← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9842

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي

عبد القادر عودة

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فقال الرسول ﷺ : "ما بال أقوام نستعملهم على ما ولاَّنا الله فيقول هذا لكم وهذا أهدى لي، فهلاَّ جلس في بيت أبيه فنظر أيهدى له أم لا؟ ". ٨ - ألعاب القمار والميسر: يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] . ٩ - دخول المساكن بغير حق: يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ* فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٧] ، ويقول: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾ [النور: ٢٩] . ١٠ - التجسس: يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] . هذه هي عشر جرائم من أهم جرائم التعزير، استعرضناها والنصوص التي وردت فيها، وظاهر بجلاء أن النصوص عينت الجرائم التي حرمتها بما لاسبيل إلى الشك فيه، ويستطيع من له إلمام بالشريعة أن يجد لكل ما حرمته الشريعة نصاً يعين الجريمة ويحددها، وفي هذا وفيما استعرضناه من نصوص وردت في المعاصي التي يعاقب عليها بحد أو كفارة، وفي هذا كله الدليل القاطع على أن الشريعة تطبق قاعدة أن لا جريمة ولا عقوبة بلا نص على كل الأفعال التي حرمتها. ١٠٢ - ظنون لا أساس لها من الحق: ولقد ظن البعض خطأ أن الشريعة الإسلامية لم تعين جرائم التعزير، وأنها تركت للقاضي تلك المهمة، ورتبوا على هذا الظن الخاطئ أن سلطة القاضي في التعزير سلطة تحكمية، وأن جرائم التعازير وعقوباتها غير منصوص عليها وأنها متروكة لتقدير القاضي، فإن رأى أن عاقب على الفعل عاقب ولو أنه لم يحرم من قبل أو لم يسبق العقاب عليه. ومنطق هؤلاء باطل، لأنه يقوم على ظنون لا أساس لها من الحق أو الواقع. ولقد وقع هؤلاء في ظنهم الخاطئ؛ نتيجة لسوء الفهم وقلة الاطلاع،

стр. 142

فكتب الشريعة مركزة العبارة، تصاغ عبارتها عادة في دقة بالغة حتى لتبلغ في تركيزها أكثر مما تبلغه نصوص القوانين الوضعية من التركيز والدقة، وللفقهاء فوق ذلك كله تعبيرات واصطلاحات خاصة ينبغي أن يلم بها المرء قبل دراسة الشريعة، كما ينبغي أن يلم دارس القانون قبل دراسته بالاصطلاحات القانونية، فمن جهل الاصطلاحات الشرعية ولم يدقق في الاطلاع على نصوص الشريعة، فلا شك أنه لم يصل إلى فهم كتب الشريعة فهماً صحيحاً، وهذا هو الذي حدث فعلاً للقائمين بأن الشريعة لم تحدد جرائم التعزير وعقوباتها، فإنهم لم يفهموا ما كتبه الفقهاء في هذه المسألة على وجهه الصحيح، ولو فهموه على وجهه لعلموا أن الشريعة حددت الأفعال المعتبرة المعاصي وعينتها، وأن الشريعة توجب على القاضي قبل كل شيء أن يبحث عما إذا كان الفعل المنسوب للجاني معصية بحسب نصوص الشريعة أم لا، فإن وجده معصية بحيث إن كانت التهمة ثابتة قبل الجاني أم لا، فإن كانت ثابتة عاقبه بإحدى العقوبات التي وضعتها الشريعة للتعزير، بشرط أن تكون عقوبة ملائمة في نوعها وكَمها للجريمة وللمجرم، أما إذا وجد القاضي أن الفعل ليس معصية فلا جريمة ولا عقوبة. وليس للقاضي ولا لأحد كائناً من كان أن يعتبر فعلاً ما معصية ما لم تعتبره الشريعة كذلك، وليس للقاضي ولا لأحد كائناً من كان أن يعاقب على معصية بعقوبة لم تقررها الشريعة وإلا كان محرماً ما أحله الله، مبيحاً ما حرمه، وقائلاً على الله بغير علم. ١٠٣ - نماذج مما كتبه الفقهاء في التعزير: ونستطيع أن نتبين صحة ما قلناه من عرض بعض ما كتبه بعض الفقهاء عن التعزير. فهذا فقيه حنفي يقول: "التعزير يكون في كل معصية ... إلخ، وليس فيه شيء مقدر، وإنما هو مفوض إلى رأي الإمام على ما تقتضي جنايات الناس وأحوالهم" (١) . وهذا فقيه شافعي يقول: "من أتى معصية لا حد فيها ولا كفارة عزر حسب ما يراه السلطان" (٢) . وهذا فقيه

стр. 143

مالكي يقول بعد أن يعدد جرائم القصاص والديات وجرائم الحدود: "وما عداها فيوجب التعزير، وهو موكول لاجتهاد الإمام. ويعزر الإمام لمعصية الله أو لحق آدمي" (١) . وهذا فقيه حنبلي يقول: "التعزير هو التأديب وهو واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، وأقله غير مقدر فيرجع فيه إلى اجتهاد الإمام والحاكم فيما يراه وما يقتضيه حال الشخص" (٢) . فهذه كلمات القليلة عن التعزير لا يمكن فهمها على حقيقتها إلا إذا فهم معنى المعصية، ومعنى الحد، ومعنى الكفارة، ومعنى العقوبة المقدرة، والعقوبة غير المقدرة. ولقد بينا معنى المعصية والكفارة فيما سبق فلنبين الآن معنى الحد. والحد: هو العقوبة المقدرة شرعاً، ومعنى أنها مقدرة شرعاً أن الشارع عين نوعها وبين مقدارها بنفسه، ولم يترك للقاضي حق تعيينها أو تقديرها، ولم يجعل له أن ينقص منها أو يزيد فيها، أو يستبدل بها غيرها، أو يوقف تنفيذها، فهي عقوبة لازمة، وهي عقوبة تصبح بتعيينها وتقديرها ذات حد واحد ولو كانت طبيعتها تسمح بأن تكون ذات حدين، فعقوبة الزاني غير المحصن عقوبة مقدرة وهي الجلد مائة جلدة لا تنقص واحدة ولا تزيد واحدة، وقد أصبحت بهذا التعيين والتحديد عقوبة ذات حد واحد، ولو أن طبيعتها تسمح بأن تكون ذات حدين، وعقوبة القذف ثمانون جلدة لا تزيد واحدة ولا تنقص واحدة؛ فهي عقوبة مقدرة. وعقوبة القصاص مقدرة بطبيعتها؛ لأنها لا تزيد ولا تنقص شيئاً عما فعله الجاني. وعقوبة الدية مقدرة؛ لأنها ذات حد واحد بتعيينها وتحديد مقدارها، بحيث لا يستطيع القاضي أن يزيد فيها أو ينقص منها. أما العقوبة غير المقدرة فهي: كل عقوبة تُرك للقاضي اختيار نوعها من بين عقوبات متعددة، وتُرك له أن يقدر كمها - إذا لم تكن بطبيعتها ذات حد

стр. 144

واحد - بحيث لا يرتفع حدها الأعلى ولا ينزل عن حدها الأدنى. فإذا فهمنا معنى هذه الاصطلاحات سهل علينا أن نفهم ما يقوله الفقهاء عن التعزير، فإذا قالوا: إن التعزير يكون في كل معصية، فمعنى ذلك أن التعزير يكون في كل فعل نصت الشريعة على تحريمه، وإذا قالوا: إن التعزير ليس فيه شيء مقدر، فمعنى ذلك أن جرائم التعازير لم توضع لكل منها عقوبة معينة مقدرة لا محيص من توقيعها على الجاني كما هو الحال في جرائم الحدود أو جرائم القصاص والدية، وإنما وضعت لها عدة عقوبات ليس القاضي ملزم بتطبيق إحداها دون الأخرى، وإنما له أن يختار منها واحدة أو أكثر، فإذا اختار إحداها وكانت ذات حدين بطبيعتها فله أن ينزل بالعقوبة إلى الحد الأدنى، أو يرتفع بها إلى الحد الأعلى، وعلى هذا إذا كانت عقوبة الجريمة التعزيرية ليست مقدرة لعدم النص على حد معين لازم من العقاب. وإذا قال الفقهاء: إن التعزير مفوض لرأي الإمام أو الحاكم أو اجتهادهما، فمعنى ذلك أن القاضي وهو القائم مقام الإمام أو السلطان أو الحاكم ترك له حق اختيار عقوبة التعزير وتقديرها طبقاً لما يراه من ظروف الجريمة وظروف المجرم، وطبقاً لما يؤديه إليه اجتهاده ورأيه الشخصي في تقدير هذه الظروف. ١٠٤ - كيف فرضت الشريعة عقوبات التعزير؟: بينا فيما سبق أن الشريعة نصت على جرائم التعازير وعينتها، وقدمنا الدليل على ذلك من نصوص الشريعة، ومن قواعدها العامة، ومن النصوص التي حرمت الجرائم وعينتها، وقلنا إن الشريعة كما نصت على جرائم التعزير نصت أيضاً على عقوبات التعزير، والآن نقدم الدليل على هذا القول: أولاً: عقوبة الوعظ، وعقوبة التهديد، وعقوبة الجلد أو الضرب: هذه العقوبات نص عليها القرآن والسنة، فيقول الله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ

стр. 145

فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٣٤] ، فهذا النص القرآني يفرض ثلاث عقوبات تعزيرية على المرأة لا تطيع زوجها، وهي الوعظ، والهجر، والضرب، ولما كان النشوز وعدم الطاعة معصية لا حد فيها ولا كفارة، فمعنى ذلك أن هذه العقوبات فرضت لكل معصية لا حد فيها ولا كفارة. وإذا كان الهجر في المضاجع عقوبة خاصة بالمرأة لا يملكه إلا الزوج، فإن الهجر في المضاجع ليس إلا نوعاً من الهجر، وقد أمر الرسول بهجر الثلاثة الذين خلفوا، وأمر عمر بهجر صبيع، فالهجر عقوبة عامة معناها المقاطعة وحدها توبة المهجور (١) . وقال رسول الله ﷺ : "رحم الله امرأ علق سوطه بحيث يراه أهله"، وقال: "لا ترفع عصاك عن أهلك"، وقال: "علموا أولادكم الصلاة لسبع واضربوهم على تركها لعشر"، وقال: "من بلغ حداًً في غير حد فهو من المعتدين"، فهذه النصوص تفرض عقوبتين: أولاهما: التهديد بالعقاب والتخويف منه، وهذا ما يستفاد من تعليق السوط بحيث يرى وعدم رفع العصا. والثانية: هي الضرب بالعصا أو الجلد بالسوط، والنص الأخير صريح في جواز الجلد في غير الحدود، كما أنه يعين الحد الأعلى بعقوبة الجلد على رأى. فالقرآن والسنة يفرضان عقوبات الوعظ والهجر والتهديد والجلد، وعقوبة الجلد والضرب ذات حدين بطبيعتها، ويرى البعض أن الحديث السابق عين الحد الأعلى للعقوبة، بينما يرى البعض أن الحد الأعلى يعينه ولي الأمر (٢) . أما عقوبة الوعظ والتهديد فكلاهما عقوبة ذات حد واحد بطبيعتها، أما حد عقوبة الهجر فهو توبة المهجور، كما قلنا من قبل.

стр. 146

ثانياً: عقوبة التوبيخ: يروى عن أبي ذر أنه قال: ساببت رجلاً فعيرته بأمه، فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية". فهذا هو الرسول يعاقب أبا ذر بتوبيخه، ومن ثم يكون التوبيخ عقوبة تعزيرية، وسنة سنها الرسول، والسنة هي المصدر الثاني للشريعة سواء كانت عملية أو قولية. ثالثاً: الحبس والصلب: ومصدر هاتين العقوبتين هو السنة العملية أيضاً، فمما يروى عن الرسول أنه حبس شخصاً في تهمة، وأنه صلب رجلاً حياً على جبل يقال له أبو ناب (١) . رابعاً: القتل: مصدر هذه العقوبة السنة القولية، فيروى عن الرسول ﷺ أنه قال: "من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه"، وفي رواية: "ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق هذه الأمة وهي جمع فاضربوه بالسيف كائناً من كان" (٢) . والمفروض أن عقوبة القتل مقررة للجرائم الخطيرة. خامسا: ً الغرامة والتشهير والنفي: ومصدر هذه العقوبات الإجماع والإجماع مصدر من مصادر الشريعة كالقرآن والسنة (٣) . وظاهر مما سبق أن العقوبات التعزيرية مصدرها القرآن والسنة والإجماع، ومن ثم فهي عقوبات شرعية مقررة بطريقة شرعية لا شك فيها (٤) . وفي الوقت الذي حددت فيه النصوص وفعل الرسول وإجماع الأمة أنواع العقوبات التعزيرية انعقد الإجماع على أن يترك للقاضي اختيار العقوبة الملائمة

стр. 147

وتقديرها، كما ترك له أن يمضي العقوبة أو يوقف تنفيذها. ١٠٥ - لا جريمة ولا عقوبة في التعزير بغير نص: وظاهر مما سبق أن الشريعة الإسلامية نصت على جرائم التعزير وعقوباتها، وعينت الجرائم وحددت العقوبات تحديداً دقيقاً بحيث لا يستطيع القاضي أن يعاقب على فعل لم تحرمه الشريعة، ولا يستطيع أن يعاقب بغير العقوبات المقررة للتعازير، ولا أن يخرج على حدودها. وإذا كانت هذه هي شهادة النصوص الصريحة، وشهادة الواقع الملموس، فإن القول بأن للقاضي سلطة تحكمية في جرائم التعزير هو قول لا أساس له، ولا نكون مغالين إذن إذا قلنا: إن أساس هذا القول هو قلة الاطلاع أو سوء الفهم، فالحقيقة التي لا يجادل فيها إلا مكابر أن كل من أوتي حظاً من الاطلاع على نصوص الشريعة، وقدرة على تفهم أساليب الفقهاء واصطلاحاتهم، يعلم حق العلم أن القاضي ليس له سلطة تحكمية ولا غير تحكمية في تعيين الجرائم والعقوبات، وأن نصوص الشريعة تكفلت ببيان الجريمة والعقوبة، وأن سلطة القاضي منحصرة في تطبيق النص على الواقعة المعروضة عليه، فإن انطبق وقع على الجاني العقوبة، ولكن الشريعة أعطت القاضي سلطة واسعة في اختيار العقوبة التي يراها ملائمة من بين عقوبات مقررة للجريمة، وجعلت له أن ينظر في اختيار العقوبة إلى شخصية المتهم وسوابقه، ودرجة تأثره بالعقوبة، كما ينظر إلى الجريمة وأثرها في الجماعة، وجعلت للقاضي أن يعاقب بعقوبة واحدة أو بأكثر منها، وأن يصعد بالعقوبة إلى حدها الأعلى، أو ينزل بها إلى حدها الأدنى، وله أن يعاقب المتهم بوعظه أو توبيخه أو تهديده، فينذره بأن لا يعود لمثل ما فعل، وله أن يعاقب بأشد من ذلك، بحبس أو بغرامة، وله أن يمضي العقوبة أو يوقف تنفيذها. هذه هي سلطة القاضي في الشريعة، وهي ليست سلطة تحكمية، وإنما هي

стр. 148

سلطة أعطيها ليتمكن من علاج المجرم والجريمة، وهي سلطة الاختيار وتقدير لا سلطة تحكم واستعلاء، قصد منها تمكين القاضي من تقدير خطورة الجريمة والمجرم واختيار العلاج المناسب لهما، وإنها لسلطة قمينة أن تحقق العدل، وترفع الرحج، وتضع الأمور في مواضعها، وتعاقب كلاً بما يستحقه. وهذه الطريقة التي ابتكرتها الشريعة من ثلاثة عشر قرناً لمعالجة جرائم التعزير هي الطريقة التي اتجهت إليها القوانين الوضعية أخيراً، فهي تنجو نحو توسيع سلطان القضاء في اختيار العقوبة الملائمة للمجرم وللجريمة وتقدير هذه العقوبة، فتجعل للقاضي أن يختار في الغالب بين عقوبتين، أو يوقعهما معاً، وأن يرتفع بالعقوبة إلى حدها الأعلى، أو ينزل بها إلى الحد الأدنى، وتجعل للقاضي أيضاً أن يوقف تنفيذ العقوبة أو يمضيها بشروط معينة، ولكن سلطة القاضي في القوانين الوضعية لا تزال أضيق بكثير من سلطة القاضي في الشريعة الإسلامية، وكثيراً ما يتعرض الأول للحرج حيث يجد نفسه عاجزاً عن توقيع العقوبة التي تتلاءم مع الحالة المعروضة عليه، ولقد كان هذا سبباً دعا الكثيرين من علماء القانون إلى أن يطالبوا بتوسيع سلطان القاضي، واقترح بعضهما حلاً للمشكلة ألا ينص القانون على عقوبة كل جريمة بذاتها، بل تعين الجرائم دون تعيين عقوبتها، ثم تعين العقوبات التي يستطيع القاضي تطبيقها، ويترك له أن يختار هو لكل جريمة العقوبة الملائمة بعد تقدير ظروف الجريمة وظروف الجاني. وهذه الطريقة التي يقترحها بعض علماء القانون هي نفس الطريقة التي تسير عليها الشريعة في جرائم التعزير. * * * القسم الثاني: التعزير للمصلحة العامة ١٠٦ - التعزير للمصلحة العامة: القاعدة العامة في الشريعة أن التعزير

стр. 149

لا يكون إلا في معصية، أي في فعل محرم لذاته منصوص على تحريمه، ولكن الشريعة تجيزاستثناء من هذه القاعدة العامة أن يكون التعزير في غير معصية، أي فيما لم ينص على تحريمه لذاته إذا اقتضت المصلحة العامة التعزير (١) . والأفعال والحالات التي تدخل تحت هذا الاستثناء لا يمكن تعيينها ولا حصرها مقدماً؛ لأنها ليست محرمة لذاتها، وإنما تحرم لوصفها، فإن توفر فيها الوصف فهي محرمة وإن تخلف عنها الوصف فهي مباحة، والوصف الذي جعل علة للعقاب هو الإضرار بالمصلحة العامة أو النظام العام، فإذا توفر هذا الوصف في فعل أو حالة استحق الجاني العقاب، وإذا تخلف الوصف فلا عقاب، وعلى هذا يشترط في التعزير للمصلحة العامة أن ينسب إلى الجاني أحد أمرين: (١) أنه أرتكب فعلاً يمس المصلحة العامة أو النظام العام. (٢) أنه أصبح في حالة تؤذي المصلحة العامة أو النظام العام. فإذا عرضت على القضاء قضية نسب فيها للمتهم أنه أتى فعلاً يمس المصلحة العامة أو النظام العام، أو أصبح في حالة تؤذي المصلحة العامة أو النظام العام، وثبت لدى المحكمة صحة ما نسب إلى المتهم لم يكن للقاضي أن يبرئه، وإنما عليه أن يعاقب على ما نسب إليه بالعقوبة التي يراها ملائمة من بين العقوبات المقررة للتعزير، ولو كان ما نسب إلى الجاني غير محرم في الأصل ولا عقاب عليه لذاته. ويستدل الفقهاء على مشروعية التعزير للمصلحة العامة بأن رسول الله ﷺ حبس رجلاً اتهم بسرقة بعير، ولما ظهر فيما بعد أنه لم يسرقه أخلى الرسول سبيله (٢) ، ووجه الاستدلال أن الحبس عقوبة تعزيرية والعقوبة لا تكون

стр. 150

إلا عن جريمة وبعد ثبوتها، فإذا كان الرسول قد حبس الرجل لمجرد الاتهام فمعنى ذلك أنه عاقبه على التهمة، وأنه أباح عقاب كل من يوجد نفسه أو توجده الظروف في حالة اتهام ولو لم يأت فعلاً محرماً، وهذا العقاب الذي فرضه الرسول بعمله تبرره المصلحة العامة، ويبرره الحرص على النظام العام؛ لأن ترك المتهم مطلق السراح قبل تحقيق ما نسب إليه يؤدي إلى هربه، وقد يؤدي إلى صدور حكم غير صحيح عليه، أو يؤدي إلى عدم تنفيذ العقوبة عليه بعد الحكم، فأساس العقاب هو حماية المصلحة العامة وصيانة النظام العام. ويستدل الفقهاء أيضاً على مشروعية التعزير للمصلحة العامة بما فعل عمر ﵁ بنصر بن حجاج، فقد كان عمر يعس في المدينة فسمع امرأة تقول: هل من سبيل لخمر فأشربها ... أم من سبيل إلى نصر بن حجاج؟ فدعا عمر نصر بن حجاج، فوجده شاباً حسن الصورة فحلق رأسه فازداد جمالاً، فنفاه إلى البصرة، خشية أن تفتتن النساء بجماله، مع أنه لم ينسب إليه أنه ارتكب فعلاً محرماً. ووجه الاستدلال أن النفي عقوبة تعزيرية وقعها عمر على نصر بن حجاج لأنه رأى أن وجوده في المدينة ضار بصالح الجماعة مع أن جماله هو الذي أوجده في هذه الحالة، ومع أنه لم يقصد الإضرار بالمصلحة العامة أو النظام العام. ومن أمثلة التعزير للمصلحة العامة تأديب الصبيان على ترك الصلاة والطهارة، وتأديبهم على ما يأتون من أفعال تعتبرها الشريعة جرائم، مع أن هذه الأفعال لا تعتبر جرائم في حق الصبيان غير المميزين؛ لأنهم ليسوا أهلاً للتكليف، فلا يعتبر إقدامهم على هذه الأفعال عصياناً، ولا تعتبر أفعالهم معاصي (١) ، ومن ثم فهم لا يعاقبون بالعقوبات المقررة لها، ولكنهم يعزرون لحماية المصلحة العامة.

стр. 151

ومن أمثلة التعزير للمصلحة العامة منع المجنون من الاتصال بالناس إذا كان في اتصاله بهم ضرر عليهم، وحبس من شهر بإيذاء الناس ولو لم يقم عليه دليل أنه أتى فعلاً معيناً. ونظرية التعزير للمصلحة العامة تسمح باتخاذ أي إجراء، لحماية أمن الجماعة وصيانة نظامها من الأشخاص المشبوهين والخطرين، ومعتادي الإجرام، ودعاة الانقلابات والفتن، والنظرية بعد ذلك تقوم على قواعد الشريعة العامة التي تقضي بأن الضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام وأن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف. ١٠٧ - سلطة القاضي في التعزير للمصلحة العامة ليست تحكمية: قلنا: إن الحالات التي يُعزَّر فيها على فعل لم ينص على تحريمه بذاته من قبل لا يمكن حصرها، وإن القاضي ليس له أن يحكم بالعقوبة في الحالة التي تعرض عليه إلا إذا كان فيها ما يمس النظام العام أو صالح الجماعة، فإن لم تكن كذلك قضى بالبراءة، وإذا عاقب فليس له أن يعاقب إلا بإحدى عقوبات التعزير، فسلطة القاضي إذن ليست مطلقة ولا تحكمية، وإنما هي مقيدة بقيود بينتها الشريعة وأوجبت توفرها. وسلطة القاضي هنا لا تزيد شيئاً عن سلطته في جرائم التعزير المنصوص على تحريمها، وكل ما يمكن قوله عن هذه السلطة أنها سلطة واسعة أعطيت للقاضي ليحسن اختيار العقوبة وتقدير ظروف الجريمة والمجرم، ولم تعط إليه ليخلق الجرائم وينشئ العقوبات، ومهما وسعت الشريعة من سلطة القاضي فإنها لم تخرج عن قاعدتها العامة التي تقضي بأن لا جريمة ولا عقوبة بلا نص، بل ظلت الشريعة متمسكة بهذه القاعدة، وإن طبقتها على وجه خاص في حالة التعزير للمصلحة العامة. ويخطئ خطأ جسيماً من يظن أن القاضي له أن يعتبر الفعل جريمة إذا كان ماساً بالنظام العام أو صالح الجماعة؛ لأن الشريعة تشترط للعقاب أن تكون الحالة

стр. 152

أو الفعل ماساً بالصالح العام أو النظام، وهذا في ذاته تحديد للجريمة، ونص صريح على أن كل إنسان أتى فعلاً يمس مصلحة عامة أو نظام الجماعة، أو وجد في حالة تؤذي المصلحة والنظام العامين - يعاقب بالعقوبات المقررة للمعاصي، والفعل المحرم إذا لم يعين بذاته فإنه يعين بوصفه. ١٠٨ - لا جريمة ولا عقوبة بلا نص في هذا النوع من التعزير: فالشريعة إذن لم تخرج على القاعدة القائلة بأن لا جريمة ولا عقوبة بلا نص، وإنما تساهلت في تطبيقها على هذا النوع من الجرائم أكثر مما تساهلت في تطبيقها على جرائم التعزير العادية. فبدلاً من أن تنص على الفعل المكون للجريمة وتحدد له عقوبة مقدرة كما فعلت في جرائم الحدود أو جرائم القصاص والدية، وبدلاً من أن تنص على الفعل المحرم وتعينه ثم تترك القاضي أن يعاقب عليه بالعقوبة التي يراها ملائمة من بين العقوبات المقررة للتعزير، جاءت بدلاً من هذا كله تقرر: أن كا فعل أو حالة تمس نظام الجماعة أو مصلحتها يعاقب عليها بالعقوبة التي يراها القاضي ملائمة من العقوبات المقررة للتعزير. ونستطيع أن نتبين فيما يلي الطرائق المختلفة التي اتبعتها الشريعة في تطبيق قاعدة أن لا عقوبة ولا جريمة بلا نص، ومدى الفرق بين هذه الطرائق: أولاً: من حيث النص على الجريمة: حددت الشريعة عين الفعل المكون للجريمة، وعينته تعييناً لا شك فيه في جرائم الحدود، وفي جرائم القصاص والدية، وفي جرائم التعازير العادية، فهو جريمة في أي وقت، وفي أي ظرف، أما في التعزير للصالح العام فالفعل المحرم لم يحدد بعينه، وإنما حُدد بوصفه، ولما كان من الممكن أن يتخلف الوصف عن الفعل، فيترتب على هذا أن يكون فعل ما في بعض الظروف ماساً بصالح الجماعة أو نظامها، وفي ظروف أخرى غير ماس بهما. ثانياً: من حيث النص على العقوبة: نصت الشريعة على العقوبات المقررة للجرائم في كل الأحوال، ولكنها عينت عقوبة كل جريمة على حدة، وجعلتها

стр. 153

لازمة في جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية، أما في جرائم التعازير جميعاً سواء كانت عادية أو مقررة لحماية المصلحة العامة والنظام العام فقد عينت الشريعة مجموعة من العقوبات لهذه الجرائم، وتركت للقاضي أن يختار من بينها العقوبة الملائمة. هذا هو أثر قاعدة أن لا جريمة ولا عقوبة بلا نص في جرائم التعازير المقررة لحماية المصلحة العامة. فالقاعدة مطبقة ولكن في حدود واسعة، ومن ثم فلا يمكن القول بأن الجاني يعاقب على فعل لم يحرم، أو لم يعلم بسبق تحريمه؛ لأن الشريعة تعاقب على كل فعل يصدر من صاحبه ماساً بالنظام العام أو المصلحة العامة، وعلى كل حال يوجد فيها الجاني إذا مست بنظام الجماعة وصالحها، فعلى كل إنسان إذن أن يبتعد عن كل ما يمس بالصالح العام، وعليه أن يراعي الظروف ويحسب حسابها ويقدرها في كل وقت وآن. ١٠٩ - العلة في إجازة التعزير للمصلحة العامة: والضرورات الاجتماعية هي المسوغ الوحيد لإقرار الشريعة هذا النوع من جرائم التعزير، فحماية نظام الجماعة وصوالحها العامة تقتضي نصوصاً مرنة تلائم كل وقت وآن، وكل ظرف وحالة، وليس أكثر مرونة وأكثر ملائمة لحاجات الجماعة من هذا الذي جاءت به الشريعة، فإنه قَمين أن يقمع كل من تحدثه نفسه بإلحاق الضرر بالجماعة أو بنظامها؛ لأنه إذا استطاع أن يفلت من أحكام النصوص الجامدة فلن يستطيع بحال أن يفلت من هذه النصوص المرنة، وسنرى بعد قليل أن أحدث القوانين الوضعية أخذت بنظرية الشريعة الإسلامية توصلاً لحماية النظام العام والصالح العام. * * *

стр. 154

القسم الثالث: التعزير على المخالفات ١١٠ - التعزير على المخالفات: الأصل في التعزير أنه على فعل المحرمات وترك الواجبات، وهذا متفق عليه، ولكن الفقهاء اختلفوا على جواز التعزير في إتيان المكروه وترك المندوب، ففريق يرى أن لا عقاب على فعل مكروه أو ترك مندوب (١) ، وفريق يرى العقاب على فعل المكروه وترك المندوب (٢) . وأساس اختلافهم في هذا الحكم هو اختلافهم في تعريف المكروه والمندوب، فمن رأى أن المكروه نهى بتخيير في الفعل، وأن المندوب أمر بتخيير في الفعل، أو أن المكروه ليس نهياً، والمندوب ليس أمراً، من رأى هذا قال بعدم جواز العقاب؛ لأن العقاب لا يكون إلا بتكليف. ومن رأى أن المندوب أمر لا تخيير فيه، وأن المكروه نهي لا تخيير فيه، قال بجواز العقاب على فعل المنهي عنه وترك المندوب إليه، والقائلين بهذا الرأي مع تجويزهم العقاب لا يسمون الفعل أو الترك معصية، ولا يسمون الجاني عاصياً، وإنما يسمون الفعل والترك مخالفة، والجاني مخالفاً، ويعللون ذلك بأن العصيان اسم ذم، وأن الذم أسقط عن فاعل المكروه وتارك المندوب (٣) . ويحتج بعض القائلين بالعقاب بفعل عمر ﵁، حيث مر على شخص

стр. 155

أضجع شاة يذبحها، وجعل يحد الشفرة، فعلاه بالدَّرة وقال له: هلا حددتها أولاً؟ (١) والذين يقولون بالعقاب يشترطون أن يتكرر إتيان المكروه وترك المندوب حتى يمكن العقاب، فالعقاب عندهم ليس على الإتيان أو الترك في ذاته، وإنما هو على اعتياد إتيان المكروه وترك المندوب، ويعتبرون أن العادة تتكون من تكرار الفعل مرتين (٢) . وإذا وقع الإتيان أو الترك ماساً بمصلحة عامة أو بالنظام العام عوقب على الإتيان والترك دون حاجة للتكرار، سواء أخذنا برأي القائلين بالعقوبة أو بالرأي المضاد؛ لأن العقاب في هذه الحالة ليس أساسه اعتبار الفعل مكروهاً أو الترك مندوباً إليه، وإنما أساسه أن الفعل أو الترك ماس بالمصلحة العامة أو النظام العام. * * * الفرع الرابع كيف طبقت القوانين الوضعية القاعدة ١١١ - القوانين الوضعية وقاعدة النص على الجريمة والعقاب: لم تعرف القوانين قاعدة: "لا جريمة ولا عقاب بلا نص" إلا في أواخر القرن الثامن عشر؛ لأن القاعدة وليدة الثورة الفرنسية، أما قبل ذلك فكان القضاة يتحكمون في تحديد الجرائم وتعيين عقوبتها، فيعتبرون الفعل جريمة ولو لم يكن نص على تجريمه، ويعاقبون عليه بأية عقوبة شاءوا ولو لم يكن منصوصاً

стр. 156

عليها، وقد كانت هذه السلطة التحكمية هي الدافع الأول الذي دفع إلى تقرير القاعدة والعمل بها (١) . ١١٢ - كيف طبقت القوانين القاعدة؟: والقوانين الوضعية لا تطبق القاعدة اليوم على الوجه الذي سبق أن طبقتها به يوم عرفتها، فقد كان القانون الفرنسي أول قانون طبقها، وعنه أخذت أكثر القوانين، وكان القانون الفرنسي يتشدد أول الأمر في تطبيقها تشدداً عظيماً، فعين الجرائم تعييناً دقيقاً وجعل لكل جريمة عقوبة محددة ليس للقاضي أن يزيد فيها أو ينقص منها، فكانت مهمة القاضي منحصرة في أن يحكم بالعقوبة إذا تبين له أن المتهم مدان، وأن يحكم بالبراءة إذا لم تثبت التهمة دون أن يكون لظروف المتهم أو الجريمة أثر على العقوبة، ولم يكن للسلطة التنفيذية حق العفو ولا تخفيض العقوبة، فكانت مهمتها قاصرة على تنفيذ الحكم أياً كان. وقد اضطر المشرع الفرنسي إلى العدول عن هذا النظام، لا لأنه غير صالح ولكن لعدم صلاحية الأداة التي وكل إليها تطبيقه، فالتشريع الفرنسي يأخذ بنظام المحلفين وهم أناس ينقادون لعاطفتهم أكثر مما ينقادون لعقولهم، فكانوا يقررون في كثير من الحالات أن المتهمين ليسوا مدانين، لا لأن المتهمين برآء ولكن تحرجاً من معاقبتهم بعقوبة شديدة لا يملك القاضي أن يتصرف في تطبيقها أو يخفف من شدتها، ولا تملك السلطة التنفيذية أن تخفضها أو تتساهل في تنفيذها، ومن ثم عدلت نصوص القانون الفرنسي لمعالجة هذه الحالة فجعل المشرع لكل عقوبة حدين: حداً أدنى وحداً أعلى، وترك للقاضي أن يقدر العقوبة فيما بين هذين الحدين، كما أنه جعل لكثير من الجرائم عقوبتين، وترك للقاضي أن

стр. 157

يحكم بهما معاً أو يختار إحداهما فقط (١) . وقد انتقلت قاعدة "لا جريمة ولا عقوبة بلا نص" من القانون الفرنسي إلى القوانين الوضعية الأخرى، ولكنها أخذت تتطور تحت تأثير التجربة والاختيار وحاجات الجماعة؛ فأعطى القضاة حق إيقاف تنفيذ العقوبة، وأعطت السلطة التنفيذية الحق في العفو عن العقوبة أو تخفيضها، وحق الإفراج تحت شرط، واستحدث نظام العقوبة غير المحدودة. ومع أن القاعدة تطورت هذا التطور الكبير فإن شراح القانون الوضعي يرون أن القاعدة ظلت محترمة، وأن هذا التوسع لا يخل بشرعية العقوبة ما دام أن هذا التوسع جاء طبقاً لنصوص القانون، وما دام أن القضاة يستعملون سلطة خولهم الشارع إياهم مقدماً. ولقد كان التساهل في تطبيق القاعدة من ناحية العقوبة، وبقيت القاعدة سليمة محترمة زمناً طويلاً فيما يختص بتعيين الجريمة، حتى إذا جاء القرن العشرون أخذت القاعدة كلها تصبح محلاً للانتقاد وهاجمها الكثيرون من الشراح بحجة أنها لا تصلح لمواجهة الضرورات الاجتماعية، وأنها تؤدي إلى ضياع مصلحة الجماعة، ذلك أن نصوص القوانين الجنائية تقصر دائماً عن تناول كل ما يخل بنظام الجماعة وصوالحها، وأن المجرمين يتفننون في الهرب من الوقوع تحت سلطان النصوص ثم يعبثون ما شاءوا بمصالح الأفراد والجماعة ونظامها، وهم آمنون من العقاب، فإذا استصدرت قوانين لتحريم الأفعال الجديدة التي أدى ارتكابها للعبث بالمصلحة العامة، عاد المجرمون يعملون على التهرب من نصوصها القاصرة، وعادوا إلى جرائمهم آمنين من العقاب. وقد كان لهذا الانتقاد أثره العلمي فبدأت بعض الدول الكبرى تخرج على

стр. 158

القاعدة من جديد فيما يختص بتعيين الجريمة وتحديد العقوبة معاً، كالتشريع الألماني الصادر في سنة ١٩٣٥، حيث خول للقاضي إذا عرض عليه فعل يمس المجتمع الألماني دون أن يكون قد ورد فيه نص جنائي خاص أن يعتبر هذا الفعل جريمة ويوقع على مرتكبه عقوبة (المادة الثانية من القانون الألماني) . وكالقانون الإيطالي، فإنه ترك للقاضي في بعض الأحوال تعديل تنفيذ العقوبة من حيث مدتها وأسلوبها. وكالقانون السوفياتي الذي خرج على القاعدة من سنة ١٩٢٦. وكالقانون الدانمركي الذي أباح العقاب على أي فعل يمكن قياسه على فعل آخر محرم. ولا نذكر القانون الإنجليزي الذي يأخذ بنظام يشبه نظام التعازير في الشريعة. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل بدأ علماء القانون الجنائي يناقشون المبدأ في مؤتمراتهم العامة بعد أن كان فوق المناقشة؛ توصلاً إلى معرفة مدى حاجة المجتمع إليه، ومدى عجز المبدأ عن حماية صوالح المجتمع، وقد عرض هذا الموضوع على المؤتمر الدولي الرابع لقانون العقوبات في سنة ١٩٣٧، ولكن المؤتمر قرر الإبقاء على القاعدة. ويتجه العلماء والشراح الآن إلى الخروج على القاعدة من وجهين: فمن ناحية الجريمة يرون الاكتفاء بتعيين الأفعال المحرمة تعييناً عاماً، بحيث يدخل تحت النص الواحد أكثر من حالة واحدة، وبحيث لا يستطيع المجرم أن يفلت من هذا النص العام المرن. ومن ناحية العقوبة يرون الاكتفاء بتحديد الحد الأقصى للعقوبة دون الحد الأدنى؛ ليكون للقاضي سلطة واسعة في تطبيق العقوبة، بل يرى بعض كبار العلماء الجنائيين أن يترك تحديد العقوبة - نوعاً ومقداراً - إلى اختيار القاضي وتقديره حتى تكون العقوبة محققة للغاية من تشريعها (١) . ١١٣ - بين الشريعة والقانون: ظاهر مما سبق أن كلاً من الشريعة

стр. 159

والقوانين الوضعية توجب أن لا تكون جريمة ولا عقوبة بلا نص، ولكن الشريعة تختلف عن القوانين في تطبيق هذه القاعدة من عدة وجوه: أولاً: من حيث تاريخ تطبيق القاعدة: طبقت الشريعة الإسلامية القاعدة بل أن تعرفها القوانين الوضعية وتطبقها باثنى عشر قرناً على الأقل، فالقوانين الوضعية لم تأت بشئ جديد، وإنما أخذت النظرية التي ابتكرتها الشريعة. ثانياً: من حيث التطبيق بصفة عامة: يختلف تطبيق القاعدة في الشريعة باختلاف نوع الجرائم التي تطبق عليها، ففي الجرائم الخطيرة التي يتأثر بها أمن الجماعة ونظامها تأثراً شديداً تتشدد الشريعة في تطبيق القاعدة تشدداً تاماً، فتدقق في تحديد الجريمة وتعيين العقوبة، وهذا هو المتبع في جرائم الحدود، وفي جرائم القصاص والدية. وفي الجرائم الأقل خطورة - وهي جرائم التعازير بصفة عامة - تتساهل الشريعة في تطبيق القاعدة من ناحية العقوبة، فتجعل لجرائم التعازير كلها مجموعة من العقوبات، وتترك للقاضي أن يختار من بينها العقوبة الملائمة. وفي جرائم التعازير المقررة للمصلحة العامة تتساهل الشريعة في تطبيق القاعدة من ناحية الجريمة، وتكتقي بوضع نصوص عامة جداً يدخل تحتها أي فعل يمس المصلحة العامة والنظام العام. فكأن الشريعة تطبق القاعدة بثلاثة طرق؛ لكل نوع من الجرائم طريقة خاصة تلائمه وتلائم مصلحة الجماعة والأفراد. أما القوانين الوضعية فتطبق القاعدة بطريقة واحدة على كل الجرائم، ولعل هذا هو علة النتائج السيئة التي ترتبت على تطبيق القاعدة، ففي أول الأمر طبقت القوانين الوضعية الطريقة الأولى - التي خصصتها الشريعة للجرائم الخطيرة - على كل الجرائم التي يعاقب عليه القانون، فكان التعميم في التطبيق سبباً في تحرج المحلفين والقضاة من الحكم بعقوبة شديدة في جريمة غير خطيرة وفي تبرئة كثير من القضايا، ثم عدلت القوانين الوضعية عن هذه الطريقة، وأخذت بطريقة الشريعة الثانية مع تضييق سلطة القاضي في اختيار العقوبة وتحديدها، ولكنها

стр. 160

طبقت هذه الطريقة أيضاً بصفة عامة، فكان من نتيجة هذا التعميم أن كثر وقوع الجرائم الخطيرة، وصارت تزيد عاماً بعد عام؛ لأن القضاة يعاقبون عليها بعقوبات بسيطة، مستعملين سلطتهم في اختيار العقوبة وتقديرها، وهذه الطريقة هي المتبعة الآن في معظم القوانين الوضعية، إلا أن بعض القوانين الوضعية كالقانون الألماني والقانون الدانمركي أخذت أيضاً بطريقة الشريعة الثالثة في بعض الجرائم؛ فكأنها تطبق الطريقتين الشرعيتين الثانية والثالثة. ولا شك أن نظرية الشريعة الإسلامية في تطبيق القاعدة أكثر دقة ومرونة وأقرب إلى حاجات الجماعة، وأكفل بحماية الأمن والنظام، كما أن فيه العلاج الناجع لما ظهر من عيوب في تطبيق القاعدة بطريقة واحدة على كل الجرائم. ثالثاً: من حيث الجريمة: تراعي الشريعة، كقاعدة عامة عندما تحدد الجريمة، أن يكون النص عاماً، ومرناً إلى حد كبير، بحيث ينطوي تحته كل ما يمكن تصوره من حالات، ولا يخرج عن حكمه أية حالة، والشريعة تضيق من دائرة هذا التعميم (١) إلى حد ما في جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية، أما فيما عداها فالتعميم في النص يأخذ حده كما هو الحال في المعاصي التي يحزر فيها، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] تحريماً جريمة التجسس، ومثل قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، ومثل قوله: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ﴾ [الشعراء: ١٨١] ، ومثل قوله: ﴿لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧] ، وفي التعزير المقرر للمصلحة العامة يصل التعميم والمرونة إلى حد تحريم الفعل بوصفه لا بذاته، بحيث لا يمكن معرفة ما إذا كان الفعل جريمة أو غير جريمة إلا بعد أن يقع. وقد كان لعموم النصوص ومرونتها أثرها البالغ في صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، واستغنائها عن التعديل والتبديل.

стр. 161

أما القوانين الوضعية فالأصل فيها أن تحدد الجريمة، وتعيينها تعييناً دقيقاً، وتبين أركانها الأساسية التي لا تقوم بغيرها، ومن ثم كانت الأفعال التي يمكن أن تدخل تحت أي نص محدودة، وكانت كل حلة جديدة تقتضي تغييراً في النصوص، وكان من السهل التحايل على النصوص والتهرب من أحكام قانون العقوبات. ولعل هذا هو الذي دعا علماء القانون الآن إلى أن يفكروا في أن تكون النصوص عامة ومرنة؛ لدرجة تسمح بأن تحكم كل الحالات، وهذا الذي يقوم به علماء القانون اليوم هو الأساس الذي قامت عليه الشريعة الإسلامية. رابعاً: من حيث العقوبة: القاعدة العامة في الشريعة هي أن ينص على عقوبة الجريمة بحيث تتعين العقوبة لا شك فيه، وبحيث لا يكون للقاضي أن يخلق عقوبة من عنده، وقد فرقت الشريعة بين الجرائم التي تمس أمن الجماعة ونظامها مساساً شديداً، وبين غيرها من الجرائم، والقسم الأول هو جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية، والقسم الثاني هو جرائم التعازير بأنواعها المختلفة. ففي جرائم القسم الأول لكل جريمة عقوبة أو عقوبات معينة، لا خيار للقاضي في توقيعها، هو ملزم بالحكم بها متى ثبت لديه أن الجاني أرتكب الجريمة. أما في القسم الثاني فقد عينت الشريعة مجموعة من العقوبات لجرائم التعازير بأنواعها، وتركت للقاضي أن يختار العقوبة الملائمة أو أكثر من عقوبة، كما تركت له أ، يقدر العقوبة من بين الحد الأعلى والحد الأدنى للعقوبة إذا كانت ذات حدين، وأن يوقف تنفيذ العقوبة أو يمضيها طبقاً لما يراه ملائماً لحال المجرم ولظروف الجريمة. أما القوانين الوضعية فتحدد لكل جريمة عقوبة واحدة هي في الغالب ذات حدين، أو تحدد لكل جريمة عقوبتين كلتاهما ذات حدين، وتترك للقاضي أن يوقع العقوبتين أو عقوبة واحدة، وأن يقدر العقوبة من بين الحد الأدنى والأعل للعقوبة، وله أن يوقف تنفيذ العقوبة بشروط معينة وله أن يمضيها، وفي كيثر من الجرائم تشترط القوانين الوضعية أن لا تنزل العقوبة عن حد معين

стр. 162

كما أنها تمنع إيقاف تنفيذ العقوبة، والغالب أن يكون ذلك في الجرائم الخطيرة. وظاهر من هذا أن سلطة القاضي في القوانين الوضعية أضيق بكثير من سلطة القاضي في الشريعة، فالقاضي الذي يطبق القانون الوضعي مقيد بتطبيق العقوبة التي حددها القانون إذا كانت عقوبة واحدة، ولا يستطيع أن يختار إلا بين عقوبتين إذا أعطي حق الاختيار، وليس له في كثير من الأحوال أن ينزل بالعقوبة عن حد معين، وليس له أن يوقف التنفيذ في كثير من الجرائم، وهو بالتالي لا يملك السلطان الكافي الذي يساعده على معالجة المجرم والإجرام علاجاً يتفق مع المصلحة العامة. وقد رأى الكثير من كبار العلماء أن علاج هذه الحالة لا يتأتى إلا إذا أمكن القاضي من اختيار العقوبة نوعاً ومقداراً، وهذا يتأتى إلا إذا كان له أن يطبق مجموعة من العقوبات، فإذا أخذ بهذا الرأي الذي ينادي به كبار العلماء اليوم فإن القانون يصبح مثل الشريعة فيما يتعلق بجرائم التعازير وعقوباتها. وظاهر كذلك من منع القاضي من إيقاف التنفيذ في الجرائم الخطيرة، ومن عدم السماح له بأن ينزل بالعقوبة عن حد معين، ومن تحديد عقوبة أو عقوبتين لكل جريمة، ظاهر من هذا أن القوانين تأخذ مبدأ الشريعة في جرائم الحدود والقصاص ولكن إلى حد محدود. وليس يهمنا أن تكون القوانين الوضعية مخالفة للشريعة الآن في بعض الحالات، فقد كانت تخالفها في كل شئ حتى أواخر القرن الثامن عشر، وإنما يهمنا أن نعلم أن القانون الوضعي بدأ بعد ذلك يسير وراء الشريعة، ويأخذ بمبادئها، ويطبق نظرياتها، وأن ما يطلبه علماء القانون أن يتحقق في القانون هو نفس ما تأخذ به الشريعة، وما تقوم عليه، وإن في ذلك لذكرى للذاكرين. * * *

стр. 163

المبحث الثاني أدلة الأحكام الشريعة أي مصادر التشريع الجنائي ١١٤ - مصادر التشريع الإسلامي بصفة عامة: من المتفق عليه بين جمهور الفقهاء أن مصادر التشريع الإسلامي أربعة: (١) القرآن (٢) السنة (٣) الإجماع (٤) القياس. ويعبر الفقهاء عن المصادر التشريعية بأنها الأدلة التي تستمد منها الأحكام. ومن المتفق عليه أيضاً أن الحكم الذي يدل عليه واحد من هذه الأدلة الأربعة هو حكم واجب الاتباع. ويرتب الفقهاء الأدلة والاستدلال بها طبقاً للترتيب الذي ذكرناه، فالمصدر الأول للشريعة هو القرآن، والمصدر الثاني هو السنة، والمصدر الثالث هو الإجماع، والمصدر الرابع هو القياس، فإذا لم يوجد حكم الواقعة في القرآن رجع إلى القياس. وهناك مصادر أخرى للشريعة مختلف عليها، فيراها البعض مصادر تشريعية أحكامها ملزمة، ولا يراها البعض الآخر كذلك، والمصادر المختلف عليها هي: الاستحسان، والاستصحاب، والمصلحة المرسلة، والعرف، وشرع من قبلنا، ومذهب الصحابى. ١١٥ - مصادر التشريع الجنائي الإسلامي: مصادر التشريع الجنائي فيما يختص بالإجراءات الجنائية هي نفس المصادر التي سبق الكلام عليها، مع مراعاة أن بعضها متفق عليه والبعض مختلف عليه.

стр. 164

أما مصادر التشريع الإسلامي الجنائي المقرر للجرائم والعقوبات فأربعة فقط، منها ثلاثة متفق عليها وهي: (١) القرآن (٢) السنة (٣) الإجماع. أما الرابع فهو القياس، وقد اختلف فيه الفقهاء، فرأى البعض أنه مصدر تشريعي جنائي، ورأى البعض الآخر أنه ليس مصدراً في تقرير الجرائم والعقوبات. ويجب أن نلاحظ الفرق الهام بين القرآن والسنة من ناحية وبين غيرهما من المصادر من ناحية أخرى. فالقرآن والسنة هما أساس الشريعة، وهما اللذان جاءا بنصوص الشريعة المقررة للأحكام الكلية. أما بقية المصادر فهي لا تأتي بأسس شريعة جديدة، ولا تقرر أحكاماً كلية جديدة وإنما هي طرق للاستدلال على الأحكام الفرعية من نصوص الرآن والسنة، ولا يمكن أن تأتي بما يخالف القرآن والسنة، لأنها تستمد منهما وتستند إلى نصوصهما. * * * الفرع الأول القرآن ١١٦ - القرآن: هو كتاب الله المنزل على رسوله محمد ﷺ ، وهو المدون بين دفتي المصحف المبدوء بسورة الفاتحة المختوم بسورة الناس. ١١٧ - نصوص القرآن قطعية: ولقد نقل القرآن إلينا بطريق التواتر كتايةً ومشافهة، والتواتر يفيد الجزم والقطع بصحة المنقول، ومن ثم كانت نصوص القرآن قطعية الورود، فمن المقطوع به أنها وردت إلينا عن الرسول كما أنزلت عليه من ربه؛ لأنها نقلت إلينا عن الرسول بطريق التواتر كتاية ً ومشافهةً. والنقل بطريق التواتر يفيد القطع واليقين، فقد كتب القرآن عن الرسول جماعة من كتاب الوحي، وحفظه جمع من الصحابة لا يمكن أن يتواطئوا على الكذب، ونقله عن هذه الجموع جموع أخرى فلم يختلفوا في حرف أو لفظ على تعدد البلاد وتباعد الأقطار واختلاف الأجناس.

стр. 165

١١٨ - دلالة نصوص القرآن قطعية وظنية: وإذا كانت نصوص القرآن قطعية فإن دلالتها على معانيها قد تكون قطعية وقد تكون ظنية. فإن كان النص دالاً على معناه ولا يحتمل التأويل كانت دلالته قطعية، مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] فدلالة ثمانين على العدد قطعية، ودلالة أبداً على التأبيد قطعية. وإن كان النص دالاً على معناه ولكنه يحتمل التأويل كانت دلالته ظنية، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فلحفظ القرء قد يعني الحيض وقد يعني الطهر، ومن ثم فدلالته على معناه ظنية لا قطعية، إذ من المحتمل أن يكون المراد من اللفظ الحيض، ومن المحتمل أن يكون المراد الطهر. ١١٩ - أحكام القرآن شرعت للدنيا والآخرة: وأحكام القرآن على نوعين: أحكام يراد بها إقامة الدين وهذه تشمل أحكام العقائد والعبادات. وأحكام يراد بها تنظيم الدولة والجماعة، وتنظيم علاقة الأفراد بعضهم ببعض، وهذه تشمل أحكام المعاملات والعقوبات والأحكام الشخصية والدستورية والدولية ... إلخ. وأحكام القرآن على تنوعها وتعددها أنزلت بقصد إسعاد الناس في الدنيا والآخرة، ومن ثم كان لكل عمل دنيوي وجه أخروي، فالفعل التعبدي أو المدني أو الجنائي أو الدستوري أو الدولي له أثره المترتب عليه في الدنيا من أداء الواجب، أو إفادة الحل والملك أو إنشاء الحق أو زواله، أو توقيع العقوبة، أو ترتيب المسئولية ... الخ، ولكن هذا الفعل الذي يترتب عليه أثره في الدنيا له أثر

стр. 166

آخر مترتب عليه في الآخرة، وهو المثوبة أو العقوبة الأخروية. وينبني على كون الشريعة مقصوداً بها إسعاد الناس في الدنيا والآخرة أن يعتبر وحدة لا تقبل التجزئة، أو جملة لا تقبل الانفصال؛ لآن أخذ بعضها دون بعض لا يؤدي إلى تحقيق الغرض منها، ولأنه لا توجد شريعة أخرى على وجه الأرض معمول بها تسلك مسلك الشريعة الإسلامية، فلا ينبغي أن تقاس الشريعة في هذا بغيرها. ومن يتتبع آيات الأحكام يجد كل حكم منها يترتب عليه جزاءان: جزاء دنيوي، وجزاء أخروي، فالقرآن يحرم القتل حيث يقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] ، ويجعل للقتل جزاءين أحدهما دنيوي، والثاني أخروي، فأما جزاء الدنيا فهو القصاص، وأما جزاء الآخرة فهو العذاب الأليم، وذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] ، والعذاب الأليم هو عذاب الآخرة، يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] ، ويؤيده أن القصاص عقوبة الدنيا على الاعتداء. وجزاء قطع الطريق أو الحرابة: القتل والقطع والصلب والنفي؛ عقوبة دنيوية والذاب العظيم عقوبة أخروية، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] . وجزاء السارق: القطع في الدنيا، والعذاب في الآخرة، لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَمَن

стр. 167

تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨، ٣٩] ، والمقصود التوبة بعد العقوبة الدنيوية، ولا يتوب بعد عقابه إلا من كان مسئولاً مسئولية أخروية. وإشاعة الفاحشة ورمي المحصنات له عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة، حيث يقول جل شأنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة﴾ [النور: ١٩] ، ويقول: ﴿ِإِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور ٢٣، ٢٥] . والزنا له عقوبتان أيضاً إحداهما في الدنيا والثانية في الآخرة، فيقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨، ٧٠] . وأكل أموال اليتامى معاقب عليه في الدنيا والآخرة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢] ، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] . وأكل الربا له عقوبتان؛ الأولى في الدنيا والثانية في الآخرة، وذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .

стр. 168

وتعطيل المساجد له أيضاً عقوبة دنيوية وعقوبة أخروية، حيث يقول جل شأنه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤] . والتولي عند الزحف له عقوبتان أيضاً في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥، ١٦] . وللمرتد عقاب في الدنيا وعقاب في الآخرة في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] . وهكذا لا نكاد نجد حكماً لم ترتب عليه الشريعة عقوبة أخروية فوق العقوبة الدنيوية؛ وإن وجدنا شيئاً من ذلك فإنه يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠] ، وقوله: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [النساء: ١٣ - ١٤] ، وهناك كثير من النصوص العامة قاطعة بهذا المعنى، وفيما ذكرناه هنا كفاية. ولم تشرع أحكام الشريعة الإسلامية للدنيا والآخرة عبثاً، وإنما اقتضى ذلك منطق الشريعة. فهي في أصلها تعتبر أن الدنيا دار ابتلاء وفناء، وأن الآخرة دار بقاء وجزاء، وأن الإنسان مسئول عن أعماله في الدنيا ومجزى عنها في

стр. 169

الآخرة، فإن فعل خيراً فلنفسه، وإن أساء فعليها، والجزاء الدنيوي لا يمنع من الجزاء الأخروي إلا إذا تاب الإنسان وأناب. ١٢١ - أحكام الشريعة لا تتجزأ: وأحكام الشريعة لا تتجزأ ولا تقبل الانفصال، وليس ذلك فقط لما ذكرناه من أن التجزئة تخالف الغرض من الشريعة، وإنما لأن نصوص الشريعة نفسها تمنع من العمل ببعضها وإهمال البعض الآخر، كما تمنع من الإيمان ببعضها والكفر ببعض، وتوجب العمل بكل أحكامها والإيمان إيماناً تاماً بكل ما جاءت به، فمن لم يؤمن بهذا ويعمل به دخل تحت قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٨٥] . والنصوص الواردة في تحريم العمل ببعض الشريعة دون بعضها كثيرة منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠] ، والكتمان معناه العمل ببعض الأحكام دون بعضها الآخر، والاعتراف ببعضها وإنكار البعض الآخر. ومنها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٤ - ١٧٥] . وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] . وقوله: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] .

стр. 170

وقوله: ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] . وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١] . وقوله: ﴿فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] . وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١] . وقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ *أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٨ - ٥٠] . وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ

стр. 171

وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧، ٦٨] . وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا * فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٤، ٦٥] . ١٢٢ - ميزات الشريعة: وتمتاز الشريعة الإسلامية عن الشرائع الوضعية بميزات عظيمة هي أن أحكامها شرعت للدنيا والآخرة. وهذا هو السبب الوحيد الذي يحمل معتنقيها على طاعتها في السر والعلن والسراء والضراء؛ لأنهم يؤمنون بأن الطاعة نوع من العبادة يقربهم إلى الله، وأنهم يثابون على هذه الطاعة، ومن استطاع منهم أن يرتكب جريمة ويتفادى العقاب الدنيوي فإنه لا يرتكبها مخافة العقاب الأخروي وغضب الله عليه. والشريعة تلزم معتنقيها أن يتخلقوا بالأخلاق الفاضلة، ومن تخلق بالأخلاق الفاضلة ندر أن يرتكب جريمة، وهم بعد ذلك يعلمون أن الله رقيب عليهم، ومطلع على أعمالهم، وأنهم مهما استخفوا من الناس فلن يستخفوا من الله وهو معهم أينما كانوا، وكل ذلك مما يدعو إلى قلة الجرائم، وحفظ الأمن وصيانة نظام الجماعة ومصالحها العامة، بعكس الحال في القوانين الوضعية فإنها ليس لها في نفوس من تطبق عليهم ما يحملهم على طاعتها، وهم لا يطيعونها إلا بقدر ما يخشون من الوقوع تحت طائلتها، ومن استطاع أن يرتكب جريمة ما وهو آمن من سطوة القانون فليس ثمة ما يمنعه من ارتكابها من خلق أو دين، ولذلك تزداد الجرائم زيادة مطردة في البلاد التي تطبق القوانين الوضعية، وتضعف الأخلاق، ويكثر المجرمون من الطبقات المستنيرة، تبعاً لزيادة الفساد الخلقي في هذه الطبقة، ولقدرة أفرادها على التهرب من سلطان القانون.

стр. 172

وتفرض الشريعة على معتنقيها أن يؤمنوا بأنها من عند الله، وأنها أصلح نظام وأعدله، ومن ثم فهم لا يعدلون بها نظاماً آخر، ويترتب على هذا أن لا تجد مؤمناً بالدين الإسلامي يرضي بأي نظام مخالف له أو خارج عليه، كالشيوعية وما أشبه، بينما تجد من تطبق عليهم القوانين الوضعية يقيسون الأنظمة بمقياس المصلحة المادية العاجلة، فيستشرفون إلى كل نظام جديد، ويتطلعون إلى الأخذ بكل ما يرونه أفضل من نظامهم أو مما يمكنهم من الجاه والمال والسلطان، ومن ثم يعيشون غير مستقرين على مبدأ ولا نظام. فمزج الشريعة بين أحكام الدنيا والدين وإيمان المسلمين بها ضمن للشريعة الاستمرار والثبات، وبث في المحكومين روح الطاعة والرضاء، ودعاهم إلى التخلق بالأخلاق الكريمة، وجعل للشريعة قوة في الردع ليست لأي قانون وضعي آخر مهما أحكم وضعه وأحسن تطبيقه وتنفيذه. * * * الفرع الثاني السنة ١٢٣ - تعريف السنة: هي ما أُثر عن الرسول ﷺ من قول أو فعل أو تقرير. فالسنة على ثلاثة أنواع: سنة قولية، وسنة فعلية، وسنة تقريرية. أولاً: السنة القولية: هي أحاديث الرسول التي قالها في مختلف المناسبات، مثل قوله: "لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زناً بعد إحصان، أو قتل نفس بدون نفس". وكقوله: "من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العَقْل". وكقوله في عقوبة الزاني الذي لم يحصن: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام". وكقوله: "لا قطع في ثمر معلَّق، ولا في حَريسة الجبل، فإن آواه المَراح أو الجَرين فالقطع فيما بلغ ثَمَن المِجَنَّ". وقوله: "من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه".

стр. 173

ثانياً: السنة الفعلية: هي أفعاله ﷺ مثل قضائه بالعقوبة في الزنا بعد الإقرار، وقطعه اليد اليمنى في السرقة، وقضائه بشاهد واحد ويمين المدعي. ثالثاً: السنة التقريرية: هي ما صدر عن بعض أصحاب الرسول من أقوال وأفعال أقرها الرسول ﷺ بسكوته وعدم إنكاره، أو بموافقته وإظهار استحسانه، فيعتبر عمل الصحابي أو قوله بعد أن أقره الرسول كأنه صادر عن الرسول نفسه، ومثل ذلك أن النبي ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن سأله: بم تقضي؟ قال: أقضي بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله، فإن لم أجد أجتهد رأيي، فأقره الرسول على ذلك حيث قال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله إلى ما يرضي رسول الله". ١٢٤ - مركز السنة من القرآن: القرآن هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي، وأساس هذا التشريع، والسنة هي المصدر الثاني، وتلي القرآن في المرتبة. وأحكام السنة من الناحية التشريعية لا تعدو أن تكون واحداً من ثلاثة: الأول: فهي إما أن تكون سنة تقرر وتؤكد حكماً جاء به القرآن، فيكون الحكم مرجعه القرآن والسنة معاً، كتحريم القتل بغير حق، وشهادة الزور، والسرقة، وغير ذلك من الأوامر والنواهي التي جاء بها القرآن والسنة. الثاني: وإما أن تكون سنة مفصلة مفسرة حكماً جاء به القرآن مجملاً، أو مقيدة ما جاء في القرآن مطلقاً، أو مخصصة ما جاء فيه عاماً، فيكون هذا التفسير أو التقييد أو التخصيص الذي جاءت به السنة بياناً للمقصود من الحكم الذي جاء به القرآن، لأن الله جعل لرسوله حق البيان لنصوص القرآن بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] ، فالسنة هي التي فصلت كيفية إقامة الصلاة والحج وإيتاء الزكاة؛ لأن القرآن أمر بإقامة الصلاة،

стр. 174

وإيتاء الزكاة، وحج البيت، ولم يبين عدد الركعات، ولا كيفية الصلاة، ولا مقادير الزكاة، ولا مناسك الحج. والسنة هي التي قيدت وخصصت كثيراً من أحكام القرآن، فنصوص القرآن أحلت البيع وحرمت الربا، والسنة هي التي بينت بيوع الربا. ونصوص القرآن حرمت الميتة والدم، والسنة قيدت هذا الإطلاق، وخصصت التحريم وبينت ما يحل من أنواع الميتة والدم. ونصوص القرآن جعلت الميراث للأولاد، والسنة منعت ميراث القاتل. والقرآن يعاقب السارق والسارقة بالقطع، والسنة منعت القطع إلا في ربع دينار فصاعداً، ومنعت القطع إلا في السرقة من حِرْز. الثالث: وإما أن تكون سنة مثبتة حكماً سكت عنه القرآن، فيكون الحكم أساسه السنة وليس له دليل في القرآن، كقول الرسول: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها"، وكقوله في تحريم الذهب والفضة: "هذان حرامان على رجال أمتي حلالان لنسائها"، وكقوله: "يَحْرُمُ من الرضاع ما يَحْرُم من النسب". ١٢٥ - أنواع السنة بحسب روايتها: تنقسم السنة بحسب روايتها ثلاثة أقسام: أسنة متواترة. ... ب - سنة مشهورة. ... جـ - سنة آحاد. (أ) السنة المتواترة: هي ما رواه عن رسول الله جمع يمتنع عادة أن يتواطأ أفراده على كذب؛ لكثرتهم وأمانتهم، ثم رواه على الجمع جمع مثله، وعن هذا الجمع جمع آخر، وهكذا حتى وصلت إلينا بسند كل طبقة من رواته جمع لا يتفقون على كذب من مبدأ التلقي عن الرسول حتى وصلت إلينا. ومن هذا القسم السنن العملية في أداء الصلاة والصوم وغير ذلك من شعائر الدين،

стр. 175

التي تلقاها المسلمون جموعاً عن الرسول، ولقنوها جموعاً أخر دون خلاف عليها مع اختلاف الأعصار وتباعد الأمصار. (ب) السنة المشهورة: هي ما رواها عن الرسول صحابي أو أكثر دون أن يبلغ الرواة حد التواتر، ثم نقلها عن الراوي أو الرواة جمع من جموع التواتر، وتناقلها عن هذا الجمع جموع أخر حتى وصلت إلينا بسند أول طبقة فيه فرد أو أفراد لا يبلغون حد التواتر، وباقي طبقاته من جموع التواتر، ومن هذا القسم ما رواه عمر بن الخطاب وابن مسعود وغيرهما من الصحابة. (جـ) سنة الآحاد: هي ما رواها عن الرسول آحاد أو جمع لم يبلغ حد التواتر وتناقلها عن هؤلاء أمثالهم من الآحاد أو الجموع التي لا تبلغ حد التواتر حتى وصلت إلينا بسند طبقات الرواة فيه آحاد أو جموع لا تبلغ حد التواتر، ومن هذا القسم معظم الأحاديث. ١٢٦ - هل السنن قطعية أم ظنية؟: السنة المتواترة قطعية الورود عن الرسول لأن تواتر النقل يفيد الجزم بصدق الرواة، والسنة المشهورة قطعية الورود عن الصحابي الذي نقلها عن الرسول، وليست قطعية الورود عن الرسول، لأن من تلقاها عن الرسول ليس جمعاً من جموع التواتر، ولأن من تلقاها عن الصحابي جمع من جموع التواتر، وسنة الآحاد ظنية الورود عن الرسول. والسنن جميعاً قد تكون قطعية الدلالة، وهذا إذا كانت لا تحتمل تأويلاً، وقد تكون ظنية الدلالة، وهذا إذا كانت تحتمل التأويل. ١٢٧ - حجية السنة: لا خلاف في أن أقوال الرسول وأفعاله وتقاريره التي قصد بها التشريع ونقلت إلينا بسند صحيح يفيد القطع أو الظن الراجح - تعتبر حجة ملزمة للمسلمين، ومصدراً تشريعياً واجب الاتباع، سواء كانت قطعية الورود أو ظنية الورود، فالسنة المتواترة واجبة الاتباع، لأن ورودها

стр. 176

عن الرسول مقطوع به، والسنة المشهورة وسنة الآحاد واجبة الاتباع وإن كانت ظنية الورود عن الرسول؛ لأن هذا الظن راجح بما توفر في الرواة من العدالة والإتقان. وقد اعتبرت أحكام السنة ملزمة واجبة الاتباع لأن القرآن جعلها كذلك، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ، ويقول: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] ، ويقول: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠] ، ويقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [النساء: ٦٤] ، ويقول: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٣٢] ، ويقول: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ، ويقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ، ويقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . فالسنة إذن تشريع واجب الاتباع بنص القرآن، وقد أجمع الصحابة في حياة الرسول وبعد وفاته على وجوب اتباع سنته، فكانوا في حياته يمضون أحكامه، ويمتثلون أمره ونهيه؛ يُحلون ما أحل، ويُحرمَّون ما حرم، وبعد وفاته إذا لم يجدوا في القرآن حكم أي واقعة نزلت بهم يسألوا عن سنة الرسول فيها، وكان أبو بكر إذا لم يحفظ سنة في واقعة ما خرج ينشد المسلمين أيهم يحفظ سنة عن النبي في تلك الواقعة، كذلك كان يفعل عمر وغيره من الصحابة والتابعين. ١٢٨ - هل تعتبر كل أقوال الرسول وأفعاله تشريعاً؟: أفعال الرسول وأقواله على أنواع: فمنها ما صدر عنه باعتباره بشراً؛ كالقيام والقعود والأكل

стр. 177

والشرب، ومثل هذه الأفعال لا تعتبر تشريعاً؛ لأنها صدرت عن الرسول بمقتضى بشريته وليست جزءاً من رسالته. وبعض الأفعال صدر عن الرسول ﷺ ودل الدليل أنها من خصائصه لا يشاركه فيها أحد، كالزواج بأكثر من أربعة، ودخول مكة بغير إحرام، والوصال في الصوم، وهذه أيضاً لا تعتبر تشريعاً؛ لأنها خاصة بالرسول فلا يشاركه فيها غيره. وبعض الأفعال صدر عن الرسول ﷺ وأساسه خبرته الخاصة بالشئون الدنيوية، كالاتجار والزراعة وتنظيم الجيش، وهذه الأفعال وأمثالها ليست تشريعاً أيضاً؛ لأن مبناها الخبرة الشخصية، والرسول نفسه كان لا يعتبر هذه الأفعال تشريعاً، فقد أشار على بعض الصحابى بتأبير النخل على وجه خاص فلم يصلح النخل به، فعدل عن رأيه وقال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، وفي موقعة بدر أراد أن ينزل بالجيش في مكان معين، فقال له أحد أصحابه: أهذا منزل أنزلكه الله، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة" فأشار الصحابي بإنزال الجنود في مكان آخر لأسباب بينها فأخذ الرسول بمشورته. أما الأقوال والأفعال التي صدرت عن الرسول ﷺ بقصد البيان والتعليم والإرشاد فهي تشريع ملزم، ومثل ذلك قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقوله: "خذوا عني مناسككم"، وقطعه يد السارق اليمنى من الكوع بياناً لقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ ، وكأمره بدفن المرجوم والصلاة عليه حينما سئل عن ماعز فقال: "افعلوا به كما تفعلون بموتاكم"، وكاختياره سوطاً لا هو بالشديد ولا هو باللين حينما أراد إقامة الحد، ومثل ذلك أيضاً ما روي عنه من أن أم سلمة سألته عن قبلة الصائم، فقال لها: "لم لم تقولي لهم إني أقبل وأنا صائم؟ "، ولما سألته عن بل الشعر في الاغتسال قال: "أما أنا فيكفيني أن أحثو رأسي ثلاث حثيات من الماء". ولقد اختلف الصحابة في الغسل من غير إنزال فأنفذ عمر إلى عائشة

стр. 178

رضي الله عنها وسألها عن ذلك؛ فقالت: فعلته أنا ورسول الله واغتسلنا. فأخذ عمر الناس بذلك. وكان عمر يقبل الحجر الأسود في طوافه ويقول: إني أعلم أنك حجر لا يضر ولا ينفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك. ولولا أن فعل رسول الله وقوله متبع لما أخذ الصحابة بفعله وقوله. * * * الفرع الثالث الإجماع ١٢٩ - تعريف الإجماع: الإجماع هو اتفاق جميع المجتهدين من الأمة الإسلامية في عصر من العصور بعد وفاة الرسول ﷺ على حكم شرعي. ١٣٠ - حجية الإجماع: إذا اتفق جميع المجتهدين في الأمة الإسلامية متفرقين أو مجتمعين على حكم واقعة من الوقائع كان هذا الحكم المتفق عليه واجب الاتباع، واعتبر الإجماع قطعياً على الحكم. أما إذا كان الرأي صادراً عن أكثرية المجتهدين فإنه يعتبر دليلاً ظنياً، ويجوز للأفراد اتباعه ويجوز للمجتهدين أن يروا خلافه، ما لم ير ولي الأمر أن يوجب اتباعه فيصبح في هذه الحالة واجب الاتباع. ١٣١ - الأساس التشريعي للإجماع: أساس الإجماع هو القرآن والسنة، فالاجتهاد لا يقوم على التحكم وإنما يقوم على مبادئ الشريعة العامة وروحها فيما لم يرد فيه نص صريح في القرآن والسنة، واتفاق المجتهدين على حكم معين قاطع في موافقة هذا الحكم لمبادئ الشريعة العامة وروح التشريع فيها؛ لأن اجتماعهم على حكم واحد مع اختلاف الأقطار والبيئات والمذاهب دليل على أن وحدة الحق هي التي جمعتهم. وقد دعا القرآن والسنة إلى اعتبار الإجماع تشريعاً ملزماً، فقوة الإلزام في الإجماع واعتباره مصدراً تشريعياً مرده إلى نصوص القرآن ونصوص السنة.

стр. 179

القرآن: فأما القرآن فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] ، ومن المتفق عليه أن أولي الأمر في هذه الأية مقصود بهم الحكام والعلماء معاً، فكل منهم ولي أمر في عمله، فإذا أجمع العلماء على حكم وجب اتباعه؛ لأن طاعتهم واجبة بنص القرآن، كذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] ، والمقصود بأولي الأمر في هذه الآية العلماء. السنة: أما السنة فجعلت رأي الجماعة صواباً خالصاً بعيداً عن الخطأ، واعتبرت الرأي المجمع عليه حسناً عند الله، فقد قال رسول الله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على الخطأ"، وقال: "لم يكن الله ليجمع أمتي على ضلالة"، وقال: "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن". ١٣٢ - الإجماع مصدر القوانين والوائح والقرارات: القوانين الجنائية هي النصوص التي تصدرها السلطات المختصة بسن القوانين بغض النظر عن شكل الحكومة الدستوري، وهذه النصوص تسمى في مصر قوانين إذا جاءت عن طريق البرلمان، وتسمى مراسيم بقوانين إذا أصدرها الملك في غيبة البرلمان، طبقاً للمادة ٤١ من الدستور المصري، وفي كلا الحالين يجب أن تقرها أغلبية من أعضاء البرلمان، فإذا أقرتها الأغلبية أمر الملك بإصدارها، وأصبحت ملزمة للأفراد. فمصدر القوانين هو الإجماع الناقص، أو هو إجماع الأكثرية على القواعد والمبادئ التي يحتويها القانون، وقوة القانون الملزمة تأتي لا من هذا الإجماع وإنما من أمر ولي الأمر لإصدار القانون ووضعه موضع التنفيذ، فالإجماع هنا دليل ظني لا قطعي. واللوائح والقرارات هي ما تصدره السلطات الإدارية والمحلية من قواعد لتنفيذ قانون ما، بناء على السلطة المخولة لهذه السلطات بنص القانون فمصدرها هو مصدر القانون أي الإجماع الناقص، وقوتها الإلزامية مستمدة من أمر ولي الأمر الذي أصدر القانون، وخول لمن وكل إليه التنفيذ سلطة التنفيذ.

стр. 180

١٣٣ - مركز القوانين واللوائح والقرارات من التشريع الإسلامي: تعتبر القوانين والقرارات واللوائح مكملة للتشريع الإسلامي؛ لأن الشريعة تعطي لأولي الأمر حق التشريع فيما يمس مصلحة الأفراد ومصلحة الجماعة، وقيما يعود على الأفرادوالجماعة بالنفع، فللسلطة التشريعية في أي بلد إسلامي أن تعاقب على أي فعل مباح إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، ولها أن تعفو عن الجريمة أو عن العقوبة (١) إذا كانت الجريمة من جرائم التعازير واقتضت المصلحة العامة العفو عن الجريمة، أو العفو عن العقوبة كلها أو بعضها، ولها أن تضيق من سلطان القاضي في أي جريمة من جرائم التعازير وأن تتركه واسعاً ما دامت المصلحة العامة تقتضي هذا. والقوانين والقرارات واللوائح التي تصدرها السلطة التشريعية تكون نافذة واجبة الطاعة شرعاً، وبشرط أن لا يكون فيها ما يخالف نصوص الشريعة الصريحة أو يخرج على مبادئها العامة وروح التشريع فيها، وإلا فهي باطلة بطلاناً مطلقاً، كما سنبين فيما بعد عند الكلام على النسخ. ١٣٤ - الشريعة لم تنفرد بجعل الإجتماع تشريعاً: وقد يظن البعض أن الشريعة انفردت باعتبار الإجماع مصدراً للتشريع، وهو ظن خاطئ، فالقوانين الوضعية في غير البلاد الإسلامية أساسها رأي الجماعة سواء في التشريع أو التطبيق. فالقوانين لا تصدر إلا إذا وافقت عليها أغلبية الهيئات التشريعية، والنظريات القانونية التي يجمع عليها معظم الفقهاء أو معظم القضاة يكون لها - دون تشريع - قوة ملزمة مصدرها هذا الإجماع الناقص. وتجعل القوانين الوضعية الحكم لرأي غالبية القضاة عند الاختلاف إذا تعدد القضاة، فإذا كانت المحكمة مكونة من ثلاثة قضاة كان الحكم ما يراه اثنان منهما، وإذا اختلفت الدوائر المحاكم العليا في تقرير المبادئ القانونية أو تفسير النصوص كان الحكم لأغلبية قضاة هذه الدوائر مجتمعين. ومعنى هذا كله أن القوانين الوضعية تسلم بالإجماع، وتجعل
следующие страницы →