للجاني, ولكن أبا يوسف يرى القطع فى حالة الإقرار (١) , ولا قطع, كذلك إذا كان السارق ممن أُوقف عليهم المال المسروق فإن لم يكن منهم قطع, وهذا ما يقتضيه تعريف السرقة وتعريف المال الموقوف فى المذهب فهم يعرفون السرقة بأنها أخذ العاقل البالغ عشرة دراهم أو مقدارها خفية عمن هو مقصد للحفظ ما لا يتسارع إليه الفساد من المال المتمول للغير من حرز بلا شبهة (٢) , ويعرفون الوقف بأنه حبس العين على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة (٣) , سواء سرق العين الموقوفة أو منفعتها فهو يسرق ملك الغير ولا شبهة له فى سرقته ما دام غير مستحق فيه فيقطع بالسرقة, ولا يعتبر الشخص سارقًا للمال إذا كان يملكه ولو كان للمجنى عليه حق الانتفاع به؛ فالمؤجر الذى يأخذ المال المؤجر من المستأجر, والمعير الذى يأخذ المال المعار من المستعير, والمدين الذى يأخذ المال المرهون من الدائن المرتهن أو الأمين على الرهن, والغاصب الذى يأخذ ماله المغصوب من الغاصب, وصاحب المال الذى يأخذ ماله المسروق من السارق - كل هؤلاء لا يعتبر سارقًا ولو أخذ المال خفية لأنه أخذ ما يملكه (٤) .
ولا يقطع السارق إذا كان له شبهة الملك فى الشيء المسروق وإنما عليه التعزير فقط كسرقة الوالد من ولده لأن للوالد فى مال ولده تأويل الملك أو شبهة الملك لقول النبى ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" (٥) , ولا يقطع السارق عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد والشيعة إذا سرق مالاً مشتركًا مع المجنى عليه لأن السارق يملك المسروق على الشيوع مع المجنى عليه فيكون هذا شبهة تدرأ القطع.
стр. 1367
ويرى المالك قطع الشريك إذا سرق المال المشترك بشرط أن يأخذ نصابًا أكثر من حقه. ويشترط أن يكون مال الشركة محجوبًا عنه أى محرزًا عنه, فإن كان المال المشترك مثليًا فلا قطع إلا أن يسرق نصابًا أكثر من نصف المال كله, وإن كان المال المشترك فيه قيميًا قطع إذا كان ما سرقه يبلغ نصابين ولو لم يكن المسروق كل المال المشترك لأن حقه فى المسروق نصاب واحد والنصاب الثانى يستحقه الشريك المسروق منه.
والقاعدة عند الظاهريين أن من سرق من شيء له فيه نصيب يقطع إذا أخذ زائدًا على نصيبه مما يجب فيه القطع فإن سرق أقل فلا قطع عليه, إلا أن يكون مُنع حقه فى ذلك أو احتاج إليه فلم يصل إلى أخذ حقه إلا بما فعل ولا قدر على أخذ حقه خالصًا فلا يقطع لأنه مضطرًا إلى أخذ ما أخذ إذ لم يقدر على تخليص مقدار حقه (١) . وفى مذهب الشافعى من يرى القطع على من يسرق نصابين من المال المشترك, وبعض أصحاب هذا الرأى يرى عدم القطع إذا كان المال المشترك قابلاً للقسمة ولم يأخذ السارق أكثر من حقه ويعتبرون الأخذ قسمه فاسدة, فإن أخذ أكثر من حقه نصابًا قطع, وكذلك إذا أخذ نصابين من المال ولم يكن المال قابلاً للقسمة, وهذا يتفق مع رأى مالك. ورأى القائلين بعدم القطع ليس معناه إعفاء الشريك من المسئولية الجنائية, فالمسئولية قائمة ولكن العقوبة على الفعل التعزير لا القطع؛ لأنهم يعتبرون الشركة شبهة تدرأ القطع.
وسرقة المال العام حكمها حكم المال المشترك عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد والشيعة الزيدية؛ لأن للسارق حقًا فى هذا المال, وقيام هذا الحق يعتبر شبهة تدرأ عنه الحد. أما مالك فيرى قطع السارق من بيت المال أو من مال المغنم, ويرى ذلك الظاهريون أيضًا بالشروط التى يشترطونها فى المال المشترك.
ويرى الشافعية القطع فى سرقة المال العام إذا خصص لطائفة لا يدخل فيها
стр. 1368
, كأن خصص للفقراء وليس منهم, فالقطع واجب إذا لم يكن له حق فى المال (١) . ويرى الحنابلة القطع فى مال المغنم بعد إخراج الخمس, فإذا سرق قبل إخراجه فلا قطع, وإذا قسم الخمس, فإذا سرق من خمس الله تعالى لم يقطع, وإن سرق من غيره قطع (٢) .
سرقة مال المدين: ويرى مالك أنه لا قطع على من أخذ قدر حقه مدينه المماطل أو الجاحد, سواء كان ما أخذه من جنس حقه أو من عير جنسه, فإذا زاد ما أخذه على قدر حقه نصابًا قطع به, كذلك يقطع إذا لم يكن الدَّين حالاً أو لم يكن المدين مماطلاً أو جاحدًا (٣) .
ولا يرى الشافعى قطع الدائن إذا أخذ أكثر من حقه نصابًا, والرأى الأرجح فى مذهب أحمد كمذهب الشافعي, أما الرأى المرجوح فيرى قطع الدائن, لأنه ليس له أن يأخذ قدر دينه. وإذا أخذ الدائن أكثر من حقه؛ فأصحاب الرأى الأول بعضهم يرى قطعه إذا أخذ نصابًا وهو رأى مالك, وبعضهم لا يرى قطعه وهو رأى الشافعي؛ لأن له شبهة فى هتك الحرز وأخذ ناله فصار كالسارق من غير حرز (٤) .
ويطبق الظاهريون قاعدتهم التى سبق ذكرها عند الكلام على سرقه المال المشترك. وفى مذهب الشيعة الزيدية ثلاثة آراء: أولها قطع من يسرق مال المدين ما دام أنه سرق من جنس حقه وكان المسروق مساويًا للدين فى العدد والجنس, كأن سرق عشرة دراهم والمسروق منه مدين بعشرة دراهم, فإن كان الدين حالاً فلا قطع, لأن الأخذ مباح له, لأنه ظفر بجنس حقه, ومن له الحق إذا ظفر بجنس حقه يباح له أخذه, فإذا أخذه صار مستوفيًا لحقه. وكذلك الحكم لو أخذ أكثر من حقه, لأن بعض المأخوذ حقه على الشيوع ولا قطع فيه فلا
стр. 1369
يقطع فى غيره كما هو الحال فى المال المشترك.
أما إذا كان الدَّين مؤجَّلاً فالقياس أن يقطع, ولكنهم يرون استحسانًا أن لا يقطع, لأن حق الأخذ ليس سببه حلول الأجل, وإنما سبب ثبوته هو قيام الدين فى ذمة المسروق منه, ووجود الأصل لا أثر له على قيام الدين وإنما أثره فى تأخير المطالبة بالدين, فقيام سبب ثبوت الدين يورث شبهة والشبهة تمنع القطع.
وإن سرق خلاف جنس حقه بأن كان عليه دراهم فسرق دنانير أو عروضًا قطع, لأنه لا يملكه بنفس الأخذ, بل بالاستبدال والبيع, فكان سارقًا ملك غيره, لكنه إذا دفع التهمة بأنه أخذه استيفاء لحقه فلا يرى البعض قطعه لأنه يعتبر متأولاً إذ اعتبر المعنى, وهو المالية لا الصورة, والأموال كلها فى معنى المالية متجانسة, وإذا كان الأخذ عن تأويل لا يقطع (١) .
وعن أبى يوسف أنه لا يقطع إذا أخذ خلاف جنس حقه, لأن بعض العلماء فى المذاهب الأخرى يجيزون لمن ظهر بغير جنس حقه أن يأخذه استفاء بحقه, ولكن المذهب على خلاف رأى أبى يوسف.
وإذا سرق الجانى من مدين أبيه أو من مدين ولده قطع ما لم يقم دليلاً على أنه وكيل عنه أو وصى عليه.
ويشترط أبو حنيفة أن يكون للمسروق منه يد صحيحة على الشيء المسروق, يد المالك أو يد الأمانه كالمودع, أو يد الضمان كيد الغاصب والقابض على رسوم الشراء, لأن منفعة يد الغاصب عائده للمالك, والمغصوب مضمون عليه, وضمان الغصب عند أبى حنيفة ضمان ملك, فأشبهت يد الغاصب يد المشترى, كذلك فإن المقبوض على رسوم الشراء مضمون على القابض. ويرتب أبو حنيفة على هذا الشرط ألا قطع على السارق من سارق, لأن يد الأخير ليست صحيحة فلا هى يد ملك ولا أمانه ولا ضمان, ولكن إذا درئ القطع عن السارق الأول قطع الثاني, لأن درء الحد عن السارق الأول يجعله ضامنًا للمسروق, ويد الضمان
стр. 1370
يد صحيحة, ويجعل أبو حنيفة السارق ضامنًا إذا درئ عنه القطع ولا يجعله ضامنًا إذا قطع, لأن القاعدة عنده أن القطع والضمان لا يجتمعان (١) .
ولا يشترط مالك شروطًا خاصة فى المسروق منه, وكل ما يشترطه مالك أن يكون المسروق ملك الغير, سواء سرق من يد المالك أو من يد غيره مطلقًا, لأن السارق يسرق ملك غيره فى كل حال, ويترتب على هذا أن مالكًا يقطع السارق من السارق, والسارق من الغاصب, والسارق ممن يقوم مقام المالك كالمودع والمرتهن والمستأجر (٢) , والقاعدة عند مالك أن من سرق مالاً للغير من حرز لا شبهة فيه قطع.
ويرى أحمد أن يكون المسروق منه هو المالك أو من يقوم مقامه, فإذا أخذه من غيرهما فهو أشبه بما لو أخذ مالاً ضائعًا, والفرق بينه وبين السارق أن السارق يزيل يد المالك أو نائبه عن الشيء ويأخذه من حرزه, ويرتب أحمد على هذا أن السارق من المالك أو نائبه يقطع إذا توفرت كل شروط القطع. أما السارق من السارق أو الغاصب فلا قطع عليه ولو كان المال محرزًا (٣) .
أما الشافعى ففى مذهبه رأيان: أحدهما كرأى مالك, والثانى كرأى أحمد, ويعللون الرأى الأول بأن السارق يقطع؛ لأنه سرق مالاً لا شبهة له فيه من حرز مثله, ويعللون الرأى الثانى بأن السرقة من حرز لم يرضه المالك, وأن المحرز ليس هو المالك ولا نائبه (٤) .
وأما الشيعة الزيدية فرأيهم يتفق مع مذهب الشافعي, فلا قطع عند بعضهم على السارق من السارق ولا الغاصب, وبعضهم يرى القطع (٥) .
وعند الظاهرية أن السرقة هى الاختفاء بأخذ الشيء ليس له, وأن السارق
стр. 1371
هو المختفى بأخذ ما ليس له, ويترتب على هذا التعريف أن يقطع السارق كلما أخذ ما ليس له, ولو كان أخذه من سارق أو غاصب (١) .
ويترتب على الحكام السابقة انه إذا سرق السارق من آخر فدرئ القطع عن الأول كان القطع على الثاني, لأن يده تصبح يد ضامن فى رأى أبى حنيفة, وإذا قطع السارق الأول فى مال فسرقه منه آخر فلا قطع على الآخر, لأن يد المسروق منه ليست يد ملك ولا أمانه ولا ضمان, إذ هو بالقطع لا يضمن المسروق, وعند أحمد لا قطع على السارق الثانى سواء قطع الأول أو درئ عنه القطع, لأن السرقة ليست من المالك أو من يقوم مقامه. وعند مالك يقطع السارق الثانى سواء قطع الأول أم لم يقطع, لأنه سرق مالاً للغير لا شبهة له فيه من حرزه ولو توالت السرقات وتعدد السراق (٢) .
وكذلك الحكم عند الظاهرية, أما عند الشافعى والشيعة الزيدية, فبعضهم يرى القطع على السارق الثانى وبعضهم لا يراه, لأن منهم من يأخذ برأى يتفق مع رأى مالك, ومنهم من يأخذ برأى يتفق مع رأى أحمد, كما ورد ذلك فى المراجع السابقة.
وإذا سرق السارق مالاً فقطع فيه ورد المال لصاحبه فعاد نفس السارق وسرق نفس الشيء قطع أيضًا بالسرقة الثانية بهذا المال فى رأى مالك والشافعى وأحمد والظاهريين, لأن القطع عقوبة تتعلق بفعل السرقة, فتكرر العقوبة كلما تكرر الفعل, ولا عبره بالعين التى يقع عليها الفعل, ويستوى عندهم أن تكون العين قد بقيت على حالتها التى كانت عليها وقت السرقة الأولى أم تكون قد تغيرت (٣) .
ويفرق الحنفيون بين ما إذا كان الشيء قد بقى على حاله أم تغير, فإن كان الشيء باقيًا على حاله فالقياس هو القطع, إلا أن بعض الفقهاء فى المذهب لا يرون
стр. 1372
القطع استحسانًا, لأن عصمة المال تسقط بالسرقة الأولي, فإذا عادت العصمة بالرد فإنها تعود مع شبهة العدم, لأن السقوط لضرورة وجوب القطع, وأثر القطع قائم بعد الرد فيورث شبهة فى العصمة. أما إذا كان المال قد تغير فالقاعدة فى المذهب الحنفى أنه إذا كان المال قد تغير وأصبح فى حكم عين أخرى ففيها القطع, فإذا سرق غزلاً فرده للمالك فنسجه ثوبًا فعاد وسرق الثوب قطع به, ولو سرق بقرة فقطع فيها ثم ردت لمالكها فولدت عجلاً فسرق العجل يقطع به لأنه سرق عينًا أخرى (١) .
وفى مذهب الشيعة الزيدية رأيان: أولهما يرى أن من عاد إلى سرقة ما قد قطع فيه لم يقطع, ورأى يرى أنه يقطع, وحجة من لا يرى القطع أن القطع الأول يصبح شبهة (٢) .
ولا قطع فى مذهب أبى حنيفة على من ضمن المسروق قبل إخراجه من الحرز, لأن وجوب الضمان يؤدى إلى ملك المضمون من وقت وجود سبب الضمان, فكأنه ملكه قبل إخراجه من الحرز, واختلفوا فيمن سرق ثوبًا فشقه قبل الخروج به من الحرز أو ذبح شاة ثم أخرجها من الحرز مذبوحة, فقال أبو يوسف بعدم قطع السارق, لأنه شق الثوب وذبح الشاة فى الحرز يؤخذ منه سبب الضمان فى الحرز, ووجوب الضمان يوجب ملك المضمون من وقت وجود السبب, وذلك يمنع القطع. ويرى أبو حنيفة ومحمد قطع سارق الثوب, لأن السرقة تمت والثوب على ملك المجنى عليه إذ الملك لا يزول عنه إلا باختيار الضمان, فقبل الاختيار كان الثوب على ملكه وعلى هذا فيقطع, وكذا الأمر فى الشاة, إلا أنه لما أخرج الشاة من الحرز كانت لحمًا ولا قطع فى اللحم, أما لو أتلف الثوب إتلافًا يستهلكه فلا قطع عليه وإن كانت قيمه الثوب بعد إخراجه نصابًا, لأن التخريق أو الشق المستهلك يوجب استقرار الضمان من وقت الفعل, وهذا
стр. 1373
بدوره يوجب ملك المضمون (١) .
ويرى مالك والشافعى أن العبرة بقيمة المسروق خارج الحرز, فإن بلغ نصابًا قطع السارق, وإن لم يبلغ نصابًا فلا قطع, فمن ذبح شاة أو أفسد طعامًا أو شق ثوبًا يقطع إذا بلغت قيمة ما خرج من الحرز نصابًا (٢) .
والظاهريون يرون قطع السارق إذا أخذ خفية نصابًا, وهم لا يعترفون بالحرز ولا يشترطونه, ومذهب الشيعة الزيدية فى هذه المسالة كمذهب الحنفية (٣) .
ومن المتفق عليه بين الفقهاء أن ما يستهلكه السارق داخل الحرز أو يتلفه لا يعتبر سرقة, وإنما يعتبر إتلافًا عقوبته التعزير, ولكن مذهب الظاهريين يقتضى أن ما يستهلك داخل الحرز يعتبر سرقة ما دام قد أخذ على وجه الخفية (٤) , ومن ثم لا تضاف قيمة المستهلك داخل الحرز أو المتلف إلى قيمة ما أخرج من الحرز لتكملة النصاب, فلو أكل السارق داخل الحرز من الطعام ما يساوى نصف نصاب ثم خرج ومعه من نفس الطعام نصف نصاب, فإنه لا يقطع, لأن ما خرج به من الحرز لم يبلغ نصابًا كاملاً, ولكنه يقطع عند الظاهريين لأنه أخذ نصابًا كاملاً.
وإذا ادعى السارق ملكية المسروق, فيرى مالك أن ادعاء ملكية المسروق فى ذاته ليس له قيمة ولا يدرأ عنه العقوبة ... إلا إذا أثبت صحة ما يدعيه, فإذا لم يكن دليل حلف المجنى عليه أن المتاع المسروق له وليس للسارق, فإن نكل حلف السارق ودفع إليه المتاع ولم تقطع يده (٥) .
ويرى أبو حنيفة أنه إذا ادعى السارق ملكية المسروق درئ عنه القطع
стр. 1374
لمجرد الادعاء دون حاجة لأن يقيم دليلاً على صحة ادعائه, وتكون العقوبة التعزير, لأن المسروق منه قد صار خصمًا له فى ملكية الشيء المسروق, فإن ادعى عليه ما لو أقر به لزمه ويتمكن من إثباته عليه بالبينة, وإن طلب يمينه كان له أن يستحلف عليه, وبعدما آل الأمر إلى الخصومة لا يستوفى الحد, لأن المسروق منه إذا وجه اليمين للمتهم على ملكية الشيء فامتنع عن حلفها قضى عليه بالنكول, وإن ردها على المسروق منه فحلفها قضى عليه باليمين, فالقول بالقطع عند الادعاء بملكية المسروق يؤدى إلى استفاء الحد باليمين والنكول (١) .
ويرى الشافعى أن ادعاء السارق بملكية المسروق أو ملكية الحرز, أو أنه أخذه من الحرز بإذنه, أو أنه أخذه والحرز مفتوح, أو صاحبه معرض عن الملاحظة, أو أنه دون النصاب, سقط عنه القطع بمجرد دعواه وإن ثبتت السرقة بالبينة لاحتمال صدقه فصار شبهة دارئة للقطع, لأنه صار خصمًا, ولا يستفصل بعد ثبوت السرقة عن كون المسروق ملكه, وإن كان فيه سعى فى سقوط الحد عنه أنه إغراء له بادعاء الباطل, ولكن مجرد ادعائه لا يثبت له المال وإن درأ عنه القطع إلا ببينة أو يمين مردودة, فإن نكل عن اليمين المردودة لم يجب القطع لسقوطه بالشبهة (٢) .
وفى مذهب أحمد ثلاثة أراء: الرأى الأول كرأى مالك, والثانى كرأى الشافعى وهو الراجح فى المذهب, والرأى الثالث: إن كان معروفًا بالسرقة لم يسقط عنه القطع, وإن لم يكن معروفًا بها سقط عنه القطع (٣) , ومذهب الشيعة الزيدية أن الادعاء بالملكية يسقط القطع دون الحاجة لإقامة الدليل على صحة هذا الادعاء (٤) .
ويلاحظ أن سقوط القطيع ليس معناه إعفاء الجانى من المسئولية الجنائية بل يبقى مسئولاً عن جريمته ويعاقب عليها بعقوبة التعزير بدلاً من عقوبة القطع
стр. 1375
, ويشترط اتفاقًا فى المال المسروق أن يكون معصومًا فإذا لم يكن معصومًا كان مباحًا, ولا يعتبر أخذه سرقة كمال الحربى غير المستأمن ومال الباغي, فإنه غير معصوم, ولا قطع فى أخذه خفية.
على أن مال العادل إذا أخذه الباغى لا يقطع به, كذلك لا يقطع الحربى بسرقة مال المسلم والذمى. ويرى أبو حنيفة استحسانًا ألا قطع فى سرقة مال الحربى المستأمن وإن كان القياس أن يقطع لأنه سرق مالاً معصومًا, إذ الحربى يستفيد العصمة بالأمان, ووجه الاستحسان أن هذا مال فيه شبهة الإباحة, لأن الحربى المستأمن من أهل دار الحرب "أى مُنتمٍ إلى دولة محاربة", وإنما دخل دار الإسلام ليقضى حوائجه ثم يعود من قريب, فكونه من أهل دار الحرب يورث شبهة الإباحة فى ماله, لأنه كان فى الأصل مباح المال وإنما ثبتت العصمة لنفسه وماله بأمان عارض هو على شرف الزوال, فعند الزوال يظهر أن العصمة لم تكن على الأصل المعهود, وكل عارض على أصل إذا زال يلحق بالعدم كأن لم يكن, فتصبح العصمة كأن لم تكن ثابتة من قبل, بخلاف الحال مع الذمى لأنه من أهل دار الإسلام, وقد استفاد العصمة بأمان مؤبد, فكان معصوم المال عصمة مؤبدة مطلقة ليس فيها شبهة الإباحة, ويرتب أبو حنيفة على رأيه هذا ألا قطع على الحربى المستأمن إذا سرق مال المسلم أو الذمي, لأنه أخذه على اعتقاد الإباحة, ولأنه لم يلتزم أحكام دار الإسلام, ولكن أبا يوسف يخالفه فى هذا ويرى قطع الحربى المستأمن إذا سرق مال مسلم أو غير مسلم. وفى مذهب أبى حنيفة: لا يقطع العادل فى سرقة مال الباغي؛ لأن ماله ليس بمعصوم فى حقه كنفسه, ولا الباغى فى سرقة مال العادل, لأنه أخذه عن تأويل؛ وتأويله وإن كان فاسدًا لكن التأويل الفاسد عند انضمام إليه يلحق بالتأويل الصحيح فى منع وجوب القطع (١) .
стр. 1376
ويرى مالك قطع المستأمن إذا سرق مسلمًا أو غير مسلم, كما يرى قطع المسلم والذمى فى سرقة مال المستأمن (١) .
وفى مذهب الشافعى أقوال فى سرقة المعاهد والمستأمن والسرقة منهما. وأحسن هذه الأقوال أنه يقطع إذا اشترط فى العهد أو الأمان قطعه بسرقة, لأنه فى هذه الحالة يكون ملتزمًا بالأحكام, فإذا لم يشترط ذلك فلا يقطع لانتفاء التزامه ويكون حكمه حكم الحربى. ولا يقطع أيضًا مسلم أو ذمى بسرقتهما ماله إلا إذا اشترط قطعه فى السرقة لاستحالة قطعهما بماله دون قطعه بمالهما (٢) . على أن البعض يرى ألا يقطع المستأمن والمعاهد بالسرقة ولو اشترط قطعهما بها, ولا يقطع لهما بسرقة مالهما (٣) .
وفى مذهب أحمد رأيان: أرجحهما أن يقطع المستأمن بسرقة المسلم والذمى ويقطعان بسرقته؛ لأن القطع حد يجب عليه كحد القذف, وإذا كان القطع واجبًا لصيانة الأموال فإن حد القذف واجب لصيانة الأعراض, فإن وجب أحدهما فى حق المستأمن وجب الآخر, فأما حد الزنا فلم يجب, لأنه يجب بالزنا قتله انقضه العهد, ولا يجب مع القتل حد سواه. وهذا رد على أصحاب الرأى الثانى الذين يقولون إن المستأمن لا يقطع بالسرقة, لأنه حد لله تعالى فلا يقام عليه حد كحد الزنا (٤) .
سرقة الكفن: يرى أبو حنيفة ألا قطع فى سرقة الأكفان, وله فى ذلك حجتان: الأولى: أن الكفن مال تافه, لأن الطباع السليمة تنفر من ذلك, ولأنه لا ينتفع به مثل ما ينتفع بلباس الحي, ففى مالية الكفن إذن قصور, والقصور فوق الشبهة والشبهة تدرأ بالحد, فالقصور أولى. الثانية: أن الكفن ليس مملوكًا لأحد
стр. 1377
فهو ليس ملك الميت؛ لأن الميت لا ملك له, وهو ليس على ملك الورثة؛ لأن تكفين الميت وتجهيزه مقدم على حق الورثة, وإذن فهو غير مملوك لأحد (١) .
وأما مالك وأحمد والشافعى ومعهم أبو يوسف من أصحاب أبى حنيفة فيرون قطع سارق الكفن, لأنهم لا يقرون نظرية التافهة التى يقول بها أبو حنيفة. وعندهم أن كل ما يباع ويشترى فهو مال متقوم يقطع فى سرقته, وعلى هذا فالكفن مال مسروق من حرز مثله وهو القبر, وهو على ملك الميت إن كان من ماله, أو على ملك الورثة على رأى, والأصل أن الميت لا يزول ملكه إلا عما لم يكن فى حاجة إليه أما الكفن فهو فى حاجة إليه فبقى على ملكه, ولكنهم يشترطون للقطع أن يكون الكفن مشروعًا وأن تبلغ قيمته نصابًا, فإن كان الكفن زائدًا عن الحد الشرعى فلا تدخل قيمة الزائد فى احتساب النصاب, وإنما تحتسب فقط قيمة الجزء المشروع, فإن قلت عن النصاب فلا قطع, وكذلك لا قطع فيما يوضع مع الميت فى قبره من الأشياء الثمينة كالمصوغات وغيرها؛ لأن الشرع لا يبيح وضع هذه الأشياء من ناحية, ولأن القبر ليس حرزًا لها من ناحية أخرى.
ويشترط الشافعيون أن يكون القبر فى بيت محرز أو فى مقبرة فى عمارة ولو فى جنب البلد, فإن كان القبر فى بيت غير محرز أو فى مفازة فلا قطع, ولكن الحنابلة يرون القبر حرزًا ولو بعد عن العمران ما دام القبر مطمومًا الطم الذى جرت به العادة (٢) .
ويرى الظاهريون قطع سارق الكفن؛ لأن السارق هو الآخذ شيئًا لم يبح الله تعالى أخذه, فيأخذه ممتلكًا له مستخفيًا به, وتلك صفة النباش فهو السارق (٣) .
стр. 1378
كذلك فإن الشيعة الزيدية ترى القطع فى سرقة الكفن (١) .
والقائلون من الفقهاء بقطع سارق الكفن يتفق مع رأيهم ما أخذت به المحاكم المصرية والفرنسية, إذ تعتبر الأشياء الموضوعة فى القبر من كفن وغيره على ملك الورثة أو واضعها, على أن هناك من يرى رأى أبى حنيفة, ويعتبر الأكفان من قبيل المتروكات التى لا عقاب على أخذها, أو يرى أن هذه الأشياء لا ملك لها (٢) .
٦١٣- الأشياء المباحة: هى التى لا مالك لها أصلاً وتكون ملكًا لمن يضع يده عليها ويحتازها, كالماء فهو مباح أصلاً, ولكنه يصبح مملوكًا لمن يحتازه ويضع يده عليه, وكاللآلئ فى قاع البحر, وكالطيور والحيوانات البرية, وكالأسماك, فهذه كلها مباحة أصلاً, إذ لا مالك لها ولكنها تصبح مملوكة لمن يحتازها.
والاستيلاء على الأشياء المباحة لا يعتبر فى الشريعة سرقة لأنها مال لا مالك له ولأن شروط الأخذ خفية لا تتوفر فيها, فهى لا تؤخذ من حرز ولا تخرج من حيازة شخص إلى حيازة الجانى.
٦١٤- الأشياء المتروكة: هى الأشياء التى كانت مملوكة للغير ثم تخلى عنها مالكها كالملابس المستهلكة وبقايا الطعام وكناسة المنازل, وحكم الأشياء المتروكة هو حكم الأشياء المباحة, لأن الأشياء المتروكة تصبح بتركها لا مالك لها, وملك الشيء للغير واجب لاعتبار السرقة.
٦١٥- اللقطة: وهى ما يلتقط من مال ضائع, أو مال متروك على ملك تاركه, أو مال
стр. 1379
ضال (١) , أو هى ما وجد من حق ضائع محترم لا يعرف الواحد مستحقه (٢) , أو هى المال الساقط أو الحيوان الضال لا يعرف مالكه (٣) , ويقابل تعبير اللقطة فى الشريعة ما نسميه اصطلاحًا بالأموال الفاقدة أو الضائعة.
ولا يعتبر أخذ اللقطة فى الشريعة سرقة, حتى ولو أخذها الملتقط بنية تملكها, وإنما يعتبر الملتقط مرتكبًا لجريمة أخرى هى كتمان اللقطة أو كتمان الضالة, ولهذه الجريمة عقوبة أخرى تختلف عن عقوبة السرقة, فعقوبة السرقة القطع, وعقوبة كتمان اللقطة أو الضالة التعزير وغرامته مثيلها على رأى.
ولم تلحق الشريعة كتمان اللقطة بالسرقة, ولو أن المال الملتقط له مالك؛ لأن هناك فرقًا كبيرًا بين الالتقاط والسرقة. فالملتقط يعثر على المال مصادفة ولا ينتوى التقاطه إلا بعد العثور عليه, أما السارق فيقصد السرقة غالبًا قبل الأخذ خفية وقبل أن يعثر على المال المسروق. والملتقط يعثر على المال وهو غير محرز, أما السارق فيسرق غالبًا من حرز, والسارق يأخذ المسروق خفية, أما الملتقط فلا يختفى بأخذ اللقطة وليس ثمة ما يدعو للخفية. بل إن بعض الفقهاء يرى الالتقاط واجبًا لأنه يؤدى لحفظ المال وإن كان بعض الفقهاء يقول بكراهيته, فإنما يقول به لما يخاف من تقصير الملتقط فيما يجب عليه من تعريف اللقطة, والالتقاط فى ذاته لا تحرمه الشريعة وإنما المحرم هو كتمان اللقطة, ولكن السرقة محرمة لذاتها. كذلك الإبل فإنها لا تلتقط باتفاق.
ولهذه الفروق الظاهرة فرقت الشيعة بين السرقة والالتقاط وجعلت كلاً منهما جريمة مستقلة, وبهذا يأخذ كثيرًا من القوانين الوضعية الحديثة, كالقانون البلجيكى والقانون الإيطالي, ولكن القانون الفرنسى والقانون المصرى يجعلان
стр. 1380
الالتقاط فى حكم السرقة ويعاقبان عليه بعقوبة السرقة إذا حبس الملتقط الشيء بنية تملكه.
والأصل فى اللقطة ما روى عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن لقطة الذهب والورق فقال: "اعرف وِكاءَها وعِفاصَها ثم عرِّفها سنة, فإن لم تعرف فاستنفعها ولتكن وديعة عندك, فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فادفعها إليه". وسئل عن ضالة الإبل فقال: "ما لك ولها؟ معها سقاؤها وغذاؤها, ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها", وسئل عن الشاة فقال: "خذها فإنما هى لك أو لأخيك أو للذئب".
وكتمان اللقطة محرم سواء انتوى الملتقط وقت الالتقاط تملك الشيء وكتمان اللقطه أو لم ينتو ذلك إلا بعد الالتقاط, لأن العقوبة على الكتمان وليست على مجرد الالتقاط, على أن للنية أثرها فى بعض حالات الضمان وإن لم يكن لها أثر على وجوب العقاب.
وللقطة أحكام خاصة فى الشريعة أهمها: أن يعرِّف الملتقط اللقطة ويعلن عنها لمدة معينة وله بعد ذلك أن يتصرف فى الشيء ويتصدق بثمنه أو ينفقه على نفسه ولو كان غنيًا على رأي, ولصاحب الشيء أن يسترده كلما كان موجودًا, وله إن لم يكن موجودًا الرجوع بثمنه على الملتقط (١) .
الركاز والكنز: الركاز هو المال المدفون فى الأرض, ويسمى الركاز الكنز أيضًا فى اصطلاح بعض الفقهاء, وأن البعض يسمى ما وجد عليه سيماء الجاهلية ركازًا, وما وجد عليه سيماء الإسلام كنزًا.
والأصل فى الركاز قول رسول الله ﷺ : "وفى الركاز الخمس". والمال
стр. 1381
الذى يسمى ركازًا هو ما كان من دفن الجاهلية, ويعتبر ذلك بأن ترى عليه علاماتهم كأسماء ملوكهم وصورهم وصور أصنامهم ونحو ذلك, فإن كان عليه علامة الإسلام أو اسم النبى ﷺ أو اسم أحد من خلفاء المسلمين أو والٍٍ من ولاتهم أو آية من قرآن أو نحو ذلك فالمال لقطة, وقد عرفنا فيما سبق حكم اللقطة. إذ المفروض فيه أنه ملك مسلم لم يعلم زواله عنه. وإن كان على بعضه علامة الإسلام وعلى بعضه علامة الكفر فهو لقطة أيضًا.
والركاز الذى فيه الخمس هو كل ما كان مالاً على اختلاف أنواعه من الذهب أو الفضة والحديد والنحاس والرصاص والآنية إلى ذلك على رأي, وهو الذهب والفضة فقط على رأى آخر, أما ما عداهما فحكمه حكم المعادن التى توجد فى بطن الأرض, ويفرق رأى ثالث بين ما اختلط بالتراب ويعتبره معدنًا, وبين ما تدل حالته على أنه دفن بفعل آدمى ويعتبره ركازًا.
وهناك خلاف على ملكية الركاز. فالبعض يراه مملوكًا لواجده, والبعض يراه مملوكًا لمالك الأرض، على تفصيل لا محل لذكره هنا (١) .
وإذا اعتبر الركاز لمالك الأرض فإن أخذه واجده لا يعتبر سرقة ولو حفر عليه وأخذه, لأن مالكه لا يعرف شيئًا عنه فلا يعتبر أنه أحرزه, ولأن المال لا يمكن أن يؤخذ خفية, لأن البحث والحفر يقتضى العلانية فهو اختلاس أو غصب وفيه التعزير, ولا قطع فيه لما سبق, وحتى لو اعتبر سرقة فإن الخلاف على الملكية يعتبر شبهة تدرأ الحد.
* * *
стр. 1382
الركن الرابع: القصد الجنائي
٦١٦- لا يعتبر الأخذ خفية سرقة إلا إذا توفر لدى الآخذ القصد الجنائى: ويتوفر القصد الجنائى متى أخذ الجانى الشيء وهو عالم أن أخذه محرم, وما دام أنه يأخذه بقصد أن يتملكه لنفسه دون علم المجنى عليه ودون رضاه. فمن يأخذ شيئًا على اعتقاد أنه مباح أو متروك فلا عقاب عليه لانعدام القصد الجنائي, ولأنه أخذ ما ظنه مباح الأخذ, ومن أخذ شيئًا دون أن يقصد تملكه كأن أخذه ليطلع عليه أو ليستعمله ويرده أو أخذه على سبيل الدعابة, أو أخذ شيئًا وهو يعتقد أن المجنى عليه موافق على أخذه, كل أولئك لا يعتبر أحدهم سارقًا لانعدام القصد الجنائى.
ويجب أن يؤخذ الشيء بنية تملكه, فمن يأخذ شيئًا لغيره ويعدمه مكانه لا يعد سارقًا, وإنما هو متلف للشيء. وكذلك الحكم لو استهلك الشيء فى محله كطعام أكله أو شراب شربه أو طيب تطيب به, فإن خرج بالشيء من حرزه ثم أتلفه أو استهلكه خارج الحرز فهو سارق لا متلف, وهذا رأى جمهور الفقهاء. إلا أن الظاهريين يرون استهلاك الشيء فى الحرز سرقة لا إتلافًا, لأنهم لا يعتبرون الحرز, ولأنهم يرون السرقة تامة بمجرد وضع يد المتهم على الشيء المسروق وضعًا ماديًا.
ومن يأخذ شيئًا مملوكًا له لا عقاب عليه, لأنه لا يمكن أن يقال إنه أخذ الشيء بقصد تملكه إذ هو ملكه, فلا يعد سارقًا المؤجر الذى يأخذ العين التى
стр. 1383
أجرها, ولا المعير ولا المودع إذا أخذ العين التى أعارها أو أودعها, ولا يعد سارقًا من يتصرف فى الشيء تصرف الوكيل ولو لم يوكل فى هذا التصرف لأنه لم يأخذه بقصد تملكه, كالشريك الذى يبيع العين المشتركة بغير أن يقصد الاستئثار بنصيب شريكه, والدائن الذى يأخذ شيئًا لمدينه لا يقصد تملكه وإنما يقصد حبسه تحت يده حتى يسدد له دينه لا يعتبر سارقًا, لأنه لم يقصد تملك الشيء. أما إذا أخذه وهو يقصد تملكه سدادًا لدَيْنه فحكمه ما تقدم عند الكلام عن أخذ مال المدين.
ومن أخذ شيئًا متنازعًا على ملكيته لا يعد سارقًا متى ثبت أنه المالك له حقًا, فإذا لم تثبت له الملكية فالعبرة بجدية النزاع وبقصد الجاني, فإن كان النزاع جديًا أو كان قد أخذه وهو يعتقد أنه مالك له, فالقصد الجنائى غير متوفر.
ولا يكفى القصد الجنائى مع الأخذ خفية لعقاب الأخذ, فهناك حالات تتوفر فيها كل أركان السرقة ومع ذلك فلا يعاقب الآخذ إطلاقًا, أو يعاقب بالتعزير دون القطع. فمن أخذ مال حربى أو مال باغٍ بقصد تملكه فلا يعتبر سارقًا ولا عقوبة عليه؛ لأن أخذ مال الحربى والمال الباغى مباح, ومثل ذلك استعمال الحقوق أو أداء الواجبات التى تبيح إتيان الفعل أو توجب إتيانه, فحق الدفاع الشرعى يبيح للإنسان أن يستولى من مال غيره على ما يدفع به عن نفسه, فمن أخذ شيئًا للآخر ليدفع به جريمة قتل عن نفسه, وظل يضرب به حتى تحطم واستهلك فلا عقوبة عليه.
ولا قطع على غير المكلف إذا أخذ خفية شيئًا للغير بقصد تملكه, كالحربى يأخذ مال المسلم أو الذمي, وكالباغى يأخذ مال أحدهما لأنه لا مسئولية على أحدهما.
ولا يقطع المجنون أو المعتوه أو الصغير غير المميز إذا أخذ خفية مالاً لغيره بقصد تملكه؛ لأن حالة الجنون والعته والصغر مما يرفع العقوبة الجنائية عن
стр. 1384
الفاعل, على أن امتناع القطع فى السرقة قد لا يمنع عقوبة التعزير كما هو الأمر مع الصبى الذى يزيد سنه على سبع ولم يبلغ عشر فلا قطع, ولكنه يعاقب بعقوبة تأديبية.
ولا عقاب على السرقة فى حالة الإكراه المادى أو الأدبي, فمن يجبر ماديًا على سرقة شيء أو يهدد بالقتل إن لم يسرقه لا عقاب عليه إذا سرق تحت تأثير التهديد.
ولا عقاب على مضطر لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٧٣] , فمن سرق ليرد جوعًا أو عطشًا مهلكًا لا عقاب عليه.
ويعاقب السارق غير المضطر فى عام المجاعة بعقوبة تعزيرية, ولكنه لا يقطع بشرط أن لا يجد ما يشتريه أو يشترى به ولو لم يضطره الجوع للسرقة.
٦١٧- عقوبة الشريك إذا كان الشريك الآخر لا يقطع: يرى مالك والشافعى لأنه إذا اشترك اثنان فى سرقة, وكان أحدهما ممن لا يجب عليه القطع كالصغير غير المميز مع البالغ, أو المجنون مع العاقل البالغ, والأب مع الأجنبي, فيقطع البالغ وحده دون الصغير والمجنون, وحجتهما أن القطع امتنع عن الصغير والمجنون لمعنًى يخصه قائم فى نفسه غلا يتعداه لشريكه (١) .
ويرى أبو حنيفة وزفر أنه إذا اشترك من لا قطع عليه مع من عليه القطع درئ القطع عن الشركاء, وحجتهما أن السرقة واحدة, وقد حصلت ممن يجب عليه القطع وممن لا يجب عليه القطع, فلا يجب القطع على أحد, كالعامد مع المخطئ إذا اشتركا فى قطع أو قتل, وإذا كان الإخراج أصل فى السرقة إلا أنه يحصل من الكل معنى لاتحاد الكل فى معنى التعاون, فكان إخراج من لا قطع عليه مثل إخراج من عليه القطع ضرورة الاتحاد, ومن وجبت المساواة بينهما فى العقوبة.
ويرى أبو يوسف منع القطع عمن يجب عليه القطع إذا كان الذى تولى الإخراج هو الشخص الذى لا يجب عليه القطع؛ لأن الإخراج من الحرز
стр. 1385
هو الأصل, والإعانة كالتابع, فإذا ولى الإخراج من ليس عليه قطع فقد أتى بالأصل, وإذا لم يجب على من أتى بالأصل قطع لم يجب على من أتى بالتابع (١) .
وفى مذهب أحمد رأيان: أحدهما يتفق مع رأى الشافعى ومالك, والثانى كرأى أبى حنيفة (٢) .
ومذهب الشيعة الزيدية كمذهب الشافعى ومالك (٣) .
* * *
المبحث الثاني
أدلة السرقة
تثبت جريمة السرقة بما يأتى:
٦١٨- أولاً: البينة, أى شهادة الشهود: ويشترط فى شهود السرقة ما سبق بيانه من الشروط التى يجب توافرها فى شهود الزنا على الخلاف والوفاق الذى ذكر بين الفقهاء. وتثبت السرقة بشهادة شاهدين اثنين: فإن قل العدد عن اثنين أو كان أحدهما امرأة أو كان أحدهما شاهد رؤية والآخر شاهد سماع فلا قطع بشهادتهما.
وتقبل شهادة رجل وامرأتان, وشهادة شاهد رؤية وشاهدى سماع, وشهادة شاهد ويمين المدعي, بقصد إثبات ملكية المسروق, فإذا لم يكن غير هذه الشهادات فى جريمة السرقة امتنع الحكم بالقطع, واقتصر القاضى على الحكم بتعزير الجانى وإلزامه بضمان قيمة الشيء المسروق (٤) .
ويشترط أبو حنيفة عدم التقادم لقبول الشهادة ولقطع السارق بها, والأصل عنده أن التقادم يبطل الشهادة على الحدود الخاصة, ولكن بطلان الشهادة
стр. 1386
بالنسبة للحد لا يمنع من ثبوت المال المسروق للمجنى عليه بنفس الشهادة, ولا يمنع من تعزير الجانى بهذه الشهادة وتضمينه قيمة المسروق, لأن التقادم يمنع من قبول الشهادة على الحدود الخالصة لشبهة الضغينة, والشبهة تدرأ الحد، ولكنها لا تمنع وجوب المال.
أما الأئمة الثلاثة فلا يعرفون التقادم ولا يسلمون به, فتقبل الشهادة عندهم تقادمت أو لم تتقادم ما دام القاضى مقتنعًا بصحتها.
وهناك رواية عن أحمد بأنه يقبل التقادم فى الحدود (١) .
وإذا تعدد السراق, وكان بعضهم غائبًا وبعضهم حاضرًا تثبت السرقة عليهم جميعًا بشهادة شاهدين, ويقطع الحاضر من الجناة, أما الغائب فلا يقطع بهذه الشهادة, بل يجب أن تعاد البينة فى مواجهته, أو تثبت عليه الجريمة فى مواجهة بينة أخري (٢) , وهو ما يراه الأئمة الثلاثة. وعلى القاضى أن يتحقق من عدالة الشهود فى الحدود ولو لم يطعن المتهم فى شهادتهم, ولكنه غير ملزم بالتحقق من عدالتهم فى غير الحدود, ما لم يطعن فى شهادتهم على الرأى الراجح فى مذهب أبى حنيفة.
ويشترط أبو حنيفة لقبوله الشهادة على السرقة الموجبة للقطع قيام الخصومة ممن له يد صحيحة على الشيء المسروق, فإذا حضر الشهود, وقبل المجنى عليه أو من له حق الخصومة وشهدوا بالسرقة, لم تقبل شهادتهم ما لم يحضر من له حق المخاصمة أو المجنى عليه ويخاصم, لأن من شرط السرقة أن يكون الشيء مملوكًا لغير السارق, فلا تظهر السرقة إلا بالخصومة, فإذا لم توجد الخصومة لم تقبل الشهادة, إلا أن عدم قبول الشهادة لا يمنع القبض على المتهم وحبسه بناء على تبليغ الشهود بالسرقة إذ التبليغ اتهام, والقبض والحبس لا يجوز أن يتوجه
стр. 1387
بالاتهام, فإذا حضر المجنى عليه أو غيره ممن له حق الخصومة وادعى ملكية المسروق قبلت الشهادة (١) .
والمقصود من قبول الشهادة هو عدم سماع الشهود قضاء والأخذ بها كدليل, فلا يمنع حضور الشهود قبل المخاصمة من سماع أقوالهم وتدوينها كبلاغ وحبس المتهم بموجبها, وإنما الممنوع هو الحكم بها (٢) .
ولكن مالكًا لا يرى المخاصمة ضرورية لقبول الشهادة والحكم بها, فإذا حضر الشهود وبلغوا بالسرقة سمعت شهادتهم وأقيمت الدعوى على المتهم ولو لم يحضر المجنى عليه, ولو كان المتاع لغائب أو مجهول, ويقطع السارق بشهادة الشاهدين؛ لأن الحد متعلق بحق الله تعالي, وقد ارتكب المتهم الجريمة, فوجبت عليه عقوبتها (٣) , بل لو كذب المجنى عليه الشهود بالسرقة فلا يمنع هذا من القطع ما دامت السرقة ثابتة (٤) .
ويرى الشافعى أنه إذا تقدم الشهود فشهدوا بسرقة مال شخص غائب أو حاضر لم يبلغ قبلت شهادتهم حسبة تغليبًا لحق الله تعالي, ولكن لا يقطع السارق بهذه الشهادة حتى يطالب المالك بالشيء المسروق, أو يطالب عنه وليه أو وصيه, فإذا ادعى اعتبرى الشهادة مرة ثانية بعد ادعائه لإثبات أن المال المسروق له؛ لأن شهادة الحسبة لا تقبل فى المال, أما وجوب القطع فقد ثبت بثبوت السرقة التى ثبتت بشهادة الحسبة إن كان القطع, متوقفًا على المخاصمة؛ لأن عدم المخاصمة تفيد وجود مسقط للقطع فانتظار المخاصمة هو انتظار ظهور مسقط, فإذا خاصم تبين أن لا مسقط (٥) . ورأى الشافعى لا يختلف من الناحية العملية عن رأى أبى حنيفة.
وفى مذهب أحمد رأيان: أحدهما يتفق مع مذهب أبى حنيفة وهو الراجح
стр. 1388
, والثانى يتفق مع مذهب مالك, وهو المرجوح (١) , وأصحاب الرأى الأول يحتاطون فيرون حبس السارق وأخذ المال المسروق وحفظه حتى يحضر الغائب أو وكيله, ويلاحظ أن المخاصمة مقيدة بالسرقة الموجبة للقطع, فإن كانت السرقة مما يعزر فيه فلا تشترط الخصومة لظهور السرقة, وليس من الضرورى سماع أقوال المجنى عليه أو من يمثله إلا فيما يتعلق بتضمين السارق قيمة المسروق, ويكفى أن يثبت السرقة بأى طريق آخر غير طريق المجنى عليه. والتشدد فى السرقة الموجبة للقطع راجع إلى الأصل المشهور "ادرءوا الحدود بالشبهات" فمن اشترط حضور المجنى عليه اتخذ من عدم حضوره شبهة أن يكون المال غير مسروق أو أن للمتهم حقًا فيه, أو أنه سرق من غير حرز, أو أن المتهم أذن له فى دخول الحرز وغير ذلك من الشبهات التى تدرأ القطع.
من يملك الخصومة؟: وإذا كان بعض الفقهاء يرى الخصومة شرطًا لظهور السرقة المستوجبة للقطع فلابد من بيان من يملك الخصومة, والأصل عند أبى حنيفة أن كل من له يد مالك أو أمانة أو ضمان, فللمالك أن يخاصم السارق, وللمودع وللمستعير والمضارب والغاصب والقابض على رسوم الشراء والمرتهن؛ لأن يد هؤلاء إما يد ضمان أو يد أمانة, فلهم جميعًا أن يخاصموا السارق, وتعتبر خصومتهم فى حق ثبوت ولاية الاسترداد والإعادة إلى أيديهم أولاً, وفى حق القطع إذ يقطع السارق بخصومتهم ثانيًا. ولكن زفر لا يعتبر الخصومة فى حق القطع إلا من المالك فقط وهو مذهب الشافعي, حيث يشترط مخاصمة المالك أو وكيله, ولا يجيز مخاصمة واضع اليد كالمرتهن والمستأجر. أما مالك فلا يشترط المخاصمة والمطالبة للقطع - وفى مذهب أحمد رأيان: رأى كمذهب مالك, والثانى كمذهب الشافعى يشترط مخاصمة المالك دون غيره (٢) .
стр. 1389
والسارق عند أبى حنيفة لا يملك الخصومة إذا سرق الشيء منه؛ لأن يده ليست صحيحة على الشيء المسروق, فلا هى يد مالك, ولا يد أمانة, ولا ضمان, فصار الأخذ من يده كالأخذ من الطريق, وليس للمالك ولاية الخصومة فى هذه الحالة, لأن الأخذ لم يخرج من المال من حيازته ولكن له حق استرداد الشيء المسروق. وإذا كان السارق لا يملك الخصومة فإنه يترتب على ذلك سقوط القطع فى حق السارق الثانى.
أما حق الاسترداد فقد اختلف فيه الفقهاء فى المذهب. فيرى البعض أن السارق الأول ليس له أن يطالب السارق الثانى برد المسروق, ويرى البعض أن له حق المطالبة بالاسترداد (١) , ومالك لا يشترط الخصومة, ويرى قطع السارق من السارق؛ لأنه سرق مالاً للغير من حرز لا شبهة له فيه (٢) , ولكنه لا يجعل للسارق الأول حق استرداد المسروق, إنما الاسترداد للمالك.
وأحمد يشترط الخصومة, ولكنه لا يقطع السارق من السارق, ولا السارق من الغاصب, ولا يجعل حق استرداد المسروق إلا للمالك (٣) .
وفى مذهب الشافعى رأيان فى قطع السارق من السارق: أحدهما كرأى مالك, والثانى كرأى أحمد (٤) , وحق الاسترداد لا يكون فى أى حال إلا للمالك.
٦١٩ - ثانيًا: الإقرار: تثبت السرقة بالإقرار ولو بعد حين من السرقة, لأن التقادم عند القائلين به لا يؤثر على الإقرار, إذ الإنسان غير متهم فيما يقر به على نفسه. والظاهريون يرون أن يكون الإقرار مرة واحدة ولا يتعدد.
وقد اختلف فى عدد الأقارير. فاكتفى مالك وأبو حنيفة والشافعى بإقرار واحد، ويرى أبو يوسف من فقهاء الحنفية مع أحمد والشيعة الزيدية أن يكون
стр. 1390
الإقرار مرتين, وحجتهم ما روى عن النبى ﷺ أنه لم يقطع أحد السارقين إلا بعد أن اعترف مرتين أو ثلاثًا, ويترتب على اشتراط الإقرار مرتين عند القائلين به أنه لو أقر مرة واحدة لم يقطع بها, ولكنه يعزر بها ويحكم عليه بقيمة المسروق (١) .
واختلف فى اشتراط الخصومة مع الإقرار, فأبو حنيفة والشافعى وأحمد يشترطون المخاصمة مع الإقرار, فلا يقطع المقر بسرقة مال من مجهول أو من غائب إلا إذا خاصمه من يملك المخاصمة كما هو الحال فى حالة الثبوت بالبينة, ولكن أبا يوسف من فقهاء المذهب الحنفى لا يشترط المخاصمة فى حال الإقرار ويرى القطع فى السرقة من مجهول أو غائب إذا ثبتت السرقة دون حاجة للمخاصمة, وحجته فى ذلك أن المقر لا يتهم فى الإقرار على نفسه, ويحتج أبو حنيفة ومن على رأيه بأن سمرة لما أقر للرسول أنه سرق بعيرًا, أرسل الرسول يسأل المجنى عليهم فقالوا: فقدنا بعيرًا فى ليلة كذا, فقطعه.
ويحتج لذلك أيضًا بأن الظاهر أن من فى يده شيء فهو ملكه, فإن أقر به لغيره لم يحكم بزوال ملكه حتى يصدقه المقر له, والغائب يجوز أن يصدقه, ويجوز أن يكذبه, فاحتمال التكذيب شبهة تدرأ الحد عن المتهم.
وقد علمنا فيما سبق أن مالكًا لا يشترط المخاصمة للقطع سواء ثبتت السرقة ببينة أو إقرار (٢) .
وإذا أقر الجانى ورجع عن إقراره لم يقطع, لأن العدول شبهة فى صحة الإقرار, ولكن يمكن أن يعزر على أساس إقراره, وان يحكم عليه بضمان المال المسروق, وإذا عدل المتهم عن الإقرار, وكانت الجريمة ثابتة بشهادة
стр. 1391
الشهود, قطع الجانى بناء على ثبوت الجريمة بالبينة, وهذا ما يراه أحمد ومالك والظاهريون (١) .
وعند الشافعيين يرون أن الأصح سقوط القطع إذا ثبتت الجريمة أولاً ثم ثبتت بالبينة إذا رجع عن الإقرار (٢) .
ومذهب الشيعة الزيدية كمذهب أبى حنيفة يرون أن الإقرار يبطل الشهادة, وأن العدول عن الإقرار يبطل الحد (٣) .
وليس للعدول عن الإقرار أى أثر عند الظاهريين, بل يؤخذ الجانى بإقراره ولو عدل عنه, لأنهم لا يدرأون الحدود بالشبهات, ويرى بعض الشافعية هذا الرأى على أساس أن السرقة حق متعلق بالإفراد (٤) .
٦٢٠- ثالثًا: اليمين: فى مذهب الشافعى رأى أن السرقة تثبت باليمين المردودة, فإذا ثبتت على هذا الوجه قطع المتهم, فإذا لم يكن شهود ولا إقرار, فنسب المجنى عليه السرقة للمتهم, فنكل السارق عن اليمين فحلفها المدعى قطع السارق؛ لأن اليمن المردودة كالإقرار والبينة وسيلة من وسائل الإثبات, وكل منها يقطع به فيقطع باليمن المردودة.
لكن الرأى الراجح فى المذهب أن القطع لا يكون بالبينة أو الإقرار, وأنه لا قطع باليمين المردودة, وإنما يثبت به المال المسروق فقط (٥) , وهذا الرأى يتفق مع مذهب مالك وأبى حنيفة وأحمد فإنهم لا يرون اليمن المردودة دليلاً مثبتًا إلا للمال دون غيره, وأن السارق لا يقطع بها (٦) .
* * *
стр. 1392
المبحث الثالث
ما يترتب على ثبوت السرقة
يترتب على ثبوت السرقة شيئان:
أولهما: ضمان قيمة المال المسروق.
ثانيهما: قطع السارق.
٦٢١- أولاً: الضمان: يسلم أبو حنيفة وأصحابه بأن الجانى إذا ثبتت عليه السرقة ملزم بضمان قيمة الشيء المسروق, وأنه يجب عليه القطع إذا تبين أنه سارق, ولكنهم يرون الضمان والقطع لا يحتمعان معًا, فإذا قطع السارق فلا ضمان عليه حتى ولو استهلك الشيء المسروق بعد القطع, وحجتهم أن نص القرآن جاء بالقطع فقط, وأن عبد الرحمن بن عوف روى عن رسول الله ﷺ : "إذا قطع السارق فلا غرم عليه", ولهم حجة أخرى منطقية وهى: أن المضمونات تملك عندهم من وقت الأخذ عند أداء الضمان أو اختياره, فلو ضمن السارق قيمة المسروق فكأنه ملكه من وقت أخذه, وكأنه أخذ ما يملكه, فلو قطع مع الضمان لقطع فى ملك نفسه, والقطع لا يجب إلا بأخذ ملك الغير, ولكن بعض فقهاء الحنفية يفرقون بين حالة الاستهلاك قبل القطع وحالة الاستهلاك بعده, ويرون أن السارق يضمن المال المسروق إذا استهلكه بعد القطع, أما إذا استهلكه قبله فلا ضمان. وحجتهم أن المال المسروق حين بقى فى يد السارق بعد القطع بقى تحت يده على سبيل الأمانة ليرده للمجنى عليه, فإذا استهلكه ضمن قيمته (١) .
ويرى الحنفية عمومًا أن للمالك استرداد المسروق بعد القطع ما دام المسروق لم يستهلك, سواء كان المسروق فى يد السارق أو كان السارق قد تصرف فيه للغير, وللغير أن يرجع بالثمن على السارق, ولكن ليس له أن
стр. 1393
يرجع عليه بالقيمة, لأن الرجوع بالقيمة معناه الضمان, وقد انتهى الضمان عن السارق بالقطع, أما الرجوع بالثمن فلا يوجب على السارق ضمانًا فى عين المسروق, وإن كان قد هلك فى يد المتصرف إليه فلا ضمان عليه ولا على السارق؛ لأن السارق قطع, والقطع ينفى الضمان, ولأن تضمين المتصرف إليه يعطيه حق الرجوع على السارق بالضمان, فتكون النتيجة تضمين السارق, وقطعه ينفى عنه الضمان, فإذا كان المتصرف إليه قد استهلك المسروق كان للمجنى عليه أن يرجع بقيمة المسروق على المتصرف إليه, لأنه قبض ماله بغير إذن واستهلكه وكان للمتصرف إليه أن يرجع على السارق بالثمن, والرجوع بالثمن ليس تضمينًا, وإنما التضمين هو الرجوع بالقيمة, وإذا غصب مال المسروق شخص من السارق كان للمجنى عليه أن يسترد المال من يد الغاصب, فإذا هلك المال فى يد الغاصب كان للمجنى عليه أن يرجع على الغاصب بقيمته على رأى, ولم يكن له على رأى آخر, لأن عصمة المال قد سقطت بالقطع (١) . واختلف فقهاء الحنفية فى حالة تعدد السرقات, وتعدد المجنى عليهم. والقاعدة أنه إذا تعددت السرقات قبل الحكم تداخلت الحدود وأجزأ أحدها, فيقطع السارق مرة واحدة فى كل السرقات.
والخلاف ليس على هذه القاعدة فهى مسلم بها من الجميع, وإنما اختلفوا فى الضمان إذا تعددت السرقات, ففريق يرى أن المجنى عليهم إذا حضروا جميعًا وخاصموا فلا ضمان على السارق, لأن مخاصمة السارق فى المسروق تقوم مقام الإبراء من الضمان, أما إذا خاصم أحدهم أو بعضهم ولم يخاصم الباقون فالضمان لمن لم يخاصم, وهذا هو رأى أبى يوسف ومحمد, وحجتهما أن المجنى عليه مخير بين أن يدعى المال فيستوفى حقه وهو الضمان, وبين أن يدعى السرقة فيستوفى حق الله تعالى فهو القطع ولا ضمان له, فسقوط الضمان أساسه عندهما الادعاء بالسرقة. أما الرأى المضاد فهو رأى أبى حنيفة, ويرى أن لا ضمان لأحد من المجنى عليهم؛ لأن القطع
стр. 1394
وقع للسرقات كلها, فينتفى الضمان لأيهما (١) .
ويرى الشافعى وأحمد أن القطع والضمان يجتمعان دائمًا؛ لأن السارق يأتى بما يوجب القطع, ويأتى بما يوجب ضمان قيمة المسروق فى كل سرقة, فكان الواجب عليه هو القطع والضمان, ذلك أن كل سرقة هى اعتداء على حقين أولهما: حق الله تعالى الذى حرم السرقة أو حق الجماعة التى تضر بالسرقة, والثانى: حق العبد الذى اتلف ماله دون مبرر, وإذا كانت الجريمة اعتداء على حقين فليس ثمة ما يمنع أن تكون الجريمة مضمونة بضمانين, أى أن يكون الجانى مسئولاً عن هذين الحقين, كذلك فإن الجانى ضامن لرد العين كلما كانت باقية تحت يده, فيجب عليه ضمان قيمتها إذا كانت تالفة لما روى عن رسول الله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤديه", ولا يسلم الشافعية والحنفية بحديث عبد الرحمن بن عوف؛ لأن أحد رواته مجهول.
وعلى هذا يجب على السارق رد العين المسروقة على مالكها إذا كانت باقية, فإذا كانت تالفة فعلى السارق رد قيمتها أو مثلها إن كانت مثلية قُطع أو لم يقطع, موسرًا كان أو معسرًا. وإذا تعدد المجنى عليهم فى السرقة, فالسارق ضامن لكل منهم قيمة ما سرق منه أو مثله سواء خاصم أو لم يخاصم (٢) .
وإذا تصرف السارق فى العين كان للمالك أن يسترد العين من هذا الغير وللأخير الرجوع على السارق بقيمتها.
ويرى مالك أن السارق يضمن قيمة المسروق إذا لم يحكم عليه بالقطع أيًا كان السبب فى عدم القطع, كأن كان لعدم تمام النصاب فى المال, أو فى الشهادة, أو لأنه سرق من غير حرز, أو لأن يده قطعت فى جناية أخرى عمدًا أو خطأ, أو فى حادث عرضي, وهو يضمن قيمة المال المسروق ولو كان قد تلف, وسواء كان التلف باختياره أو بالرغم منه, وسواء كان السارق موسرًا أو معسرًا,
стр. 1395
أما إذا كانت العين باقية فعليه ردها. أما إذا قطع فى السرقة فعليه رد العين إن كانت موجودة, فإن لم تكن موجودة فعليه قيمتها أو مثلها بشرط أن يكون موسرًا وقت السرقة ويظل يسره حتى يقطع. فإن كان معسرًا وقت السرقة ثم أيسر بعد ذلك ولو قبل القطع فلا ضمان. وكذلك لو كان موسرًا وقت السرقة ثم أعسر بعد السرقة وقبل القطع ولو عاد إلى يساره بعد القطع.
وأساس هذه التفصيلات عند مالك هو ما روى عن الرسول ﷺ : "إذا أقيم على السارق الحد فلا ضمان عليه", ويفسر مالك هذا الحديث بأنه لا يجوز أن يجتمع على السارق عقوبتان: قطع يده, واتباع ذمته. ولكن مالكًا يرى أن اليسار المتصل كالمال القائم, فإذا ظل السارق فى يساره من وقت السرقة إلى وقت القطع فلا يعتبر أنه عوقب بتضمينه قيمة المسروق الذى تصرف فيه, فدخل ثمنه فى ماله أو استهلكه, انتفع به أم لم ينتفع. ورأى مالك استحسان على غير قياس (١) . وتطبق هذه القواعد فى حاله تعدد السرقات وتعدد المجنى عليهم, وللمالك إذا تصرف السارق فى العين لآخر أن يسترد العين من الآخر.
ورأى الشيعة الزيدية يتفق مع مذهب أبى حنيفة, فالسارق إذا قطع لم يضمن (٢) .
٦٢٢- ثانيًا القطع. أساس القطع: الأصل فى القطع قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ﴾ [المائدة:٣٨] .
وعقوبة القطع لا يحوز العفو فيها لا من المجنى عليه ولا من رئيس الدولة, ولا يجوز أن تستبدل بها عقوبة أخرى أخف منها. والأصل فى ذلك ما روى عن رسول الله ﷺ : "تجافوا العقوبة بينكم, فإذا انتهى بها إلى الإمام فلا عفا الله عنه إن عفا", كذلك لا يجوز تأخير تنفيذ العقوبة أو تعطيلها. وهذه المبادئ
стр. 1396
متفق عليها ولا يخالف فيها إلا الشيعة الزيدية, حيث يرون أن القطع يسقط عن السارق بعفو المجنى عليه فى السرقة, فإذا تعدد المجنى عليهم وجب لسقوط القطع أن يعفو كل منهم (١) .
كذلك يرون أن للإمام مع وجوب إقامة الحد أن يسقط العقوبة عن بعض الناس لمصلحة, وله أن يؤخر إقامته إلى وقت آخر لمصلحة, على أن بعضهم يرى أن ليس للإمام إسقاط حد القذف ولا حد السرقة (٢) .
٦٢٣- محل القطع: اختلف الفقهاء فى محل القطع إلى حد كبير, ولهم فى ذلك آراء مختلفة, وأساس اختلافهم تأويل قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ , واختلافهم فى صحة ما أُثر عن الرسول, فرأى عطاء أن السارق إذا سرق قطعت يده فى السرقة الأولى ولا قطع بعد ذلك إن عاد للسرقة. وعلى هذا فإن جزاء السرقة هو قطع اليد اليمنى فى أول سرقة, أما السرقات الأخرى فلا قطع فيها, وإنما يعاقب السارق عقوبة تعزيرية. وحجة عطاء أن الله جل شأنه قال: ﴿فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ , ولو شاء أمر بقطع الرجل ولو يكن الله تعالى نسيًا (٣) .
ويرى الظاهريون أن القطع واجب فى اليدين معًا, فإذا سرق قطعت إحدى يديه, فإذا عاد للسرقة قطعت يده الثانية, فإن سرق الثالثة عزر ومنع الناس ضره حتى يصلح حاله؛ أى حبس طويلاً حتى يصلح حاله. وحجتهم أن القرآن والسنة جاءا بقطع يد السارق لا بقطع رجله, فلا يجوز أن يقطع من السارق غير يديه (٤) , ومحل القطع عند أبى حنيفة والشيعة الزيدية وعلى الرأى الأول
стр. 1397
- وهو الراجح فى مذهب أحمد - وهو اليد اليمنى والرجل اليسرى, فتقطع اليد اليمنى فى السرقة الأولى, فإن عاد للسرقة قطعت الرجل اليسرى, فإن عاد فلا قطع بعد ذلك وإنما يحبس إلى مدة غير معينة حتى يموت أو تظهر توبته. وحجتهم فى ذلك: أولاً ما روى عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال فى السارق: "إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله", ولأن نص القرآن: ﴿فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ قصد منه اليد اليمنى فقط بدليل قراءة عبد الله بن مسعود "فاقطعوا أيمانهم", ولا يظن بمثله أن يقرأ ذلك من تلقاء نفسه بل سماعًا عن رسول الله ﷺ , فخرجت قراءته مخرج التفسير, ولأن القطع - قطع اليدين- يفوت منفعة الجنس, وكذلك قطع الرجلين معًا, فلا يستطيع أن يأكل أو يمشى أو يتطهر أو يدفع عن نفسه, ولأن عمر وعليًا لم يريا أن يقطعا أكثر من يد ورجل السارق, فقد أُتى على بسارق قطعت يده ورجله فلم يقطعه وقال: إنى لأستحى من الله ألا أدع يدًا يبطش بها, ولا رجلاً يمشى عليها. ولما أشار عليه الصحابة بقطعه قال: إذا قتلته وما عليه القتل, بأى شيء يأكل الطعام؟ بأى شيء يتوضأ للصلاة؟ بأى شيء يغتسل من جنابته؟ بأى شيء يقوم على حاجته؟
وروى عن عمر أنه أتى برجل أقطع اليد والرجل قد سرق فاستودعه السجن بعد أن أشار عليه على بذلك (١) .
ومحل القطع عند مالك والشافعى وعلى الرأى الثانى فى مذهب أحمد هو اليدان والرجلان معًا, فتقطع اليد اليمنى أولاً, فإن عاد السارق قطعت رجله اليسرى, فإن عاد الثالثة قطعت اليد اليسرى, فإن عاد الرابعة قطعت رجله اليمني, فإن عاد بعد ذلك حبى حتى يموت أو تظهر توبته. وحجتهم أن الله تعالى قال: ﴿فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ , والأيدى اسم جمع والاثنان فما فوقهما جمع, وأن أبا هريرة روى عن رسول الله ﷺ أنه قال فى السارق: "السارق إن سرق
стр. 1398
فاقطعوا يده, ثم إن سرق فاقطعوا رجله, ثم إن سرق فاقطعوا يده, ثم إن سرق فاقطعوا رجله", ولأن أبا بكر وعمر قطعا فى خلافتهما اليدين والرجلين, وقد قال النبى ﷺ : "اقتدوا باللَّذَيْن من بعدى: أبى بكر وعمر" (١) .
ويشترط أبو حنيفة لقطع اليد اليمنى أن تكون اليد اليسرى صحيحة, فإن كانت مقطوعة أو شلاء مقطوعة الإبهام أو أصبعين سوى الإبهام فلا تقطع اليمنى لأن القطع للسرقة شرع للزجر لا للإهلاك, فإذا لم تكن اليسرى يمكن الانتفاع بها فإن قطع اليمنى يؤدى إلى تفويت منفعة اليدين, وهو إهلاك للنفس من وجه, وإذا كانت اليسرى كذلك فلا تقطع الرجل اليسرى أيضًا؛ لأن قطعها يؤدى إلى ذهاب أحد الشيئين على الكمال ففيه إهلاك النفس.
ويرى أبو حنيفة أيضًا أنه إذا كانت الرجل اليمنى مقطوعة أو شلاء أو بها عرج يمنع المشى عليها فلا تقطع اليد اليمنى؛ لأن فى ذلك فوات منفعة الشق, وكذلك لا تقطع رجلة اليسرى وإن كانت صحيحة؛ لأنه يبقى بلا رجلين فتفوت منفعة الجنس - أى منفعة المشي- وإن كانت رجله اليمنى مقطوعة الأصابع كلها, فإن كان يستطيع المشى عليها كلها تقطع اليد اليمني؛ لأن الجنس لا تفوت منفعته, وإن كانت يداه صحيحتين ولكن رجله اليسرى مقطوعة أو شلاء أو مقطوعة الأصابع تقطع يده اليمني؛ لأن جنس المنفعة لا يفوت وليس فيه فوات الشق, وإن كانت اليد اليمنى شلاء أو مقطوعة الإبهام أو الأصابع فإنها تقطع؛ لأن اليد السليمة تقطع فالمعيبة إذن أولى بالقطع.
ورأى أبى حنيفة فيما سبق يتفق فى مع رأى أحمد, ولكن الأخير يخالف فى أنه يعتبر اليد التى ذهب معظم نفعها فى حكم المعدومة, فلا يعتبر معدومة ما ذهب منها خنصر أو بنصر أو إبهام, أما أبو حنيفة فيعتبر فى حكم المعدوم
стр. 1399
ما قطع منه أصبعان غير الإبهام, أو قطع منه الإبهام فقط, لأن ذلك فى رأيه يفوت منفعة البطش.
وفى مذهب أحمد رأى لا يرى قطع الشلاء أصلاً, والانتقال إلى غيرها, فإن كانت اليد اليمنى شلاء قطعت الرجل اليسرى, ولكن الرأى الأخر يرى قطع الشلاء إذا رأى أهل الخبرة أنها قطعت رقأ دمها وانحسمت عروقها. وفى المذهب رأى يرى ألا تقطع اليد إذا كانت كل أصابعها ذاهبة, ورأى يرى قطعها (١) .
ومذهب الشيعة الزيدية كمذهب أبى حنيفة كما ورد ذلك فى شرح الأزهار.
ويتفق مالك والشافعى كما ذكرنا من قبل فى قطع اليدين والرجلين, ولكن مالكًا يرى ألا قطع فى يد ولا قدم مشلولة شللاً ظاهرًا. وإذا قطع من اليد معظم أصابعها كثلاثة أو أربعة أصابع, اعتبرت عند مالك فى حكم المشلولة وكذلك الرجل.
أما الشافعى فإنه يرى قطع اليد أو الرجل ولو كانت شلاء, إلا إذا خيف من قطعها ألا يكف الدم, ويكتفى بقطع اليد ما دام فيها أصبع واحد, بل يرى بعض فقهاء المذهب الاكتفاء بالكف دون الأصابع (٢) .
ومن المتفق عليه بين جميع الفقهاء أن القطع يسقط إذا ذهب العضو المستحق القطع بسبب وقع بعد السرقة لا قبلها, سواء كان الذهاب بآفة, أو قصاص, أو جناية. فمن حصل له حادث بعد السرقة فذهبت فيه يده اليمنى سقط عنه القطع ولم ينتقل للرجل اليسرى. ومن قطع يمنى شخص بعد السرقة فحكم له بقصاص, فقطعت يده اليمني, سقط عنه القطع للسرقة ولم ينتقل إلى الرجل اليسرى. أما إذا كانت الجناية التى حكم فيها بالقصاص وقعت قبل
стр. 1400
السرقة فالقطع ينتقل للرجل اليسرى (١) .
وإذا قطع شخص عمدًا العضو المستحق القطع سقط القطع, وليس على العادى إلا التعزير, ويسقط القطع؛ لأن العضو المستحق ذهب بسبب نشأ بعد السرقة زلا قصاص على العادى؛ لأنه قطع عضوًا غير معصوم, وإنما يعزر لافتياته على الإمام ولو كان القطع قبل ثبوت السرقة. والحكم بالقطع ما دام الاعتداء حدث بعد السرقة, وما دامت السرقة قد ثبتت وكانت مما يجب فيه القطع, وهذا هو رأى مالك والشافعى وأحمد, إلا أن بعض المالكية يشترط أن يكون الاعتداء بعد ثبوت السرقة لا بعد وقوعها (٢) .
ويفرق الحنفية بين حالتين, حالة ما إذا كان الاعتداء قبل المخاصمة أو بعدها, فإن كان قبل المخاصمة فعلى المعتدى القصاص؛ لأن القطع لا يجب فى السرقة إلا بالمخاصمة فكان العضو حين قطع غير مستحق القطع, فقطع وهو معصوم. وينتقل القطع فى السرقة إلى الرجل اليسرى إذا كان المقطوع هو اليد اليمني, كأن سرق ولا يمين له. أما إذا كان الاعتداء بعد الخصومة, فإن كان قبل القضاء فكذلك الجواب. إلا أنا ههنا لا نقطع رجله اليسرى؛ لأنه لما خوصم كان الواجب فى اليمين وقد فاتت, فسقط الواجب كما لو ذهب بآفة سماوية, وإن كان بعد القضاء فلا قصاص على القاطع؛ لأنه احتسب لإقامة حد الله تعالى فكان قطعه عن السرقة (٣) .
وإذا شهد بالسرقة فحسبه الحاكم لعدل الشهود, فقطعه قاطع, ثم عدلوا, فلا قصاص على القاطع عند الأئمة الثلاثة, وإن لم يعدلوا وجب القصاص. ولكن
стр. 1401
الحنفيين لا يرون القصاص, لأن صدق الشهود محتمل فيكون ذلك شبهة (١) .
وإن عدا شخص على السارق فقطع يسراه بعد السرقة عمدًا أو خطأ فعليه القصاص فى العمد والدية فى الخطأ, ولكن قطع اليمن يسقط عن السارق عند أبى حنيفة وأحمد والشيعة الزيدية, لأنه لو قطع لأدى قطعه إلى تفويت منفعة الجنس, ولكن مالكًا والشافعى لا يسقطان قطع اليمين عن السارق. لأنهما يجيزان قطع اليدين والرجلين, بينما لا يجيز أبو حنيفة وأحمد إلا قطع يد ورجل فقط (٢) .
وإذا قطع الإمام أو الجلاد اليسرى بدلاً من اليمنى خطأ أجزأت, وليس على القاطع ضمان فى رأى البعض, وعليه الضمان فى رأى البعض الآخر, أما إذا قطعها عمدًا وهو عالم أن السنة قطع اليمين فعلى القاطع القصاص, ولا يسقط القطع عن السارق فنقطع يده اليمنى عند مالك والشافعي, وعليه التعزير عند أبى حنيفة والضمان. وكذلك يرى بعض الحنابلة, ولكن البعض الآخر يرى القصاص. ولكن الحنفيين عمومًا والحنابلة يرون أن قطع اليسار يمنع من قطع اليمين ويجزئ عنه؛ لأن قطع اليمين يفضى إلى تفويت منفعة الجنس, كما يؤدى إلى قطع اليدين فى سرقة واحدة.
ويرى أبو حنيفة ألا ضمان على القاطع فى هذه الحالة؛ لأن القاطع أتلف وأخلف خيرًا مما اتلف. أى أنه إذا كان فعل القاطع أدى إلى إتلاف اليسرى فقد أدى إلى لإبقاء اليمنى وهى خير من اليسرى (٣) .
стр. 1402
٦٢٤- موضع القطع: موضع القطع من اليد هو مفصل الزند عند الأئمة الأربعة والظاهريين والشيعة الزيدية, وعند الشيعة الإمامية القطع من أصول الأصابع, فلا تقطع الكف, ويرى الخوارج القطع من المنكب.
وموضع قطع الرجل من مفصل الكعب, ولكن الشيعة الإمامية يرون القطع من مقعد الشراك ليبقى للسارق عقب يمشى عليه. وحجة الخوارج أن اليد تطلق على الذراع كله, وحجة الشيعة الإمامية أن عليًا قطع أصابع اليد دون الكف, وقطع القدم دون الكعب. وحجة القائلين القطع من مفصل الزند ومفصل الكعب: أن أقل ما يطلق على اليد هو الكف والأصابع, وأن العمل جرى من عهد الرسول على القطع من هذين المفصلين (١) .
٦٢٥- التداخل: إذا سرق السارق مرات قبل القطع أجزأ قطع واحد عن جميع السرقات وتداخلت الحدود جميعًا؛ لأن السرقة حد من حدود الله تعالي, فإذا اجتمعت أسبابه تداخل كحد الزنا. والقاعدة: أن ما تعلق بحق الله تداخل, وما تعلق به حق لآدمى لم يتداخل (٢) . ويرى مالك أن التداخل يكون فى حالتين:
الأولى: إذا اتحد الموجب؛ أى اتفق قدر ما توجبه كل جريمة كالقذف والشرب, فعقوبة كل منهما ثمانون جلدة, وكالسرقة وقطع اليد اليمنى فالأولى عقوبتها القطع والثانية القصاص. فإذا أقيمت إحدى العقوبتين أو العقوبات التى تتحد فى الموجب سقطت العقوبات الأخرى ولو لم يقصد عند إقامة العقوبة التى أقيمت أن تجزئ عن غيرها, أو لم يكن يعلم أن هناك حدودًا أخرى واجبة على المحدود.
стр. 1403
الثانية: إذا تكررت موجبات الجريمة الواحدة كالسرقة مرارًا قبل الحد أو الشرب مرارًا قبل الحد. ويرى بعض الحنابلة أنه لو سرق جماعة وجاءوا متفرقين فإن الحدود لا تتداخل. ولعله يقيس ذلك على حد القذف, ولكن الصحيح أنها تتداخل؛ لأن القطع خالص حق الله تعالى وإن توقف على مخاصمة المالك, أما حد القذف فحق لآدمى ويتوقف على المطالبة باستيفائه ويسقطه العفو عنه (١) .
٦٢٦- من الذى يقيم الحد؟: يقيمه الإمام أو من ولاَّه من الحكام.
٦٢٧- تعليق اليد بعد قطعها: يرى الشافعى وأحمد أن تعليق اليد المقطوعة وقتًا ما فى عنق السارق للزجر والتنكيل, أخذًا بما رواه الترمذى من أن النبى ﷺ أتى بسارق فقطعت يده ثم أمر فعلقن فى عنقه (٢) .
ولم يحدد الحنابلة الوقت وحدده الشافعية بساعة, ويرى الشيعة الزيدية التعليق على أن يكون ثلاثة أيام (٣) , ولا يذكر المالكية والحنفية شيئًا عن تعليق اليد.
٦٢٨- مسقطات القطع: إذا وجب القطع على السارق فلا مفر من تنفيذ العقوبة, إلا إذا سقطت بسبب ما, والأسباب المسقطة للقطع مختلف عليها بين الفقهاء, فما يراه البعض مسقطًا للعقوبة لا يراه البعض كذلك. وسنبين فيما يلى أسباب السقوط المختلف عليها والمتفق عليها:
١- تكذيب المسروق منه السارق فى إقراره بالسرقة أو تكذيبه الشهود فيما شهدوا به من سرقة: فهذا التكذيب يبطل الإقرار والشهادة, ويترتب على بطلانهما سقوط القطع, وهذا هو مذهب أبى حنيفة, ويستوى أن يكون التكذيب مبتدأ أو بعد المخاصمة والادعاء بالسرقة, ولكن مالكًا- وهو لا يعتبر المخاصمة- لا يرى فى تكذيب المجنى عليه لإقرار الجانى أو الشهود ما يسقط
стр. 1404
القطع ما دام الثابت أن التكذيب قصد به مساعدة الجاني, ولا يتفق مع الحقيقة, والأمر كذلك عند الشافعى وأحمد إذا كان التكذيب بعد المخاصمة والادعاء بالسرقة, أما إذا كان التكذيب مبتدأ فلا يجب القطع؛ لأنه لا يجب إلا المخاصمة, والتكذيب المبتدأ يمنع من المخاصمة.
ومذهب الظاهريين يتفق مع مذهب مالك فى هذه النقطة. أما مذهب الشيعة الزيدية فهو كمذهب أبى حنيفة؛ لأنهم لا يسقطون القطع بعفو المجنى عليه, فسواء كان التكذيب صحيحاُ أو مقصودًا به مساعدة الجانى فهو مسقط للحد عندهم (١) .
٢- العفو عن السارق: على أن يكون من جميع المجنى عليهم, فإن كان من بعضهم دون البعض فلا يسقط القطع. وهذا رأى الشيعة الزيدية ولا تأخذ به المذاهب الأخرى المقارنة (٢) .
٣ - رجوع السارق عن إقراره صراحة أو ضمنًا إذا لم يكن دليل إلا الإقرار: فإذا كان دليل آخر فهو على ما بينا عند الكلام على الإقرار. وهذا متفق عليه إلا من الظاهريين وبعض الشافعية, فإنهم لا يرون الرجوع عن الإقرار مسقطًا للقطع.
وإذا اشترك فى السرقة شخصان فأقرا بالسرقة وعدل أحدهما عن إقراره دون الآخر سقط القطع عمن عدل دون غيره؛ عند مالك والشافعى وأحمد, وعند أبى حنيفة يدرأ القطع عن الآخر؛ لأن السرقة واحدة وشركتهما ثابتة ورجوع أحدهما يورث شبهة فى حق الشريك الآخر, وإذا اعترف أحدهما بالسرقة وأنكر الآخر ولم يكن عليه دليل فالقطع على المقر وحده عند الجميع. إلا أن أبا يوسف من فقهاء المذهب الحنفى يرى ألا يقطع المقر, لأنه أقر بسرقة واحدة بينهما على الشركة, فإذا لم تثبت فى حق شريكه بإنكاره
стр. 1405
يؤثر ذلك فى حق صاحبه ضرورة اتحاد السرقة. وأصحاب الرأى المضاد يرون أن إقراره بالشركة فى السرقة إقرار بوجود السرقة من كل واحد منهما, إلا أنه لما أنكر صاحبه السرقة لم يثبت فعل السرقة بالنسبة له, وعدم الفعل منه لا يؤثر فى وجود الفعل من صاحبه, فيبقى إقراره على نفسه بالسرقة قائمًا فيؤخذ به (١) .
٤- رد المسروق قبل المرافعة: يرون فى مذهب أبى حنيفة أن رد السارق للمسروق قبل المرافعة يسقط القطع أما بعد المرافعة فلا يسقطه؛ لأن الخصومة شرط لظهور السرقة الموجبة للقطع, فإذا رد السارق المسروق قبل المرافعة بطلت الخصومة, بخلاف ما بعد المرافعة؛ لأن الشرط وجود الخصومة لا بقاؤها.
وهناك رواية عن أبى يوسف بأن الرد قبل المرافعة لا يسقط القطع؛ لأن السرقة حين وجودها انعقدت موجبة للقطع, فرد المسروق بعد ذلك لا يخل بالسرقة الموجودة ولا يسقط القطع الواجب كما لو رده بعد المرافعة. وعند الشيعة الزيدية أن رد المسروق إلى الحرز بعد إخراجه يجب فيه القطع. وعند مالك والشافعى وأحمد أن الرد لا يمنع من القطع, لأن مالكًا لا يعتبر المخاصمة, ولأن المخاصمة كما يراها الشافعى وأحمد شرط للحكم لا شرط للقطع, فإذا خاصم المجنى عليه وجب القطع, ولو رد الجانى المسروق, ولو كان الرد قبل المرافعة (٢) .
٥- تملك السارق للمسروق قبل القضاء: يرى الحنفيون أن السارق إذا تملك المسروق قبل القضاء سقط القطع, فإذا تملكه بعد الحكم وقبل التنفيذ سقط القطع أيضًا عند أبى حنيفة ومحمد, ولا يسقط عند أبى يوسف, ويرى الشيعة الزيدية أن المسقط للقطع هو التملك قبل الشكوى, وعند الشافعى وأحمد الحكم