الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" ولأنه قول أكره عليه بغير حق، والأصل أن العاقل لا يتهم بقصد الإضرار بنفسه، فإذا أقر مختارًا قُبل إقراره لانتفاء التهمة ولوجود الداعى إلى الصدق، ولكن إذا اُكره الشخص على الإقرار فأقر فإنه يغلب على الظن أنه قصد بإقراره دفع ضرر الإكراه فانتفى ظن الصدق فلم يقبل إقراره، فإذا أقر بقتل أو قطع أو سرقة أو غير ذلك تحت تأثير الإكراه لم يجب عليه بإقراره عقاب (١) لاحتمال كذب الإقرار ومما يؤثر فى هذا الباب قول عمر رضى الله عنه: "ليس الرجل أمينًا على نفسه إذا أجعته أو ضربته أو أوثقته" أو على حسب ما يرويه البعض: "ليس الرجل على نفسه بأمين إن جوَّعت أو خوَّفت أو أوثقت"، ومما يؤثر عن شريح أنه كان يقول: "القيد كره، والسجن كره، والوعيد والضرب كره" (٢) ، ويؤثر عن ابن شهاب أنه قال فى رجل اعترف بعد جلده: ليس عليه حد (٣) .
وإذا أقر فى حال الإكراه بغير ما أكره مثل أن يكره على الإقرار بجريمة ما فيقر بأخرى فإقراره فيما يتعلق بهذه الجريمة الأخرى صحيح لأنه أقر بما لم يكره عليه فصح كما لو أقر به ابتداء دون إكراه (٤) .
أما إقراره بالجريمة التى أكره على الإقرار بها فهو إقرار باطل لا يؤخذ به، إلا أن يقر ثانية بالجريمة بعد إخلاء سبيله وهو مختار غير مكره فإنه يؤخذ بإقراره الجديد (٥) .
٤٣٥- والإقرار الصادر تحت تأثير الإكراه باطل ولو قامت الدلائل على صحته، كأن يرشد السارق عن المسروقات أو القاتل عن جثة القتيل، فإذا
стр. 1087
استمر على إقراره بعد أن أصبح فى أمن من الإكراه اعتبر استمراره إقرارًا جديدًا، وهذا متفق عليه إلا من القائلين فى مذهب مالك بصحة إقرار المكره، وما يؤثر فى هذا الباب أن الحسن بن زياد الفقيه الحنفى قال بجواز ضرب السارق حتى يقر، ضربًا لا يقطع اللحم ولا يبين العظم، وأفتى مرة بهذا ثم ندم وأتبع السائل إلى باب الأمير فوجده قد ضرب السارق حتى أقر بالمال المسروق وجاء به، ومع ذلك فقد خرج المحسن بن زياد وهو يقول: ما رأيت جورًا أشبه بالحق من هذا (١) .
٤٣٦- ويرى بعض الفقهاء فى مذهب الشافعى أنه إذا ضرب ليقر فهذا إكراه، أما إذا ضرب ليصدق فى القضية فأقر حال الضرب أو بعده فإقراره صحيح ولا يعتبر مكرهًا، لأن المكره من أكره على شئ واحد وهو هنا إنما ضرب ليصدق ولا ينحصر الصدق فى الإقرار، ولكن أصحاب هذا الرأى يكرهون مع هذا أن يلزم المقر بإقراره إلا بعد أن يراجع ويقر ثانيًا من غير أن يضرب أو يهدد. ويؤخذ على أصحاب هذا الرأى تمسكهم بالإقرار الثانى مع أن هذا الإقرار الثانى فيه نظر إذا غلبت على ظنه أنه إذا أنكر أعيد ضربه، والرأى الراجح فى المذهب هو عدم قبول الإقرارين لأنهما صادران من مكره (٢) .
٤٣٧- ومن ادعى الإكراه لا تقبل دعواه لمجرد ادعائه؛ لأن الأصل عدم الإكراه، إلا أن تكون هناك قرينة على صحة الادعاء، كالقيد والحبس والقبض والوضع تحت الحراسة، فى مثل هذه الحالات تقبل دعوى الإكراه ولمن يدعيه أن يثبته، ويستوى فى هذه الحال أن يكون القبض والحبس والقيد بحق أو بغير حق، كحالة الحبس الاحتياطى، وكحالة القبض بغير حق (٣) .
стр. 1088
وإذا أكره حاكم أو قاض شخصًا ليقر بجريمة عقوبتها القتل أو القطع كالقتل والسرقة فأقر بها وقتل أو قطعت يده اقتص ممن أكرهه (١) .
٤٣٨- رجوع المقر عن إقراره: وإذا كان الإقرار صادرًا من غير إكراه فعدل عنه المقر، قُبل منه الرجوع عن إقراره فيما كان حقًا لله تعالى يدرأ بالشبهات ويحتاط لإسقاطه، فأما حقوق الآدميين وحقوق الله تعالى التى لا تدرأ بالشبهات كالزكاة والكفارات فلا يقبل منه الرجوع عن إقراره بها، وهذه القاعدة متفق عليها، فإذا أقر بزنا ثم عدل عن إقراره لم يؤخذ بإقراره لأن الزنا متعلق بحقوق الله تعالى التى تدرأ بالشبهات ويحتاط لإسقاطها، أما إذا أقر بقتل أو جرح أو قطع أو إسقاط جنين، فإنه يؤاخذ بإقراره ولو عدل عنه لأن الجنايات الواقعة على النفس وما دونها وعلى الجنين كلها متعلقة بحقوق الآدميين ولو أن بعضها يعاقب عليه بالقصاص، ولو أن القصاص مما يحتاط فيه ويدرأ بالشبهات (٢) . لكن إذا ثبت أن الإقرار مكذوب فلا يؤاخذ المقر بإقراره سواء عدل عنه أو لم يعدل، وسواء كان متعلقًا بحقوق الله تعالى أو بحقوق الآدميين.
وعدول المقر عن إقراره لا أثر له أيًا كان نوع الجريمة التى أقر بها ما دامت الجريمة ثابتة قَبل المقر بغير الإقرار، كأن تكون ثابتة بشهادة الشهود.
* * *
الشهادة
٤٣٩- الشهادة هى الطريق المعتاد لإثبات الجرائم: وأغلب الجرائم تثبت عن طريق الشهادة وأقلها يثبت بغير الشهادة من طرق الإثبات، ولهذا كان للشهادة كطريق من طرق الإثبات أهمية كبرى فى إثبات الجرائم.
والأصل فى الشهادة الكتاب والسنة:
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ
стр. 1089
الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق:٢] ، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢] .
وأما السنة: فما روى وائل بن حجر قال: "جاء رجل من حضر موت ورجل من كندة إلى النبى ﷺ ، فقال الحضرمى: يا رسول الله هذا غلبنى على أرض لى، فقال الكندى: هى أرضى وفى يدى فليس له فيها حق، فقال النبى ﷺ للحضرمى: ألك بينة؟ قال: لا، قال: فلك يمينه" (١) .
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلاً على أبواب خيبر فقال رسول الله ﷺ : "أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليكم برمته" (٢) .
ويفرق الفقهاء فى إثبات القتل والجراح بين الجرائم التى توجب عقوبة بدنية كالقصاص أو الجلد والحبس أو غيرهما من العقوبات البدنية التعزيرية وبين الجرائم التى توجب عقوبة مالية كالدية والغرامة.
٤٤٠- الجرائم التى توجب عقوبة بدنية: العقوبة البدنية إما أن تكون القصاص وإما أن تكون عقوبة تعزيرية.
إثبات الجرائم الموجبة للقصاص: يشترط الفقهاء فى إثبات الجرائم الموجبة للقصاص بالشهادة أن يشهد بالجريمة رجلان عدلان، ولا يقبل الفقهاء فى إثبات هذا النوع من الجرائم شهادة رجل وامرأتين ولا شهادة شاهد ويمين المجنى عليه، وذلك لأن القصاص إراقة دم عقوبة على جناية فيحتاط له لدرئه باشتراط الشاهدين العدلين كالحدود، وهذا هو رأى جمهور الفقهاء (٣) .
ويرى الأوزاعى والزهرى أن الجريمة التى توجب القصاص تثبت بما تثبت به الأموال، فيكفى فى إثباتها شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، ويؤيد الشوكانى هذا الرأى (٤) .
стр. 1090
٤٤١- ومن يشترط الشاهدين فيما يوجب القصاص لا يفرق بين القصاص فى النفس والقصاص فيما دون النفس، ويوجب فى إثبات الجريمة الموجبة للقصاص مطلقًا شهادة رجلين عدلين، إلا مالكًا فإنه لا يوجب شهادة العدلين إلا فى القصاص فى النفس فقط، أما إذا كان القصاص فيما دون النفس فيجيز مالك إثبات الجريمة الموجبة للقصاص بشاهد واحد ويمين المجنى عليه، ولا يقيس مالك الجراح بالأموال وإنما هو مبدأ أخذ به لأنه استحسنه، وقد سئل ابن القاسم فى هذا فقيل له: لم قال مالك ذلك فى جراح العمد وليست بمال؟ قال: قد كلمت مالكًا فى ذلك فقال: إنه شئ استحسناه، وما سمعت فيه شئيًا (١) .
ويرى بعض الفقهاء فى مذهب مالك جواز شهادة المرأتين ويمين المدعى فى جراح العمد، ولا يرى البعض ذلك (٢) .
والشاهدان اللذان تثبت بشهادتهما الجريمة الموجبة للقصاص ليس أحدهما المجنى عليه، فإذا كان شاهد واحد والمجنى عليه لم يكمل نصاب الشهادة لأن المجنى عليه يعتبر مدعيًا لا شاهدًا وأقواله تصلح لَوْثًا أى قرينة ولكنها لا تقوم مقام الشهادة.
أما فى حالة إثبات الجريمة الموجبة للقصاص فيما دون النفس بشاهد ويمين المجنى عليه تبعًا لرأى مالك فإن الجريمة تثبت بشهادة الشاهد الواحد ولا يعتبر المجنى عليه شاهدًا ثانيًا ولو أنه يؤدى اليمين لأنه لا يسأل كشاهد، وإنما يحلف اليمين على صحة شهادة الشاهد، فاليمين مقصود بها تقوية شهادة الشاهد.
وهناك من الفقهاء من لا يشترط نصابًا معينًا فى الشهود فيكفى عنده لإثبات الجريمة الموجبة للقصاص أن يشهد بها شاهد واحد إذا رجح القاضى صدق شهادته (٣) ، والذين يشترطون شهادة رجلين فى إثبات الجريمة الموجبة للقصاص
стр. 1091
لا يجيزون إثبات الجريمة بأقل من ذلك ولو عفا المجنى عليه أو وليه عن القصاص إلى الدية وهى مال، وما يوجب المال يثبت بشهادة رجل وامرأتين، وبشهادة رجل ويمين المدعي؛ على التفصيل الذى سنذكره فيما بعد، وحجتهم أن الواجب بالجناية أصلاً هو القصاص لا الدية وإنما وجبت الدية بالعفو أو الصلح والعفو والصلح كلاهما حق ثابت للمجنى عليه أو وليه، أما طريقة الإثبات فليست من حقه بل هى حق الجماعة، وهذا لا يؤدى العفو أو الصلح فى العمد إلى جواز الإثبات بما يثبت به المال، وفضلاً عن ذلك فإنه يجب أن يثبت للمجنى عليه حق القصاص قبل كل شئ حتى يثبت له العفو أو الصلح عن هذا الحق (١) .
٤٤٢- الجرائم التى توجب تعزيرا بدنيًا: إذا أوجبت الجريمة التعزير البدنى مع القصاص فيشترط فى إثباتها ما يشترط فى إثبات الجريمة الموجبة للقصاص، وقد بينا ما يشترطه الفقهاء على اختلاف وجهات نظرهم.
أما إذا أوجبت الجريمة التعزير البدنى دون القصاص فيرى الشافعى وأحمد أن الجريمة لا تثبت إلا بما تثبت به الجريمة الموجبة للقصاص أى بشهادة رجلين عدلين؛ لأن العقوبات البدنية خطيرة فيجب الاحتياط فيها بقدر الإمكان فلا تثبت بما تثبت به الأموال من شهادة رجل وامرأتين وشهادة رجل ويمين المجنى عليه (٢) .
٤٤٣- والأصل عند مالك أن العقوبات البدنية لا تكون إلا بشهادة رجلين ولكنه أجاز فى إثبات الجريمة الموجبة للقصاص فيما دون النفس أن تثبت بشهادة رجل واحد ويمين المجنى عليه، وأوجب على الجانى فى الوقت نفسه عقوبة التعزير مع عقوبة القصاص (٣) .
ومعنى هذا أن عقوبة التعزير البدنية تثبت والجريمة الموجبة لها بشاهد ويمين المدعى، ويمكن القول بأن القصاص أشد من التعزير فإذا تبتت الجريمة الموجبة
стр. 1092
للقصاص بشاهد ويمين فأولى أن تثبت بذلك الجريمة الموجبة للتعزير. كما يمكن القول بأنه إذا ثبتت الجريمة الموجبة للتعزير البدنى فى الجراح بشاهد ويمين فإن كل جريمة أخرى موجبة للتعزير البدنى يصح أن تثبت بشاهد ويمين قياسًا على هذا. ويرى بعض المالكية التعزير فى بعض الجرائم بشهادة شاهد واحد دون يمين (١) .
٤٤٤- والأصل فى مذهب أبى حنيفة أن العقوبات البدنية لا تثبت بأقل من شاهدين عدلين ولكنهم يجيزون فى التعزير أن يكون أحد الشاهدين هو المجنى عليه ويقبلون فيه شهادة رجل وامرأتين على خلاف بين أبى حنيفة وصاحبيه، بل يرون أنه يكفى للتعزير شهادة شاهد وأحد عدل (٢) ، أو شهادة المدعى وحده مع نكول الجانى عن اليمين (٣) ، والنكول ليس إلا قرينة تقوى شهادة المجنى عليه الذى لا يعتبر فى الأصل شاهدًا تبعًا لقواعد الشريعة كذلك يجيزون إثبات جرائم التعزير بالشهادة على الشهادة بل يكتفون فى التعزير بعلم القاضى (٤) .
٤٤٥- إثبات الجرائم الموجبة لعقوبة مالية: تثبت الجرائم التى توجب عقوبة مالية كالدية أو الغرامة بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين أو شهادة رجل واحد ويمين المدعى، وكل ما شرع فيه اليمين والشاهد يثبت بشهادة الشاهد ونكول المدعى عليه (٥) ، وهذا هو رأى الشافعى وأحمد، وحجتهما أنها شهادة عكس ما يقصد به المال والمال يثبت على هذا الوجه فوجب أن تقبل هذه الشهادة فى كل قتل أو جرح موجب للمال كما يقبل فى البيع والإجازة، ولا تقاس الشهادة فى الجناية الموجبة للمال بالشهادة فى الجناية الموجبة للقصاص؛ لأن القصاص عقوبة يحتاط لإسقاطها ودرئها فاحتيط فى الشهادة على أسبابها (٦) .
стр. 1093
ويرى بعض الحنابلة أن الجناية سواء أوجبت القصاص أو غير القصاص لا تثبت بشهادة رجل وامرأتين ولا بشهادة رجل واحد ويمين المدعى، وإنما تثبت بشهادة رجلين كما يثبت القصاص والحدود، فلا معنى للتفرقة بين جنايتين ومن نوع تقعان على آدمى (١) .
ويرى المالكيون أن الجرائم التى توجب عقوبة مالية تثبت بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين أو شهادة رجل واحد ويمين المدعى أو شهادة امرأتين ويمين المدعى (٢) .
٤٤٦- ويختلف رأى الشافعى وأحمد عن رأى مالك فى أن مالكًا يجيز شهادة المرأتين واليمين ولا يجيزها الشافعى وأحمد. وحجة مالك أن المرأتين أقيمتا مقام الرجل فى الأموال فيقاما مقامه فيما يوجب المال من الجرائم. وحجة الشافعى وأحمد أن البينة على المال إذا خلت من رجل لم تقبل كما لو شهد أربع نسوة، وأن شهادة المرأتين ضعيفة فقويت بشهادة الرجل معهما، واليمين ضعيفة فلو شهدت المرأتان مع اليمين لضم ضعيف إلى ضعيف (٣) .
٤٤٧- ويرى أبو حنيفة وأصحابه أن ما يوجب المال يثبت بشهادة رجلين أو بشهادة رجل وامرأتين ولا يثبت بشاهد ويمين ولا بامرأتين ويمين (٤) ، وحجتهم أن الله تعالى قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:٢٨٢] فمن زاد على ذلك فقد زاد على النص والزيادة فى النص نسخ، ولأن النبى ﷺ قال: "البينة على المدعى واليمين على من أنكر" فحصر اليمين فى جانب المدعى عليه كما حصر البينة فى جانب المدعى. ويرد على الحنفيين بأن رسول الله ﷺ قضى بالشاهد الواحد واليمين وأن الزيادة فى النص ليست نسخًا وإنما هى تعزير له، وأن الحكم بالشاهد واليمين لا يمنع الحكم بالشاهدين ولا يرفعه وأن الآية واردة فى شهادة التحمل لا فى شهادة الأداء ولذا قال تعالى:
стр. 1094
﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] فالنزاع فى الأداء لا فى التحمل.
والحديث الذى يتمسك به الحنفية ضعيف وليس هو للحصر، بدليل أن اليمين تشرع فى حق المودع إذا ادعى رد الوديعة وتلفها، وفى حق الأمناء لظهور خياناتهم، وفى حق الملاعن، وفى القسامة وغير ذلك (١) .
ولقد شرعت اليمين من جانب المدعى عليه حيث لم يترجح جانب المدعى بشئ إلا مجرد الادعاء، ففى هذه الحالة يكون جانب المدعى عليه أولى باليمين لقوته بأصل براءة الذمة فكان هو أقوى المتداعين باستصحاب هذا الأصل، فإذا ترجع جانب المدعى بلَوْث أو نكول أو شهادة شاهد كان أولى باليمين لقوة جانبه بذلك، فاليمين مشروعة إذن فى جانب أقوى المتداعين (٢) .
ويلاحظ أن الجرائم التى توجب عقوبة تعزيرية مالية تثبت عند الحنفية بما تثبت به الجرائم التى توجب عقوبة تعزيرية بدنية، فلا فرق فى إثبات الجرائم التعزيرية ولو تنوعت عقوباتها واختلفت.
ويلاحظ أيضًا أن الحنفيين يتشددون فى إثبات الجرائم الموجبة للحدود والقصاص والعقوبات المالية غير التعزيرية بينما يتساهلون فى إثبات الجرائم الموجبة لعقوبة تعزيرية، بل إنهم يتساهلون فى إثبات هذا النوع من الجرائم أكثر مما يتساهلون فى إثبات العقود المالية المحضة، ولعل مرجع ذلك التساهل إلى أن الجرائم التعزيرية هى أكثر الجرائم وقوعًا والعقوبات التعزيرية هى أكثر العقوبات تطبيقًا، فوجب التساهل فى إثبات هذه الجرائم حرصًا على مصلحة الجماعة وصيانة لنظامها.
٤٤٨- ويرى ابن القيم أن الجرائم الموجبة للعقوبات المالية تثبت بشهادة شاهد واحد دون يمين كلما وثق به القاضى (٣) .
ويجيز الفقهاء عامة شهادة الرجل الواحد أو المرأة الواحدة للضرورة ويقبلون مثل
стр. 1095
هذه الشهادة فى إثبات نفس الجريمة كشهادة المعلم على الجرائم التى تقع بين الصبيان وكشهادة المرأة على جريمة وقعت فى حمام ويقبلون شهادة الرجل الواحد والمرأة الواحدة كذلك فى إثبات أثر الجريمة ونتائجها كشهادة الطبيب أو الداية على أن الضرب أحدث جرحًا داخليًا بالرحم، وكشهادة الطبيب بأن الضرب أو الجرح نشأ عنه فقد منفعة عضو من الأعضاء.
ويقبل الفقهاء شهادة الرجل الواحد والمرأة الواحدة للضرورة سواء كانت الجريمة مما يوجب عقوبة بدنية كالقصاص أو عقوبة مالية كالدية (١) .
٤٤٩- ولا تثبت الجريمة بالشهادة إلا مع زوال الشبهة وانتفاء الشك: فيجب أن تكون الشهادة مثبتة للجريمة بصفة قاطعة، فإذا لم تكن كذلك بطلت الشهادة ما لم يكن بعض الشهادة متيقنًا ففى هذه الحالة يثبت القدر المتيقن، فمن شهد بأنه رأى جماعة يضربون شخصًا قطع ذراعه أثناء الحادث ولم يشهد بمن قطع الذراع فلا يثبت قطع الذراع ضد أحدهم ولكن يثبت الضرب عليهم لأنه القدر المتيقن أى المقطوع به فى أقوال الشاهد. ومما يؤثر فى هذا الباب أن شريحًا شهد عنده رجل بالقتل فقال: أشهد أنه اتكأ عليه بمرفقه فمات، فقال له شريح: فمات منه؟ فأعاد الرجل قوله الأول فقال له شريح: قم فلا شهادة لك (٢) .
القسامة
٤٥٠- معنى القسامة: القسامة معناها لغة: القَسَم أى اليمين، وهى تعنى أيضًا الوسامة، فيقال: فلان قسيم أى وسيم، ويذهب أهل اللغة إلى أنها القوم الذين يحلفون سُمُّوا باسم المصدر، كما يقال: رجل رضًى ورجل عَدْل.
ومعنى القسامة فى اصطلاح الفقهاء: الأيمان المكررة فى دعوى القتل، يقسم
стр. 1096
بها أولياء القتيل لإثبات القتل على المتهم، أو يقسم بها المتهم على نفى القتل عنه (١) .
مصدر القسامة التشريعى: كانت القسامة طريقًا من طرق الإثبات فى الجاهلية فأقرها الإسلام، فقد روى أحمد ومسلم والنسائى عن أبى سلمة بن عبر الرحمن وسليمان بن يسار عن رجل من أصحاب النبى ﷺ أنه أقر القسامة على ما كانت عليه فى الجاهلية.
وعن سهل بن أبى حَثْمَة قال: "انطلق عبد الله بن سهل ومُحيِّصة بن مسعود إلى خيبر وهى يومئذ صلح فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط فى دمه قتيلاً فدفنه ثم قدم إلى المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومُحيِّصة وحوُيِّصة ابنا مسعود إلى النبى ﷺ فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال: كَبِّرْ كَبِّرْ، وهو أحدث القوم فسكت، فتكلما، فقال: أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم؟ فقالوا: كيف نحلف ولم نشهد شيئًا ولم نر؟ قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا؟ فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار؟ فعقله النبى ﷺ من عنده" رواه الجماعة. وفى رواية متفق عليها: "فقال رسول الله ﷺ يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته. فقالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم. قالوا: يا رسول الله قوم كفار ... " وذكر الحديث بنحوه، وهو حجة لمن قال: لا يقسمون على أكثر من واحد، وفى لفظ لأحمد: "قال رسول الله ﷺ : تسمون قاتلكم ثم تحلفون عليه خمسين يمينًا ثم نسلمه".
وفى رواية متفق عليها: "فقال لهم: تأتون بالبنية على من قتله. فقالوا ما لنا من بينة. قال: فيحلفون. قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود. فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه فوداه بمائة من إبل الصدقة" (٢) . وروى الإمام أحمد عن
стр. 1097
أبى سعيد الخدرى قال: وجُد قتيل بين قريتين فأمر النبى ﷺ فذرع بينهما فوُجد إلى أحدهما أقرب فألقاه إلى أقربهما؛ أى حملهم ديته. وكذلك روى عن عمر رضى الله عنه فى قتيل وُجد بين وازعة وأرحب وكتب إليه عامله بذلك، فكتب إليه عمر أن قس بين القريتين فأيهما كان أقرب فألزمهم، فوجد القتيل إلى وازعة أقرب فأُلزموا القسامة والدية (١) . وأخرج عبد الرزاق وابن أبى شيبة والبيهقى عن الشعبى أن قتيلاً وُجد بين وادعة وشاكر فأمرهم عمر بن الخطاب أن يقيسوا ما بينهما فوجدوه إلى وادعة أقرب فأحلفهم عمر خمسين يمينًا كل رجل ما قتلته ولا علمت له قاتلاً ثم أغرمهم الدية، فقالوا: يا أمير المؤمنين لا أيماننا دفعت عن أموالنا ولا أموالنا دفعت عن أيماننا، فقال عمر: كذلك الحق. وأخرج نحوه الدارقطنى والبيهقى عن سعيد بن المسيب، وفيه أن عمر قال: إنما قضيت عليكم بقضاء نبيكم (٢) . وفى رواية أخرى أنهم قالوا: أنبذل أموالنا وأيماننا؟ فقال عمر: أما أيمانكم فلحقن دمائكم وأما أموالكم فلوجود القتيل بين أظهركم (٣) .
وأخرج البخارى والنسائى عن ابن عباس أن أول قسامة كانت فى الجاهلية فى بنى هاشم، كان رجل من بنى هاشم استأجره رجل من قريش من فخذ أخرى فانطلق معه فى إبله، فمر به رجل من بنى هاشم قد انقطعت عروة جوالقه، فقال: أغثنى بعقال أشد به عروة جوالقى لا تنفر الإبل، فأعطاه عقالاً فشد به عروة جوالقة فلما نزلوا عقلت الإبل إلا بعيرًا واحدًا، فقال الذى استأجره: ما بال هذا البعير لم يعقل من بين الإبل؟ قال: ليس له عقال، قال: فأين عقاله؟ فحذفه بعصًا كان فيه أجله، فمر به رجل من أهل اليمين فقال: أتشهد الموسم؟ قال: ما أشهده وربما شهدته، قال: هل أنت مبلغ عنى رسالة مرة من الدهر؟ قال: نعم، قال: فإذا شهدت فناد يا قريش، فإذا أجابوك فناد ى آل بنى هاشم، فإن أجابوك فسل عن أبى
стр. 1098
طالب فأخبره أن فلانًا قتلنى فى عقال، ومات المستأجر، فلما قدم الذى استأجره أتاه أبو طالب فقال: ما فعل صاحبنا؟ قال: مرض فأحسنت القيام عليه ووليت دفنه، قال: قد كان أهل ذاك منك. فمكث حينًا ثم إن الرجل الذى أوصى إليه أن يبلغ عنه وافى الموسم فقال: يا قريش، قالوا: هذه قريش، قال: يا آل بنى هاشم، قالوا: هذه بنو هاشم، قال: أين أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب، قال: أمرنى فلان أن أبلغك رسالة أن فلانًا قتله فى عقال. فأتاه أبو طالب فقال: اختر منا إحدى ثلاث: إن شئت أن تؤدى مائة من الإبل فإنك قتلت صاحبنا، وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله، فإن أبيت قتلناك به، فأتى قومه فأخبرهم فقالوا نحلف، فأتته امرأة من بنى هاشم كانت تحت رجل منهم كانت قد ولدت منه فقالت: يا أبا طالب أحب أن تجير ابنى هذا برجل من الخمسين ولا تصير يمينه حيث تصير الأيمان، ففعل فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب أردت خمسين رجلاً أن يحلفوا مكان مائة من الإبل فيصيب كل رجل منهم بعيران، هذان البعيران فاقبلهما منى ولا تصير يمينى حيث تصير الأيمان، فقبلهما وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا.
قال ابن عباس: فوالذى نفسى بيده ما حال الحول ومن الثمانية والأربعين عين تطرف (١) .
٤٥١- اختلاف الفقهاء فى شرعية القسامة: وبالرغم من النصوص السابقة فإن الفقهاء اختلفوا فى القسامة، فرأى الجمهور أن يعتبر القسامة كطريق من طرق الإثبات فى جريمة القتل وعلى الأخص فقهاء المذاهب الأربعة والمذهب الظاهرى والمذهب الشيعى، وأنكر بعض الفقهاء القسامة ومنهم سالم بن عبد الله وأبو قلابة وعمر بن عبد العزيز وابن علّية ويرى هؤلاء أنه لا يجوز الحكم بمقتضى القسامة لأنها مخالفة لأصول التشريع الإسلامى، إذ الأصل فى الشريعة أن لا يحلف أحد إلا على ما علم قطعًا أو شاهد حسًا، وإذا كان ذلك كذلك فكيف يقسم أولياء الدم وهم لم يشاهدوا القتيل بل قد
стр. 1099
يكونون فى بلد والقتيل فى بلد آخر (١)
ومن حجتهم أن الأيمان ليس لها تأثير فى إشاطة الدماء وأن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، ولا يرى أصحاب هذا الرأى فى الأحاديث التى يستند إليها القائلون بالقسامة أن رسول الله ﷺ حكم بالقسامة وإنما كانت القسامة حكمًا جاهليًا فتلطف لهم رسول الله ليريهم كيف لا يلزم الحكم بها على أصول الإسلام، ولذلك قال لهم: أتحلفون خمسين يمينًا - أعنى لولاة الدم وهم الأنصار - قالوا: كيف نحلف ولم نشاهد؟ قال: فيحلف لكم اليهود، قالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ قالوا: فلو كانت السنة أن يحلفوا وإن لم يشهدوا لقال لهم رسول الله ﷺ هى السنة، وإذا كانت هذه الآثار غير نص فى القسامة بالقسامة والتأويل يتطرق إليها فصرفها بالتأويل إلى الأصول أولى (٢) .
ويرد الفريق الآخر على هذه الحجج بأن القسامة سنة مقررة بنفسها مخصصة للأصول كسائر السنن المخصصة، وأنه يجوز للأولياء أن يقسموا على القاتل إذا غلب على ظنهم أنه قتله وإن كانوا غائبين عن مكان القتل، لأن النبى ﷺ قال للأنصار: "تحلفون وتستحقون دم صاحبكم" وكانوا بالمدينة والقتيل بخيبر ولأن للإنسان أن يحلف على غالب ظنه كما أن من اشترى من إنسان شيئًا فجاء آخر يدعيه جاز أن يحلف أنه لا يستحقه لأن الظاهر أنه ملك الذى باعه، وكذلك
стр. 1100
إذا وجد شيئًا بخطه أو بخط أبيه جاز أن يحلف ولو أنه لا يعلمه أو لا يذكره، وكذلك إذا باع شيئًا لم يعلم فيه عيبًا فادعى عليه المشترى أنه معيب وأراد رده كان له أن يحلف أنه باعه بريئًا من العيب، ولكن الحالف على كل حال لا يحلف إلا بعد الإثبات وغلبه ظن يقارب اليقين (١) .
٤٥٢- وليس ثمة ما يمنع من أن تكون الأيمان سبيلاً لإشاطة الدماء - أى إهدارها - ما دامت الأيمان تؤدى إلى إثبات الجريمة على الجانى لأن النبى ﷺ قال: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته" وفى رواية مسلم: "يسلم إليكم" وفى لفظ: "وتستحقون دم صاحبكم" وأراد دم القاتل لأن دم القتيل ثابت لهم قبل اليمين. وإذا كانت القسامة طريق الإثبات العمد فقد وجب بها القصاص وهو عقوبة العامد كالبينة سواء بسواء، وقد روى الأثرم بإسناده عن عامر الأحوال أن النبى ﷺ أقاد بالقسامة فى الطائف، وهذا نص ولأن الشارع جعل القول قول المدعى مع يمينه احتياطًا للدم فإن لم يجب القود سقط هذا المعنى (٢) . على أن أغلب القائلين بالقسامة لا يرون أن القسامة تؤدى للقصاص بل يرون أنها توجب الدية فقط، فالقسامة على رأى هؤلاء لا تؤدى لإشاطة الدماء.
٤٥٣- وأما أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر فإن بعض القائلين بالقسامة لا يخرجون على هذا الأصل كالحنفيين، فإنهم يرون اليمين دائمًا فى جانب المنكر حتى فى القسامة فيحلفون المدعى عليه، وأما القائلين بتحليف المدعى فالقاعدة عندهم أن اليمين تشرع من جهة أقوى المتداعين، فأى الخصمين ترجح جانبه جعلت اليمين من جهته، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه عرض القسامة أولاً على المدعين فلما أبوا جعلها فى جانب المدعى عليهم، وقد جعلت فى جانب المدعين لأن جانبهم ترجح باللوث (٣) ، واليمين تكون
стр. 1101
فى جانب المدعى عليه إذا لم يترجح المدعى بشئ غير الدعوى، فيكون جانب المدعى عليه أولى باليمين لقوله بأصل براءة الذمة فكان هو أقوى المتداعين باستصحاب الأصل فكانت اليمين من جهته، فإذا ترجح المدعى بلوث أو بنكول أو شاهد كان أولى باليمين لقوة جانبه بذلك، فاليمين مشروعة فى جانب أقوى المتداعين فأيهما قوى جانبه شرعت اليمين فى حقه (١) .
وفضلاً عما سبق فإن حديث البينة على من ادعى واليمين على من أنكر روى عن ابن عبد البر بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بالصيغة الآتية: "البينة على المدعى واليمين على من أنكر إلا فى القسامة" فاستثنى الحديث القسامة وهذا الاستثناء زيادة فى الحديث يتعين العمل بها لأن الزيادة من الثقة مقبولة (٢) .
٤٥٤- لماذا شرعت القسامة؟: الأصل فى القسامة أنها شرعت لحفظ الدماء وصيانتها، فالشريعة الإسلامية تحرص أشد الحرص على حفظ الدماء وصيانتها وعدم إهدارها، ولما كان القتل يكثر بينما تقل الشهادة عليه لأن القاتل يتحرى بالقتل مواضع الخلوات جعلت القسامة حتى لا يفلت المجرمون من العقاب وحتى تحفظ الدماء وتصان (٣) .
ولقد كان من حرص الشريعة على حياطة الدماء ما دعا أحمد إلى القول بأن من مات من زحام الجمعة أو فى الطواف فديته فى بيت المال وبمثل هذا قال إسحاق، وقال به عمر وعلي؛ فإن سعيدًا يروى عن إبراهيم أن رجلاً قتل فى زحام الناس بعرفة، فجاء أهله إلى عمر فقال: بينتكم على من قتله، فقال على: يا أمير المؤمنين لا يُطَلُّ دم امرئ مسلم، إن علمتَ قاتله وإلا فأعطه ديته من بيت المال. وقال الحسن والزهرى فيمن مات من الزحام: ديته على من حضر لأن قتله حصل منهم (٤) .
стр. 1102
ولعل فى حديث الرسول ﷺ الذى قرر القسامة ما يؤيد هذا النظر، ففى رواية متفق عليها أن رسول الله ﷺ قال لهم: "تأتون بالبينة على من قتله؟ فقالوا: ما لنا من بينة قال: فتحلفون؟ قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله ﷺ أن يُطَلَّ دمه فوداه بمائه من إبل الصدقة" (١) ، وهذا ما جعل الحنابلة يرون أنه إذا لم يحلف المدعون ولم يرضوا يمين المدعى عليه فداه الإمام من بيت المال، وما جعلهم يرون إلزام المدعى عليه الدية إذا نكل عن الحلف.
٤٥٥- والقسامة عند أبى حنيفة شرعت فوق ما سبق لعلاج التقصير فى النصرة وحفظ الموضع الذى وجد فيه القتيل ممن وجب عليه النصرة والحفظ لأن إذا وجب عليه الحفظ فلم يحفظ مع القدرة على الحفظ صار مقصرًا بترك الحفظ الواجب فيؤاخذ بالتقصير، زجرًا عن ذلك وحملاً على تحصيل الواجب وكل من كان أخص بالنصرة والحفظ كان أولى بتحمل القسامة والدية؛ لأنه أولى بالحفظ فكان التقصير منه أبلغ. ولهذا يرى أبو حنيفة أن القتيل إذا وجد فى موضع اختص به واحد أو جمعة إما بالملك أو باليد ويتهمون أنهم قتلوه فعليهم شرعًا القسامة دفعًا للتهمة، والدية لوجود القتيل بين أظهرهم (٢) .
٤٥٦- هل شرعت القسامة للإثبات أم لنفى؟: يرى مالك والشافعى وأحمد أن القسامة شرعت لإثبات الجريمة ضد الجانى كلما انعدمت أدلة الإثبات الأخرى أو لم تكن كافية بذاتها لإثبات الجريمة على الجانى، فإذا لم يكن مثلاً إلا شاهد واحد على القاتل أو لم يكن هناك شهود ولكن وجدت قرينة على أن القتل حصل من المتهم كان لولاة القتيل أن يثبتوا الجريمة على المتهم بطريق القسامة (٣) .
ويرى أبو حنيفة أن القسامة دليلاً مثبتًا للفعل المحرم وإنما هى دليل
стр. 1103
نفى لأهل المحلة التى وجد فيها القتيل؛ لأن المدعين - طبقًا لرأيه - لا يحلفون وإنما يحلف أهل المحلة بالله ما قتلوه ليدرءوا عن أنفسهم القصاص، وفى الوقت ذاته تجب عليهم الدية لوجود القتيل بين أظهرهم ويأخذ أبو حنيفة بهذا الرأى لأنه يرى أن البينة دائمًا على من ادعى واليمين على من أنكر، فإذا لم يعترف أحد أهل المحلة بالقتل وأنكروا كانت عليهم القسامة لأنهم مدعى عليهم وهم يدفعون بالقسامة التهمة الموجهة إليهم فتكون القسامة دليل نفى لهم (١) .
٤٥٧- الجرائم التى تجوز فيها القسامة: من المتفق عليه أن القسامة لا تكون إلا فى جريمة القتل فقط، فلا قسامة فى جرح ولا فى قطع عضو أو فقد منفعة ولا قسامة فى ضرب أو إيذاء أو اعتداء أيًا كان نوعه ما لم يؤد للموت، ويستوى أن يكون القتل عمدًا أو شبه عمد أو خطأ، ففى كل قتل أيًا كان نوعه القاسمة (٢) .
متى تكون القسامة؟: لا محل للقسامة عند أبى حنيفة إلا إذا كان القاتل مجهولاً، فإن كان معلومًا فلا قسامة ويتبع فى إثبات الجريمة ونفيها طرق الإثبات العادية (٣) .
٤٥٨- أما مالك والشافعى وأحمد فمحل القسامة عندهم أن يكون القاتل معينًا وأن يكون هناك لَوْث، فإن كان القاتل مجهولاً فلا قسامة عند الأئمة الثلاثة، ولكن الغزالى وهو من الفقهاء الشافعيين يرى أن لا بأس من أن يكون القاتل مجهولاً بين معينين فإن حكمه حكم المعين كما إذا اتهم ولى القتيل عشرة وقال: القاتل أحدهم (٤) .
стр. 1104
واللوث عند مالك والشافعى هو أمر ينشأ عن غلبة الظن بصدق المدعى (١) ، أو هو قرينة توقع فى القلب صدق المدعى (٢) ، كوجود جثة القتيل فى محلة أعدائه، أو تفرق جماعة عن قتيل، أو رؤية المتهم على رأس القتيل ومعه سكين، وقول واحد ممن تقبل شهادته لوث.
وهناك خلاف بين المالكية والشافعية على ما يعتبر لوثًا، فالمالكية يعتبرون ادعاء المجنى عليه على المتهم قبل وفاته لوثًا ولا يعتبره الشافعيون كذلك، والإشاعة المتواترة لوث عند الشافعيين وليست كذلك عند المالكيين (٣) .
واللوث عند أحمد على الرواية المرجوحة هو العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليه، كنحو ما بين الأنصار ويهود خيبر، وما بين القبائل والأحياء وأهل القرى الذين بينهم الدماء والحروب، وما بين أهل العدل وما بين الشرطة واللصوص، وكل من بينه وبين المقتول ضغْنٌ يغلب على الظن أنه قتله.
واللوث على الرواية الراجحة هو ما يغلب على الظن صدق المدعى كالعداوة المذكورة سابقًا، وكأن يتفرق جماعة عن قتيل فيكون ذلك لوثًا فى حق كل واحد منهم، وكأن يزدحم الناس فى مضيق فيوجد فيهم قتيل، وكأن يوجد قتيل ولا يوجد بقربه إلا رجل معه سيف أو سكين ملطخ بالدم ولا يوجد غيره ممن يغلب على الظن أنه قتله، وهذا الرأى الثانى موافق لما يراه مالك والشافعى (٤) ، وتعدد اللوث لا يمنع من القسامة كما لو قال المجنى عليه قبل موته قتلنى فلان، وكان هناك شاهد عدل يشهد بأنه رأى المتهم يقتل المجنى عليه فالقسامة واجبة مع تعدد اللوث ولا ينفى تعدد اللوث عنها إلا عند من يأخذون بالقرائن ويرونها كافية وحدها لإثبات الجريمة (٥) ، وإذا وجد قتيل ولم يكن لوث فلا قسامة عند مالك والشافعى وأحمد وإن عين أولياء القاتل، والدعوى فى هذه الحالة كسائر الدعاوى إن كانت بينة
стр. 1105
حكم للمدعين بها وإن كان إقرار حكم به وإلا فالقول قول المنكر، وهذا يخالف مذهب أبى حنيفة الذى يرى القسامة بوجود الجثة وبها أثر القتل.
٤٥٩- وإذا أدعى أولياء القتيل القتل ولم توجد الجثة فى محل المدعى عليهم ولم تكن عداوة ولا لوث فلا قسامة عند الجميع. ويرى البعض فى هذه الحالة أن لا يحلف المدعى عليه. وحجة القائلين بهذا أن الدعوى لا يقضى فيها بالنكول فلا يستحلف فيها كالحدود، ويرى البعض أنه يستحلف والقائلون بهذا يحتجون بقول رسول الله ﷺ : "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه" ويرون أن النص يوجب اليمين لعمومه وأن النص صريح فى انطباقه على دعوى القتل حيث يقول: "لادعى قوم دماء رجال وأموالهم" وادعاء الدماء هو ادعاء القتل. والقائلون بهذا يختلفون، فبعضهم يرى أن يحلف المدعى عليه يمنًا واحدة وهو الرأى الراجح، والبعض يرى أن يحلف خمسين يمينًا وهو الرأى المرجوح. فإن نكل المدعى عليه عن اليمين فيرى البعض أنه لا يجب عليه شئ بنكوله، ويرى البعض أن النكول لا يجب به غير الدية، ويرى البعض أن ترد اليمين على المدعى إذا نكل المدعى عليه فتكون قسامة ويحلف المدعون خمسين يمينًا؛ لأن النكول يعتبر لوثًا فى هذه الحالة فتتوفر شروط القسامة (١) .
٤٦٠- وظاهر مما سبق أن القسامة تكون عند مالك والشافعى إذا علم القاتل وانعدمت البينة المثبتة للقتل وكان لوث، فإن كانت بينة تثبت القتل أو كان إقرار فلا قسامة، ومعنى هذا أن القسامة عندهم دليل خاص مثبت للقتل إذا انعدم دليله الأصيل.
ويختص مالك بنوع من القسامة يوجبه مع توفر الدليل على القتل، وذلك فى حالة ما إذا أصيب المجنى عليه فى جريمة القتل فلم يمت فى الحال واستمر وقتًا ما يأكل ويشرب ويتكلم ثم مات بعدها فتجب القسامة على أولياء القتيل يحلفون
стр. 1106
بالله أن القتيل مات من إصابته. وهذا النوع من القسامة ليس إلا دليلاً من نوع خاص على أن الوفاة نشأت عن الإصابة، وليس له معنى فى عصرنا الحاضر بعد أن أصبح الأطباء قادرين على تعيين سبب الوفاة.
أما القسامة عند أبى حنيفة فلا تكون إلا إذا وجدت جثة القتيل فى محلة وكان القاتل مجهولاً، وهى ليست دليلاً على القتل وإنما هى دليل نفى لأهل المحلة التى وجد فيها القتيل، فهم يحلفون بالله ما قتلوه ليدرءوا عن أنفسهم القصاص، وتجب عليهم الدية فى الوقت ذاته لوجود القتيل بين أظهرهم.
والقسامة عند ابن حزم تجب متى وجد قتيل لا يعرف من قتله أينما وجد فادعى ولاة الدم على رجل وحلف منهم خمسون رجلاً خمسين يمينًا، فإن هم حلفوا على العمد فالقود، وإن حلفوا على الخطأ فالدية، وليس يحلف عنده أقل من خمسين رجلاً (١) .
فالقسامة عند ابن حزم تجمع بين مذهب أبى حنيفة ومذهب مالك والشافعى وأحمد، فيأخذ من مذهب أبى حنيفة سبب وجوب القسامة، ويأخذ من مذهب الأئمة الثلاثة كيفية القسامة.
٤٦١- والقسامة عند أبى حنيفة أشبه ما تكون بما تفعله جيوش الاحتلال فى البلاد المحتلة فى عصرنا الحاضر فى حالة الاعتداء على رجال الجيش المحتل وفى حالة الثورات إذ تفرض غرامة على كل قرية قتل فيها جندى لم يعلن قاتله أو ارتكبت فيها جريمة هامة لم يعلم مرتكبها، وتحصل الغرامة من جميع سكان القرية على السواء.
والواقع أن القسامة عند أبى حنيفة تعتبر بحق وسيلة طيبة لإظهار الفاعلين فى حوادث القتل؛ لأن أهل القرية إذا علموا أنهم سيلزمون دية القتيل الذى لا يظهر قاتله اجتهدوا فى منع المشبوهين من الإقامة بين ظهرانيهم وأخذوا على أيدى سفهائهم ومجرميهم، كما أن كل من كان لديه معلومات عن القتل سابقة أو
стр. 1107
لاحقة لن يتأخر فى الغالب عن تبليغها للجهات المختصة، بل إنهم قد يحملون القاتل على أن يقدم نفسه ويعترف بجرمه.
٤٦٢- كيفية القسامة: القسامة عند مالك والشافعى وأحمد على أولياء القتيل، لقول الرسول ﷺ : "يحلف خمسون رجلاً منكم وتستحقون دم صاحبكم"، وعلى هذا أن يحلف أولياء القتيل ابتداء خمسين يمينًا.
ويستحب أن يستظهر فى ألفاظ اليمين فى القسامة تأكيدًا فيقول الحالف: والله الذى لا إله إلا هو عالم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، فإن اقتصر على لفظ والله كفى، ويصح أن يقول والله أو بالله وتالله وكل ما زاد على هذا تأكيدًا، ويشترط فى اليمين أن تكون على البت وأن تكون قاطعة فى ارتكاب المتهم الجريمة بنفسه أو بالاشتراك مع غيره، وعلى الحالف أن يبين ما إذا كان الجانى تعمد الفعل أم لم يتعمد فيقول مثلاً: "والله إن فلان ابن فلان قتل فلانًا منفردًا بقتله ما شركه غيره" وإن كانا اثنين قال: "منفردين بقتله ما شركهما غيرهما" ثم يقول: عمدًا أو خطأ.
فإن لم يحلف المدعون حلف المدعى عليه خمسين يمينًا وبرئ. ويشترط فى يمين المدعى عليه ما يشترط فى يمين المدعى من البت والقطع ببراءته فيقول مثلاً: والله ما قتلته ولا شاركت فى قتله ولا فعلت سببًا مات منه ولا كان سببًا فى موته ولا معينًا على موته.
فإن لم يحلف المدعون ولم يرضوا أيمان المدعى عليهم برئ المتهمون وكانت دية القتيل فى بيت المال على رأى أحمد، وهو رأى لا يأخذ به بقية الأئمة. وإن نكل المدعى عليهم عن اليمين حبسوا حتى يحلفوا على رأى فى مذهب أحمد ولم يحبسوا على الرأى الآخر، وحبسوا لمدة سنة على رأى مالك، فإن لم يحلفوا عززوا. أما الشافعى فيرى أن ترد الأيمان على المدعين فإن لم يحلفوا فلا شئ على المدعى عليهم وإن حلفوا وجبت العقوبة على المدعى عليهم (١) .
стр. 1108
أما أبو حنيفة فيرى أن القسامة على أهل المحلة ابتداء فإن حلفوا وجبت عليهم الدية. وعنده أن الحلف لحقن دماء الحالفين لأن حفظ المحلة عليهم ونفع ولاية التصرف فى المحلة عائد عليهم وهم المتهمون فى القتل فكانت القسامة والدية عليهم (١) .
ويحلف خمسون رجلاً من أهل المحلة: والله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً، وإذا امتنع المدعى عليهم من الحلف حُبسوا حتى يحلفوا ولكن امتناعهم لا يسقط عنهم الدية (٢) .
٤٦٣- من يدخل القسامة؟: يدخل القسامة على رأى الشافعى كل الورثة سواء كانوا رجالاً أو نساء؛ فتدخل الزوجة والبنت كما يدخل الابن والزوج، وتوزع الأيمان عليهم بحسب نصيبهم من الإرث. ويجبر الكسر؛ لأن اليمين الواحدة لا تتبعض فلو حلف تسعة وأربعون حلف كلٌّ يمينًا، وفى قول: يحلف كل من الورثة خمسين يمينًا؛ لأن العدد يعتبر كيمين واحدة، فإذا ردت اليمين على المدعى عليهم حلف كل واحد منهم خمسين يمينًا كاملة (٣) .
٤٦٤- وفى مذهب أحمد روايتان:
أولاهما: أن الأيمان تختص بالورثة دون غيرهم وبالرجال دون النساء، فعلى هذه الرواية تقسم الأيمان بين الورثة من الرجال سواء كانوا من ذوى الفروض أو العصبات كل على قدر إرثه إن كانوا جماعة وإن كانوا واحدًا حلفها وحده، فإن انقسمت الأيمان فى حالة التعدد من غير كسر مثل أن يرث المقتول ابنان أو أخ وزوج حلف كل منهما خمسًا وعشرين يمينًا، وإن كان فيها كسر جبر عليهم مثل زوج وابن، يحلف الزوج ثلاثة عشر يمينًا والابن ثمانية وثلاثين يمينًا؛ لأن تكميل الخمسين واجب لا يمكن تبعيض اليمين ولا حمل بعضهم لها عن البعض الآخر فوجب تكميل اليمين المنكسرة فى حق كل واحد منهم، وهناك من يرى أن يحلف كل وارث
стр. 1109
خمسين يمينًا سواء تساووا فى الميراث أو اختلفوا فيه؛ لأن ما حلفه الواحد إذا انفرد حلفه كل واحد من الجماعة كاليمين الواحدة فى سائر الدعاوى (١) .
ثانيتهما: أن يحلف من العصبة خمسون رجلاً كل واحد يمينًا، وهو قول لمالك، وعلى هذا يحلف الوارثون من العصبة فإن لم يبلغوا خمسين تمموا من سائر العصبة الأقرب منهم فالأقرب (٢) .
٤٦٥- ويفرق مالك بين حالة الخطأ وحالة العمد، ففى الخطأ يحلف أيمان القسامة من يرث القتيل وإن كان واحدًا ولو أخًا لأم أو امرأة، وإذا تعدد الورثة حلف كل وارث على قدر إرثه، فإن كان وارث واحد حلف الأيمان كلها وتجبر اليمين عند الكسر على أكثر كسرها، ولو كان صاحب الكسر الأكبر أقل نصيبًا فى الميراث كابن وبنت، على الابن ثلاثة وثلاثون يمينًا وثلث، وعلى البنت ستة عشر يمينًا وثلثان، فتحلف البنت سبعة عشر يمينًا والابن ثلاثة وثلاثين.
أما فى العمد فلا يحلف إلا العصبة، ولا يحلف فى العمد أقل من رجلين من العصبة، ويستوى أن يكون العاصب وارثًا أم غير وارث، ولا تحلف النساء فى العمد، وللولى إن كان واحدًا أن يستعين بعاصبه هو ولو لم يكن عاصبًا للقتيل، كامرأة مقتولة ليس لها عصبة غير ابنها وله إخوة من أبيه فله أن يستعين بهم (٣) .
٤٦٦- ويرى أبو حنيفة أن القسامة لا تجب إلا على الرجال، فلا تجب على صبى ولا مجنون ولو وجد القتيل فى ملك أحدهما؛ لأن القسامة يمين وهما ليسا من أهل اليمين؛ ولأن القسامة تجب على من هو من أهل النصرة وهما ليسا من أهل النصرة، فلا تجب القسامة عليهما وتجب على عاقلتهما إذا وجد القتيل فى ملكهما. وهناك خلاف فى هذا المذهب على ما إذا كانا يدخلان فى الدية مع العاقلة، فيرى
стр. 1110
البعض دخولهما لأنهما مؤخذان بالضمان المالى لأفعالهما وهو الرأى الراجح، أما إذا وجد القتيل فى ملك غيرهما فمن المتفق عليه أنهما لا يدخلان فى الدية مع العاقلة.
ولا تدخل المرأة فى القسامة والدية فى قتيل وجد فى غير ملكها لأن وجوبها بطريق النصرة وهى ليست من أهلها وإن وجد فى دارها أو فى قرية لها لا تكون بها غيرها فعليها القسامة فتستحلف ويكرر عليها الأيمان على الرأى الراجح (١) .
ما يجب بالقسامة: تجب الدية بالقسامة فى الخطأ وشبه العمد، وهذا متفق عليه.
٤٦٧- أما فى العمد فيرى مالك أن القصاص يجب بالقسامة إذا كان المتهم واحدًا، فإذا تعدد المتهمون وجب القصاص بالقسامة على واحد فقط يعينه أولياء القتيل ويحلفون أنه مات من ضربه أو جرحه.
ويرى ابن رشد أنه يجوز أن يقتص بالقسامة من أكثر من واحد إذا اختلفت الأفعال التى أدت للقتل، كمن يمسك شخصًا لآخر ثم يقول له اضربه اقتله فيفعل ذلك، فإنهما يقتلان معًا بالقسامة لأن الموت كان نتيجة لفعليهما معًا، ولأن فعل كل منهما يخالف فعل الآخر، أما إذا اتحد الفعل المؤدى للموت فلا يقتص إلا من واحد (٢) .
٤٦٨- ورأى الشافعى القديم جواز القصاص بالقسامة فى العمد، ولكن رأيه الآخر أنه لا تجب بالقسامة إلا الدية سواء كان الفعل عمدًا أو شبه عمد أو خطأ.
والرأى الأول قائم على قول الرسول ﷺ : "تستحقون دم صاحبكم".
والرأى الثانى قائم على قوله: "إما أن يدوا صاحبكم، أو يؤذنوا بحرب من الله ورسوله" وقد فسرت عبارة "دم صاحبكم" بـ "بدل دم صاحبكم" جمعًا بين الدليلين (٣) .
ويرى أبو حنيفة أنه لا يجب بعد القسامة إلا الدية فى العمد وغير العمد؛ لأن القسامة جعلت لحقن دماء المدعى عليهم.
стр. 1111
ويرى أحمد أن يقتص بالقسامة فى العمد ما لم يمنع مانع شرعى من القصاص (١) .
٤٦٩- شروط القسامة: لا تجب القسامة إلا إذا توفرت الشروط الآتية:
أولاً: أن يثبت أن الموت نتيجة القتل، فإن كان مات حتف أنفه أو تساوى احتمال موته حتف أنفه بموته قتيلاً فلا قسامة.
ثانيًا: أن يكون لَوْث، طبقًا لما يراه مالك والشافعى وأحمد، وقد بينا معنى اللوث، فإن لم يكن لوث فلا قسامة. أما أبو حنيفة فلا يشترط إلا أن توجد الجثة فى محلة وبها أثر القتل، فإن لم توجد الجثة على هذا الوجه فلا قسامة وإذا أصيب القتيل بجرح فى محلة فحمل إلى أهله فمات من تلك الجراحة وجبت القسامة والدية عند أبى حنيفة ولا يراهما أبو يوسف بحجة أنه أصيب فى المحلة ولم يمت فيها ولا قسامة فيما دون النفس. ويرد عليه بأن القتيل مات من الجراحة فكأن الجراحة وقعت قتلاً من وقت حدوثها.
ويشترط الحنفيون أن يوجد من القتيل أكثر بدنه، فإن وجد ففيه القسامة والدية لأن للأكثر حكم الكل فيسمى قتيلاً، أما إذا وجد عضو من أعضائه فلا قسامة فيه ولا دية، وإن وجد النصف الذى فيه الرأس ففيه القسامة والدية وإن وجد الرأس وحده فلا قسامه ولا دية. ولا يشترط بقية الأئمة هذه الشروط، فالقسامة واجبة سواء وجد كل الجثة أو وجد بعضها (٢) .
ثالثًا: أن لا يعلم القاتل عند أبى حنيفة فإن علم فلا قسامة. أما عند مالك والشافعى وأحمد فيشترط للقسامة تعين القاتل، فإذا لم يعين فلا قسامة.
رابعًا: أن يتقدم أولياء القتيل بدعواهم أى باتهامهم لأن الدعوى لا تسمح على غير معين عند مالك والشافعى وأحمد ولأن القسامة يمين مقصود به دفع التهمة عند أبى حنيفة ولا تجب اليمين قبل الدعوى والاتهام (٣) .
стр. 1112
خامسًا: أن لا يكون هناك ادعاء متناقض، كأن يكون الأولياء قد ادعوا على شخص أنه انفرد بالقتل ثم عادوا فادعوا على آخر بأنه هو القاتل، أو كأن يدعى بعض الأولياء أن شخصًا هو القاتل ويبرئه البعض الآخر من القتل أو يدعوه على غيره، فإذا وجد مثل هذا التناقض امتنعت القسامة ويشترط فى التناقض المانع من القسامة أن يكون بحيث ينفى الاتهام عن المتهم.
سادسًا: أن ينكر المدعى عليهم القتل فإذا اعترفوا به فلا قسامة.
سابعًا: ويشترط أبو حنيفة المطالبة بالقسامة لأن اليمين حق المدعى وحق المدعى يوفى بطلبه، ولذا كان الاختيار فى حال القسامة لأولياء القتيل لأن الأيمان حقهم فلهم أن يختاروا من يتهمونه ويستحلفون صالحى العشيرة الذين يعلمون أنهم لا يحلفون كذبًا، وإذا طولب من عليه القسامة باليمين فنكل عنها حبس حتى يحلف أو يقر لأن اليمين حق مقصود لنفسه وليست وسيلة للدية إذ الدية مفروضة مع اليمين ويرى أبو يوسف أن لا يحبس الناكل ويحكم بالدية (١) .
ثامنًا: ويشترط أبو حنيفة أيضًا أن يكون الموضع الذى وجدت فيه الجثة ملكًا لأحد وفى يد أحد، فإن لم يكن ملكًا لأحد ولا فى يد أحد فلا قسامة ولا دية.
وإذا وجدت الجثة فى مكان عام التصرف فيه للعامة لا لجماعة محصورين لا تجب القسامة وتجب الدية من بيت المال.
٤٧٠- وإذا وجد القتيل فى فلاة لا يملكها أحد فلا قسامة ولا دية إذا كانت بحيث لا يسمع الصوت فى القرى والأمصار القريبة، فإذا كانت بحيث يسمع الصوت وجبت القسامة والدية على أقرب المواضع إلى الجثة، وإذا كان المكان قريبًا من عدة قرى وجبت القسامة والدية على أقرب القرى إليه، وإن كان قريبًا من المصر فعلى أقرب أحياء المصر الدية والقسامة، وهذا هو قضاء عمر بن الخطاب.
стр. 1113
ولا قسامة فى قتيل وجد فى المسجد الجامع ولا فى الشوارع أو الجسور أو الطرق العامة؛ لأنها محلات عامة بمعنى الكلمة، وتجب الدية فى بيت المال.
ولا قسامة فى قتيل وجد فى سوق عامة إلا إذا كان السوق ملكًا لفرد أو أفراد أو مستأجرًا لهم.
واختلف فى قتيل السجن، فرأى البعض القسامة على المسجونين ولم يرها البعض الآخر (١) .
* * *
القرائن
٤٧١- عرفت الشريعة الإسلامية القرائن من يوم وجودها، وبنى الكثير من أحكام الشريعة على أساس القرائن، من ذلك أن القسامة تقوم على أساس القرينة سواء وجد لوث أم لم يوجد فأساس القسامة عند من لا يشترطون اللوث وجود القتيل فى محلة المتهمين؛ لأن وجود الجثة فى المحلة قرينة على أن القتل حدث من سكانها، وأساس القسامة عند من يشترطون اللوث أن وجود اللوث قرينة على أن المتهم هو القاتل، فرؤية شخص على مقربة من الجثة ملوث بالدماء لوث وهذا اللوث قرينة على أن هذا الشخص هو القاتل. ومن ذلك النكول عند من يرى أن النكول يؤدى إلى إثبات الجريمة، فإن ثبوت الجريمة عن طريق النكول إثبات بالقرينة إذ النكول ليس إلا قرينة على أن الاتهام الموجه للمتهم صحيح (٢) .
ومن ذلك إثبات الزنا بالحمل فإن الحمل قرينة على الوطء المحرم المعتبر زنا (٣) .
ومن ذلك إثبات شرب الخمر بانبعاث رائحتها من فم المتهم، فإن ثبوت الجريمة أساسه القرينة المستفادة من انبعاث رائحة الخمر من فم المتهم والتى تفيد أنه شرب الخمر (٤) .
стр. 1114
ومن ذلك ثبوت السرقة على من يوجد فى حيازته المال المسروق، وأساس الثبوت هنا هو القرينة المستفادة من وجود المال فى حيازة المتهم والتى تدل غالبًا على أنه هو الذى سرقه (١) .
ومن ذلك جواز دفع اللقطة لمن يصفها بمميزاتها، وكذلك الوديعة والمسروقات، ما دام صاحب اللقطة أو الوديعة أو المال المسروق مجهولًا، وأساس هذا الحكم القرينة المستفادة من بيان صفات ومميزات الشىء والتى تدل على أن من وصفه هو صاحبه (٢) .
وليس يخلو مذهب فقهى من المذاهب الإسلامية من الاعتماد على القرائن فى استنباط الأحكام الفرعية، كما أن كثيرًا من الأحكام الأساسية أقامتها الشريعة على أساس القرائن، كقول الرسول ﷺ : "الولد للفراش"، فإن قيام الزوجية جعل دليلًا لإثبات الدعاوى الجنائية والمدنية ولهم فى ذلك آثار مشهورة (٣) .
وبالرغم من إقامة كثير من أحكام الشريعة على القرائن واتجاه القضاء من وقت نزول الشريعة إلى الأخذ بالقرائن، فإن جمهور الفقهاء لا يسلم باعتبار القرائن دليلًا. عامًا من أدلة الإثبات فى الجرائم اللهم إلا فيما نص عليه بنص خاص كالقسامة، ولعل عذرهم فى ذلك أن القرائن فى أغلب الأحوال قرائن غير قاطعة وأنها تحمل أكثر من وجه، فإذا اعتمد عليها كدليل لإثبات الجريمة فقد اعتمد على دليل مشكوك فيه لا يمكن التسليم مقدمًا بصحته.
أما أقلية الفقهاء فيرون الأخذ بالقرائن فى إثبات الجرائم مع الاعتدال، ومن
стр. 1115
هؤلاء ابن القيم فإنه يرى أن الحاكم إذا أهمل الحكم بالقرائن أضاع حقًا كثيرًا وأقام باطلًا كبيرًا، وأنه إن توسع وجعل معوله عليها دون الأوضاع الشرعية وقع فى أنواع من الظلم والفساد (١) .
* * *
النكول عن اليمين وردها
٤٧٢ - اختلف الفقهاء فى اعتبار النكول عن اليمين طريقًا من طرق الإثبات، فرأى بعضهم أن المدعى إذا لم يقم بينة على ما ادعاه ولم يقر المدعى عليه كان على المدعى عليه أ، يحلف على نفى المدعى به، فإن نكل عن الحلف قضى للمدعى بما يدعيه بنكول المدعى عليه، وهذا هو رأى أبى حنيفة والمشهور من مذهب أحمد. ورأى البعض أن نكول المدعى عليه لا يكفى وحده لثبوت المدعى به، بل ترد اليمين على المدعى فإن حلف اليمين المردودة قضى له بما يدعيه، وهذا هو مذهب مالك والشافعى، وقد صوبه أحمد فقال: ما هو ببعيد يحلف ويستحق، وعلى هذا لا تكون الدعوى ثابتة بالنكول وإنما باليمين المردودة (٢) .
٤٧٣ - واختلف الفقهاء بعد ذلك فيما إذا كان يمكن الحكم بالنكول واليمين المردودة فى الجرائم، فرأى مالك أنه لا يجوز الحكم باليمين المردودة فى الجرائم سواء كانت حدودًا أو قصاصًا أو تعازير، وسواء أوجبت عقوبة بدنية أو عقوبة مالية، وعلى هذا فإذا لم تكن بينة ونكل المتهم عن الحلف فلا ترد اليمين على المدعى لأن حلفها ليس له أثر (٣) .
٤٧٤ - ويرى الشافعى: أنه يحكم باليمين المردودة فى الجرائم المتعلقة بحقوق الآدميين كالقتل والضرب والشتم، سواء كانت العقوبة قصاصًا أو دية أو تعزيرًا، وكذلك فى جرائم التعازير المتعلقة بالأمور العامة كطرح الحجارة فى الطريق
стр. 1116
وإفساد الآبار، أما فى جرائم الحدود فالقاعدة ألا يحكم فيها باليمين المردودة إلا فى بعض الحالات الاستثنائية (١) .
٤٧٥ - ويرى أبو حنيفة وصاحباه: القضاء بالنكول ولكنهم اختلفوا فى تفسير النكول، فقال أبو حنيفة: إنه بذل من جهة المدعى عليه، وقال الصاحبان: إنه قرار، وقد أدى هذا الخلاف إلى اختلافهم فى بعض المسائل، ويمكن تلخيص رأى الأحناف فيما يختص بالقضاء بالنكول فى الجرائم فيما يأتى:
١ - فى جرائم الحدود واللعان لا يستحلف المنكر اتفاقًا: إما على قوله فلان البذل لا يصح فى شئ منها، وإما على قولهما فلان النكول إقرار فيه شبهة لأنه هو فى نفسه سكوت أو تصريح بالامتناع عن اليمين والحدود تدرأ بالشبهات، واللعان فى معنى الحد لأنه قائم مقام حد القذف فى حق الزوج وقائم مقام حد الزنا فى حق المرأة.
٢ - فىجرائم القصاص والدية: إذا كانت الجريمة توجب المال صح التحليف فيها والحكم بالنكول اتفاقًا، لأن الأموال يصح فيها البذل من جهة، وتثبت بالإقرار مطلقًا من جهة أخرى.
أما إذا كانت الجريمة مما يوجب القصاص استحلف المدعى عليه باتفاق غير انه إذا نكل عن اليمين لزمه القصاص على قول أبى حنيفة لأنه بذل، وبذل ما دون النفس جائز كما تقدم. وأما على قولهما فلا قصاص بل يلزمه الأرش لأن النكول عندهما إقرار فيه شبهة.
٤٧٦ - وإذا كان النكول عن اليمين فى الجناية على النفس حبس حتى يحلف أو يقر على قول أبى حنيفة لتعذر القضاء بالنكول، إذ النفس لا يصح فيها البذل. وعلى قولهما يحكم عليه بالدية بنكوله لأن النكول إقرار فيه شبهة (٢) .
٣ - فى جرائم التعازير: يصح طبقًا لرأى الصاحبين الحكم فيها بالنكول
стр. 1117
لأن النكول إقرار لا شبهة فيه فى التعازير إذ الإقرار فيها لا يجوز العدول عنه، ويصح طبقًا لرأى أبى حنيفة الحكم فى هذه الجرائم بالنكول إذا أوجبت عقوبة مالية لأن المال مما يصح بذله، أما إذا أوجبت عقوبة بدنية فلا يصح الحكم بالنكول، وهذا هو قياس رأى أبى حنيفة وصاحبيه.
وفى مذهب أحمد رأيان: أولهما: أنه لا يقضى بالنكول إلا فى المال، فأما غير المال وما لا يقصد به المال فلا يقضى فيه بالنكول (١) .
ومقتضى هذا الرأى لا يحكم بالنكول فى جرائم الحدود ولا فى جرائم التعازير التى توجب المال، ويحكم فى جرائم القصاص والدية بالنكول على أن تكون العقوبة مالية.
والرأى الثانى: يرى الحكم بالقصاص على الناكل إذا كان القصاص فيما دون النفس (٢) .
* * *
الباب الثانى فى الحدود
مسائل عامة عن الحدود
٤٧٧ - تعريف الحد: الحد لغة: هو المنع، واصطلاحًا: هو العقوبة المقدرة حقًا لله تعالى (٣) .
ويطلق لفظ الحد عادة على جرائم الحدود وعلى عقوباتها، فيقال: ارتكب الجانى حدًا ويقال: عقوبته حد، وإذا أطلق لفظ الحد على الجريمة فإنما يقصد تعريف الجريمة بعقوبتها، أى بأنها جريمة ذات عقوبة مقدرة شرعًا، فتسمية الجريمة بالحد تسمية مجازية.
ويرى بعض الفقهاء أن الحد هو العقوبة المقدرة شرعًا (٤) .
стр. 1118
ويدخل تحت الحد بهذا المعنى جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية؛ لأن عقوباتها جميعًا مقدرة شرعًا.
والمشهور هو تخصيص لفظ الحد لجرائم الحدود وعقوباتها دون غيرها (١) .
وتعريف عقوبة الحد بأنها العقوبة المقدرة حقًا لله تعالى يؤدى إلى هذا التخصيص، وبهذا العريف تخرج العقوبات المقررة لجرائم القصاص والدية، لأن هذه العقوبات وإن كانت مقدرة شرعًا إلا أنها مقررة حقًا للأفراد، كذلك تخرج عقوبات جرائم التعازير لأنها جميعًا عقوبات غير مقدرة.
ومعنى أن العقوبة مقدرة أن الشارع عين نوعها وحدد مقدارها ولم يترك اختيارها أو تقديرها لولى الأمر أو القاضى.
ومعنى أن العقوبة مقررة حقًا لله تعالى أنها مقررة لصالح الجماعة وحماية نظامها، والفقهاء حينما ينسبون العقوبة لله جل شأنه ويقولون إنها حق لله يعنون بذلك أنها لا تقبل الإسقاط لا من الأفراد ولا من الجماعة.
وتعتبر العقوبة حقًا لله تعالى كلما استوجبتها المصلحة العامة، وهى دفع الفساد عن الناس وتحقيق الصيانة لهم، فكل جريمة يرجع فسادها إلى العامة وتعود منفعة عقوبتها إليهم تعتبر العقوبة المقررة عليها حقًا لله، تأكيدًا لتحصيل المنفعة ودفع المضرة والفساد، لأن اعتبار العقوبة لله يؤدى إلى عدم إسقاطها بإسقاط الأفراد والجماعة لها (٢) .
٤٧٨ - الحد والجناية: ويعبر بعض الفقهاء عن جريمة الحد بلفظ الجناية، ويكتبون عن جرائم الحدود تحت عنوان الجنايات (٣) .
والجناية لغة: اسم لما يجنيه المرء من شر وما اكتسبه. وفى الاصطلاح الفقهى: اسم لفعل محرم شرعًا. ولفظ الجناية مرادف اصطلاحًا للفظ الجريمة، ولما كانت الحدود جرائم فقد صح أن
стр. 1119
تسمى بالجنايات، ولا يغير من ذلك أن عقوباتها مقدرة؛ لأن تسمية الجريمة بالحد إنما هى تسمية مجازية، كما قلنا من قبل.
ويبقى بعد ذلك أن نعرف أنه إذا كان كل حد جناية، فإن كل جناية ليست حدًا؛ لأن من الجنايات جرائم التعازير وعقوباتها غير مقدرة، وإذا لم تكن عقوبة الجريمة مقدرة فالجريمة ليست حدًا بل إنها لا تكون حدًا إلا إذا كانت عقوبتها مقررة حقًا لله تعالى على الرأى المشهور.
٤٧٩ - جرائم الحدود: جرائم الحدود سبع وهى:
(١) الزنا.
(٢) القذف.
(٣) الشرب.
(٤) السرقة.
(٥) الحرابة أو المحاربة.
(٦) البغى
(٧) الردة.
وهذا ما يراه جمهور الفقهاء، ولكن ابن حزم يخرج البغى من جرائم الحدود ويدخل جريمة جحد العارية (١) .
وسنخصص لكل جريمة من هذه الجرائم كتابًا، أما جريمة جحد العارية فسنتناولها أثناء الكلام على جريمة السرقة، إذ أن ما يعتبره ابن حزم جحدًا للعارية يعتبره جمهور الفقهاء سرقة.
* * *
стр. 1120
الكتاب الأول
الزنا
تمهيد:
٤٨٠ - الزنا فى الشريعة والقانون: تختلف جريمة الزنا فى الشريعة الإسلامية عنها فى القوانين الوضعية، فالشريعة الإسلامية تعتبر كل وطء محرم زنًا وتعاقب عليه سواء حدث من متزوج أو غير متزوج، أما القوانين الوضعية فلا تعتبر كل وطء محرم زنًا، وأغلبها يعاقب بصفة خاصة على الزنا الحاصل من الزوجين فقط كالقانون المصرى والقانون الفرنسى، ولا تعتبر ما عدا ذلك زنًا وإنما تعتبره وقاعًا أو هتك عرض.
ولا يعاقب القانون المصرى على الوقاع إلا فى حالة الاغتصاب، فإن كان بالتراضى فلا عقاب عليه ما لم يكن الرضا معيبًا.
ويعتبر القانون المصرى الرضا معيبًا إذا لم يبلغ المفعول به ثمانية عشر عامًا كاملة - ولو وقت الجريمة بناء على طلبه هو - فإن بلغها اعتبر رضاه صحيحًا، والعقوبة فى حالة الرضا العيب بسيطة لأن الفعل يعتبر جنحة.
ويدخل اللواط فى هتك العرض طبقًا لقانون العقوبات المصرى سواء لاط الفاعل بامرأة وبرجل.
ويعاقب القانون المصرى الرجل والمرأة معًا فى حالة الزنا، أما فى الوقاع وهتك العرض فلا يعاقب القانون إلا طرفًا واحدًا هو الفاعل سواء أتى المفعول به فى القبل أو فى الدبر، وعلة ذلك أن القانون يبيح الفعل طالما كان مصحوبًا برضاء المفعول به، فإن كان رضاه منعدمًا أو معيبًا اعتبر مجنيًا عليه لا جانيًا
стр. 1121
٤٨١ - أساس عقوبة الزنا فى الشريعة والقانون: وتعاقب الشريعة الإسلامية على الزنا باعتباره ماسًا بكيان الجماعة وسلامتها، إذ أنه اعتداء شديد على نظام الأسرة، والأسرة هى الأساس الذى تقوم عليه الجماعة، ولأن فى إباحة الزنا إشاعة للفاحشة وهذا يؤدى إلى هدم الأسرة ثم إلى فساد المجتمع وانحلاله، والشريعة تحرص أشد الحرص على بقاء الجماعة متماسكة قوية.
أما العقوبة فى القوانين الوضعية فأساسها أن الزنا من الأمور الشخصية التى تمس علاقات الأفراد ولا تمس صالح الجماعة، فى معنى للعقوبة عليه ما دام عن تراضٍ إلا إذا كان أحد الطرفين زوجًا ففى هذه الحالة يعاقب على الفعل صيانة لحرمة الزوجية.
٤٨٢ - الواقع يشهد للشريعة: ولعل ما حدث فى أوربا والبلاد الغربية عامة يؤيد نظرية الشريعة، فقد تحللت الجماعات الأوربية وتصدعت وحدتهم وذهب ريحها وما لذلك من سبب إلا شيوع الفاحشة والفساد الخلقى والإباحية التى لا تعرف حدًا تنتهى إليه، وما أشاع الفاحشة وأفسد الأخلاق ونشر الإباحية إلا إباحة الزنا وترك الأفراد لشهواتهم واعتبار الزنا من الأمور الشخصية التى لا تمس صالح الجماعة.
ولعل أشد ما تواجهه البلاد غير الإسلامية اليوم من أزمات اجتماعيه وسياسية يرجع إلى إباحة الزنا، فقد قل النسل فى بعض الدول قلة ظاهرة تنذر بفناء هذه الدول أو توقف نموها، وترجع قلة النسل أولا وأخيرًا إلى امتناع الكثيرين عن الزواج، وإلى العقم الذى انتشر بين الأزواج.
ولا يمتنع الرجل عن الزواج إلا لأنه يستطيع أن ينال من المرأة ما يشاء فى غير حاجة إلى الزواج، ولأنه لا يثق فى أن المرأة ستكون له وحده بعد الزواج، وقد اعتاد أن يجدها مشاعًا بينه وبين الغير قبل الزواج.
والمرأة التى كانت أمنيتها الأولى الزواج، ووظيفتها التى خلقت من أجلها إدارة البيت وتربية الأولاد، هذه المرأة أصبحت فى كثير من الأحوال تنفر من
стр. 1122
الزواج ولا ترضى أن تستأسر لرجل تنال ما عنده، بينما هى تستطيع أن تنال ما عند عشرات الرجال دون أن تثقل نفسها بالقيود والأغلال.
وقد أدى شيوع الزنا إلى مقاومة الحمل من جهة وانتشار الأمراض السرية من جهة أخرى، وإذا كانت مقاومة الحمل تؤدى فى كثير من الأحوال إلى عقم النساء، فإن انتشار الأمراض السرية يؤدى فى الغالب إلى عقم الرجال والنساء على السواء.
وكانت المرأة تعيش فى كنف الرجل فى ظل الزواج، فلما أضرب الرجال عن الزواج كان لابد للمرأة من أن تعيش، فاضطرت إلى مزاحمة الرجل فى ميدان العمل لتنال قوتها، فأدى هذا إلى تفشى البطالة وشيوع المبادئ الهدامة وألقى بشعوب أوربا فى بحر لجى يزخر بالفوضى والاضطراب.
ويستطيع الإنسان أن يرتب على هذه المفاسد الاجتماعية نتائجها الخطيرة دون أن يخطئ الحساب، ولو تدبر هذه النتائج القائلون بأن الزنا علاقة شخصية لعلموا أن الزنا من أخطر الجرائم الاجتماعية، وأن مصلحة الجماعة تقتضى تحريمه فى كل الصور، والمعاقبة عليه أشد العقاب، وعلى هذا الأساس حرمت الشريعة الإسلامية الزنا لتتجنب الوصول إلى تلك النتائج المخيفة، وقررت أشد العقوبات للزناة حتى أنها اعتبرت من يزنى بعد إحصانه غير صالح للبقاء لأنه مثل سئ وليس للمثل السئ فى الشريعة حق البقاء.
ولقد كانت البلاد الإسلامية على العموم أكثر البلاد إقبالا على الزواج وبعدًا عن الإباحية، ولكن إباحة الزنا فيها على الطريقة الأوربية نقل إليها نفس الأمراض التى يشكو منها المجتمع الأوربى، فقد أصبح الرجال يعرضون عن الزواج لأنهم ينالون حاجتهم من المرأة دون زواج، وبدأت المرأة لا تهتم بالاتصال بالرجل كزوج لأنها تستطيع أن تتصل به كما تشاء من غير طريق الزواج، وقد صحب الإعراض عن الزواج قلة النسل والعقم وتفشى الأمراض السرية، وبدأ النساء يتطلعن إلى مساواتهن بالرجال، ويزاحمنهم فى شتى الأعمال، وانحط مستوى الأخلاق
стр. 1123
والآداب العامة، وغاض الحياء من الوجوه والنفوس، ولا علاج لهذا كله إلا بالرجوع إلى الشريعة الإسلامية وتطبيق أحكامها ونبذ القوانين الوضعية والمبادئ الواهية التى تقوم عليها.
* * *
الفصل الأول
أركان جريمة الزنا
٤٨٣ - تعريف الزنا: يعرف الزنا عند المالكيين بأنه: وطء مكلف فرج آدمى لا ملك له فيه باتفاق تعمدًا (١) .
ويعرفه الحنفيون بأنه: وطء الرجل المرأة فى القبل فى غير الملك وشبهه الملك (٢) .
ويعرفه الشافعيون بأنه: إيلاج الذكر بفرج محرم لعينه خال من الشبهة مشتهًى طبعا (٣) .
ويعرفه الحنابلة بأنه: فعل الفاحشة فى قبل أو دبر (٤) .
ويعرفه الظاهريون بأنه: وطء من لا يحل النظر إلى مجردها مع العلم بالتحريم أو هو وطء محرمة العين (٥) .
ويعرفه الزيديون بأنه: إيلاج فرج فى فرج حى محرم قبل أو دبر بلا شبهة (٦) .
٤٨٤ - أركان جريمة الزنا: ظاهر مما سبق أن الفقهاء يختلفون فى تعريف الزنا، ولكنهم مع هذا الاختلاف يتفقون فى أن الزنا هو الوطء المحرم المتعمد، ومؤدى هذا أنهم متفقون على أن لجريمة الزنا ركنين: أولهما: الوطء المحرم، وثانيهما: تعمد الوطء؛ أو القصد الجنائى.
стр. 1124
وسنتناول أثناء الكلام على هذين الركنين وجوه الخلاف بين الفقهاء.
الركن الأول: الوطء المحرم
٤٨٥ - الوطء المعتبر زنا: هو الوطء فى الفرج، بحيث يكون الذكر فى الفرج كالميل فى المكحلة والرشاء فى البئر، ويكفى لاعتبار الوطء زنا أن تغيب الحشفة على الأقل فى الفرج أو مثلها إن لم يكن للذكر حشفة، ولا يشترط على الرأى الراجح أن يكون الذكر منتشرًا.
وإدخال الحشفة أو قدرها يعتبر زنا ولو دخل الذكر فى هواء الفرج ولم يمس جدره، كما أنه يعتبر زنا سواء حدث إنزال أم لم يحدث.
ويعتبر الوطء زنا ولو كان هناك حائل بين الذكر والفرج مادام هذا الحائل خفيفًا لا يمنع الحس واللذة (١) .
والقاعدة أن الوطء المحرم المعتبر زنا هو الذى يحدث فى غير ملك، فكل وطء من هذا القبيل زنا عقوبته الحد ما لم يكن هناك مانع شرعى من هذه العقوبة.
أما إذا حدث الوطء أثناء قيام الملك فلا يعتبر الفعل زنا ولو كان الوطء محرمًا، لأن التحريم فى هذه الحالة عارض، فوطء الرجل زوجته الحائض أو النفساء أو الصائمة أو المحرمة أو التى ظاهر منها أو آلى منها - كل ذلك محرم ولكنه لا يعتبر زنا (٢) .
стр. 1125
وإذا لم يكن الوطء على الصفة السابقة فلا يعتبر زنا يعاقب عليه شرعًا بالحد وإنما يعتبر معصية يعاقب عليها بعقوبة تعزيرية ملائمة (١) ، ولو كانت المعصية فى ذاتها مقدمة من مقدمات الزنا كالمفاخذة؛ أى الإيلاج بين الفخذين، وكالمباشرة خارج الفرج، كذلك يعزر على كل ما يعتبر معصية ولو لم يكن وطئًا فى ذاته كالقبلة والعناق والخلوة بالمرأة الأجنبية والنوم معها فى فراش واحد؛ لأن هذه جميعًا أفعال محرمة كما أنها من مقدمات الزنا (٢) .
والأصل فى الشريعة الإسلامية أن من حرمت مباشرته فى الفرج لاعتباره زانيًا أو لائطًا حرمت مباشرته فيما دون الفرج باعتباره عاصيًا لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجهم حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ اْلعَادُونَ﴾ (المؤمنون:٥ - ٧) .
وتحرم الشريعة الخلوة بامرأة غير محرم، وذلك لقول الرسول ﷺ : "لا يخلون أحدكم بامرأة ليست له بمحرم فإن ثالثهما الشيطان" (٣) ، فإذا حرمت الخلوة بها فلأن تحرم المباشرة أولى.
ومن القواعد الأصولية فى الشريعة: قاعدة أن ما أدى للحرام فهو حرام، فإن فعل الجانى ما لا يوجب الحد فعقوبته التعزير سواء كان ما فعله وطئًا لم تتم شروطه كالإيلاج بين الفخذين أو فى الفم، أو كان ما فعله ليس وطئًا كالخلوة بالمرأة الأجنبية، وكالعناق والقبلة والنوم معها فى فراش واحد، لأن هذه جميعًا أفعال محرمة فضلا عن أنها من مقدمات الزنا وتؤدى إليه.