فى بلد آخر (١) . ومن هذا الرأى الظاهريون (٢) .
ويشترط بعض الفقهاء فى التغريب أن يكون لمسافة لا تقل عن مسافة القصر (٣) . ويرى البعض أن يكون النفى من عمل الحاكم إلى عمل غيره دون التقيد بمسافة معينة، فلو نفى إلى قرية تبعد عن محل الحادث ميلاً لكفى، كما يجوز أن ينفى من مصر إلى مصر لأن النفى ورد مطلقًا فيتناول أقل ما يقع عليه الاسم (٤) .
والمقصود من المراقبة أن يمنع الزانى من العودة إلى بلدة قبل انتهاء المدة، أو إلى ما دون مسافة القصر على رأى البعض، ويرى البعض أن المراقبة مقصود بها إلزام المغرَّب بالإقامة فى البلد المغرب إليه، فلا يُمكَّن من الضرب فى الأرض (٥) .
وإذا كانت القاعدة عند الشافعيين أن التغريب معناه النفى إلا أنهم يجيزون حبس المغرَّب إذا خيف رجوعه إلى البلد الذى غرب منه (٦) .
ويرى الشافعيون إعادة تغريب المغرب إذا رجع إلى البلد الذى غرب منه، على أن تستأنف المدة من جديد ليتوالى الإيحاش وحتى لا تفرق السنة (٧) . أما الحنابلة فيرون إعادة التغريب فى حالة الرجوع على أن يبنى على مدة التغريب السابقة بحيث يعاد تغريبه ليكمل ما بقى من الحول لا ليبدأ حولاً جديدًا (٨) .
وإذا زنا المغرَّب فى البلد الذى غرب إليه جلد، وغرب إلى بلد آخر، ودخلت المدة الباقية من التغريب الأول فى مدة التغريب الثانية لتجانس الحدين. وهذا متفق عليه فى مذهب مالك والشافعى وأحمد، ولكن الظاهريين يرون أن
стр. 1157
تستتم مدة التغريب الأولى ثم تبدأ فى الثانية (١) ؛ لأن القاعدة عندهم أن ما وجب من حد لا يجزئ عنه حد آخر.
وإذا زنا الغريب غُرِّب إلى غير بلده، وإذا زنا فى البلد الذى غرب إليه غرب إلى بلد آخر غير الذى غرب منه، ويرى بعض المالكيين أن سجن الغريب فى البلدة التى زنا فيها يعتبر تغريبًا له، ولكن الشافعيين والحنابلة يشترطون أن يُغرَّب عنها (٢) .
* * *
المبحث الثانى
عقوبة المحصن
٥١٤ - تشديد عقوبة المحصن: فرقت الشريعة بين المحصن والبكر فى عقوبة الزنا، وخففت عقوبة البكر وشددت عقوبة المحصن، وجعلت عقوبة البكر الجلد والتغريب وعقوبة المحصن الجلد والرجم، ومعنى الرجم القتل رميًا بالحجارة وما أشبهه.
وعلة التخفيف على البكر هى علة التشديد على المحصن، فالشريعة الإسلامية تقوم على الفضيلة وتحرص على الأخلاق والأعراض والأنساب من التلوث والاختلاط، وتوجب على الإنسان أن يجاهد شهوته ولا يستجيب لها إلا من طريق الحلا وهو الزواج، كما توجب عليه إذا بلغ الباءة أن يتزوج حتى لا يعرض نفسه للفتنة أو يحملها ما لا تطيق، فإذا لم يتزوج وغلبته على عقله وعزيمته الشهوة فعقابه أن يجلد مائة جلدة ويُغرَّب سنة، وشفيعه فى هذه العقوبة الخفيفة تأخيره فى الزواج الذى أدى به إلى الجريمة. أما إذا تزوج فأحصن ثم أتى الجريمة فعقوبته الجلد والرجم، لأن الإحصان يسد الباب على الجريمة، ولأن الشريعة لم تجعل له بعد الإحصان سبيلاً إلى الجريمة، فلم تجعل الزواج أبديًا حتى لا يقع
стр. 1158
فى الخطيئة أحد الزوجين إذا فسد ما بينهما، وأباحت للزوجة أن تجعل العصمة فى يدها وقت الزواج، كما أباحت لها أن تطلب الطلاق للغيبة والمرض والضرر والإعسار، وأباحت للزوج الطلاق فى كل وقت، وأحلت له أن يتزوج أكثر من واحدة على أن يعدل بينهن، وبهذا فتحت الشريعة للمحصن أبواب الحلال، وأغلقت دونه باب الحرام، فكان عدلاً وقد انقطعت الأسباب التى تدعو للجريمة من ناحية العقل والطبع أن تنقطع المعاذير التى تدعو لتخفيف العقاب، وأن يؤخذ المحصن بعقوبة الاستئصال التى لا يصلح غيرها لمن استعصى على الإصلاح.
٥١٥ - الرجم: فأما الرجم فعقوبة معترف بها من جميع الفقهاء إلا طائفة الأزارقة من الخوارج لأنهم لا يقبلون الأخبار إذا لم تكن فى حد التواتر، وعندهم أن عقوبة المحصن وغير المحصن هى الجلد مستندين لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] .
والرجم هو قتل الزانى رميًا بالحجارة وما أشبهها.
والأصل فى الرجم كما بينا (١) هو قول الرسول ﷺ وفعله، فالرجم إذن سنة قولية وسنة فعلية فى وقت واحد.
٥١٦ - الجلد: والجلد هى العقوبة الثانية للزانى المحصن طبقًا للنصوص: "خذوا عنى فقد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة" (٢) .
لكن الفقهاء يختلفون على ما إذا كانت عقوبة المحصن هى الرجم وحده، أو هى الرجم والجلد معًا.
وحجة القائلين بالجلد مع الرجم أن القرآن جعل الجلد عقوبة أساسية للزنا، وذلك قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ، ثم جاءت السنة بالرجم فى حق الثيب، والتغريب فى حق البكر، فوجب الجمع
стр. 1159
بينهما، وقد فعل ذلك على بن أبى طالب حيث جلد شراحة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ . وحديث الرسول صريح فى الجمع بين الجلد والرجم: "والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة"، وهذا الصريح الثابت بيقين لا يترك إلا بمثله، وإذا كان نص الحديث قد جعل للبكر عقوبتين الجلد والتغريب، وجعل للمحصن عقوبتين الجلد والرجم، وقد سلمنا بعقوبتى البكر، فقد وجب التسليم بعقوبتى الثيب، فيجلد أولاً ثم يرجم ثانيًا، وبهذا الرأى قال بعض الفقهاء، منهم الحسن وإسحاق وابن منذر، وعليه مذهب الظاهريين والشيعة الزيدية، وهو رواية فى مذهب أحمد (١) .
وحجة القائلين بأن العقوبة هى الرجم دون الجلد أن رسول الله ﷺ رجم ماعزًا والغامدية ورجم يهوديين، ولم يرد عنه أنه جلد واحدًا منهم، وأن الرسول فى حادث العسيف قال: "اغْدُ يا أُنيس إلى امرأة هذا اعترفت فارجمها" (٢) ، ولم يأمر بجلدها، وكان هذا آخر الأمرين من رسول الله فوجب تقديمه. هذا من جهة النصوص. أما من جهة المعنى فإن القاعدة العامة أن الحد الأصغر ينطوى فى الحد الأكبر؛ لأن الحد إنما وضع لزجر، ولا تأثير للزجر بالضرب مع الرجم. وأصحاب هذا الرأى هم جمهور الفقهاء. هم يسلمون بحديث الرسول ﷺ ، ولكنهم يعتبون الجلد منسوخًا أو داخلاً فى الرجم، ومن أصحاب هذا الرأى مالك وأبو حنيفة والشافعى، وهو رواية عن أحمد (٣) .
وهناك رأى ثالث يرى أصحابه أن الثيب إن كان شيخًا جُلد ورُجم، وإن كان شيبًا رُجم ولم يجلد؛ لما روى عن أبى ذر قال: "الشيخان يجلدان ويرجمان، والثيبان يرجمان، والبكران يجلدان وينفيان" (٤) ، وعن أبى بن كعب ومسروق مثل
стр. 1160
هذا (١) . ولعل أساس هذا الرأى أن زنا الشيخ مذموم، وأن الرسول ﷺ قال: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر" (٢) .
٥١٧ - حالات مختلفة على عقوبتها: وهناك حالات بعينها مختلف على العقوبة الواجبة فيها، ويرجع هذا إما إلى الاختلاف على تكييف هذه الحالات، وإما إلى الاختلاف على النصوص التى تحكمها، وسنتكلم على هذه الحالات فيما يلى:
٥١٨ - حالة اللواط: يترتب على اعتبار اللواط زنًا أن يعاقب عليه بعقوبة الزنا، ولكن القائلين باعتبار اللواط زنًا اختلفوا فى عقوبته:
فقال مالك: إن عقوبة اللواط الرجم مطلقًا سواء الفاعل والمفعول به محصنين أو غير محصنين (٣) .
وفى مذهب الشافعى وأحمد ثلاثة آراء (٤) :
أولها: أن اللواط حكمه حكم الزنا، فيعاقب اللائط والملوط به بعقوبة الزنا، فمن كان محصنًا رجم ومن لم يكن محصنًا جُلد وغُرِّب. وحجة أصحاب هذا الرأى ما رواه أبو موسى الأشعرى عن النبى ﷺ : "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان" (٥) ؛ ولأنه حد يوجب بالوطء فاختلف فيه البكر والثيب.
ثانيها: أن اللائط هو الذى يرجم أما الملوط به فلا يرجم وإنما يُجلد ويُغرَّب فى كل الأحوال، سواء كان ذكرًا أو أنثى محصنًا أو غير محصن؛ لأن الإحصان
стр. 1161
جعل للقُبُل وهو يؤتى فى الدُبر ولا يتصور فى الدبر إحصان. وعلى هذا فالملوط به إذا اعتبر فعله زنًا فهو زنًا من غير محصن ما دام الإحصان لم يجعل للدبر.
ثالثها: أن عقوبة اللائط والملوط به القتل فى كل حال، أى سواء كان محصنًا أو غير محصن. وفى قتله رأيان: رأى يرى القتل رجمًا. ورأى يرى القتل بالسيف. وحجة القائلين بالقتل ما رواه ابن عباس عن رسول الله ﷺ : "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" (١) ، وقد كان إطلاق القتل فى الحديث حجة لمن قال بأن القتل يكون بالسيف فى كل حال. وفسر آخرون القتل بالرجم لأنه وطء يجب به الحد، فكان القتل بالرجم كما هو الحال فى الزنا.
ويرى أبو حنيفة أن اللواط ليس زنًا فلا يعاقب عليه بعقوبة الزنا وإنما يعاقب عليه بعقوبة تعزيرية، ولا مانع عند أبى حنيفة من أن يحبس حتى يموت أو يتوب، وإذا اعتاد اللواط يقتل سياسة لا حدًا، أما أبو يوسف ومحمد فيريان اللواط زنًا يعاقب عليه بعقوبة الزنا فيجلد من لم يحصن ويرجم المحصن (٢) .
وفى مذهب الشيعة الزيدية رأيان: أحدهما أن حكم اللواط هو حكم الزنا، فيرجم المحصن، ويجلد من لم يحصن. والثانى أن يقتل الفاعل والمفعول به فى كل حال (٣) .
أما الظاهريون فيرون اللواط شيئًا آخر غير الزنا، فهو معصية يُعزَّر عليها (٤) .
٥١٩ - حالة وطء المحارم: يرى جمهور الفقهاء أن من وطئ محرمًا عوقب بعقوبة الزانى فيرجم المحصن ويجلد غير المحصن ويغرب. ولكن بعضهم يرى - وهو رأى لأحمد - (٥) أن من وطئ ذات محرم حده القتل فى كل حال؛
стр. 1162
لما رواه البراء قال: "لقيت عمى ومعه الراية فقلت: إلى أين تريد؟ قال: بعثنى رسول الله ﷺ إلى رجل ينكح امرأة أبيه من بعده أن اضرب عنقه وآخذ ماله" (١) ، ولما رواه الجورجانى وابن ماجه بإسنادهما عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "من وقع على ذات محرم فاقتلوه" (٢) .
ويرى الظاهريون أن من وقع على امرأة أبيه بعقد أو بغير عقد فإنه يقتل محصنًا كان أو غير محصن، وبخمس ماله، وساء كانت أمه أو غير أمه، دخل بها أبوه أو لم يدخل. وأما من وقع على غير امرأة أبيه من سائر ذوات محارمه بصهر أو رضاع فهو زان وعليه حد الزنا فقط (٣) ، وعلة ذلك أن امرأة الأب ورد فيها نص صريح هو حديث البراء، أما من عداها من المحارم فلم يصح فى شأنهن نص خاص، فمن وقع على واحدة منهن كان زانيًا طبقًا للنصوص العامة.
٥٢٠ - حالة وطء البهائم: لا يعتبر وطء البهائم والحيوانات على العموم زنًا عند مالك وأبى حنيفة والظاهريين، وإنما هو معصية فيها التعزير. وكذلك الحكم فى تمكين المرأة حيوانًا من نفسها. وعلى هذا الرأى الراجح فى مذهب الشافعى وأحمد (٤) .
أما الرأى المرجوح فى مذهب الشافعى وأحمد فيرى أصحابه أن الفعل يعتبر زنًا ولكنه يعاقب عليه بالقتل فى كل الأحوال (٥) ، لما روى عن رسول الله ﷺ : "من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوه البهيمة" (٦) .
وبعض الشافعيين يعتبر الفعل زنًا قياسًا على إتيان الرجل المرأة، ويجعلون
стр. 1163
عقوبة المحصن الرجم وعقوبة غير المحصن الجلد والتغريب (١) . وهذا الذى يراه بعض الشافعيين هو الرأى الراجح فى مذهب الشيعة الزيدية، وإن كان بعضهم يرى ما يراه مالك وأبو حنيفة (٢) .
ويرى الشافعيون والحنابلة أن المرأة التى تمكِّن من نفسها حيوانًا عليها ما على واطئ البهيمة (٣) ، وإن كان بعض الشافعيين يصرحون بأنه ليس على المرأة إلا التعزير (٤) .
* * *
المبحث الثالث
الإحصان
٥٢١ - الإحصان شرط الرجم: رأينا فيما سبق أن الشريعة الإسلامية تفرق فى العقوبة بين المحصن وغير المحصن، وتعاقب الأول بالرجم دون الثانى، ومعنى هذا أن الشريعة تجعل الإحصان شرطًا للرجم، فإذا انعدم الإحصان امتنع الرجم.
وإذا كان الإحصان شرطًا فى الرجم، فإن الإحصان فى نفس الوقت مجموعة شروط تكون هيئة واحدة أو مجموعة أجزاء لعلة واحدة، وكل واحد من هذه المجموعة يعتبر بذاته شرطًا أو علة لوجوب الرجم.
٥٢٢ - معنى الإحصان: الإحصان لغة معناه: الدخول فى الحصن أو المنع، قال تعالى: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] ، ويقال: أحصن إذا دخل فى الحصن.
وللإحصان فى القرآن أكثر من معنى، فقد جاء بمعنى التزويج فى قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ، وجاء بمعنى الحرية فى
стр. 1164
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] ، وجاء بمعنى العفة فى قوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢] ، وقوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب﴾ [المائدة: ٥] ، وجاء بمعنى الإسلام والزواج فى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] ، وجاء بمعنى الحرية والبلوغ والعفة فى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] .
٥٢٣ - أنواع الإحصان: الإحصان فى الجرائم على نوعين: إحصان الرجم، وإحصان القذف، وسنتكلم هنا على إحصان الرجم، أما إحصان القذف فمحل الكلام عليه جريمة القذف.
وإحصان الرجم شرعًا: هو عبارة عن اجتماع صفات اعتبرها الشارع لوجوب الرجم، أو هو مجموعة من الشروط إذا توفرت فى الزانى كان عقابه الرجم بدلاً من الجلد.
٥٢٤ - شروط الإحصان: اتفق الفقهاء على بعض شروط الإحصان فى جريمة الزنا، واختلفوا على البعض الآخر، وسنبين فيما يلى شروط الإحصان سواء منها ما اتفق عليه وما اختلف فيه:
أولاً: الوطء فىنكاح صحيح: يشترط لقيام الإحصان أن يكون وطء فى نكاح صحيح، وأن يكون الوطء فى القُبُل لقوله ﵇: "والثيب بالثيب الجلد والرجم"، والثيابة تحصل بالوطء فى القبل (١) .
стр. 1165
ولا خلاف فى أن عقد النكاح الخالى من الوطء لا يحصل به إحصان، ولو حصلت فيه خلوة صحيحة (١) أو وطء فيما دون الفرج، أو وطء فى الدبر، لأن كل هذا لا تعتبر به المرأة ثيبًا ولا تخرج عن حد الأبكار الذين حدهم جلد مائة وتغريب عام.
والوطء الذى يؤدى إلى الثيابة هو الإيلاج فى القبل على وجه يوجب الغسل، أو هو تغييب الحشفة أو مثلها فى القبل سواء أنزل أو لم ينزل، ولا يكفى مثل هذا الوطء وحده لوجود الإحصان بل يجب أن يكون الوطء فى نكاح؛ لأن النكاح هو الإحصان لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] يعنى المتزوجات، فإن كان الوطء فى غير نكاح كالزنا ووطء الشبهة فلا يصير به الواطئ محصنًا دون خلاف.
ويشترط فى النكاح أن يكون صحيحًا، فإن كان فاسدًا فإن الوطء فيه لا يحصن كما يرى جمهور الفقهاء (٢) .
ويشترط إذا كان الوطء فى نكاح صحيح أن لا يكون وطئًا محرمًا كالوطء فى الحيض أو الإحرام، فإن الوطء الذى يحرمه الشارع لا يحصن ولو كان فى نكاح صحيح (٣) .
ثانيًا: البلوغ والعقل: وهما شرطا الأهلية للعقوبة، كما أنهما لازمان فى كل جريمة، ويجب توفرهما فى المحصن وغير المحصن وقت ارتكاب الجريمة طبقًا للقواعد العامة، إلا أنهما اشترطا أيضًا فى الإحصان لأن اشتراطهما وقت ارتكاب الجريمة لا يغنى عن اشتراطهما فى الإحصان، فيشترط إذن أن يكون
стр. 1166
الوطء الذى يحصن حاصلاً من بالغ عاقل، فإذا حصل الوطء من صبى أو مجنون ثم بلغ وعقل بعد الوطء لم يكن بالوطء السابق محصنًا، وإذا زنا عوقب على أنه غير محصن (١) .
على أن بعض أصحاب الشافعى يرون - ورأيهم هو المرجوح فى المذهب - أن الواطئ يصير محصنًا بالوطء قبل البلوغ وأثناء الجنون، فلو بلغ أو أفاق فزنا رجم دون حاجة إلى حصول وطء جديد بعد البلوغ والإفاقة، وحجتهم أن الوطء قبل البلوغ وأثناء الجنون وطء مباح، فيجب أن يثبت به الإحصان؛ لأنه إذا صح النكاح قبل البلوغ فإن الوطء يصح تبعًا له.
ويرد على ذلك بأن الرجم عقوبة الثيب ولو اعتبرت الثيوبة حاصلة بالوطء قبل البلوغ وأثناء الجنون لوجب رجم الصغير والمجنون، وهذا ما لا يقول به أحد، كذلك فإن هناك فرقًا بين الإحصان والإحلال، وكل إحلال لا يترتب عليه إحصان، كما أن الإحصان شرط عقوبة الرجم، ولو كان الإحلال يقوم مقام الإحصان لما كان ثمة ما يدعو لاشتراط الإحصان (٢) .
ثالثًا: وجود الكمال فى الطرفين حال الوطء: أو بتعبير آخر: ينبغى أن تتوفر شروط الإحصان فى الواطئ والموطوءة حال الوطء الذى يترتب عليه الإحصان، فيطأ مثلاً الرجل العاقل امرأة عاقلة، فإذا لم تتوفر هذه الشروط فى أحدهما فهما معًا غير محصنين. فإذا كان الجانى متزوجًا ودخل بزوجته فى نكاح صحيح ولكنها مجنونة أو صغيرة، فالجانى غير محصن ولو كان هو نفسه بالغًا عاقلاً، هذا هو رأى أبى حنيفة وأحمد (٣) .
ولكن مالكًا لا يشترط توفر شروط الإحصان فى الزوجين لإحصانهما معًا،
стр. 1167
وعنده أنه يكفى أن تتوفر شروط الإحصان فى أحد الزوجين ليكون محصنًا بغض النظر عما إذا كان الزوج الآخر تتوفر فيه هذه الشروط أم لا، فشرط تحصين الذكر عنده أن تتوفر فيه شروط الإحصان مع إطاقة موطوءته له ولو كانت صغيرة أو مجنونة، وتتحصن الأنثى عند مالك بتوفر الإحصان فيها وببلوغ واطئها ولو كان مجنونًا (١) .
وفى مذهب الشافعى رأيان أحدهما يتفق مع رأى أبى حنيفة وأحمد، وثانيهما يتفق مع مذهب مالك (٢) .
وفى مذهب الشيعة الزيدية نفس الرأيين، ثم رأى ثالث يرى أن المجنون لا يحصن العاقل بأى حال (٣) ، وإن أحصن البالغ من لم يبلغ.
والذين يشترطون اجتماع شروط الإحصان فى الزوجين يعللون ذلك بأن اجتماع هذه الصفات فى الزوجين يشعر بكمال حالهما وبكمال اقتضاء الشهوة من الجانبين، ويرون أن تخلف أحد هذه الشروط أو بعضها يشعر بالنقص، فاقتضاء الشهوة من المجنونة والصغيرة قاصر ولا يبلغ بالرجل حد الكمال، والمحصن لا تغلظ له العقوبة إلا على أساس أنه فى حال الكمال تغنيه عن التفكير فى الحرام (٤) .
رابعًا: الإسلام: ويجعل أبو حنيفة ومالك الإسلام شرطًا من شروط الإحصان، وحجتهما حديث الرسول ﷺ لما استشاره حذيفة فى زواج كتابية: "دعها فإنها لا تحصنك". ولكن الشافعى وأحمد لا يريان الإسلام شرطًا من شروط الإحصان، ويوافقهما أبو يوسف من أصحاب أبى حنيفة، وحجتهم أن النبى ﷺ رجم يهوديين، ولو كان الإسلام شرطًا فى الإحصان لما رجمهما، فضلاً عن أن الأديان عامة تحرم الزنا كما يحرمه
стр. 1168
الإسلام. ويتفق المذهب الظاهرى مع مذهب الشافعى وأحمد فى هذه الوجهة، أما المذهب الزيدى ففيه الرأيان وأرجحهما ما يقول به الشافعى وأحمد (١) .
ويترتب على هذا الخلاف أن المسلم المتزوج من كتابية إذا زنا لا يرجم فى رأى أبى حنيفة لأنه لا يعتبر محصنًا، إذ الكتابية لا تحصن المسلم، وكان يحب أن يكون هذا هو الحكم عند مالك لولا أنه لا يشترط الكمال فى الزوجين، ومن ثم فإن الكتابية فى رأيه تحصن المسلم، فإذا زنا المسلم المتزوج من كتابية رجم عند مالك، كما يرجم عند الشافعى وأحمد والظاهريين وبعض الزيديين؛ لأن هؤلاء لا يعتبرون الإسلام شرطًا من شروط الإحصان.
٥٢٥ - زنا المحصن بغير محصن: بينا فيما سبق شروط الإحصان ما اتفق عليه منها وما اختلف فيه، وإذا كان بعض الفقهاء يوجب توفر هذه الشروط فى كل من الزوجين لاعتبار أحدهما محصنًا، فإن الفقهاء جميعًا لا يشترطون إحصان كل من الزانيين لوجوب الرجم على أحدهما، ويرون رجم من توفرت فيه شروط الإحصان من الزانيين، فإذا كان أحد الزانيين محصنًا والثانى غير محصن رجم المحصن وجلد غير المحصن.
* * *
стр. 1169
الفصل الثالث
الأدلة على الزنا
٥٢٦ - الأدلة المثبتة للزنا: لا يثبت جريمة الزنا المعاقب عليها بالحد إلا بأدلة خاصة هى:
(١) الشهادة. ... ... (٢) الإقرار ... ... (٣) القرائن ... (٤) اللعان.
وسنتكلم عن هذه الأدلة واحدًا بعد الآخر، مع ملاحظة أن الإثبات بالقرائن مختلف عليه.
المبحث الأول
الشهادة
٥٢٧ - عدد شهود الزنا: من المتفق عليه أن الزنا لا يثبت إلا بشهادة أربعة شهود، وهذا إجماع لا خلاف فيه بين أهل العلم، لقوله تعالى: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] ، وقوله: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] .
ولقد جاءت السنة مؤكدة لنصوص القرآن، ومن ذلك أن سعد بن عبادة قال لرسول الله ﷺ : "أرأيت لو وجدت مع امرأى رجلاً أمهله
стр. 1170
حتى آتى بأربعة شهداء؟ فقال النبى ﷺ : نعم"، وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال لهلال بن أمية لما قذف امرأته بشريك بن سحماء: "البينة وإلا حد فى ظهرك" (١) ، وروى عنه أنه قال: "أربعة شهداء وإلا فحد فى ظهرك" (٢) .
وليس لكل إنسان أن يشهد فتقبل شهادته، وإنما الشاهد الذى تقبل شهادته هو من توفرت فيه شروط معينة، بعضها عام يجب توفره فى كل شهادة، وبعضها خاص يجب توفره فى الشهادة على الزنا.
٥٢٨ - الشروط العامة للشهادة: للشهادة شروط عامة يجب أن تتوفر فى كل شهادة أيًا كان موضوعها، وهذه الشروط هى:
٥٢٩ - أولا: البلوغ: يشترط فى الشهد أن يكون بالغًا، فإذا لم يكن كذلك فلا تقبل شهادته، ولو كان فى حالة تمكنه من أن يعى الشهادة ويؤديها، ولو كان حاله حال أهل العدالة، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، والصبى ليس من الرجال، وليس ممن ترضى شهادته، ولقول رسول الله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبى حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق" (٣) ، ولأن الصبى لا يؤتمن على حفظ أمواله فأولى أن لا يؤتمن على حفظ حقوق غيره، وإذا كانت شهادة الصبى لا تقبل فى الأموال فلأن لا تقبل فى الجرائم أولى وفيها عقوبة متلفة للنفس أو للعضو (٤) .
وإذا كانت القاعدة العامة فى الشريعة أن لا تقبل شهادة من هو دون البلوغ
стр. 1171
فإن مالكًا يرى استثناءً من هذه القاعدة قبول شهادة الصبيان بعضهم على بعض فى الدماء بشروط خاصة أهمها: أن يكون الشاهد مميزًا؛ أى ممن يعقل الشهادة، وأن لا يحضر الحادث كبير. وقد أجاز مالك شهادة الصبيان فى هذه الحالة للضرورة (١) .
وما يراه مالك هو رواية مذهب أحمد، حيث يرى قبول شهادة الصبيان فى الجراح إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحالة التى تجارحوا عليها؛ لأن الظاهر صدقهم وضبطهم، فإن تفرقوا لم تقبل شهادتهم لاحتمال أن يُلقَّنوا. وروى عن أحمد رواية ثالثة تتلخص فى أن شهادة الصبى تقبل إن كان ابن عشر، ولكن البعض يخصص هذه الرواية بغير الحدود والقصاص (٢) .
وفى مذهب الزيدية رأى مرجوح يرى أصحابه جواز شهادة الصبيان بعضهم على بعض فى الشجاج ما لم يتفرقوا، ويتأول بعضهم هذا الرأى فيقول: إن الشهادة تقبل للتأديب لا للحكم (٣) .
٥٣٠ - ثانيًا: العقل: يشترط فى الشاهد أن يكون عاقلاً. والعاقل من عرف الواجب عقلاً، والضرورى وغيره، والممكن والممتنع، وما يضره وما ينفعه غالبًا، فلا تقبل شهادة مجنون ولا معتوه، ولكن تقبل الشهادة ممن يجن أحيانًا فى حالة إفاقته إذا كان يفيق إفاقة يعقل معها الشهادة، ولا تقبل شهادة المجنون لحديث الرسول ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبى حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق" كما أن شهادة المجنون لا تقبل للمعنى المانع من قبول شهادة الصبى (٤) .
стр. 1172
٥٣١ - ثالثًا: الحفظ: يشترط فى الشاهد أن يكون قادرًا على حفظ الشهادة، وفهم ما وقع بصره عليه، مأمونًا على ما يقول، فإن كان مغفلاً لم تقبل شهادته. ويلحق بالغفلة كثرة الغلط والنسيان، ولكن تقبل الشهادة ممن يقل منه الغلط، لأن أحدًا لا ينفك من الغلط.
والعلة فى عدم قبول شهادة المغفل - ولو كان عدلاً - أنه لا يؤمن على ما يقول ولا تمنع عدالته من أن يغتفل، فيشهد على الرجل مثلاً ولا يعرفه يتسمى له بغير اسمه، كما أنه يخشى عليه أن يُلقَّن فيأخذ بما أُلقى إليه. لكن إذا لم يكن فى الشهادة ما يدعو إلى التلبيس تقبل شهادة المغفل نحو قوله: رأيت هذا الشخص قتل هذا الشخص، أو رأيت فلانًا يطأ فلانة (١) .
على أن أبا يوسف صاحب أبى حنيفة يؤثر عنه أنه كان يجيز شهادة المغفل ولا يجيز تعديله، لأن التعديل يحتاج إلى الرأى والتدبير، والمغفل لا يستقصى فى ذلك، بينما كان محمد يرد شهادة الصوام القوام المغفل ويقول: إنه شر من الفاسق فى الشهادة (٢) .
والزيديون يردون شهادة من غلب عليه السهو النسيان، فإن تساوى ضبطه ونسيانه فالأكثرون لا يصححون شهادته، والأقلون يجعلونها موضع اجتهاد (٣) .
٥٣٢ - رابعًا: الكلام: يشترط فى الشاهد أن يكون قادرًا على الكلام، فإن كان أخرس فقد اختلف فى قبول شهادته: ففى مذهب مالك يقبلون شهادة الأخرس إذا عرفت إشارته، وفى مذهب أحمد لا يقبلون شهادة الأخرس ولو فهمت إشارته، إلا إذا كان يستطيع الكتابة فأدى الشهادة بخطه،
стр. 1173
وفى مذهب أبى حنيفة لا يقبلون شهادة الأخرس سواء كانت بالإشارة أو بالكتابة، وفى مذهب الشافعى خلاف على قبول شهادة الأخرس، منهم من قال: تقبل لأن إشارته كعبارة الناطق فى نكاحه وطلاقه، فكذلك فى الشهادة، ومنهم من قال: لا تقبل لأن إشارته أقيمت مقام العبارة فى موضع الضرورة، وقد قبلت فى النكاح والطلاق للضرورة لأنهما لا يستفادان إلا من جهته، ولا ضرورة تدعو لقبول إشارته فى الشهادة لأنها تصح من غيره بالنطق، ومن ثم لا تجوز إشارته، وفى مذهب الزيدية رأيان: أحدهما أن شهادة الأخرس لا تصح إطلاقًا، والثانى أنها تصح (١) .
٥٣٣ - خامسًا: الرؤية: يشترط فى الشاهد أن يرى ما يشهد به، فإن كان الشاهد أعمى فقد اختلف فى قبول شهادته، فالحنفيون لا يقبلون شهادة الأعمى؛ لأن أداء الشهادة يحتاج إلى أن يشير الشاهد إلى المشهود له والمشهود عليه، ولأن الأعمى لا يميز إلا بالنغمة وفى تمييزه شبهة، وهم لا يقبلون شهادة من كان أعمى وقت أداء الشهادة ولو كان بصيرًا وقت تحمل الشهادة، بل إنهم يردون شهادة البصير الذى عمى بعد أداء الشهادة وقبل القضاء؛ لأنهم يشترطون الأهلية فى الشاهد وقت القضاء لتكون شهادته حجة.
والأصل فى مذهب أبى حنيفة أن شهادة الأعمى لا تقبل سواء فيما كان طريقه الرؤية، وما كان طريقه السماع والشهرة والتسامع. ولكن أبا يوسف يجيز شهادة الأعمى فيما طريقه السماع مطلقًا، ويجيزها فيما طريقه الرؤية إذا كان بصيرًا وقت التحمل أعمى عند الأداء، إذا كان يعرف الخصوم بأسمائهم وأنسابهم. ويرى زفر أن شهادة الأعمى تجوز فقط فى غير الحدود والقصاص فيما يجرى فيه التسامع كالنسب والموت، وهذا القول رواية عن أبى حنيفة (٢) .
стр. 1174
ويقبل المالكيون شهادة الأعمى فى الأقوال ولو كان قد تحملها بعد العمى، ما دام فطنًا لا تشتبه عليه الأصوات ويتيقن المشهود له والمشهود عليه، فإن شك فى شئ من ذلك لم تجز شهادته، أما شهادة الأعمى فى المرئيات فلا تقبل إلا أن يكون تحملها بصيرًا ثم عمى وهو يتيقن عين المشهود له أو يعرفه باسمه ونسبه (١) .
ويجيز الشافعيون شهادة الأعمى فيما يثبت بالاستفاضة كالنسب والموت؛ لأن طريق العلم به السماع، والأعمى كالبصير فى السماع، ولا يجيزون أن يكون شاهدًا فى الأفعال كالقتل والغصب؛ لأن طريق العلم بها البصر، ولا شاهدًا فى الأموال كالبيع والإقرار والنكاح والطلاق إذا كان المشهود عليه خارجًا عن يده؛ لأن شهادته ستقوم على العلم بالصوت وحده، والصوت يشبه الصوت، فأما إذا كان المشهود عليه فى يده كرجل أقرَّ ويدُ الأعمى على رأسه فشهد وهو فى يده لم يفارقه فتقبل الشهادة الشهادة لأنها عن علم ويقين. وإذا تحمل الشهادة وهو بصير قبلت شهادته إذا كان الخصوم معروفين له بالاسم والنسب، أو إذا كان المشهود عليه فى يده لم يفارقه بعد العمى. ويرى بعض فقهاء المذهب قبول شهادة الأعمى مطلقًا فى الأقوال إذا عرف الصوت (٢) .
وفى مذهب أحمد يجيزون شهادة الأعمى كلما تيقن الصوت، أى أنهم يجيزون شهادته فى الأقوال مطلقًا. أما فى الأفعال فيجيزون شهادته فى كل ما تحمله قبل العمى إذا عرف المشهود عليه باسمه ونسبه (٣) .
ومذهب الزيديين لا يكاد يختلف عن مذهب الشافعى، فالقاعدة عندهم أن شهادة الأعمى لا تصح فيما يفتقر إلى الرؤية عند الأداء، فإذا شهد بما يحتاج إلى المعاينة عند أداء الشهادة لا تقبل شهادته إلا أن يكون المشهود عليه فى يده من
стр. 1175
قبل ذهاب بصره؛ كثوب متنازع عليه، فإذا لم تكن المعاينة لازمة عند الأداء قبلت شهادة الأعمى فيما يثبت بطريق الاستفاضة كالنسب والنكاح، فإن كان مما لا يثبت بطريق الاستفاضة قبلت شهادته فقط فيما تحمله قبل ذهاب بصره، لأن الشهادة على الصوت وحده لا تصح، على أن البعض يرى قبول الشهادة كلما عرف الأعمى الصوت على وجه اليقين (١) .
أما الظاهريون فيقبلون شهادة الأعمى مطلقًا فى الأقوال والأفعال، وفيما تحمله قبل العمى وفيما تحمله بعده، ويردون على من يقولون إن الأصوات تشتبه بأن الصور أيضًا تشتبه، وما يجوز لمبصر أو أعمى أن يشهد إلا بما يوقن ولا يشك فيه، وأن الأعمى لو لم يقطع بصحة اليقين على من يكلمه لما حل له أن يطأ امرأته إذ لعلها أجنبية، ولا يعطى أحدًا دينًا عليه إذ لعله غيره، ولا أن يبيع من أحد ولا أن يشترى، وأن الله جل شأنه أمر بقبول البينة ولم يشترط أعمى من مبصر، وما كان ربك نسيًا (٢) .
٥٣٤ - سادسًا: العدالة: لا خلاف فى اشتراط العدالة فى سائر الشهادات، فيجب أن يكون الشاهد عدلاً لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ، ولقوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] ، فأمر جل شأنه بقبول شهادة العدل وبالتوقف فى نبأ الفاسق، والشهادة نبأ.
وقد روى عن النبى ﷺ أنه قال: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذى غَمَر (٣) على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع (٤) لأهل البيت" (٥) .
стр. 1176
وفى رواية أخرى: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زانٍ ولا زانية ولا ذى غمر على أخيه" (١) .
ويفسر بعض الفقهاء الخيانة بحيث تشمل جميع ما افترض الله تعالى على العباد القيام به أو اجتنابه من صغير ذلك وكبيره، ولا يخصها بأمانات الناس، ويؤيد هذا التفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] .
والعدالة كما يعرفها المالكيون هى المحافظة الدينية على اجتناب الكبائر وتوقى الصغائر وأداء الأمانة وحسن المعاملة، وليست العدالة أن يمحص الإنسان الطاعة حتى لا تشوبها معصية إذ ذلك متعذر لا يقدر عليه إلا الأولياء والصديقون، لكن من كانت الطاعة أكثر حاله وأغلبها عليه، وهو مجتنب للكبائر محافظ على ترك الصغائر، فهو العدل (٢) .
ويعرف الحنفيون العدالة بأنها الاستقامة على أمر الإسلام، واعتدال العقل ومعارضة الهوى، وليس لكمالها حد يدرك، فيكتفى لقبولها بأدنى حدودها وهو رجحان جهة الدين والعقل على الهوى والشهوة، وعندهم ان العدل هو من لم يطعن عليه فى بطن ولا فرج، وهو من يكون مجتنبًا للكبائر غير مصر على الصغائر، ومن يكون صلاحه أكثر من فساده، وصوابه أكثر من خطئه، ومن تكون مروءته ظاهرة (٣) .
ويعرف الشافعيون العدالة بأنها اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر، فمن تجنب الكبائر والصغائر فهو عدل، ومن تجنب الكبائر وارتكب الصغائر وكان ذلك نادرًا من أفعاله لم يفسق ولم ترد شهادته؛ لأنه لا يوجد من يمحص الطاعة ولا يخلطها بمعصية، وإن كان ذلك غالبًا فى أفعاله فسق ورُدت شهادته؛
стр. 1177
لأنه من استجاز الإكثار من الصغائر استجاز أن يشهد بالزور، فالحكم معلق على الغالب من أفعاله (١) .
ويعرف الحنابلة العدالة بأنها استواء أحوال الشخص فى دينه واعتدال أقواله وأفعاله، ويعتبر لها شيئان: أولهما: الصلاح فى الدين وهو من وجه أداء الفرائض بسننها الراتبة، فلا تقبل الشهادة ممن داوم على تركها لفسقه، ومن وجه آخر اجتناب المحرم فلا يرتكب كبيرة ولا يدمن على صغيرة. وثانيهما: استعمال المروءة؛ وهو الإتيان بما يجمِّله ويزيِّنه، وترك ما يدنِّسه ويَشينه (٢) .
ويلاحظ أن فقهاء المذاهب السابقة يلحقون المروءة بشرط العدالة، لأن ترك المروءة يدل على عدم المحافظة وهى لازم العدالة.
والمروءة عند المالكيين هى المحافظة على فعل ما تَرْكُه مباح يوجب الذم عرفًا، كترك الملئ الانتعال فى بلد يستقبح فيه مشى مثله حافيًا، وعلى ترك ما فِعْلُه مباح يوجب ذمه عرفًا؛ كالأكل فى السوق، وفى حانوت الطباخ لغير الغريب. ولا يراد بالمروءة نظافة الثوب وفراهة المركوب وجودة الآلة وحسن الشارة، بل المراد التصون، والسمت الحسن، وحفظ اللسان، وتجنب المجون والسخف، والارتفاع عن كل خلق ردئ يرى أن من تخلق به لا يحافظ معه على دينه وإن لم يكن فى نفسه حرمة (٣) .
والمروءة عند الحنفيين أن لا يأتى الإنسان بما يعتذر منه مما يبخسه عن مرتبته عند أهل الفضل، وقيل: السمت الحسن وحفظ اللسان وتجنب السخف والمجون والارتفاع عن كل خلق دنئ. والمروءة عند محمد هى الدين والصلاح (٤) .
والمروءة عند الشافعيين هى الإنسانية، وهى مشتقة من المرء. وعندهم أن من ترك الإنسانية لم يؤمن أن يشهد الزور؛ لأن من لا يستحى من الناس فى
стр. 1178
ترك المروءة لم يبال بما يصنع (١) . ويستدلون على ذلك بما روى أبو مسعود البدرى عن النبى ﷺ أنه قال: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت".
والمروءة عند الحنابلة هى تمسك الإنسان بما يجمله ويزينه وترك ما يشينه، أو هى اجتناب الأمور الدنيئة المزرية بالإنسان من فعل أو قول أو عمل (٢) .
والعدل فى المذهب الزيدى هو ما كان منزهًا عن محظورات دينه. فالعدالة عندهم إذن هى التنزه عن المحظورات الدينية (٣) ، ويعرفها بعضهم بأنها ملازمة التقوى والمروءة.
والعدل عند الظاهريين هو من لم تعرف له كبيرة ولا مجاهرة بصغيرة. والكبيرة هى ما سماها رسول الله ﷺ كبيرة أو ما جاء فيه الوعيد، والصغيرة ما لم يأت فيه وعيد. وهم لا يشترطون المروءة لتحقق العدالة ويرون الاكتفاء بالطاعة واجتناب المعصية؛ لأنه إذا كانت المروءة من الطاعة فالطاعة تغنى عنها، وإن لم تكن من الطاعة فلا يجوز اشتراطها فى أمور الديانة إذ لم يأت بذلك قرآن ولا سنة (٤) .
واختلف الفقهاء فى ثبوت العدالة، فرأى أبو حنيفة والظاهريون أن العدالة تفترض فى الشاهد حتى يثبت جرحه، بمعنى أنه إذا لم يجرح المشهود عليه الشاهد قبلت الشهادة دون أن يكون على القاضى أن يتحرى عن عدالة الشاهد، وحجة أبى حنيفة ما روى عن رسول الله ﷺ : "الناس عدول بعضهم على بعض إلا محدودًا فى قذف"، وما جاء فى كتاب عمر رضى الله عنه إلى أبى موسى: "والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجربًا عليه شهادة زور، أو مجلودًا فى حد، أو ظنينًا فى ولاء أو قرابة"، وحجة الظاهريين أن فاعل الكبيرة فاسق وأن من عداه عدل؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ
стр. 1179
سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] ، وما كفره الله وأسقطه لا محل لأحد أن يذم به صاحبه ولا أن يصفه به (١) .
ويرى المالكيون والشافعيون والحنابلة والزيديون، ومعهم أبو يوسف ومحمد من فقهاء المذهب الحنفى، أن يتحرى القاضى عن عدالة الشهود ولو لم يجرحهم المشهود عليه؛ لأن القضاء قائم على شهادة العدل فوجب أن يتأكد القاضى من توفر صفة العدالة فى الشاهد ليقبل شهادته (٢) .
٥٣٥ - سابعًا: الإسلام: يشترط فى الشاهد أن يكون مسلمًا، فلا تقبل شهادة غير المسلم سواء كانت الشهادة على مسلم أو غير مسلم. وهذا هو الأصل الذى يسلم به جميع الفقهاء، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ، ولكن هذا الأصل المتفق عليه له استثناءات مختلف عليها:
الاستثناء الأول: شهادة غير المسلمين بعضهم على بعض:
يرى الحنفيون قبول شهادة الذميين على مثلهم والحربين على مثلهم، لأن النبى ﷺ أجاز شهادة النصارى بعضهم على بعض، ولأنهم من أهل الولاية على أنفسهم وأولادهم فيكونون من أهل الشهادة على جنسهم (٣) .
ويرى الزيديون قبول شهادة غير المسلم على ملته دون غيرهم من الملل، فلا تجوز شهادة اليهود على النصارى ولا شهادة النصارى على اليهود (٤) .
ويرى ابن تيمية وتلميذه ابن القيم قبول شهادة غير المسلمين بعضهم على بعض
стр. 1180
تحقيقًا للمصلحة العامة وتحقيقًا للعدالة، وهما بذلك يرجحان رواية ضعيفة عن أحمد بجواز قبول الشهادة (١) .
ولا يقبل المالكيون والشافعيون شهادة غير المسلمين، هذا يتفق مع الرواية المشهورة فى مذهب أحمد - وهى الرواية المعمل بها - كما يتفق مع المذهب الظاهرى (٢) .
الاستثناء الثانى: شهادة غير المسلمين على المسلمين فى الوصية حال السفر:
يرى الحنابلة أنه إذا شهد بوصية المسافر الذى مات فى سفره شهود من غير المسلمين قبلت شهادتهم إذا لم يوجد غيرهم، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْت﴾ [المائدة: ١٠٦] .
ويتفق رأى الظاهريين مع رأى الحنابلة فى قبول شهادة غير المسلم إذا لم يوجد غيرهم.
أما المالكيون والحنفيون والشافعيون والزيديون فلا يقبلون شهادة غير المسلم فى هذه الحالة، وحجتهم أن من لا تقبل شهادته على غير الوصية لا تقبل فى الوصية كالفاسق، ولأن الفاسق لا تقبل شهادته فالكافر أولى. واختلفوا فى تأويل الآية، فمنهم من حملها على التحمل دون الأداء، ومنهم من قال: المراد بقوله ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أى من غير عشيرتكم، ومنهم من قال: معنى الشهادة فى الآية هو اليمين (٣) .
الاستثناء الثالث: شهادة غير المسلم على المسلم عند الضرورة:
يرى ابن تيمية وتلميذه ابن القيم قبول شهادة غير المسلم على المسلم فى كل
стр. 1181
ضرورة حضرًا وسفرًا فى كل شئ عُدم فيه المسلمون، قياسًا على قبول شهادتهم فى الوصية، لأن شهادتهم قبلت فى الوصية للضرورة فتقبل فى كل ضرورة.
وفى مذهب أحمد رواية بقبول شهادة السبى بعضهم لبعض فى النسب إذا ادعى أحدهم أن الآخر أخوه، وهذا للضرورة.
ويجيز مالك شهادة الطبيب غير المسلم حتى على المسلم للحاجة استثناء واحدًا فى مذهبه، أما بقية الفقهاء فلا يقبلون شهادة غير المسلم (١) .
٥٣٦ - انتفاء موانع الشهادة: يشترط فى الشاهد أن لا يقوم به مانع يمنع شرعًا من قبول شهادته، والموانع التى تمنع من قبول الشهادة هى:
أ - القرابة: تمنع القرابة من قبول الشهادة عند مالك: من ذلك أنه لا يقبل شهادة الأبوين لأولادهما، ولا شهادة الأولاد لأبويهم، ولا يقبل شهادة الزوجين أحدهما للآخر (٢) .
ويمنع أبو حنيفة من قبول شهادة الأصل لفرعه، والفرع لأصله، وأحد الزوجين للآخر (٣) .
وفى مذهب الشافعى: لا تقبل شهادة الوالدين للأولاد وإن سفلوا، ولا شهادة الأولاد للوالدين وإن علوا، على أن بعض فقهاء المذهب يرى قبولها. أما شهادة أحد الزوجين للآخر فلا مانع منها عند الشافعيين (٤) .
وفى مذهب أحمد: لا تقبل شهادة عمودى النسب بعضهم لبعض من والد وإن علا ولو من جهة الأم، وولد وإن سفل من ولد البنين والبنات. كذلك لا تقبل شهادة أحد الزوجين لصاحبه (٥) .
وحجة من يمنع الشهادة للقرابة ما رواه ابن عمر عن رسول الله - صلى الله
стр. 1182
عليه وسلم - أنه قال: "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذى حِنَة"، والظنين المتهم، والقريب متهم بمحاباة قريبه.
ويرى الظاهريون والزيديون أن القرابة لا تمنع من قبول الشهادة ما دام الشاهد عدلاً، فكل عدل مقبول لكل أحد وعليه (١) .
ب - العداوة: وجمهور الفقهاء لا يقبلون شهادة العدو على عدوه إذا كانت العداوة من الشاهد والمشهود عليه فى أمر الدنيا كالأموال والمواريث والتجارة ونحوها. أما إذا كانت غضبًا لله لفسقه وجراءته على الله لغير ذلك لم تسقط. ولذلك تجوز شهادة المسلم على غير المسلم لأن عداوة الدين عامة، والمعتبر فى عدم قبول الشهادة العداوة الخاصة، وعلى هذا مذهب مالك والشافعى وأحمد والمذهب الزيدى (٢) .
وفى مذهب أبى حنيفة يرى المتأخرون أن شهادة العدو لا تقبل على عدوه إن كانت العداوة دنيوية؛ لأن المعاداة لأجل الدنيا حرام، فمن عادى لأجل الدنيا لا يؤمن منه التقول على عدوه. أما إذا كانت العداوة لأجل الدين فإنها لا تمنع من قبول الشهادة؛ لأنها تدل على كمال دين الشاهد وعدالته، وهذا لأن المعاداة قد تكون واجبة كأن رأى فيه منكرًا ولم ينته بنهيه.
أما المتقدمون من فقهاء المذهب فيرون أن العداوة بسبب الدنيا لا تمنع من الشهادة ما لم يفسق الشاهد بسببها أو يجلب منفعة أو يدفع بها عن نفسه مضرة.
ويرى أبو حنيفة نفسه أن شهادة العدو على عدوه تقبل إن كان عدلاً، ولكن المتأخرين خالفوا رأيه لما رواه أبو داود مرفوعًأ: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زانٍ ولا زانية ولا ذى غَمَر على أخيه". والغمر هو الحقد (٣) .
стр. 1183
ويرى الظاهريون أن الحكم يتعلق بنفس الشاهد، فإن كانت عداوته للمشهود له تخرجه إلى ما لا يحل فهى جرحة فيه ترد شهادته لكل أحد وفى كل شئ، وإن كانت العداوة لا تخرج الشاهد إلى ما لا يحل فهو عدل مقبول الشهادة.
ويرد الظاهريون الحديث السابق من كل طرقه، لأن فى رواته مجهولين أو لأنه مرسل، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] ، ويرون أن الله أمرنا بالعدل على أعدائنا فصح أن من حكم بالعدل على عدوه أو صديقه أو لهما أو شهد وهو عدل على عدوه أو صديقه أو لهما فشهادته مقبولة وحكمه نافذ (١) .
جـ - التهمة: وهى أن يكون بين الشاهد والمشهود له ما يبعث على الظن بأن الشاهد يحابى المشهود له بشهادته، أو أن يكون للشاهد مصلحة تعود عليه من أداء الشهادة، ويدخل تحت التهمة القريب لقريبه والعدو على عدوه، ولكنا رأينا أن نخص القرابة والعداوة بالكلام على حدة لما لهما من أهمية خاصة.
والشهادات التى يتهم فيها الشاهد كثيرة، من ذلك شهادة الشريك لشريكه، وشهادة الأجير لمن يستأجره، وشهادة الخادم لمخدومه، وشهادة السائل، وشهادة الوكيل لموكله، وشهادة من يدفع بالشهادة عن نفسه ضررًا أو يجر لنفسه نفعًا.
والأصل فى عدم قبول الشهادة للتهمة قوله تعالى: ﴿وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تجوز شهادة ظنين"، وأنه قال: "لا تجوز شهادة ذى الظنة ولا ذى الحِنَة"، والظنة: التهمة، والحنة: العداوة.
والفقهاء لم يتفقوا على كل الحالات التى ترد فيها الشهادة للتهمة، فبعضهم يرد الشهادات فى كل الحالات التى سبق ذكرها، وبعضهم يردها فى حالات دون حالات، أو من وجه دون وجه، ومنشأ ذلك اختلاف وجهات النظر عند التطبيق.
ويمكن القول بأن جمهور الفقهاء فى مذهب مالك وأبى حنيفة والشافعى
стр. 1184
وأحمد وزيد لا يقبلون الشهادة للتهمة على اختلاف بينهم فى التطبيق. أما الطاهريون فلا يرون الشهادة للتهمة، ويرون قبول الشهادة ما دام الشاهد عدلاً (١) .
٥٣٧ - الشروط الخاصة للشهادة على الزنا: يشترط أن تتوفر فى شاهد الزنا - بعد الشروط العامة التى ذكرناها - شروط خاصة هى:
أولاً: الذكورة: يشترط جمهور الفقهاء فى شهود الزنا أن يكونوا رجالاً كلهم، ولا يقبلون فى الزنا شهادة النساء، ذلك أن النصوص قاطعة فى أن عدد الشهود لا يقل عن أربعة (٢) ، وأن شهادة الرجل تعادل شهادة امرأتين: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وإذا كان لفظ الأربعة اسم لعدد الشهود فإن ذلك يقتضى الاكتفاء بشهادة أربعة، ولا شك فى أن الأربعة إذا كان بعضهم نساء لا يكتفى بهم إذ أن أقل ما يجزئ فى هذه الحالة خمسة على فرض أن فيهم امرأة واحدة، وهذا مخالف للنص، كذلك فإن فى شهادة النساء شبهة لتطرق الضلال إليهن والقاعدة عند جمهور الفقهاء أن الحدود تدرأ بالشبهات.
ومذاهب الفقهاء الأربعة (٣) تقوم على اشتراط الذكورة فى الشاهد، وكذلك مذهب الشيعة الزيدية (٤) ، على أن اشتراط الذكورة إذا كان له محل فى شهادة الإثبات فلا محل لاشتراطه فى شهادة النفى، ومن ثم يجوز أن يكون شهود النفى من النساء.
стр. 1185
وقد روى عن عطاء وحماد أنهما قبلا شهادة ثلاثة رجال وامرأتين فى الزنا (١) .
ويرى ابن حزم أنه يجوز أن يقبل فى الزنا امرأتان مسلمتان عدلتان مكان كل رجل، فيكون الشهود ثلاثة رجال وامرأتين، أو رجلين وأربع نسوة، أو رجلاً واحدًا وست نسوة، أو ثمانى نسوة فقط لا رجال معهم (٢) .
هل يصح أن يكون الزوج شاهدًا؟: لا يجيز مالك والشافعى وأحمد أن يكون الزوج أحد الشهود على زوجته الزانية، لأن الزوج يقذف الزوجة بالزنا، أو لأنه متهم بدعواه أن الزوجة خائنة (٣) .
ويرى أبو حنيفة أن يكون الزوج أحد الشهود الأربعة، وأنه غير متهم فى شهادته لأن التهمة ما توجب جر نفع، والزوج ملحق على نفسه بهذه الشهادة لحوق العار وخلو الفراش خصوصًا إذا كان له منها أولاد صغار (٤) . وعلى هذا مذهب الزيديين (٥) .
ويفرق ابن حزم بين ما إذا جاء الزوج قاذفًا وبين مجيئه شاهدًا، فإن جاء الزوج قاذفًا فلابد من أربعة شهود سواه وإلا حُدَّ أو يلاعن، فإن لم يكن قاذفًا لكن جاء شاهدًا فإن كان عدلاً ومعه ثلاثة عدول فهى شهادة تامة وعلى المشهود عليها حد الزنا (٦) .
ثانيًا: الأصالة: ويشترط أبو حنيفة الأصالة فى الشهود، أى أن يكونوا شهدوا الحادث بأنفسهم، فلا تقبل عنده شهادة الشاهد على الشاهد (٧) أى الشهادة السماعية، كما أنه لا يقبل كتاب القاضى إلى القاضى، أى أنه لا يقبل شهادة شهود الإثبات أمام قاضٍ غير القاضى الذى ينظر الدعوى ويفصل فيها إذا شهدوا كلهم
стр. 1186
أو بعضهم أمام الأول فأرسل شهادتهم إلى الأخير، لأن كتاب القاضى يعتبر بذاته شهادة على شهادة.
والعلة فى منع الشهادة على الشهادة قيام الشبهة فى صحة الشهادة المنقولة، ذلك أن الاحتياط واجب فى الحدود، وأن الحدود تدرأ بالشبهات، فلا تقبل الشهادة للشبهة فى صحتها.
ويرتب أبو حنيفة على عدم قبول شهادة الفروع (١) أنه إذا جاء الأصول بعد رد شهادة الفروع فشهدوا بأنهم عاينوا الحادث وذكروا نفس ما شهد به الفروع من الزنا، فلا تقبل شهادة الأصول أيضًا لأن شهادتهم قد ردها الشرع من وجه برد شهادة الفروع فى عين الحادثة التى شهد بها الأصول إذا هم قائمون مقامهم فيصار ذلك شبهة فى درء الحد عن المشهود عليه بالزنا (٢) .
والأصل عند أبى حنيفة هو قبول الشهادة على الشهادة، ولكنه لا يقبلها استثناء فى الحدود والقصاص (٣) .
والأصل عند الشافعى أن الشهادة تجوز فى حقوق الآدميين وفيما لا يسقط بالشبهة من حقوق الله تعالى؛ لأن الحاجة تدعو لذلك عند تعذر شهادة الأصل بالموت والمرض والغيبة، أما الحدود المقررة حقًا خالصًا لله تعالى وهى حد الزنا وحد السرقة وقطع الطريق وشرب الخمر ففيها يقولان: أحدهما أنه يجوز فيها الشهادة على الشهادة لأنه حق يثبت بالشهادة فجاز أن يثبت بالشهادة على الشهادة كحقوق الآدميين. والثانى: أنه لا يجوز لأن حدود الله تعالى مبنية على الدرء والإسقاط فلا يثب إلا بما يؤكدها ويوثقها، والشهادة على الشهادة فيها من الشبهة ما يمنع من التأكيد والتوثيق، وهذا هو الرأى الراجح فى المذهب (٤) ،
стр. 1187
والقاعدة عند الشافعى أن ما يثبت بالشهادة على الشهادة يثبت بكتاب القاضى إلى القاضى، وما لا يثبت بالشهادة على الشهادة الذى كتب له الشهادة فكان حكمه حكم الشهادة على الشهادة (١) .
ويرى أحمد أن الشهادة على الشهادة لا تقبل إلا فى حق يقبل فيه كتاب القاضى إلى القاضى، وترد فيما يرد فيه (٢) ، ولا يقبل كتاب القاضى عند أحمد فى حد الله تعالى كالزنا، ويقبل فى كل حق آدمى من المال وما يقصد به المال كالدية والقصاص والقذف، ويعللون التسوية بين كتاب القاضى والشهادة على الشهادة بأن كتاب القاضى ليس إلا شهادة على شهادة (٣) .
ولا يقبل الزيديون الشهادة على الشهادة فى الزنا، لأن القاعدة عندهم أن الشهادة على الشهادة (أو الإرعاء) تجوز فى جميع الحقوق إلا الحد والقصاص (٤) .
ولا يشترط مالك الأصالة فى الشهود، فتجوز عنده الشهادة على الشهادة فى الحدود وغير الحدود، كما يقبل كتاب القاضى إلى القاضى فى الحدود وغير الحدود.
ويشترط فى مذهب مالك أن ينقل عن كل شاهد أصيل شاهدان، ويجوز أن ينقل الشاهدان عن شاهد واحد أو عن أكثر من شاهد، ولكن لا يجوز بحال أن ينقل شاهد واحد عن شاهد أصيل ولو مع يمين المدعى، ويشترط فى الشاهدين الناقلين أن لا يكون أحدهما شاهدًا أصيلاً، كأن يشهد شخص على معاينة الجريمة، ويشهد مع غيره على شهادة آخر عاين الجريمة (٥) .
وفى الزنا يجوز أن يشهد أربعة على شهادة أربعة أو يشهد كل اثنين على شهادة واحد أو شهادة اثنين، أو يشهد ثلاثة على شهادة ثلاثة ويشهد اثنان على شهادة الرابع،
стр. 1188
أما إذا شهد اثنان أو ثلاثة على شهادة الأربعة فلا تقبل الشهادة، لأنهم يوجبون أن لا يكون عدد الشهود السماعيين أقل من عدد الشهود الأصليين (١) .
وإذا شهد اثنان على شهادة ثلاثة وشهد اثنان على شهادة الرابع لم تصح الشهادة، لأنه لا يصح أن يكون عدد الشهود السماعيين أقل من عدد الأصليين، وكذلك الحكم لو أدى الرابع الشهادة بنفسه أو نقل ثلاثة وواحد عن كل الأربعة إذ الرابع لم ينقل عنه اثنان (٢) .
ويجوز عند مالك أن تجتمع شهادة النقل بشهادة الأصل ويلفق منهما شهادة واحدة فى الزنا وغيره، كأن يشهد اثنان على رؤية الزنا وينقل اثنان عن كل واحد من الاثنين الآخرين، أو يشهد ثلاثة بالرؤية وينقل اثنان عن كل واحد من الاثنين الآخرين، أو يشهد ثلاثة بالرؤية وينقل اثنان عن الرابع، فتتم الشهادة فى هاتين الصورتين وتعتبر شهادة مقبولة، لكن إذا نقل اثنان عن ثلاثة وشهد الرابع بنفسه فلا تقبل الشهادة لأن النقل غير صحيح إذ الاثنان لا ينقلان عن ثلاثة (٣) .
وعند الظاهريين تقبل الشهادة على الشهادة فى كل شئ ويقبل فى ذلك واحد على واحد؛ لأن الله تعالى أمرنا بقبول شهادة العدول، والشهادة على الشهادة شهادة عدول فقبولها واجب، ولا فرق بين واحد وبين اثنين فى تبيين الحق خصوصًا وأن ما ينقله شاهد السماع خبر والخبر يؤخذ من الواحد الثقة (٤) .
والقاعدة عند جمهور الفقهاء (٥) أن الشهادة على الشهادة لا يجوز الحكم بها إلا عند تعذر حضور الشهود الأصلاء، كأن يموت الشاهد الأصيل، أو يمرض
стр. 1189
مرضًا يمنعه من الانتقال، أو أن يكون غائبًا، أو مجهول المكان، فإذا كان حضور الأصيل ممكنًا لم تقبل الشهادة على الشهادة، لأن شهادة الأصل أقوى لكونها مثبتة لنفس الحق أما الشهادة على الشهادة فتثبت شهادة الشاهد الأصيل (١) .
ورأى أبى حنيفة والشافعى وأحمد فى كتاب القاضى إلى القاضى يتفق مع قاعدة القانون المصرى فى المسائل الجنائية، إذ يوجب أن يسمع الشهود القاضى الذى يحكم فى القضية. أما رأى مالك والظاهريين فيتفق مع قاعدة القانون المصرى فى المسائل المدنية، إذ يجيز فى المسائل المدنية أن يسمع الشهود قاض غير الذى يحكم فى القضية ثم يرسل بالشهادة مكتوبة إلى زميله الذى ينظر موضوع القضية.
ثالثًا: أن لا يتقادم الحد: يشترط أبو حنيفة لقبول الشهادة أن لا يكون حادث الزنا قد تقادم، والأصل فى مذهب أبى حنيفة، أن شهادة الشهود بحد متقادم لا تقبل إلا فى حد القذف خاصة، وعلة التفرقة بين القذف وغيره من الحدود أن الشاهد لا يستطيع أن يتقدم بشهادته فى القذف إلا بعد رفع الدعوى، ولا يحرك الدعوى إلا المقذوف، فإذا تأخر الشاهد حتى رفعت الدعوى فلا تهمة، أما بقية الحدود فيجوز لشاهد فيها أن يتقدم لشهادته دون حاجة لشكوى من المجنى عليه.
ويحتج الحنفيون لفكرة التقادم بأن الشاهد طبقًا لقواعد الشريعة مخير إذا شهد الحادث بين أداء الشهادة حسبة لله تعالى لقوله جل شأنه: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] ، وبين أن يتستر على الحادث لقول الرسول ﷺ : "من ستر على أخيه المسلم ستر الله عليه فى الآخرة"، فإذا سكت الشاهد عن الحادث حتى قدم عليه العهد دل بذلك على اختيار جهة الستر، فإذا شهد بعد ذلك فهو دليل على أن الضغينة هى التى حملته على الشاهدة، ومثل هذا لا تقبل شهادته للتهمة
стр. 1190
والضغينة، وقد روى عن عمر رضى الله عنه أنه قال: أيما قوم شهدوا على حد لم يشهدوا عند حضرته فإنما شهدوا عن ذغن ولا شهادة لهم. ولم ينقل أن أحدًا أنكر عليه هذا القول فيكون إجماعًا، والمستفاد من قول عمر أن الشهادة المتأخرة تورث التهمة ولا شهادة لمتهم طبقًا لقواعد الشريعة العامة (١) .
ومع أن أبا حنيفة يقول بالتقادم على الوجه السابق، فإنه يرد الشهادة المتقادمة، ويقبل الإقرار بما سوى الشرب. ويؤيده فى هذا أبو يوسف ولكن محمد بن الحسن يرى رد الشهادة المتقادمة ويقبل الإقرار مطلقًا حتى بالشرب القديم (٢) .
ويستخلص مما سبق أن الحنفيين لا يجعلون للتقادم أثرًا على الجريمة، فالجريمة قائمة مهما تقادم عليها العهد، ومن الواجب أن يعاقب مرتكبها، ولكنهم يجعلون للتقادم أثرًا على الشهادة بحيث إذا تأخرت الشهادة عن الوقت المناسب ردت للتهمة، ورد الشهادة يؤثر من طريق غير مباشر على الجريمة إذ لا يعاقب الجانى عليها لانعدام الأدلة.
وهناك رأى آخر نقل عن ابن أبى ليلى وخلاصته: أن لا تقبل الشهادة ولا الإقرار أيضًا إذا تقادما (٣) .
ولا يمنع التقادم عند أبى حنيفة من قول الشهادة إلا إذا كان تأخر الشاهد بشهادته لغير عذر ظاهر، فإن كان التأخر فى الشهادة لعذر ظاهر قبلت الشهادة، كبعد المسافة عن محل القاضى أو كمرض الشاهد أو غير ذلك من الموانع الحسية (٤) .
ولم يقدر أبو حنيفة للتقادم حدًا، وفوض الأمر للقاضى يقدره طبقًا
стр. 1191
لظروف كل حالة؛ لأن اختلاف الأعذار يجعل التوقيت متعذرًا، ولكن بعض فقهاء المذهب قدروا التقادم بشهر وقدره البعض الآخر بستة أشهر (١) .
أما مالك والشافعى وأصحابهما ومعهم الزيديون والظاهريون فلا يعترفون بالتقادم ويقبلون الشهادة المتأخرة والإقرار بجريمة قديمة ولا يردونهما لقدمهما (٢) .
وفى مذهب أحمد رأيان: أحدهما يتفق مع رأى أبى حنيفة، والثانى يتفق مع رأى مالك والشافعى، وهو الرأى المعمول به فى المذهب (٣) .
رابعًا: أن تكون الشهادة فى مجلس واحد: يشترط عند مالك وأبى حنيفة وأحمد أن يتقدم شهود الزنا بشهادتهم فى مجلس قضائى واحد، وليس من الضرورى عند أحمد أن يأتى الشهود مجتمعين، فيصح أن يأتوا متفرقين ما دام مجلس القضاء منعقدًا، فإذا انقضى المجلس فلا تقبل شهادة المتأخر منهم، واعتبر من أدى الشهادة قاذفًا ما دام أن عددهم أقل من أربعة، أما مالك وأبو حنيفة فيشترطان تجمع الشهود عند بدء الشهادة، فإن جاءوا متفرقين يشهدون واحدًا بعد الآخر لا تقبل شهادتهم ويحدون وإن كثروا، فالشرط إذن اجتماعهم فى مجلس واحد وقت أداء الشهادة، أما إذا جاء بعضهم فجلس فى أماكن الشهود فلما بدأت المحكمة سماع الشهود لم يكن عددهم متكاملاً فلما سئل أحدهم جاء الثانى ولما سئل الثانى حضر الثالث وهكذا، فإن شهادتهم لا تقبل ويعتبرون قذفة (٤) .
ولا يشترط الشافعيون والزيديون والظاهريون هذا الشرط، ويستوى عندهم أن يأتى الشهود متفرقين أو مجتمعين، وأن تؤدى الشهادة فى مجلس واحد أو أكثر
стр. 1192
من مجلس، وحجتهم أن الله تعالى قال: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣] فذكر الشهود ولم يذكر المجلس، وقال: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] ، ولأن كل شهادة مقبولة تقبل إن تقبل إن اتفقت ولو تفرقت فى مجلس كسائر الشهادات (١) .
ويحتج أصحاب الرأى المضاد بعمل عمر رضى الله عنه، فقد شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة وهم أبو بكرة ونافع وشبل بن معبد ولم يشهد زياد فحد عمر الثلاثة، ولو كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحدهم لجواز أن يكملوا برابع فى مجلس آخر، ولأنه لو شهد ثلاثة فحدهم ثم جاء رابع فشهد لم تقبل شهادته ولولا اشتراط المجلس لكملت شهادتهم. وأما الآية فإنها لم تتعرض لشروط ولهذا لم تذكر العدالة وصفة الزنا مثلاً، ولأن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] لا يخلو من أن يكون مطلقًا فى الزمان كله أو مقيدًا، ولا يصح أن يكون مطلقًا لأنه يمنع من جواز جلدهم، لأنه ما من زمن ألا يجوز أن يأتى فيه بأربعة شهداء أو يكلمهم إن كان قد شهد بعضهم فيمتنع جلدهم المأمور به، وإذا ثبت أنه مقيد فأولى ما قيد به المجلس لأن المجلس كله بمنزلة الحال الواحدة (٢) .
خامسًا: أن يكون عدد الشهود أربعة: إذا شهد على الزنا أقل من أربعة شهود لم تقبل شهادتهم وحدوا حد القذف عند مالك وأبى حنيفة والزيديين (٣) ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] .
والرأى الراجح فى مذهب الشافعى ومذهب أحمد يتفق مع رأى مالك وأبى حنيفة، أما الرأى المرجوح فيرى أصحابه أن لا يحد الشهود إذا نقص عددهم
стр. 1193
عن أربعة ما دام أنهم قد جاءوا مجئ الشهود؛ أى تقدموا لأداء الشهادة حسبة له تعالى، ولم يكن ثمة ما يدفعهم للشهادة غير ذلك، ولأن الشهادة على الزنا أمر جائز والجائز لا عقاب عليه، ولأن إيجاب العقاب يؤدى إلى الامتناع عن الشهادة خشية أن يتوقف أحد الشهود عن الشهادة (١) .
ويرى الظاهريون أن الشاهد بالزنا لا يحد أصلاً سواء كان معه غيره أم لم يكن إذ الحد شرع للقاذف الرامى ولم يشرع لشهداء أو البينة، وقد فرق القرآن والسنة بين الشهد من البينة وبين القاذف الرامى فلا يحل البتة أن يكون لأحدهما حكم الآخر (٢) .
ويرد أصحاب الرأى المخالف بأن الثابت من قضاء عمر أنه حد الشهود الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة حينما لم يكمل الرابع الشهادة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة فلم ينكره أحد.
وإذا تبين أن الشهود الأربعة ليس لكلهم أو لبعضهم أهلية الشهادة كأن كان أحدهم فاسقًا أو محدودًا فى قذف، فيرى مالك سقوط الشهادة وأن على الشهود جميعًا الحد؛ لأنها شهادة لم تكمل، هذا إذا تبين انعدام الأهلية قبل الحكم، أما إذا كان ذلك بعد الحكم فلا حد على واحد منهم؛ لأن الشهادة تمت باجتهاد القاضى (٣) .
ويرى أبى حنيفة (٤) حد الشهود سواء تبين انعدام الأهلية قبل الحكم أو بعد الحكم وقبل التنفيذ، أما إذا كان العلم بانعدام الأهلية بعد التنفيذ فإن كان الحد جلدًا فكذلك يحد الشهود ولا يضمنون أرش الضرب فى قول أبى حنيفة، وعند محمد وأبى يوسف يجب الأرش فى بين المال. وإن كان الحد رجمًا فلا يحد الشهود لأنه تبين أن كلامهم وقع قذفًا، ومن قذف حيًا ثم مات
стр. 1194
المقذوف سقط الحد وتكون الدية فى بيت المال إذ يعتبر الخطأ حاصلاً من القاضى، وخطأ القاضى فى بيت المال، لأنه عامل لعامة المسلمين وبيت المال مالهم.
ويفرقون فى مذهب أبى حنيفة بين الشهود باعتبار أهليتهم للتحمل والأداء، فمنهم من هو أهل للتحمل والأداء على وجه القصور كالفساق لتهمة الكذب، ومنهم من هو أهل للتحمل والأداء على وجه كالصبيان والمجانين والكفار، ومنهم من هو أهل للتحمل دون الأداء كالمحدودين فى قذف العميان، والنوع الأول يحكم بشهادته وتثبت الحقوق بها، والثانى يجب التوقف فى شهادته حتى يظهر صدقه، والثالث لا شهادة له أصلاً، والرابع تصح شهادته متحملاً ولا تقبل منه مؤديًا.
ويرتبون على هذه التفرقة أن من فقد أهلية التحمل أو الأداء أو هما معًا يعتبر قاذفًا بشهادته، فإذا شهد أربعة عميان أو كفار أو محدودون فى قذف حدوا القذف، وإذا شهد أربعة بالزنا أحدهم أعمى أو كافر أو محدود فى قذف وجب على الأربعة حد القذف، الأول لانعدام أهليته والثلاثة لأن الشاهدة لم تكمل، أما إذا شهد بالزنا أربعة فساق فإن الحد يسقط عن المشهود عليه لعدم الثبوت وعن الشهود لثبوت شبهة الثبوت إذ أنهم أهل للشهادة على وجه القصور، وكذلك الحال إذا شهد أربعة أحدهم فاسق (١) .
وعند الشافعى أنه إذا شهد أربعة بالزنا فرد الحاكم شهادة أحدهم فإن كان الرد بسبب ظاهر بأن كان أحدهم عبدًا أو كافرًا أو متظاهرًا بالفسق كان الأمر كما لو لم يتم العدد، لأن وجود هذا الشاهد كعدمه فلا يكمل العدد، وإن كان الرد بسبب خفى كالفسق الباطن ففيه وجهان: أن حكمه حكم ما لو نقص العدد لأن عدم العدالة كعدم الوجود، والوجه الثانى: أنهم لا يحدون قولاً واحدًا؛ لأنه إذا كان الرد بسبب باطن لم يكن من جهتهم تفريط فى الشهادة فهم معذورون
стр. 1195
فلا حد عليهم، وإن كان الرد بسبب ظاهر كانوا مفرطين فوجب الحد عليهم (١) . وفى مذهب أحمد ثلاث روايات إن كان الشهود غير مرضيين كلهم أو أحدهم، الأولى: عليهم الحد لأنها شهادة لم تكمل فوجب الحد على الشهود كما لو كانوا ثلاثة، والثانية: لا حد عليهم لأنهم جاءوا أربعة شهداء فدخلوا فى عموم الآية لأن عددهم كمل ورد الشهادة لمعنى غير تفريطهم، فأشبه ما لو شهد أربعة مستورون ولم تثبت عدالتهم أو فسقهم، والثالثة: إذا كانوا فساقًا فلا حد عليهم وإن لم يكونوا كذلك وكانوا غير مرضى الشهادة كالكفار والعميان فعليهم الحد (٢) .
ويلاحظ بهذه المناسبة ما سبق أن قلناه من أن فى مذهب الشافعى وأحمد رأيًا يرى أصحابه أن لا يُحد الشهود إذا نقض عددهم ما دام أنهم قد جاءوا مجئ الشهود.
ومذهب الزيديين على أنه إذا كمل عدد الشهود سقط حد القذف عنهم ولو لم تكمل عدالتهم، لكن إذا لم يكونوا عدولاً لم يحد المقذوف، وكذلك لو كان أحد الشهود غير أهل للشهادة كالأعمى والمجنون، فإن الحد يسقط عن الشهود وعن المقذوف (٣) ، ومعنى ما سبق أن الشهود لا يحدون إلا فى حالة واحدة هى أن لا يكمل عددهم أربعة.
أما الظاهريون فقد رأينا من قبل أنهم لا يرون حد الشاهد سواء كان وحده أو كان معه غيره، ذلك أن الحد جعل للقاذف لا للشاهد.
ومن المتفق عليه أن شاهد السماع لا حد عليه إذا لم تقبل شهادته أو لم يكمل عدد الشهود؛ لأن شهادته لا تعتبر قذفًا إذ أنه ينقل عن غيره والمفروض أنه حسن النية (٤) ، فإذا شهد ثلاثة بأنهم رأوا الزنا وشهد الرابع بأنه سمع من آخر بأنه رأى الزنا لم تكمل الشهادة وحُدَّ شهود الرؤية عند من يرى حد الشهود إذا لم