← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9842

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي

عبد القادر عودة

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

لظروف كل حالة؛ لأن اختلاف الأعذار يجعل التوقيت متعذرًا، ولكن بعض فقهاء المذهب قدروا التقادم بشهر وقدره البعض الآخر بستة أشهر (١) . أما مالك والشافعى وأصحابهما ومعهم الزيديون والظاهريون فلا يعترفون بالتقادم ويقبلون الشهادة المتأخرة والإقرار بجريمة قديمة ولا يردونهما لقدمهما (٢) . وفى مذهب أحمد رأيان: أحدهما يتفق مع رأى أبى حنيفة، والثانى يتفق مع رأى مالك والشافعى، وهو الرأى المعمول به فى المذهب (٣) . رابعًا: أن تكون الشهادة فى مجلس واحد: يشترط عند مالك وأبى حنيفة وأحمد أن يتقدم شهود الزنا بشهادتهم فى مجلس قضائى واحد، وليس من الضرورى عند أحمد أن يأتى الشهود مجتمعين، فيصح أن يأتوا متفرقين ما دام مجلس القضاء منعقدًا، فإذا انقضى المجلس فلا تقبل شهادة المتأخر منهم، واعتبر من أدى الشهادة قاذفًا ما دام أن عددهم أقل من أربعة، أما مالك وأبو حنيفة فيشترطان تجمع الشهود عند بدء الشهادة، فإن جاءوا متفرقين يشهدون واحدًا بعد الآخر لا تقبل شهادتهم ويحدون وإن كثروا، فالشرط إذن اجتماعهم فى مجلس واحد وقت أداء الشهادة، أما إذا جاء بعضهم فجلس فى أماكن الشهود فلما بدأت المحكمة سماع الشهود لم يكن عددهم متكاملاً فلما سئل أحدهم جاء الثانى ولما سئل الثانى حضر الثالث وهكذا، فإن شهادتهم لا تقبل ويعتبرون قذفة (٤) . ولا يشترط الشافعيون والزيديون والظاهريون هذا الشرط، ويستوى عندهم أن يأتى الشهود متفرقين أو مجتمعين، وأن تؤدى الشهادة فى مجلس واحد أو أكثر

стр. 1192

من مجلس، وحجتهم أن الله تعالى قال: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣] فذكر الشهود ولم يذكر المجلس، وقال: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] ، ولأن كل شهادة مقبولة تقبل إن تقبل إن اتفقت ولو تفرقت فى مجلس كسائر الشهادات (١) . ويحتج أصحاب الرأى المضاد بعمل عمر رضى الله عنه، فقد شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة وهم أبو بكرة ونافع وشبل بن معبد ولم يشهد زياد فحد عمر الثلاثة، ولو كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحدهم لجواز أن يكملوا برابع فى مجلس آخر، ولأنه لو شهد ثلاثة فحدهم ثم جاء رابع فشهد لم تقبل شهادته ولولا اشتراط المجلس لكملت شهادتهم. وأما الآية فإنها لم تتعرض لشروط ولهذا لم تذكر العدالة وصفة الزنا مثلاً، ولأن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] لا يخلو من أن يكون مطلقًا فى الزمان كله أو مقيدًا، ولا يصح أن يكون مطلقًا لأنه يمنع من جواز جلدهم، لأنه ما من زمن ألا يجوز أن يأتى فيه بأربعة شهداء أو يكلمهم إن كان قد شهد بعضهم فيمتنع جلدهم المأمور به، وإذا ثبت أنه مقيد فأولى ما قيد به المجلس لأن المجلس كله بمنزلة الحال الواحدة (٢) . خامسًا: أن يكون عدد الشهود أربعة: إذا شهد على الزنا أقل من أربعة شهود لم تقبل شهادتهم وحدوا حد القذف عند مالك وأبى حنيفة والزيديين (٣) ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] . والرأى الراجح فى مذهب الشافعى ومذهب أحمد يتفق مع رأى مالك وأبى حنيفة، أما الرأى المرجوح فيرى أصحابه أن لا يحد الشهود إذا نقص عددهم

стр. 1193

عن أربعة ما دام أنهم قد جاءوا مجئ الشهود؛ أى تقدموا لأداء الشهادة حسبة له تعالى، ولم يكن ثمة ما يدفعهم للشهادة غير ذلك، ولأن الشهادة على الزنا أمر جائز والجائز لا عقاب عليه، ولأن إيجاب العقاب يؤدى إلى الامتناع عن الشهادة خشية أن يتوقف أحد الشهود عن الشهادة (١) . ويرى الظاهريون أن الشاهد بالزنا لا يحد أصلاً سواء كان معه غيره أم لم يكن إذ الحد شرع للقاذف الرامى ولم يشرع لشهداء أو البينة، وقد فرق القرآن والسنة بين الشهد من البينة وبين القاذف الرامى فلا يحل البتة أن يكون لأحدهما حكم الآخر (٢) . ويرد أصحاب الرأى المخالف بأن الثابت من قضاء عمر أنه حد الشهود الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة حينما لم يكمل الرابع الشهادة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة فلم ينكره أحد. وإذا تبين أن الشهود الأربعة ليس لكلهم أو لبعضهم أهلية الشهادة كأن كان أحدهم فاسقًا أو محدودًا فى قذف، فيرى مالك سقوط الشهادة وأن على الشهود جميعًا الحد؛ لأنها شهادة لم تكمل، هذا إذا تبين انعدام الأهلية قبل الحكم، أما إذا كان ذلك بعد الحكم فلا حد على واحد منهم؛ لأن الشهادة تمت باجتهاد القاضى (٣) . ويرى أبى حنيفة (٤) حد الشهود سواء تبين انعدام الأهلية قبل الحكم أو بعد الحكم وقبل التنفيذ، أما إذا كان العلم بانعدام الأهلية بعد التنفيذ فإن كان الحد جلدًا فكذلك يحد الشهود ولا يضمنون أرش الضرب فى قول أبى حنيفة، وعند محمد وأبى يوسف يجب الأرش فى بين المال. وإن كان الحد رجمًا فلا يحد الشهود لأنه تبين أن كلامهم وقع قذفًا، ومن قذف حيًا ثم مات

стр. 1194

المقذوف سقط الحد وتكون الدية فى بيت المال إذ يعتبر الخطأ حاصلاً من القاضى، وخطأ القاضى فى بيت المال، لأنه عامل لعامة المسلمين وبيت المال مالهم. ويفرقون فى مذهب أبى حنيفة بين الشهود باعتبار أهليتهم للتحمل والأداء، فمنهم من هو أهل للتحمل والأداء على وجه القصور كالفساق لتهمة الكذب، ومنهم من هو أهل للتحمل والأداء على وجه كالصبيان والمجانين والكفار، ومنهم من هو أهل للتحمل دون الأداء كالمحدودين فى قذف العميان، والنوع الأول يحكم بشهادته وتثبت الحقوق بها، والثانى يجب التوقف فى شهادته حتى يظهر صدقه، والثالث لا شهادة له أصلاً، والرابع تصح شهادته متحملاً ولا تقبل منه مؤديًا. ويرتبون على هذه التفرقة أن من فقد أهلية التحمل أو الأداء أو هما معًا يعتبر قاذفًا بشهادته، فإذا شهد أربعة عميان أو كفار أو محدودون فى قذف حدوا القذف، وإذا شهد أربعة بالزنا أحدهم أعمى أو كافر أو محدود فى قذف وجب على الأربعة حد القذف، الأول لانعدام أهليته والثلاثة لأن الشاهدة لم تكمل، أما إذا شهد بالزنا أربعة فساق فإن الحد يسقط عن المشهود عليه لعدم الثبوت وعن الشهود لثبوت شبهة الثبوت إذ أنهم أهل للشهادة على وجه القصور، وكذلك الحال إذا شهد أربعة أحدهم فاسق (١) . وعند الشافعى أنه إذا شهد أربعة بالزنا فرد الحاكم شهادة أحدهم فإن كان الرد بسبب ظاهر بأن كان أحدهم عبدًا أو كافرًا أو متظاهرًا بالفسق كان الأمر كما لو لم يتم العدد، لأن وجود هذا الشاهد كعدمه فلا يكمل العدد، وإن كان الرد بسبب خفى كالفسق الباطن ففيه وجهان: أن حكمه حكم ما لو نقص العدد لأن عدم العدالة كعدم الوجود، والوجه الثانى: أنهم لا يحدون قولاً واحدًا؛ لأنه إذا كان الرد بسبب باطن لم يكن من جهتهم تفريط فى الشهادة فهم معذورون

стр. 1195

فلا حد عليهم، وإن كان الرد بسبب ظاهر كانوا مفرطين فوجب الحد عليهم (١) . وفى مذهب أحمد ثلاث روايات إن كان الشهود غير مرضيين كلهم أو أحدهم، الأولى: عليهم الحد لأنها شهادة لم تكمل فوجب الحد على الشهود كما لو كانوا ثلاثة، والثانية: لا حد عليهم لأنهم جاءوا أربعة شهداء فدخلوا فى عموم الآية لأن عددهم كمل ورد الشهادة لمعنى غير تفريطهم، فأشبه ما لو شهد أربعة مستورون ولم تثبت عدالتهم أو فسقهم، والثالثة: إذا كانوا فساقًا فلا حد عليهم وإن لم يكونوا كذلك وكانوا غير مرضى الشهادة كالكفار والعميان فعليهم الحد (٢) . ويلاحظ بهذه المناسبة ما سبق أن قلناه من أن فى مذهب الشافعى وأحمد رأيًا يرى أصحابه أن لا يُحد الشهود إذا نقض عددهم ما دام أنهم قد جاءوا مجئ الشهود. ومذهب الزيديين على أنه إذا كمل عدد الشهود سقط حد القذف عنهم ولو لم تكمل عدالتهم، لكن إذا لم يكونوا عدولاً لم يحد المقذوف، وكذلك لو كان أحد الشهود غير أهل للشهادة كالأعمى والمجنون، فإن الحد يسقط عن الشهود وعن المقذوف (٣) ، ومعنى ما سبق أن الشهود لا يحدون إلا فى حالة واحدة هى أن لا يكمل عددهم أربعة. أما الظاهريون فقد رأينا من قبل أنهم لا يرون حد الشاهد سواء كان وحده أو كان معه غيره، ذلك أن الحد جعل للقاذف لا للشاهد. ومن المتفق عليه أن شاهد السماع لا حد عليه إذا لم تقبل شهادته أو لم يكمل عدد الشهود؛ لأن شهادته لا تعتبر قذفًا إذ أنه ينقل عن غيره والمفروض أنه حسن النية (٤) ، فإذا شهد ثلاثة بأنهم رأوا الزنا وشهد الرابع بأنه سمع من آخر بأنه رأى الزنا لم تكمل الشهادة وحُدَّ شهود الرؤية عند من يرى حد الشهود إذا لم

стр. 1196

تكمل الشهادة (١) ، ولم يحد شاهد السماع. أما إذا شهد اثنان بالسماع وشهد ثلاثة بالرؤية فتقبل الشهادة وتعتبر كاملة عند مالك والظاهريين، ولا تقبل عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد والزيديين، ويحد الشهود الثلاثة عند أبى حنيفة والزيديين وعلى الرأى الراجح فى مذهبى الشافعى وأحمد. وتقبل شهادة الشهود ولو اعترفوا بأنهم تعمدوا النظر إلى فرج المرأة ولا تبطل شهادتهم بذلك لأن أداء الشهادة فى الزنا يقتضى النظر إلى عين الفرج فيكون النظر مباحًا للشهود بقصد إقامة الشهادة، كما يباح للطبيب بقصد علاج المرض (٢) . وإذا رجع الشهود عن الشهادة أو واحد منهم، فيرى مالك أن يحد الشهود الراجعون عن شهادتهم حد القذف إذا كان الرجوع بعد الحكم سواء كان قبل الاستيفاء أو بعده، أما إذا كان الرجوع قبل الحكم فيحد جميع الشهود ولو كان الرجوع من أحدهم فقط لأن الشهادة لم تكمل (٣) . والأصل عند مالك أن الرجوع عن الشهادة قبل الحكم يسقط الشهادة لاعتراف الشهود بأنهم كانوا على وهم أو شك أو كانوا غير عدلين. أما إذا كان الرجوع بعد الحكم وقبل الاستيفاء فالشهادة لا تسقط، ولكن ينقض الحكم إذا تبين كذب الشهادة، كأن يتبين أن المتهم بالزنا مجبوب أو يظهر الشخص المدعى بقتله، وإذا كان الرجوع بعد الحكم وبعد الاستيفاء فلا تسقط الشهادة، ولا ينقض الحكم ولكن يعاقب الشهود (٤) .

стр. 1197

ويرى أبو حنيفة أنه إذا شهد أربعة على رجل بالزنا فرجم، فإذا رجع أحدهم بعد الإمضاء فعليه ربع الدية وعليه حد القذف، ويرى زفر أن لا يحد، فإذا لم يحد المشهود عليه بالزنا حتى يرجع أحدهم - أى أن الرجوع يكون بعد القضاء وقبل الإمضاء - فإن الشهود يحدون جميعًا، وقال محمد وزفر: يحد الراجع وحده لأن الشهادة تأكدت بالقضاء، وإذا رجع واحد منهم قبل القضاء حدوا جميعًا، وقال زفر: يحد الراجع وحده (١) . والقاعدة عند الشافعى أنه إذا شهد الشهود بحق ثم رجعوا عن الشهادة لم يخل إما أن يكون قبل الحكم أو بعد الحكم وقبل الاستيفاء، أو بعد الحكم وبعد الاستيفاء، فإن كان قبل الحكم لم يحكم بشهادتهم لأنه يحتمل أن يكونوا صادقين فى الشهادة كاذبين فى الرجوع، ويحتمل أن يكونوا صادقين فى الرجوع كاذبين فى الشهادة، ولا حكم مع الشك، فإن رجعوا بعد الحكم وقبل الاستيفاء فإن كان فى حد أو قصاص لم يجز الاستيفاء لأن هذه الحقوق تسقط بالشبهة، والرجوع شبهة ظاهرة، وإن رجعوا بعد الحكم والاستيفاء لم ينقض الحكم. ويترتب على هذه القواعد أنه إذا شهد أربعة بالزنا فرجع واحد منهم قبل أن يحكم بشهادتهم لزم الراجع حد القذف، وفى فقهاء المذهب من لا يرى حده لأنه أضاف الزنا للمشهود عليه بلفظ الشهادة دون قصد القذف وهو رأى مرجوح، وأما الثلاثة فلا حد عليهم قولاً واحدًا لأنه ليس من جهتهم تفريط ولأنهم شهدوا والعدد تام ورجوع الراجع لا يمكنهم الاحتراز منه، فإن رجعوا كلهم وقالوا تعمدنا الشهادة وجب عليهم الحد. أما إذا رجعوا كلهم أو بعضهم بعد الحكم وقبل التنفيذ حد الراجع دون من لم يرجع. وإذا كان الرجوع بعد الحكم وبعد التنفيذ فكذلك الحكم، إلا إذا كانت العقوبة الرجم فعلى الشهود القود إذا تعمدوا فى شهادتهم ما يوجب القتل، وعليهم الضمان فى حالة الخطأ (٢) .

стр. 1198

وعند أحمد: إذا رجع الشهود عن الشهادة أو واحد منهم فعلى جميعهم الحد فى أصح الروايتين، وهذا يتفق مع مذهب أبى حنيفة، والثانية: يحد الثلاثة دون الراجع لأنه إذا رجع قبل الحد فهو كالتائب قبل تنفيذ الحكم فيسقط عنه الحد، ولأن فى درء الحد عنه تمكينًا له من الرجوع الذى تحصل به مصلحة المشهود عليه، وفى إيجاب الحد عليه زجر له عن الرجوع خوفًا من الحد (١) . والمذهب الزيدى على أن رجوع الشهود قبل الحكم يبطل الشهادة، وكذلك الحال فى الرجوع بعد الحكم وقبل التنفيذ (٢) ، ولذلك يحد الشهود حد القذف إذا رجعوا قبل تنفيذ الحكم، ويجب عليهم الأرش أو القصاص إذا كان الرجوع بعد تنفيذ الحكم (٣) . والقاعدة عند الظاهريين أن رجوع الشاهد عن شهادته قبل الحكم مبطل للشهادة وأن رجوعه عنها بعد الحكم مؤدٍّ لفسخ الحكم (٤) ، وقد رأينا فيما سبق أنهم لا يرون حد الشاهد بالزنا أصلاً سواء كان معه غيره أو لم يكن (٥) ، ويترتب على ذلك أنه إذا رجع أحد الشهود أو كلهم فلا حد على أحد منهم لأن الحد على القاذف لا على الشاهد. وتقبل الشهادة على الخصى والعنين لتصور حصول الزنا منهما ولإمكان انتشار الآلة، بخلاف المجبوب فلا تقبل الشهادة عليه إذ لا يتصور منه الوطء. وإذا شهد الشهود بحصول الزنا فدفعت المرأة بأنها عذراء عرضت على امرأة أو أكثر فإذا شهدن بأنها كذلك درئ الحد عنها، وتكفى شهادة امرأة واحدة إذا لم يوجد غيرها وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد، لأن شهادة المرأة الواحدة مقبولة عندهما فيما لا يطلع عليه الرجال، وعلى هذا المذهب الزيدى

стр. 1199

أيضًا (١) ، وأساس درء الحد احتمال كذب شهود الإثبات أو وهمهم، واعتبار ذلك شبهة والحدود تدرأ بالشبهات. ويشترط الشافعى شهادة أربع نسوة، فإذا شهدن بأنها بكر لم يجب عليها الحد، لأنه يحتمل أن تكون البكارة أصلية لم تزل، ويحتمل أن تكون عائدة لأن البكارة تعود إذا لم يبالغ فى الجماع، فلا يجب الحد مع الاحتمال، ولا يجب الحد أيضًا على الشهود؛ لأنه إذا درئ الحد عنها لجواز أن تكون البكارة أصلية والشهود كاذبون وجب أن يدرأ الحد عن الشهود لجواز أن تكون البكارة عائدة وهم صادقون (٢) . ويشترط ابن حزم شهادة أربع نسوة لدرء الحد (٣) ، ولكنه لا يكتفى بأن يقرر النساء أنها عذراء ويوجب أن يصفن عذريتها، فإن قلن إنها عذرة يبطلها إيلاج الحشفه ولابد وأنه صفاق عند باب الفرج فقد أيقنا بكذب الشهود وأنهم وهموا فلا يحل إنفاذ الحكم بشهادتهم، وإن قلن إنها عذرة واغلة فى داخل الفرج لا يبطلها إيلاج الحشفة فقد أمكن صدق الشهود، إذ بإيلاج الحشفة يجب الحد، فيقام الحد عليها حينئذ لأنه لم يتيقن كذب الشهود ولا وهمهم (٤) . ولا يدرأ ابن حزم الحد بالشبهة لأن المذهب الظاهرى لا يعترف بالشبهة كما قدمنا. ورأى ابن حزم فى قبول شهادة النساء فى حالة ادعاء البكارة مخالف لفقهاء المذهب الظاهرى الذين يرون إهمال شهادة النفى والأخذ بشهادة الإثبات (٥) . أما مالك فلا يدرأ الحد ولو شهد أربع نسوة بأن المتهمة بالزنا عذراء، وحجته أن شهود الإثبات عاينوا الزنا، وأن الإيلاج ممكن مع بقاء البكارة، كما أن المثبت مقدم على النافى (٦) .

стр. 1200

شهود الإحصان: يرى مالك والشافعى وأحمد أنه يكفى فى إثبات الإحصان شهادة رجلين، لأنه حالة فى الشخص لا علاقة لها بواقعة الزنا، فلا يشترط أن يشهد بالإحصان أربعة رجال كما هو الحال فى الزنا (١) . وفى مذهب أبى حنيفة يكفى أيضًا رجلان لإثبات الإحصان، ولكن فقهاء المذهب يرون أن الإحصان يثبت برجلين أو برجل وامرأتين، عدا زفر فيشترط أن يثبت برجلين (٢) . والمذهب الزيدى على أنه يكفى فى إثبات الإحصان عدلان ولو رجل وامرأتان (٣) . أما المذهب الظاهرى فلا يفرق فيه الفقهاء بين إثبات الزنا وإثبات الإحصان، وعدم التفرقة معناه أن الزنا والإحصان معًا يثبتان بأربعة شهود (٤) . وكل زنًا أوجب الحد لا يقبل فيه أقل من أربعة شهود باتفاق العلماء لتناول النص له: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] ، ويدخل فى ذلك اللواط ووطء المرأة فى دبرها ووطء البهائم عند من يعطى هذه الأفعال حكم الزنا، أما من يعتبرها جرائم تعزيرية فيكتفى فى إثباتها بما يثبت به التعزير، وهو يثبت بشاهدين كما يرى البعض (٥) ، ويثبت برجل وامرأتين، وبأربع نسوة، وبرجل واحد أو امرأتين مع يمين الطالب، كما يثبت النكول والإقرار (٦) . ويرى بعض الفقهاء فى مذهب الشافعى ومذهب أحمد أن كل وطء لا يوجب الحد ويوجب التعزير لا يثبت إلا بأربعة شهود؛ لأنه فاحشة ولأنه الإيلاج فى فرج

стр. 1201

محرم، فإن لم يكن الفعل وطئًا كالمباشرة دون الفرج ونحوها ثبت بشاهدين (١) . سادسًا: أن يقتنع القاضى بشهادة الشهود: ولا يستلزم أداء الشهود للشهادة أن يحد المتهم بالزنا ما لم يقتنع القاضى بصحة الشهادة، فإذا اختلف الشهود فى وصف الفعل أو فى زمانه أو مكانه اختلافًا ينبئ بكذبهم أو كذب بعضهم رفضت شهادتهم، وهناك خلاف على حد الشهود فى هذه الحالة بين من يرون الشهود إذا لم تكمل الشهادة أو لم تقبل، فيرى البعض حدهم لأنهم شهدوا على وقائع مختلفة ليس على واقعة منها أربعة شهود فهم قذفة، ويرى البعض أن لا يحدوا وقد أدوا الشهادة، ويرى البعض أن يترك الأمر للقاضى ليقدر كل حالة بظروفها ولاحتمال أن تكون شبهة تدرأ الحد عن الشهود. ويحاول الفقهاء فى كتبهم أن يأتوا على أهم وجوه الاختلاف بين الشهود: من ذلك أن يشهد اثنان أنه زنا بها فى هذا البيت، ويشهد اثنان أنه زنى بها فى بيت آخر، أو أن يشهد اثنان بأنه زنا بها فى بلد غير البلد الذى شهد صاحباهما، أو أن يختلفوا على اليوم أو الشهر أو السنة التى وقع فيها الزنا، فإن كان هذا الخلاف فالجميع قذفة عند مالك وعند بعض فقهاء مذهب الشافعى وأحمد وعند زفر من فقهاء المذهب الحنفى، بينما يرى أبة حنيفة وبعض فقهاء مذهب الشافعى وأحمد أن لا حد على الشهود لأنهم كملوا أربعة (٢) . ويرى ابن الماجشون من فقهاء المالكية أن شهادة الشهود تصح ولو اختلفوا إذا كان الخلاف فيما لو لم يذكروه تمت شهادتهم ولم يلزم الحاكم أن يسألهم عنه (٣) . وإذا شهد اثنان أنه زنا بها فى زاوية بيت، وشهد اثنان أنه زنا بها فى زاوية أخرى منه وكانت الزاويتان متباعدتين فالقول فيهما كالقول فى البيتين، وإن كانتا متقاربتين كملت شهادتهم وحُدَّ المشهود عليه فى رأى أبى حنيفة وأحمد،

стр. 1202

وعند الشافعى ومالك وزفر لا حد على المشهود عليه لأن الشهادة لم تكمل (١) . وإن شهد اثنان بأنه زنا بها مكرهة، وشهد اثنان بأنه زنا بها مطاوعة، فلا حد عليها إجماعًا لأن الشهادة لم تكمل على فعل موجب لحد المرأة، أما الرجل فقد اختلفوا فيه، فرأى البعض أن لا حد عليه لأن البينة لم تكمل على فعل واحد؛ فإن فعل المطاوعة غير فعل المكرهة، ولم يتم العدد على كل واحد من الفعلين، ولأن كل شاهدين منهما يكذبان الآخرين، وذلك يمنع من قبول الشهادة أو يكون شبهة فى درء الحد، ولا يخرج المر على أن يكون قول واحد منهما مكذبًا للآخر، ولا يصح هذا إلا بتقدير فعلين تكون مطاوعة فى أحدهما ومكرهة فى الآخر، وهذا يمنع كون الشهادة كاملة على فعل واحد، ولأن شاهدى المطاوعة قاذفان لها ولم تكمل البينة فلا تقبل شهادتهما على غيرها، وهذا هو رأى مالك وأبى حنيفة وأحد الوجهين فى مذهبى الشافعى وأحمد. ورأى البعض أن الحد واجب على الرجل لأن الشهادة كملت على وجود الزنا منه بعد أن أجمع الشهود على أنه أتى الفعل، واختلاف الشهود إنما هو فى فعل المرأة لا فى فعل الرجل، فلا يمنع هذا الاختلاف من كمال الشهادة عليه، وهذا هو رأى أبى يوسف ومحمد من فقهاء الحنفية ووجه فى مذهبى الشافعى وأحمد. أما الشهود ففيهم ثلاثة أوجه: أحدها: لا حد عليهم وهو قول من أوجب الحد على الرجل بشهادتهم. وثانيها: عليهم الحد لأنهم شهدوا بالزنا ولم تكمل شهادتهم فلزمهم الحد كما لو لم يكمل عددهم. وثالثها: يجب الحد على شاهدى المطاوعة لأنهما قذفا المرأة بالزنا ولم تكمل شهادتهما عليها، أما شاهدا الإكراه فلا يجب الحد عليهما لأنهما لم يقذفا المرأة وقد كملت شهادتهما على الرجل وإنما انتفى عنه الحد للشبهة (٢) .

стр. 1203

ويرى الزيديون أن الاختلاف لا أهمية له إلا إذا كان على حقيقة الفعل وهو الإيلاج أو مكان الفعل أو وقته أو كيفيته من اضطجاع أو قيام أو غير ذلك، فإن اتفقت شهادة الشهود على ذلك لزم الحد، وإن اختلف فى شئ منه أو أجملوا ولم يفصلوا لم تصح شهادتهم ولا حد عليهم لكمال البينة (١) . والقاعدة عند الظاهريين أن ما لا تتم الشهادة إلا به فإن الاختلاف فيه مفسد للشهادة، وعندهم أن الشهادة تتم فى الزنا إذا كانت على حصول الزنا من رجل بامرأة أجنبية عنه، وكان الشهود على يقين من ذلك، فإذا اختلف الشهود بعدها فى المكان أو فى الزمان أو فى وصف المزنى بها فلا عبرة باختلافهم، لأن ذكر ذلك والسكوت عنه سواء، ومن ثمَّ تكون الشهادة تامة والحد واجب مع الاختلاف فى هذه المسائل (٢) . ومن المتفق عليه أن الشهادة على الزنا لا تستلزم قيام دعوى سابقة على الشهادة فيجوز أن يتقدم الشهود بالشهادة دون قيام دعوى الزنا ويترتب على تقدمهم بالشهادة قيام الدعوى، ويحتج الفقهاء فى هذا الوجه بقضية أبى بكرة حيث شهد هو وأصحابه على المغيرة من غير تقدم دعوى، وبقضية الجارود حيث شهد هو وآخر على قدامة بن مظعون بشرب الخمر ولم يتقدمه دعوى. والعلة فى عدم اشتراط قيام الدعوى فى الزنا أن الحد فى الزنا حق الله تعالى فلا تفتقر الشهادة به إلى قيام الدعوى، لأن الدعوى فى سائر الحقوق إنما تكون من المستحق، وهذا لا حق فيه لأحد من الآدميين فيدعيه، ولو توقفت الشهادة على قيام الدعوى لما أقيمت الشهادة ولا الدعوى (٣) . ويشترط لصحة الشهادة ولتكون مقنعة للقاضى أن تكون مبنية لماهية الزنا وكيفيته ومتى كان وأين وقع وبمن زنا، وعلى القاضى أن يستفصل الشهود فى هذا كله ليصل إلى حقيقة الأمر.

стр. 1204

فأما عن ماهية الزنا فلأن الزنا اسم يقع على أنواع لا توجب الحد، فقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه"، ولا شك أن الحد لا يجب إلا بوطء الفرج بحيث يكون الذكر فى الفرج كالميل فى المُكْحُلة. وأما عن الكيفية فلاحتمال أن يريد الشهود بالزنا الجماع فيما دون الفرج، لأن ذلك يسمى جماعًا حقيقة أو مجازًا ولكنه لا يوجب الحد. وأما عن الزمان فلاحتمال أن يشهد بعض الشهود على واقعة غير التى يشهد عليها البعض الآخر، ولاحتمال أن يشهد الشهود بزنا متقادم، والتقادم على رأى أبى حنيفة يمنع من قبول الشهادة كما قدمنا، ولاحتمال أن يشهدوا على زنًا وقع منه وهو صغير. وأما عن المكان فلاحتمال أن يكون الزنا الذى يشهد به البعض وقع فى بلد غير البلد الذى يشهد البعض الآخر بحصول الزنا فيه، أو لاحتمال أن يكون الزنا وقع فى دار الحرب أو البغى ومثل هذا الزنا لا يعاقب عليه فى رأى أبى حنيفة. وأما عن المزنى بها فلاحتمال أن تكون الموطوءة ممن لا يجب الحد بوطئها، وإذا كان أبو حنيفة يشترط لقبول الشهادة أن يعرف الشهود الرجل والمرأة، فإن غيره لا يشترط ذلك ويترك لمن ادعى حل الوطء أن يقيم البينة عليه. وإذا أنكر المتهم الإحصان وشهد به الشهود فعليهم أن يبينوا شروطه، وعلى القاضى أن يستفصل منهم ذلك لاحتمال أنهم يجهلون ماهية الإحصان. وعلى القاضى أن يستفصل كل مسقطات الحد كما عليه أن يستفصل كل ما يثبته، وأن يتحرى عدالة الشهود وصحة عقولهم وأبصارهم وانتفاء العداوة بينهم وبين المشهود عليه، وغير ذلك مما ترد به الشهادة، حتى يأتى حكمه صحيحًا غير مشوب بعيب (١) .

стр. 1205

علم القاضى: وإذا شهد القاضى حادث الزنا وقت وقوعه فليس له أن يقضى بعلمه على ما يراه جمهور الفقهاء، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وهو أحد قولى الشافعى وعليه أكثر الشافعيين، وحجتهم قوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] ، وقوله: ﴿فَإِذْا لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] ، ولأن القاضى كغيره من الأفراد لا يجوز له أن يتكلم بما شهده ما لم تكن لديه البينة الكاملة، ولو رمى القاضى زانيًا بما شهده منه وهو لا يملك على ما يقول البينة الكاملة لكان قاذفًا يلزمه حد القذف، وإذا كان قد حرم على القاضى النطق بما يعلم فأول أن يحرم عليه العمل به. ويستدلون أيضًا بما روى عن أبى بكر رضى الله عنه من قوله: "لو رأيت رجلاً على حد لم أحده حتى تقوم البينة عندى". وعندهم أن القاضى إذا كان قد شهد الحادث ومعه ثلاثة غيره فله أن يتنحى عن القضاء ويشهد، فإذا لم يتنح عن القضاء فليس له أن يعتبر علمه متممًا لشهادة الثلاثة (١) . أما الرأى الثانى فى مذهب الشافعى فيقوم على جواز أن يحكم القاضى بعلمه، وسند هذا الرأى ما رواه أبو سعيد الخدرى عن رسول الله ﷺ : "لا يمنع أحدكم هيبته الناس أن يقول فى حق إذا رآه أو علمه أو سمعه"، ويقول أصحاب هذا الرأى: إنه إذا جاز للقاضى أن يحكم بما شهد به الشهود وهو من قولهم على ظن، فلأن يجوز أن يحكم بما سمعه أو رآه وهو على علم أولى (٢) . والمذهب الزيدى لا يجيز للقاضى أن يحكم بعلمه فى الحدود إلا فى حد القذف ويجيز له أن يحكم بعلمه فيما عدا ذلك، فيحكم بعلمه فى القذف والقصاص والأموال سواء علم ذلك قبل قضائه أو بعده، ويحتجون لذلك بقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ

стр. 1206

النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] ، ويرون أن علم القاضى ابلغ من الشهادة وأن من حكم بعلمه فقد حكم بما أراه الله (١) . أما الظاهريون فيرون أنه فرض على القاضى أن يقضى بعلمه فى الدماء والقصاص والأموال والفروج والحدود، سواء علم ذلك قبل ولايته أو بعد ولايته، وأقوى ما حكم بعلمه لأنه يقين الحق ثم بالإقرار ثم بالبينة، وحجتهم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥] ، وقول الرسول ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه.."، فصح أن القاضى عليه أن يقوم بالقسط، وليس من القسط أن يترك الظالم على ظلمه لا يغيره، وصح أن فرضنا على القاضى أن يغير كل منكر علمه بيده وأن يعطى كل ذى حق حقه وإلا فهو ظالم (٢) . * * * المبحث الثانى الإقرار ٥٣٨ - يثبت الزنا أيضًا بالإقرار الزانى: ويشترط أبو حنيفة وأحمد أن يقر الزانى بالزنا أربع مرات قياسًا على اشتراط الشهود الأربعة، ولما رواه أبو هريرة فقال: أتى رجل من الأسلميين (وهو ماعز) رسول الله ﷺ وهو فى المسجد فقال: يا رسول الله إنى زنيت، فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه فقال: يا رسول إنى زنيت، فأعرض عنه، حتى قال ذلك أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله ﷺ فقال: "أبك جنون؟ "، قال: لا، قال: "أحصنت؟ "، قال: نعم، فقال ﷺ : "اذهبوا به فارجموه". ولو وجب الحد بالإقرار مرة واحدة لم يعرض عنه رسول الله لأنه لا يجوز ترك حد وجب لله. وروى نعيم بن هزال هذا الحديث وفيه: "حتى قالها أربع مرات، فقال له رسول الله: "إنك قلتها أربع مرات فبمن؟ قال: بفلانة" رواه أبو داود، وهذا تعليل منه يدل على أن إقرار الأربع هى الموجبة. وروى أبو برزة الأسلمى أن أبا بكر الصديق قال لهذا المقر عند النبى - صلى الله

стр. 1207

عليه وسلم -: إن أقررت أربعًا رجمك رسول الله ﷺ . وهذا دليل من وجهين: أحدهما: أن النبى ﷺ أقره على هذا ولم ينكره فكان بمنزلة قوله لأنه لا يقر على الخطأ. والثانى: أن أبا بكر قد علم أن هذا من حكم النبى ﷺ ولولا ذلك لما تجاسر على قوله بين يديه، وعلى هذا يجب أن يتعدد الإقرار وأن يكون أربع مرات فإن قل عنها فلا يعتبر (١) . أما مالك والشافعى فمن رأيهما الاكتفاء بالإقرار مرة واحدة؛ لأن الإقرار إخبار والخبر لا يزيد بالتكرار، ولأن الرسول ﷺ قال: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" فعلق الرجم على مجرد الاعتراف والظاهر الاكتفاء بأقل ما يصدق عليه اللفظ وهو المرة الواحدة، أما إعراض الرسول ﷺ عن ماعز حتى أقر أربع مرات فراجع إلى أن الرسول استنكر عقله، ولذا أرسل لقومه مرتين يسألهم عن عقله حتى أخبروه بصحته فأمر برجمه (٢) . ويشترط أبو حنيفة أن تكون الأقارير الأربعة فى مجالس مختلفة للمقر نفسه ولو حدثت فى مجلس واحد للقاضى (٣) . ويستوى عند أحمد أن تكون الأقارير الأربعة فى مجلس واحد أو مجالس متفرقة، فإذا أقر أربع مرات فى مجلس واحد أو فى مجالس متفرقة فالإقرار صحيح (٤) . ويشترط لقبول الإقرار أن يكون مفصلاً مبينًا لحقيقة الفعل بحيث تزول كل شبهة فى الإقرار خصوصًا وأن الزنا يعبر به عما لا يوجب الحد كالوطء خارج الفرج، والأصل فى الاستفصال والتبين هو سنة رسول الله ﷺ فقد جاءه ماعز يعترف بالزنا ويكرر اعترافه فسأل ﷺ هل به جنون

стр. 1208

أو هو شارب خمر وأمر من يشم رائحته، وجعل يستفسره عن الزنا فقال له: "لعلك قبلت أو غمزت؟ "، وفى رواية أخرى: "هل ضاجعتها؟ " قال: نعم، قال: "فهل باشرتها؟ " قال: نعم، قال: "هل جامعتها؟ " قال: نعم، وفى حديث ابن عباس: "أنكتها؟ " لا يُكَنِّى، قال: نعم، قال: دخل ذلك منك فى ذلك منها؟ قال: نعم، قال: وكما يغيب المرود فى المكحلة والرشاء فى البئر؟ قال: نعم، قال: أتدرى ما الزنا؟ قال: نعم أتيت منها حرامًا ما يأتى الرجل من امرأته حلالاً. قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: تطهرنى، فأمر به فرجم. فدل ذلك كله على أنه يجب فى الإقرار أن يكون مفصلاً مبينًا لحقيقة الفعل المقر به (١) . ويترتب على هذا أن الزانى إذا أقر فلا يؤخذ إقراره قضية مسلمة، وعلى القاضى لكى يتحقق من صحة إقراره أن يتحقق أولاً من صحة عقله كما فعل الرسول مع ماعز، قال: "أبك خبل أم بك جنون؟ " وبعث لقومه يسألهم عن حاله، فغذا عرف القاضى أن الزانى صحيح العقل سأله عن ماهية الزنا وكيفيته ومكانه وعن المزنى بها وعن زمان الزنا، فإذا بين ذلك كله على وجه يجعله مسئولاً جنائيًا سأله أمحصن هو أم لا، فإن اعترف بالإحصان سأله عن ماهيته. وسؤال المقر عن زمان الزنا ليس المقصود منه النظر إلى القادم وإنما احتمال أن يكون الزنا وقع قبل البلوغ، والإقرار على قوته حجة قاصرة على نفس المقر لا تتعداه إلى غيره، فمن أقر بأنه زنا بإمرأة أخذ باعترافه أما المرأة فإن أنكرت فلا مسئولية عليها، وإن اعترفت أيضًا أُخذت باعترافها لا باعتراف الرجل، وعلى هذا جرت سنة الرسول ﷺ ، فقد روى أبو داود عن سهل بن سعد أن رجلاً جاء الرسول فأقر عنده أنه زنا بامرأة سماها له، فبعث رسول الله ﷺ إلى المرأة فسألها عن ذلك فأنكرت أن تكون زنت فجلده الحد وتركها (٢) .

стр. 1209

ولا يشترط حضور شريك المقر فى الزنا فى مجلس الإقرار كما لا يشترط ذلك فى الشهادة، فلو أقر شخص بأنه زنا بامرأة غائبة أقيم عليه الحد. ويصح الإقرار بالزنا ولو جهل المقر شخصية شريكه فى الزنا لأنه بنى إقراره على حقيقة الحال، وإذا أقر الرجل أنه زنا بامرأة فكذبته فهو مأخوذ بإقراره وعليه الحد دونها، كما يرى مالك والشافعى وأحمد (١) ؛ لأن الإقرار حجة فى حق المقر وعدم ثبوت الزنا فى حق غير المقر لا يورث شبهة ما فى حق المقر. ولكن أبا حنيفة يرى أن لا يحد الرجل المقر لأن الحد انتفى فى حق المنكر بدليل موجب للنفى عنه فأورث شبهة الانتفاء فى حق المقر؛ لأن الزنا فعل واحد يتم بهما فإن تمكنت فيه شبهة تعدت إلى طرفيه، وهذا لأنه ما أقر بالزنا مطلقًا إنما أقر بالزنا بفلانة وقد درأ الشرع عن فلانة وهو عين ما أقر به فيندرئ عنه ضرورة، بخلاف ما لو أطلق فقال زنيت، فإنه وإن احتمل كذبه لكن لا موجب شرعى يدفعه، وبخلاف ما لو كانت غائبة لأن الزنا لم ينتف فى حقها بدليل يوجب النفى وهو الإنكار. ويتفق رأى أبى يوسف ومحمد مع رأى الأئمة الثلاثة (٢) . ويشترط بعد تفصيل الإقرار أن يكون الإقرار صحيحًا، ولا يكون كذلك إلا إذا صدر عن عاقل مختار، فيجب أن يكون المقر عاقلاً مختارًا لأن المكره والمجنون لا حكم لكلامهما والقلم مرفوع عنهما، وقد روى عن على رضى الله عنه أنه قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبى حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل"، وروى عنه ﷺ أنه قال: "رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". ٥٣٩ - إقرار زائل العقل: ينقل ما كتب عن ذلك فى القتل ويضاف إليه: وإن كان يجن مرة ويفيق مرة أخرى فأقر فى إفاقته أنه زنا وهو مفيق فعليه الحد

стр. 1210

دون خلاف لأن الزنا الموجب للحد وقع منه فى حال تكليفه والقلم غير مرفوع عنه وإقراره وجد فى حال يعتبر فيها كلامه، فإن أقر فى إفاقته ولم يضف الزنا إلى حال الإفاقة لم يجب الحد؛ لأنه يحتمل أن الزنا وقع فى حال الجنون ولا يجب الحد مع الاحتمال (١) . ٥٤٠ - إقرار النائم: والنائم مرفوع عنه القلم، فلو زنا بنائمة أو استدخلت امرأة ذكر نائم أو وجد منه الزنا حال نومه، فلا حد عليه؛ لأن القلم مرفوع عنه، ولو أقر فى حال نومه لم يلتفت لإقراره لأن كلامه غير معتبر ولا يدل على صحة مدلولة (٢) . ويشترط أبو حنيفة فى المقر أن يكون قادرًا على النطق لأن الإقرار عنده يجب أن يكون بالخطاب والعبارة لا بالكتاب والإشارة، وعنده أن الأخرس لو أقر فى كتاب وأشار إلى صحة صدوره منه إشارة معلومة لم يقبل إقراره لأن الشريعة علقت الحد على البيان المتناهى والبيان لا يتناهى إلا بالصريح والإشارة والكتابة بمنزلة الكناية، ولكن الأئمة الثلاثة يقبلون إقرار الأخرس إذا فهمت إشارته (٣) . ومن المتفق عليه أن البصر لا يعتبر شرطًا فى الإقرار، فإقرار الأعمى بالزنا صحيح، ولا يقبل الإقرار ممن لا يتصور وقوع الفعل منه كالمجبوب إذ لا يمكن أن يقع منه الفعل لانعدام الآلة، ويقبل إقرار الخصى والعنين لتصور الزنا منهما إذ لا يشترط لتحقق الوطء أكثر من دخول الحشفة فى الفرج ولو بغير انتشار (٤) . ٥٤١ - أثر التقادم على الإقرار: لا أثر للتقادم على الإقرار بالزنا عند من يقول بالتقادم؛ لأن أثر التقادم على الشهادة بنى على تمكن التهمة والضغينة، أما الإقرار فلا تهمة فيه لأن المرء لا يُتهم فيما يقر به على نفسه (٥) .

стр. 1211

٥٤٢ - التحايل على الإقرار: ولا يصح للقاضى أن يحتال للحصول على الإقرار، وليس له أن يشجع المقر على الإقرار، ولا بأس من أن يظهر الكراهة للإقرار كما فعل الرسول ﷺ مع ماعز حيث أعرض عنه عند إقراره، وقد كان عمر رضى الله عنه يقول: "اضربوا المعترفين" أى بالزنا (١) . ويشترط أبو حنيفة أن يكون الإقرار فى مجلس القضاء فإن أقر فى غير مجلس القاضى فلا تقبل الشهادة على هذا الإقرار؛ لأنه إما أن يقر وإما أن ينكر، فإن أقر كانت الشهادة لغوًا وكان الحكم للإقرار لا للشهادة، وإن أنكر اعتبر إنكاره رجوعًا عن الإنكار والرجوع عن الإقرار صحيح فى الحدود الخالصة حقًا لله كحد الزنا (٢) . ولا يشترط مالك والشافعى وأحمد أن يكون الإقرار فى مجلس القضاء، فيجوز أن يكون من المقر فى مجلس القضاء ويجوز أن يحصل فى غير مجلس القضاء ويشهد به الشهود فى مجلس القضاء، ولكنهم اختلفوا فى الشهادة بالإقرار، فرأى مالك أن الشهادة على الإقرار تقبل فإذا أنكر حصول الإقرار اعتبر إنكاره رجوعًا (٣) . ويرى الشافعى قبول الشهادة على الإقرار، فإن أنكر حصول الإقرار منه لم يقبل إنكاره ولا يعتبر عدولاً عن الإقرار لأنه تكذيب للشهود والقاضى. أما إن أكذب نفسه فى إقراره فإن تكذيبه يعتبر رجوعًا عن الإقرار (٤) . ورأى أحمد قبول الشهادة بالإقرار بشرط أن يشهد بالإقرار أربعة، فإن أنكر أو صدقهم دون أربع مرات فلا حد عليه؛ لأن إنكاره يعتبر رجوعًا، ولأن تصديقهم لا يكفى فيه مرة واحدة لأن الإقرار عند أحمد يشترط فيه أن يكون أربع مرات (٥) . ويلاحظ أن الإقرار يثبت عند مالك والشافعى بشهادة شاهدين فقط.

стр. 1212

٥٤٣ - الإقرار فى مجلس القضاء: وإذا أقر الزانى بالزنا ثم رجع عن إقراره سقط عنه الحد؛ لأنه يحتمل أن يكون صادقًا فى الرجوع وهو الإنكار، ويحتمل أن يكون كاذبًا فيه، فإن كان صادقًا فى الإنكار فهو كاذب فى الإقرار، وإن كان كاذبًا فى الإنكار فهو صادق فى الإقرار، وهذا الاحتمال يورث شبهة فى الحد والحدود تدرأ بالشبهات. وقد روى أن ماعزًا لما أقر بالزنا بين يدى الرسول ﷺ لقنه الرجوع، فقال ﵊: لعلك قبلتها لعلك مسستها. وكذلك قال ﵊ لامرأة متهمة بالسرقة: أسرقت؟ قولى لا، ما أخالك سرقت. وليس ذلك إلا تلقينًا للرجوع عن الإقرار، ولو لم يكن الحد محتمل السقوط بالرجوع ما كان للتلقين معنى، وتلك هى السنة للإمام والقاضى إذا أقر عنده أحد بشئ من أسباب الحدود الخالصة أن يعرض له بالرجوع. ٥٤٤ - الرجوع عن الإقرار: ويصح الرجوع عن الإقرار قبل القضاء وبعد القضاء، ويصح قبل الإمضاء وأثناء الإمضاء، فإذا رجع أثناء الإمضاء أوقف تنفيذ العقوبة، والرجوع عن الإقرار قد يكون دلالة كهرب المرجوم أثناء الرجم أو الجلد، فإذا هرب لم يؤخذ ثانية للتنفيذ لأن الهرب دلالة الرجوع، والأصل فى ذلك أنه لما هرب ماعز تبعوه حتى قتلوه ولما ذكر ذلك للنبى ﷺ قال: "هلا تركتموه"، وهذا دليل على أن الهرب دليل الرجوع وأن الرجوع مسقط للحد، ويعتبر مالك وأبو حنيفة وأحمد مجرد الهرب وقت التنفيذ رجوعًا دون حاجة إلى التصريح بالرجوع، أما الشافعية فيرون أن الهرب ذاته ليس رجوعًا ولكنه يقتضى الكف عنه لاحتمال أنه قصد الرجوع، فإذا كف فرجع سقط الحد وإذا لم يرجع تحتم تنفيذ الحد (١) . وكما يصح الرجوع عن الإقرار بالزنا يصح الرجوع عن الإقرار بالإحصان، فإذا أقر شخص بأنه زنا وهو محصن فله أن يرجع عن إقراره بالزنا وله أن يثبت

стр. 1213

على الإقرار بالزنا ويعدل عن الإقرار بالإحصان، فإذا فعل سقط حد الرجم ووجب حد الجلد (١) . وإذا اجتمعت الشهادة مع الإقرار فمذهب أبى حنيفة على أن الشهادة تبطل باعتراف المشهود عليه قبل القضاء اتفاقًا، أما إذا كان الإقرار بعد القضاء بالحد على أساس الشهادة فيرى أبو يوسف سقوط العقوبة لأن الإمضاء فى الحدود من القضاء ولأن شرط الشهادة هو عدم الإقرار، أما محمد فلا يسقط العقوبة فى هذه الحالة (٢) . وترتب على ما سبق أن من يثبت عليه الزنا بشهادة الشهود ثم أقر فحكم عليه بالعقوبة يسقط عنه الحد إذا رجع عن الإقرار سواء كان رجوعه صريحًا أم دلالة. ويرى مالك وأحمد أن الزانى إذا تمت عليه البينة وأقر على نفسه إقرارًا صحيحًا ثم رجع عن إقراره لم يسقط عنه الحد برجوعه لأنه ثابت من وجه آخر بشهادة الشهود (٣) . وفى مذهب الشافعى يرون أنه إذا ثبت الحد بالبينة ثم أقر المشهود عليه بعد ذلك عدل عن إقراره، فإن عدوله لا يسقط الحد الثابت بالبينة وإلا كان الإقرار ذريعة لإسقاط العقوبات. أما إذا أقر بالزنا أولاً ثم قامت بينة بزناه فرجع عن إقراره فهناك آراء مختلفة، فالبعض يرى أن الرجوع لا يسقط الحد لبقاء حجة البينة كما لو شهد عليه ثمانية مثلاً فردت شهادة أربعة، والبعض يرى سقوط الحد بالرجوع لأنه لا أثر للبينة مع الإقرار وقد بطل الإقرار بالرجوع، والبعض يرى أن العبرة بالدليل الذى استند عليه الحكم. فإن كان الحكم قد استند إلى البينة والإقرار معًا أو على البينة وحدها فإن الرجوع لا يسقط الحد، أما إذا استند الحكم على الإقرار، وحده فإن الرجوع يسقط الحد. ويرى البعض أنه عند اجتماع الإقرار مع الشهادة يجب

стр. 1214

أن يسند الحكم على الشهادة فيما يتعلق بحقوق الله لأن البينة أقوى من الإقرار، أما فيما يتعلق بحقوق الآدميين فيجب أن يستند الحكم على الإقرار لأنه أقوى من الشهادة ولأن الإقرار فى حقوق الآدميين لا يؤثر على الرجوع. ويرى البعض أن الحكم يستند فى الحالين إلى الإقرار والشهادة معًا (١) . وإذا سمع القاضى الإقرار فى غير مجلس القضاء فليس له أن يقضى على أساس ما سمع (٢) . وهذا هو مذهب مالك وأبى حنيفة وأحمد، أما الشافعى ففى مذهبه رأيان أرجحهما يرى أن لا يقضى القاضى على أساس ما رآه أو علمه أو سمعه، والثانى يرى أصحابه أن يقضى القاضى بما رآه أو سمعه أو علمه (٣) . القرائن ٥٤٥ - القرائن: القرينة المعتبرة فى الزنا هى ظهور الحمل فى امرأة غير متزوجة أو لا يعرف لها زوج، ويلحق بغير المتزوجة من تزوجت بصبى لم يبلغ الحلم أو بمجبوب، ومن تزوجت بالغًا فولدت لأقل من ستة أشهر. والأصل فى اعتبار قرينة الحمل دليلاً على الزنا قول أصحاب النبى ﷺ وفعلهم: فعمر رضى الله عنه يقول: الرجم واجب على كل من زنا من الرجال والنساء إذا كان محصنًا إذا أقامت بينة أو كان الحبل أو الاعتراف. وروى عن عثمان رضى الله عنه أنه أُتى بامرأة ولدت لستة أشهر كاملة فرأى عثمان أن ترجم، فقال علىّ: ليس لك عليها سيبل قال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف: ١٥] . وروى عن على رضى الله عنه أنه قال: يا أيها الناس إن الزنا زنيان: زنا سر وزنا علانية، فزنا السر أن يشهد الشهود فيكون الشهود أول من يرمى، وزنا

стр. 1215

العلانية أن يظهر الحبل والاعتراف. هذا هو قول الصحابة ولم يظهر لهم مخالف فى عصرهم فيكون إجماعًا. والحمل ليس قرينة قاطعة على الزنا بل هو قرينة تقبل الدليل العكسى، فيجوز إثبات أن الحمل حدث من غير زنًا، ويجب درء الحد عن الحامل كلما قامت شبهة فى حصول الزنا أو حصوله طوعًا، فإذا كان هناك مثلاً احتمال بأن الحمل كان نتيجة وطء بإكراه أو بخطأ وجب درء الحد، وإذا كان هناك احتمال بأن الحمل حدث دون إيلاج لبقاء البكارة امتنع الحد، إذ قد تحمل المرأة من غير إيلاج بأن يدخل ماء الرجل فى فرجها إما بفعلها أو بفعل غيرها أو نتيجة وطء خارج الفرج. ويرى أبو حنيفة والشافعى وأحمد أنه إذا لم يكن دليل على الزنا غير الحمل فادعت المرأة أنها أُكرهت أو وُطئت بشبهة فلا حد عليها، فإذا لم تدع إكراهًا ولا وطًأ بشبهة فلا حد عليها أيضًا ما لم تعترف بالزنا؛ لأن الحد أصلاً لا يجب إلا ببينة أو بإقرار (١) . ٥٤٦ - اللعان: أما مالك فيرى أن ظهور الحمل فى غير المتزوجة يوجب عليها الحد دون حاجة لإقرار منها، وأن ادعاءها الإكراه والوطء بشبهة لا يكفى وحده لدرء الحد عنها بل عليها أن تقيم دليلاً أو قرينة على صحة دفاعها، كأن تثبت أنها بلغت عمن أكرها، أو أن أناسًا شهدوها متعلقة به تستغيث عقب الإكراه، أو أنهم شهدوها تستغيث والدماء تلوث ملابسها بعد أن أزيلت بكارتها (٢) . تنفيذ العقوبة ٥٤٧ - مقدار الحد: إذا ثبت الزنا دون شبهة وجب على القاضى أن يحكم بعقوبة الحد وهى رجم المحصن وجلد غير المحصن مائة جلدة وتغريبه.

стр. 1216

مقارنة بين الشريعة والقانون عن الأدلة على الزنا ٥٤٨ - التكييف الشرعى لحد الزنا: يكيف الفقهاء حد الزنا بأنه حق لله تعالى، والأصل عندهم أن الحد يعتبر حقًا لله تعالى إذا استوجبته المصلحة العامة وهى دفع الفساد عن الناس وتحقيق الصيانة والسلامة لهم. وكل جناية ذات حد يرجع فسادها إلى العامة ومنفعة عقوبتها تعود عليهم فتعتبر العقوبة المقررة عليها حقًا لله تعالى، تأكيدًا لتحقيق النفع ودفع المضرة وحتى لا تسقط العقوبة بإسقاط الأفراد لها. وتمتاز عقوبة الحد عن غيرها من العقوبات بأنها لا تقبل عفوًا ولا صلحًا ولا إبراء ولا تخفيضًا ولا استبدالً. هذا هو تكييف الفقهاء للحد، وهو تكييف ليس بعيدًا عن نظرة شراح القوانين الوضعية للعقوبة، فهم يعتبرونها حق الجماعة لأن المصلحة العامة تستوجبها. وقد يظن أن الاختلاف واقع فى الأساس لا فى المعانى، ولكن الواقع أن الخلاف فيهما معًا، فالحد يختلف عن العقوبة فى القوانين الوضعية بأنه لا يقبل العفو ولا الاستبدال والعقوبة فى القوانين الوضعية تقبلهما، ولعل اعتبار الحد حقًا لله هو الذى منع قبول العفو والاستبدال؛ لأن الأفراد والجماعة ليس لهم العفو عما هو حق الله وليس لهم تبديل ما أمر به الله، ولو كان الحد حق الجماعة لأمكن أن يعفو عنه ممثل الجماعة أو يستبدل به غيره. على أن الشريعة نوعًا من العقوبات التقديرية شرع للمصلحة العامة ويعتبر حق الجماعة، ولممثل الجماعة أن يعفو عنه وأن يستبدل به غيره من عقوبات التعازير، وهذا النوع من العقوبة هو الذى يتفق تمام الاتفاق فى التكيف مع العقوبات المقررة فى القوانين الوضعية. ٥٤٩ - تعدد العقوبات: وإذا تعددت العقوبات المحكوم بها على الجانى نفذت جميعًا ما لم تتداخل أو يجبُّ بعضها البعض الآخر. التداخل: معنى التداخل هو أن الجرائم فى حالة التعدد تتداخل عقوباتها

стр. 1217

بعضها فى بعض بحيث يعاقب على جميع الجرائم بعقوبة واحدة ولا ينفذ على الجانى إلا عقوبة واحدة كما لو كان قد ارتكب جريمة واحدة. ويحدث التداخل فى حالتين: الأولى: إذا كانت الجرائم جميعها من نوع واحد كالزنا المتعدد والسرقات المتعددة والشرب المتعدد، ففى هذه الحالة تتداخل العقوبات المتعددة ويجزى عنها جميعًا عقوبة واحدة، فإذا ارتكب الجانى جريمة أخرى من نفس النوع بعد إقامة العقوبة عليه وجبت لهذه الجريمة الأخرى عقوبة ثانية، أما إذا ارتكب أى جريمة أخرى من نفس النوع قبل تنفيذ العقوبة عليه فإن عقوبة الجريمة الجديدة تتداخل مع عقوبات الجرائم السابقة ما دامت جميعًا من نوع واحد، والعبرة فى التداخل بتنفيذ العقوبة لا الحكم بها فالعقوبات تتداخل ما دامت لم تنفذ ولو تعددت الأحكام الصادرة بها، أى أن صدور الحكم بعقوبة ما لا يمنع من تداخلها فى عقوبة أخرى. ويحدث التداخل ما دامت الجرائم من نوع واحد ولو اختلف أركانها وعقوباتها كالزنا من محصن تتداخل عقوبته مع عقوبة الزنا من غير محصن لأن الجريمتين من نوع واحد، ولا عبرة باختلاف الأركان ونوع العقوبة ولكن فى مثل هذه الحالة تكون العقوبة الأشد هى الواجبة، فمن زنا وهو بكر ثم زنا وهو محصن عوقب على الجريمتين بعقوبة واحدة هى عقوبة الرجم. الثانية: إن الجرائم إذا تعددت وكانت من أنواع مختلفة فإن العقوبات تتداخل ويجزئ عن الجرائم جميعًا عقوبة واحدة بشرط أن تكون العقوبات المقررة لهذه الجرائم قد وضعت لحماية مصلحة واحدة أى لتحقيق غرض واحد كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، فهذه الجرائم قد حرمت لحماية مصلحة الأفراد فإذا أكل شخص ميتة ثم شرب دمًا ثم أكل لحم الخنزير تداخلت عقوبات هذه الجرائم الثلاث وأجزأ عنها عقوبة واحدة. الجبُّ: معنى الجب فى الشريعة هو الاكتفاء بتنفيذ العقوبة التى يمتنع مع

стр. 1218

تنفيذها تنفيذ العقوبات الأخرى، ولا ينطبق هذا المعنى إلا على عقوبة القتل فإن تنفيذها يمنع بالضرورة من تنفيذ غيرها، ومن ثم فهى فى الشريعة العقوبة الوحيدة التى تجب ما عداها، وهناك خلاف على نظرية الجب ومداها، وقد فصلنا القول عن تعدد العقوبات والتداخل والجب فى القسم العام ونكتفى هنا بما ذكرنا (١) . ٥٥٠ - من الذى يقيم الحد؟: من المتفق عليه بين الفقهاء أنه لا يجوز أن يقيم الحد إلا الإمام أو نائبه؛ لأن الحد حق الله تعالى ومشروع لصالح الجماعة فوجب تفويضه إلى نائب الجماعة وهو الإمام، ولأن الحد يفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن فى استيفائه من الحيف والزيادة على الواجب فوجب تركه لولى الأمر يقيمه إن شاء بنفسه أو بواسطة نائبه. وحضور الإمام ليس شرطًا فى إقامة الحد لأن النبى ﷺ لم ير حضوره لازمًا فقال: "اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها"، وأمر ﵇ برجم ماعز ولم يحضر الرجم، وأُتى بسارق فقال: "اذهبوا به فاقطعوه". لكن إذن الإمام بإقامة الحد واجب، فما أقيم حد على عهد رسول الله إلا بإذنه، وما أقيم حد على عهد الخلفاء إلا بإذنهم، ومما يروى عن رسول الله ﷺ فى هذا قوله: "أربع إلى الولاة: الحدود والصدقات والجمعات والفئ". والإذن بإقامة الحد إما أن يكون إذنًا مؤقتًا يصدر بمناسبة كل حالة، وإما أن يكون إذنًا دائمًا يصدر إلى النواب والحكام بإقامة الحد على المحكوم عليهم بحد (٢) . وهناك خلاف بين أبى حنيفة من ناحية ومالك والشافعى وأحمد من ناحية أخرى على ما إذا كان للسيد أن يقيم الحد على عبيده، ولم نر داعيًا للتعرض لهذا المبحث بعد أن ألغى الرقيق فى العالم.

стр. 1219

٥٥١ - علانية التنفيذ: يجب أن يقام الحد علانيةً، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] ، وتتوفر العلانية دائمًا كلما كان الحد رجمًا إذ المفروض أن عدد الرماة غير محدود وأنه يجب أن يكون من الكثرة بحيث يقضى على المرجوم بسرعة، أما فى الجلد فيكفى فى إقامة الحد شخص واحد. ولذلك اختلف فى عدد من يحضر الجلد ففسر البعض كلمة طائفة بأنها شخص واحد ومقيم الحد، وقال البعض إنها شخصان غير مقيم الحد، وقال البعض إنها أربعة، وقال البعض: إنها عشرة (١) . ٥٥٢ - كيفية التنفيذ فى الرجم: إذا كان المرجوم رجلاً أقيم قائمًا ولم يوثق بشئ ولم يحفر له ولم يمسك أو يربط سواء ثبت الزنا عليه ببينة أو إقرار؛ لأن النبى ﷺ لم يحفر لماعز ولا للجهنية ولا لليهوديين، قال أبو سعيد: "لما أمر رسول الله ﷺ برجم ماعز خرجنا إلى البقيع فوالله ما حفرنا له ولا أوثقناه ولكنه قام لنا". وإذا هرب المرجوم وكان مقرًا لم يتبع وأوقف التنفيذ، أما إذا كان مشهودًا عليه اُّتبع ورُجم حتى يموت، لكن إذا لم يصبر المرجوم المشهود عليه ولم يمكن إقامة الحد إلا بربطه رُبط، أما إذا كان المرجوم امرأة فيجيز أبو حنيفة والشافعى الحفر لها إلى صدرها لأن ذلك أستر لها، ويأخذ بذلك بعض الفقهاء فى مذهب أحمد، ولكن الرأى الراجح فى مذهب أحمد هو عدم الحفر، وهو مذهب مالك. ويرى أبو حنيفة جواز الحفر للمرأة فى كل حال، أما الشافعية والحنابلة القائلون بالحفر فيرون الحفر فى حالة ما إذا كان الحد ثابتًا بالبينة فقط فإن كان ثابتًا بالإقرار فلا حفر؛ لأن ذلك يعطلها عن الهرب، والهرب كما قلنا يعتبر رجوعًا عن الإقرار والرجوع عن الإقرار مسقط للحد. وإذا رُجمت المرأة دون حفر شدت عليها ثيابها لكى لا تنكشف ولأن ذلك أستر لها (٢) .

стр. 1220

والسنة أن يحاط بالمرجوم فيرمى من جميع الجوانب، ويرى البعض أن يُصَفَّ الرماة ثلاثة صفوف كصفوف الصلاة كلما رجمه صف تنحوا. وحجة ما قاله علىٌّ حين رجم شراحة الهمزانية حيث أحاط الناس بها وأخذوا الحجارة، فقال لهم: ليس هكذا الرجم إذن يصيب بعضكم بعضًا، صُفوا كصف الصلاة صفًا خلف صف (١) . ويشترط أبو حنيفة عند ثبوت الزنا بشهادة الشهود أن يبدأ الشهود بالرجم ثم الإمام أو نائبه ثم الناس بحيث لو امتنع الشهود عن البدء سقط الحد عن المشهود عليه، ولكن امتناع الشهود لا يترتب عليه حدهم لأن امتناعهم ليس صريحًا فى رجوعهم عن الشهادة (٢) . ولا يشترط الشافعى وأحمد بداءة الشهود ولكنهما يريان ذلك سنة مستحبة، وهو رواية عن أبى يوسف من أصحاب أبى حنيفة حيث يرى أن البداءة مستحبة لا مستحقة (٣) ، ولكنهما لا يوجبان حضور الشهود والإمام ولا يرتبان على التخلف عن الحضور نتيجة ما. أما مالك فلا يعرف بداءة الشهود والإمام ولا يعتبرها سنة مستحبة؛ لأن الحديث الوارد فيها لم يصح عنده (٤) . وحجة أبى حنيفة ما روى عن علىّ لما أراد أن يرجم شراحة الهمزانية حيث قال: "الرجم رجمان: رجم سر ورجم علانية، فرجم العلانية أن يشهد على المرأة ما فى بطنها وتعترف بذلك فيبدأ فيه الإمام ثم الناس، ورجم السر أن يشهد أربعة فيبدأ فيه الإمام ثم الناس، ورجم السر أن يشهد أربعة فيبدأ الشهود ثم الإمام ثم الناس". وقد تم هذا فى محضر من الصحابة فلم ينكر عليه أحد فيكون إجماعًا. كما أن فى الأمر ببداية الشهود احتيال لدرء الحد؛

стр. 1221

لأن الشاهد قد يجترئ على الشهادة الكاذبة ولكنه لا يجرؤ على القتل إذا علم أنه شهد كاذبًا (١) . ويرتب أبو حنيفة على رأيه أن الشهود إذا امتنعوا من البداءة أو غابوا فلم يحضروا اليوم المحدد للتنفيذ أو ماتوا قبل يوم التنفيذ فإن ذلك يؤدى إلى امتناع التنفيذ، ولكن محمدًا من أصحاب أبى حنيفة يرى أنه إذا تعذرت البداية من الشهود نفذ الحد كأن كانوا مرضى أو مقطوعى الأيدى (٢) . ويشترط أبو حنيفة أن تبقى للشهود أهلية أداء الشهادة عند التنفيذ فلو بطلت الأهلية بفسق أو ردة أو جنون أو عمى أو خرس أو بحد للقذف فلا يقام الحد على المشهود عليه، وحجة أبى حنيفة أن طروء أسباب الجرح على الشهادة وقت التنفيذ بمثابة طروئها وقت القضاء وأسباب الجرح عند القضاء تبطل الشهادة، ولا يرى الأئمة الثلاثة هذا الشرط والعبرة عندهم بالأهلية وقت القضاء لا بعده، ورأيهم يتفق مع قواعد القوانين الجنائية الوضعية، ويظهر أن ابا حنيفة قصد من رأيه درء الحد تطبيقًا للحديث المشهور: "ادرءوا الحدود بالشبهات"، ولكن لا يمكن العمل برأيه الآن ما دام التنفيذ ليس من اختصاص الهيئة القضائية، على أن بعض شراح القوانين الوضعية يرون جعل التنفيذ مكملاً للقضاء وهذا يتفق مع نظرية أبى حنيفة (٣) . ويقام حد الرجم فى أى وقت فى الصيف وفى الشتاء وفى الصحة والمرض لأنه حد مهلك فلا معنى للتحرز من الهلاك: ولكنه لا يقام على الحامل حتى تضع لأن إقامته تؤدى إلى هلاك الولد والحكم لم يصدر ضده، وسنتكلم عن التنفيذ على الحامل فيما بعد. ويستحسن لكل راجم أن يتعمد مقتلاً وأن يتقى الوجه، كما يستحسن أن يكون وقف الرامى من المرجوم بحيث لا يبعد عنه فيخطئه، وجميع بدن المرجوم للرجم، ويختار أن يتقى الوجه لأن الرجم حد مهلك فكلما أسرع بالمحكوم عليه إلى الهلاك كان أولى.

стр. 1222

ولا يقام الحد فى المساجد اتفاقًا، ويستحسن أن يقام فى كل مكان متسع بعيدًا عن المساكن حتى لا يؤدى التنفيذ إلى إصابة أحد غير المرجوم. ويرمى المرجوم بحجارة معتدلة الحجم وما يقوم مقام الحجارة كالمدر والخزف، ففى خبر ماعز أنه رمى بالعظام والمدر والخزف، ولا يرمى المرجوم بالحصيات الخفيفة حتى لا يطول تعذيبه، ولا يرمى بالصخرات الكبيرة لئلا تدمغه فيفوت به التنكيل المقصود، والمختار أن تكون ملء الكف. وليس هناك عدد محدد للحجارة التى يرمى بها المرجوم فقد تصيب الحجارة مقاتله فيموت سريعًا بعد أن يرمى بعدد قليل من الحجارة، وقد لا تصيب الأحجار مقتلاً إلا بعد وقت فيحتاج الأمر إلى قذفه بعدد كبير من الحجارة، والمقصود من الرجم القتل فيرجم المحكوم عليه حتى يقتل ولا يقوم مقام الرجم أى فعل آخر يؤدى للموت كقطع الرقبة بالسيف أو كشنق المرجوم، وإذا هلك المرجوم سلمت جثته لأهله ولهم أن يصنعوا بها ما يصنع بسائر الموتى فيغسلونه ويكفنونه ويصلون عليه ويدفنونه، وبهذا أمر الرسول ﷺ بعد رجم ماعز حيث سئل عما يصنع بجثته فقال: "اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم". ٥٥٣ - كيفية التنفيذ فى الجلد: يضرب المحكوم عليه بسوط ضربًا متوسطًا مائة ضربة، ويشترط أن لا يكون السوط يابسًا لئلا يجرح أو يبرح، وأن لا يكون به عقد فى طرفه الذى يصيب الجسم لأنها تؤدى إلى ما يؤدى يبس السوط (١) . ويشترط أن لا يكون للسوط أكثر من ذنب واحد فإذا لم يكن لذلك احتسبت الضربة ضربات بعدد ما للسوط من أذناب، فإن كان للسوط ذنبان احتسبت الضربة ضربتين، وإن كان ثلاثة احتسبت الضربة ثلاث ضربات، وهكذا (٢) . ويرى مالك وأبو حنيفة أن تنزع عن الرجل المحدود ثيابه إلا ما يستر عورته (٣) . ويرى الشافعى وأحمد أن لا يجرد المجلود من ثيابه وأن يترك عليه

стр. 1223

القميص والقميصان، أما إن كان عليه فروة أو ملابس شتوية أو جبة محشوة نزعت (١) . ويرى مالك ضربه قاعدًا ولا يمسك المرجوم ولا يربط وقت الضرب، إلا إذا امتنع فلم يقف أو لم يصبر على الوقوف أو الجلوس فلا بأس فى هذه الحالة بربطه أو إمساكه (٢) . ويضرب الرجل قائمًا غير ممدود عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد. أما المرأة فتضرب وهى جالسة لأنه أستر لها. ولا يجمع الضرب فى عضو واحد لأنه يفضى إلى تلف ذلك العضو أو تمزيق جلده وهو غير جائز، بل يفرق الضرب على سائر الأعضاء إلا الوجه والفرج، لقول الرسول ﷺ : "اتق وجهه ومذاكيره"، وإلا الرأس لتخوف التلف والهلاك، وهذا هو رأى أبى حنيفة وأحمد، وإن كان أبو يوسف يرى ضرب الرأس ضربة واحدة، وفى مذهب أحمد يرون اتقاء البطن أيضًا والمواضع الأخرى القاتلة، وهو ما يقول به بعض فقهاء الحنفية (٣) . ويرى بعض الشافعية رأى أبى حنيفة وأحمد، ولكن البعض يرى مع مالك أن يكون الضرب فى الظهر فقط (٤) ، ورأيهما يتفق مع المعمول به فى مصر فى تنفيذ الأحكام التى تصدر بالجلد على رجال الجيش والبوليس فإن الضرب قاصر على الظهر فقط. وحد الجلد فى الزنا أشد الحدود ضربًا لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] ، وتفسر الرأفة بتخفيف الضرب، ولكن الفقهاء يشترطون أن يكون الضرب بين بين فلا هو بالمبرح ولا بالخفيف، وليس للجلاد أن يمد يده بالسوط بعد الضرب لأن مد السوط فى الضرب بمنزلة ضربة أخرى، وعليه أن يرفع السوط لأعلى بعد أن يمس جسم المحدود دون أن يسحب، وليس للجلاد أن يرفع يده إلى ما فوق رأسه

стр. 1224

ولا يبدى إبطه فى رفع يده لأن الضرب يكون شديدًا فى هذه الحالة يخشى منه الهلاك وتمزيق الجلد (١) . ويشترط فى إقامة حد الجلد أن لا يؤدى إلى هلاك المحدود لأنه حد زاجر لا حد مهلك، فلا يقام فى الحر الشديد ولا البرد الشديد إذا خشى الهلاك، ولا يقام على المريض حتى يبرأ ولا على النفساء حتى ينقضى نفاسها ولا على الحامل حتى تضع. وهذا ما يراه مالك وأبو حنيفة والشافعى وبعض الفقهاء فى مذهب أحمد. ولكن البعض الآخر يرى أن يؤخر للحمل فقط وأن لا يؤخر الجلد لمرض أو لحر أو لبرد، ولكنه يقام بسوط يؤمن معه التلف فإن خشى من السوط أقيم بأطراف الثياب وما أشبه مما يتحمله المحدود. وعلى هذا فلا خلاف بين الرأيين لأن كليهما ينظر إلى عدم هلاك المحدود وأن يكون التنفيذ بحيث يحتمله (٢) . ٥٥٤ - التنفيذ على الحامل: من المتفق عليه أن الحد لا يقام على حامل حتى تضع سواء كان الحمل من زنًا أو غيره، والأصل فى ذلك حديث الغامدية فقد روى أن امرأة من بنى غامد جاءت رسول الله ﷺ مقرة بالزنا وهى حامل وقالت إنها حبلى من الزنا، فقال لها: "ارجعى حتى تضعى ما فى بطنك"، فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، فأتى النبى ﷺ فقال: قد وضعت الغامدية، فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، فأتى النبى ﷺ فقال: قد وضعت الغامدية، فقال الرسول ﷺ : "إذن لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه"، فقام رجل من الأنصار فقال: إلىَّ رضاعه يا نبى الله، فرجمها. وقد جرى صحابة الرسول من بعده على هذا، فيروى أن امرأة زنت فى أيام عمر رضى الله عنه فهمَّ عمر برجمها وهى حامل، فقال له معاذ: إن كان لك سبيل عليها فليس لك سبيل على حملها، فقال: عجز النساء أن يلدن مثلك، ولم يرجمها. وروى عن على رضى الله عنه أنه قال مثل هذا. والعلة فى عدم إقامة الحد على الحامل أن فى إقامة الحد عليها فى حال حملها

стр. 1225

اتلافًا لمعصوم وهو الحمل ولا سبيل إليه، وإذا كانت هى غير معصومة من إقامة الحد فإن من القواعد الأساسية أن لا تزر وازرة وزر أخرى، وألا تصيب العقوبة غير الجانى والعقوبة التى تصيب الحامل تتعدى إلى حملها، وسواء كان الحد رجمًا أو جلدًا فإنه لا ينفذ على الحامل حتى تضع حملها لأنه لا يؤمن تلف الولد من سراية الجلد وربما سرى الجلد إلى نفس الأم فيفوت الولد بفواتها. وإذا وضعت الأم حملها فإن كان الحد رجمًا لم ترجم حتى تسقيه اللِّبَأ، ثم إن كان له من يرضعه أو يتكفل برضاعه رجمت وإلا تركت حتى تفطمه (١) . وإذا وضعت الأم حملها وكان الحد جلدًا فيرى مالك وأبو حنيفة والشافعى وبعض الفقهاء فى مذهب أحمد أن لا يقام عليها الحد حتى تشفى من نفاسها وتصبح قوية يؤمن تلفها إن أقيم عليها الحد، ويرى بعض الفقهاء فى مذهب أحمد إقامة الحد فى الحال بسوط يؤمن معه التلف فإن خيف عليها من السوط أقيم بالعثكول - يعنى شمراخ النخل - وأطراف الثياب. وحجة هذا الفريق الآخر أن النبى ﷺ أمر بضرب المريض الذى زنى فقال: "خذوا مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة واحدة". أما حجة القائلين بتأخير الحد ما روى عن على رضى الله عنه أنه قال: إن أمَة لرسول الله ﷺ زنت فأمرنى أن أجلدها فإذا هى حديثة عهد بنفاس فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها, فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "دعها حتى ينقطع عنها الدم ثم أقم عليها الحد" (٢) . وإذا لم يكن الحمل ظاهرًا فلا يؤخر الحد ولو كان من المحتمل أن تكون حملت من الزنا؛ لأن النبى ﷺ رجم اليهودية والجهينية ولم يسأل عن استبرائهما، وقال لأنيس: أذهب إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمهما، ولم يأمره بسؤالها عن استبرائهما، ورجم علىٌ شراحة ولم يستبرئها. وهذا هو رأى أبى حنيفة والشافعى وأحمد، فإذا ادعت المرأة الحمل فيرى أحمد وبعض الشافعية قبول قولها وحبسها حتى يتبين

стр. 1226

أمرها دون حاجة إلى التحقيق من صحة ادعائها لأن الحمل الحديث وما يدل عليه من الدم وغيره يتعذر إقامة البينة عليه فيقبل قولها فيه (١) . ويرى بعض الشافعية وأبو حنيفة أن لا يقبل ادعاء المرأة إلا بعد استطلاع من له خبرة من النساء فيقررن أن ادعاءها صحيح وإلا نفذ عليها الحد (٢) . ويرى مالك أن يؤخر تنفيذ الحد سواء كان جلدًا أو رجمًا على الزانية المتزوجة إذا مكث ماء الزنا ببطنها أربعين يومًا ولو كان الزوج قد استبرأها، وتؤخر أيضًا إذا لم يستبرئها الزوج ولو لم يمض على الزنا أربعون يومًا، وتؤخر المرأة فى الحالين لحيضة؛ أى حتى تحيض مرة واحدة إن أمكن حملها خشية أن يكون بها حمل ويقوم مقام الحيضة. فمن لم تحض بعد مرور ثلاثة أشهر لم تحض فيها بحيث لا يظهر عليها الحمل فإن ظهر عليها الحمل أٌخرت حتى تضع. أما غير المتزوجة فلا يؤخر تنفيذ الحد عليها إن لم تمض على ماء الزنا أربعون يومًا فى بطنها أو مضى عليه هذه المدة ولم يكن فى الإمكان حملها، فإن كان الحمل ممكنًا أُخر تنفيذ الحد عليها لحيضة، على التفصيل السابق (٣) . الواجب هو الجلد فالحكم يختلف باختلاف ما إذا كان المريض يرجى شفاؤه أو لا يرجى شفاؤه. المريض الذى يرجى شفاؤه: إذا كان المريض يرجى شفاؤه فيرى مالك وأبو حنيفة والشافعى وبعض الفقهاء فى مذهب أحمد أن لا يجلد حتى يشفى من مرضه؛ لأن إقامة الحد حال المرض قد يؤدى لتلف المريض، وحجتهم ما روى من حديث على حين كٌلف بجلد أمة لرسول الله ﷺ زنت فوجدها حديثة عهد

стр. 1227

بنفاس فخشى إن جلدها أن يقتلها، فعاد إلى النبى ﷺ فقال له: "يا على أفرغت" قال: أتيتها ودمها يسيل، فقال: "دعها حتى ينقطع عنها الدم ثم أقم عليها الحد" (١) . ويرى بعض الفقهاء فى مذهب أحمد أن الحد يقام ولا يؤخر لأن الحد واجب فلا يؤخر ما أوجبه الله بغير حجة، ويحتج هذا الفريق بأن عمر رضى الله عنه أقام الحد على قدامة بن مظعون فى مرضه ولم يؤخره، وأنتشر ذلك فى الصحابة فلم ينكروه فكان إجماعًا (٢) (٦) ، ويعتبر الفقهاء النفاس مرضًا. المريض الذى لا يرجى شفاؤه: يرى أبو حنيفة والشافعى وأحمد أن المريض الذى لا يرجى شفاؤه من مرضه يقام عليه الحد فى الحال ولا يؤخر، ولكنهم يشترطون أن يقام الحد بسوط يؤمن معه التلف كالقضيب الصغير وشمراخ النخل، فإن خيف عليه من ذلك جمع ضغث فيه مائة شمراخ فضرب به ضربة واحدة بمائة شمراخ لأنه زنا، ولأن المريض الميؤوس من شفائه إما أن يترك لمرضه فلا ينفذ عليه الحد أو ينفذ عليه كاملا فيفضى ذلك إلى موته فتعين التوسط فى الأمر وجلده جلدة واحدة بمائة شمراخ، وليس ثمة ما يمنع من أن تقوم الضربة الواحدة بمائة شمراخ مقابل المائة ضربة كما قال الله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلا َ تَحْنَثْ﴾ [النور:٤٤] ، فهذا أولى من ترك أو قتل المريض بما لا يوجب القتل (٣) . ولكن مالكًا لا يأخذ بهذا الرأى ويرى ضرب المريض الذى لا يرجى شفاؤه مائة جلدة، ولا يرى فى ضربه بالعِثْكال إلا جلدة واحدة. * * *

стр. 1228

موانع التنفيذ ٥٥٦ - يمتنع التنفيذ إذا جد ما يسقط الحد بعد الحكم به: ومسقطات الحد هى: أولا: يسقط الحد برجوع المقر عن إقراره إذا كان الزنا ثابتًا بالإقرار سواء كان الإقرار صريحًا أو ضمنيًا، وقد سبق أن فصلنا الكلام على الرجوع ومتى يسقط الحد. ثانيًا: عدول الشهود: ويسقط الحد بعدول الشهود عن شهاداتهم قبل التنفيذ كلهم أو بعضهم ما دام عدد الشهود الباقين على شهادتهم أقل من أربعة. ثالثًا: تكذيب أحد الزانيين للآخر: أو ادعاؤه النكاح إذا كان الزنا ثابتًا بإقرار أحدهما، وهو مذهب أبى حنيفة، أما الأئمة الثلاثة فيرون أن التكذيب لا يسقط الحد وأن ادعاء النكاح لا يسقطه إلا إذا أقام الدليل على وجود النكاح. رابعًا: بطلان أهلية شهادة الشهود قبل التنفيذ وبعد الحكم، وهو مذهب أبى حنيفة ولا يوافقه عليه الأئمة الثلاثة. خامسًا: موت الشهود قبل الرجم خاصة، وهو مذهب أبى حنيفة أيضًا ولا يأخذ به الأئمة الثلاثة. سادسًا: زواج الزانى من المزنى بها، والقائل بهذا هو أبو يوسف من أصحاب أبى حنيفة، وحجته أن النكاح يورث شبهة تدرأ الحد لأنه يعطى الزوج حق الملك والاستمتاع، ولكن فقهاء المذهب لا يوافقونه على هذا الرأى لأن الفعل وقع زنًا وكان سابقًا على الزواج (١) . * * *

стр. 1229

الكتاب الثانى القذف تمهيد: ٥٥٧ - تعريف القذف: القذف فى الشريعة الإسلامية نوعان: قذف يحد عليه القاذف، وقذف يعاقب عليه بالتعزير. فأما ما يحد فيه القاذف فهو رمى المحصن بالزنا أو نفى نسبه، وأما ما فيه التعزير فهو الرمى بغير الزنا ونفى النسب سواء كان من رمى محصنًا أو غير محصن، ويلحق بهذا النوع السب والشتم ففيهما التعزير أيضًا. والكلام هنا مقصود به جريمة القذف المعاقب عليها بالحد وأن الكلام على هذا النوع من القذف يشمل القذف والسب الذى يجب فيه التعزير. وقد سكت الفقهاء عن بيان الفروق بين القذف بنوعيه وبين السب والشتم، ولكن الظاهر من تتبع أقوالهم وأمثلتهم فى أبواب الزنا والقذف والتعزير أنهم يعتبرون القول قذفًا كلما ً رمى القاذف المجنى عليه بواقعة تحتمل التصديق والتكذيب ويمكن إثباتها بطبيعتها كالرمى بالزنا والرشوة، ويعتبرون القول سبًا إذا كان مارمى به المجنى عليه ظاهر الكذب ولا يقبل الإثبات بداهة؛ كمن قال لآخر: يا كلب يا حمار، أو قال لبصير: يا أعمى، فرمى الإنسان بأنه كلب أو حمار ورمى البصير بأنه أعمى هو قول ظاهر الكذب ولا يقبل بداهة إثبات صحته. ٥٥٨ - قاعدة الشريعة فى إثبات القذف والسب: القاعدة فى الشريعة أن من رمى إنسانًا بواقعة أو صفة محرمة ما، وجب عليه أن يثبت صحة ما رماه

стр. 1230

به، فإن عجز عن إثباته أو امتنع وجبت عليه العقوبة، أما من سب إنسانًا أو شتمه فعليه العقوبة وليس له الحق فى إثبات صحة ما قال؛ لأن ما قاله ظاهر الكذب ولا يمكن إثباته بطبيعة الحال، أما من رمى شخصًا بما ليس معصية فلا يعفيه صحة القذف من العقاب لأنه بالرغم من صحة قوله قد آذى المقذوف والإيذاء محرم فى الشريعة، ولأن ما قذف به لا تحرمه الشريعة ولا تؤاخذ عليه فلا يصح أن يعزز به. ٥٥٩ - بين الشريعة والقانون: يختلف قانون العقوبات المصرى عن الشريعة من هذه الوجهة كل الاختلاف، فالقاعدة فيه أن ليس لمن قذف إنسانًا بشىء أن يثبت صحة ما قذفه به وعليه العقوبة ولو كان الظاهر أن ما قاله صدق لا شك فيه، والأساس الذى يقوم عليه القانون المصرى هو حماية حياة الأفراد الخاصة وهو نفس الأساس الذى تقوم عليه القوانين الأوروبية؛ لأن مصدرها جميعًا واحد هو القانون الرومانى، فالقانون الوضعى يقوم فى جرائم القول على قاعدة النفاق والرياء ويعاقب الصادق والكاذب على السواء، والمبدأ الأساسى فى هذا القانون أنه لا يجوز أن يقذف امرؤ آخر أو يسبه أو يعيبه فإن فعل عوقب سواء كان صادقًاَ فيما قال أو مختلقًا لما قال. وإذا كان هذا المبدأ يحمى البرآء من ألسنة الكاذبين الملفقين فإنه يحمى الملوثين والمجرمين والفاسقين من ألسنة الصادقين، وإذا كان هذا المبدأ قد عنى بحماية حياة الأفراد الخاصة فإنه قد أدى إلى إفساد الأفراد والجماعة على السواء؛ لأن القانون حين يعاقب على الصدق لا يمنع الصادق من قول الحق فقط وإنما يدفعه إلى الكذب ويشجعه على النفاق والرياء، كما أن القانون لا يصلح الفرد المعوج السيرة بحمايته وإنما يشجعه بهذه الحماية على الإمعان فى الفساد بل إنه ليغرى كثيرًا من الصالحين بسلوك طريق الفساد ما دام أنهم قد أمنوا من التشنيع والانتقاد، وهكذا تفسد الجماعة وتهدر الأخلاق الفاضلة لأن القانون يحمى من لا يستحق الحماية على الإطلاق.
следующие страницы →