عليه فأذهب عقله وشمه وبصره وكلامه وجب أربع ديات مع أرش الجرح، مع مراعاة الخلاف السابق فى مذهب أبى حنيفة، ومع مراعاة أن أبا حنيفة ومحمد يقولان بالتداخل مع العقل فقط دون غيره من المعانى، أما أبو يوسف فيقول بالتداخل مع كل المعانى الباطنة كالعقل والشم والكلام والجماع والذوق، أما البصر فلا لأنه معنى ظاهر، ومن القضايا المشهورة فى عهد عمر أن رجلاً رمى آخر بحجر فأذهب عقله وسمعه وبصره وكلامه، فقضى عليه عمر بأربع ديات وهو حى، لكن إذا مات المجنى عليه من الجناية لم تجب إلا دية واحدة، لأن ديات المنافع كلها تدخل فى دية النفس كديات الأعضاء (١) .
٣٧١- المشى والجماع: إذا ذهب المشى أو القدرة على الجماع ففى كل منهما الدية كاملة، والمعروف أن الصلب يؤثر على هذين المعنيين، فإذا كسر صلبه وأبطل جماعه فعليه ديتان لا دية واحدة كما هو رأى مالك حيث لا يرى اندراج دية الصلب فيه، وقياسًا على هذا إذا أبطل صلبه فأبطل جماعه ومشيه وجبت عليه ثلاث ديات، فإذا لم يبطل صلبه فعليه ديتان، وعلة عدم الاندراج أن الصلب ليس هو محل المنفعة فعضو المشى الأقدام وعضو الجماع الذكر.
وفى مذهب الشافعى وأحمد رأيان: رأى يرى أن فى ذهاب المشى والجماع ديتان لأنهما منفعتان مختلفتان، ورأى يرى أن فيهما دية واحدة لأنهما منفعة عضو واحد كما لو قطع لسانه فذهب نطقه وذوقه، وقياس مذهب أبى حنيفة أن يكون فيهما دية واحدة (٢) .
٣٧٢- الصعر: وتجب الدية فى الصًّعَر، وهو أن يضربه مثلاً فيصير
стр. 1052
الوجه إلى جانب، وأصل الصعر داء يأخذ البعير فيلتوى منه عنقه، قال تعالى: ﴿وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان:١٨] أى: لا تعرض عنهم بوجهك تكبرًا كإمالة وجه البعير الذى به الصعر، فمن جنى على إنسان جناية تعوج عنقه حتى صار وجهه فى جانب، فيرى أبو حنيفة وأحمد أن فيه الدية، ويرى الشافعى فى الصعر الحكومة لأنه إذهاب جمال من غير منفعة، وهو قياس مذهب مالك (١) .
٣٧٣- معان أخرى: يرى أبو حنيفة الدية فى البطش والإيلاد، وظاهر مذهبه أن كل معنى يفوت تجب فيه الدية (٢) .
أما عند مالك فيحدد بعض الشراح المعانى بعشر وهى: العقل - والسمع - والبصر - والشم - والنطق - والصوت - والذوق - وقوة الجماع والنسل - وتغيير لون الجلد ببرص أو تسويد أو تجذيم - والقيام والجلوس (٣) .
ولكن بعض الشراح لا يرى مانعًا من القياس على هذه العشر ويضيف إليها اللمس، ويرى أحمد أن فى تسويد الوجه الدية (٤) ، وفى ذهاب القدرة على الأكل الدية (٥) ، بينما يرى الشافعى فى تسويد الوجه حكومة جريًا على قاعدته التى لا توجب الدية إلا فى زوال منفعة.
ويرى الشافعى وجوب الدية فى إبطال الكلام وفى إبطال الصوت وفى إبطال قوة المضغ وفى إبطال قوة الإمناء وقوة الحبل والإحبال وإذهاب لذة الجماع ولذة الطعام (٦) .
والظاهر من مذهب الشافعى وأحمد أن المعانى التى تجب فيها الدية ليست
стр. 1053
محددة على وجه التعيين، فما ذكر فى الكتب أمثلة على المعانى التى تذهب وفيها الدية.
٣٧٤- ويجب أن نلاحظ فى هذا المقام الفرق الظاهر بين اتجاه مالك والشافعى من ناحية فى تعيين المعانى التى تجب فيها الدية وبين اتجاه أبى حنيفة وأحمد، فالأولان لا يجعلان فى المعنى دية إلا إذا كان فى فوات المعنى فوات منفعة، أما الأخيران فيجعلان فى المعنى دية إذا كان فى فوات المعنى فوات الجمال ولو لم يكن قد فاتت به منفعة.
٣٧٥- ما يجب فى فوات بعض المعنى: القاعدة عند الفقهاء أنه إذا فات المعنى كله وجبت فيه الدية، فإن فات بعضه وجب فيه بعض الدية بنسبة ما فات، هذا إذا كان التبعض معروفًا كذهاب الإبصار من عين دون أخرى، أو كذهاب السمع من أذن دون أخرى، أو كان الذاهب ممكن التقدير، أما إذا كان الغائب لا يمكن معرفة قدره فيرى الشافعى وأحمد أن فيه حكومة، وهذا هو قياس مذهب أبى حنيفة، أما مالك فيرى أن يقابل النقص بما يناسبه من الدية فى كل حال، وفى حالة تعذر التقدير الدقيق يقدر الناقص بأدنى ما يمكن وأكثر ما يمكن، وفى العمد يلزم المتعمد بالأكثر لأنه ظالم، والظالم أحق بأن يحمل عليه، وفى الخطأ يلزم المخطئ بأقل ما يمكن (١) .
ما يجب فيه أرش مقدر
٣٧٦- يجب الأرش المقدر فى الأطراف وفى الشجاج والجراح:
الأطراف التى لها أرش مقدر: شمل كلامنا عما تجب فيه الدية من الأطراف الكلام عن الأطراف التى يجب فيها أرش مقدر، ففى كل اثنين من البدن فيهما كمال الدية وفى أحدهما نصف الدية، وهذا هو الأرش المقدر، كاليدين والرجلين والعينين والأذنين والأنثيين والثديين، فأرش اليد المقدر نصف دية
стр. 1054
العينين معًا، وأرش الرجل نصف دية الرجلين معًا، وأرش العين الواحدة هو نصف دية العينين، وهكذا. ولكن مالكًا وأحمد يخالفان باقى الفقهاء فى عين الأعور.
وفى أصابع اليدين والرجلين فى كل إصبع عشر الدية، وما كان من الأصابع فيه ثلاث مفاصل ففى كل مفصل ثلث أرش الإصبع، وما كان فيه مفصلان ففى كل واحد منهما نصف الأرش، وما وجبت الدية فى أربعة منه ففى الواحد منه ربع دية وهذا هو أرشه المقدر، ففى أشفار العينين الدية، وفى ثلاثة منها ثلاثة أرباع الدية، وفى الاثنين نصفها، وفى الواحد ربع الدية، وهذا هو أرشه المقدر.
وفى كل سن - كما عرفنا - خمس من الإبل، وهذا هو الأرش المقدر للسن.
وهكذا نستطيع أن نعرف الأطراف التى فيها أرش مقدر إذا رجعنا للأطراف التى فيها الدية الكاملة والتى لها نظائر فى البدن، أما الأطراف التى لا نظائر لها فى البدن ففيها الدية الكاملة وحدها، والأرش المقدر يجب أن يكون أقل من الدية.
* * *
أرش الشجاج
٣٧٧- عرفنا مما سبق عدد الشجاج وأسماءها وأن مكانها الرأس والوجه، وبقى أن نعرف إن كان لهذه الشجاج أرش مقدر أم لا.
ومن المتفق عليه أن ما قبل الموضحة من الشجاج ليس له أرش مقدر سواء على رأى القائلين بأنها خمسة أو القائلين بأنها ستة، وهناك رواية عن أحمد بأن فى الدامية بعيرًا وفى الباضعة بعيرين وفى المتلاحمة ثلاثة وفى السمحاق أربعة، وحجته أن زيد بن ثابت قضى بهذا، ولكن هذا الرأى ليس المذهب (١) .
أما ما يجب فيه أرش مقدر من الشجاج فهو الموضحة وما بعدها؛ أى الهاشمة والمنقلة والآمةَّ والدامغة.
стр. 1055
٣٧٨- الموضحة: يجب فى الموضحة خمس من الإبل لما روى من أن رسول الله ﷺ كتب فى كتاب عمرو بن حزم: "وفى الموضحة خمس من الإبل" ولما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى ﵇ أنه قال: "فى المواضح خمس خمس". ويجب الأرش فى كل موضحة، فى الصغيرة والكبيرة، وفى البارزة والمستورة بالشعر لأن اسم الموضحة يقع على الجميع. وأرش موضحة الوجه والرأس سواء عند الأئمة الأربعة. ولكن لأحمد رأى مخالف يرى فيه أن يكون أرش موضحة الوجه مضاعفًا لأن شينها أكثر ولأنها ظاهرة ولا يسترها الشعر كما هو الحال فى موضحة الرأس (١) .
ولا يجب مع الأرش شىء آخر عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد ولو برئت الموضحة على شين، والمشهور عند مالك أنه إذا برئت على شين موضحة الوجه أو الرأس أُخذ من الجانى حكومة مقابل الشين، وهذه الحكومة علاوة على الأرش (٢) .
ولا يجب الأرش إلا فى موضحة الرأس والوجه، أما موضحة الجسد فليس فيها شئ مقدر وإنما فيها الحكومة، وإن أوضحه موضحتين بينهما حاجز وجب عليه أرش موضحتين. وإن أزال الحاجز بينهما قبل البرء فهما موضحة واحدة عليه أرشها، فإن اندملتا ثم أزال الحاجز فعليه أرش ثلاث مواضح؛ لأنه استقر عليه أرش الأولين بالاندمال، ثم لزمته الثالثة. وإن اندملت إحداهما وزال الحاجز بفعله أو بسراية لأخرى، فعليه أرش موضحتين، أما إذا زال الحاجز بفعل المجنى عليه أو بفعل أجنبى فعلى الأول أرش موضحتين، وعلى الأجنبى أرش موضحة؛ لأن فعل كل لا ينبنى على فعل الآخر، فانفرد كل بحكم جنايته، وهذا هو مذهب الشافعى وأحمد.
وإذا شجه فى رأسه شجه بعضها موضحة وبعضها دون الموضحة، لم يلزمه
стр. 1056
أكثر من أرش موضحة؛ لأنه لو أوضح الجميع لم يلزمه أكثر من ذلك فلأن لا يلزمه فى الإيضاح فى البعض أكثر من ذلك أولى (١) .
٣٧٩ - الهاشمة: ويجب فى الهاشمة - وهى التى توضح العظم - عشر من الإبل، ولم يعرف عن النبى ﷺ تقدير فيها، وإنما هو مروى عن زيد بن ثابت. والهاشمة فى الرأس والوجه والرأس خاصة عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد. أما مالك فلا يعرف الهاشمة إلا فى جراح البدن، ويضع بدلاً منها - أى الهاشمة - المنقلة فى الوجه والرأس (٢) .
ولو ضرب رأسه بمثقل فهشم العظم من غير إيضاح ففى مذهب أحمد والشافعى رأيان: أولهما يوجب الحكومة لأنه كسر عظم من غير إيضاح، والثانى يوجب خمسًا من الإبل لأنه لو أوضحه وهشمه وجب عشر من الإبل وقد وجد الهشم ففيه خمس من الإبل (٣) .
٣٨٠ - المنقلة: وتجب فى المنقلة خمس عشرة من الإبل لما روى أن رسول الله ﷺ كتب فى كتاب عمرو بن حزم: "فى المنقلة خمس عشرة من الإبل" والمنقلة زائدة على الهاشمة فهى التى تكسر العظام وتزيلها عن مواضعها فيحتاج إلى نقل العظم ليلتئم.
٣٨١- الآمة: وتسمى الآمَّة والمأمومة، وهى الجراحة الواصلة إلى أم الدماغ، وأرشها ثلث الدية لقوله ﵇ فى كتاب عمرو بن حزم: "وفى المأمومة ثلث الدية"، ولما روى عكرمة بن خالد أن النبى ﷺ قضى فى المأمومة بثلث الدية.
стр. 1057
٣٨٢- الدامغة: ويوجب الفقهاء فى الدامغة ثلث الدية، ويرى بعض فقهاء مذهبى الشافعى وأحمد أنه يجب فيهما ثلث الدية لمساواتها بالآمة وحكومة فيما زاد عنها لأنها تزيد عنها خرق جلدة الدماغ ولا يهتم الفقهاء كثيرًا بالدامغة لأنها تؤدى غالبًا للموت (١) .
* * *
أرش الجراح
٣٨٣- الجراح كما علمنا على نوعين: جائفة وغير جائفة، فأما غير الجائفة فهى الجراحات التى لا تصل إلى جوف، والواجب فيها الحكومة، فإن أوضح عظمًا فى غير الرأس والوجه أو هشمه أو نقله وجب فيه الحكومة لأنها لا تشارك نظائرها من الشجاج التى فى الرأس والوجه فى الاسم ولا تساويها فى الشين والخوف على المجنى عليه منها ولذلك لم تساوها فى تقدير الأرش.
أما الجائفة وهى التى تصل إلى الجوف من البطن أو الظهر أو الصدر أو الورك فالواجب فيها ثلث الدية لقول رسول الله ﷺ فى كتاب عمرو بن حزم: "فى الجائفة ثلث الدية".
وإن خرقه من جانب فخرج من جانب آخر فهما جائفتان عند مالك وأبى حنيفة وأحمد، أما فى مذهب الشافعى فاختلفوا فى الثقب الحاصل من الداخل إلى الخارج فاعتبره بعضهم جائفة وهو الرأى الراجح فى المذهب لأنها جراحة نافذة للموت وتساوى الآتية من الخارج ومن ثم أوجبوا فيها أرش الجائفة، أما حجة الرأى المضاد فأوجبوا فى الجراحة الثانية حكومة، لأن الجائفة عندهم ما تصل من الخارج إلى الداخل (٢) .
* * *
стр. 1058
هل تتساوى الديات لكل الأشخاص الأنثى ثم بعدها التكافؤ
٣٨٤- دية الأنثى فيما دون النفس: يرى أبو حنيفة والشافعى أن دية المرأة على النصف من دية الرجل نفسًا وجرحًا وأطرافًا (١) ، فأرش إصبع الرجل عشرة من الإبل وأرش إصبع المرأة خمس من الإبل، وأرش الهاشمة فى الرجل عشر من الإبل وفى المرأة خمس، وأرش الجائفة فى الرجل ثلث ديته وأرش الجائفة فى المرأة ثلث ديتها، وهى على النصف من دية الرجل.
أما مالك وأحمد فعندهما أن أرش جراح المرأة يساوى أرش جراح الرجل إلى ثلث الدية فإن جاوز الأرش ثلث الدية فللمرأة نصف ما يجب للرجل، فمثلاً إذا قطع لامرأة ثلاث أصابع أخذت أرشها ثلاثين من الإبل كما يأخذ الرجل لأن الأرش لم يجاوز ثلث الدية، فإذا كان المقطوع أربع أصابع أخذت أرشها عشرين من الإبل لأن أرش الأصابع الأربع أربعون من الإبل، وهذا القدر يزيد على ثلث الدية فتأخذ النصف فقط (٢) ، وهذه القاعدة مطلقة غير مقيدة بقيد عند أحمد، أما مالك فيقيدها بقيدين:
أولهما: اتحاد الفعل أو ما فى حكمه، ويقصد باتحاد الفعل الضربة الواحدة ولو أصابت أكثر من محل، كما لو ضرب الجانى المجنى عليها ضربة واحدة فأصابت يديها معًا أو يدها ورجلها، ويقصد بما فى حكم اتحاد الفعل تعدد الضربات فى فور واحد سواء أصابت محلاً واحدًا أم أكثر، فإذا اتحد الفعل أو كان فى حكم المتحد فإن للمجنى عليها أرش إصابتها كاملاً، وإذا لم يزد مجموعة على ثلث الدية فإن زاد فلها النصف فقط، ولا ينظر إلى كل إصابة وحدها فمثلاً لو ضربها ضربة واحدة أو ضربتين فى فور واحد فأصاب إصبعين من كل يد فمجموع أرش الاصابع الأربع أربعون من الإبل، وهذا المجموع يزيد على ثلث الدية فيكون المستحق لها النصف فقط، ولو ضربها فأصاب أربعة أصابع من يد واحدة فالحكم هو نفس ما سبق.
стр. 1059
والقيد الثانى: هو اتحاد المحل، ويراعى هذا القيد سواء اتحد الفعل أو لم يتحد الفعل، فمثلاً إذا ضربها فأصاب من يدها اليمنى ثلاث أصابع فدية الأصابع الثلاث ثلاثون من الإبل وهى لا تبلغ ثلث الدية فتستحقها كلها، فلو ضربها هو أو غيره مرة ثانية فأصاب إصبعًا أخرى من نفس اليد فأرشها خمس من الإبل لأن مجموع أرش هذه الإصبع مع أرش الثلاث المقطوعة سابقًا يزيد على ثلث الدية. وكذلك الحكم لو أصابت من المرة الثانية هذه الإصبع وإصبعين من اليد الأخرى فإنه يأخذ خمسًا من الإبل فى الإصبع الرابعة من اليد اليمنى وعشرين فى الإصبعين المقطوعين من اليسرى لأنه قطع بضربته ثلاث أصابع أرشها لا يبلغ ثلث الدية فتستحق عن كل إصبع عشرة من الإبل؛ لكن لما كان الإصبع الرابع من اليد اليمنى تطبق فيه قاعدة اتحاد المحل فلا تستحق فيه إلا خمسًا من الإبل، وتراعى قاعدة اتحاد المحل على الرأى الراجح فى الأصابع فقط ولا تراعى فى الأسنان ولا فى المواضح والمناقل، وتراعى قاعدة اتحاد الفعل وما فى حكمه فى كل الأحوال فلو شجت المرأة منقلتين فى فور واحد فأرشهما ثلاثون من الإبل لأن مجموع أرشهما لا يبلغ ثلث الدية، ولو شجت أربع مناقل فى فور واحد أو بضربة واحدة فمجموع أرشها ستون من الإبل وهو يزيد على ثلث الدية فيكون لها النصف من دية الرجل وهو ثلاثون من دية الإبل، فإذا أصيبت بعد شفائها بمنقلة أخرى أو منقلتين أخذت أرشهما كاملاً لأنه لا يبلغ ثلث الدية ولأن قاعدة اتحاد المحل لا تراعى فى المناقل (١) .
٣٨٥- الأرش غير المقدر أو الحكومة: يجب الأرش غير المقدر فى الجنايات الواقعة على ما دون النفس مما لا قصاص فيها وليس لها أرش مقدر، ويسمى الأرش غير المقدر فى اصطلاح الفقهاء حكومة أو حكومة العدل.
ومعنى الحكومة عند الأئمة الأربعة: أن تقدر قيمة المجنى عليه باعتباره عبدًا قبل الجرح ثم تقدر قيمته بعد الجرح والبُرْء منه ثم تعرف نسبة النقص فى القيمة
стр. 1060
ثم يؤخذ من الدية بنسبة هذا النقص، فذلك هو ما يستحقه المجنى عليه، ولكن يشترط أن لا تبلغ الحكومة أرش جرح مقدر. فمثلاً إذا كان الجرح مما قبل الموضحة كالسمحاق فلا يجوز أن يبلغ أرش الموضحة، وحكى عن مالك أنه ما تخرجه الحكومة كائنًا ما كان لأنها جراحة لا مقدر فيها فوجب فيها ما نقص كما لو كانت فى سائر البدن.
ويرى بعض الفقهاء فى مذهب الشافعى أن يكون التقدير بالنسبة للعضو الذى حدثت به الإصابة لا بالنسبة لنفس، أى أنه علم نسبة النقص قدر النقص على أساس دية العضو الذى أصيب لا على أساس دية النفس، فإن كان النقص هو العشر مثلاً والجناية على اليد فالحكومة عشر دية اليد لا عشر دية النفس، وإن كانت الجناية على إصبع فالحكومة عشر دية الإصبع. وحجة هؤلاء أن اعتبار دية النفس قد يؤدى إلى أن تزيد الحكومة على دية الطرف الذى حدثت به الجناية.
وطريقة التقدير على أساس فرض المجنى عليه عبدًا لا تصلح اليوم لأن الرقيق أبطل من العالم فلا يمكن معرفة القيم المختلفة.
ولقد علمنا أن بعض الفقهاء فى مذهب أحمد والشافعى يرون أن ما قبل الموضحة إذا أمكن معرفة قدره من الموضحة وجب فيها على قدر ذلك من أرش الموضحة، ولعل هذه الطريقة يمكن استخدامها الآن فى تقدير الحكومة؛ فيقدر كل ما فيه حكومة على أساس ما فوقه مما له أرش مقدر.
ويشترط الفقهاء فى تقدير الحكومة أن يكون التقدير بمعرفة ذوى عدل من الفنيين فيأخذ القاضى بقولهما، وأن يكون التقدير بعد البرء لا قبله، ويصح أن يجتهد القاضى فى التقدير.
ومن المتفق عليه أن الحكومة تجب إذا شفى الجرح على شين، فإذا شفى على غير شين فقد اختلفوا، فيرى أحمد والشافعى أن الحكومة تجب ولو شفى الجرح على غير شين، ويرى مالك التعزير فقط، ويرى أبو يوسف أن فيها حكومة الألم، ويرى محمد أن فيها أجرة الطبيب (١) .
стр. 1061
وحين يقول بعض الفقهاء إن الجروح إذا برئت على غير شين ليس فيها شئ فمعنى ذلك أن ليس فيها مال، أما التعزير فواجب فيها طبقًا للقواعد العامة؛ لأن الجناية اعتداء، وكل اعتداء ليس فيه حد مقدر فيه التعزير.
وكل جناية لم تترك أثرًا إطلاقًا كاللطمة واللكم والضرب بمثقل لا يترك أثرًا ولا يلون الجسم ليس فيها ضمان وإنما فيها التعزير.
٣٨٦- مقدار الدية فيما دون النفس عمدًا هو مقدار الدية فى النفس عمدًا: مائة من الإبل، وهى مربعة على ما يرى مالك وأبو حنيفة وأحمد، ومثلثة على ما يرى الشافعى ومحمد بن الحسن كما ذكرنا قبلاً.
وإذا كان المستحق أقل من دية كاملة روعيت النسبة فى أوصاف الإبل، فمثلاً إذا كان الأرش عشرة من الإبل كان أرباعًا أو أثلاثًا على حسب الرأيين المختلفين اللذين ذكرناهما.
٣٨٧- الأجناس التى تجب فيها الدية: هى نفس الأجناس التى سبق الكلام عليها فى العمد فى النفس.
٣٨٨- تغليظ الدية: يرى بعض فقهاء مذهب أحمد أن الدية تغلظ فى العمد وفى الخطأ وفى النفس وما دون النفس، ويرى البعض أنها لا تغلظ إلا فى القتل الخطأ فقط وأنها لا تغلظ فيما دون النفس (١) .
ويرى مالك أنها تغلظ فيما دون النفس فى العمد فى حالة واحدة وهى جنايات الوالد على ولده، وكيفية لتغليظ عنده تثليث الدية (٢) ، أما أبو حنيفة والشافعى فلا يريان التغليظ فيما دون النفس، ولكن الشافعى يرى التغليظ فى الخطأ فيما دون النفس كما هو الحال فى النفس، كما ورد ذلك فى الجزء السابع من نهاية المحتاج.
стр. 1062
٣٨٩- من يحمل الدية فى العمد؟: يحمل الدية فى العمد الجانى فى كل الأحوال باتفاق الفقهاء، ولكن مالكًا يستثنى فى حالة العمد أرش الجراح التى لا يمكن القصاص فيها خوف تلف الجانى كالجائفة والآمة وكسر العمد، ويرى أن العاقلة تحمل مع الجانى ما يبلغ ثلث دية الجانى والمجنى عليه من هذه الجراح بشرط أن لا تكون الجناية قد تثبتت على الجانى بالاعتراف لأن العاقلة لا تحمل اعترافًا (١) .
٣٩٠- هل تجب الدية حالة؟: تجب الدية حالَّة فى العمد عند مالك والشافعى وأحمد، وتجب مؤجلة إلى ثلاث عند أبى حنيفة وما يحمله مالك للعاقلة من العمد يجب مؤجلاً إذا زاد على ثلث دية المجنى عليه أو الجانى (٢) ، والمعتبر فى التأجيل أن الدية الكاملة تؤجل فى ثلاث سنوات، فلا يقل القسط عن ثلث الدية، وما زاد عن الثلث يدفع فى السنة الثانية، فإن كان الواجب أكثر من الثلثين دفع ما زاد عن الثلثين فى السنة الثالثة.
٣٩١- التداخل فى الديات: تكلمنا فيما سبق عن التداخل بمناسبة الكلام على ديات الأطراف والمعانى، ونرى أنه من الأفضل أن تجمع أحكام التداخل فى مكان ليكون ذلك أعوان على فهمها.
تداخل ديات الأطراف: لا تتداخل دية طرف فى طرف، وإنما تتداخل دية بعض الطرف فى دية بعضه الآخر إذا كانت دية البعض هى دية الكل، أو كانت دية الكل تشمل دية البعض.
فاليد طرف فيها دية واحدة إذا قطعت الكف مع الأصابع، وإذا قطعت الأصابع وحدها ففيها الدية، فإذا قطعت الكف بعد ذلك ففيها حكومة لأن ديتها
стр. 1063
دخلت فى دية الأصابع ومثل اليد الرجل، والأجفان فيها الدية، والأهداب فيها الدية أيضًا على رأى، فإذا قطع الأجفان مع الهدب ففيهما دية واحدة لأنهما عضو واحد، وإذا قطعت الأهداب ففيها الدية فإذا قطعت الأجفان بعدها ففيها حكومة لأن ديتها دخلت فى دية الأهداب.
وفى الثدى الدية، وفى حلمة الثدى الدية، وإذا قطع الثدى والحلمة معًا ففيهما دية واحدة لأن العضو واحد، فإذا قطعت الحلمة وحدها فيها الدية، وإذا قطع الثدى بعد ذلك ففيه حكومة لأن ديته دخلت فى دية الحلمتين.
وفى الذكر الدية، وفى الحشفة الدية، فإذا قطع الذكر كله ففيه دية واحدة، وإذا قطعت الحشفة وحدها فلا دية للباقى، لأن ديته تدخل فى دية الحشفة.
وفى الأنملة ثلث دية الإصبع إلا الإبهام فنصفه، وفى الظفر خمس دية الإصبع عند أحمد، فلو قطعت الأنملة من الظفر فأرش الأنملة هو الواجب، لأن أرش الظفر دخل فى أرش الأنملة.
تداخل ديات المعانى: لا تتداخل دية معنى فى معنى آخر ولو كان محلهما واحدًا، فكل معنى مستقل له دية مستقلة لا تدخل فى معنى غيره، وإنما تتداخل ديات المعانى فى ديات محلها من الأطراف، فإذا كان الطرف محلاً لمعنى فزال المعنى وحده وبقى الطرف وجبت الدية فى المعنى، وإذا زال الطرف مع المعنى دخلت دية المعنى فى دية الطرف ووجبت دية واحدة، فالعين محل الإبصار فإذا فقئت العين فزال الإبصار وجبت دية واحدة لزوال الطرف وهو العين ومعناه وهو الإبصار، وإذا بقيت العين قائمة وزال الإبصار وجبت دية واحدة للمعنى.
تداخل أروش الجراح والشجاج: لا تدخل أروش الجراح والشجاج بعضها فى بعض إلا إذا اتصل بعضها ببعض قبل الاندمال بفعل الجانى أو بالسراية، فمن أوضح آخر موضحتين أو أجافه جائفتين بينهما حاجز ثم خرق الحاجز أو ذهب الحاجز بالسراية فعليه أرش موضحة واحدة وجائفة واحدة، فإذا زال الحاجز بفعل غير الجانى وبغير السراية فعليه أرش موضحتين وجائفتين.
стр. 1064
تداخل ما دون النفس فى النفس: وهناك بعد ذلك تداخل أعم، وهو تداخل ديات ما دون النفس فى دية النفس، ولكن لا تدخل دية ما دون النفس فى النفس إلا إذا كانت الأفعال كلها من نوع واحد كأن كانت كلها عمدًا أو خطأ أو شبه عمد، وكانت الجناية على النفس قبل برء الجنايات على ما دون النفس؛ فإذا توفر هذان الشرطان دخل ما دون النفس فى النفس ووجبت دية واحدة فقط. أما إذا برئ بعض ما دون النفس قبل الجناية على النفس فلا يدخل فى النفس إلا ما لم يندمل، وتجب ديات ما برئ قبل الجناية على النفس، ودية النفس. والفرق بين هذه الحالة والحالة السابقة أن ما برئ قبل النفس استقر حكمه وثبت فى ذمة الجانى، فإن قتل عمدًا والجنايات على الأطراف خطأ وجبت ديات الأطراف ودية النفس، وكذلك لو كان القتل خطأ والجنايات الأخرى عمدًا ولو كان الجانى واحدًا وهذا هو الرأى الراجح (١) .
* * *
العقوبات البدلية الثانية
التعزير
٣٩٢- تكلمنا عن التعزير كعقوبة بدلية للقصاص فى حالة الجناية على النفس، وما قلناه هناك ينطبق مع مراجعة ما كتبناه عن التعزير كعقوبة أصلية.
عقوبة الجناية على ما دون النفس خطأ
٣٩٣- عقوبة الجناية على ما دون النفس خطأ هى الدية أو الأرش: وهى العقوبة الأصلية الوحيدة وليس ثمة من عقوبة بدلية لازمة للدية، ولكن إذا شاءت الهيئة التشريعية أن تجعل لهذه الجناية عقوبة تعزيرية أصلية أو بدلية فليس فى نصوص الشريعة ما يمنع هذا. وإذا كان مالك يوجب التعزير فى العمد ولا يوجبه
стр. 1065
فى الخطأ فليس معنى ذلك أنه يمنع من التعزير فى الخطأ وإنما معناه أنه رأى عقوبة التعزير واجبة فى العمد للردع ولم يرها كذلك فى حالة الخطأ.
والدية يقصد منها الدية الكاملة، والأرش يقصد به ما هو أقل من الدية، والأرش مقدر وغير مقدر، وقد تكلمنا عن هذه المعانى جميعها بمناسبة الكلام على الدية فى العمد، ولا فرق بين ما قيل هناك وما يمكن أن يقال هنا.
٣٩٤- ومقادير الدية وما تجب فيه كاملة وناقصة وما تجب فيه الحكومة كل ذلك قد تكلمنا عنه بمناسبة الكلام على الجناية على ما دون النفس عمدًا، والواقع أنه لا فرق بين عقوبة الدية فى العمد والخطأ من حيث الوجوب وما تجب فيه، والأجناس التى تجب فيها الدية، وغير ذلك من المواضع التى تكلمنا فيها بمناسبة الكلام على الدية، ونستطيع أن نحصر الفرق بين الديات فى الخطأ وبينها فى العمد فيما يأتى:
١- من يحمل الدية؟: يحملها فى العمد الجانى كما ذكرنا إلا ما استثناه مالك، ويحملها فى الخطأ باتفاق العاقلة، ويرى الشافعى وأحمد أن الجانى لا يحمل مع العاقلة شيئًا، ويرى أبو حنيفة ومالك أنه يحمل معها، والمقدار الذى تحمله العاقلة يختلف بحسب آراء الفقهاء لما ذكرنا فى القتل الخطأ.
٢- أوصاف الإبل: الدية فى الخطأ تجب مخمسة باتفاق الفقهاء.
٣- التغليظ فى الخطأ: يرى بعض الفقهاء فى مذهب أحمد كما يرى الشافعى التغليظ فيما دون النفس ولكن الظاهر (١) أن المذهب هو عدم التغليظ ولا يرى أحد من الأئمة الآخرين التغليظ فى الخطأ فيما دون النفس.
٤- تأجيل الدية: تجب دية الخطأ مؤجلة فى ثلاث سنين إذا كانت كاملة.
* * *
стр. 1066
الفصل الثالث
الجناية على ما هو نفس من وجه دون وجه
أى الجناية على الجنين أو الإجهاض
٣٩٥- يعبر الحنفية عن هذه الجناية بالجناية على ما هو نفس من وجه دون وجه؛ لأن الجنين يعتبر نفسًا من وجه، ولا يعتبر كذلك من وجه آخر، فيعتبر نفسًا من وجه لأنه آدمى، ولا يعتبر كذلك لأنه لم ينفصل عن أمه، ويعللون ذلك بأن الجنين ما دام مختبئًا فى بطن أمه فليس له ذمة صالحة أو كاملة ولا يعتبر أهلاً لوجوب الحق عليه لكونه فى حكم جزء من الأم، لكنه لما كان منفردًا بالحياة فهو نفس وله ذمة وباعتبار هذا الوجه يكون أهلاً بوجوب الحق له من إرث ونسب ووصية ... إلخ (١) .
ولذلك اعتبر نفسًا من وجه إذا نظرنا إلى أنه أهل لوجوب الحق له، ولم يعتبر كذلك من وجه آخر إذا نظرنا إلى أنه ليس أهلاً لوجوب الحق عليه وصار نفسًا من كل وجه؛ فإذا انقلب على مال إنسان فأتلفه ضمنه، وإذا زوجه وليه لزمه مهر امرأته فى ماله.
٣٩٦- ويعبر المالكية والشافعية والحنابلة عن هذه الجناية بالجناية على الجنسين، ولكن اختلاف الفقهاء فى التعبير عن الجناية ليس له أية أهمية لأن ما يقصده هؤلاء من تعبيرهم هو ما يقصده الآخرون بالذات، ومحل الجناية عندهم جميعًا هو إجهاض الحامل والاعتداء على حياة الجنين، أو هو كل ما يؤدى إلى انفصال الجنين عن أمه (٢) .
стр. 1067
٣٩٧- ما يجهض الحامل: تقع هذه الجناية كلما وجد ما يوجب انفصال الجنين عن أمه، وقد ينفصل الجنين حيًا وقد ينفصل ميتًا، وتعتبر الجناية تامة بحدوث الانفصال بغض النظر عن حياة الجنين أو موته، وإن كان لكل حالة عقوبتها الخاصة؛ إذ العقوبة فى هذه الجناية تختلف باختلاف نتائج الفعل كما سنبين ذلك عند الكلام على العقوبة.
ولا يشترط فى الفعل المكون للجناية أن يكون من نوع خاص، فيصح أن يكون عملاً ويصح أن يكون قولاً، ويصح أن يكون الفعل ماديًا ويصح أن يكون معنويًا.
ومن الأمثلة على الفعل المادى: الضرب، والجرح، والضغط على البطن، وتناول دواء أو مواد تؤدى للإجهاض، وإدخال مواد غريبة فى الرحم، أو حَمل حمْل ثقيل (١) .
٣٩٨- ومن الأمثلة على الأقوال والأفعال المعنوية: التهديد، والإفزاع، والترويع كتخويف الحامل بالضرب أو القتل، والصياح عليها فجأة، وطلب ذى شوكة لها أو لغيرها أو دخول ذى شوكة عليها (٢) . ومن الوقائع المشهورة فى هذا الباب أن عمر رضى الله عنه بعث إلى امرأة كان يدخل عليها فقالت: يا ويلها ما لها ولعمر، فبينما هى فى الطريق إذ فزعت فضربها الطلق فألقت ولدًا فصاح صيحتين ثم مات، فاستشار عمر أصحاب النبى ﷺ فأشار بعهم أن ليس عليك شئ، إنما أنت والِ ومؤدب، وصمت على فأقبل عليه عمر فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا فى هواك فلم ينصحوا لك إن ديته عليك لأنك أفزعتها فألقته، فقال عمر: أقسمت عليك أن لا تبرح حتى تقسمها على قومك (٣) .
стр. 1068
ومن الأمثلة على الأفعال المعنوية: تجويع المرأة أو صيامها، فلو صامت فأدى الصوم إلى الإجهاض كانت مسئولة عن الجناية، ومثل ذلك شم ريح ضار بالحامل (١) .
ويرى بعض الفقهاء أن من يشتم امرأة شتمًا مؤلمًا يسأل جنائيًا إذا أدى شتمه إلى إجهاض المرأة (٢) .
ويصح أن يقع الفعل المكون للجناية من الأب أو الأم أو من غيرهما، وأيًا كان الجانى فهو مسئول عن جنايته ولا أثر لصفته على العقوبة المقررة للجريمة.
٣٩٩- انفصال الجنين: ولا تعتبر الجناية على الجنين قائمة ما لم ينفصل الجنين عن أمه، فمن ضرب امرأة على بطنها أو أعطاها دواء فأزال ما ببطنها من انتفاخ أو أسكن حركة كانت تشعر بها فى بطنها لا يعتبر أنه جنى على الجنين لأن حكم الولد لا يثبت إلا بخروجه ولأن الحركة يجوز أن تكون لريح فى البطن سكنت، فهناك شك فى وجود أو موت الجنين، ولا يجب العقاب بالشك، وهذا هو رأى الفقهاء الأربعة وأساسه عدم اليقين من وجود الجنين أو موته (٣) .
ولكن الزهرى يرى أن على الجانى العقوبة لأن الظاهر أنه قتل الجنين.
والرأى الذى يجب العمل به اليوم بعد تقدم الوسائل الطبية أنه إذا أمكن طبيًا القطع بوجود الجنين وموته بفعل الجانى فإن العقوبة تجب على الجانى، وهذا الرأى لا يخالف فى شئ رأى الأئمة الأربعة لأنهم منعوا العقاب للشك، فإذا زال الشك وأمكن القطع وجبت العقوبة، ولا يكفى انفصال الجنين لمسئولية الجانى بل يجب أن يثبت أن الانفصال جاء نتيجة لفعل الجانى، وأن علاقة السببية قائمة بين فعل الجانى وانفصال الجنين.
стр. 1069
٤٠٠- والجنين هو كل ما طرحته المرأة مما يعلم أنه ولد: ويرى مالك مسئولية الجانى عن كل ما ألقته المرأة مما يعلم أنه حمل سواء كان تام الخلقة أو كان مضغة أو علقة أو دمًا. ويرى أشهب من فقهاء المالكية أن لا مسئولية عن طرح الدم، وإنما المسئولية عن طرح العلقة والمضغة، بينما يرى ابن القاسم المالكى أيضًا مسئولية الجانى عن الدم المجتمع الذى إذا صب عليه الماء الحار لا يذوب، لا الدم المجتمع الذى إذا صب عليه الماء الحار يذوب لأن هذا لا شئ فيه (١) .
٤٠١- ويرى أبو حنيفة والشافعى مسئولية الجانى عما تطرحه المرأة إذا استبان بعض خلقه، فإذا ألقت مضغة لم يتبين فيها شئ من خلقه فشهد ثقات بأنه مبدأ خلق آدمى لو بقى لتصور فالجانى مسئول أيضًا (٢) .
٤٠٢- ويرى الحنابلة مسئولية الجانى إن أسقطت المرأة ما فيه صورة آدمى، فإن أسقطت ما ليس فيه صورة آدمى فلا مسئولية حيث لا دليل على أنه جنين، وإذا ألقت مضغة فشهد ثقات أن فيه صورة خفية كان الجانى مسئولاً جنائيًا. وإن شهدوا أنه مبدأ خلق آدمى لو بقى لتصور ففيه وجهان: أصحهما: لا مسئولية عنه لأنه لم يتصور فهو فى حكم العلقة ولأن الأصل البراءة فلا مسئولية بالشك، والثانى: يسأل لأنه مبتدأ خلق آدمى أشبه ما لو تصور (٣) .
والجنين قد ينفصل عن أمه حيًا وقد ينفصل ميتًا، وللتفرقة بين الحالتين أهمية كبرى لأن العقوبة تختلف باختلاف الحالين.
وتثبت الحياة للجنين بكل ما يدل على الحياة من الاستهلال - أى الصياح - والرضاع والتنفس والعطاس وغير ذلك، ومجرد الحركة لا يعتبر دليلاً قاطعًا على الحياة لأن الحركة قد تكون من اختلاج الجسم إثر خروجه من ضيق فوجب أن تكون الحركة بحيث تقطع بحياة الجنين، أو أن يكون هناك دليل آخر على الحياة (٤) .
стр. 1070
٤٠٣- ويشترط الحنابلة لاعتبار الجنين منفصلاً حيًا أن تكون الحياة مستقرة فيه، فلا يكون فى حالة نزع أو فى الرمق الأخير، وأن يكون سقوطه أو انفصاله لوقت يعيش لمثله أى أن يكون لستة أشهر فصاعدًا، فإن كان لدون ذلك اعتبر أنه انفصل ميتًا ولو انفصل والحياة فيه لأنها حياة لا يتصور بقاؤها، ولأن الجنين لا يعيش غالبًا إذا انفصل لأقل من ستة أشهر وبهذا الرأى قال المزنى من أصحاب الشافعى (١) .
٤٠٤- ويعتبر المالكية والحنفية والشافعى الجنين منفصلاً حيًا عن أمه ولو انفصل لأقل من ستة أشهر ما دام قد انفصل وفيه الحياة، ولا يعتبرونه منفصلاً ميتًا إلا إذا انفصل فاقد الحياة. وإذا علمت حياته قبل تمام الانفصال كما لو خرج رأسه فصرخ مرارًا ثم تم انفصاله ميتًا فيعتبر أنه انفصل ميتًا لا حيًا لأن العبرة بحالة الجنين عند تمام الانفصال (٢) .
٤٠٥- ويشترط مالك وأبو حنيفة لمسئولية الجانى عن قتل الجنين أن يكون انفصال الجنين قد حدث فى حياة الأم، فإن انفصل عنها بعد وفاتها فلا يسأل الجانى عن قتله إذا انفصل ميتًا لأن موت الأم سبب ظاهر لموته إذ حياته بحياتها وتنفسه بتنفسها فتحقق موته بموتها فضلاً عن أنه يجرى مجرى أعضائها وموتها يسقط حكم أعضائها، وعلى هذا فمن المشكوك فيه أن تكون وفاة الجنين نتيجة لفعل الجانى، ولا ضمان ولا عقاب بالشك.
أما إذا انفصل الجنين حيًا بعد موت الأم فالجانى مسئول عن قتله وعليه ديته إذا مات بفعله، فإن لم يمت فعليه التعزير، وإذا انفصل بعضه ميتًا فى حياتها ثم انفصل كله بعد موتها فحكمه حكم انفصاله كله ميتًا بعد موتها (٣) .
٤٠٦- ويرى الشافعى وأحمد مسئولية الجانى سواء انفصل الجنين بعد
стр. 1071
وفاة الأم أو فى حياتها، وسواء انفصل حيًا أو ميتًا؛ لأن الجنين تلف بجناية الجانى وعلم ذلك بخروجه فوجبت المسئولية كما لو سقط فى حياتها، ولأنه لو سقط حيًا ضمنه فكذلك إذا سقط ميتًا، وليس صحيحًا أن حكمه حكم أعضاء الأم لأنه لو كان كذلك لكان إذا سقط ميتًا ثم ماتت لم يضمنه كأعضائها، وفضلاً عن ذلك فهو آدمى موروث فلا يدخل فى ضمان أمه، وكذلك الحكم لو انفصل بعضه من بطن أمه وخرج باقية أو لم يخرج حيث تيقن وجود الجنين أولاً وتيقن قتله ثانيًا (١) .
٤٠٧- ونستطيع أن نقول بعد تقدم الوسائل الطبية أن الرأى الذى يجب العمل به هو مسئولية الجانى إذا تبين بصفة قاطعن أن الانفصال ناشئ عن فعل الجانى سواء انفصل الجنين فى حياة أمه أو بعد وفاتها، وسواء انفصل كله أو بعضه. وهذا الرأى يتفق مع كل المذاهب لأن الذين يمنعون المسئولية يمنعونها للشك وعدم التيقن فإذا زال الشك بالوسائل الطبية الحديثة وجبت المسئولية.
٤٠٨- قصد الجانى: مذهب مالك على أن الجناية على الجنين قد تكون عمدية وقد تكون خطأ، فهى عمدية إذا تعمد الجانى الفعل، وهى غير عمدية إذا أخطأ الجانى بالفعل. ويتفق مذهب مالك مع الرأى المرجوح فى مذهب الشافعى (٢) .
٤٠٩- والقائلون بأن الجناية عمدية يختلفون فى وجوب القصاص من الفاعل إذا انفصل الجنين حيًا ثم مات بسبب الجناية، فبعض المالكية يوجب القصاص والبعض يوجب الدية، وأصحاب الرأى الراجح فى المذهب يوجبون القصاص إذا كان الفعل فى الغالب مؤديًا لنتيجة كالضرب على الظهر والبطن، ويوجبون الدية إذا لم يكن الفعل مؤديًا لنتيجة غالبًا كالضرب على اليد والرجل (٣) .
стр. 1072
٤١٠- وأصحاب الرأى الراجح فى مذهب الشافعى يرون مع الحنفية والحنابلة أن الجناية على الجنين لا تكون عمدًا محضًا وإنما هى شبه عمد أو خطأ، فهى شبه عمد إذا تعمد الجانى الفعل وهى خطأ إذا أخطأ به.
ولا تعتبر الجناية عمدية حال تعمد العمل لأن العمد المحض بعيد التصور لتوقفه على العلم بوجود الجنين وبحياته، كما يتوقف على قد قتله وهو بعيد التصور (١) .
ويحتج هذا الفريق لرأيه بما روى عن جابر بن عبد الله أن النبى ﷺ جعل فى الجنين غُرَّة على عاقلة الضارب، والعاقلة لا تحمل العمد، فلو اعتبر الرسول العمد فى هذه الجناية لَماَ جعل الغرة على العاقلة.
٤١١- وتظهر أهمية التفرقة بين العمد وغير العمد فى حالة انفصال الجنين حيًا، حيث يرى بعض القائلين بعمدية الجناية القصاص من الجانى بينما العقاب على غير العمد هو الدية، أما فى حالة انفصال الجنين ميتًا فلا فرق بين العمد وغير العمد فى نوع العقوبة؛ لأن العقوبة متفق عليها فى كل الأحوال وهى الغرة، وإنما يظهر الفرق فى صفة العقوبة حيث تغلظ الغرة فى حالة العمد وشبه العمد ولا تغلظ فى حالة الخطأ (٢) ، كذلك يظهر الفرق فى تحمل العقوبة حيث تكون فى مال الجانى وحده فى حالة العمد، وتكون فى ماله أو مال العاقلة وحدها فى حالتى شبه العمد والخطأ، على حسب التفصيل الذى ذكرناه عند الكلام على تحمل الديات (٣) .
٤١٢- العقوبة المقررة للجناية على الجنين: تختلف العقوبة المقررة للجناية على الجنين باختلاف نتائج فعل الجانى، وهذه النتائج لا تخرج عن خمس:
الأولى: أن ينفصل الجنين عن أمه ميتًا، الثانية: أن ينفصل الجنين عن أمه حيًا ثم يموت بسبب الفعل، الثالثة: أن ينفصل الجنين عن أمه حيًا ثم يموت أو يعيش بسبب آخر غير الفعل، الرابعة: أن لا ينفصل الجنين عن أمه
стр. 1073
أو ينفصل بعد وفاتها، الخامسة: أن يترتب عل الفعل إيذاء الأم أو إصابتها بإصابات تشفى منها أو تؤدى لموتها. وسنتكلم عن هذه النتائج واحدة بعد أخرى والعقوبات المقررة لها.
٤١٣- أولاً: انفصال الجنين عن أمه ميتًا: إذا انفصل الجنين عن أمه ميتًا فعقوبة الجانى هى دية الجنين، ودية الجنين غرة عبدًا أو أمَة قيمتها خمس من الإبل.
والأصل فى الغرة ما روى عن عمرو رضى الله عنه أنه استشار الناس فى إمْلاص المرأة، فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبى ﷺ قضى فيه بغُرَّة عبد أو أمة، فقال: لتأتين بمن يشهد معك، فشهد له محمد بن مسلمة. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما فى بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى الرسول أن دية جنينها عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولها ومن معهم " (١) .
والغرة فى اللغة الخيار، وسمى العبد والأمة غرة لأنهما من أنفس الأموال. ويشترط الفقهاء فى العبد أو الأمة شروطًا خاصًا لم نر داعيًا لذكرها بعد أن أبطل الرق فى العالم، وبعد أن أجمع الفقهاء على تقدير الغرة بخمس من الإبل.
٤١٤- وتجب الغرة فى الجنين الذكر وفى الجنين الأنثى: ولا فرق فى قيمة ما يجب لكل منهما، ويقدر الفقهاء دية الجنين الذكر بنصف عشر الدية الكاملة، ودية الجنين الأنثى بعشر دية الأم، ولما كانت دية المرأة نصف دية الرجل فالنتيجة أن دية الجنين الأنثى تساوى نصف عشر الدية الكاملة (٢) .
وتجب الغرة فى حالتى العمد والخطأ معًا، ولا فرق بين الحالتين إلا أن دية الجنين تغلظ فى حالة العمد وتخفف فى حالة الخطأ (٣) ، وإلا أنها حالَّة فى مال الجانى
стр. 1074
المتعمد لا تحمل العاقلة منها شيئًا، أما فى حالة الخطأ ويلحق بها شبه العمد فتحمل العاقلة الدية وحدها أو مع الجانى على حسب الآراء المختلفة التى فصلناها عند الكلام على الدية فى القتل.
والغرة تورث على الجنين على فرائض الله، وفى مذهب مالك رأى مرجوح بأنها للأم دون غيرها وهو مذهب الليث، ومن المتفق عليه أن القاتل لا يرث شيئًا من الغرة إذ لا ميراث للقاتل (١) .
وتتعدد الغرة بتعدد الأجنة، فلو ألقت الحامل جنينين حيين فعلى الجانى غرتان، وإذا ألقت ثلاثة فعلية ثلاثة، وهكذا (٢) .
وإذا ماتت الأم بعد وجوب الغرة فلا تدخل الغرة فى دية الأم بل تجب الغرة للجنين والدية للأم (٣) .
٤١٥- ثانيًا: انفصال الجنين عن أمه حيًا وموته بسبب الفعل: إذا انفصل الجنين عن أمه حيًا ومات بسبب فعل الجانى فالعقوبة القصاص عند من يراه من القائلين بوجود العمد، أو هى الدية الكاملة عند غيرهم من القائلين بأن الفعل عمد أو القائلين بأنه شبه عمد، وكذلك العقوبة الدية باتفاق فى حال الخطأ، والفرق بين دية العمد وشبه العمد والخطأ ليس فى عدد الإبل وإنما فى صفاتها، أو هو الفرق بين التغليظ والتخفيف، كما أن دية العمد تكون فى مال الجانى وتكون حالَّة دائمًا، بينما دية شبه العمد والخطأ ليست حالة وتحمله العاقلة وحدها أو مع الجاني؛ على حسب مختلف الآراء.
والدية الكاملة للجنين يختلف مقدارها باختلاف نوع الجنين، فدية الذكر دية رجل ودية الأنثى دية امرأة؛ أى نصف دية الرجل.
стр. 1075
وتتعدد الديات بتعدد الأجنة، فلو ألقت المرأة جنينين ذكرين أو ثلاثة كان على الجانى ثلاث ديات كاملة.
وإذا ماتت الأم بسبب الجناية فلا تدخل دية الجنين فى ديتها، ولا تدخل ديتها فى ديات الأجنة ولو تعددت.
٤١٦- ثالثًا: انفصال الجنين حيًا ولم يمت: إذا انفصل الجنين حيًا وعاش أو مات بسبب آخر غير الجناية كأن قتله آخر أو امتنعت الأم عن إرضاعه حتى مات فعقوبة الجناية على الجنين هى التعزير لا غير؛ لأن موت الجنين حدث بسبب غير فعله، أما العقوبة على قتل الجنين بعد انفصاله فهى عقوبة القتل العادى لأن الجريمة ليست إلا إزهاق روح إنسان حى.
والعقوبة التعزيرية التى توقع على الجانى يقدرها القاضى ويعينها من بين مجموعة العقوبات التعزيرية ما لم يكن ولى الأمر قد عين هذه العقوبة وقدرها.
٤١٧- رابعًا: انفصال الجنين بعد وفاة الأم أو عدم انفصاله: إذا لم يترتب على الجناية انفصال الجنين أو ماتت الأم قبل انفصاله أو انفصل عنها بعد وفاتها فالعقوبة على الجناية فى هذه الحالات جميعًا هى التعزير ما دام لم يقم دليل قاطع على أن الجناية أدت لموت الجنين أو انفصاله وأن موت الأم لا دخل له فى ذلك (١) .
٤١٨- خامسًا: أن يترتب على الجناية إيذاء الأم أو جرحها أو موتها: إذا ترتب على الجناية إيذاء الأم أو جرحها أو قطع طرف من أطرافها أو موتها فعلى الجانى عقوبة هذه الأفعال بغض النظر عن العقوبات المقررة للجناية على الجنين؛ لأن العقوبات الأخيرة خاصة بالجنين وليست خاصة بما يصيب أمه، فإذا أعطى رجل امرأة دواء بقصد إجهاضها فماتت بعد أن انفصل ولدها ميتًا فعليه دية المرأة باعتبار أنه قتلها قتلاً شبه عمد وعليه غرة دية الجنين، وإذا ماتت بسبب الفعل بعد انفصال ولدها حيًا فعلى الجانى ديتان: دية المرأة ودية الجنين.
стр. 1076
وإذا ضرب شخص امرأة بالسيف فى بطنها قاصدًا قتلها فاسقط منها جنينين أحدهما أصابه السيف فنزل ميتًا والثانى نزل حيًا ثم مات وماتت المرأة؛ فعلى الجانى القصاص فى قتل المرأة وعليه دية كاملة للجنين الذى نزل حيًا، وغرة للجنين الذى نزل ميتًا،
وإذا ضربها فقطع ذراعها فألقت ولدها ميتًا فعليه القصاص فيما فعل بالمرأة وعليه غرة دية الجنين.
وإذا ضربها ضربًا لم يترك أثرًا فأجهضت جنينًا انفصل عنها ميتًا فعليه التعزير فى ضرب المرأة وعليه غرة دية الجنين.
٤١٩- الكفارة: وهناك عقوبة أخرى للجناية على الجنين هى عقوبة الكفارة (١) ، ويعاقب الجانى بها كلما ألقت الأم جنينها سواء ألقته حيًا أو ميتًا، وسواء كان الجانى هو الأم أو أجنبى عنها، وإن ألقت الأم أجنة ففى كل جنين كفارة، وهذا هو رأى الشافعى وأحمد (٢) .
وإذا اشترك جماعة فى الجناية فألقت المرأة جنينًا فديته عليهم بالحصص وعلى كل منهم كفارة.
ويجعل مالك الكفارة مندوبًا إليها فى الجناية على الجنين وليست واجبة (٣) .
أما أبو حنيفة فيفرق بين انفصال الجنين ميتًا وانفصاله حيًا ويوجب الكفارة فى الحال الثانية دون الأولى (٤) .
* * *
стр. 1077
إثبات الجناية على النفس وعلى ما دونها وعلى الجنين
٤٢٠- اختلف الفقهاء فى تحديد الأدلة التى تثبت عن طريقها الجناية على النفس وعلى ما دونها وعلى الجنين، فرأى جمهور الفقهاء أن هذه الجنايات لا تثبت إلا عن طرق ثلاث هى:
(١) الإقرار. ... ... (٢) الشهادة. ... ... (٣) القسامة.
ورأى بعض الفقهاء أنها تثبت أيضًا عن طريق قرائن الأحوال، وعلى هذا تكون طرق إثبات هذه الجناية أربع طرق هى:
(١) الإقرار. ... (٢) الشهادة. ... (٣) القسامة. ... (٤) قرائن الأحوال.
وسنتكلم عن هذه الطرق واحدة بعد أخرى.
الإقرار
٤٢١- الإقرار لغة: هو الإثبات، من قر الشئ يقر قرارًا إذا ثبت. وشرعًا: الإخبار عن حق أو الاعتراف به. والأصل فى الإقرار: الكتاب، والسنة، والإجماع.
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: ٨١] وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] ، وفسرت شهادة المرء على نفسه بالإقرار وقوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ إلى قوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أى: فليقر بالحق، وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة:١٠٢] ، وقوله: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ، إلى آيات أخرى.
وأما السنة: فما روى أن ماعزًا أقر بالزنا فرجمه رسول الله ﷺ ، وكذلك الغامدية، وفى قضية العسيف قال الرسول ﷺ : "اغْدُ يا أُنَيْس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها".
وأما الإجماع: فإن الأمة أجمعت على صحة الإقرار لأنه إخبار ينفى التهمة والريبة عن المقر، ولأن العاقل لا يكذب على نفسه كذبًا يضر بها، ولهذا كان الإقرار أكد من الشهادة وكان حجة فى حق المقر يوجب عليه الحد والقصاص والتعزير كما يوجب عليه الحقوق المالية.
стр. 1078
٤٢٢- والإقرار على قوته حجة قاصرة على نفس المقر لا تتعداه إلى غير كما يرى جمهور الفقهاء، فإذا اعترف بكر بأنه قتل زيدًا وأن عليًا شاركه جريمة القتل، فإن هذا الاعتراف يكون حجة قاصرة على بكر فقط ما دام على ينكره، فإذا سلم به على فإنه يؤاخذ لا باعتراف بكر وإنما باعترافه هو، وعلى هذا جرت سنة رسول الله ﷺ ، فقد روى أبو داود عن سهل بن معد أن رجلاً جاء الرسول فأقر عنده أنه زنا بامرأة سماها له، فبعث رسول الله ﷺ إلى المرأة فسألها عن ذلك فأنكرت أن تكون زنت فجلده الحد وتركها (١) . ولكن الإقرار يمكن أن يتعدى إلى غير المقدر عند من يرون الإثبات بقرائن الأحوال، إذا أمكن اعتبار إقرار المقر قرينة على غير المقر.
٤٢٣- ويشترط فى الإقرار المثبت للجناية أن يكون مبينًا مفصلاً قاطعًا فى ارتكاب الجانى الجناية، أما الاعتراف المجمل الذى يمكن أن يفسر على أكثر من وجه فلا تثبت به الجناية، فمن أقر مثلاً بقتل شخص لا يمكن اعتباره مسئولاً جنائيًا إذا فصل اعترافه عن كيفية القتل وأداته، فقد يكون المعترف طلب من القتيل أن يؤدى عملاً أو يذهب إلى مكان معين فقتل فيه، فاعتقد أنه تسبب فى قتله واعترف بالقتل على هذا الأساس، ويجب أن يبين إن كان القتل عمدًا أو شبه عمد أو خطأ؛ لأن لكل نوع من أنواع القتل أركانًا وعقوبات خاصة، ويجب أن يبين ظروف التل وسببه فقد يكون القتل وقع استعمالاً لحق أو أداء لواجب ولا مسئولية فى مثل هذه الحالة، فالإقرار الذى يؤخذ به الجانى هو الإقرار المفصل المثبت لارتكاب الجريمة ثبوتًا لا شك فيه.
٤٢٤- والأصل فى الاستفصال والتبين هو سنة الرسول ﷺ فقد جاءه ماعز يعترف بالزنا ويكرر اعترافه، فسأل ﷺ هل به جنون أو هو
стр. 1079
شارب خمر وأمر من يشم رائحته، وجعل يستفسر عن الزنا فقال له: "لعلك قبلت أو غمزت" وفى رواية: "هل صاحبتها؟ قال: نعم، قال: فهل باشرتها؟ قال: نعم قال: هل جامعتها؟ قال: نعم" وفى حديث ابن عباس: "أنكتها؟ قال: نعم، قال: دخل ذلك منك فى ذلك منها؟ قال نعم. قال: كما يغيب المرود فى المُكْحُلة والرشاء فى البئر؟: نعم قال: تدرى ما الزنا؟ قال: نعم، أتيت منها حرامًا ما يأتى الرجل من امرأته حلالاً. قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: تطهرنى، فأمر به فرجم". فدل جميع ذلك على أنه يجب الاستفصال والتبين (١) .
ويشترط بعد تفصيل الإقرار أن يكون الإقرار صحيحًا، ولا يكون كذلك إلا إذا صدر من عاقل مختار.
٤٢٥- إقرار زائل العقل: إذا أقر بجريمة من فقد عقله لأى سبب كشرب دواء أو شرب مسكر أو نوم أو إغماء أو جنون، فإن إقراره لا يعتبر إقرارًا صحيحًا ولا يؤاخذ به ولكن لو أعاد المقر إقراره بعد زوال حالة الإغماء أو النوم وبعد زوال أثر السكر أو أثر الدواء وبعد زوال الجنون، فإنه يؤاخذ بإقراره الجديد لأنه صدر صحيحًا (٢) .
ويتفق أبو حنيفة والشافعى مع مالك وأحمد فيما سبق إلا فى شرب الدواء والمسكر، فيرى أبو حنيفة أن إقرار السكران بطريق محظور هو إقرار صحيح، وأن السكران يؤخذ بإقراره إذا أقر وهو سكران إلا فى الحدود الخالصة حقًا لله، والقتل ليس منها، وكذلك الجناية على ما دون النفس وعلى الجنين (٣) ؛ لأن عقوبتها القصاص أو الدية وهى من حقوق الأفراد. أما إذا كان السكر
стр. 1080
بطريق غير محظور فلا يؤخذ السكران بإقراره فى كل الأحوال إلا إذا أعاد الإقرار بعد زوال سكره.
ويرى الشافعى أن من شرب دواء مزيلاً للعقل بغير حاجة ومن شرب مسكرًا عالمًا بأنه مسكر يؤخذ بإقراره فى كل الأحوال، لأنه شرب ما يعلم أنه يزيل عقله فوجب أن يتحمل نتيجة عمله تغليظًا عليه لينزجر (١) ، فإذا دعت الحاجة لشرب الدواء المزيل للعقل أو شرب المسكر وهو يعلم أنه مسكر، فإنه لا يؤخذ بإقراره إلا إذا أقر ثانية بعد زوال سكره.
٤٢٦- ومن المتفق عليه أن المسكر لا يشترط فيه أن يكون خمرًا، فيصح أن يكون أى مادة مسكرة أو مخدرة ما دامت تؤدى إلى غيبة العقل، ولهذا يعرف الفقهاء السكر بأنه غيبة العقل من تناول الخمر أو ما يشبه الخمر.
ويعتبر الإنسان سكران إذا فقد عقله فلم يعد يعقل قليلاً ولا كثيرًا ولا يميز الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة، وهذا هو رأى أبى حنيفة (٢) ، ويرى محمد وأبو يوسف أن السكران هو الذى يغلب على كلامه الهذيان وحجتهما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣] ، فمن لم يعلم ما يقول فهو سكران وهذا الرأى يتفق مع الرأى الراجح فى كل من المذهب المالكى والشافعى والحنبلى (٣) .
٤٢٧- إقرار المكرَه: قبل أن نعرف حكم إقرار المكره ينبغى أن نعرف شيئًا عن الإكراه.
تعريف الإكراه: يعرف الإكراه بأنه فعل يفعله الإنسان بغيره
стр. 1081
فيزول رضاه أو يفسد اختياره (١) . ويعرف بأنه ما يفعل بالإنسان مما يضر أو يؤلمه (٢) .
ويرى البعض أن حد الإكراه هو أن يهدد المكرَه قادر على الإكراه بعاجل من أنواع العقاب يُؤثر العاقل لأجله الإقدام على ما أُكره عليه وغلبت على ظنه أنه يفعل به ما هدد به إذا امتنع مما أكرهه عليه (٣) .
والإكراه فى الشريعة على نوعين: نوع يعدم الرضاء ويفسد الاختيار، وهو ما خفيف فيه تلف النفس، ويسمى إكراهًا تامًا أو إكراهًا ملجئًا. ونوع يعدم الرضاء أو يفسده ولكنه لا يؤثر على الاختيار، وهو ما لا يخاف فيه التلف عادة كالحبس والقيد والضرب الذى لا يخشى منه التلف ويسمى إكراهًا ناقصًا أو إكراهًا غير ملجئ (٤) .
والإكراه التام يؤثر فيما يقتضى الرضاء والاختيار معًا كارتكاب الجرائم، فمن أكره على جريمة قتل مثلاً ينبغى أن يكون الإكراه الواقع عليه بحيث يعدم رضاه ويفسد اختياره، أما الإكراه الناقص فلا يؤثر إلا على التصرفات التى تحتاج إلى الرضاء كالإقرار والبيع والإجارة وما أشبه.
٤٢٨- ويرى بعض الفقهاء فى مذهب أحمد - ورأيهم مرجوح - أن الإكراه يقتضى شيئًا من العذاب مثل الضرب والخنق وعصر الساق وما أشبه وأن التوعد بالعذاب لا يكون إكراهًا.
ويستدلون على ذلك بقصة عمار بن ياسر حين أخذه الكفار فأرادوه على الشرك بالله فأبى عليهم فلما غطوه فى الماء حتى كادت روحه تزهق أجابهم إلى ما طلبوا، فانتهى إليه النبى ﷺ وهو يبكى فجعل يسمح الدموع من عينيه ويقول: "أخذك المشركون فغطوك فى الماء وأمروك
стр. 1082
أن تشرك بالله ففعلت، فإن أخذوك مرة أخرى فافعل ذلك بهم" ويستدلون بما قاله عمر رضى الله عنه: ليس الرجل أمينًا على نفسه إذا أجعته أو ضربته أو أوثقته فهؤلاء يرون أن الإكراه يستلزم فعلاً ماديًا يقع على المكرَه فيحمله على إتيان ما أكره عليه، فإن لم يكن الإكراه ماديًا وسابقًا على الفعل الذى يأتيه المكرَه فلا يعتبر الفاعل مكرهًا فى رأيهم (١) .
٤٢٩- ويرى أصحاب الرأى الراجح فى مذهب أحمد ما يراه مالك وأبو حنيفة والشافعى من أن الوعيد بمفرده إكراه، وأن الإكراه لا يكون غالبًا إلا بالوعيد بالتعذيب أو بالقتل أو بالضرب أو بغير ذلك، أما ما مضى من العقوبة فإنه لا يندفع بفعل ما أكره عليه، ولا يخشى منه شيئًا بعد وقوعه، إنما الخشية والخوف مما يهدد به، فإذا وقع الفعل المهدد به انتهت الخشية وذهب الخوف، فالذى يندفع إذن بإتيان الفعل المكرَه عليه وهو ما يتوعد به من العقوبة أو التعذيب لا ما وقع منها فعلاً (٢) .
وعلى هذا فالإكراه يصح أن يكون ماديًا ويصح أن يكون معنويًا، والإكراه المادى هو ما كان التهديد والوعيد فيه واقعًا، أما الإكراه المعنوى فهو ما كان الوعيد والتهديد فيه منتظر الوقوع.
شروط الإكراه: يشترط لوجود الإكراه توفر الشروط الآتية، فإن لم تتوفر فلا يعتبر الإكراه قائمًا ولا يعتبر المقر مكرهًا:
٤٣٠- أولاً: أن يكون الوعيد مما يستضر به بحيث يعدم الرضاء أو يفسده: كالضرب والحبس والقيد والتجويع، فإذا لم يكن لتنفيذ الوعيد أثر على الرضاء انتفى وجود الإكراه، وتقدير الوعيد الذى يستضر به مسألة موضوعية تختلف باختلاف الأشخاص والأسباب المكره عليها، فقد يكون الشئ إكراهًا
стр. 1083
فى حق شخص دون آخر وفى سبب دون آخر، فبعض الأشخاص قد لا يتضرر من الضرب عدة أسواط، والبعض قد يتضرر من ضربة سوط واحد، بل قد يتضرر من صفعة أو فرك أذن، والبعض قد يرحب بمكثه فى السجن أمدًا طويلاً والبعض قد يضره ضررًا كبيرًا بقاؤه فى السجن ليلة واحدة.
ويعتبر الوعيد إكراهًا إذا وجه لنفس المكره، وهذا متفق عليه، فإذا وجه لغيره فهناك اختلاف؛ فيرى المالكية أن الوعيد إكراه ولو وقع على أجنبى (١) . ويرى بعض الحنفية أن الوعيد ليس إكراهًا إذا وقع على غير المكره، ولكن بعضهم يرى أنه إكراه إذا وقع على الولد أو الوالد أو على ذى رحم محرم، وهذا يتفق مع رأى الشافعية (٢) ، ويرى الحنابلة أن الوعيد إكراه إذا وقع على الابن أو الأب (٣) .
وليس من الضرورى أن يكون الإكراه بالوعيد بالإيذاء المادى، بل يكفى لوجود الإكراه الوعيد بالمنع من استعمال الحقوق، فمن يمنع زوجته من زيارة أهلها إلا إذا أقرت بجريمة، ومن يمنع ابنته من الزفاف أو الذهاب إلى دار الزوجية إلا إذا اعترفت بجريمة فإنه يحملها على الإقرار كرهًا (٤) .
كذلك من يمنع عن آخر طعامه أو شرابه حتى يقر بجريمة فإنه يعتبر مكرهًا فى إقراره. وأمر صاحب السلطان يعتبر فى ذاته إكراهًا دون حاجة إلى اقترانه بالوعيد أو التهديد، وأمر غيره إكراهًا إلا إذا كان المأمور يعلم أنه إن لم يطع وقعت عليه وسائل الإكراه (٥) .
وأمر الزوج لزوجته فى حكم أمر السلطان إن كانت تخشى الأذى إذا لم
стр. 1084
تطعه فإن أطاعته وهى لا تخشى أذى إذا لم تطعه فلا يعتبر الأمر إكراهًا (١) .
والوعيد بإتلاف المال إكراه عند مالك والشافعى إذا لم يكن المال يسيرًا، فإن كان المال يسيرًا فلا إكراه. وتقدير ما إذا كان المال يسيرًا أو غير يسير يرجع فيه إلى الشخص نفسه ومقدار ثروته، فقد يكون المال يسيرًا بالنسبة لشخص وغير يسير بالنسبة لآخر (٢) .
والأصل فى مذهب أبى حنيفة أن الوعيد بإتلاف المال ليس إكراهًا ولو كان إتلاف المال يلحق ضررًا جسيمًا بصاحبه؛ لأن محل الإكراه الأشخاص لا الأموال. ولكن بعض فقهاء الحنفية يرون الوعيد بإتلاف المال إكراهًا، وأصحاب هذا الرأى يختلفون فيما بينهم، فيشترط بعضهم أن يكون الوعيد بإتلاف كل المال ليكون إكراهًا، والبعض لا يشترط إتلاف كل المال ويكفى لاعتبار الإكراه قائمًا أن يكون الوعيد بإتلاف جزء من المال يستضر بإتلافه (٣) .
ويجب أن يكون الوعيد بفعل محذور أى غير مشروع، فإن كان الفعل المهدد به مشروعًا فلا يعتبر الإكراه قائمًا، فمن كان محكومًا عليه بالجلد أو الحبس فهدد بتنفيذ العقوبة عليه إن لم يرتكب جريمة فارتكبها فعليه عقوبتها ولا يعتبر أنه كان فى حالة إكراه لأن الفعل الذى هدد به مشروع (٤) .
٤٣١- ثانيًا: أن يكون الوعيد بأمر حال يوشك أن يقع إن لم يستجب المكره: فإن كان الوعيد بأمر غير حالًّ فليس ثمة إكراه لأن المكرَه لديه من الوقت ما يسمح له بحماية نفسه فيلجأ للسلطات العامة أو يهرب من المكره،
стр. 1085
ولأنه ليس فى الوعيد غير الحال ما يحمله على المسارعة بتلبية طلب المكره ويرجع فى تقدير ما إذا كان الوعيد حالاً أو غير حالًّ إلى ظروف المكره وإلى ظنه الغالب المبنى على أسباب معقولة، ويعتبر الوعيد حالاً كلما عجز المكره عن الهرب والمقاومة والاستغاثة بغيره إلى غير ذلك من أنواع الدفع (١) .
وإذا كان الوعيد بأمر آجل فإنه لا يعتبر إكراهًا كقوله: لأضربنك غدًا إن لم تقر بكذا أو تفعل كذا. ولكن الأذرعى من فقهاء الشافعية يرى أن فى النفس من هذه المسالة شيئًا وأنه إذا غلب على ظن المقر إيقاع ما هدد به لو لم يفعل فإنه يعتبر مكرهًا ولاسيما إذا عرف أن من عادة المهدد إيقاع ذلك الوعيد (٢) .
٤٣٢- ثالثًا: أن يكون المكره قادرًا على تحقيق وعيده: لأن الإكراه لا يتحقق إلا بالقدرة فإن لم يكن المكره قادرًا على فعل ما هدد به فلا إكراه، ولا يشترط فى المكره أن يكون ذا سلطان كحاكم أو موظف؛ لأن العبرة بالقدرة على الفعل المهدد به لا بصفة المكره (٣) .
٤٣٣- رابعًا: أن يغلب على ظن المكرهَ أنه إذا لم يجب إلى ما دعى إليه تحقق ما أوعد به: فإن كان يعتقد أن المكره غير جاد فيما أوعد به أو كان يستطيع أن يتفادى الوعيد بأى طريقة كانت ثم أتى الفعل بعد ذلك فإنه لا يعتبر مكرهًا، ويجب أن يكون ظن المكره مبنيًا على أسباب معقولة (٤) .
٤٣٢- حكم إقرار المكرَه: وإذا توفر الإكراه على الوجه السابق وأقر المكره على نفسه بجريمة فإن إقراره يكون باطلاً ولا يؤخذ به لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] ولقول الرسول ﷺ : "رفع عن أمتى
стр. 1086
الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" ولأنه قول أكره عليه بغير حق، والأصل أن العاقل لا يتهم بقصد الإضرار بنفسه، فإذا أقر مختارًا قُبل إقراره لانتفاء التهمة ولوجود الداعى إلى الصدق، ولكن إذا اُكره الشخص على الإقرار فأقر فإنه يغلب على الظن أنه قصد بإقراره دفع ضرر الإكراه فانتفى ظن الصدق فلم يقبل إقراره، فإذا أقر بقتل أو قطع أو سرقة أو غير ذلك تحت تأثير الإكراه لم يجب عليه بإقراره عقاب (١) لاحتمال كذب الإقرار ومما يؤثر فى هذا الباب قول عمر رضى الله عنه: "ليس الرجل أمينًا على نفسه إذا أجعته أو ضربته أو أوثقته" أو على حسب ما يرويه البعض: "ليس الرجل على نفسه بأمين إن جوَّعت أو خوَّفت أو أوثقت"، ومما يؤثر عن شريح أنه كان يقول: "القيد كره، والسجن كره، والوعيد والضرب كره" (٢) ، ويؤثر عن ابن شهاب أنه قال فى رجل اعترف بعد جلده: ليس عليه حد (٣) .
وإذا أقر فى حال الإكراه بغير ما أكره مثل أن يكره على الإقرار بجريمة ما فيقر بأخرى فإقراره فيما يتعلق بهذه الجريمة الأخرى صحيح لأنه أقر بما لم يكره عليه فصح كما لو أقر به ابتداء دون إكراه (٤) .
أما إقراره بالجريمة التى أكره على الإقرار بها فهو إقرار باطل لا يؤخذ به، إلا أن يقر ثانية بالجريمة بعد إخلاء سبيله وهو مختار غير مكره فإنه يؤخذ بإقراره الجديد (٥) .
٤٣٥- والإقرار الصادر تحت تأثير الإكراه باطل ولو قامت الدلائل على صحته، كأن يرشد السارق عن المسروقات أو القاتل عن جثة القتيل، فإذا
стр. 1087
استمر على إقراره بعد أن أصبح فى أمن من الإكراه اعتبر استمراره إقرارًا جديدًا، وهذا متفق عليه إلا من القائلين فى مذهب مالك بصحة إقرار المكره، وما يؤثر فى هذا الباب أن الحسن بن زياد الفقيه الحنفى قال بجواز ضرب السارق حتى يقر، ضربًا لا يقطع اللحم ولا يبين العظم، وأفتى مرة بهذا ثم ندم وأتبع السائل إلى باب الأمير فوجده قد ضرب السارق حتى أقر بالمال المسروق وجاء به، ومع ذلك فقد خرج المحسن بن زياد وهو يقول: ما رأيت جورًا أشبه بالحق من هذا (١) .
٤٣٦- ويرى بعض الفقهاء فى مذهب الشافعى أنه إذا ضرب ليقر فهذا إكراه، أما إذا ضرب ليصدق فى القضية فأقر حال الضرب أو بعده فإقراره صحيح ولا يعتبر مكرهًا، لأن المكره من أكره على شئ واحد وهو هنا إنما ضرب ليصدق ولا ينحصر الصدق فى الإقرار، ولكن أصحاب هذا الرأى يكرهون مع هذا أن يلزم المقر بإقراره إلا بعد أن يراجع ويقر ثانيًا من غير أن يضرب أو يهدد. ويؤخذ على أصحاب هذا الرأى تمسكهم بالإقرار الثانى مع أن هذا الإقرار الثانى فيه نظر إذا غلبت على ظنه أنه إذا أنكر أعيد ضربه، والرأى الراجح فى المذهب هو عدم قبول الإقرارين لأنهما صادران من مكره (٢) .
٤٣٧- ومن ادعى الإكراه لا تقبل دعواه لمجرد ادعائه؛ لأن الأصل عدم الإكراه، إلا أن تكون هناك قرينة على صحة الادعاء، كالقيد والحبس والقبض والوضع تحت الحراسة، فى مثل هذه الحالات تقبل دعوى الإكراه ولمن يدعيه أن يثبته، ويستوى فى هذه الحال أن يكون القبض والحبس والقيد بحق أو بغير حق، كحالة الحبس الاحتياطى، وكحالة القبض بغير حق (٣) .
стр. 1088
وإذا أكره حاكم أو قاض شخصًا ليقر بجريمة عقوبتها القتل أو القطع كالقتل والسرقة فأقر بها وقتل أو قطعت يده اقتص ممن أكرهه (١) .
٤٣٨- رجوع المقر عن إقراره: وإذا كان الإقرار صادرًا من غير إكراه فعدل عنه المقر، قُبل منه الرجوع عن إقراره فيما كان حقًا لله تعالى يدرأ بالشبهات ويحتاط لإسقاطه، فأما حقوق الآدميين وحقوق الله تعالى التى لا تدرأ بالشبهات كالزكاة والكفارات فلا يقبل منه الرجوع عن إقراره بها، وهذه القاعدة متفق عليها، فإذا أقر بزنا ثم عدل عن إقراره لم يؤخذ بإقراره لأن الزنا متعلق بحقوق الله تعالى التى تدرأ بالشبهات ويحتاط لإسقاطها، أما إذا أقر بقتل أو جرح أو قطع أو إسقاط جنين، فإنه يؤاخذ بإقراره ولو عدل عنه لأن الجنايات الواقعة على النفس وما دونها وعلى الجنين كلها متعلقة بحقوق الآدميين ولو أن بعضها يعاقب عليه بالقصاص، ولو أن القصاص مما يحتاط فيه ويدرأ بالشبهات (٢) . لكن إذا ثبت أن الإقرار مكذوب فلا يؤاخذ المقر بإقراره سواء عدل عنه أو لم يعدل، وسواء كان متعلقًا بحقوق الله تعالى أو بحقوق الآدميين.
وعدول المقر عن إقراره لا أثر له أيًا كان نوع الجريمة التى أقر بها ما دامت الجريمة ثابتة قَبل المقر بغير الإقرار، كأن تكون ثابتة بشهادة الشهود.
* * *
الشهادة
٤٣٩- الشهادة هى الطريق المعتاد لإثبات الجرائم: وأغلب الجرائم تثبت عن طريق الشهادة وأقلها يثبت بغير الشهادة من طرق الإثبات، ولهذا كان للشهادة كطريق من طرق الإثبات أهمية كبرى فى إثبات الجرائم.
والأصل فى الشهادة الكتاب والسنة:
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ
стр. 1089
الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق:٢] ، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة:٢٨٢] .
وأما السنة: فما روى وائل بن حجر قال: "جاء رجل من حضر موت ورجل من كندة إلى النبى ﷺ ، فقال الحضرمى: يا رسول الله هذا غلبنى على أرض لى، فقال الكندى: هى أرضى وفى يدى فليس له فيها حق، فقال النبى ﷺ للحضرمى: ألك بينة؟ قال: لا، قال: فلك يمينه" (١) .
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلاً على أبواب خيبر فقال رسول الله ﷺ : "أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليكم برمته" (٢) .
ويفرق الفقهاء فى إثبات القتل والجراح بين الجرائم التى توجب عقوبة بدنية كالقصاص أو الجلد والحبس أو غيرهما من العقوبات البدنية التعزيرية وبين الجرائم التى توجب عقوبة مالية كالدية والغرامة.
٤٤٠- الجرائم التى توجب عقوبة بدنية: العقوبة البدنية إما أن تكون القصاص وإما أن تكون عقوبة تعزيرية.
إثبات الجرائم الموجبة للقصاص: يشترط الفقهاء فى إثبات الجرائم الموجبة للقصاص بالشهادة أن يشهد بالجريمة رجلان عدلان، ولا يقبل الفقهاء فى إثبات هذا النوع من الجرائم شهادة رجل وامرأتين ولا شهادة شاهد ويمين المجنى عليه، وذلك لأن القصاص إراقة دم عقوبة على جناية فيحتاط له لدرئه باشتراط الشاهدين العدلين كالحدود، وهذا هو رأى جمهور الفقهاء (٣) .
ويرى الأوزاعى والزهرى أن الجريمة التى توجب القصاص تثبت بما تثبت به الأموال، فيكفى فى إثباتها شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، ويؤيد الشوكانى هذا الرأى (٤) .
стр. 1090
٤٤١- ومن يشترط الشاهدين فيما يوجب القصاص لا يفرق بين القصاص فى النفس والقصاص فيما دون النفس، ويوجب فى إثبات الجريمة الموجبة للقصاص مطلقًا شهادة رجلين عدلين، إلا مالكًا فإنه لا يوجب شهادة العدلين إلا فى القصاص فى النفس فقط، أما إذا كان القصاص فيما دون النفس فيجيز مالك إثبات الجريمة الموجبة للقصاص بشاهد واحد ويمين المجنى عليه، ولا يقيس مالك الجراح بالأموال وإنما هو مبدأ أخذ به لأنه استحسنه، وقد سئل ابن القاسم فى هذا فقيل له: لم قال مالك ذلك فى جراح العمد وليست بمال؟ قال: قد كلمت مالكًا فى ذلك فقال: إنه شئ استحسناه، وما سمعت فيه شئيًا (١) .
ويرى بعض الفقهاء فى مذهب مالك جواز شهادة المرأتين ويمين المدعى فى جراح العمد، ولا يرى البعض ذلك (٢) .
والشاهدان اللذان تثبت بشهادتهما الجريمة الموجبة للقصاص ليس أحدهما المجنى عليه، فإذا كان شاهد واحد والمجنى عليه لم يكمل نصاب الشهادة لأن المجنى عليه يعتبر مدعيًا لا شاهدًا وأقواله تصلح لَوْثًا أى قرينة ولكنها لا تقوم مقام الشهادة.
أما فى حالة إثبات الجريمة الموجبة للقصاص فيما دون النفس بشاهد ويمين المجنى عليه تبعًا لرأى مالك فإن الجريمة تثبت بشهادة الشاهد الواحد ولا يعتبر المجنى عليه شاهدًا ثانيًا ولو أنه يؤدى اليمين لأنه لا يسأل كشاهد، وإنما يحلف اليمين على صحة شهادة الشاهد، فاليمين مقصود بها تقوية شهادة الشاهد.
وهناك من الفقهاء من لا يشترط نصابًا معينًا فى الشهود فيكفى عنده لإثبات الجريمة الموجبة للقصاص أن يشهد بها شاهد واحد إذا رجح القاضى صدق شهادته (٣) ، والذين يشترطون شهادة رجلين فى إثبات الجريمة الموجبة للقصاص