يرتكبونها قبل الثورة والحرب أو بعدها يعاقبون عليها بعقوباتها العادية؛ لأنها جرائم عادية لم تقع في حالة ثورة أو حرب، أما الجرائم التي ترتكب أثناء الثورة أو الحرب الأهلية، فما اقتضته منها حالة الثورة أو الحرب: كمقاومة رجال الدولة وقتلهم، والاستيلاء على البلاد وحكمها، والاستيلاء على الأموال العامة وجبايتها، وإتلاف السكك والكباري، وإشعال النار في الحصون، ونسف الأسوار والمستودعات، وغير ذلك مما تقتضيه طبيعة الحرب، فهذه الجرائم السياسية، وتكتفي الشريعة فيها بإباحة دماء البغاة، وإباحة أموالهم بالقدر الذي يقتضيه ردعهم والتغلب عليهم، فإذا ظهرت الدولة عليهم، وألقوا سلاحهم، عصمت دماؤهم وأموالهم، وكان لولي الأمر أن يعفو عنهم، أو أن يعزَّرهم على خروجهم لا على الجرائم التي ارتكبوها أثناء خروجهم، فعقوبة الخروج إذن هي التعزير، وهو جريمة سياسية، أما عقوبة الجرائم التي تقتضيها حالة الحرب أو الثورة فهي القتل، بالشروط التي ذكرناها سابقاً.
هذا هو حكم الجرائم التي تقع أثناء الثورة أو الحرب وتقتضيها طبيعة الحرب والثورة، أما الجرائم التي تقع من البغاة ولا تستلزمها طبيعة الثورة أو الحرب، فهذه تعتبر جرائم عادية يعاقبون عليها بالعقوبات العادية، ولو أنها وقعت أثناء الثورة أو الحرب، كشرب الخمر، والزنا، وقتل أحد الثائرين زميلاً له أو سرقة ماله (١) .
٨٢ - بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية: كانت القوانين الوضعية إلى ما قبل الثورة الفرنسية تعتبر الجريمة السياسية أشد خطراً من الجريمة العادية، وكانت تعامل المجرم السياسي معاملة تتنافى مع أبسط قواعد العدالة، فتعاقبه بعقوبات قاسية، وتصادر ماله، وتأخذ أهله بذنبه، وتحرمه من الحقوق
стр. 107
التي يتمتع بها المجرمون العاديون. ثم ابتدأت القوانين الوضعية تغير نظرتها إلى الجريمة السياسية بعد الثورة الفرنسية، وبعد أن كثرت الثورات في البلاد الأوروبية، وتعددت الانقلابات في النظم السياسية، فأصبح المجرم السياسي ينظر إليه نظرة عطف وإشفاق، ووضعت للجرائم السياسية عقوبات هي في مجموعها أخف من العقوبات العادية.
وقد اختلف الشراح في المميز الذي يميز بين الجريمة العادية والجريمة السياسية، فرأى فريق أن المميز الوحيد هو غرض المجرم من الجريمة، فإن كان يرمي إلى تحقيق غرض سياسي فالجريمة سياسية وإلا فهي عادية.
وعيب هذا المذهب أنه يحكَّم الباعث على الجريمة في تحديد ماهية الجريمة، ويخوَّل للقتلة والسارقين أن يتمتعوا بميزات لا يصح أن يتمتعوا بها.
ورأى فريق آخر أن العبرة في تحديد نوع الجريمة بطبيعة الحق المعتدي عليه بصرف النظر عن الدوافع إلى الجريمة. فلا تعتبر جريمة سياسية طبقاً لهذا الرأي إلا الجريمة التي تمس كيان الدولة أو نظامها.
وعيب هذا الرأي أنه يجعل بعض الجرائم التي لا شك في أنها سياسية جرائم عادية، كالجرائم التي ترتبط بأعمال الثورة أو الحرب الأهلية.
وقد رأى فريق من الشراح أن يفرقوا بين الجرائم التي ترتكب في حالة ثورة أو حرب أهلية، والجرائم التي ترتكب في الأحوال العادية، واعتبروا الجرائم التي تقع في الأحوال العادية جرائم عادية ولو كانت الدوافع فيها سياسية، أما الجرائم التي تقع أثناء الثورة أو الحرب الأهلية فهي جرائم سياسية إذا كان للجريمة علاقة بالثورة أو الحرب الأهلية، وكانت من الأفعال التي تبيحها الحرب النظامية، وإلا فهي جريمة عادية. وهذا الرأي هو الذي أقره معهد القانون الدولي.
والاتجاه الحديث في القوانين الوضعية يعتبر الجرائم الموجهة ضد النظام الاجتماعي كجرائم الشيوعية والفوضوية جرائم عادية، كما يعتبر كل الجرائم الماسة باستقلال الدولة جرائم عادية؛ لأنها تمس الوطن ولا تمس نظام الحكم
стр. 108
والحكام، وهذا هو الرأي الذي أقره معهد القانون الدولي في سنة ١٨٩٢، حيث قرر أنه لا يعد من الجرائم السياسية من حيث تطبيق قواعد تسليم المجرمين الأعمال الجنائية الموجهة ضد النظام الاجتماعي (١) .
ويتبين مما سبق أن أحدث الآراء في القوانين الوضعية تعتبر الجريمة سياسية إذا كانت موجهة ضد الحكام وشكل الحكم الداخلي فقط، لا ضد النظام الاجتماعي ولا ضد الدولة واستقلالها وعلاقتها بغيرها من الدول، وبشرط أن تقع في حالة ثورة أو حرب أهلية، وأن تكون مما تقتضيه طبيعة الثورة أو الحرب، وهذا يتفق تماماً مع الحدود التي وضعتها الشريعة للجريمة السياسية من ثلاثة عشر قرناً. ولا فرق بين الشريعة والقوانين في هذه النقطة إلا أن الشريعة قد سبقت بالتفرقة بين الجرائم العادية والسياسية، وتحديد الجرائم السياسية، وأن القوانين تسير في أثر الشريعة وتأخذ بمبادئها.
* * *
стр. 109
القسم الثاني من الكتاب الأول
الأركان العامة للجريمة
٨٣ - أركان الجريمة: قلنا في تعريف الجريمة: إن الجرائم محظورات شرعية زجر الله عنها بحد أو بتعزير، وأن المحظورات هي: إما إتيان فعل منهي عنه، أو ترك فعل مأمور به، وقلنا: إن المحظورات وصفت بأنها شرعية؛ لأنها يجب أن تكون محظورة بنصوص الشريعة، وأن الفعل والترك لا يعتبر بذاته جريمة إلا إذا كان معاقباً عليه.
ولما كانت الأوامر والنواهي تكاليف شرعية فإنها لا توجه إلا لكل عاقل فاهم للتكليف، إذ التكليف خطاب، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال كالجماد والبهيمة، ومن استطاع أن يفهم أصل الخطاب ولا يفهم تفاصيله من كونه أمراً أو نهياً، ومقتضياً للثواب والعقاب، كالمجنون والصبي الذي لا يميز، فهو في عجزه عن فهم التفاصيل كالجماد والبهيمة في العجز عن فهم أصل الخطاب، ومن ثم يتعذر تكليفه؛ لأن المقصود من التكليف كما يتوقف على فهم أصل الخطاب فهو يتوقف أيضاً على فهم تفاصيله (١) . ويتبين مما سبق أن للجريمة بصفة عامة أركاناً لا بد من توافرها، وهذه الأركان ثلاثة:
стр. 110
١ - أن يكون هناك نص يحظر الجريمة ويعاقب عليها، وهو ما نسميه اليوم في اصطلاحنا القانوني بالركن الشرعي للجريمة.
٢ - إتيان العمل المكون للجريمة سواء كان فعلاً أو امتناعاً، وهذا ما نسميه في اصطلاحنا القانوني بالركن المادي للجريمة.
٣ - أن يكون الجاني مكلفاً أي مسئولاً عن الجريمة، وهذا ما نسميه اليوم بالركن الأدبي.
هذه هي الأركان العامة التي يجب توفرها بصفة عامة في كل جريمة، ولكن توفر هذه الأركان العامة لا يغني عن وجوب توفر الأركان الخاصة لكل جريمة على حدة حتى يمكن العقاب عليها، كركن الأخذ خفية في السرقة، وركن الوطء في جريمة الزنا، وغير ذلك من الأركان الخاصة التي تقوم عليها الجرائم المعينة بذواتها.
والفرق بين أركان الجريمة العامة وأركانها الخاصة: أن الأركان العامة واحدة في كل جريمة، بينما الأركان الخاصة في عددها ونوعها باختلاف الجريمة.
وقد جرى الفقهاء الإسلاميون على بحث أركان الجريمة العامة وأركانها الخاصة بمناسبة بحث كل جريمة، ولكنا رأينا مجاراة للتطور الحديث في التأليف أن نبحث الأركان العامة في القسم الجنائي العام، وأن نترك بحث الأركان الخاصة للقسم الجنائي الخاص الذي يتناول الكلام على الجرائم واحدة بعد واحدة بصفة خاصة.
* * *
стр. 111
الباب الأول
الركن الشرعي للجريمة
٨٤ - توجب الشريعة لاعتبار الفعل جريمة أن يكون هناك نص يحرم هذا الفعل، ويعاقب علي إتيانه: وهذا ما نسميه اليوم: الركن الشرعي للجريمة.
ووجود النص المحرم للفعل المعاقب عليه لا يكفي بذاته للعقاب على كل فعل وقع في أي وقت وفي أي مكان ومن أي شخص، وإنما يشترط للعقاب على الفعل المحرم أن يكون النص الذي حرمه نافذ المفعول وقت اقتراف الفعل، وأن يكون سارياً على المكان الذي اقترف فيه الفعل، وعلى الشخص الذي اقترفه، فإذا تخلف شرط من هذه الشروط امتنع العقاب على الفعل المحرم.
فالكلام على الركن الشرعي يقتضي بحث المواضيع الآتية، وسنخصص لكل منها فصلاً خاصاً:
١ - النصوص المقررة للجرائم والعقوبات؛ أي الأحكام الجنائية الشرعية.
٢ - سريان النصوص الجنائية على الزمان.
٣ - سريان النصوص الجنائية على المكان.
٤ - سريان النصوص الجنائية على الأشخاص.
* * *
стр. 112
الفصل الأول
النصوص المقررة للجرائم والعقوبات
أي الأحكام الجنائية الشرعية
٨٥ - الكلام على الأحكام الجنائية الشرعية يقتضي الكلام على:
أولاً: الأحكام وأثرها في الجريمة والعقوبة.
ثانياً: أدلة الأحكام الجنائية الشرعية؛ أي مصادر التشريع الجنائي.
ثالثاً: تفسير الأحكام الجنائية.
رابعاً: تعارض - أي النصوص - ونسخها وبطلانها.
خامساً: علاقة الأحكام الشرعية بالأحكام القانونية.
وسنخصص لكل واحد من هذه المواضيع مبحثاً خاصاً.
* * *
المبحث الأول
الأحكام الجنائية الشرعية وأثرها في الجريمة والعقوبة
٨٦ - تمهيد: يقسم الفقهاء الأحكام الشرعية - أي النصوص - إلى نوعين: أحكام تكليفية، وأحكام وضعية.
فالحكم التكليفي: هو ما اقتضى طلب فعل من المكلَّف، أو كفه عن فعل، أو تخييره بين فعل والكف عنه (١) ، ويسمى هذا الحكم تكليفيًّا؛ لأنه يتضمن إلزام المكلف إتيان فعل، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى
стр. 113
أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨] ، أو إلزام المكلف الكف عن فعل، مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ﴾ [الإسراء:٣٣] ، وقوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] ، أو تخيير المكلف في إتيان الفعل والكف عنه، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾ [المائدة:٢] ، وقوله: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] .
والحكم الوضعي: هو ما اقتضى جعل شئ سبباً لشيء، أو شرطاً له، أو مانعاً منه، وسمي الحكم وضعياً لأنه يقتضي:
١ - وضع أسباب لمسببات، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] ، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] ، فقد اقتضى الحكم الأول جعل السرقة سبباً في قطع يد السارق، واقتضى الحكم الثاني جعل الزنا سبباً لجلد الزاني.
٢ - أو يقتضي وضع شروط لمشروطات، كقوله تعالى: ﴿لَوْلا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] .
فهذا الحكم يقتضي اشتراط أربعة شهود لإثبات جريمة الزنا. ومثل قول الرسول ﷺ : "لا قطع إلا في ربع دينار" فهذا الحكم يشترط لقطع يد السارق أن تبلغ قيمة المسروق ربع دينار فأكثر.
٣ - أو يقتضي وضع موانع من أحكام، مثل قول الرسول ﷺ : "لا قطع في ثمر معلق"، فهذا الحكم يقتضي جعل تعليق الثمر - أي عدم حصد الحاصلات والثمار - مانعاً من القطع في سرقتها. ومثل قوله ﷺ : "لا ميراث لقاتل"، فهذا الحكم يقتضي جعل القتل الحاصل من الوارث مانعاً له من الإرث (١) .
стр. 114
والفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي يظهر من وجهين: أولهما: أن الحكم التكليفي يقصد به طلب فعل أو الكف عنه، أو التخيير بين إتيان الفعل وتركه. أما الحكم الوضعي فلا يقصد به طلب ولا كف ولا تخيير، ولكن المقصود منه بيان الأسباب والشروط والموانع. ثانيهما: أن الحكم التكليفي يكون دائماً في مقدور المكلَّف، فيستطيع أن يفعله أو يتركه إن شاء؛ أما الحكم الوضعي فقد يكون أمراً في مقدور المكلف، وقد لا يكون في مقدوره.
وينبغي أن نلاحظ أن النص الواحد قد يشتمل على حكم تكليفي وحكم وضعي في آن واحد، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ ، فهذا النص يشتمل على حكم تكليفي هو طلب الكف عن السرقة، ويشتمل في الوقت نفسه على حكم وضعي هو جعل السرقة سبباً في قطع يد السارق.
وليس يهمنا فيما يتعلق بالنص على الجريمة إلا الحكم التكليفي المقتضي طلب فعل من المكلف أو كفه عن فعل. أما الأحكام التكليفية المخيرة فلا يعاقب على تركها أو إتيانها، ولا يعتبر إتيانها أو تركها جريمة، على الرأي الراجح.
وفيما يتعلق بالنص على العقوبة يهمنا الحكم الوضعي، سواء كان سبباً أو شرطاً أو مانعاً؛ لأنه يبين العقوبة وأسبابها وشروطها وموانعها.
٨٧ - قواعد أصولية شرعية: من القواعد الأساسية في الشريعة الإسلامية: أنه "لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النص"، أي أن أفعال المكلف المسؤول لا يمكن وصفها بأنها محرمة ما دام لم يرد نص بتحريمها، ولا حرج على المكلف أن يفعلها أو يتركها حتى ينص على تحريمها.
وهناك قاعدة أساسية أخرى تقضي بأن: "الأصل في الأشياء والأفعال الإباحة"، أي
أن كل فعل أو ترك مباح أصلاً بالإباحة الأصلية، فما لم يرد نص بتحريمه فلا مسؤولية على فاعله أو تاركه.
стр. 115
وهاتان القاعدتان (١)
تؤديان معنى واحداً هو أنه لا يمكن اعتبار فعل أو ترك جريمة إلا بنص صريح يحرم الفعل أو الترك، فإذا لم يرد نص يحرم الفعل أو الترك فلا مسؤولية ولا عقاب على فاعل أو تارك. ولما كانت الأفعال المحرمة لا تعتبر جريمة في الشريعة بتحريمها وإنما بتقرير عقوبة عليها، سواء كانت العقوبة حداً أو تعزيراً، فإن المعنى الذي يستخلص من ذلك كله هو أن قواعد الشريعة الإسلامية تقضي بأن لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص.
وهناك قاعدة أصولية ثالثة تقضي بأنه: "لا يكلف شرعاً إلا من كان قادراً على فهم دليل التكليف أهلاً لما كلف به، ولا يكلف شرعاً إلا بفعل ممكن مقدور للمكلف معلوم له علماً يحمله على امتثاله" (٢) .
فهذه القاعدة تبين الشروط الواجب توفرها في المكلف؛ أي الشخص المسؤل، والشروط الواجب توفرها في الفعل المكلف به.
فأما المكلف فيشترط فيه:
أولاً: أن يكون قادراً على فهم دليل التكليف، أي أن يكون في استطاعته فهم النصوص الشرعية التي جاءت بالحكم التكليفي؛ لأن العاجز عن الفهم لا يمكن أن يمتثل ما كلف به.
ثانياً: أن يكون أهلاً لما كلف به؛ أي أن يكون أهلاً للمسئولية وأهلاً للعقوبة.
أما الفعل المكلف به فيشترط فيه:
стр. 116
أولاً: أن يكون ممكناً، فلا تكليف بمستحيل.
ثانياً: أن يكون مقدوراً للمكلف؛ أي في قدرة الشخص إثباته أو تركه، فإن لم يكن كذلك فلا يصح التكليف به.
ثالثاً: أن يكون الفعل بعد إمكانه وقدرة المكلف عليه معلوماً للمكلف علماً تاماً يحمله على الامتثال، والعلم التام الذي يحمله على الامتثال يقتضي:
(أ) العلم بالأحكام التكليفية، ولا تكون معلومة إلا إذا نص عليها ونشر نصها على الكافة، فمن لم يعلم بأمر أو نهي لا يمكن أن يأتمر به أو ينتهي عنه. وتطبيق هذا الشرط على الجرائم يعني أن لا جريمة بلا نص ينشر على الناس.
(ب) أن يكون في الحكم ما يحمل المكلف على الامتثال ويكفه عن العصيان، وهذا يقتضي علم المكلف بأنه سيعاقب على عدم الطاعة. وتطبيق هذا الشرط على الجرائم معناه أن النص على الجريمة يقتضي النص على العقوبة.
وظاهر بجلاء من هذه القاعدة الأصولية أنها تعني - كالقاعدتين السابقتين - أن لا جريمة ولا عقوبة بلا نص.
٨٨ - مصدر هذه القواعد الأصولية: وهذه القواعد الأصولية التي تقطع بأن لا جريمة ولا عقوبة بلا نص في الشريعة الإسلامية، لا تستند فيما جاءت به إلى العقل والمنطق، ولا تستند إلى نصوص الشريعة العامة التي تأمر بالعدل والإحسان وتحرم الظلم والحيف، وإنما تستند إلى نصوص خاصة صريحة في هذا المعنى، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء:١٥] وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاًًًًًًً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [القصص:٥٩] ، وقوله: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] ، وقوله: ﴿لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩] ، وقوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، وقوله: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] ، فهذه النصوص قاطعة
стр. 117
في أن لا جريمة إلا بعد بيان، ولا عقوبة إلا بعد إنذار، وأن الله لا يأخذ الناس بعقاب إلا بعد أن يبين لهم وينذرهم على لسان رسله، وأنه ما كان ليكلف نفساً إلا بما تطيقه.
٨٩ - متى وجدت قاعدة "لا جريمة ولا عقوبة بلا نص"؟: وجدت هذه القاعدة في الشريعة الإسلامية من مدة تزيد على ثلاثة عشر قرناً، حيث جاءت بها نصوص القرآن كما بينا، وبهذا تمتاز الشريعة على القوانين الوضعية التي لم تعرف هذه القاعدة إلا في أعقاب القرن الثامن عشر الميلادي، حيث أدخلت في التشريع الفرنسي كنتيجة من نتائج الثورة الفرنسية، وقررت لأول مرة في إعلان حقوق الإنسان الصادر في سنة ١٧٨٩، ثم انتقلت القاعدة من التشريع الفرنسي إلى غيره من التشريعات الوضعية.
٩٠ - كيف طبقت الشريعة القاعدة؟: بينا فيما سبق أن القاعدة العامة في الشريعة أن لا جريمة ولا عقوبة بلا نص. ودللنا على ذلك بإيراد النصوص الشرعية التي تقرر القاعدة، وبإيراد القواعد الأصولية التي وضعت تطبيقاً لهذه القاعدة العامة.
وإذا كانت الشريعة تقضي بتطبيق القاعدة على كل الجرائم فإن الشريعة لا تطبق القاعدة على غرار واحد في كل الجرائم، بل إن كيفية التطبيق تختلف بحسب ما إذا كانت الجريمة من جرائم الحدود، أو جرائم القصاص والدية، أو جرائم التعازير. وسنرى فيما يلي كيف طبقت الشريعة القاعدة على مختلف أنواع الجرائم.
* * *
الفرع الأول
لا جريمة ولا عقوبة بلا نص في جرائم الحدود
٩١ - أثر القاعدة في جرائم الحدود: طبقت الشريعة قاعدة أن لا جريمة ولا عقوبة بلا نص تطبيقاً دقيقاً في جرائم الحدود، وهذا ظاهر بجلاء من
стр. 118
تتبع النصوص التي وردت في هذه الجرائم.
وجرائم الحدود سبع:
(١) الزنا (٢) القذف (٣) الشرب (٤) السرقة (٥) الحرابة (٦) الردة (٧) البغي.
ففي جريمة الزنا يقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى﴾ [الإسراء: ٣٢] ، ويقول: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ، ويقول الرسول ﷺ : "خذوا عني فقد جل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة". فهذه النصوص تحرم الزنا وتعاقب عليه بالتغريب والجلد والرجم، وهي كل العقوبات المقررة للزنا في الشريعة.
وفي جريمة القذف يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] ، فهذا النص يحرم القذف ويعاقب عليه بعقوبة أصلية هي الجلد، وبعقوبة تبعية هي الحرمان من حق أداء الشهادة، وليس للقذف في الشريعة عقوبة غير هاتين العقوبتين.
وفي جريمة الشرب يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] ، ويقول الرسول ﷺ : "كل مسكر حرام"، ويقول: "ما أسكر كثيره قليله حرام". وهذه النصوص قاطعة في تحريم تناول الخمر والمسكرات.
أما العقوبة فقد عين النبى ﷺ نوعها بقوله: "اضربوه"، ولكن لم يؤثر عنه أنه حدد مقدار العقوبة تحديداً قاطعاً. وقد روى عنه أنه
стр. 119
ضرب أربعين في الخمر، وروي عنه أن الضرب لم يكن محدد العدد، وفي عهد عمر ﵁ أجمع الصحابة على أن يضرب شارب الخمر ثمانين جلدة قاسياً على القاذف؛ لأن الشارب إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى. فالعقوبة إذن تحددت بقول الرسول وعمله وإجماع الصحابة. وسنة الرسول مصدر من مصادر التشريع الإسلامي، وإجماع الصحابة مصدر آخر من مصادر التشريع، أي أن السنة والإجماع يقوم كلاهما مقام النص على العقوبة.
وفي جريمة السرقة يقول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ﴾ [المائدة: ٣٨] ، فهذا النص يحرم السرقة ويحدد عقوبتها.
وفي جريمة الحرابة يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] ، فهذا النص يحرم الحرابة والسعي بالفساد في الأرض، ويعاقب على ذلك بالنفي والقطع والقتل والصلب.
وفي جريمة الرِدة يقول الله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] ، ويقول: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧] ، ويقول النبي ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه"، ويوقل أيضاً: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". فهذه النصوص تحرم الردة ويعاقب عليها بالقتل.
وفي جريمة البغي يقول الله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] ، ويقول النبي ﷺ : "من أتاكم
стр. 120
وأمركم على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه"، ويقول: "ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق هذه الأمة وهي جمع فاضربوه بالسيف كائناً من كان". فهذه النصوص تحرم بغي طائفة على طائفة، وتجعل جراء البغي القتال والقتل حتى يفيء الباغي ويرجع عن بغيه.
هذه هي جرائم الحدود ليس فيها جريمة إلا نُصّ على تحريمها ونُصّ على عقوبتها، بل لقد عينت الشريعة العقوبات في جرائم الحدود تعييناً دقيقاً بحيث لم تترك للقاضي أيه حرية في اختيار نوع العقوبة أو تقدير كمها، حتى ليمكن القول بأن هذه العقوبات ذات حد واحد حكماً، وإن كان بعضها يحتمل بطبيعته أن يكون ذا حدين.
فلا تسمح الشريعة للقاضي أن ينقص العقوبة أو يستبدل غيرها بها أو يوقف تنفيذها، ولم تجعل الشريعة لظروف الجريمة أو المجرم أي أثر على عقوبات جرائم الحدود، كما أنها لم تجعل للسلطة التنفيذية حق العفو عن هذه العقوبات.
ومن ثم سميت هذه العقوبات بالعقوبات المقدرة حقاً لله تعالى، إشارة إلى أنها محددة النوع والمقدار، وأنها لازمة فلا يمكن المساس بها.
* * *
الفرع الثاني
لا جريمة ولا عقوبة بلا نص في جرائم القصاص والدية
٩٢ - أثر القاعدة في جرائم القصاص والدية: طبقت الشريعة القاعدة أن لا جريمة ولا عقوبة بلا نص تطبيقاً دقيقاً في جرائم القصاص والدية، وليس أدل على ذلك من استعراض النصوص التي وردت في هذه الجرائم.
стр. 121
أما الجرائم التي يعاقب عليها بالدية فهي: جرائم القصاص إذا عفي عن القصاص أو امتنع القصاص لسبب شرعي، ثم القتل شبه العمد، والقتل الخطأ، وإتلاف الأطراف خطأ، والجرح الخطأ.
ففي جريمة القتل العمد يقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] ، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] ، ويقول جل شأنه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] ، ويقول الرسول ﷺ : "من اعتبط مؤمناً بقتل فهو قود به إلا إن رضى ولى المقتول"، ويقول: "من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين: إن أحبوا فالقود - أي القصاص - وإن أحبوا فالعقل - أي الدية"، ويقول: "في النفس مائة من الإبل".
فهذه النصوص تحرم القتل العمد وتجعل عقوبته القصاص، إلا إذا عفا ولي القتيل فتكون العقوبة الدية، وهي مائة من الإبل.
وفي جريمة إتلاف الأطراف عمداً والجرح العمد يقول الله جل شأنه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] ، ويقول: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ، ويقول: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، ويقول: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم﴾ [النحل: ١٢٦] ، فهذه النصوص صريحة في تحريم إتلاف الأطراف والجراح، وفي جعل عقاب الجريمة القصاص في حالة العمد.
стр. 122
وفي جريمة القتل شبه العمد يقول رسول الله ﷺ : "ألا إن في قتيل عمد الخطأ: قتيل السوط، والعصا، والحجر، مائة من الإبل"، فهذا النص يحرم القتل شبه العمد، ويعاقب عليه بالدية.
وفي جريمة القتل الخطأ يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢] ، ويقول رسول الله ﷺ : "وفي دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بنو مخاض"، فهذان النصان يحرمان القتل الخطأ، ويعاقبان عليه بالدية، ويبينان مقدارها وأوصافها.
وفي قطع الأطراف والجراح خطأ حدد الرسول العقوبة على أساس أن ما كان في الجسم منه عضو واحد كالأنف والذكر واللسان ففيه الدية كاملة، وما كان في الجسم منه عضوان ففيه نصف الدية، فقال ﷺ : "في الأنف إذا أوعب مارنه جدعاً الدية"، وقال: "وفي اللسان الدية، وفي الذكر الدية"، وقال: "في الصلب الدية"، وقال: "في اليدين الدية وفي الرجلين الدية"، وقال: "في الأنثيين الدية"، وقال: "في الأذنين الدية"، وقال: "في العين خمسون من الإبل"، وقال: "في السن خمسة من الإبل"، وأوجب الرسول الدية في إذهاب المعاني، كالسمع والبصر والعقل.
أما الجراح فقد حدد النبي عقوبة بعضها دون بعض، فجعل أرش الموضحة خمساً من الإبل، وأرش الهاشمة عشراً من الإبل، وفي الأمة والدامغة (١) ثلث
стр. 123
الدية.
والقاعدة العامة في الشريعة: أن كل تلف أو جرح لم يحدد له الرسول دية أو أرشاً (١) فيه حكومة، وهي ما يحكم به القاضي بناء على تقدير أهل الخبرة بحيث لا يمكن أن تصل الحكومة إلى الدية أو الأرش الذي عينه الرسول للتلف أو الجرح الذي يليه في الشدة. وهذه القاعدة مجمع عليها من الأمة.
والدية في قطع الأطراف والجراح العمدية هي نفس الدية الواجبة في الخطأ، ولكنهما يختلفان في الوصف، فدية العمد مغلظة، ودية الخطأ مخففة، طبقاً لأحاديث الرسول وفعله.
وإذن فالعقوبة في إتلاف الأطراف محددة تحديداً لا شك فيه بنصوص صريحة في معظم الأحوال، وبإجماع لا شك فيه في بقية الحالات، والإجماع كما علمنا مصدر تشريعي من مصادر الشريعة الإسلامية، وهو ملزم بالمكلف كما يلزمه النص الصريح.
ومما سبق يتبين أن جرائم القصاص والدية منصوص عليها وعلى عقوباتها، وان الشريعة عينت هذه العقوبات تعييناً دقيقاً بحيث لم تترك للقاضي حرية في اختيار العقوبة وتقديرها، فكل مهمته أن يوقع العقوبة المقررة إذا ثبت لديه أن الجاني هو الذي أرتكب الجريمة بغض النظر عن ظروف الجريمة وظروف الجاني.
ويلاحظ أن سلطة القاضي في جرائم القصاص والدية تماثل سلطته في جرائم الحدود، ولا تفترق عنها إلا في أن القاضي ملزم أن لا يطبق عقوبة القصاص أو الدية إذا عفا عنها المجني عليه أو وليه، وأن يطبق العقوبة التي
стр. 124
توجبها الشريعة أو يوجبها ولي الأمر في حالة العفو عن القصاص والدية.
وعقوبة القصاص وعقوبة الدية من العقوبات المقدرة؛ لأنها محددة النوع والمقدار، ولكنها مقدرة حقاً للأفراد، ومن ثم كان للمجني عليه أو وليه العفو عن العقوبة لأنها حقه، وصاحب الحق يستطيع أن يستوفيه وأن يتركه، أما ولي الأمر فليس له أن يسقط عقوبة القصاص أو الدية أو أن يعفو عن أحدهما، كما أنه لا يستطيع أن يسقط عقوبات الحدود أو يعفو عنها؛ لأنه لا يملك إسقاط حق الله ولا حقوق الأفراد (١)
، وإن كان عليه أن يستوفيها لأن استيفاءها من مقتضيات وظيفته.
* * *
стр. 125
الفرع الثالث
لا جريمة ولا عقوبة بلا نص في جرائم التعازير
٩٣ - أثر القاعدة في جرائم التعازير: طبقت الشريعة قاعدة أن لا جريمة ولا عقوبة بلا نص في جرائم التعازير أيضاً، وكان من المنطقي أن تطبقها؛ لأن القاعدة من القاعد الأساسية في الشريعة فلا يمكن إهمالها، ولكن الشريعة لم تطبق القاعدة على الوجه الذي طبقتها به على جرائم الحدود، أو جرائم القصاص والدية، ولم تتقيد بالحدود الضيقة التي قيدت بها تطبيق القاعدة في هذه الجرائم، وإنما توسعت الشريعة في تطبيق القاعدة على جرائم التعازير إلى حد ما؛ لأن المصلحة العامة وطبيعة التعزير تقتضي هذا التوسع الذي جاء على حساب العقوبة في أغلب الأحوال، وعلى حساب الجريمة في القليل النادر.
وقد جاء هذا التوسع على حساب العقوبة؛ لأنه لا يشترط في جرائم التعازير أن يكون لكل جريمة عقوبة معينة محددة يتقيد بها القاضي كما هو الحال في جرائم الحدود أو جرائم القصاص والدية، فللقاضي أن يختار لكل جريمة ولكل مجرم العقوبة الملائمة من مجموعة من العقوبات شرعت لعقاب الجرائم التعزيرية كلها، وللقاضي أن يخفف العقوبة وأن يغلظها.
وجاء التوسع على حساب الجريمة؛ لأنه يجوز في بعض الجرائم التي تمتاز بصفات معينة أن لا ينص على الجريمة بحيث يعينها النص تعييناً كافياً، بل يكفي أن ينص عليها بوجه عام.
٩٤ - ما هو التعزير؟: ولأجل أن نتبين أثر القاعدة تماماً في جرائم التعازير يجب أن نعرف قبل كل شئ ما هو التعزير.
التعزير: هو تأديب على
стр. 126
ذنوب لم تشرع فيها الحدود (١) ، أي هو عقوبة على جرائم لم تضع الشريعة لها عقوبات معينة محددة، فهو يتفق مع الحدود (٢) من وجه وهو أنه تأديب استصلاح وزجر يختلف بحسب اختلاف الذنب، ولكنه يختلف عنها من وجهين (٣) :
أولهما: أن لكل حد عقوبة معينة أو عقوبات لا محيص من توقيعها على الجاني، أما في التعزير فهناك مجموعة من العقوبات تبدأ من النصح وتنتهي بالجلد والحبس، وقد تصل للقتل في الجرائم الخطيرة، ويترك للقاضي أن يختار من بين هذه المجموعة العقوبة الملائمة للجريمة لحال المجرم ونفسيته وسوابقه، وللقاضي أن يوقع أكثر من عقوبة، وله أن يخفف العقوبة أو يشددها وله أن يوقف التنفيذ إن رأى في ذلك ما يكفي لردع الجاني وتأديبه.
ثانيهما: أن عقوبة الحد لا يجوز لولي الأمر فيها العفو، أما عقوبات التعزير فلولي الأمر العفو عنها كلها أو بعضها.
٩٥ - الشريعة لم تنص على كل جرائم التعازير: لم تنص الشريعة على كل جرائم التعازير، ولم تحددها بشكل لا يقبل الزيادة والنقصان، كما فعلت في جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية، وإنما نصت على ما تراه من هذه الجرائم ضاراً بصفة دائمة بمصلحة الأفراد والجماعة والنظام العام، وتركت لأولي الأمر في الأمة أن يحرموا ما يرون بحسب الظروف أنه ضار بصالح الجماعة أو أمنها أو نظامها، وأن يضعوا قواعد لتنظيم الجماعة وتوجيهها، ويعاقبوا على مخالفتها. والقسم الذي ترك لأولي الأمر من جرائم التعازير أكبر من القسم الذي نصت عليه الشريعة وحددته، ولكن الشريعة لم تترك لأولي الأمر حرية مطلقة فيما يحلون أو يحرمون بل أوجبت أن يكون ذلك متفقاً
стр. 127
مع نصوص الشريعة ومبادئها العامة وروحها التشريعية.
٩٦ - أقسام التعزير: ينقسم التعزير ثلاثة أقسام:
(١) تعزير على المعاصي (٢) وتعزير للمصلحة العامة (٣) وتعزير على المخالفات.
والأول فرض على أفعال حرمتها الشريعة بذواتها ويعتبر إتيانها معصية. والثاني فرض لأفعال وحالات لم تحرم لذواتها وإنما حرمت لأوصافها، ولا يشترط في الفعل أو الحالة المحرمة أن يكون معصية. والثالث فرض على أفعال حرمتها الشريعة بذواتها ويعتبر إتيانها مخالفة ولا يعتبر معصية.
والفرق بين هذه الأقسام الثلاثة: أن الفعل في القسم الأول يكون محرماً دائماً ومعتبراً معصية، وفي القسم الثاني لا يكون الفعل محرماً إلا إذا توفر فيه وصف معين؛ لأن الفعل ذاته ليس معصية، أما في القسم الثالث فيكون الفعل مأموراً به أو منهياً عنه، ولكن إتيانه يعتبر مخالفة لا معصية.
* * *
القسم الأول: التعزير على المعاصي
٩٧ - التعزير على المعاصي: من المتفق عليه أن التعزير يكون في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، سواء كانت المعصية لله أو لحق آدمي (١) ، ومعنى أن المعصية لله أنها تمس حقوق الجماعة أو أمنها أو نظامها، ومعنى لأنها حق آدمي أنها تمس حقوق الأفراد.
والمعاصي: هي إتيان ما حرمته الشريعة من المحرمات، وترك ما اوجبته من الواجبات (٢) .
стр. 128
ويعرف المحرم: بأنه ما طلب من المكلف الكف عن فعله طلباً حتماً، بأن تكون صيغة طلب الكف دالة على الحتم، مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] ، أو أن يكون النهي عن الفعل مقترناً بما يدل على أنه حتم، مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢] ، وقوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] ، أو أن يكون الأمر بالاجتناب مقترناً بذلك، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] ، أو أن يكون طلب الكف مقترناً بترتيب عقوبة، مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] .
ويعرف الواجب: بأنه ما طلب فعله من المكلف طلباً حتماً بأن أقترن طلبه بما يدل على تحتيم فعله، مثل قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ، ومثل قوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] .
ويختلف المحرم عن المكروه: فالمكروه هو ما طلب من المكلف الكف عن فعله طلباً غير حتم، فإن كان الطلب حتماً فهو محرم.
ويختلف الواجب عن المندوب: فالمندوب هو ما طلب فعله من المكلف طلباً غير حتم، فإن كان الطلب حتماً فهو الواجب.
وقد يشتمل المحرم بالمكروه، ويشتبه الواجب بالمندوب، وفي هذه الحالة يعتمد على القرائن لبيان نوع الطلب، فإن دلت القرائن على الكف المحتم فهو المحرم، وإن دلت على الفعل المحتم فهو الواجب، أما إذا دلت على الكف غير المحتم فهو المكروه، وإن دلت على الفعل غير المحتم فهو المندوب. ومن أهم القرائن المعتبرة في حالة الاشتباه قرينة العقوبة، فإن فرضت على مخالفة الطلب عقوبة فالفعل محرم أو واجب، وإن لم تفرض عقوبة فالفعل مكروه أو مندوب، ما لم يستفد الحتم من قرينة أخرى، ولهذا يعرف بعض العلماء الأصول المحرم:
стр. 129
بأنه ما استحق فاعله العقوبة، ويعرف الواجب: بأنه ما يستحق تاركه العقوبة، ويعرف المكروه: بأنه ما لا يستحق فاعله العقوبة وإن استحق اللوم، بأنه ما لا يستحق تاركه العقوبة وقد يستحق اللوم. وهي تعريفات غير دقيقة كما يرى البعض الآخر (١) .
٩٨ - أنواع المعاصي: يقسم الفقهاء المعاصي إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: ما فيه الحد (٢) ، وقد تضاف إلى الحد الكفارة: مثل القتل والسرقة والزنا وغير ذلك من جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية، ولا يدخل تحت هذا النوع إلا جرائم الحدود وعددها سبع، وجرائم القصاص والدية وعددها خمس؛ لأن هذه الجرائم دون غيرها هي التي تعاقب عليها الشريعة بعقوبة الحد؛ أي بعقوبة مقدرة.
والأصل في هذا النوع من المعاصي أن عقوبة الحد تغني فيه عن التعزير، لكن ليس ثمة ما يمنع أن يجتمع التعزير مع عقوبة الحد إذا اقتضت ذلك المصلحة العامة، وهذا هو اتجاه المذاهب الأربعة.
فمالك يرى تعزير الجاني مع عقوبة القصاص في الجناية عمداً على ما دون النفس (٣) ، وحجته في هذا أن القصاص جعل مقابلاً للجريمة، وهو حق المجني عليه، وأن التعزير للتأديب وهو حق الجماعة، ولا يرى مالك الجمع بين القصاص والتعزير في القتل العمد؛ لأنه لا فائدة من التعزير مع القتل، ولكنه يرى التعزير كلما سقط القصاص لمانع من الموانع (٤) .
وفي مذهب الشافعي يجيزون اجتماع الحد مع التعزير، كمن قتل من لا يقاد
стр. 130
به، فإن عليه الدية وهي حد وعليه التعزير، وكالزيادة على الأربعين في حد الشرب؛ لأن حد الشرب عند الشافعية أربعون جلدة، وما زاد على ذلك فهو عندهم تعزير، وكتعليق يد السارق في عنقه بعد قطعها؛ فإن القطع هو الحد والتعليق تعزير (١) .
وفي مذهب أحمد يجيزون تعليق يد السارق في عنقه بعد قطعها (٢) ، ومعنى هذا أنهم يجيزون أن يجتمع مع الحد التعزير.
وفي مذهب أبي حنيفة يعتبرون التغريب المقرر للزاني غير المحصن تعزيراً لا حداً، ويجيزون أن يجتمع التغريب مع الحد بهذه الصفة، ومعنى هذا أنهم يجيزون اجتماع الحد مع التعزير (٣) .
النوع الثاني: ما فيه الكفارة ولا حد فيه: كالوطء في نهار رمضان، والوطء في الإحرام.
والكفارة في أصلها نوع من العبادة؛ لأنها عبارة عن عتق أو صوم أو إطعام مساكين، فإذا فرضت فيما لا يعتبر معصية كانت عبادة خالصة، ومثل ذلك الإطعام بدل الصوم لمن لا يطيق الصوم، وإذا فرضت على معصية فهي عقوبة خالصة، كالكفارة في القتل الخطأ والظهار، والكفارة في هذا تشبه المال، فهو قد يكون عقوبة جنائية كما في حالة الغرامة، وقد يكون تعويضاً إذا حكم به لتعويض الضرر، وقد يكون عقوبة وتعويضاً إذا جمع بين العقوبة والتعويض كالدية.
والمعاصي التي تدخل تحت هذا النوع محدودة، ومحلها إفساد صيام،
стр. 131
أو إفساد إحرام، أو حنث يمين، أو وطء في حيض أو ظهار (١) .
ويختلف الفقهاء في جواز التعزير في هذا النوع من المعاصي، فيرى البعض أن لا تعزير فيه؛ اكتفاء بالعقوبة التي حددت له وهي الكفارة، ويرى البعض الآخر - ورأيهم الراجح - أنه لا يجوز أن يجتمع مع الكفارة التعزير (٢) .
النوع الثالث: ما لا حد فيه ولا كفارة: كتقبيل المرأة الأجنبية والخلوة بها، والشروع في السرقة، وأكل الميتة، ويدخل تحت هذا النوع ما لا يدخل تحت النوعين السابقين، فيدخل تحته معظم المعاصي، بل إن المعاصي التي تدخل تحته لا تعد كثرة؛ لأنها غير محصورة.
ومن المتفق عليه بين الفقهاء أن هذا النوع من المعاصي فيه التعزير، أي لا عقوبة عليه إلا التعزير.
والمعاصي التي لا حد فيها ولا كفارة متنوعة، ولكنها لا تخرج عن أحد أنواع ثلاثة (٣) :
(أ) نوع شرع في جنسه الحد ولكن لا حد فيه: كالسرقة من غير حرز، وسرقة ما دون النصاب، والسرقة غير التامة. فالسرقة شرع فيها الحد بشروط منها: أن تكون من حرز، وأن يكون المسروق نصاباً، وأن تكون السرقة تامة، فإذا لم تتوفر هذه الشروط فلا حد. ومثل ذلك الشروع في الزنا ومقدمات الزنا من خلوة وتقبيل وعناق.
وهكذا كل ما شرع فيه الحد ولم تتوفر فيه شروط الحد فلا حد فيه وإنما فيه تعزير.
стр. 132
(ب) نوع شرع فيه الحد ولكن امتنع الحد فيه: إما لشبهة درأت الحد؛ كوطء الزوجة في دبرها، وسرقة المال المشترك، وإما لسبب خاص بالجاني؛ كقتل الأب ولده، فإنه لا قصاص فيه، وسرقة الفروع من الأصول فإنها لا تقع فيها، ويحل محل القطع التعزير.
(ج) نوع لم يشرع فيه ولا في جنسه الحد: ومن هذا النوع أكثر المعاصي مثل: أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وخيانة الأمانة ممن ائتمن عليها؛ كأمين بيت المال وناظر الوقف والوصي والوكيل، ومثل تطفيف المكيال والميزان، وشهادة الزور، وأكل الربا، والسب، والرشوة، وغير ذلك.
٩٩ - ما هو السبيل إلى معرفة المعاصي؟: والمعاصي سواء كان فيها حد أو كفارة أو لا حد فيها ولا كفارة، مبينة بياناً لا خفاء فيه في الشريعة الإسلامية، وكل إنسان يستطيع إذا شاء أن يعرفها ويلم بها لو راجع النصوص من قرآن وسنة، فالسبيل إلى معرفة المعاصي هو نفس السبيل الذي تعرف به الجرائم في القوانين الوضعية، وهو الاطلاع والدراسة؛ فمن اطلع ودرس عرف المعاصي في الشريعة، وعرف الجرائم في القوانين الوضعية، ومن لم يطلع ولم يدرس فهو جاهل بالشريعة، كما هو جاهل بالقوانين وبغيرها من العلوم.
وليس يعيب الشريعة في أي شئ أن المعاصي لم تجمع في كتاب واحد، فإن العبرة ليست بجمع الجرائم، وعلى عقوباتها، على أنه ليس في الشريعة ما يمنع أولي الأمر من جمع المعاصي في كتاب خاص تبين فيه واحدة واحدة، مرتبة بحسب نوعها أو عقوباتها أو محلها أو غير ذلك من أوجه الترتيب والتنظيم، ما دام المقصود من التجميع تسهيل الاطلاع على المعاصي وتيسير العلم بها.
ومن يراجع نصوص الشريعة ويدرسها يستطيع دون شك أن يجد لكل معصية نصاً صريحاً حرمها، ونصاً صريحاً يعاقب عليها إن كانت المعصية معاقباً
стр. 133
عليها بالحد أو الكفارة، أما إن كانت معاقباً عليها بالتعزير فإنه يجد النص الذي حرمها، والنصوص التي فرضت عقوبات التعزير عليها وعلى غيرها.
ولقد استعرضنا جرائم الحدود، وجرائم القصاص والدية، فوجدنا لكل هذه الجرائم نصوصاً تحرمها وتحد عقوباتها، وهذه الجرائم تدخل كما علمنا تحت النوع الأول من أنواع المعاصي، وهو النوع الذي فيه الحد أصلاً والكفارة مع الحد أحياناً، وبقى أن نستعرض النوع الثاني من المعاصي الذي فيه الكفارة، والذي قلنا إن هناك خلافاً على التعزير فيه، وبعد أن نستعرض النصوص التي وردت فيه نستعرض النوع الثالث من المعاصي وهو النوع الذي لا حد فيه ولا كفارة.
١٠٠ - المعاصي التي فيها الكفارة ولا حد فيها: ذكرنا أن هذه المعاصي هي إفساد الصيام، وإفساد الإحرام، والحنث في اليمين، والوطء في حيض، والوطء في ظهار، وسنعرضها واحدة بعد أخرى.
إفساد الصيام: يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] ، ويقول: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] . وروى أبو هريرة، أن رجلاً جاء رسول الله ﷺ فقال: "هلكت يا رسول الله. قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال: هل تجد ما تعتق به رقبة؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد ما تطعم به ستين مسكيناً؟ قال: لا. ثم جلس فأتى النبي بفرق
الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلائِدَ﴾ [المائدة: ٢] .
ومن السنة الثابتة ما يرويه كعب بن عجرة: أنه كان مع رسول الله ﷺ مُحْرِماً فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله أن يحلق رأسه، وقال له: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ثلاثة مساكين، مُدَّين لكل إنسان، أو انْسُك بشاة".
ومن المتفق عليه أن المنع من حلق الرأس لم يقصد لذاته، وإنما قصد منه منع الزينة والترفيه، ولذا يأخذ حكمه استعمال الطيب، ولبس المخيط. وروى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال في المحرم: "لا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرنس ولا العمامة ولا الخف، إلا أن يجد نعلين فيقطعهما من أسفل الكعبين، ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران".
ويفسر الرفث بالجماع، والفسوق بأنه الخروج عما يجب على المحرم إلى الأشياء التي كانت مباحة قبل أن يُحْرِم، كالصيد والطَّيب والزينة بلبس المخيط (١) .
هذه هي النصوص التي تحرم ما يفسد الإحرام، وتلك هي العقوبات التي فرضتها على من يفسد إحرامه، وهي نصوص صريحة كانت وما تزال عماد الفقهاء في بيان ما يفسد الإحرام، وما يجب عليه من عقوبة.
الحنث في اليمين: يقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] ، ويقول: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] ، وقال رسول الله ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: "يا عبد الرحمن بن سمرة
стр. 136
لا تسأل الإمارة، فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وُكِلْتَ إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أُعِنْتَ عليها، وإن حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفَّر عن يمينك"، ولا شك أن هذه النصوص صريحة في تحريم الحِنْث باليمين، وتبيان عقوبة الفعل المحرم (١) .
الوطء في الحيض: يقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ، وروي عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض: أنه يتصدق بدينار، وروي عنه بنصف دينار، وروي أيضاً في حديث ابن عباس هذا أنه إن وطئ في الدم فعليه دينار، وإن وطئ في انقطاع الدم فنصف دينار، وروي هذا الحديث على أنه يتصدق بخمسي دينار.
ونص القرآن صريح في تحريم إتيان المرأة في الحيض، أما الحديث المروي عن ابن عباس فقد صح عند أحمد فأوجب الكفارة ديناراً على من وطئ الحائض (٢) . أما الأئمة الثلاثة فلم يصح عندهم شئ من هذه الأحاديث؛ ولذلك لم يوجبوا الكفارة في وطء الحائض عملاً بالأصل الذي هو سقوط الحكم حتى يثبت بدليل (٣) .
ويترتب على القول بعدم وجوب الكفارة أن الفعل يكون عند القائلين بهذا من المعاصي التي لا حد فيها ولا كفارة، أي من المعاصي التي يمكن التعزير فيها.
الوطء في الظهار: يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ
стр. 137
يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ* فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٣، ٤] ، والنص قاطع في تعيين المعصية وتحديد العقوبة (١) .
١٠١ - المعاصي التي لا حد فيها ولا كفارة: بينا فيما سبق أن المعاصي التي لا حد فيها ولا كفارة تنقسم إلى ثلاثة أنواع: نوع شرع في جنسه الحد ولكن لا حد فيه، ونوع شرع في جنسه الحد ولكن امتنع الحد فيه، ونوع لم يشرع فيه ولا في جنسه الحد.
فأما النوع الأول والثاني فقد سبق أن بينا النصوص التي وردت بالتحريم فيهما وذلك عندما تكلمنا على النصوص التي جاءت في جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية.
وأما النوع الثالث فيدخل تحته أكثر المعاصي، ولو كان ما يدخل تحته محدوداً لاستعراضنا النصوص التي وردت فيه كلها كما فعلنا في غيره من الأنواع، ولكن الواقع أن المعاصي التي تدخل تحت هذا النوع غير محدودة، ومن ثم فلن نستعرضها جميعاً، وسنكتفي بعرض النصوص التي تحرم أهم المعاصي؛ تدليلاً على أن الشريعة الإسلامية تطبق قاعدة أن لا جريمة ولا عقوبة بلا نص في هذا النوع من المعاصي.
١ - تحريم بعض المطاعم: يقول الله التعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾
стр. 138
[البقرة: ١٧٣] ، ويقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣] ، ويقول: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:١] ، ويقول: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ، ويقول رسول الله ﷺ : "الكلب خبيث، خبيث ثمنه"، ويروي جابر عن رسول الله ﷺ فيقول: ذبحنا يوم حنين الخيل والبغال والحمير، فنهانا رسول الله عن البغال والحمير، ولم ينهنا عن الخيل. وروى ابن عباس أن النبي نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وأكل كل ذي مخلب من الطير. وروت عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "خمس يُقتلن في الحِلَّ والحرَم: الحية، والفأرة، والغراب الأبقع، والحَدَأة، والكلب العقور".
٢ - خيانة الأمانة: يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾ [الأحزاب: ٧٢] ، ويقول: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] ، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧] ، ويقول: ﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢] ، ويقول: ﴿فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ﴾ [النساء: ٦] ، ويقول: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤] ، ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] ، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ، وقال الرسول
стр. 139
عليه الصلاة والسلام: "أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر"، وقال: "لا إيمان لمن لا أمانة له".
٣ - غش المكاييل والموازين وغيرها: يقول الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ* الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:١ - ٣] ، ويقول: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ* وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ* وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١ - ١٨٣] .
٤ - شهادة الزور: يقول الله تعالى: ﴿وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، ويقول: ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] ، ويقول: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] وقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] ، ويروي أبو بَكْرةَ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " وكررها ثلاثاً. قلنا: بلى يا رسول الله. قال: "الإشراك بالله وعقوق الوالدين" وكان متكئاً فجلس فقال: "ألاَ وقول الزور، وشهادة الزور" فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت.
٥ - أكل الربا: يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، ويقول: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] ، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ* فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨،
стр. 140
٢٧٩] ، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] ، ويقول: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] ، وقال الرسول ﷺ : "اجتنبوا السبع الموبقات". قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات".
٦ - السب: يقول الله تعالى: ﴿لاَّ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] ، ويقول: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] ، ويقول: ﴿وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] ، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١] ، وقال الرسول ﷺ : "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يَحْقِرُه"، وقال: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وعرضه وماله"، وقال: "إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق"، وقال: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر".
٧ - الرشوة: يقول الله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] ، ويقول: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] ، وقال رسول الله ﷺ : "لعن الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما"، وقال: "لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم"، وقال: "هدايا الأمراء غُلول، وهدايا الأمراء سُحْت"، ويروي أبو حميد الساعدي أن رسول الله بعث ابن اللتيبة على الصدقة، فلما جاء قال: هذا لكم وهذا أهدى لي،
стр. 141
فقال الرسول ﷺ : "ما بال أقوام نستعملهم على ما ولاَّنا الله فيقول هذا لكم وهذا أهدى لي، فهلاَّ جلس في بيت أبيه فنظر أيهدى له أم لا؟ ".
٨ - ألعاب القمار والميسر: يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] .
٩ - دخول المساكن بغير حق: يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ* فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٧] ، ويقول: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾ [النور: ٢٩] .
١٠ - التجسس: يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] .
هذه هي عشر جرائم من أهم جرائم التعزير، استعرضناها والنصوص التي وردت فيها، وظاهر بجلاء أن النصوص عينت الجرائم التي حرمتها بما لاسبيل إلى الشك فيه، ويستطيع من له إلمام بالشريعة أن يجد لكل ما حرمته الشريعة نصاً يعين الجريمة ويحددها، وفي هذا وفيما استعرضناه من نصوص وردت في المعاصي التي يعاقب عليها بحد أو كفارة، وفي هذا كله الدليل القاطع على أن الشريعة تطبق قاعدة أن لا جريمة ولا عقوبة بلا نص على كل الأفعال التي حرمتها.
١٠٢ - ظنون لا أساس لها من الحق: ولقد ظن البعض خطأ أن الشريعة الإسلامية لم تعين جرائم التعزير، وأنها تركت للقاضي تلك المهمة، ورتبوا على هذا الظن الخاطئ أن سلطة القاضي في التعزير سلطة تحكمية، وأن جرائم التعازير وعقوباتها غير منصوص عليها وأنها متروكة لتقدير القاضي، فإن رأى أن عاقب على الفعل عاقب ولو أنه لم يحرم من قبل أو لم يسبق العقاب عليه.
ومنطق هؤلاء باطل، لأنه يقوم على ظنون لا أساس لها من الحق أو الواقع.
ولقد وقع هؤلاء في ظنهم الخاطئ؛ نتيجة لسوء الفهم وقلة الاطلاع،
стр. 142
فكتب الشريعة مركزة العبارة، تصاغ عبارتها عادة في دقة بالغة حتى لتبلغ في تركيزها أكثر مما تبلغه نصوص القوانين الوضعية من التركيز والدقة، وللفقهاء فوق ذلك كله تعبيرات واصطلاحات خاصة ينبغي أن يلم بها المرء قبل دراسة الشريعة، كما ينبغي أن يلم دارس القانون قبل دراسته بالاصطلاحات القانونية، فمن جهل الاصطلاحات الشرعية ولم يدقق في الاطلاع على نصوص الشريعة، فلا شك أنه لم يصل إلى فهم كتب الشريعة فهماً صحيحاً، وهذا هو الذي حدث فعلاً للقائمين بأن الشريعة لم تحدد جرائم التعزير وعقوباتها، فإنهم لم يفهموا ما كتبه الفقهاء في هذه المسألة على وجهه الصحيح، ولو فهموه على وجهه لعلموا أن الشريعة حددت الأفعال المعتبرة المعاصي وعينتها، وأن الشريعة توجب على القاضي قبل كل شيء أن يبحث عما إذا كان الفعل المنسوب للجاني معصية بحسب نصوص الشريعة أم لا، فإن وجده معصية بحيث إن كانت التهمة ثابتة قبل الجاني أم لا، فإن كانت ثابتة عاقبه بإحدى العقوبات التي وضعتها الشريعة للتعزير، بشرط أن تكون عقوبة ملائمة في نوعها وكَمها للجريمة وللمجرم، أما إذا وجد القاضي أن الفعل ليس معصية فلا جريمة ولا عقوبة.
وليس للقاضي ولا لأحد كائناً من كان أن يعتبر فعلاً ما معصية ما لم تعتبره الشريعة كذلك، وليس للقاضي ولا لأحد كائناً من كان أن يعاقب على معصية بعقوبة لم تقررها الشريعة وإلا كان محرماً ما أحله الله، مبيحاً ما حرمه، وقائلاً على الله بغير علم.
١٠٣ - نماذج مما كتبه الفقهاء في التعزير: ونستطيع أن نتبين صحة ما قلناه من عرض بعض ما كتبه بعض الفقهاء عن التعزير.
فهذا فقيه حنفي يقول: "التعزير يكون في كل معصية ... إلخ، وليس فيه شيء مقدر، وإنما هو مفوض إلى رأي الإمام على ما تقتضي جنايات الناس وأحوالهم" (١) .
وهذا فقيه شافعي يقول: "من أتى معصية لا حد فيها ولا كفارة عزر حسب ما يراه السلطان" (٢) .
وهذا فقيه
стр. 143
مالكي يقول بعد أن يعدد جرائم القصاص والديات وجرائم الحدود: "وما عداها فيوجب التعزير، وهو موكول لاجتهاد الإمام. ويعزر الإمام لمعصية الله أو لحق آدمي" (١) .
وهذا فقيه حنبلي يقول: "التعزير هو التأديب وهو واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، وأقله غير مقدر فيرجع فيه إلى اجتهاد الإمام والحاكم فيما يراه وما يقتضيه حال الشخص" (٢) .
فهذه كلمات القليلة عن التعزير لا يمكن فهمها على حقيقتها إلا إذا فهم معنى المعصية، ومعنى الحد، ومعنى الكفارة، ومعنى العقوبة المقدرة، والعقوبة غير المقدرة.
ولقد بينا معنى المعصية والكفارة فيما سبق فلنبين الآن معنى الحد. والحد: هو العقوبة المقدرة شرعاً، ومعنى أنها مقدرة شرعاً أن الشارع عين نوعها وبين مقدارها بنفسه، ولم يترك للقاضي حق تعيينها أو تقديرها، ولم يجعل له أن ينقص منها أو يزيد فيها، أو يستبدل بها غيرها، أو يوقف تنفيذها، فهي عقوبة لازمة، وهي عقوبة تصبح بتعيينها وتقديرها ذات حد واحد ولو كانت طبيعتها تسمح بأن تكون ذات حدين، فعقوبة الزاني غير المحصن عقوبة مقدرة وهي الجلد مائة جلدة لا تنقص واحدة ولا تزيد واحدة، وقد أصبحت بهذا التعيين والتحديد عقوبة ذات حد واحد، ولو أن طبيعتها تسمح بأن تكون ذات حدين، وعقوبة القذف ثمانون جلدة لا تزيد واحدة ولا تنقص واحدة؛ فهي عقوبة مقدرة.
وعقوبة القصاص مقدرة بطبيعتها؛ لأنها لا تزيد ولا تنقص شيئاً عما فعله الجاني. وعقوبة الدية مقدرة؛ لأنها ذات حد واحد بتعيينها وتحديد مقدارها، بحيث لا يستطيع القاضي أن يزيد فيها أو ينقص منها.
أما العقوبة غير المقدرة فهي: كل عقوبة تُرك للقاضي اختيار نوعها من بين عقوبات متعددة، وتُرك له أن يقدر كمها - إذا لم تكن بطبيعتها ذات حد
стр. 144
واحد - بحيث لا يرتفع حدها الأعلى ولا ينزل عن حدها الأدنى.
فإذا فهمنا معنى هذه الاصطلاحات سهل علينا أن نفهم ما يقوله الفقهاء عن التعزير، فإذا قالوا: إن التعزير يكون في كل معصية، فمعنى ذلك أن التعزير يكون في كل فعل نصت الشريعة على تحريمه، وإذا قالوا: إن التعزير ليس فيه شيء مقدر، فمعنى ذلك أن جرائم التعازير لم توضع لكل منها عقوبة معينة مقدرة لا محيص من توقيعها على الجاني كما هو الحال في جرائم الحدود أو جرائم القصاص والدية، وإنما وضعت لها عدة عقوبات ليس القاضي ملزم بتطبيق إحداها دون الأخرى، وإنما له أن يختار منها واحدة أو أكثر، فإذا اختار إحداها وكانت ذات حدين بطبيعتها فله أن ينزل بالعقوبة إلى الحد الأدنى، أو يرتفع بها إلى الحد الأعلى، وعلى هذا إذا كانت عقوبة الجريمة التعزيرية ليست مقدرة لعدم النص على حد معين لازم من العقاب.
وإذا قال الفقهاء: إن التعزير مفوض لرأي الإمام أو الحاكم أو اجتهادهما، فمعنى ذلك أن القاضي وهو القائم مقام الإمام أو السلطان أو الحاكم ترك له حق اختيار عقوبة التعزير وتقديرها طبقاً لما يراه من ظروف الجريمة وظروف المجرم، وطبقاً لما يؤديه إليه اجتهاده ورأيه الشخصي في تقدير هذه الظروف.
١٠٤ - كيف فرضت الشريعة عقوبات التعزير؟: بينا فيما سبق أن الشريعة نصت على جرائم التعازير وعينتها، وقدمنا الدليل على ذلك من نصوص الشريعة، ومن قواعدها العامة، ومن النصوص التي حرمت الجرائم وعينتها، وقلنا إن الشريعة كما نصت على جرائم التعزير نصت أيضاً على عقوبات التعزير، والآن نقدم الدليل على هذا القول:
أولاً: عقوبة الوعظ، وعقوبة التهديد، وعقوبة الجلد أو الضرب: هذه العقوبات نص عليها القرآن والسنة، فيقول الله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ
стр. 145
فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٣٤] ، فهذا النص القرآني يفرض ثلاث عقوبات تعزيرية على المرأة لا تطيع زوجها، وهي الوعظ، والهجر، والضرب، ولما كان النشوز وعدم الطاعة معصية لا حد فيها ولا كفارة، فمعنى ذلك أن هذه العقوبات فرضت لكل معصية لا حد فيها ولا كفارة.
وإذا كان الهجر في المضاجع عقوبة خاصة بالمرأة لا يملكه إلا الزوج، فإن الهجر في المضاجع ليس إلا نوعاً من الهجر، وقد أمر الرسول بهجر الثلاثة الذين خلفوا، وأمر عمر بهجر صبيع، فالهجر عقوبة عامة معناها المقاطعة وحدها توبة المهجور (١) .
وقال رسول الله ﷺ : "رحم الله امرأ علق سوطه بحيث يراه أهله"، وقال: "لا ترفع عصاك عن أهلك"، وقال: "علموا أولادكم الصلاة لسبع واضربوهم على تركها لعشر"، وقال: "من بلغ حداًً في غير حد فهو من المعتدين"، فهذه النصوص تفرض عقوبتين: أولاهما: التهديد بالعقاب والتخويف منه، وهذا ما يستفاد من تعليق السوط بحيث يرى وعدم رفع العصا.
والثانية: هي الضرب بالعصا أو الجلد بالسوط، والنص الأخير صريح في جواز الجلد في غير الحدود، كما أنه يعين الحد الأعلى بعقوبة الجلد على رأى.
فالقرآن والسنة يفرضان عقوبات الوعظ والهجر والتهديد والجلد، وعقوبة الجلد والضرب ذات حدين بطبيعتها، ويرى البعض أن الحديث السابق عين الحد الأعلى للعقوبة، بينما يرى البعض أن الحد الأعلى يعينه ولي الأمر (٢) .
أما عقوبة الوعظ والتهديد فكلاهما عقوبة ذات حد واحد بطبيعتها، أما حد عقوبة الهجر فهو توبة المهجور، كما قلنا من قبل.