيع أن يتصوره الإنسان. من كان يؤمن بهذا كله وبأن الله أتقن كل شئ خلقه، فأولى به أن يؤمن بأن الله وضع الشريعة الإسلامية قانوناً ثابتاً كاملاً لتنظيم الأفراد والجماعات والدولة، ولتحكم معاملاتهم، وأن الشريعة بلغت من الروعة والكمال حداً يعجز عن تصوره الإنسان. ومن كان يؤمن بهذا كله ولكنه يريد أن يرى الدليل عليه ليطمئن قلبه فلينتظر مع الفريق الأول حتى يرى الدليل في موضعه، بل لعله يرى في كل مكان من هذا الكتاب ما يطمئن قلبه ونفسه إن شاء الله. الوجه الثاني: أن القانون عبارة عن قواعد مؤقتة تضعها الجماعة لتنظيم شئونها وسد حاجاتها. فهي قواعد متأخرة عن الجماعة، أو هي في مستوى الجماعة اليوم، ومتخلفة عن الجماعة غداً، لأن القوانين لا تتغير بسرعة تطور الجماعة، وهي قواعد مؤقتة تتفق مع حال الجماعة المؤقتة، وتستوجب التغير كلما تغيرت حال الجماعة. أما الشريعة فقواعد وضعها الله تعالى على سبيل الدوام لتنظيم شئون الجماعة، فالشريعة تتفق مع القانون في أن كليهما وضع لتنظيم الجماعة. ولكن الشريعة تختلف عن القانون في أن قواعدها دائمة ولا تقبل التغيير والتبديل. وهذه الميزة التي تتميز بها الشريعة تقتضي من الوجهة المنطقية: أولاً: أن تكون قواعد الشريعة ونصوصها من المرونة والعموم بحيث تتسع لحاجات الجماعة مهما طالت الأزمان، وتطورت الجماعة، وتعددت الحاجات وتنوعت. ثانياً: أن تكون قواعد الشريعة ونصوصها من السمو والارتفاع بحيث لا يمكن أن تتأخر في وقت أو عصر ما عن مستوى الجماعة. والواقع أن ما يقتضيه المنطق متوفر بوجهيه في الشريعة، بل هو أهم ما يميز الشريعة الإسلامية عن غيرها من الشرائع السماوية والوضعية، فقواعد الشريعة الإسلامية ونصوصها جاءت عامة ومرنة إلى آخر حدود العموم والمرونة، كما أنها وصلت من السمو درجة لا يتصور بعدها سمو.

стр. 19

ولقد مر على الشريعة الإسلامية أكثر من ثلاثة عشر قرناً، تغيرت في خلالها الأوضاع أكثر من مرة، وتطورت الأفكار والآراء تطوراً كبيراً، واستُحدث من العلوم والمخترعات ما لم يكن على خيال إنسان، وتغيرت قواعد القانون الوضعي ونصوصه أكثر من مرة لتتلاءم مع الحالات الجديدة والظروف الجديدة، بحيث انقطعت العلاقة بين القواعد القانونية الوضعية التي نطبقها اليوم وبين القواعد القانونية الوضعية التي كانت تطبق يوم نزلت الشريعة، وبالرغم من هذا كله، ومع أن الشريعة الإسلامية لا تقبل التغيير والتبديل؛ ظلت قواعد الشريعة ونصوصها أسمى من مستوى الجماعات، وأكفل بتنظيم وسد حاجاتهم، وأقرب إلى طبائعهم، وأحفظ لأمنهم وطمأنينتهم. هذه هي شهادة التاريخ الرائعة يقف بها في جانب الشريعة الإسلامية، وليس ثمة ما هو أروع منها إلا شهادة النصوص ومنطق النصوص، وخذ مثلاً قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] ، أو اقرأ قول الرسول: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"، فهذان نصان من القرآن والسنة بلغا من العموم والمرونة واليسر ما لا يمكن أن يتصور بعده عموم أو مرونة أو يسر، وهما يقرران الشورى قاعدة للحكم على الوجه الذي لا يضر بالنظام العام ولا بمصلحة الأفراد أو الجماعة، وبتقرير مبدأ الشورى على هذا الوجه بلغت الشريعة من السمو حده الأقصى الذي لا يتصور أن يصل إليه البشر في يوم من الأيام، إذ عليهم أن يجعلوا أمرهم شورى بينهم بحيث لا يحدث ضرر ولا ضرار، وهيهات أن يتحقق ذلك بين الناس. ولو تتبعنا نصوص الشريعة لوجدناها على غرار النصين السابقين من العموم والمرونة والسمو، ومن السهل علينا أن نتبين هذه المميزات لأول وهلة في أي نص نستعرضه، فنصوص الشريعة كلها تصلح أمثلة على ما نقول؛ ويكفي أن نسوق للقارئ مثلاً آخر قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ

стр. 20

وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ، فهذا النص تدل صياغته على أنه بلغ حد العموم والمرونة، أما المبدأ الذي جاء به النص فلم يُعرف بعدُ أن هناك ما هو خير منه، ولا يمكن أن يتصور العقل البشري أن هناك طريقاً لأصحاب الدعوات يسلكونها في نشر دعواتهم خيراً من طريق الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن. ويستطيع القارئ أن يقرأ قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] ، وقوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠] ، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] ، وقوله: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] ، يستطيع القارئ أن يستعرض هذه النصوص وغيرها ليرى كيف بلغت من العموم والمرونة كل مبلغ، وليرى أن المبادئ التي جاءت بها هذه النصوص قد بلغت من السمو ما ليس بعده زيادة لمستزيد، أو خيال لمتخيل. الوجه الثالث: أن الجماعة هي التي تصنع القانون، وتلونه بعاداتها وتقاليدها وتاريخها، والأصل في القانون أنه يوضع لتنظيم شئون الجماعة، ولا يوضع لتوجيه الجماعة، ومن ثم القانون متأخراً عن الجماعة وتابعاً لتطورها، وكان القانون من صنع الجماعة، ولم تكن الجماعة من صنع القانون. وإذا كان هذا هو الأصل في القانون من يوم وجوده، فإن هذا الأصل قد تعدل في القرن الحالي، وعلى وجه التحديد بعد الحرب العظمى الأولى، حيث بدأت الدول التي تدعو لدعوات جديدة أو أنظمة جديدة تستخدم القانون لتوجيه الشعوب وجهات معينة، كما تستخدمه لتنفيذ أغراض معينة، وقد كان أسبق الدول

стр. 21

إلى الأخذ بهذه الطريقة روسيا الشيوعية، وتركيا الكمالية، ثم تلتهما إيطاليا الفاشيستية وألمانيا النازية، ثم اقتبست بقية الدول هذه الطريقة، فأصبح الغرض اليوم من القانون تنظيم الجماعة وتوجيهها الوجهات التي يرى أولياء الأمور أنها في صالح الجماعة. أما الشريعة الإسلامية فقد علمنا أنها ليست من صنع الجماعة، وأنها لم تكن نتيجة لتطور الجماعة وتفاعلها كما هو الحال في القانون الوضعي، وإنما هي من صنع الله الذي أتقن كل شئ خلقه. وإذا لم تكن الشريعة من صنع الجماعة، فإن الجماعة نفسها من صنع الشريعة. إذن الأصل في الشريعة أنها لم توضع لتنظيم شئون الجماعة فقط كما كان الغرض من القانون الوضعي، وإنما المقصود من الشريعة قبل كل شئ هو خلق الأفراد الصالحين والجماعة الصالحة، وإيجاد الدولة المثالية، والعالم المثالي، ومن أجل هذا جاءت نصوصها أرفع من مستوى العالم كله وقت نزولها، ولا تزال كذلك حتى اليوم، وجاء فيها من المبادئ والنظريات ما لم يتهيأ العالم غير الإسلامي لمعرفته والوصول إليه إلا بعد قرون طويلة، وما لم يتهيأ هذا العالم لمعرفته أو يصل إليه حتى الآن. ومن أجل هذا تولى الله جل شأنه وضع الشريعة، وأنزلها على رسوله نموذجاً من الكمال ليوجه الناس إلى الطاعات والفضائل، ويحملهم على التسامي والتكامل؛ حتى يصلوا أو يقتربوا من مستوى الشريعة الكامل. وقد حققت الشريعة ما أراده لها العليم الخبير، فأدت رسالتها أحسن الأداء، وجعلت من رعاة الإبل سادة للعالم، ومن جهال البادية معلمين وهداة للإنسانية. ولقد أدت الشريعة وظيفتها طالما كان المسلمون متمسكين بها عاملين بأحكامها. تمسك بها المسلمون الأوائل وعملوا بها وهم قلة مستضعفة يخافون أن يتخطفهم الناس، فإذا هم في عشرين سنة سادة العالم وقادة البشر، لا صوت إلا صوتهم، ولا كلمة تعلو كلمتهم، وما أوصلهم لهذا الذي يشبه المعجزات

стр. 22

إلا الشريعة الإسلامية التي علمتهم وأدبتهم، ورققت نفوسهم، وهذبت مشاعرهم، وأشعرتهم العزة والكرامة، وأخذتهم بالمساواة التامة، والعدالة المطلقة، وأوجبت عليهم أن يتعاونوا على البر والتقوى، وحرمت عليهم الإثم والعدوان، وحررت عقولهم ونفوسهم من نير الجهالات والشهوات، وجعلتهم يعتقدون أنهم خير أمة أخرجت للناس؛ يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله. كان ذلك حال المسلمين طالما تمسكوا بشريعتهم، فلما تركوها وأهملوا أحكامها تركهم الرقي وأخطأهم التقدم، ورجعوا القهقري إلى الظلمات التي كانوا يعمهون فيها من قبل، فعادوا مستضعفين مستبعدين لا يستطيعون دفع معتد ولا الامتناع من ظالم. وقد خيل للمسلمين وهم في غمرتهم هذه أن تقدم الأوروبيين راجع لقوانينهم وأنظمتهم، فذهبوا ينقلونها وينسجون على منوالها، فلم تزدهم إلا ضلالاً على ضلالهم، وخبالاً على خبالهم، وضعفاً على ضعفهم، بل جعلتهم أحزاباً وشيعاً كل حزب بما لديهم فرحون، بأسهم بينهم شديد، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى. ولو أراد الله بالمسلمين خيراً لعلموا أن الشريعة الإسلامية - وقد جاءت كاملة لا يشوبها نقص، حاملة في طياتها وسائل التقدم والتطور المستمر للمجتمع - هي أصلح الشرائع لعصور التقدم وعصور التأخر على السواء، لأنها في كل الأحوال ترمي إلى تكون الجماعة الصالحة وتوجيهها دائماً للتقدم المستمر والتطور الصالح، ولا تقنع من ذلك بما هو دون الكمال التام. وإن في تاريخ المسلمين لآية، وإنه لعبرة لمن كان له قلب، وإن فيه الدليل الحاسم على أن الشريعة الإسلامية هي التي خلقت المسلمين من العدم، وجعلتهم أمة فوق الأمم، ودفعتهم إلى الأمام، وسلطتهم على دول العالم، وإن فيه الدليل الحاسم على أن حياة المسلمين وتقدمهم ورقيهم متوقف على تطبيق الشريعة

стр. 23

الإسلامية، فالمسلمون من صنع الشريعة كيانهم تابع لكيانها، ووجودهم مرتبط بوجودها، وسلطانهم تابع لسلطانها. وأحب قبل الانتقال إلى موضوع آخر أن أنبه القارئ إلى أن القانون الوضعي حين تحول أخيراً عن أصله الأول فصار يوضع لتوجيه الجماعة إنما أخذ في ذلك بنظرية الشريعة الإسلامية التي تجعل الأصل في التشريع أن يصنع الجماعة ويوجهها ثم ينظمها، وهكذا انتهى القانون الوضعي إلى ما بدأت به الشريعة وسبقت إليه من ثلاثة عشر قرناً، فإذا ما قال علماء القانون الوضعي إنهم وصلوا لنظرية جديدة، قلنا لهم: كلا ولكنكم تسلكون طريق الشريعة وتسيرون في أثرها. ١٩ - المميزات الجوهرية التي تميز الشريعة عن القانون: ونستطيع بعد أن عرضنا الخلافات الأساسية بين الشريعة والقوانين الوضعية أن نتبين أهم المميزات التي تميز الشريعة عن القوانين؛ لأن كل ما تخالف الشريعة فيه القوانين يعتبر في الوقت نفسه مما يميز الشريعة عن القوانين. وعلى هذا يمكننا أن نستخلص مما ذكر من الاختلافات: أن الشريعة الإسلامية تمتاز على القوانين الوضعية بثلاث ميزات جوهرية: الميزة الأولى: الكمال: تمتاز الشريعة الإسلامية على القوانين الوضعية بالكمال؛ أي بأنها استكملت كل ما تحتاجه الشريعة الكاملة من قواعد ومبادئ ونظريات، وأنها غنية بالمبادئ والنظريات التي تكفل سد حاجات الجماعة في الحاضر القريب والمستقبل البعيد. الميزة الثانية: السمو: تمتاز الشريعة الإسلامية على القوانين الوضعية بالسمو؛ أي بأن قواعدها ومبادئها أسمى دائماً من مستوى الجماعة؛ وأن فيها من المبادئ والنظريات ما يحفظ لها هذا المستوى السامي مهما ارتفع مستوى الجماعة. الميزة الثالثة: الدوام: تمتاز الشريعة الإسلامية على القوانين الوضعية

стр. 24

بالدوام؛ أي بالثبات والاستقرار، فنصوصها لا تقبل التعديل والتبديل مهما مرت الأعوام وطالت الأزمان، وهي مع ذلك تظل حافظة لصلاحيتها في كل زمان ومكان. هذه هي الميزات الجوهرية للشريعة الإسلامية، وهي على تعددها وتباينها ترجع إلى أصل واحد نشأت عنه جميعاً بحيث يعتبر كل منها أثراً من آثاره، وهذا الأصل هو أن الشريعة الإسلامية من عند الله ومن صنعه، ولولا أن الشريعة من عند الله لما توفرت فيها صفات الكمال والسمو والدوام، تلك الصفات التي تتوفر دائماً فيما يصنعه الخالق ولا يتوفر شئ منها فيما يصنعه المخلوق. ٢٠ - الأدلة على توفر هذه المميزات في الشريعة: وإذا كنا قد ذكرنا أن الشريعة تتميز بالكمال والسمو والدوام فقد بقى علينا أن نقدم الدليل على توفر هذه المميزات، وسيتبين للقارئ فيما يأتي أن هذه المميزات متوفرة في كل مبدأ، وفي كل نظرية، وفي كل قاعدة قانونية جاءت بها الشريعة الإسلامية، وسنعرض على القارئ الآن طائفة من النظريات والمبادئ الشرعية التي لم تعرفها القوانين الوضعية إلا أخيراً، أو لم تعرفها بعد، تتوفر فيها جميعاً كل هذه المميزات، وسيرى القارئ أن هذه المميزات كلها تتوفر في كل المبادئ والنظريات التي سنتعرض لدراستها في هذا الكتاب، فالدليل إذن على توفر هذه المميزات هو الواقع الذي لا يكذب، وليس بعد منطق الواقع حاجة لدليل أو استدلال. ٢١ - نظرية المساواة: جاءت الشريعة الإسلامية من وقت نزولها بنصوص صريحة تقرر نظرية المساواة وتفرضها فرضاً، فالقرآن يقرر المساواة ويفرضها على الناس جميعاً في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

стр. 25

[الحجرات: ١٣] ، والرسول ﷺ يكرر هذا المعنى في قوله: "الناس سواسية كأسنان المشط الواحد، لا فضل لعربي على عجميِّ إلا بالتقوى"، ثم يؤكد هذا المعنى تأكيداً في قوله: "إن الله قد أذهب بالإسلام نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائهم؛ لأن الناس من آدم وآدم من تراب وأكرمهم عن الله أتقاهم". ويلاحظ على هذه النصوص أنها فرضت المساواة بصفة مطلقة، فلا قيود ولا استثناءات، وأنها المساواة على الناس كافة؛ أي على العالم كله، فلا فضل لفرد على فرد، ولا لجماعة على جماعة، ولا لجنس على جنس، ولا للون على لون، ولا لسيد على مسود، ولا لحاكم على محكوم. وهذا هو نص القرآن يذكر الناس أنهم خلقوا من أصل واحد من ذكر وأنثى، ولا تفاضل إذا استوت الأصول وإنما مساواة، وهذا هو قول الرسول يذكر الناس أنهم جميعاً ينتمون إلى رجل واحد خلق من تراب فهم متساوون ويشبههم في تساويهم بأسنان المشط الواحد، ولم يعرف أن سناً من مشط فضلت سنة أخرى. وقد نزلت نظرية المساواة على الرسول وهو يعيش في قوم أساس حياتهم وقوامها التفاضل، فهم يتفاضلون بالمال والجاه، والشرف واللون، ويتفاخرون بالآباء والأمهات، والقبائل والأجناس، فلم تكن الحياة الاجتماعية وحاجة الجماعة هي الدافعة لتقرير نظرية المساواة، وإنما كان الدافع لتقريرها من وجه هو رفع مستوى الجماعة ودفعهم نحو الرقي والتقدم، كما كان الدافع لتقريرها من وجه آخر ضرورة تكميل الشريعة بما تقتضيه الشريعة الكاملة الدائمة من مبادئ ونظريات. ولا جدال في أن عبارة النصوص جاءت عامة مرنة إلى آخر درجات العموم والمرونة، فلا يمكن مهما تغيرت ظروف الزمان والمكان والأشخاص ان تضيق عبارة النصوص بما يستجد من الظروف والتطورات، والعلة في وضع

стр. 26

نصوص الشريعة على هذا الشكل أن الشريعة لا تقبل التعديل ولا التبديل، فوجب أن تكون نصوصها بحيث لا تحتاج إلى تعديل أو تبديل. وإذا كانت نظرية المساواة قد عرفت في الشريعة الإسلامية من ثلاثة عشر قرناً فإن القوانين الوضعية لم تعرفها إلا في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر. وإذن فقد سبقت الشريعة الإسلامية القوانين الوضعية في تقرير المساواة بأحد عشر قرناً، ولم تأت القوانين الوضعية بجديد حين قررت المساواة، وإنما سارت في أثر الشريعة واهتدت بهداها، وسيرى القارئ فيما بعد أن القوانين الوضعية تطبق نظرية المساواة تطبيقاً محدوداً بالنسبة للشريعة الإسلامية التي توسعت في تطبيق النظرية إلى أقصى حد (١) . ٢٢ - نظرية مساواة المرأة بالرجل: هذه النظرية ليست إلا فرعاً من النظرية العامة للمساواة أو تطبيقاً لها، وقد فضلنا أن نجعل لها مكاناً خاصاً لأهميتها ولأنها دليل ظاهر على عدالة الشريعة وسموها وحكمتها في تقرير الحقوق وتوزيع الواجبات، وأن الشارع لا يطبق المبادئ العامة تطبيقاً آلياً، وإنما يطبقها ليحقق بها نفعاً أو يدفع بها ضرراً. والقاعدة العامة في الشريعة الإسلامية: إن المرأة تساوي الرجل في الحقوق والواجبات، فلها مثل ما له وعليها مثل ما عليه، وهي تلتزم للرجل بما يقابل التزاماته لها، فكل حق لها على الرجل يقابله واجب عليها للرجل، وكل حق للرجل عليها يقابله واجب على الرجل لها، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٨] . ولكن الشريعة مع تقريرها المساواة بين الرجل والمرأة كقاعدة عامة

стр. 27

ميزت الرجل على المرأة درجة في قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، وقد بين القرآن حدود هذه الميزة أو الدرجة التي أختص بها الرجل في قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] ، فبين ذلك أن الدرجة هي درجة الرئاسة والقوامة على شئونهما المشتركة. ولا شك أن الرجل وهو المكلف طبقاً للشريعة بالإنفاق على المرأة وتربية الأولاد والمسئول الأول عن الأسرة أحق بالرئاسة والقوامة على شئون الأسرة المشتركة، لأن مسئوليته عن هذه الشئون تقتضي أن يكون صاحب الكلمة العليا فيها. فالسلطة التي أعطيت للرجل إنما أعطيت له مقابل المسئولية التي حملها ليتمكن من القيام بمسئولياته على خير وجه، وهذا تطبيق دقيق لقاعدة شريعة عامة هي القاعدة التي تقول: "السلطة بالمسئولية"، تلك القاعدة التي جاءت بها الشريعة لتحكم علاقة أصحاب السلطة بغيرهم، ولتبين مدى سلطتهم ومسئوليتهم والتي قررها الرسول ﵇ في قوله: "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راعٍ وهو مسئول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها". وإذا كان للرجل درجة على النساء في شئونهما المشتركة، فإن الرجل لا يتميز على المرأة في شئونهما الخاصة، وليس له عليها أي سلطان، فهي تستطيع مثلاً أن تتملك الحقوق وتتصرف فيها دون أن يكون للرجل ولو كان زوجاً أو أباً أن يشرف عليها أو يتدخل في أعمالها. وقد سوت الشريعة الإسلامية بين الرجل والمرأة على الوجه السابق من يوم نزولها أي من ثلاثة عشر قرناً تقريباً في وقت لم يكن فيه العالم مهيئاً للتسوية بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، فلم تكن حاجة الجماعة هي التي دفعت

стр. 28

الشريعة لتقرير المساواة وإنما اقتضت ذلك ضرورة تكميل الشريعة بالمبادئ التي يجب أن تكون في شريعة كاملة دائمة. ونستطيع أن ندرك مدى السمو الذي وصلت إليه الشريعة بتقريرها مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة إذا علمنا أن القوانين الوضعية لم تسمح بالتسوية بينهما إلا في القرن التاسع عشر، وأن بعضها يمنع النساء إلى اليوم من التصرف في شئونهن الخاصة إلا بإذن أزواجهن. ويمكننا أن نلاحظ بسهولة مدى عموم النصوص ومرونتها، وأنها لا تضيق بحالة ما، ولا تعجز عن الإحاطة بكل ما يتصور من المسائل، فإذا أضيف هذا إلى ما في النصوص من كمال وسمو كان من الحق أن نقول إن نصوص الشريعة لا تقبل التعديل والتبديل، لأنها ليست في حاجة إلى تعديل أو تبديل. ٢٣ - نظرية الحرية: من المبادئ الأساسية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية مبدأ الحرية، فقد أعلنت الشريعة الحرية وقررتها في أروع مظاهرها؛ فقررت حرية التفكير، وحرية الاعتقاد، وحرية القول، وسنتكلم عن هذه الحريات واحدة بعد الأخرى فيما يأتي. ٢٤ - حرية التفكير: جاءت الشريعة الإسلامية معلنة حرية التفكير، محررة للعقل من الأوهام والخرافات والتقاليد والعادات، داعية إلى نبذ كل ما لا يقبله العقل. فهي تحث على التفكير في كل شئ وعرضه على العقل، فإن آمن به العقل كان محل إيمان، وإن كفر به كان محل كفران. فلا تسمح الشريعة للإنسان أن يؤمن بشيء إلا بعد أن يفكر فيه ويعقله، ولا تبيح له أن يقول مقالاً أو أن يفعل فعلاً إلا بعد أن يفكر فيما يقول ويفعل ويعقله. ولقد قامت الدعوة الإسلامية نفسها على أساس العقل، فها هو القرآن يعتمد في إثبات وجود الله، ويعتمد في إقناع الناس بالإسلام، ويعتمد في حملهم على الإيمان بالله ورسوله وكتابه - يعتمد القرآن في ذلك كله اعتماداً أساسياً على استثارة

стр. 29

تفكير الناس وإيقاظ عقولهم، ويدعوهم بشتى الوسائل إلى التفكير في خلق السموات والأرض وفي خلق أنفسهم وفي غير ذلك من المخلوقات، ويدعوهم إلى التفكير فيما تقع عليه أبصارهم وما تسمعه آذانهم؛ ليصلوا من وراء ذلك كله إلى معرفة الخالق، وليستطيعوا التمييز بين الحق والباطل. ونصوص القرآن التي تحض على استخدام العقل وتحرير الفكر لا تعد كثرة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] ، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ: ٤٦] وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [الروم: ٨] ، وقوله: ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] ، وقوله: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ* فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ* خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ* يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٥ - ٧] ، وقوله: ﴿أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ* وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ* وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠] ، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] ، وقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] . ويعيب القرآن على الناس أن يلغوا عقولهم، ويعطلوا تفكيرهم، ويقلدوا غيرهم، ويؤمنوا بالخرافات والأوهام، ويتمسكوا بالعادات والتقاليد دون تفكير فيما يتركون وما يدعون، وينعي عليهم ذلك كله، ويصف من كانوا على هذه الشاكلة بأنهم كالأنعام بل أضل سبيلاً من الأنعام؛ لأنهم يتبعون غيرهم دون التفكير ولا يحكمون عقولهم فيما يعملون أو يقولون أو يسمعون، ولأن العقل هو الميزة الوحيدة التي ميز الله بها الإنسان على غيره من المخلوقات، فإذا ألغى

стр. 30

عقله أو عطل فكره تساوى بالأنعام بل كان أضل منها. ونصوص القرآن صريحة في تقرير هذه المعاني، واقرأ إن شئت قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ * وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠ - ١٧١] ، وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] ، وقوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] . وللإنسان أن يفكر فيما شاء كما يشاء وهو آمن من التعرض للعقاب على هذا التفكير ولو فكر في إتيان أعمال تحرمها الشريعة، والعلة في ذلك أن الشريعة لا تعاقب الإنسان على أحاديث نفسه، ولا تؤاخذه على ما يفكر فيه من قول أو فعل محرم، وإنما تؤاخذه على ما أتاه من قول أو فعل محرم، وذلك معنى قول الرسول ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم". ٢٥ - حرية الاعتقاد: والشريعة الإسلامية وهي أول شريعة أباحت حرية الاعتقاد وعملت على صيانة هذه الحرية وحمايتها إلى آخر الحدود، فلكل إنسان - طبقاً للشريعة الإسلامية - أن يعتنق من العقائد ما شاء، وليس لأحد أن يحمله على ترك عقيدته أو اعتناق غيرها أو يمنعه من إظهار عقيدته. وكانت الشريعة الإسلامية عملية حين قررت حرية العقيدة، فلم تكتف بإعلان هذه الحرية وإنما اتخذت لحمايتها طريقين: أولاهما: إلزام الناس أن يحترموا حق الغير في اعتقاد ما يشاء وفي تركه يعمل طبقاً لعقيدته، فليس لأحد أن يكره آخر على اعتناق عقيدة ما أو ترك أخرى،

стр. 31

ومن كان يعارض آخر في اعتقاده فعليه أن يقنعه بالحسنى، ويبين له وجه الخطأ فيما يعتقد، فإن قبل أن يغير عقيدته عن اقتناع فليس عليهما حرج، وإن لم يقبل فلا يجوز إكراهه ولا الضغط عليه، ولا التأثير عليه بما يحمله على تغيير عقيدته وهو غير راضٍ، ويكفي صاحب العقيدة المضادة أنه أدى واجبه؛ فبين الخطأ، وأرشد إلى الحق، ولم يقصر في إرشاد خصمه وهدايته إلى الصراط المستقيم. واقرأ إن شئت هذه المعاني صريحة واضحة في قول تعالى لرسوله: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] ، وقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ* لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢] ، وقوله: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] . ثانيهما: إلزام صاحب العقيدة نفسه أن يعمل على حماية عقيدته، وأن لا يقف موقفاً سلبياً، فإذا عجز عن حماية نفسه تحتم عليه أن يهاجر من هذه البلدة التي لا تحترم فيها أهله العقيدة، ويمكن فيه من إعلان ما يعتقد، فإن لم يهاجر وهو قادر على الهجرة فقد ظلم نفسه قبل أن يظلمه غيره، وارتكب إثماً عظيماً، وحقت عليه كلمة العذاب، أما إذا كان عاجزاً عن الهجرة فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها. وهذا هو القرآن ينص صراحة على ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا* إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً* فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩] . وقد بلغت الشريعة الإسلامية غاية السمو حينما قررت حرية العقيدة للناس عامة مسلمين وغير مسلمين، وحينما تكفلت بحماية هذه الحرية لغير المسلمين في بلاد الإسلام، ففي أي بلد إسلامي يستطيع غير المسلم أن يعلن عن دينه

стр. 32

ومذهبه وعقيدته، وأن يباشر طقوسه الدينية، وأن يقيم المعابد والمدارس لإقامة دينه ودراسته دون حرج عليه، فلليهود في البلاد الإسلامية عقائدهم ومعابدهم وهم يتعبدون علناً وبطريقة رسمية، ولهم مدارسهم التي يعلمون فيها الدين الموسوي، ولهم أن يكتبوا ما يشاءون عن عقيدتهم وأن يقارنوا بينها وبين غيرها من العقائد ويفضلوها عليها في حدود النظام العام والآداب والأخلاق الفاضلة، وكذلك حال المسيحيين مع اختلاف مذاهبهم وتعددها، فلكل أصحاب مذهب كنائسهم ومدارسهم، وهم يباشرون عباداتهم علناً، ويعلمون عقائدهم في مدارسهم، ويكتبون عنها وينشرون ما يكتبون في البلاد الإسلامية. ٢٦ - حرية القول: أباحت الشريعة حرية القول وجعلتها حقاً لكل إنسان، بل جعلت القول واجباً على الإنسان في كل ما يمس الأخلاق والمصالح العامة والنظام العام وفي كل ما تعتبره الشريعة منكراً؛ وذلك قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ، وقوله: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الحج: ٤١] ، وذلك قول الرسول ﷺ : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"، وقوله: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"، وقوله: "الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال لله ورسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم"، وقوله: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله". وإذا كان لكل إنسان أن يقول ما يعتقد أنه الحق ويدافع بلسانه وقلمه عن عقيدته فإن حرية القول ليست مطلقة، بل هي مقيدة بأن لا يكون ما يكتب أو يقال خارجاً عن حدود الآداب العامة والأخلاق الفاضلة أو مخالفاً لنصوص الشريعة. وقد قررت الشريعة حرية القول من يوم نزولها، وقيدت في الوقت نفسه

стр. 33

هذه الحرية بالقيود التي تمنع من العدوان وإساءة الاستعمال، وكان أول من قيدت حريته في القول محمد ﷺ وهو رسول الله الذي جاء معلناً للحرية مبشراً بها وداعياً إليها، ليكون قوله وعمله مثلاً يحتذى، وليعلم الناس انه لا يمكن أن يعفى أحد من هذه القيود إذا كان رسول الله أول من قيد بها مع ما وصفه به ربه من قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] . ولقد أمر الله رسوله أن يبلغ رسالته للناس وأن يدعو الناس جميعاً إلى الإيمان بالله وبالرسالة، وأن يحاج الكفار والمكذبين ويخاطب عقولهم وقلوبهم، ولكن الله جل شأنه لم يترك لرسوله حرية القول على إطلاقها؛ فرسم له طريقة العودة، وبين له منهاج القول والحجاج، وأوجب عليه أن يعتمد في دعوته على الحكمة والموعظة الحسنة، وأن يجادل بالتي هي أحسن، وأن يعرض عن الجاهلين، وأن لا يجهر بالسوء من القول، وأن لا يسب الذين يدعون من دون الله، فرسم الله لرسوله حدود حرية القول، وبين لنا أن الحرية ليست مطلقة وإنما هي حرية مقيدة بعدم العدوان وعدم إساءة الاستعمال. وحرية القول في الحدود التي وضعتها الشريعة تعود دون شك على الأفراد والامم بالنفع والتقدم، وتؤدي إلى نمو الإخاء والحب والاحترام بين الأفراد والهيئات، وتجمع كلمة أولي الأمر على الحق دون غيره، وتجعلهم في حالة تعاون دائم، وتقضي على النعرات الشخصية والطائفية، وهذا كله ينقص العالم اليوم، أو يبحث عنه العالم فلا يهتدي إليه. ونستطيع أن نبين مدى صلاحية نظرية الشريعة إذا علمنا أن المشرعين الوضعيين بعد تجاربهم الطويلة ينقسمون اليوم قسمين: قسم يرى حرية القول دون قيد إلا فيما يمس النظام العام، وهؤلاء لا يعيرون الأخلاق أي اهتمام، وتطبيق رأيهم يؤدي دائماً إلى التباغض والتنابذ والتحزب ثم القلاقل والثورات وعدم الاستقرار. وقسم يرى تقييد حرية الرأي في كل ما يخالف رأي الحاكمين ونظرتهم للحياة، وتطبيق رأي هؤلاء يؤدي إلى كبت الآراء الحرة وإبعاد

стр. 34

العناصر الصالحة عن الحكم، ويؤدي في النهاية إلى الاستبداد ثم القلاقل والثورات. ونظرية الشريعة الإسلامية تجمع بين هاتين النظريتين اللتين تأخذ بهما دول العالم، ذلك أن نظرية الشريعة تجمع بين الحرية والتقييد، وهي لا تسلم بالحرية على إطلاقها، ولا بالتقييد على إطلاقه؛ فالقاعدة الأساسية في الشريعة هي حرية القول، والقيود على هذه الحرية ليست إلا فيما يمس الأخلاق أو الآداب أو النظام، والواقع أن هذه القيود قصد منها حماية الأخلاق والآداب والنظام، ولكن هذه الحماية لا تتيسر إلا بتقييد حرية القول، فإذا منع القائل من الخوض فيما يمس هذه الأشياء فقد منع من الاعتداء ولم يحرم من أي حق لأن الاعتداء لا يمكن أن يكون حقاً. ويمكننا بعد ذلك أن نقول: إن الشريعة الإسلامية تبيح لكل إنسان أن يقول ما يشاء دون عدوان؛ فلا يكون شتاماً ولا عياباً ولا قاذفاً ولا كاذباً، وأن يدعو إلى رأيه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يجادل بالتي هي أحسن، وأن لا يجهر بالسوء من القول، ولا يبدأ به، وأن يعرض عن الجاهلين. ولا جدال في أن من يفعل هذا يحمل الناس على أن يسمعوا قوله ويقدروا رأيه، فضلاً عن بقاء علاقاته بغيره سليمة ثم بقاء الجماعة يداً واحدة تعمل للمصلحة العامة. والنصوص القرآنية الآتية تعتبر دستور القول في الشريعة، وهي قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ، وقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ، وقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] ، وقوله: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] ، وقوله: ﴿لاَّ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] ، وقوله: ﴿تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] .

стр. 35

هذه هي نظرية الحرية بشعبها الثلاث، جاءت بها الشريعة الإسلامية في وقت كان الناس فيه لا يفكرون بعقولهم، ولا يحفلون إلا بما وجدوا عليه آباءهم، وكان من الطبيعي في نظرهم أن يكره الرجل على تغيير عقيدته، ولم يكن لأحد حرية القول أو التفكير إلا أصحاب السلطان والأقوياء. وقد لقى المسلمون الأول عنتاً شديداً في نشر الدعوة وبث العقيدة الإسلامية، فعذبوا لتغيير عقيدتهم، وأكرهوا على ذلك بشتى الوسائل، وكان الكفار والمكذبون يترصدون لهم؛ فلا يحاولون القول إلا منعوهم منه، ولا التعبد إلا آذوهم به. وظاهر مما سبق أن الشريعة حين جاءت بنظرية الحرية لم تكن تجاري تطور الجماعة أو تلبي رغباتهم، لأن العالم كله في ذلك الوقت لم يكن مهيأً لنظرية الحرية، وإنما قررت الشريعة هذه النظرية لترفع بها مستوى الجماعة، وتدفعهم نحو التقدم والرقي، وتسمو بهم عن الموطن الذي نزلت بهم فيه همجيتهم، وأرضاهم به جهلهم، كذلك كان تقرير النظرية لازماً لتكميل الشريعة بما تستلزمه الشريعة الكاملة الدائمة. وقد جاءت النصوص المقررة للحرية والمبينة لحدودها نصوصاً عامة مرنة بحيث لا يمكن أن تحتاج إلى تعديل أو تبديل. وهذا يتفق مع الأساس الذي قامت عليه الشريعة وهو عدم قابليتها للتعديل أو التبديل، ولا شك أن النصوص من العموم والمرنة بحيث لا يمكن أن تضيق بأي حال مهما تغيرت الظروف والأمكنة وطال الزمن. ولقد سبقت الشريعة الإسلامية القوانين الوضعية في تقرير نظرية الحرية بأحد عشر قرناً على الأقل؛ لأن القوانين الوضعية لم تبدأ بتقرير هذه النظرية إلا في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر. أما قبل ذلك فلم تكن هذه القوانين تعترف بالحرية بل كانت أقصى العقوبات تخصص للمفكرين ودعاة الإصلاح ولمن ينتقد عقيدة تخالف العقيدة التي يعتنقها أولو الأمر. هذا هو الواقع وهذه هي حقائق التاريخ، فمن شاء بعد ذلك أن يعرف كيف نشأت

стр. 36

الأكذوبة الكبرى التي تقول إن الأوروبيين هم أول من دعا للحرية فليعلم أنها نشأت من الجهل بالشريعة الإسلامية، وقد يعذر الأوروبيون في هذا الجهل أما نحن فلن نجد لأنفسنا عذراً. ٢٧ - نظرية الشورى: جاءت الشريعة الإسلامية مقررة لمبدأ الشورى في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] ، وفي قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ، ولم يكن تقرير النظرية نتيجة لحال الجماعة، فقد كان العرب في أدنى دركات الجهل وفي غاية التأخر والانحطاط، وإنما قررت الشريعة النظرية لأنها قبل كل شئ من مستلزمات الشريعة الكاملة الدائمة المستعصية على التبديل والتعديل، ولأن تقرير النظرية يؤدي بذاته إلى رفع مستوى الجماعة وحملهم على التفكير في المسائل العامة والاهتمام بها، والنظر إلى مستقبل الأمة نظرة جدية، والاشتراك في الحكم بطريق غير مباشر، والسيطرة على الحكام ومراقبتهم. فالنظرية إذن مقررة لتكميل الشريعة ولتوجيه الجماعة ورفع مستواها. وظاهر من صيغة النصين المقررين لمبدأ الشورى أنهما عامان مرنان إلى آخر حدود العموم والمرونة، بحيث لا يمكن أن يحتاج الأمر إلى تعديلهما أو تبديلهما في المستقبل، وفي هذا بيان لما قلناه من أن الشريعة تتميز بصفة الدوام وأنها لا تقبل التبديل والتعديل. ولهذه الاعتبارات اكتفت الشريعة بتقرير الشورى كمبدأ عام وتركت لأولياء الأمور في الجماعة أن يضعوا معظم القواعد اللازمة لتنفيذها، لأن هذه القواعد تختلف تبعاً لاختلاف الأمكنة والجماعات والأوقات، فلأولياء الأمور مثلاً أن يعرفوا رأي الشعب عن طريق رؤساء الأسر والعشائر، أو عن طريق ممثلي الطوائف، أو بأخذ رأي الأفراد الذين تتوفر فيهم صفات معينة: إما بطريق التصويت المباشر وإما بطريق التصويت الغير مباشر، ولأولياء الأمور أن يسلكوا أي سبيل آخر يرون أنه أفضل من غيره في تعرف رأي الجماعة، بشرط ألا يكون في ذلك كله ضرر ولا ضرار بصالح الأفراد أو الجماعة أو النظام العام.

стр. 37

أما القواعد الأساسية الخاصة بتطبيق مبدأ الشورى وتنفيذه وهي قليلة فقد بينت الشريعة أحكامها ولم تتركها لأولياء الأمور، وهذه القواعد حكمها حكم مبدأ الشورى لا تقبل التعديل ولا التبديل؛ لأنها قواعد جاءت بها نصوص خاصة، والقاعدة أن ما نُصَّ عليه لا يعدل ولا يبدل. ومن هذه القواعد الأساسية التي توجب الشريعة اتباعها في تطبيق مبدأ الشورى وتنفيذه أن تكون الأقلية التي لم يؤخذ برأيها أول من يسارع إلى تنفيذ رأي الأغلبية، وأن تنفذه بإخلاص باعتباره الرأي الواجب الاتباع، وأن تدافع عنه كما تدافع عنه الأغلبية، وليس للأقلية أن تناقش رأياً اجتاز دون المناقشة، أو تشكك في رأي وضع موضع التنفيذ، وتلك هي سنة الرسول التي سنها للناس والتي يجب على الناس اتباعها، طبقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . ولقد سن الرسول ﷺ هذه السنة وعمل بها في حياته، واتبعها أصحابه بعد وفاته. عمل الرسول بهذه السنة لما علم باستعداد قريش لغزوة أحد وأنهم أقبلوا إلى المدينة ونزلوا قريباً من جبل أحد، فجمع ﵇ أصحابه، واستشارهم أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة؟ وكان رأيه أن لا يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة والنساء من فوق البيوت، ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أبيّ وبعض الصحابة، ولكن جماعة الصحابة أشاروا بالخروج وألحوا عليه في ذلك. فكان الرسول أول من وضع رأي الأكثرية موضع التنفيذ، إذ نهض من المجلس فدخل بيته ولبس لأمته، وخرج عليهم ليقود الأقلية والأكثرية إلى لقاء العدو خارج المدينة، وقد سارع الرسول بتنفيذ رأي الأغلبية بالرغم من مخالفته لرأيه الخاص الذي أظهرت الحوادث فيما بعد أنه كان الرأي الأحق بالاتباع. وعمل أصحاب الرسول بهذه السنة بعد وفاته في حروب الردة، فقد كان رأي

стр. 38

الغالبية أول الأمر متجهاً إلى عدم محاربة المرتدين ومسالمتهم، وكان رأي الأقلية وعلى رأسهم أبو بكر متجهاً إلى محاربة المرتدين وعدم التسامح معهم، وانتهت المناقشة بجنوح الكثيرين إلى رأي أبي بكر بعد اقتناعهم به، فلما وضع هذا الرأي موضع التنفيذ كان المخالفون في الرأي هم أول المنفذين له والمضحين في سبيل تنفيذه بأموالهم وأبنائهم وأنفسهم. وهذه السنة المباركة التي تكمل مبدأ الشورى العام تعتبر في وقتنا الحاضر العلاج الناجع لفشل الديموقراطية. فمن المسلم به أن البلاد الديموقراطية فشلت فشلاً ذريعاً في تطبيق مبدأ الشورى، والسبب الأساسي في هذا الفشل أنهم يسمحون للأقلية أن تناقش الرأي الذي أقرته الأغلبية بعد انتهاء دور المناقشة، وأن تشكك في قيمته وصلاحيته أثناء تنفيذه، بل أنه يظل موضع الانتقاد والسخرية حتى بعد تمام تنفيذه. ولما كانت القاعدة أن فريق الأغلبية هو الذي يتولى الحكم فإن آراء هذا الفريق وأعماله لا تقابل بما يجب لها من الاحترام، بل تكون دائماً محل تشكيك وسخرية ويطعن عليها بتفاهتها وعدم صلاحيتها، بل قد يحدث أن تمتنع الأقلية من تنفيذ القوانين التي تسنها الغالبية، وتظل الحال هكذا حتى يصبح الفريق الحاكم أقلية، فيترك الحكم ليتولاه فريق الأكثرية الذي تقابل آراؤه وأعماله بمثل ما قوبل به فريق الأكثرية السابق، وهكذا لا يتولى الحكم فريق إلا كانت آراؤه وأعماله محل النقد والتشكيك والسخرية. وقد يكون النقد سبيلاً من سبل الإصلاح إذا أبدى الناقد رأيه وقت المناقشة أو نقد آراء لم تناقش من قبل، أما نقد الآراء التي سبقت مناقشتها والتشكيك فيها بعد أن وضعت موضع التنفيذ فذلك هو الفساد بعينه، بل إنه ليتناقض مع الأساس الذي تقوم عليه الشورى؛ فأساس الشورى هو أن يحكم الشعب طبقاً لرأي الأغلبية، ومعنى ذلك أن أغلبية الشعب إذا أجمعت على رأي كان رأيها قانوناً أو حكماً تجب له الطاعة والاحترام.

стр. 39

ولقد أدى موقف الأقلية من الأغلبية إلى نتيجته الطبيعية، فظهر أولو الأمر في البلاد الديموقراطية بمظهر العاجز الذي لا يحسن التصرف، وفقد الأفراد ثقتهم في الزعماء والجماعات والأحزاب، وأصبحوا يتشككون في قدرتهم على حكم الشعب وإدارة أموره، وحق لهم أن يفقدوا ثقتهم فيمن تصدوا لقيادتهم فلم يسمعوا عنهم في يوم ما أنهمارتأوا رأياً فكان موضع التقدير، أو جاءوا بفكرة لم تكن موضع السخرية، أو هموا بعمل لم يكن موضع النقد والتشكيك. وإذا كان فشل البلاد الديموقراطية في تطبيق مبدأ الشورى يرجع في الأصل إلى انعدام الثقة فيمن يتصدون لقيادة الشعب، إلا أن تفشي هذا الفشل في كل البلاد الديموقراطية جعل الناس يعتقدون أن مبدأ الشورى نفسه غير صالح للتطبيق، فانتقل الشك وعدم الثقة من القائمين على تطبيق المبدأ إلى المبدأ ذاته، واعتنق كثير من البلاد الديموقراطية مبدأ الديكتاتورية وهم يظنون أنهم سيجدون فيه علاجاً لحالة الشك وعدم الثقة التي تعيش فيها الشعوب. ولكن التجارب أثبتت أن الدكتاتورية انتهت بفشل أفظع من فشل الديموقراطية، لأنها تؤدي إلى كم الأفواه، وتعطيل حرية الرأي وحرية الاختيار، وانعدام الثقة بين الشعوب والحكام، وتوريط الشعوب والحكومات فيما لا تريده أو فيما لا يعود عليها إلا بالضرر. وإذا كانت الديكتاتورية تبدأ غالباً بالنجاح إذا استبدلت بالديموقراطية الفاشلة فإن النجاح لا يرجع إلى النظام ذاته، وإنما يرجع - كما أثبتت التجارب - إلى ثقة المحكومين بشخصية الحاكمين وتعضيدهم إياهم، وإلى حرص الحكام على صالح الجماعة، فإذا تغير الحكام الموثوق بهم، أو فشلوا في القيام بمهمتهم، انعدمت الثقة بين الحكام والمحكومين، وابتدأ الفساد يدب في النظام الديكتاتوري، وكان ذلك إيذاناً بتغيير نظام الحكم، وإن كان التغيير ذاته يتوقف على عوامل أظهرها ضعف الحاكمين أو شجاعة وقوة المحكومين. ونستطيع الآن أن نقول بحق: إن النظام الإسلامي لا يعتبر فقط علاجاً ناجعاً

стр. 40

لفشل الديموقراطية، ولكنه أيضاً صمام الأمن الذي يحمي الأمم من الديكتاتورية، لأن هذا النظام يحفظ لمبدأ الشورى قيمته النظرية، ويحقق صلاحيته العملية، ويجيش كل القوى لخدمة الجماعة، ويدعو إلى الثقة بالشورى والقائمين بأمرها، ويسد الطريق على المبادئ الهدامة والديكتاتورية. ونستطيع أيضاً أن نقول: إن النظام الديموقراطي يقوم في الأصل على الشورى والتعاون، ولكنه انتهى بسوء التطبيق إلى تسليط المحكومين على الحاكمين، وانعدام التعاون بينهما، وإن النظام الديكتاتوري يقوم في الأصل على السمع والطاعة والثقة بين الحاكمين والمحكومين، ولكنه انتهى بسوء التطبيق إلى تسليط الحاكمين على المحكومين وانعدام الثقة بينهما. أما النظام الإسلامي فيقوم على الشورى والتعاون في مرحلة الاستشارة، وعلى السمع والطاعة والثقة في مرحلة التنفيذ، ولا تسمح قواعده بتسليط فريق على فريق، وبهذا جمع النظام الإسلامي بين ما ينسب إلى الديموقراطية من فضائل، وما ينسب إلى الديكتاتورية من مزايا ومحاسن، ثم هو في الوقت نفسه برئ من العيوب التي تنسب للديموقراطية والديكتاتورية معاً. ولقد سبقت الشريعة الإسلامية القوانين الوضعية في تقرير مبدأ الشورى بأحد عشر قرناً، حيث لم تعترف هذه القوانين بمبدأ الشورى إلا بعد الثورة الفرنسية، اللهم فيما عدا القانون الإنجليزي فقد عرف مبدأ الشورى في القرن السابع عشر، وقانون الولايات المتحدة الذي أقر المبدأ بعد منتصف القرن الثامن عشر، أما القانون الفرنسي فقد أخذ بمبدأ الشورى في أخر القرن الثامن عشر، وعلى أثر ذلك انتشر مبدأ الشورى وأخذت به معظم القوانين في القرن التاسع عشر، فالقوانين الوضعية حين قررت مبدأ الشورى لم تأت بجديد، وإنما انتهت إلى ما بدأت به الشريعة الإسلامية، وسارت في الطريق الذي سلكته الشريعة من القرن السابع الميلادي. ٢٨ - نظرية تقييد سلطة الحاكم: جاءت الشريعة الإسلامية من يوم نزولها
следующие страницы →