← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9842

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي

عبد القادر عودة

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

الحنفيين لا يرون القصاص, لأن صدق الشهود محتمل فيكون ذلك شبهة (١) . وإن عدا شخص على السارق فقطع يسراه بعد السرقة عمدًا أو خطأ فعليه القصاص فى العمد والدية فى الخطأ, ولكن قطع اليمن يسقط عن السارق عند أبى حنيفة وأحمد والشيعة الزيدية, لأنه لو قطع لأدى قطعه إلى تفويت منفعة الجنس, ولكن مالكًا والشافعى لا يسقطان قطع اليمين عن السارق. لأنهما يجيزان قطع اليدين والرجلين, بينما لا يجيز أبو حنيفة وأحمد إلا قطع يد ورجل فقط (٢) . وإذا قطع الإمام أو الجلاد اليسرى بدلاً من اليمنى خطأ أجزأت, وليس على القاطع ضمان فى رأى البعض, وعليه الضمان فى رأى البعض الآخر, أما إذا قطعها عمدًا وهو عالم أن السنة قطع اليمين فعلى القاطع القصاص, ولا يسقط القطع عن السارق فنقطع يده اليمنى عند مالك والشافعي, وعليه التعزير عند أبى حنيفة والضمان. وكذلك يرى بعض الحنابلة, ولكن البعض الآخر يرى القصاص. ولكن الحنفيين عمومًا والحنابلة يرون أن قطع اليسار يمنع من قطع اليمين ويجزئ عنه؛ لأن قطع اليمين يفضى إلى تفويت منفعة الجنس, كما يؤدى إلى قطع اليدين فى سرقة واحدة. ويرى أبو حنيفة ألا ضمان على القاطع فى هذه الحالة؛ لأن القاطع أتلف وأخلف خيرًا مما اتلف. أى أنه إذا كان فعل القاطع أدى إلى إتلاف اليسرى فقد أدى إلى لإبقاء اليمنى وهى خير من اليسرى (٣) .

стр. 1402

٦٢٤- موضع القطع: موضع القطع من اليد هو مفصل الزند عند الأئمة الأربعة والظاهريين والشيعة الزيدية, وعند الشيعة الإمامية القطع من أصول الأصابع, فلا تقطع الكف, ويرى الخوارج القطع من المنكب. وموضع قطع الرجل من مفصل الكعب, ولكن الشيعة الإمامية يرون القطع من مقعد الشراك ليبقى للسارق عقب يمشى عليه. وحجة الخوارج أن اليد تطلق على الذراع كله, وحجة الشيعة الإمامية أن عليًا قطع أصابع اليد دون الكف, وقطع القدم دون الكعب. وحجة القائلين القطع من مفصل الزند ومفصل الكعب: أن أقل ما يطلق على اليد هو الكف والأصابع, وأن العمل جرى من عهد الرسول على القطع من هذين المفصلين (١) . ٦٢٥- التداخل: إذا سرق السارق مرات قبل القطع أجزأ قطع واحد عن جميع السرقات وتداخلت الحدود جميعًا؛ لأن السرقة حد من حدود الله تعالي, فإذا اجتمعت أسبابه تداخل كحد الزنا. والقاعدة: أن ما تعلق بحق الله تداخل, وما تعلق به حق لآدمى لم يتداخل (٢) . ويرى مالك أن التداخل يكون فى حالتين: الأولى: إذا اتحد الموجب؛ أى اتفق قدر ما توجبه كل جريمة كالقذف والشرب, فعقوبة كل منهما ثمانون جلدة, وكالسرقة وقطع اليد اليمنى فالأولى عقوبتها القطع والثانية القصاص. فإذا أقيمت إحدى العقوبتين أو العقوبات التى تتحد فى الموجب سقطت العقوبات الأخرى ولو لم يقصد عند إقامة العقوبة التى أقيمت أن تجزئ عن غيرها, أو لم يكن يعلم أن هناك حدودًا أخرى واجبة على المحدود.

стр. 1403

الثانية: إذا تكررت موجبات الجريمة الواحدة كالسرقة مرارًا قبل الحد أو الشرب مرارًا قبل الحد. ويرى بعض الحنابلة أنه لو سرق جماعة وجاءوا متفرقين فإن الحدود لا تتداخل. ولعله يقيس ذلك على حد القذف, ولكن الصحيح أنها تتداخل؛ لأن القطع خالص حق الله تعالى وإن توقف على مخاصمة المالك, أما حد القذف فحق لآدمى ويتوقف على المطالبة باستيفائه ويسقطه العفو عنه (١) . ٦٢٦- من الذى يقيم الحد؟: يقيمه الإمام أو من ولاَّه من الحكام. ٦٢٧- تعليق اليد بعد قطعها: يرى الشافعى وأحمد أن تعليق اليد المقطوعة وقتًا ما فى عنق السارق للزجر والتنكيل, أخذًا بما رواه الترمذى من أن النبى ﷺ أتى بسارق فقطعت يده ثم أمر فعلقن فى عنقه (٢) . ولم يحدد الحنابلة الوقت وحدده الشافعية بساعة, ويرى الشيعة الزيدية التعليق على أن يكون ثلاثة أيام (٣) , ولا يذكر المالكية والحنفية شيئًا عن تعليق اليد. ٦٢٨- مسقطات القطع: إذا وجب القطع على السارق فلا مفر من تنفيذ العقوبة, إلا إذا سقطت بسبب ما, والأسباب المسقطة للقطع مختلف عليها بين الفقهاء, فما يراه البعض مسقطًا للعقوبة لا يراه البعض كذلك. وسنبين فيما يلى أسباب السقوط المختلف عليها والمتفق عليها: ١- تكذيب المسروق منه السارق فى إقراره بالسرقة أو تكذيبه الشهود فيما شهدوا به من سرقة: فهذا التكذيب يبطل الإقرار والشهادة, ويترتب على بطلانهما سقوط القطع, وهذا هو مذهب أبى حنيفة, ويستوى أن يكون التكذيب مبتدأ أو بعد المخاصمة والادعاء بالسرقة, ولكن مالكًا- وهو لا يعتبر المخاصمة- لا يرى فى تكذيب المجنى عليه لإقرار الجانى أو الشهود ما يسقط

стр. 1404

القطع ما دام الثابت أن التكذيب قصد به مساعدة الجاني, ولا يتفق مع الحقيقة, والأمر كذلك عند الشافعى وأحمد إذا كان التكذيب بعد المخاصمة والادعاء بالسرقة, أما إذا كان التكذيب مبتدأ فلا يجب القطع؛ لأنه لا يجب إلا المخاصمة, والتكذيب المبتدأ يمنع من المخاصمة. ومذهب الظاهريين يتفق مع مذهب مالك فى هذه النقطة. أما مذهب الشيعة الزيدية فهو كمذهب أبى حنيفة؛ لأنهم لا يسقطون القطع بعفو المجنى عليه, فسواء كان التكذيب صحيحاُ أو مقصودًا به مساعدة الجانى فهو مسقط للحد عندهم (١) . ٢- العفو عن السارق: على أن يكون من جميع المجنى عليهم, فإن كان من بعضهم دون البعض فلا يسقط القطع. وهذا رأى الشيعة الزيدية ولا تأخذ به المذاهب الأخرى المقارنة (٢) . ٣ - رجوع السارق عن إقراره صراحة أو ضمنًا إذا لم يكن دليل إلا الإقرار: فإذا كان دليل آخر فهو على ما بينا عند الكلام على الإقرار. وهذا متفق عليه إلا من الظاهريين وبعض الشافعية, فإنهم لا يرون الرجوع عن الإقرار مسقطًا للقطع. وإذا اشترك فى السرقة شخصان فأقرا بالسرقة وعدل أحدهما عن إقراره دون الآخر سقط القطع عمن عدل دون غيره؛ عند مالك والشافعى وأحمد, وعند أبى حنيفة يدرأ القطع عن الآخر؛ لأن السرقة واحدة وشركتهما ثابتة ورجوع أحدهما يورث شبهة فى حق الشريك الآخر, وإذا اعترف أحدهما بالسرقة وأنكر الآخر ولم يكن عليه دليل فالقطع على المقر وحده عند الجميع. إلا أن أبا يوسف من فقهاء المذهب الحنفى يرى ألا يقطع المقر, لأنه أقر بسرقة واحدة بينهما على الشركة, فإذا لم تثبت فى حق شريكه بإنكاره

стр. 1405

يؤثر ذلك فى حق صاحبه ضرورة اتحاد السرقة. وأصحاب الرأى المضاد يرون أن إقراره بالشركة فى السرقة إقرار بوجود السرقة من كل واحد منهما, إلا أنه لما أنكر صاحبه السرقة لم يثبت فعل السرقة بالنسبة له, وعدم الفعل منه لا يؤثر فى وجود الفعل من صاحبه, فيبقى إقراره على نفسه بالسرقة قائمًا فيؤخذ به (١) . ٤- رد المسروق قبل المرافعة: يرون فى مذهب أبى حنيفة أن رد السارق للمسروق قبل المرافعة يسقط القطع أما بعد المرافعة فلا يسقطه؛ لأن الخصومة شرط لظهور السرقة الموجبة للقطع, فإذا رد السارق المسروق قبل المرافعة بطلت الخصومة, بخلاف ما بعد المرافعة؛ لأن الشرط وجود الخصومة لا بقاؤها. وهناك رواية عن أبى يوسف بأن الرد قبل المرافعة لا يسقط القطع؛ لأن السرقة حين وجودها انعقدت موجبة للقطع, فرد المسروق بعد ذلك لا يخل بالسرقة الموجودة ولا يسقط القطع الواجب كما لو رده بعد المرافعة. وعند الشيعة الزيدية أن رد المسروق إلى الحرز بعد إخراجه يجب فيه القطع. وعند مالك والشافعى وأحمد أن الرد لا يمنع من القطع, لأن مالكًا لا يعتبر المخاصمة, ولأن المخاصمة كما يراها الشافعى وأحمد شرط للحكم لا شرط للقطع, فإذا خاصم المجنى عليه وجب القطع, ولو رد الجانى المسروق, ولو كان الرد قبل المرافعة (٢) . ٥- تملك السارق للمسروق قبل القضاء: يرى الحنفيون أن السارق إذا تملك المسروق قبل القضاء سقط القطع, فإذا تملكه بعد الحكم وقبل التنفيذ سقط القطع أيضًا عند أبى حنيفة ومحمد, ولا يسقط عند أبى يوسف, ويرى الشيعة الزيدية أن المسقط للقطع هو التملك قبل الشكوى, وعند الشافعى وأحمد الحكم

стр. 1406

كذلك, لأن من شرط الحكم بالقطع المطالبة بالمسروق, فإذا تملكه السارق قبل الشكوى امتنعت المطالبة, أما إذا كان التملك بعد الشكوى فلا يسقط القطع؛ لأن المطالبة وجدت فعلاً, أما عند مالك فالعبرة بتملك المسروق وقت السرقة, فإذا كان لا يملكه وقت السرقة قطع به, لأن مالكًا لا يشترط المطالبة ويرى القطع, ولو رد الشيء المسروق قبل الشكوى, ولو كانت الشكوى من أجنبي (١) . ٦- ادعاء ملكية المسروق: إذا ادعى الجانى ملكية الشيء المسروق, فيرى البعض أن الادعاء يسقط القطع, وقد تكلمنا عن ذلك فيما سبق فليراجع. الشفاعة فى السرقة: لا يرى الفقهاء بأسًا بالشفاعة فى السارق ما لم يبلغ الحادث الإمام, فإنه روى عن النبى ﷺ أنه قال: "تعافوا الحدود فيما بينكم, فما بلغنى من حد فقد وجب". ومما يروى عن الزبير بن العوام أنه قال فى الشفاعة فى الحد: "يفعل ذلك دون السلطان, فإذا بلغ الإمام فلا أعفاه الله إن أعفاه", وقال مالك: إن السارق إذا لم يكن يعرف بشرِّ فلا بأس أن يشفع له ما لم يبلغ الإمام. وأما من عرف بشر وفساد فلا ينبغى أن يشفع له أحد, ولكن يترك حتى يقام الحد عليه. واجمعوا على أنه إذا بلغ الإمام لم تجز الشفاعة فيه؛ لأن ذلك إسقاط لحق وجب لله تعالى. وقد غضب النبى ﷺ حين شفع أسامة بن زيد فى المخزومية التى سرقت وقال: "تشفع فى حد من حدود الله؟ ", وقال ابن عمر: من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله فى حكمه (٢) . ما يترتب على سقوط الحد: إذا سقط الحد بعد ثبوت السرقة ترتب على

стр. 1407

ذلك نتيجتان: أولهما: دخول المسروق فى ضمان السارق عند من لا يجمعون بين القطع والضمان حتى ولو كان قد هلك فى يده أو استهلكه بنفسه, وسواء كان موسرًا أو معسرًا؛ لأن المانع من الضمان عندهم هو القطع وقد سقط, وإذا حلت عقوبة التعزير محل القطع فإنها لا تمنع الضمان. ثانيهما: وجوب رد عين المسروق إن كان قائمًا, فإن لم يكن قائمًا كإهلاك أو استهلاك فعلى السارق قيمته. وهاتان النتيجتان يترتب كلتاهما فى الحالات التى يجب فيها الضمان والرد, أما إذا لم يكن الضمان والرد واجبًا فلا وجود لهاتين النتيجتين. فمثلاً إذا كان السارق قد رد المسروق قبل التبليغ فلا ضمان ولا رد ما لم يكن رده ناقصًا. وإذا كان قد تملكه بعد السرقة فلا ضمان ولا رد (١) . * * * الشروع فى السرقة ٦٢٩- للتفريق بين السرقة التامة والشروع فيها أهمية كبرى فى الشريعة الإسلامية؛ لأن القطع لا يكون إلا فى السرقة التامة, أما الشروع فلا قطع فيه بأى حال, وعقوبته دائمًا التعزير. وتتم السرقة عند الظاهريين بمجرد استيلاء الجانى على الشيء استيلاء ماديًا؛ أى بمجرد وضع يده عليه وضعًا ماديًا ولو لم يخرجه من الحرز أو ينقله من مكانه, أما عند عامة الفقهاء فتتم السرقة بإخراج الشيء المسروق من حرزه بحيث يدخل فى حيازة الجانى ويخرج من حيازة المجنى عليه. والحرز كما عرفناه نوعان: حرز بطبيعته وحرز بالحفظ. فيجب لتمام السرقة من حرز بطبيعته أن يخرج السارق بالمسروق من الحرز. فإن سرق من مسكن فلا تتم السرقة إلا بإخراج المسروق من المسكن. أما إخراج المسروق إلى ساحة الدار فلا يعتبر سرقة تامة إلا إذا كانت الغرفة المسروقة

стр. 1408

تكون وحدها حرزًا مستقلاً, وكانت الساحة مشتركة لها وللغرف الأخرى. أما السرقة من حرز بالحافظ فتعتبر تامة بمجرد انفصال السارق عن البقعة التى فيها الشيء المسروق, لأنه بذلك ينفصل عن الحرز. فمن سرق من نائم فى السجد ثوبًا يتوسده يعتبر فعله سرقة تامة بمجرد إخراج الثوب من تحت النائم, ومن أخذ ثوبًا لجالس فى المسجد من جواره يعتبر فعله سرقة تامة بمجرد انفصاله عن مكان الثوب ولو لم يخرج من المسجد, ومن نشل من إنسان نقودًا يعتبر مرتكبًا لسرقة تامة بمجرد انفصال النقود عن ملابس المجنى عليه ولو ظل واقفًا بجوار المجنى عليه. ورأى جمهرة فقهاء الشريعة فى السرقة التامة يتفق إلى حد كبير مع الرأى الذى عليه جمهرة شراح القوانين الوضعية, والذى تأخذ به أكثر القوانين هو أن السرقة لا تتم إلا بالاستيلاء على الشيء المسروق استيلاءً تامًا يخرجه من حيازة صاحبه ويجعله فى قبضة السارق, فإن وقعت السرقة فى منزل مثلاً يعتبر سرقة تامة بمجرد رفع الشيء من مكانه أو الخروج به من الغرفة التى أودع فيها بل يجب أن يخرجه السارق من المنزل جميعه. على أنه قد تتم السرقة فى بعض الحالات بغير أن يخرج السارق بالشيء المسروق من المنزل, كما لو سرق خادم أو ضيف مثلاً متاعًا لصاحب المنزل ووضعه فى غرفته أو حقيبته, فإنه يعد مرتكبًا للسرقة التامة رغم استمرار بقائه فى المنزل. وأساس الخلاف بين الشريعة والقوانين فى هذه الحالة هو أن الشريعة تشترط إخراج المسروق من الحرز فوق إخراجه من حيازة المجنى عليه, والقوانين لا تشترط هذا الشرط. على أن هذا الخلاف قاصر على السرقات التى يجب فيها القطع, أما السرقات التى يعاقب فيها بالتعزير فلا يشترط فيها الإخراج من الحرز, وإنما يشترط فيها أن يكون الأخذ يخرج الشيء من حيازة المجنى عليه ويدخل فى حيازة الجانى. وفى هذه السرقات تتفق الشريعة مع القوانين فى تحديد السرقة التامة. ورأى الظاهريين يتفق مع رأى يعض شراح القوانين الوضعية وهم الذين

стр. 1409

يرون أن السرقة تتم برفع الشيء من مكانه, وبهذا الرأى يأخذ القانون الإيطالى. وقد أخذت المحاكم الفرنسية بما يراه أبو عبيدة الزبيرى , فحكمت باعتبار المتهم شارعًا فى السرقة بمجرد دق جرس الشقة للتأكد من خلوها من ساكنيها قبل أن يستعمل الآلات التى حملها معه, وحكمت بأن مجرد الترصد أمام المنزل يعتبر شروعًا فى السرقة (١) . واتجاه الشريعة فى العقاب على الجرائم المشروع فيها يتفق مع ما يذهب إليه أصحاب المذهب الشخصى من شراح القوانين الوضعية. ولكن نظرية الشريعة تتسع لأكثر مما يتسع له المذهب الشخصي, لأن الشريعة تعاقب على كل ما يأتى الجانى إذا تكون مما أتاه معصية, سواء كان ما فعله الجانى مؤديًا حتمًا إلى الركن المادى للجريمة المقصودة أو غير مؤد إليه, كما بسطنا ذلك فى الجزء الأول من كتاب التشريع الجنائى الإسلامى. ٦٣٠- الشروع فى السرقة: لم يهتم فقهاء الشريعة بوضع نظرية خاصة للشروع فى الجرائم عامة وفى السرقة بوجه خاص, ولم يعرفوا لفظ الشروع بمعناه الفنى كما نعرفه اليوم, ولكنهم اهتموا فقط بالتفرقة بين الجرائم التامة والجرائم غير التامة, وعلة ذلك أن قواعد العقاب على التعازير تمنع من وضع قواعد خاصة للعقاب على الشروع فى الجرائم؛ لأن قواعد التعازير كافية لحكم جرائم الشروع. فالقاعدة فى الشريعة أن التعزير يكون فى كل معصية ليس فيها حد مقدر ولا كفارة. أى أن كل فعل تعتبره الشريعة معصية هو جريمة يعاقب عليها بالتعزير ما لم يكن معاقبًا عليها بحد ولا كفارة. ولما كان الحد والكفارة لا يعاقب بهما إلا على جرائم معينة أتمها الجانى فعلاً, فإن كل شروع فى فعل محرم لا يعاقب عليه إلا بالتعزير, ويعتبر كل شروع معاقب عليه معصية فى حد ذاته؛ أى جريمة تامة, ولو أن جزء من الأعمال المكونة لجريمة لم تتم ما دام الجزء الذى تم محرمًا لذاته ولا

стр. 1410

استحالة فى أن يكون فعل ما جريمة معينة إذا كان وحده, وأن يكون مع غيره جريمة من نوع آخر. فالسارق إذا ما نقب البيت ثم ضبط قبل أن يدخله يكون مرتكبًا لمعصية تستوجب العقاب, وهذه المعصية تعتبر فى حد ذاتها جريمة تامة ولو أنها بدء فى تنفيذ جريمة السرقة, وعندما يتسلق السارق المنزل يريد أن يسرق منه يرتكب معصية, وإذا أذن له بدخول البيت فجمع متاعه ليسرقه فضبط قبل الخروج به فهو مرتكب لمعصية, وهكذا كلما أتى السارق فعلاً تحرمه الشريعة فهو مرتكب معصية أى جريمة تامة تستوجب العقاب إذا نظرنا إليها على حدة, ولو أن هذه المعصية تعتبر جزءًا من جريمة أخرى إذا نظرنا إلى جريمة السرقة التى لم تتم, فإذا أتم الجانى سلسلة الأفعال المكونة لجريمة السرقة وخرج بالمسروقات من الحرز فإن كل الأفعال التى أتاها تكون مجتمعة جريمة معينة هى السرقة, وبتمام جريمة السرقة تجب عقوبة الحد, وهى العقوبة المقررة للسرقة التامة, ويمتنع التعزير على ما دون التمام لأن كل الأفعال اندمجت وتكونت منها جريمة السرقة (١) . ٦٣١- متى يعتبر الفعل شروعًا فى الجريمة: يعتبر الفعل جريمة كلما كان معصية؛ أى اعتداء على حق الجماعة أو حق الفرد, وليس من الضرورى أن يكون الفعل بدءًا فى تنفيذ ركن الجريمة المادى بل يكفى أن يكون الفعل معصية, وأن يكون مقصودًا به تنفيذ الركن المادي, ولو كان لا يزال بين الفعل وبين الركن المادى أكثر من خطوة, فمثلاً فى السرقة يعتبر النقب والتسلق وكسر الباب وفتحه بمفتاح مصطنع؛ كل ذلك يعتبر معصية تستحق التعزير, وبالتالى شروعًا فى السرقة, ولو أن بين كل منهما وبين الفعل المادى المكون لجريمة السرقة خطوات هى دخول محل السرقة والاستيلاء على المسروقات وإخراجها من الحرز. وكذلك يعزر الجانى باعتباره مرتكبًا لمعصية أو شارعًا فى السرقة إذا تعرض للنقب أو فتح الباب أو حاول التسلق ولو لم يتم ما تعرض له أو حاول فعله.

стр. 1411

ويرى أبو عبد الله الزبيرى تعزير الجانى باعتباره مرتكبًا المعصية أو شارعًا فى السرقة إذا وجد بجوار المنزل المراد سرقته ومعه مِبْرَد ليستعمله فى فتح الباب أو مِثْقَب لينقب به الحائط, ولو أنه لم يبدأ فى فتح الباب أو نقب الحائط إذا ثبت أنه جاء بقصد السرقة, ويرى تعزير الجانى إذا وجد مترصدًا بجوار محل السرقة يترصد غفوة الحارس ليسرق المتاع الذى يحرسه. فمقياس الفعل المعاقب عليه فى الشروع هو أن يكون ما أتاه المتهم مكونًا لمعصية كالنقب, ويستعان على معرفة ما إذا كان الفعل معصية أو غير معصية بنية الجانى وقصده من الفعل؛ لأن ثبوت هذه النية يزيل كل شك ويساعد على تحديد نوع المعصية. وقد جعل أبو عبد الله الزبيرى فى الأمثلة التى ذكرناها سابقًا شأنًا كبيرًا للنية, فالترصد بجوار محل السرقة قد يكون للسرقة أو لعمل آخر مباح, ولكن نية الجانى وحدها هى التى أزالت الشك عن الفعل وعينت المعصية, ووجود الجانى بجوار محل السرقة ومعه مبرد أو مثقب يحتمل أن يكون الجانى قاصدًا سرقة هذا المحل أو غيره, ويحتمل أن يكون أراد السرقة أو أراد عملاً آخر غير محرم, ولكن نية الجانى هى التى أخرجت الفعل من حيز الاحتمال إلى حيز اليقين وعينت المعصية (١) . * * *

стр. 1412

الكتاب الخامس الحرابة ٦٣٢- الحرابة: هى قطع الطريق أو هى السرقة الكبرى, وإطلاق السرقة على قطع الطريق مجاز لا حقيقة؛ لأن السرقة هى أخذ المال خفية وفى قطع الطريق بأخذ المال مجاهرة, ولكن فى قطع الطريق ضرب من الخفية هو اختفاء القاطع عن الإمام ومَنْ أقامه لحفظ الأمن, ولذا لا تطلق السرقة على قطع الطريق إلا بقيود فيقال السرقة الكبرى, ولو قيل السرقة فقط لم يفهم منها قطع الطريق, ولزوم التقييد من علامات المجاز (١) . ٦٣٣- مقارنة بين السرقة والحرابة: وجريمة الحرابة وإن سميت بالسرقة الكبرى إلا أنها لا تتفق تمام الاتفاق مع السرقة, فالسرقة أخذ المال خفية والحرابة هى الخروج لأخذ المال على سبيل المغالبة, فركن السرقة الأساسى هو أخذ المال فعلاً وركن الحرابة هو الخروج لأخذ المال سواء أخذ المال أم لم يؤخذ, والسارق يعتبر سارقًا إذا أخذ المال خفية, أما المحارب فيعتبر محاربًا فى حالات: الأولى: إذا خرج لأخذ المال على سبيل المغالبة فأخاف السبيل ولم يأخذ مالاً ولم يقتل أحد. الثانية: إذا خرج لأخذ المال على سبيل المغالبة فأخذ المال ولم يقتل أحدًا. الثالثة: إذا خرج لأخذ المال على سبيل المغالبة فقتل ولم يأخذ مالاً. الرابعة: إذا خرج لأخذ المال على سبيل المغالبة فأخذ المال وقتل. ففى هذه الحالات الأربع يعتبر الشخص محاربًا ما دام قد خرج

стр. 1413

بقصد أخذ المال على سبيل المغالبة, أما إذا خرج بقصد أخذ المال على سبيل المغالبة فلم يخف سبيلاً ولم يأخذ مالاً ولم يقتل أحدًا فهو ليس محاربًا, فالخروج بقصد أخذ المال إذا لم يؤد لحالة من الحالات ليس حرابة ولكنه ليس مباحًا بل هو معصية يعاقب عليها بالتعزير, والخروج بغير قصد المال لا يعتبر حرابة ولو أدى إلى جرح وقتل, والخروج لأخذ المال على غير سبيل المغالبة ليس حرابة وإنما هو اختلاس. والحرابة تعرف عند أبى حنيفة وأحمد والشيعة الزيدية بأنها الخروج لأخذ المال على سبيل المغالبة إذا أدى هذا الخروج إلى إخافة السبيل أو أخذ المال أو قتل إنسان, ويعرفها البعض بأنها إخافة السبيل لأخذ المال (١) . والأصل فى الحرابة قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ... ﴾ الخ [المائدة:٣٣] , وقد اختلف فى المحاربين المقصودين بهذه الآية, فقال البعض: إنها نزلت فى قوم مشركين كان بينهم وبين النبى ميثاق فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا فى الأرض, وقال البعض: إنها نزلت فى قوم من أهل الكتاب, وقال البعض: إنها نزلت فى قوم أسلموا ثم ارتدوا واستاقوا إبلاً لرسول الله ﷺ وقتلوا راعيها. والرأى الذى عليه جمهور الفقهاء أن المحارب هو المسلم أو الذمى الذى يقطع الطريق أو يخرج أخذ المال على سبيل المغالبة (٢) , على أن الظاهرية يرون أن الذمى الذى يقطع الطريق ليس محاربًا ولكنه ناقض للذمة (٣) , ومن هذا الرأى بعض الفقهاء فى مذهب أحمد (٤) , أما بقية المذاهب المقارنة فيسوى بين المسلم والذمى وترى كليهما محاربًا إذا قطع الطريق. وفى مذهب مالك أن الحرابة هى إخافة السبيل سواء قصد المال أو لم يقصد, فمن

стр. 1414

خرج لقطع السبيل لغير مال فهو محارب كقوله: لا أدع هؤلاء يخرجون للشام أو غيرها, فمن قطع الطريق أخاف الناس فهو محارب, ومن حمل عليهم سلاحًا بغير عداوة ولا ثائرة فهو محارب. والمسلم به عند مالك أن كل ما يقصد به أخذ المال على وجه يتعذر معه الغوث فهو حرابة. وتعرف الحرابة عند الشافعيين بأنها هى البروز لأخذ مال أو لقتل أو إرعاب مكابرة اعتمادًا على الشوكة مع البعد عن الغوث (١) . على أنهم يشترطون فى القتل الغير حرابة أن يكون بقصد أخذ المال (٢) أو إخافة السبيل (٣) . ويرى الظاهريون أن المحارب هو المكابر المخيف لأهل الطريق المفسد فى الأرض, فيدخل فى المحاربين قاطع الطريق واللص, ولكنهم يرون أن اللص إذا دخل مستخفيًا ليسرق أو يزنى أو يقتل مثلاً ففعل شيئًا من ذلك مستخفيًا فإنما هو سارق أو زان أو قاتل, عليه ما على الزانى أو السارق أو القاتل, فإن اشتهر أمره بفعل ارتكاب جريمته فهو ليس محاربا ولكنه فاعل منكر وليس عليه إلا التعزير, فإن دافع وكابر بقصد ارتكاب جريمته فهر محارب بلا شك لأنه قد حارب وأخاف السبيل وأفسد فى الأرض (٤) . ومن أشهر على آخر سلاحًا على سبيل إخافة الطريق ولو لم يقصد أخذ المال فهو محارب, وإن كان يقصد العدوان فقط فعليه القصاص إذا جرح شخصًا فإن لم يكن هنالك جرح فعليه التعزير (٥) , ومن يمتنع عن أداء الزكاة عليه التعزير ولا يعتبر محاربًا فإن مانع دونها فهو محارب (٦) , فالمحارب عندهم كل من حارب المار وأخاف السبيل بقتل نفس أو أخذ مال أو لانتهاك فرج (٧) , ويرى بعض الشافعية والمالكية التعرض للبُضع مجاهرة حرابة (٨) .

стр. 1415

ويعتبر مالك من الحرابة أخذ المال مخادعة مع استعمال القوة أو مع عدم استعمالها, فمن يسقى المجنى عليه أو يطعمه مادة مخدرة أو يحقنه بها حتى يغيب عن صوابه ثم يأخذ ماله أو يخدعه حتى يدخله محلاً بعيدًا عن الغوث ثم يسلبه ما معه يعتبر محاربًا. ومن يخدع شخصًا صغيرًا أو كبيرًا على أى الوجهين السابقين ثم يقتله بقصد أخذ ما معه فهو محارب سواء أخذ ما معه أو لم يجد معه ما يؤخذ. ويسمى مالك هذا النوع من القتل قتل الغيلة وهو عنده نوع من الحرابة (١) . ٦٣٤- ممن تحدث الحرابة؟: تحدث الحرابة من جماعة أو فرد فقط قادر على الفعل. ويشترط أبو حنيفة وأحمد أن يكون مع المحارب سلاح أو ما هو فى حكم السلاح كالعصا والحجر والخشبة, ولكن مالكًا والشافعى والظاهرية والشيعة الزيدية لا يشترطون السلاح ويكفى عندهم أن يعتمد المحارب على قوته, بل يكتفى مالك بالمخادعة دون استعمال القوة فى بعض الأحوال وأن يستعمل أعضاءه كاللكز والضرب بجمع الكف (٢) . ويعتبر محاربًا كل من باشر الفعل فيه أو تسبب فيه, فمن باشر أخذ المال أو القتل أو الإخافة فهو محارب, ومن أعان على ذلك بتحريض أو اتفاق أو إعانة فهو محارب, ويعتبر فى حكم المباشر من يحضر المباشرة ولو لم يباشر بنفسه كمن يوكل إليه الحفظ أو الحراسة. ويعتبر معينًا الطليعة والردء الذى يلجأ إليه المحاربون إذا انهزموا أو الذين يمدونهم بالعون إذا احتاجوا إليه, فكل هؤلاء يعتبرون محاربين عند مالك وأبى حنيفة وأحمد والظاهريين, ولكن الشافعى لا يعتبر محاربًا إلا من باشر فعل الحرابة بنفسه, وأما المتسبب فى الفعل والمعين عليه وإن حضر مباشرته ولم يباشره فلا يعتبر محاربًا وإنما هو عاص أتى معصية

стр. 1416

يُعزَّر عليها ويترتب على هذا الفرق أنه لو خرج جماعة فقطعوا الطريق وأخذ بعضهم مالاً وقتل بعضهم أشخاصًا ولم يفعل الباقون شيئًا فكلهم مسئول عن أخذ المال والقتل عند أبى حنيفة وأحمد والظاهريين, أما عند الشافعى فلا يسأل عن القتل إلا القاتل ولا يسأل عن أخذ المال إلا من أخذ المال لأن كل واحد منهم انفرد بسبب حد فاختص بحده, أما الباقون فعليهم التعزير (١) . ويشترط فى المحارب أن يكون مكلفًا ملزمًا وهذا متفق عليه [ولا يخالف فيه إلا الظاهريون فلا يشترطون إلا أن يكون مكلفًا فقط لأنهم يرون أن الذمى إذا قطع الطريق ينقض عهده] . فإذا كان فى القطاع صبى أو مجنون فيرى أبو حنيفة ومحمد أن لا حد عليهما لأنهما ليس من أهل الحد ولا حد على غيرهما ممن باشر الجريمة أو تسبب فيها أو أعان عليها, ويرى أبو يوسف هذا الرأى إذا كان الصبى أو المجنون هو الذى باشر الجريمة وحده فإن كان غيرهما هو المباشر فالحد على العقلاء البالغين دون غيرهم, ويرى مالك والشافعى وأحمد والظاهريون أن الحد يسقط عن الصبى والمجنون فى كل حال دون غيرهما سواء ولى أحدهما قطع الطريق أو وليه غيره (٢) . ويستوى أن يكون المحارب رجلا أو امرأة عند مالك والشافعى وأحمد والظاهريين والشيعه, وظاهر الرواية عند أبى حنيفة أن لا تحد المرأة إذا اشتركت فى الحرابة ولا يحد من معها إذا وليت هى مباشرة الفعل, ولكن أبا يوسف يرى حد الرجال ولو باشرت المرأة القطع دونهم, والرواية الأخرى فى مذهب أبى حنيفة أن النساء والرجال فى قطع الطريق سواء؛ لأن هذا حد يستوى فى وجوبه

стр. 1417

الذكر والأنثى كسائر الحدود, ولأن النص لم يفرق بين ذكر وأنثى (١) . وإذا أخذ المحارب مالاً فيشترط فى المال المأخوذ محاربة ما يشترط فى المال المأخوذ بالسرقة, فيجب أن يكون المال مالاً محرزًا, وأن يكون مالاً متقومًا, وأن يكون مملوكًا للغير, وأن لا يكون لآخذه شبهة فيه, إلى غير ذلك من الشروط التى سبق بيانها عند الكلام عن السرقة. وبالإجمال فإنه يشترط فى أخذ المال حرابة ما يشترط فى أخذه بالسرقة إلا أن الأخذ حرابة يقتضى الأخذ مجاهرة ومغالبة لا خفية, ويجب أن يكون المال المسروق بحيث يصيب كل من المحاربين نصابًا فإذا لم يصب كل منهم نصيبًا فلا حد عليهم باعتبارهم آخذين للمال, وهذا هو مذهب أبى حنيفة والشافعي, على أننا يجب أن نلاحظ أن أبا حنيفة يعتبر المباشر والمتسبب والمعين محاربًا, أما الشافعى فلا يعتبر محاربًا إلا المباشر, كذلك يجب أن لا ننسى الفرق بينهما فى تقدير النصاب, وقد سبق بيانه فى السرقة. أما الشيعة الزيدية وأحمد فيرون الحد على المحارب ما دامت قيمة المسروق كله تبلغ نصابًا واحدًا, ولو تعدد السراق ولو لم يصب أحدهم من المال المسروق نصابًا كاملاً (٢) . أما مالك فلا يشترط النصاب فى الحرابة, ويكفى عنده لوجوب الحد أن يأخذ المحارب مالاً محترمًا سواء بلغ نصاب السرقة أو لم يبلغه, وسواء كان الآخذ واحدًا أو جماعة (٣) , ويرى بعض فقهاء المذهب الشافعى هذا الرأى.

стр. 1418

وإذا كان المحارب مستأمنًا فحكمه حكم السارق, وقد بينا ذلك عند الكلام على السرقة (١) . ٦٣٥- مكان القطع: يشترط أبو حنيفة لعقوبة الحد أن تكون الحرابة فى دار الإسلام, فإن كانت فى دار الحرب فلا يجب الحد؛ لأن المتولى إقامة الحد وهو الإمام ليس له ولاية على دار الحرب وهى محل وقوع الجريمة (٢) , ومن هذا الرأى الشيعة الزيدية (٣) , لكن مالكًا والشافعى وأحمد والظاهريين يوجبون الحد سواء وقعت الحرابة فى دار الإسلام أو دار الحرب ما دام الفعل قد وقع جريمة؛ أى وقع على مسلم أو ذمى من مسلمين أو ذميين, وقد تكلمنا عن هذا بمناسبة الكلام على السرقة, ويشترط الظاهريون أن يكون القطع من المسلمين فقط. ويرى أبو حنيفة أن يكون القطع فى غير مصر أى بعيداُ عن العمران, فإن كان فى مصر فلا حد عنده سواء كان القطع نهارًا أو ليلاً, وسواء كان بسلاح أو غيره, وهو رأى أساسه الاستحسان, ويعلل بأن القطع لا يحصل عادة فى الأمصار وإنما يحصل فى الطريق بين القرى, ولذلك يشترط أن يكون القطع على مسافة سفر من المصر, وإذا كان هذا هو الاستحسان فإن القياس أن الحد يجب سواء كان القطع فى مصر أو غير مصر, وهو رأى أبى يوسف, ويميل إليه فقهاء المذاهب وعليه فتوى, ويروى عن أبى يوسف أنه يفرق بين النهار والليل فيرى الحد فى قطع الطريق فى المصر ليلاً سواء كان القاطعون مسلحين أم يحملون عصيًا, ولا يعتبر الفاعلون قاطعى طريق فى النهار إلا إذا كانوا مسلحين فإن لم يكونوا مسلحين فليسوا بقطاع إذا ارتكبوا جرائمهم فى المصر, وحجته أن الغوث قلما يتحقق فى الليل فيستوى فيه السلاح وغيره (٤) . وأبدى أحمد رأيه فى الحرابة

стр. 1419

فى الصحراء ولكنه توقف إذا كانت فى القرى والأمصار, ولكن أصحابه لا يفرقون بين الحرابة فى الصحراء والمصر ويرون المحارب محاربًا حيثما كان لتناول الآية بعمومها كل محارب, ولأن الحرابة فى المصر أعظم خطرًا وأكثر ضررًا. ويفرق بعض فقهاء المذهب بين ما إذا كان المجنى عليهم يلحقهم الغوث لو صاحوا وبين عدم لحوق الغوث ويعتبرون القطع فى الحالة الثانية (١) . ولا يفرق مالك والشافعى بين الصحراء والمصر فيصح أن يقع الفعل فى الصحراء أو فى المصر, ولكن مالكًا يشترط أن يقع الفعل على وجه يتعذر معه الغوث, فلو منع المجنى عليه من الاستغاثة وكان الغوث ممكنًا لو استغاث فالفعل حرابة, وإذا وضع حول الدار من يمنع وصول الغوث كان الفعل حرابة, وكذلك إذا هدد من يحضر للغوث فامتنع عن الإغاثة خوفاً (٢) . أما الشافعى فيشترط لاعتبار الفعل حرابة أن لا يلحق الغوث. وفقد الغوث قد يكون للبعد عن العمران أو السلطان أو لضعف الموجودين فى محل الحادث أو على مقربة منه أو لضعف السلطان أو لمنع المجنى عليهم من الاستغاثة, فمذهب الشافعى فى هذه الحالة كمذهب مالك (٣) , والشيعة الزيدية لا يرون الحرابة إلا فى غير المصر ولكن بعضهم يرى أنها تكون فى المصر وغير المصر (٤) . أما الظاهريون فيرون أن الحرابة تكون فى المصر والفلاة, سواء وقعت ليلاً أو نهارًا, وسواء كان المحارب مسلحًا أو غير مسلح, وسواء كانت فى قرية صغيرة أو مدينة عظيمة, وسواء كان الغوث ممكنًا أو متعذراً (٥) . ٦٣٦- المقطوع عليه: يشترط فى المقطوع عليه أن يكون معصومًا,

стр. 1420

ويكون كذلك إذا كان مسلمًا أو ذميًا, أما إذا كان حربيًا أو بغيًا فلا عصمة له, وإذا كان حربيًا مستأمنًا فهو معصوم, ولكن هناك خلافًا على توقيع عقوبة الحد فى ارتكاب الجريمة عليه, وقد أن ذكرنا الآراء المختلفة فى شأنه فى السرقة (١) . وللمقطوع عليه أن يقتل القاطع ويدفعه عن نفسه وماله, ويستحب للمجنى عليه أن يناشد المحارب أن يرجع عن جريمته, فإن لم يكن فى الأمر مهلة ففرض على المجنى عليه أن يبادر إلى كل ما يمكنه به الدفاع عن نفسه, ما يغلب على ظنه أنه يندفع به, فإن اندفع بالقول والتهديد لم يكن له أن يضربه, وإن كان يندفع بالضرب لم يكن له أن يقتله, فإن كان لا يندفع إلا بالقتل أو خاف أن يبدأه بالقتل أو لم يعاجله بالدفع فله أن يضربه بما يقتله, والأصل فيما سبق أن المحارب حين يقصد قتل إنسان أو سلب ماله لا يُهدر دمه بهذا القصد فى ذاته وإنما الذى يهدر دم المحارب هو عدم إمكان دفعه إلا بالقتل لأن القتل يصبح من ضروريات الدفع, على أن المحارب يهدر دمه إذا ارتكب من الحرابة ما يوجب حد القتل, فإذا عدا عليه شخص فقتله فلا قصاص عليه وإنما يعزر لافتياته على السلطات العامة (٢) . ٦٣٧- الأدلة على جريمة الحرابة: تثبت جريمة الحرابة بالبينة والإقرار, ويكفى فى حالة البينة شهادة شاهدين, وما قيل عن البينة والإقرار فى السرقة يقال هنا. ويجوز أن يكون الشاهدان من الرفقة الذين قاتلوا المحاربين أو وقعت عليهم الحرابة على أن لا يشهدا لأنفسهما بشيء ويجوز أن يشهد لهما غيرهما, وإذا لم يتوفر نصاب الشهادة فكان شاهد واحد, أو شاهد وامرأة, أو شاهد رؤية وشاهد سماع, وكان الشهود سماعيين أو لم يكن ثمة شهود, وكان المتهم مقرًا ثم عدل عن إقراره - فى هذه الحالات وأمثالها يعاقب المحارب عقوبة تعزيرية لأن التعزير يثبت بما يثبت

стр. 1421

به الأموال, والعبرة عند توقيع العقاب بثبوت الاتهام لدى القاضي, فإذا اقتنع بصحة الأدلة المعروضة عليه قضى على أساسها وإلا فلا (١) . ٦٣٨- عقوبة الحرابة: تختلف عقوبة المحارب عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد والشيعة الزيدية باختلاف الأفعال التى يأتيها فتعتبر حرابة, وهى لا تخرج عما يأتى: (١) إخافة السبيل دون أن يأخذ مالاً أو يقتل نفسًا. (٢) أخذ المال لا غير. (٣) القتل لا غير. (٤) أخذ المال والقتل معًا. فلكل فعل من هذه الأفعال عقوبة خاصة عند هؤلاء الفقهاء. أما مالك فيرى أن الإمام بالخيار فى اختيار عقوبة المحارب من بين العقوبات التى وردت فى النص ما لم يمن قتل فعقابه القتل أو القتل والصلب والخيار للإمام بين هاتين العقوبتين دون غيرهما, بينما يرى الظاهريون أن الإمام بالخيار فى كل الأحوال أيًا كانت الجريمة وسواء قتل المحارب أم لم يقتل. والأصل فى هذا الخلاف بين الفقهاء اختلافهم على تفسير حرف "أو" الوارد فى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣] , فمن رأى أن جرف "أو" جاء للبيان والتفصيل قال: إن العقوبات جاءت مترتبة على قدر الجريمة وجعل لكل جريمة بعينها عقوبة بعينها, ومن رأى أن حرف "أو" جاء للتخيير ترك للإمام أن يوقع أى عقوبة على أية جريمة بحسب ما يراه ملائمًا, إلا أن مالكًا قيد التخيير فى حالة القتل فجعل الخيار بين القتل والصلب فقط, وحجته أن القتل أصلاً عقوبته القتل فلا يعاقب عليه بالقطع ولا بالنفي, كذلك قيد التخيير فى حالة أخذ المال دون قتل وجعل للإمام الخيار إلا فى عقوبة النفى. أما الظاهريون فيرون الخيار المطلق.

стр. 1422

وبعد هذا البيان نستطيع أن نبين عقوبة كل فعل بحسب الآراء المختلفة: ٦٣٩- إخافة السبيل لا غير: إذا أخاف المحارب السبيل لا غير ولم يقتل ولم يأخذ مالاً فجزاؤه عند أبى حنيفة وأحمد النفي؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ﴾ , وجزاؤه عند الشافعى والشيعة الزيدية التعزير أو النفي, وقد سووا بين التعزير والنفى لاعتبارهم النفى تعزيرًا حيث لم يحدد نوعه ومدته, على أنهم يرون أن يمتد النفى حتى تظهر توبة المحارب (١) . ويرى مالك أن الإمام مخير بين أن يقتل المحارب أو يصلبه أو يقطعه أو ينفيه وأن الأمر فى الاختيار مرجعه الاجتهاد وتحرِّى المصلحة العامة, فإن كان المحارب ممن له الرأى والتدبير فوجه الاجتهاد قتله أو صلبه لأن القطع لا يرفع ضرره, وإن كان لا رأى له وإنما هو ذو قوة وبأس قطعه من خلاف, وإن كان ليس فيه شيء من هاتين الصفتين أخذ باليسر وما يجب فيه هو النفى والتعزير (٢) . ويرى الظاهريون ما يراه مالك فى هذه المسألة (٣) . معنى النفى: اختلف الفقهاء فى معنى النفى اختلافًا كبيرًا, فقال البعض: إن المراد بقوله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ﴾ أن ينفوا من الأرض بالقتل أو الصلب. وقال البعض: إن النفى هو الطرد من دار الإسلام, فالنفى بهذا المعنى هو التغريب ويساوى إلى حد ما إسقاط الجنسية فى عصرنا الحاضر وإن كان من الممكن إعادة المنفى إذا ظهرت توبته. والنفى فى مذهب مالك هو السجن فى رأى البعض, وهو السجن فى بلد أخرى غير محل الحادث فى رأى ثانٍ, وهو فرارهم من الإمام لإقامة الحد عليهم, فإن قدر عليهم فلا نفى بعد ذلك, وبالرأى الأول يأخذ الحنفيون

стр. 1423

فعندهم هو السجن. وفى مذهب الشافعى الرأى الراجح أن النفى هو الحبس وأن الحبس جائز فى محله وأولى أن يكون فى محل آخر, أما الرأى المرجوح فالنفى أن يطلبوا إذا هربوا حتى يؤخذوا. ويرى أحمد أن النفى هو تشريد المحارب فى الأمصار فلا يسمح له أن يأوى إلى بلد حتى تظهر توبته, والرواية الثانية كالرأى الثانى فى مذهب الشافعى. والرأى الراجح فى مذهب الشيعة أن النفى يكون بالحبس, وقيل: بسمل الأعين وبالطرد والتشريد. مدة النفى: ومدة النفى عند أبى حنيفة والشافعى ومالك غير محدودة, فيظل المحارب مسجونًا حتى تظهر توبته وينصلح حاله فيطلق سراحه, وهذا هو الرأى الراجح فى مذهب أحمد. وإن كان البعض يرى أن تكون مدة النفى عامًا قياسًا على التغريب فى الزنا (١) . أما الظاهريون فيرون أن النفى هو أن ينفى أبدًا من كل مكان من الأرض وأن لا يترك يقرّ إلا مدة أكله ونومه وما لا بد منه من الراحة التى إن لم ينلها مات, ومدة مرضه, ويظل هكذا حتى يحدث توبة فإذا أحدثها سقط عنه النفى وترك يعود إلى مكانه (٢) . وأساس هذه الآراء المختلفة هو الاختلاف فى تفسير معنى النفي, فمن قال بأن النفى هو السجن مطلقًا فسروا النفى بأنه الإبعاد من الأرض, ورأوا أنه لا يقدر على إخراجه من الأرض جملة فوجب أن يفعل من ذلك أقصى ما يقدر عليه وغاية ذلك هو السجن لقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم", وسقط ما يستطاع. زمن قال إن السجن يكون فى بلد غير بلده نظر إلى المعنى

стр. 1424

السابق ونظر إلى أن يحقق معنى الإبعاد المستطاع عن محل الجريمة أيضًا. أما الذين لم يروا سجنه فقد قالوا: إذا سجناه فى بلد أو أقررناه فيه غير مسجون فلم ننفه من الأرض كما أمر الله تعالى بل عملنا به ضد النفى والإبعاد وهو الإقرار والإثبات فى الأرض فى مكان واحد منها وهذا خلاف القرآن, فوجب علينا بنص القرآن أن ننفيه ونبعده عن جميع الأرض بحسب طاقتنا, وغاية ذلك ألا نقره فى شيء منها ما دمنا قادرين على نفيه من ذلك الموضع ثم هكذا أبدًا, ولو قدرنا على أن لا ندعه يقر ساعة فى شيء من الأرض لفعلنا ذلك ولكان واجبًا علينا فعله ما دام مصرًا على المحاربة (١) . وحجة الفقهاء فى أن النفى غير محدود المدة أن النص لم يحدده وأن النفى جاء عقوبة للمحارب وأن المحارب ما دام مصرًا على المحاربة فهو محارب, وإذ هو محارب يجب أن يجزى جزاء المحارب, فالنفى باقٍٍ عليه ما لم يترك المحاربة بالتوبة, فإذا تركها سقط عنه جزاؤها (٢) . ٦٤٠- أخذ المال لا غير: إذا أخذ المحارب المال ولم يقتل, فيرى أبو حنيفة والشافعى وأحمد ومعهم الزيدية أن يقطع المحارب من خلاف؛ أى أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى, وهم يقطعون اليد اليمنى للمعنى الذى قطعت به يد السارق اليمنى ويقطعون الرجل اليسرى لتتحقق المخالفة, ولا ينتظر اندمال اليد فى قطع الرجل بل يقطعان معًا لأن العقوبة عقوبة واحدة وتبدأ بالأيدى لأن النص بدأ بالأيدى فقدمها على الأرجل, ولا خلاف فى قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى إذا كانت يداه ورجلاه صحيحة, فإن كان معدوم اليد والرجل إما لكونه قد قطع فى حرابة أو سرقة أو قصاص أو مرض, فمذهب أبى حنيفة وهو رأى فى مذهب أحمد أن القطع يسقط عن المحارب سواء كانت اليد اليمنى والرجل اليسرى أو العكس؛ لأن قطع ما زاد على ذلك يذهب منفعة الجنس. وعلى هذا الشيعة الزيدية وكل من لا يرى أن يقطع إلا يد واحدة ورجل

стр. 1425

واحدة فى السرقة. أما الشافعى ورأيه وجه فى مذهب أحمد فيرى أن يقطع الباقى من الأعضاء المستحقة القطع, فإن كانت يده اليمنى مقطوعة قطعت رجله اليسرى وحدها, ولو كانت يداه صحيحتين ورجله اليسرى مقطوعة قطعت يمنى يديه ولم يقطع غير ذلك لأنه وجد فى محل الحد ما يستوفى فاكتفى باستيفائه. وإن كان ثمة شلل فى اليدين أو الرجل فالحكم فى الشلل مما سبق ذكره عند الكلام على القطع فى السرقة. أما مالك فيرى أن المحارب إذا أخذ المال دون قتل يعاقب على حسب اجتهاد الإمام فيما هو من المصلحة العامة, والإمام مخير فى عقابه بأية عقوبة مما جاءت بها آية المحاربة عدا عقوبة النفي, فليس له أن يعاقبه بها لأن الحرابة سرقة مشددة وعقوبة السرقة أصلاً القطع فلا يصح أن يجعل الخيار للإمام فيما ينزل بالعقوبة عن القطع وهو النفى. أما الظاهريون فيرون أن الإمام له حق الخيار المطلق من كل قيد فى جريمة الحرابة, فيختار أية عقوبة من عقوباتها لأى فعل أتاه المحارب بحسب ما يرى أنه يتفق مع المصلحة العامة. ويلاحظ أنه عند اختيار القطع بحسب رأى مالك نفذ القطع على الوجه الذى يراه الشافعى والذى سبق بيانه (١) . وينبغى أن لا ننسى ما ذكرناه عن النصاب واشتراطه أو عدم اشتراطه فى حالة أخذ المال, كما ينبغى أن نعلم أن من يشترطون المخاصمة للقطع فى السرقة يشترطون لتوقيع عقوبة القطع فى الحرابة المخاصمة أيضًا ممن له حق المخاصمة, فليراجع ما ذكرناه عن المخاصمة فى السرقة (٢) .

стр. 1426

٦٤١- القتل لا غير: إذا قتل المحارب ولم يأخذ مالاً فيرى أبو حنيفة والشافعى أن عقوبة المحارب هى القتل حدًا دون صلب, وهذا الرأى رواية عن أحمد, وعنه رواية أخرى هى أنهم يصلبون لأنهم محاربون يجب قتلهم فيصلبون كمن أخذوا المال, وفى مذهب الشيعة الزيدية رأيان, أحدهما يرى القتل دون صلب, والثانى يرى القتل مع الصلب. ويرى مالك أن الإمام بالخيار إن شاء قتل وصلب وإن شاء قتل دون صلب (١) , ولا خيار له فى غير هاتين العقوبتين دون غيرهما (٢) . ويرى الظاهريون أن الإمام بالخيار فى كل العقوبات التى جاءت بها آية المحاربة, فيعاقب على القتل بالنفى أو القطع أو القتل أو الصلب, ولا يباح له أن يجمع على المحارب عقوبتين من هذه العقوبات بأى حال (٣) . ٦٤٢- القتل أخذ المال: إذا قتل المحارب وأخذ المال كان عقابه القتل والصلب معًا عند الشافعى وأحمد والشيعة الزيدية ولا قطع عليه, وهذا هو ما يراه أبو يوسف ومحمد من فقهاء المذهب الحنفي, ويرى أبو حنيفة أن الإمام مخير فى حالة القتل المقترن بأخذ المال بين أن يقطع يده ورجله أو يصلبه وبين أن لا يقطعه ثم يقتله بلا صلب أو يصلبه فيقتله. وينبغى أن لا ننسى ما سبق ذكره عن اشتراط النصاب أو عدم اشتراطه فى المحاربة, فمن يشترط النصاب لكل محارب لا يعتبر القتل مصحوبًا بأخذ المال ما لم يخص كل محارب نصابًا كما هو الحال عند الشافعي, ومن يكتفى بنصاب واحد لكل المحاربين لا يعتبر القتل مصحوبًا بأخذ المال إلا إذا بلغ المال المأخوذ نصابًا كما هو الحال فى مذهب أحمد, ومن لا يشترط النصاب فى المحاربة فيكتفى بأخذ مال مقوَّم أيًا كان مقداره كما هو الحال فى مذهب مالك ومذهب أحمد والرأى المعتمد فى مذهب الشافعي

стр. 1427

, ويرى البعض أن محمدًا لا يرى القطع ولكنه يرى الإمام مخيرًا بين الصلب والقتل (١) . ويرى مالك أن الإمام مخير بين أن يقتله وبين أن يصلبه ويقتله, أما الظاهريون فيرون أن الإمام مخير فى كل العقوبات المقررة فى آية الحرابة فله أن ينفيه وله أن يقطعه وله أن يقتله وله أن يصلبه بحسب ما تقتضيه المصلحة العامة, ولكن ليس له أن يجمع عليه القتل والصلب ولا أن يجمع عليه بين عقوبتين بحال كالنفى والقطع أو القطع والقتل أو القطع والصلب (٢) . ٦٤٣- كيفية الصلب: اختلف الفقهاء فى كيفية الصلب الواجب على المحارب, فرأى الشافعى وأحمد أن الصلب يجيء بعد القتل فيقتل المحارب أولاً ثم يصلب مقتولاً, وحجتهم أن النص جاء بتقديم القتل على الصلب فى اللفظ فوجب أن يتقدمه فى الفعل, ولأن الصلب قبل القتل تعذيب للمقتول ومُثْلة يؤدى إلى اتخاذ المقتول غرضًا وقد نهى الرسول ﷺ عن ذلك فقال: "أن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة", وقال: "إن أعف الناس قتلة أهل الإيمان", وقال: "لعن الله من اتخذ شيئًا فيه روح غرضًا". كذلك نهى الرسول عن المثلة ولو بالكلب العقور. وأصحاب هذا الرأى يرون أن الصلب ليس عقوبة شرعت لردع المحارب وإنما وهو عقوبة شرعت للزجر, فالمقصود من الصلب اشتهار أمره فيرتدع بذلك غيره (٣) . والمعتمد فى مذهب مالك أن القتل يكون بعد الصلب فيصلب المحارب على خشبة ثم يقتل وهو مصلوب, وحجتهم أن الصلب فرض عقوبة والعقوبة لا تقع

стр. 1428

على ميت فوجب أن يتقدم الصلب القتل وأن الصلب لم يقصد به ردع الغير وإنما قصد به العقاب قبل كل شيء, وكل عقوبة لا غرضان: الأول: ردع الجاني, والثانى: زجر غيره, ولأن الصلب شرع زيادة فى العقوبة وتغليظًا حتى لا تتساوى عقوبة من قتل مع عقوبة من قتل وأخذ المال (١) , على أن فى المذهب من يرى القتل قبل الصلب (٢) . وفى مذهب أبى حنيفة رأيان كمذهب مالك أرجحهما صلب المحارب حيًا ثم طعنه برمح فى ثُنْدُوَته حتى يموت (٣) . وفى مذهب الشيعة الزيدية هذان الرأيان وأرجحهما الصلب بعد القتل لا قبله (٤) . أما الظاهريون فالأصل عندهم أن الإمام مخير فى كل عقوبات المحاربة ولكن ليس له أن يجمع بينها, فإذا رأى صلبه فليس له أن يقتله أو يقطعه أو ينفيه, وإذا رأى قتله فقد حرم عليه أن يصلبه أو يقطعه أو ينفيه, وإذا رأى نفيه فقد حرم عليه الصلب والقتل والقطع, وإذا رأى قطعه حرم عليه القتل والصلب والنفي, فالصلب عندهم عقوبة مستقلة مقصود بها قتل المحارب بكيفية معينة؛ فيصلب المحارب حيًا ثم يترك على خشبة فلا يطعم ولا يسقى حتى ييبس ويجف فإذا مات أنزل عن خشبته وغسل وكفن (٥) . ٦٤٤- مدة الصلب: لم يرد نص فى تحديد مدة الصلب ولذلك اختلف فى مدته, فرأى الفقهاء فى مذهب أحمد أنه يصلب بقدر ما يشتهر أمره لأن المقصود من الصلب هو إشهار أمر المصلوب, ورأى الفقهاء فى مذهب الشافعى وأبى حنيفة أنه يصلب ثلاثة أيام (٦) .

стр. 1429

٦٤٥- حكم موت المحارب قبل إقامة الحد عليه: وإذا مات المحارب قبل البدء فى إقامة الحد عليه لم يصلب لأن الصلب جزء من الحد وقد سقط الحد بموت المحارب فيسقط الصلب. على أن بعض الشافعيين والشيعة الزيدية يرون أنه إذا سقط بعض الحد لعدم إمكان تنفيذه لم يسقط البعض الذى يمكن تنفيذه. أما إذا قتل قصاصًا فلا صلب عليه عند أحمد لأن حد الحرابة سقط بالقصاص فيسقط الصلب. وفى مذهب الشافعى رأيان: أحدهما كرأى أحمد, والثانى: يرى أن الصلب لا يسقط لأن تنفيذه ممكن, وهو رأى فى مذهب الشيعة الزيدية وهو الرأى المعمول به فى مذهب مالك خصوصًا وأنه يرى تقديم حق الله على حق الآدمى. أما مذهب أبى حنيفة فيجيز الصلب ولو أنه يقدم حق الأفراد على حق الله تعالى لأنه لا يمنع من تنفيذ حقوق إلا ما سقط بالضرورة فأما ما لم يسقط فينفذ. وإذا قتل المحارب حسبة أى عدا عليه شخص فقتله لحرابته وجب الصلب عند من يوجبونه وجاز عند من يجعلون الخيرة فيه للإمام (١) . ٦٤٦- هل يقتص من قاتل المحارب أو قاطعة؟: القاعدة أن الحد حق لله تعالى وأنه لا يجوز العفو عنه ولا إسقاطه, وحد الحرابة كأى حد آخر لا يحتمل العفو والإسقاط والإبراء والصلح عنه, فكل ما وجب على المحارب من قتل أو قطع أو صلب تستوفى منه سواء عفا الأولياء وأرباب الأموال أو لم يعفوا وسواء أبرأوا منه أو صالحوا عليه, وليس للإمام إذا ثبت الحد عمده أن يتركه أو يسقطه أو يعفو عنه لأن الواجب حد والحدود حقوق الله تبارك وتعالي (٢) . وهذا هو الأصل فى كل المذاهب الإسلامية, ولكن الشيعة يرون أن الإمام له إسقاط الحدود عن بعض الناس لمصلحة أو تأخيرها إلى وقت آخر لمصلحة, عدا

стр. 1430

حدى القذف والسرقة ففيهما اختلاف, فالبعض لا يرون للإمام أن يسقطهما أو يؤخرهما والبعض يرى ذلك, وحجتهم فى هذا أن رسول الله ﷺ حين تمكن من بنى قينقاع وأراد قتلهم وكانوا حلفاء لعبد الله بن أُبى كبير المنافقين فى حال الجاهلية فطلب من النبى تركهم فكره ذلك ثم إنه تشفع إلى النبى ﷺ وأكثر فى تركهم فتركهم له لما رأى فى ذلك من الصلاح. وهم مختلفون فيما إذا كان للإمام حق إسقاط القصاص عن بعض الناس أو تأخيره باعتبار أنه حق آدمي, فيرى البعض جواز الإسقاط لمصلحة عامة, ويرى البعض أن الإسقاط لا يجوز لأن منع القصاص هو منع لحق آدمى وظلم, والخلاف بين الفريقين أساسه الخلاف فى أى مصلحتين تغلب عند التعارض, المصلحة العامة أم المصلحة الخاصة (١) . ويترتب عليه أنه يترتب على عدم جواز العفو عن الحد أو إسقاطه أن يكون المحارب مهددًا إذا وجب عليه القطع أو القتل, وقد فصلنا ذلك فى التشريع الجنائي (٢) , ولكن لم نبين حكم الإهدار عند الظاهريين والشيعة الزيدية, فنقول: إن الظاهريين يجعلون للإمام الخيار فى أى عقوبة من العقوبات الواردة فى الآية, وهذا يجعل المحارب غير مهدر ولو حكم عليه بعقوبة مهدرة لاحتمال أن يستبدل بها الإمام عقوبة أخرى غير مهدرة قبل التقييد. ورأى الشيعة يجعل المحارب غير مهدر ولو حكم عليه بعقوبة مهدرة لأن للإمام إسقاط العقوبة لمصلحة عامة. وعلى هذا إذا عدا شخص على المحارب أخذ المال أو قتل فقطع يده أو قتله فلا قصاص على العادى عند مالك وأبى حنيفة والشافعى وأحمد سواء, كان ذلك قبل الحكم أو بعده ما دامت جريمة الحرابة ثابتة, وإنما يعزر العادى لافتياته على السلطات العامة القائمة على تنفيذ العقوبات, والعلة فى عدم القصاص هى أن قطع

стр. 1431

المحارب أو قتله متحتم وواجب لابد من إقامته, فالتعزير ليس للقطع أو للقتل وإنما للافتيات على السلطات العامة والقيام بما اختصت نفسها به (١) . أما عند الظاهريين والشيعة الزيدية فيقتص من القاطع أو القاتل؛ لأن العقوبات غير لازمة (تراجع أقوال الظاهريين والشيعة فى القتل والجرح) . ٦٤٧- هل يشترط فى القتل الذى يحدث من المحارب أن يكون عمدًا؟: يوجب مالك وأبو حنيفة والشيعة الزيدية القتل لمجرد القتل, ويطلقون لفظ القتل فلا يشترطون أن يكون عمدًا, وعلى هذا يكون القتل الذى يجب فيه الحد عندهم هو مطلق القتل سواء كان عمدًا أو شبه عمد أو خطأ. مع ملاحظة أن مالكًا لا يعترف بشبه العمد, ويسوى الحنفيون بين أنواع القتل وأداة القتل فلا يشترطون المحدد ويجوز أن يكون القتل بمثقل وعصًا وحجر وخشب (٢) , أما الشافعى فيشترط القتل العمد لوجوب الحد, فبالقتل العمد يجب قتله للنص ولأنه ضم إلى جناية القتل الحرابة أى إخافة السبيل وهى تقتضى زيادة العقوبة, والزيادة هنا القتل والقتل محتم إذا قتل لأخذ مال ولو لم يأخذ نصابًا, أما إذا أخذ نصابًا فالقتل والصلب (٣) . وبعض الشافعية يشترط فى القتل أن يكون مما يوجب القَوَد, فلا يكفى أن يكون القتل عمدًا وإنما يجب أن يكون قتلاً يجب فيه القصاص فإن لم يكن قتلاً عمدًا فلا يجب الحد, وإن كان قتلاً عمدًا لا يجب فيه القصاص فكذلك (٤) . ومذهب أحمد على أن يتعمد الجانى الفعل بغض النظر عن الأداة التى استعملت فى القتل, فيستوى عنده أن يكون القتل عمدًا أو شبه عمد (٥) .

стр. 1432

والظاهر من أقوال الظاهريين أنهم يشترطون القتل العمد كالشافعيين (١) . ٦٤٨- حكم الجراح التى يحدثها المحارب: يرى الظاهريون أن إحداث الجراح بقصد إخافة السبيل حرابة, وعلى هذا فإذا حدثت جراح ولم يكن أخذ مال ولا قتل فالفعل حد والإمام مخير فى العقوبة, والقاعدة عندهم أنه إذا اجتمع حقان أحدهما لله والثانى للعبد كان حق الله تعالى أولى بالقضاء لقول رسول الله ﷺ : "اقضوا الله فهو أحق بالوفاء دين الله أحق أن يقضى", وقوله: "كتاب الله أحق وشرط الله أوثق", وعلى هذا فإن قتله الإمام أو صلبه للمحاربة كان للولى أن يأخذ أُرْش جرحه لأن حقه فى القود قد سقط فبقى حقه فى الدية أو العفو عنه, وإن رأى الإمام قطع المحارب كان للمجنى عليه أن يقتص أو يعفو. والخلاصة أنه كلما أمكن للمجنى عليه أن يستوفى حقه بعد استفاء حق الله استوفاه وكلما سقط كانت له الدية (٢) , ويرى مالك وأبو حنيفة والشيعة الزيدية أنه كلما وجب على المحارب حد دخلت الجراحة فى الحد, فإن لم يكن حد أو كان حد وسقط فحكم الجراحة هو حكمها فى حال عدم وجود الحد (٣) . ويرى الشافعى وأحمد أن الجراح لا تدخل فى الحد فيقتص فى الجراح إذا كانت مما يقتص فيه وإذا لم يكن قصاص ففيها الدية, ويرى الشافعى أن القصاص غير محتم أى ليس حدًا وإنما هو على أصله؛ لأن الانحتام خاص بالقتل والقطع والصلب فإذا سرى الجرح فمات فأصبح القتل عمدًا انحتم القتل (٤) . أما أحمد ففى مذهبه رأيان: رأى يرى عدم انحتام القصاص كمذهب الشافعى لأن الشرع لم يرد بشرع الحد فى الجراح, والرأى الثانى على انحتام القصاص, وحجة أصحابه أن الجراح تابعة للقتل فتأخذ مثل حكمه, ويسلم أصحاب هذا الرأى بأن الجراح التى لا قصاص فيها كالجائفة لا يجب فيها إلا الدية (٥) .

стр. 1433

٦٤٩- الحد والضمان: علمنا مما سبق فى السرقة أن الشافعى وأحمد يريان الجمع بين الحد والضمان, وهذا هو رأيهما فى جريمة الحرابة فالحد لا يمنع من الضمان, أما عند مالك وأبى حنيفة والشيعة الزيدية فالقاعدة عندهم أن الحد لا يجمع مع الضمان, وقد تكلمنا على هذا فى السرقة فليرجع. ويعلل أبو حنيفة أن الحد فى الحرابة ينفى وجوب ضمان الجراحات؛ لأن الجراحات الخطأ فيها الدية, ولأن الجراحات يسلك بها فى مذهبه مسلك الأموال, فالضمان فى الجراحات بنوعيها مال ولا يجب ضمان المال مع الحد, ومذهب مالك والشيعة الزيدية لا يجمع بين الحد وضمان الجراحات؛ لأنهم يدخلون الجراح فى الحد ويعتبرون الحد عقوبة عنها (١) . ٦٥٠- التداخل: يجرى التداخل فى جريمة الحرابة, فلو ارتكب شخص أكثر من حرابة عوقب عنها جميعًا مرةً واحدةً إذا كان الفعل الذى أتاه واحدًا, فإن كان الفعل مختلفًا يكفى أن يعاقب بعقوبة الفعل الأشد عقوبة. هذا مع ملاحظة رأى أبى حنيفة فى حالة أخذ المال والقتل فإنه إن أخذ مرة المال وقتل فى الثانية دون أخذ المال جاز قطعه ثم قتله, وهذا على رأى القائلين بأن لفظ "أو" ورد للبيان والتفصيل, وما على رأى القائلين بأن "أو" للتخيير فعند مالك تتداخل على الوجه السابق أيضًا؛ لأنه يخصص لأخذ المال والقتل عقوبات خاصة فتتداخل الأفعال من نوع واحد ويكفى فيها عقوبة واحدة, وإذا اختلف كانت العقوبة الأشد هى الواجبة وفيها الكفاية. أما عند الظاهريين فللإمام الخيار, ولذلك فالتداخل مطلق, وتكفى أية عقوبة لغض النظر عما إذا كانت أخف العقوبات أو أشدها. ٦٥١- مسقطات الحد: ١- يسقط حد الحرابة بما يسقط به حد السرقة: قد ذكرنا أسباب سقوط حد السرقة وبينا ما فيها من اتفاق واختلاف فلتراجع

стр. 1434

[مع ملاحظة أن بعض هذه الأسباب خاص بأخذ المال ولا أثر له فى حالة القتل أو إخافة السبيل] . ٢- التوبة: من المتفق عليه أن توبة المحارب قبل القدرة عليه تسقط ما وجب عليه من حد بحرابته, والأصل فى ذلك قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة:٣٤] , فإذا تاب المحارب سقط عنه ما وجب عليه من القتل والصلب والقطع والنفى ولكن التوبة لا يسقط ما يتعلق بحقوق العباد فيبقى مسئولاً؛ فإن كان أخذ المال فقط فعليه رده, وإن كان قتل أحدا أو جرحه فعليه القصاص أو إجراءات شكلية وإنما يدل عليها رد المال لصاحبه أن كان هناك مال عند القدرة على رده, ويكفى فى التوبة الندم والعزم على ترك مثل ما حدث. ويشترط فى التوبة أن تكون قبل القدرة على المحارب فإن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه شيء لا من الحقوق المتعلقة بالله ولا من الحقوق المتعلقة بالأفراد, لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ﴾ , فأوجب الحد على كل محارب ثم استثنى من ذلك التائبين قبل القدرة, ومن عداهم يبقى على حكم العموم, وعلة قبول التوبة قبل القدرة أن التوبة قبل القدرة تكون غالبًا توبة إخلاص أما بعد القدرة فهى غالبًا توبة تقيه من إقامة الحد, عليه ولأن فى قبول التوبة قبل القدرة ترغيبًا للمحارب فى التوبة والرجوع عن المحاربة والإفساد فناسب ذلك إسقاط الحد عنه, أما بعد القدرة فلا حاجة لترغيبه لأنه قد عجز عن الفساد والمحاربة (١) . والمراد بما قبل القدرة أن تمتد إلى المحارب يد الإمام, فإن تاب بعد أن امتدت إليه يد الإمام لم تعتبر التوبة قبل القدرة ولو كان هاربًا أو مستخفيًا أو ممتنعًا (٢) .

стр. 1435

ويعتبر المحارب تائبًا إذا أتى الإمام طائعًا قبل القدرة عليه ملقيًا سلاحه وإن لم يدل على التوبة مظهر آخر, ويعتبر كذلك إذا ترك ما هو عليه من الحرابة وإن لم يأت الإمام (١) , وإذا أمن المحارب ليسلم نفسه فلا أمان له ولا يعتبر بتسليم نفسه تائبًا قبل القدرة عليه لأنه كان مطلوبًا (٢) . وإذا فعل المحارب ما يوجب حدًا لا يختص بالمحاربة كالزنا والقذف وشرب الخمر والسرقة فإنها لا تسقط عنه بالتوبة عند مالك والظاهريين, ويسقط منها السرقة دون غيرها عند أبى حنيفة لما سنبينه بعد. أما عند الشافعى وأحمد ففى مذهبهما رأيان: أولهما: أنها جميعًا تسقط بالتوبة لأنها حدود الله تعالى فتسقط بالتوبة كحد المحاربة إلا حد القذف فإنه لا يسقط لأنه حق آدمي, ولأن فى إسقاطها ترغيبًا فى التوبة, وهذا الرأى هو الراجح فى مذهب أحمد والمرجوح فى مذهب الشافعي, والثانى: أنها لا تسقط لأنها لا تختص بالمحاربة فكانت فى حق المحارب كحق غيره. وهذا هو الراجح فى مذهب الشافعى. أما إن أتى حدًا قبل المحاربة ثم حارب وتاب قبل القدرة عليه لم يسقط الحد الأول؛ لأن التوبة إنما يسقط بها الذنب الذى تاب منه دون غيره. ويرى فقهاء الشيعة الزيدية أن توبة المحارب تسقط كل ما عليه من حدود غير حد المحاربة, ولكنهم يختلفون فى سقوط حد الآدميين, فيرى بعضهم أن التوبة تسقط أيضًا حقوق الآدميين التى أتلفها المحارب أو التائب حالاً حكمًا, ويرى البعض أن أثر التوبة لا تمتد لحقوق الأفراد وإنها لا تسقط إلا حق الله المحض فلا تمتد لمثل القصاص والقذف والمال. التوبة ممن عليه حد غير المحارب: هناك اختلاف فى أثر توبة من عليه حد من غير المحاربين, فيرى مالك والظاهريون ورأيهما هو الرأى الراجح فى مذهب الشافعى والرأى المرجوح فى مذهب أحمد أن التوبة لا أثر لها على الحد لقول الله

стр. 1436

تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] , وهذا عامٌّ فى التائبين وغيرهم, وقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] , ولأن النبى ﷺ رجم ماعزًا والغامدية وقطع الذى جاءه مقرًا بالسرقة وقد جاءوا جميعًا تائبين يطلبون تطهرهم بإقامة الحد, وقد سمى الرسول ﷺ فعلهم توبة فقال فى حق الغامدية: "لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم", وجاء عمرو بن سمرة إلى النبى ﷺ فقال: "يا رسول الله إنى سرقت جملاً لبنى فلان فطهرني, فأقام الرسول عليه الحد". ولأن الحد كفارة عن الذنب فلا يسقط بالتوبة, ولأن التائب مقدور عليه فلم يسقط عنه بالتوبة كالمحارب المقدور عليه. ويرى أبو حنيفة أن السرقة الصغرى وحدها هى التى يسقط حدها بالتوبة إذا تاب السارق قبل أن يظفر به ورد المال إلى صاحبه فيسقط عنه القطع, بخلاف سائر الحدود فإنها لا تسقط بالتوبة, والفرق أن الخصومة شرط فى السرقة الصغرى والكبرى؛ لأن محل الجناية خاص حق العباد والخصومة تنتهى بالتوبة والتوبة تمامها رد المال إلى صاحبه, فإن وصل المال إلى صاحبه لم يبق له حق الخصومة مع السارق. أما الرأى الراجح فى مذهب أحمد والمرجوح فى مذهب الشافعى وهو مذهب الشيعة الزيدية فيرى أن كل حد يسقط بالتوبة لقوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا﴾ [النساء:١٦] , ولأنه ذكر حد السارق, ثم قال: ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٣٩] , ولأن النبى ﷺ قال: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له", ومن لا ذنب له لا حد عليه، ولأنه قال فى ماعز لما أُخبر بهربه: "هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه"، ولأن الحدود خالص حد الله فتسقط بالتوبة كحد المحارب. والقائلون بأن التوبة تسقط الحدود مختلفون فيما إذا كان الحد يسقط بمجرد التوبة أو يسقط بها مع إصلاح العمل, ففريق يسقط الحد بمجرد التوبة وهو ظاهر مذهب أحمد, وفريق يعتبر إصلاح العمل لقوله تعالى:

стр. 1437

﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٣٩] , فعلى هذا يعتبر مضى مدة يعلم بها صدق التوبة وصلاح النية, والبعض لا يقدر مدة معلومة, والبعض يقدر المدة بسنة (١) , وهناك نظرية ثالثة لابن تيمية وابن القيم ذكرناها (٢) . ٦٥٢- حق الله وحق الفرد فى عقوبة القتل: الأصل فى جريمة القتل العادى أنها تمس الأفراد أكثر مما تمس الجماعة, ولذلك يعبر عنها الفقهاء بأنها متعلقة بحقوق الأفراد, ولكن الشارع جعل القتل فى الحرابة مما يمس حقوق الجماعة حيث جعل العقوبة لازمة ولم يجعل لعفو المجنى عليه أثرًا عليها. وقد نظر الفقهاء إلى أن القتل فى الحرابة يجتمع فيه حق الله وحق العبد فكان هذا مما دعا البعض إلى القول بتغليب حق الله ودعا البعض إلى القول بتغليب حق الفرد. والقائلون بتغليب حق الفرد هم بعض الشافعية ورأيهم الراجح فى المذهب, وبعض الحنابلة ورأيهم المرجوح فى المذهب. أما بقيه المذاهب فتغلب حق الله على حق الأفراد, ولكن المذهب الظاهرى له حكم خاص سنذكره فيما بعد (٣) . ويترتب على تغليب حق الله أنه لا يعتبر التكافؤ فى القتل عند القائلين بالتكافؤ؛ فيؤخذ الحر بالعبد والمسلم بالذمى ولأب بالبن لأن القتل حد لله فلا تعتبر فيه المكافأة كما هو الحال فى الزنا والسرقة, ولا تراعى المماثلة فى القتل فيقتل بالسيف أيًا كانت الآلة التى استعملها. ويترتب على تغليب حق العبد اعتبار التكافؤ فى القتل فلا يقتل المحارب إذا كان حرًا بعبد أو نحوه ممن لا يكافئه كابنه وذمى والمحارب مسلم. وإن قتل بمثقل أو غيره روعيت المماثلة فى قتله بأن يقتل بمثل ما قتل به, وإذا قتل ومات

стр. 1438

قبل قتله قصاصًا فالدية تجب فى ماله, وإذا عفا الولى على مال لزم القاتل المال وقتل حدًا. ويحتج القائلون بتغليب حق الله أن القاعدة تغليب حق الله إذا اجتمع مع حق العبد فى حد لأن العقوبات فى الحدود خالصة أصلاً لله وأن الحد لا يجوز فيه العفو, وإذا كان ولى الدم ليس له العفو فمعنى ذلك أن حق الله غالب, ويحتج القائلون بتغليب حق العبد بأنه الأصل فيما اجتمع فيه حق الله وحق آدمي, ولأن الآدمى لو قتل فى غير محاربة فله حق القصاص فكيف يسقط حقه بقتله فى المحاربة, ويقولون إن أثر الحد هو من ناحية انحتام القتل وعدم جواز العفو عنه, ولكن ذلك لا يسقط بحال حق العبد من النواحى الأخرى, خصوصًا وإن الرسول ﷺ يقول: "لا يقتل مسلم بكافر" (١) . ٦٥٣- عدم وجوب الحد المانع: لا يجب حد الحرابة إلا إذا استوفت كل شروط الحد, فإذا امتنع أحد الشروط امتنع وجوب الحد كشرط النصاب عند من يشترطون النصاب, فإذا لم يتوفر هذا النصاب عندهم ولم يكن هناك قتل فلا يجب حد القطع, وكشرط البلوغ فإذا حدثت الحرابة من صبى لم يجب عليه الحد أو أخذ المال وحده أو قتل أو فعل غير ذلك, وكشرط العقل فى المحارب فإذا كان المحارب مجنونًا لم يجب عليه الحد, وكشرط العمد فى حالة القتل عند من يشترطون أن يتعمد المحارب القتل, فإن الحد لا يجب عندهم إذا قتل ولم يأخذ مالاً, فإذا أخذ مالاً وقتل غير متعمد القتل وجب عليه حد القطع إذا بلغ المال نصبًا, وهكذا كلما امتنع شرط من شروط الحد لم يجب الحد, وقد تعرضنا لهذه الشروط المختلف عليها والمتفق عليها فيما سبق. على أن عدم وجوب الحد على من أخذ مالاً دون النصاب لا يمنع تعزيره وضمانه لما أخذ, وعدم وجوب الحد على الصبى والمجنون لا يمنع من تأديب الصبى والمجنون بما يتفق مع حالتهما كضرب الصبى وحجز المجنون فى مكان لمنع أذاه عن الناس

стр. 1439

, ومن يقتل غير متعمد وهو يريد أخذ المال ولكنه لم يأخذ مالاً يعزر ويلزم الدية, وهكذا. والقاعدة فى الشريعة أن كل ما يعتبر معصية إذا أتاه الإنسان عزر ولو أراد الفاعل فعلاً ما لم يتمه ما دام ما فعله يعتبر فى حد ذاته معصية لا حد فيها, فإذا كان ما فعله سواء أتمه أم لم يتمه فيه الحد عوقب بعقوبة الحد إذا توفرت شروطها فإذا لم تتوفر شروطها فالعقوبة التعزير كلما كان الفعل معصية. ٦٥٤- حكم سقوط الحد بعد وجوبه: إذا سقط الحد بعد وجوبه كان الحكم بالنسبة للمال والقتل والجراح على الوجه الآتى: إذا كان سبب سقوط الحد هو تكذيب الحجة عند القائلين بالسقوط بتكذيب المجنى علية لشهود الإثبات أو تكذيبه للإقرار الصادر من الجانى فلا شيء على الجانى جنائيًا أو مدنيًا لأن الفعل لا يثبت فى حق الجانى إلا بالحجة وقد بطلت أصلاً. أما إذا كان سبب سقوط الحد الرجوع عن الإقرار فعند من يقولون بسقوط الحد برجوع الجانى عن الإقرار لا يسقط إلا الحد ولكن الجانى يظل مسئولاً جنائيًا عما يتعلق بحق الأفراد كالقصاص, كما تبقى مسئوليته المدنية كاملة؛ لأن إقرار المقر حجة كاملة فى حقه إلا أنه تعذر اعتباره بالنسبة لعقوبته لأن الحدود تدرأ بالشبهات (١) . أما إذا كان سبب سقوط الحد هو التوبة قبل القدرة, فإن كان المحاربون أخذوا المال لا غيره ردوه على أصحابه إن كان قائمًا وعليهم ضمانه إن كان هالكًا أو مستهلكًا, وإن كانوا قتلوا لا غير اقتص ممن يجب عليه القصاص ومن لا قصاص عليه ألزم الدية, وإن اجتمع القتل والمال اجتمع الحكمان السابقان لأن المكافأة لا تهمل إلا فى حالة إقامة الحد, أما من يلزمه القصاص من المحاربين فهو من عليه القصاص فى القتل العادي, وقد علمنا مدى اختلاف الفقهاء فى اعتبار المباشر والمتسبب والمعين, والقاعدة العالمة أنه كلما امتنع الحد أو سقط عن القطَّاع رجع

стр. 1440

بهم فيما عليهم من جرائم إلى حكم غير القطاع وإلى حكم جرائمهم الخاص. وتراعى فى حالة القصاص والمكافأة عند جميع القائلين بها فى حالة التوبة والرجوع عن الإقرار. وإذا كانوا أخذوا المال وجرحوا فحكم المال ما سبق, وحكم الجراحات القصاص فيما يستطاع فيه القصاص, والدية فيما فيه الدية, كما لم كانت الجراحات حدثت من غير قطع الطريق (١) , ويلاحظ أن بعض الشيعة الزيدية يرون أنه يسقط من حقوق الأفراد ما أتلفه المحارب حالاً حكمًا كمال استهلكه أو هلك فى يده لا كمالٍٍ تصرف فيه بمقابل. ٦٥٥- هل مسئولية القطاع الجنائية تضامنية؟: القاعدة العامة فى الحدود أن الحد لا يجب إلا على مباشِره فقط. ويرى مالك وأبو حنيفة وأحمد أن يُحَدَّ الرِّدْء والمعين والطليعة كما يحد مباشر الحرابة. والرِّدْء هو الذى يلجأ إليه المحارب إذا هرب أو هزم, والطليعة هى التى تتطلع الطريق وتأتى بالأخبار, والمعين هو من يحضر وقت الجريمة ولو أنه لم يباشر الفعل بنفسه. وحجتهم أن المحاربة مبنية على حصول المنفعة والمعاضدة والمناصرة فلا يتمكن المباشر من فعله إلا بقوة هؤلاء جميعًا ومعاونتهم بخلاف سائر الحدود, فعلى هذا إذا قتل واحد منهم ثبت حكم القتل فى حق جميعهم ووجب قتلهم جميعًا حدًا لا تعزيرًا, وإن أخذ بعضهم المال دون بعض ثبت الأخذ فى حقهم جميعًا ووجب على جميعهم القطع, وإن قتل بعضهم وأخذ بعضهم المال قتلوا جميعًا وصلبوا كما لو فعل كل منهم الأمرين معًا, فالمحاربون جميعًا المباشرون والمتسببون مسئولون جنائيًا عن الفعل الذى باشره غيره. ويذهب المالكيون فى اعتبار التسبب إلى حد بعيد بحيث يعتبرون متسببًا فى الجريمة من يتقوى المحاربون بجاهه ولو لم يأمر بقتل أو يتسبب فيه بفعل ما دام جاهه قد أعان على الحادث حكمًا. وإذا كان فى المحاربين صبى أو مجنون أو من لا حد عليهم, فيرى أبو حنيفة وأحمد أن لا حد عليهما لأنهما ليسا من أهل الحد ولا حد على غيرهما ممن باشر الجريمة أو أعان عليها أو تسبب فيها. ويرى أبو يوسف هذا الرأى إذا كان الصبى أو المجنون هو الذى باشر الجريمة وحده, فإن كان المباشر غيرهما فالحد على العقلاء البالغين دون غيرهم (٢) . وحجة أبى حنيفة أن مسئولية الجميع واحدة فالشبهة فى فعل أحدهم شبهة فى حق الجميع. وحجة أبى يوسف انه إذا كان المباشر هو الصبى أو المجنون فهو الأصل والباقون تبع فإذا سقط الحد عن الأصل سقط عن التابع. ويرى أحمد رأى أبى يوسف فعنده أنه لا حد على الصبى والمجنون وإن باشرا القتل وأخذا المال لأنهما ليسا من أهل الحدود وعليهما ضمان ما أخذا من المال فى أموالهما ودية قتلهما على عاقلهما ولا شيء على الردء لهما لأنه إذا لم يثبت الحد على المباشر لم يثبت لمن هو تبع له بطريق أولى, أما إذا كان المباشر غيرهما لم يلزمهما شيء لأنهما لم يثبت فى حقهما حكم المحرابة وثبوت الحكم فى حق الرِّدْء يثبت بالمحاربة (٣) . ولا يحد مالك الصبى والمجنون ولكنه يرى الحد على غيرهما فى كل حال, سواء باشر الصبى والمجنون أو لم يباشرا. وإذا كان فى المحاربين امرأة فيرى أبو حنيفة
следующие страницы →