← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9842

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي

عبد القادر عودة

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

٣٤١ - ماهية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: المعروف هو كل قول أو فعل ينبغي قوله أو فعله طبقاً لنصوص الشريعة الإسلامية ومبادئها العامة وروحها، كالتخلق بالأخلاق الفاضلة، والعفو عند المقدرة، والإصلاح بين المتخاصمين، وإيثار الآخرة على الدنيا، والإحسان إلى الفقراء والمساكين، وإقامة المعاهد والملاجئ والمستشفيات، ونصرة المظلوم، والتسوية بين الخصوم في الحكم، والدعوة إلى الشورى، والخضوع لرأي الجماعة وتنفيذ مشئتها، وصرف الأموال العامة في مصارفها، إلى غير ذلك. والمنكر هو كل معصية حرمتها الشريعة سواء وقعت من مكلف أو غير مكلف، فمن رأى صبياً أو مجنوناً يشرب خمراً فعليه أن يمنعه ويريق خمره، ومن رأى مجنوناً يزني بمجنونة أو يأتي بهيمة فعليه أن يمنع ذلك، والمنع واجب سواء ارتكب المعصية في سر أو في علانية. ويعرف المنكر عند بعض الفقهاء بأنه كل محذور الوقوع في الشرع (١) ، ويفضل هؤلاء الفقهاء التعبير بمحذور الوقوع على التعبير بمعصية؛ لأن المنكر عندهم أعم من المعصية، ولأنهم لا يعتبرون فعل الصبي والمجنون معصية؛ لأن الفعل في رأيهم لا يكون معصية إلا إذا كان فاعله عاصياً، ولأن المعصية بلا عاص محال. والأمر بالمعروف قد يكون قولاً محضاً كالدعوة إلى التبرع للمنكوبين أو الانخراط في سلك المجاهدين، وقد يكون الأمر بالمعروف عملاً محضاً كالتبرع بمبلغ من المال أو الانضمام إلى المجاهدين، وقد يجتمع القول والعمل كالدعوة إلى الجهاد والانخراط في سلك المجاهدين، أو كالدعوة إلى إخراج الزكاة وإخراج الداعي لها فعلاً.

стр. 492

والنهي عن المنكر قد يكون قولاً محضاً كالنهي عن شرب الخمر، وقد يكون عملاً محضاً كإراقة الخمر أو منع شاربها بالقوة من شربها. وإذا كان النهي عن المنكر قولاً فهو النهي عن المنكر، وإذا كان عملاً فهو تغيير المنكر. فالأمر بالمعروف إذن هو الترغيب فيما ينبغي عمله أو قوله طبقاً للشريعة، والنهي عن المنكر هو الترغيب في ترك ما ينبغي تركه طبقاً للشريعة (١) . ٣٤٢ - التكييف الشرعي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: من المتفق عليه بين الفقهاء أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس حقاً للأفراد يأتونه إن شاءوا ويتركونه إذا شاءوا، وليس مندوباً إليه يحسن بالأفراد إتيانه وعدم تركه، وإنما هو واجب على الأفراد ليس لهم أن يتخلوا عن أدائه، وفرض لا محيض لهم من القيام بأعبائه، وقد أوجبت الشريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتقوم الجماعة على الخير، وينشأ الأفراد على الفضائل، وتقل المعاصي والجرائم، فالحكومة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، والجماعات تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، والأفراد يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وبذلك يستقر أمر الخير والمعروف بين الجماعة، ويقضي على المنكر والفساد بتعاون الصغير والكبير والحاكم والمحكوم. والفقهاء، وإن كانوا قد اتفقوا على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا أنهم اختلفوا في تحديد هذا الواجب من وجهين: الوجه الأول: في صفة الواجب، والوجه الثاني: فيمن يلزمهم هذا الواجب. الاختلاف في صفة الواجب: انقسم الفقهاء فريقين في تحديد صفة الوجوب، فقال البعض: إن الواجب فرض عين؛ أي واجب محتم، وعلى كل مسلم

стр. 493

أن يؤديه بنفسه على قدر استطاعته، ولو كان هناك من هو أقدر منه على تأديته، أو من هو على استعداد لتأديته، أو من هو متفرغ لتأديته، وهم يشبهونه بفريضة الحج فهي فرض عين لكن على المستطيع، وعندهم أفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آكد من فريضة الحج، ولم تشترط فيها الاستطاعة؛ لأنها مستطاعة دائماً، فالاستطاعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ممكنة لجميع الأفراد، فالجاهل يستطيع أن يأمر بالمعروف فيما هو ظاهر كأداء الصلاة والصوم، وأن ينهى عن المنكر فيما لا يخفى كالسرقة والزنا، والعالم يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيما هو ظاهر وفيما هو خفي. ويرى أصحاب هذا الرأي أن يف جعل الواجب فرض عين حفاظاً للأمة وحرزاً لها من الفساد والتحلل (١) . ورأى الفريق الآخر - وهم جمهرة الفقهاء - أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات كالجهاد، فهو واجب حتم على كل مسلم، ولكن هذا الواجب يسقط على الفرد إذا أداه عنه غيره (٢) ، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ، وعندهم أن من (٣) للتبعيض، وأن الله قال: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ﴾ ، ولم يقل: كونوا كلكم آمرين بالمعروف، فإذا قام به واحد أو جماعة سقط الحرج عن الآخرين، فهو فرض؛ لأن الله أوجبه بقوله: ﴿وَلْتَكُن﴾ وهو فرض كفاية؛ لأنه واجب على البعض لا على الكل (٤) . الاختلاف فيمن يلزمهم الواجب: يرى جمهرة الفقهاء أن الأمر بالمعروف

стр. 494

والنهي عن المنكر واجب على كل أفراد الأمة لقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، ويرى بعض الفقهاء أن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقع إلا على عاتق القادرين على أدائه وهم علماء الأمة دون غيرهم، وحجتهم أن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر، وقد يغلظ في موضع يستوجب اللين، ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من يزيده الإنكار إلا تمادياً وإصراراً، وأنه ربما عرف الحكم في مذهب وجهله في مذهب آخر، وأصحاب هذا الرأي م القائلين بأنه فرض كفاية، وعندهم أنه ما دام الواجب على الكفاية فإنه يسقط عن البعض إذا قام به البعض الآخر، وهذا يتفق تماماً مع تخصيص العلماء بهذا الواجب (١) . ويرد على هؤلاء بأن الواجب لا يسقط بتحميله للبعض دون البعض، وإنما يسقط بالأداء، فإذا لم يقمبه العلماء فهو فرض على غيرهم، وفضلاً عن ذلك فإن طبيعة الواجب على الكفاية تقتضي أن يلتزم به الكل، ويظلوا مسئولين عنه حتى يؤديه بعضهم فيسقط عن الباقين بالأداء، ثم إن وضع واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على عاتق الجاهل لن يؤدي إلى الأضرار التي يتوقعونها؛ لأن الجاهل بطبيعة الحال لا يأمر ولا ينهى إلا فيما هو ظاهر لا خلاف عليه كأداء الصلاة والنهي عن السرقة والزنا. ٣٤٣ - الشروط الواجب توافرها في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر: رأينا فيما سبق أن جمهرة الفقهاء توجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كافة أفراد الأمة لا على فئة معينة منها، ولكنهم مع ذلك يشترطون شروطاً خاصة فيمن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر، وبعض هذه الشروط يرجع إلى طبيعة الواجب، وإلى مبادئ الشريعة العامة، وبعضها متفق عليه، وبعضها

стр. 495

مختلف فيه، وهي جميعاً لا تخرج عن خمسة شروط: الشرط الأول: التكليف: يشترط فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون مكلفاً؛ أي مدركاً مختاراً، وهذا الشرط لازم إذا نظر إلى وجوب الأمر والنهي؛ لأن ترك القيام بالواجب يؤدي إلى مسئولية التارك، ولا مسئولية على غير مكلف طبقاً لقواعد الشريعة العامة، وعلى هذا فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتباره واجباً لا يجب إلا على المكلف. واعتبار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجباً لا يمنع غير المكلف من الأمر والنهي باعتبارهما قربة من القربات (١) ؛ لأن غير المكلف أهل للقربات، وله أن يأتي القربات ولو أنها لا تجب عليه، ولا يجوز منعه من إتيانها، ولكن له هو إن شاء أن يمتنع من نفسه عن إتيانها، كصلاة الصغير وصومه، فإن الصلاة لا تجب عليه، وكذلك الصوم فإذا أتي أحدهما كان عمله قربة، ولم يجز لأحد أن يمنعه من الصلاة أو الصوم، لكن إذا شاء الصغير أن يمتنع فلا إثم عليه في الامتناع، وعلى هذا فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا لم يكن واجباً على غير المكلف فهو حق له يأتيه إن شاء ويتركه إن شاء، فالصبي المراهق للبلوغ له - وإن لم يكن مكلفاً - إنكار المنكر، وله أن يريق الخمر ويكسر أدوات الملاهي، وإذا فعل ذلك نال به ثواباً، ولم يكن لأحد منعه على اعتبار أنه غير مكلف به. الشرط الثاني: الإيمان: يشترط فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون مؤمناً بالدين الإسلامي، فالمسلم وحده هي الذي يقع على عاتقه واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما غير المسلم فلا يلتزم بهذا الواجب (٢) .

стр. 496

وقد روعي في اشتراط هذا الشرط ترك الحرية التامة لغير المسلم في أن يعتقد ما يشاء، وحمايته من الإكراه على اعتناق ما يخالف عقيدته، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدخل فيه كل ما أوجبته الشريعة عمله أو حببت للناس فعله من صلاة وصيام وحج وتوحيد وغير ذلك، والنهي عن المنكر يدخل فيه النهي عن كل ما خالف الشريعة من أفعال وعقائد فيدخل عن التثليث وعن القول بصلب المسيح وقتله، ويدخل فيه النهي عن الترهب وعن شرب الخمر وعن أكل لحم الخنزير وغير ذلك مما تخالف فيه الشريعة الإسلامية الأديان الأخرى، فلو ألزم غير المسلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لألزم بأن يقول بما يقول به المسلم وبأن يعتقد بما يعتقد به المسلم، ولألزم بأن يبطل عقيدته الدينية ويظهر عقيدة الإسلام، وهذا هو الإكراه في الدين الذي تحرمه الشريعة الإسلامية في قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] فمن أجل حماية حرية العقيدة جعل هذا الواجب على المسلم دون غيره. الشرط الثالث: القدرة: ويشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون قادراً على الأمر والنهي وتغيير المنكر، فإن كان عاجزاً فلا وجوب عليه إلا بقلبه؛ أي عليه أن يكره المعاصي وينكرها ويقاطع فاعليها. وسقوط الواجب لا يترتب على العجز الحسي وحده، بل يلحق بالعجز الحسي خوف الآمر والناهي من أن يصيبه مكروه، أو أن يؤدي نهي الناهي إلى منكر شر من المنكر الذي نهى عنه، ففي هذين الحالين يسقط الواجب أيضاً، فمن علم أن أمره أو نهيه لن ينفع وأنه سيضرب إذا تكلم لم يجب عليه أمر أو نهي، وعليه فقط أن يكره المعصية وينكرها بقلبه ويقاطع فاعليها وأن لا يحضر مواضع المعاصي والمناكر، ومن علم أن نهيه إذا نهى منكر سيؤدي إلى إزالته أو إلى أن يزول ويخلفه ما هو أقل منه رتبة فقد وجب عليه النهي عن لمنكر، وإذا علم أن النهي عن المنكر سيؤدي إلى منكر آخر في

стр. 497

درجته فهو بالخيار إن شاء منع المنكر ونهى عنه، وإن شاء تركه بحسب ما يؤديه إليه اجتهاده. أما إذا علم أن إزالة المنكر ستؤدي إلى ما هو شر منه فقد سقط عنه الواجب، بل حرم عليه النهي، ومن الأمثلة على ذلك أن يجد مع شخص شراباً حلالاً نجس بسبب وقوع نجاسة فيه ويعلم أنه لو أراقه لشرب صاحبه الخمر فلا معنى لإراقته، ومثل ذلك ما حدث من ابن تيمية، فقد مر وبعض أصحابه في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم أصحاب ابن تيمية شرب الخمر ولكن ابن تيمية أنكر على أصحابه قولهم، وقال لهم: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء تصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال، فدعوهم وخمرهم (١) . ومن علم أن أمره أو نهيه لا يفيد ولكنه لم يخف مكروهاً، فلا يجب عليه الأمر والنهي (٢) لعدم فائدتهما، ولكن يستحب له أن يأمر وينهى لإظهار شعائر الإسلام وتذكير الناس بأمر الدين (٣) . ومن استطاع أن يبطل المنكر بفعله ولكنه يعلم أنه يصاب بمكروه بسبب تعرضه لإبطال المنكر، فلا يجب عليه إبطال المنكر، ولكن ستحب له أن يبطله (٤) ، كمن يقدر على إراقة الخمر أو تكسير أدوات اللهو، ولكنه يعلم أنه سيضرب إن فعل هذا، فلا يجب عليه إبطال المنكر، وإنما يستحب له أن يبطله لا باعتباره واجباً، بل باعتباره قربة من القربات. ويلحق بالعجز الحسي العجز العلمي، فالعامي لا يجب عليه الأمر والنهي إلا في الجليات المعلومة كشرب الخمر والزنا والسرقة وترك الصلاة، وفيما عدا الجليات

стр. 498

المعلومة لا يجب عليه أمر ولا نهي؛ لأنه يعجز عن فهم حقائقها ومعرفة فقهها ولو سمح به بالخوض فيها لكان ما يفسده أكثر مما يصلحه (١) . ولا يشترط في إسقاط الواجب بالعجز وما يلحق به أن يكون العجز وما في حكمه معلوماً علماً محققاً، بل يكفي فيه الظن الغالب؛ لأن للظن الغالب في هذه الحالات معنى العلم والحكمة، فمن غلب على ظنه أن إنكاره لا يفيد لم يجب عليه إنكار، ومن غلب على ظنه أنه يصاب بمكروه لم يجب عليه، وإن غلب على ظنه إنه لا يصاب وجب عليه، أما إذا شك فيه من غير رجحان، فإن الشك لا يسقط الوجوب (٢) . الشرط الرابع: العدالة: يشترط بعض الفقهاء هذا الشرط، فيرون أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا يصح أن يكون فاسقاً، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] ، وبقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣] ، وعندهم أن هداية الغير فرع للاهتداء، وتقويم الغير فرع للاستقامة، وأن العاجز عن إصلاح نفسه أشد عجزاً عن إصلاح غيره. ولكن الرأي الراجح لى الفقهاء: أن للفاسق أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأنه لا يشترط في الآمر أو الناهي أن يكون معصوماً عن المعاصي كلها؛ لأن في اشتراط هذا الشرط سداً لباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا قال سعيد بن جبير: "إن لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء لم يأمر أحد بشيء". والأصل أن الفاسق يفسق بإتيانه المعاصي؛ أي بإتيانه المحرمات وترك الواجبات، فإذا حرم على الفاسق أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر كان معنى

стр. 499

ذلك أن ترك الواجب يسقط غيره من الواجبات، وأن الواجب يصير حراماً بارتكاب حرام آخر. وليس في الآيتين اللتين استدل بهما الفريق الأول ما يمنع الفاسق من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما جاءا بالنعي على من يأمر بالمعروف ولا يأتيه وينهى عن المنكر ويأتيه، والمقصود منهما أن يجعل الإنسان فعله مصدقاً لقوله؛ ليكون لقوله أثره ونتيجته المرجوة (١) . الشرط الخامس: الإذن: ويشترط بعض الفقهاء فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يأذن له الإمام أو الحاكم بذلك، وحجتهم أن الإمام أو الحاكم يستطيع اختيار من يحسن القيام بهذه الوظيفة، وأن تركها إلى الأفراد دون قيد ولا شرط يؤدي إلى الفساد والفتن، ولكن جمهرة الفقهاء على خلاف هذا الرأي، ولا يشترطون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذن شخص أو هيئة ما، ويرون أن تخصيص أناس من قبل الإمام لأداء هذه الوظيفة لا يمنع غيرهم من القيام بها، وحجتهم أن النصوص الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاصة توجب على كل فرد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتجعل كل من رأى منكراً فسكت عليه عاصياً، وتضع على عاتقه أن ينهى عنه أينما رآه وكيفما رآه، فالتخصيص بشرط التفويض من الإمام تحكم لا أصل له. وفضلاً عن ذلك فإن الإمام والحاكم ممن يوجه إليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا كان من الواجب أمر الإمام بالمعروف ونهيه عن المنكر فكيف يحتاج في إذنه لتأدية الواجب. والرأي الأخير هو الرأي الذي جرى عليه العمل في كل العهود حتى في الأوقات التي خصص فيها الخلفاء والولاة رجالاً معينين للأمر بالمعروف والنهي

стр. 500

عن المنكر، فإن هذا الخصيص لم يمنع أي فرد من أفراد الأمة عن القيام بهذا الواجب، بل لقد كان بعض الأفراد يتصدون إلى الولاة والخلفاء يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، ويتصدون لتغيير المنكر بأيديهم فلا يستطيع الخلفاء والولاة أن يقولوا لمن فعل شيئاً من ذلك إنك مخطئ (١) . والذين يشترطون إذن الإمام يقصدون من هذا الشرط تنظيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يقصدون تحريمها على من لم يؤذن له، فمن لم يؤذن له إذا وجد جماعة يشربون الخمر فكسر دنانهم وأراق خمرهم، أو وجد رجلاً يزني ولم يستطع منعه إلا بقتله فقتله، لا يعتبر أنه ارتكب جريمة الإتلاف أو جريمة القتل؛ لأن الفعلين مباحان له بنصوص الشريعة الصحيحة، وإنما يعاقب على مخالفته أمر الإمام أو استخفافه بأوامر السلطة التنفيذية. ٣٤٤ - شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ليس للأمر بالمعروف شروط خاصة ولا أوقات خاصة؛ لأن الأمر بالمعروف نصيحة وهداية وتعليم، وكل ذلك جائز في كل وقت وفي كل مناسبة. أما النهي عن المنكر وتغييره فله شروط خاصة يجب توفرها لجواز النهي أو التغيير. وهذه الشروط هي: (١) وجود منكر. (٢) وأن يكون موجوداً في الحال. (٣) وأن يكون ظاهراً دون تجسس. (٤) وأن يدفع المنكر بايسر ما يندفع به. الشرط الأول: وجود منكر: يشترط لجواز النهي عن المنكر أو تغيير المنكر أن يكون هناك منكر. والمنكر هو كل معصية حرمتها الشريعة، أو هو كل ما كان محذور الوقوع في الشرع. ويستوي أن يكون فاعل المنكر مكلفاً أو غير مكلف، فمن رأى صبياً أو مجنوناً يشرب الخمر فعليه أن يريق خمره ويمنعه،

стр. 501

وكذا إن رأى مجنوناً يزني بمجنونة أو يأتي بهيمة فعليه أن يمنعه. ولا فرق بين الصغير ولا الكبير في النهي عن المنكر أو تغيير المنكر، فكشف العورة في الحمام، والخلوة بالأجنبية، وإتباع النظر للنسوة الأجنبيات، كل ذلك منكر وإن كان من الصغائر ويجب النهي عنه ومنعه (١) . ولكن يشترط في المنكر أن يكون منكراً معلوماً دون حاجة لاجتهاد، فكل ما هو محل للاجتهاد لا محل للنهي عنه أو تغييره، فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي أكله الضب والضبع، وليس للشافعي أن ينكر على حنفي نكاحاً لا ولي فيه (٢) . الشرط الثاني: أن يكون موجوداً في الحال: ويشترط في المنكر أن يكون حالاً، بمعنى أن تكون المعصية راهنة وصاحبها مباشر لها وقت النهي أو التغيير كشربه الخمر أو خلوته بأجنبية، فإذا فرغ من المعصية فليس ثمة مكان للنهي عن المنكر أو تغييره، وإنما هناك محل للعقاب على المعصية والعقاب من حق السلطات العامة وليس للأفراد، فإذا اعترض شخص الجاني فجرحه أو آذاه أو شتمه فهو مرتكب لجريمة، أما إن فعل ذلك أثناء مباشرة المعصية وكان المنع عنها يقتضي هذا الفعل فهو ناه عن منكر أو مغير لمنكر ولا يعتبر فعله جريمة؛ لأن فعله أداء واجب. وإذا كانت المعصية متوقعة الحصول كمن يعد الموائد ويزين المجلس استعداداً لشرب الخمر فليس على مثل هذا من سبيل إلا بالوعظ والنصح وما زاد على ذلك كالتعنيف والشتم والضرب فهو جريمة، بل إن الوعظ أو النصح لا يجوز إذا أنكر عزمه على الشرب؛ لأن في الوعظ والنصح بعد إناره إساءة ظن بالمسلم. الشرط الثالث: أن يكون ظاهراً دون تجسس أو تفتيش: يشترط النهي عن المنكر أو تغييره أن يكون المنكر ظاهراً بغير تجسس أو تفتيش، فإذا توقف

стр. 502

إظهار المنكر على التجسس والتفتيش لم يجز إظهار المنكر؛ لأن الله حرم التجسس في قوله: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] ، ولأن للبيوت حرمة وللأشخاص حرمة لا يجوز انتهاكها قبل أن تظهر المعصية، الرسول ﷺ نهى عن تتبع عورات الناس فقال لمعاوية: "إنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم"، وقال ﵇: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو كان في جوف بيته"، وقد استقر الأمر في الشريعة على هذا من أول يوم، ومما يذكر في هذا الباب ما حدث من عمر ﵁، فقد تسلق دار رجل فوجده على معصية فأنكر عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كنت أنا قد عصيت الله من وجه واحد فأنت قد عصيته من ثلاثة أوحه: فقال: وما هي؟ فقال: قد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ وقد تجسست، وقال تعالى: ﴿وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] وقد تسورت من السطح، وقال: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] وما سلمت، فتركه عمر وشرط عليه التوبة. وإذا كان عمر قد تركه فلم يعاقبه ولم يغير المنكر فذلك لأن دخول المسكن وهو الذي أظهر المنكر وهو دخول من غير حق ومن غير وجهه. ومثل هذا ما رواه عبد الرحمن بن عوف قال: "خرجت مع عمر ﵁ ليلة في المدينة بينما نحن نمشي إذ ظهر لنا سراج فانطلقنا نؤمة فلما دنونا منه إذا باب مغلق على قوم لهم أصوات ولغط، فأخذ عمر بيدي وقال: أتدري بيت من هذا؟ قلت لا، فقال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف وهم الآن شرب فما ترى؟ قال: أرى أنا قد أتينا ما نهانا الله عن، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ ، فرجع عمر وتركهم". وتحريم التجسس والتفتيش يترتب عليه أن لا ينبغي لإنسان مثلاً أن يسترق السمع على دار غيره ليسمع صوت الغناء والأوتار، ولا أن يستنشق ليدرك رائحة

стр. 503

الخمر والحشيش، وليس لإنسان أن يتحسس ملابس شخص ليعرف ما يخفيه تحتها، ولا ليدخل بيته ليعرف أي شيء يخفيه فيه، بل ليس له أن يستخبر من جيرانه ليخبروه بما يجري في داره (١) . لكن إذا غلب على الظن استسرار شخص بالمعاصي لأمارات دلت على ذلك أو لخبر يغلب على الظن صدقه كشم رائحة الحشيش خارجة من مسكن شخص، أو سماع صوت عيار أو استغاثة، أو أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلاً خلا بامرأة ليزني بها أو برجل ليقتله، فيجوز في مثل هذه الحالات التجسس والبحث والتفتيش، حذراً من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم وارتكاب المحظورات (٢) . والأصل أن من أغلق باب داره وتستر بحيطانه فلا يجوز الدخول عليه بغير إذنه لتعرف المعصية والبحث عنها، لكن إذا اخبر ابتداء - من غير استخبار - شخصان أو شخص واحد على رأى (٣) بأن فلاناً يرتكب المعاصي في بيته جاز دخول البيت دون إذن، كذلك يجوز الدخول دون إذن إذا ظهرت المعصية في الدار ظهوراً يعرفه من الخارج كظهور رائحة الخمر وأصوات السكارى (٤) . ودلالة الشكل كدلالة الرائحة والصوت، وما ظهرت دلالته فهو غير مستور بل هو مكشوف، وقد أمرنا بأن نستر ما ستر الله وننكر على من أبدى لنا صفحته، حيث يقول الرسول ﷺ : "من أتي شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم حد الله عليه"، والإبداء - أي إبداء الصفحة - له درجات؛ فتارة يبدو لنا بحاسة السمع، وتارة بحاسة الشم، وتارة بحاسة

стр. 504

البصر، وتارة بحاسة اللمس، ولا يمكن أن نخصص ذلك بحاسة البصر وحدها إذ المرا العلم وغلبة الظن، وهذه الحواس تفيد العلم وعلية الظن كما يفيدها البصر. الشرط الرابع: دفع المنكر بأيسر ما يندفع به: يشترط في دفع المنكر أن يدفع بما يدفعه وبايسر ما يدفعه، فلا يجوز أن يدفع بأقل مما يدفعه ما دام الدافع قادراً على دفعه بالأكثر، ولا يجوز أن يدفع بأكثر مما يدفعه؛ لأن ما زاد عن الحاجة يعتبر جريمة، ولكن يجوز دفع المنكر بأقل مما يدفعه في حالة عدم القدرة، فإذا كان المنكر يدفع باليد ولم يكن الدافع قادراً على هذه الوسيلة دفعه بلسانه، فإن لم يستطع دفعه بقلبه. ودفع المنكر بما يندفع به يقتضي أن تختلف وسائل دفع المنكر باختلاف نوع المنكر واختلاف حال فاعله؛ لأن ما يندفع به شخص قد لا يندفع به آخر، وما يصلح لدفع منكر لا يصلح لدفع منكر آخر. ٣٤٥ - وسائل دفع المنكر: وقد حصر بعض الفقهاء (١) الوسائل الصالحة لدفع المنكر في سبع وسائل وهي: التعريف، والنهي بالنصح والوعظ، والتعفيف، والتغيير باليد، والتهديد بالضرب والقتل، وإيقاع الضرب والقتل، والاستعانة بالغير. التعريف: ويكون كلما أقدم الشخص على المنكر وهو يجهل أنه منكر، فالوسيلة الصالحة لدفع المنكر في هذه الحالة هي تعريف فاعل المنكر أن فعله منكر. ويجب أن يكون تعريفه باللطف من غير عنف؛ لأن في التعريف نسبته إلى الجهل وهذا في ذاته إيذاء له، ولكن لابد منه لدفع المنكر، فوجب أن يكون التعريف في غاية اللطف حتى لا يكون إيذاء دون مبرر؛ لأن إيذاء المسلم محرم. النهي بالوعظ والنصح: ويوجه إلى من يقدم على الأمر وهو عالم بكونه

стр. 505

منكرا إذا غلب علي الظن أنه يؤدي إلى ترك المنكر، كصاحب الغيبة الذي يعلم أنها محرمة ولكن يرجى أن يتركها لو وعظ ونصح، وينبغي أن يكون الناهي شفيقاً لطيفاً بعيداً عن العنف والغضب. التعنيف: ويكون عند العجز عن المنع باللطف، ويوجه إلى المصر المستهزئ بالوعظ والنصح ويشترط في العنف شرطان: أحدهما: أن لا يقدم عليه إلا عند الضرورة والعجز عن اللطف. والثاني: أن لا ينطق إلا بالصدق ولا يسترسل في التعنيف فيطلق لسانه بما لا يحتاج إليه، بل يقتصر على قدر الحاجة، وليس للمعنف أن يسب فاعل المنكر بما فيه كذب ولا أن يقذفه، وإنما يصح أن يخاطبه بما فيه مما لا يعد فحشاً، كقوله: يا فاسق، يا جاهل، يا أحمق، يا غبي، وما يجري هذا المجرى؛ لأن كل عاص فاسق والفاسق أحمق جاهل ولولا حمقه وجهله ما عصى الله، وكل من ليس بكيس فهو أحمق؛ لقوله ﵊: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله". التغيير باليد: والمقصود بالتغيير هو ذات المنكر؛ ككسر الملاهي، وإراقة الخمر، وخلع الحرير من رأس العاصي وعن بدنه، وإخراجه من الدار المغصوبة، وإزالة مايضعه من المواد في الطريق العام فيسده أو يضيقه، إلى غير ذلك. والتغيير لا يكون إلا في المعاصي التي تقبل بطبيعتها التغيير المادي، أما معاصي اللسان والقلب فليس في الاستطاعة تغييرها مادياً، وكذلك كل معصية تقتصر على نفس العاصي وجوارحه الباطنة. ويشترط في التغيير باليد أن لا يباشر دافع المنكر التغيير بيده طالما استطاع أن يحمل فاعل المنكر على التغيير، فليس له أن يجر الغاصب من الدار المغصوبة إذا كان يستطيع تكليفه الخروج منها ماشياً، وليس له أن يريق الخمر بنفسه إذا استطاع أن يكلف شاربها أو محرزها بإراقتها.

стр. 506

ويشترط في التغيير أيضاً أن يقتصر فيه على القدر المحتاج إليه، فليس لدافع المنكر أن يأخذ بلحية الغاصب أو رجله ليخرجه من الدار المغصوبة ما دام يستطيع أن يجذبه أو يجره إلى خارجها من يده، وليس له أن يحرق أدوات الملاهي ما دام يستطيع أن يكسرها ويعطلها عن العمل، وحد الكسر أن تتكلف من النفقات في إصلاحها ما يساوي ثمن مثلها. وليس له أن يكسر أواني الخمر إذا استطاع أن يريق الخمر دون كسر الأواني. والأصل فيما سبق أن تغيير المنكر لا يقصد به إلا دفع المنكر ولا يقصد منه عقوبة فاعل المنكر ولا زجر غيره، والزجر إنما يكون عن المستقبل والعقوبة تكون على الماضي، والدفع على الحاضر الراهن، وليس إلى آحاد الرعية إلا الدفع وهو إعدام المنكر وإزالته، فما زاد على قدر الإعدام فهو إما عقوبة على جريمة سابقة أو زجر عن لاحق، وذلك إلى السلطات العامة وليس للأفراد. التهديد بالضرب والقتل: وينبغي أن يسبق الضرب كلما أمكن تقديمه عليه، ويشترط في التهديد أن لا يهدد الدافع بوعيد لا يجوز له تحقيقه كقوله: لأنهبن دارك، أو لأضربن ولدك، أو لأسبين زوجتك، بل ذلك إن قاله عن عزم فهو حرام، وإن قاله عن غير عزم فهو كذب، وإنما يجوز له أن يهدد بما يجوز له تحقيقه في سبيل دفع المنكر كقوله: لأجلدنك، لأكسرن رأسك، لأضربن رقبتك، وما أشبه، وله أن يتوعده بأكثر مما في عزمه الباطن إذا علم أن ذلك يردعه عن المنكر. الضرب والقتل: ويجوز عند الضرورة أن يباشر دافع المنكر ضرب فاعل المنكر لكفه عنه، ويشترط أن لا يندفع المنكر بغير الضرب، وأن لا يزيد الضرب عن الحاجة في الدفع، فإذا اندفع المنكر بصفعة أو ضربة فليس للدافع أن يصفع أو يضرب مرة أخرى. وإذا لم يندفع المنكر إلا بالجرح وإشهار السلاح فللدافع أن يشهر السلاح

стр. 507

وأن يجرح، كما لو قبض فاسق على امرأة وبينه وبين الدافع نهر حائل أو جدار مانع فيأخذ بندقيته ويقول له: خل عنها أو لأرمينك، فإن لم يخل عنها فله أن يرميه، وينبغي أن لا يقصد المقتل بل الساق والفخذ وما أشبه، وله أن يسل سيفه ويقول له: اترك هذا المنكر أو لأضربنك، فكل ذلك دفع للمنكر ودفعه واجب بكل ممكن، ولا فرق في ذلك بين ما يتعلق بحدود الله كالزنا وقطع الطريق وبين ما يتعلق بحقوق الأفراد كالضرب والجرح والغضب. وإذا كان فاعل المنكر لا يمتنع عن المنكر إلا بقتال قد يؤدي إلى قتله كان على دافع المنكر أن يقاتله ولو كان المنكر الذي يراد منعه أقل درجة من القتل، فلو قصد إنسان أن يقطع طرف نفسه وكان لا يمتنع عن ذلك إلا بقتال ربما أدى لقتله وجب منعه عن القطع وقتاله عليه؛ لأن الغرض ليس حفظ نفسه وطرفه بل الغرض حسم سبيل المنكر والمعصية، وقتله في دفع المنكر ليس معصية وقطع طرف نفسه معصية، وذلك مثل دفع الصائل على المال بما يقتله فإنه جائز لا على معنى افتداء درهم من المال بروح شخص وإنما هو جائز بقصد دفع المعاصي، وقصد الصائل لأخذ المال معصية وقتله دفعاً للمعصية ليس في ذاته معصية (١) . الاستعانة بالغير: وإذا عجز الدافع عن دفع المنكر بنفسه واحتاج إلى أعوان يعينونه على دفعه بقوتهم وأسلحتهم، فقد رأى بعض الفقهاء أن الأفراد ليس لهم أن يدفعوا المنكر بهذه الوسيلة وليس لهم مباشرتها؛ لأنها تؤدي إلى تحريك الفتن وإختلال الأمن والنظام؛ لأن الفاسق قد يستعد أيضاً بأعوانه فيؤدي ذلك إلى القتال؛ وإنما للأفراد أن يباشروا هذه الوسيلة إذا أذن لهم الإمام بمباشرتها، وهو لا يأذن إلا لمن أقامه من قبله للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ورأى البعض الآخر أن للأفراد مباشرة هذه الوسيلة دون حاجة لإذن

стр. 508

الإمام؛ لأنه إذا جاز للأفراد استعمال الوسائل الأخرى فقد جاز لهم أن يستعملوا الوسيلة الأخيرة؛ لأنه ما من وسيلة غيرها إلا وقد يؤدي استعمالها إلى التضارب، والتضارب يدعو بالطبيعة إلى التعاون، فلا ينبغي إذن أن يبالي بلوازم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا كان انتهاء الأمر إلى الفتنة من النوادر والنادر لا حكم له فإنه يضاف إلى ذلك أنه ليس في الشريعة ما يمنع من القول بأن كل من قدر على دفع منكر فعليه أن يدفعه بيده وسلاحه وبنفسه وأعوانه. ٣٤٦ - هل يجوز استعمال الوسائل السابقة في حق الكافة؟: يجوز استعمال الوسائل التي سلف ذكرها في حق الكافة عدا الوالدين والزوج والحاكم. فأما الوالدين فليس للولد عليهما إلا التعريف ثم النهي بالوعظ والنصح، وليس له أن يعنفهما أو يهددهما أو يضربهما، ولكن له على رأي أن يغير ما يأتيان من المنكر بحيث لا يمس شخصيهما، كأن يريق خمرهما أو يرد ما يجد في بيتهما من مال مغصوب أو مسروق لأصحابه. وعلة استثناء الأبوين من الحكم العام أن الله تعالى نهى عن التأفف منهما وإيذائهما فقال: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] ، وقد ورد في حق الأبوين ما يوجب الاستثناء من العموم إذ لا خلاف في أن الأب لا يقاد بولده، وأن الجلاد ليس له أن يقتل أباه في الزنا حداً وليس له أن يباشر إقامة الحد عليه، فإذا لم يجز للابن إيذاء الأب بعقوبة هي حق على جناية سابقة فلا يجوز إيذاءه بما هو منع عن جناية مستقبلة متوقعة. وأما الزوجة فحكمها مع الزوج حكم الولد مع أبويه لقول الرسول ﷺ : "لو جاز السجود لمخلوق لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها"، وهذا يقتضي منع المرأة من إيذاء الزوج. وأما الرعية مع الحاكم أو السلطان أو الإمام فليس للرعية عليه إلا التعريف

стр. 509

والنهي بالموعظة والنصح، أما التغيير باليد فالرأي الراجح أنه غير جائز؛ لأنه يفضي إلى خرق هيبته وإسقاط حرمته وذلك محظور؛ لقوله ﵊: "من كانت عنده نصيحة لذي سلطان فلا يكلمه بها علانية، وليأخذ بيده فليخل به، فإن قبلها قبلها، وإلا كان قد أدى الذي عليه والذي له"، ولقوله أيضاً: "من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله في الأرض". ٣٤٧ - حكم التجاوز في دفع المنكر: إذا استعمل المدافع في النهي عن المنكر أو تغييره وسيلة تزيد عما يقتضيه الحال فهو مسئول عن هذه الزيادة، وكذلك إذا تعدى الحدود المقررة لوسيلة من الوسائل، فإذا عنف فاعل منكر فقذفه فهو مسئول عن القذف؛ لأن القذف لا يدخل في التعنيف، وإذا كان المنكر يندفع بالتعنيف أو التهديد فضرب فاعل المنكر أو جرحه فهو مسئول عن الضرب والجرح، وإذا اندفع المنكر بضربة واحدة أو جرح واحد فضربة ضربة ثانية أو جرحه جرحاً ثانياً فهو مسئول عما فعل بعد اندفاع المنكر. وإذا كان المنكر يندفع بتغييره باليد فليس له أن يتعدى الحدود المقررة للتغيير، فإذا كان المنكر شرب الخمر أو إحرازها فإن تغيير المنكر يكفي فيه إراقة الخمر، فإذا أتلف الموائد المنصوبة في محل الخمار أو الأبواب أو الأمتعة أو أحرقها فهو مسئول عن ذلك. ولا محل للنهي عن المنكر أو تغييره قبل مباشرة المنكر أو بعد مباشرته؛ لأن مباشرة المنكر هي التي تحل النهي عنه أو تغييره دفعاً للمنكر، فإذا لم يقع المنكر فلا يمكن اعتبار ما يقع على قاصد فعل المنكر دفعاً وإنما هو اعتداء، وإذا انتهى فاعل المنكر من فعله فما يقع عليه من أفعال أو ما يوجه إليه من أقوال بسبب فعل المنكر لا يعتبر دفعاً للمنكر وإنما اعتداء على فاعله. والأصل أن ما يدفع به المنكر مباح ولا يعتبر جريمة ما دام لم يتعد الحدود المقررة لدفع المنكر، لكن إذا تعدت أفعال دفع المنكر إلى الغير وأصابته خطأ اعتبر الفعل بالنسبة للغير خطأ ولو أنه صدر من فاعله متعمداً إياه؛ لأن الفعل المباح ضد فاعل المنكر محرم ضد غيره، فالتعمد لا عبرة به؛ لأنه تعمد فعل

стр. 510

مباح والقاعدة أن من تعمد فعلاً مباحاً فأخطأ في فعله يسأل عن نتيجة الخطأ باعتباره مخطئاً لا عامداً. ٣٤٨ - هل لفاعل المنكر حق الدفاع؟: ليس لفاعل المنكر أن يتعدى على من يدفع المنكر بحجة أنه يدفع عن نفسه أو ماله طالما أن دافع المنكر لم يتجاوز حدود دفع المنكر، فإذا تعدى هذه الحدود كان عمله اعتداء وكان لفاعل المنكر أن يدفع هذا الاعتداء. ٣٤٩ - الفرق بين الدفاع الشرعي العام والدفاع الشرعي الخاص: إذا قارنا الدفاع الشرعي العام بالدفاع الشرعي الخاص تبين لنا أن الأسس التي يقوم عليها كل منهما واحدة، وأن أحكامهما واحدة وأنهما لا يكادان يختلفان إلا في بعض التفاصيل. والواقع أن الدفاع الشرعي الخاص لا يختلف عن الدفاع الشرعي العام من هذه الناحية، ولكنهم يفرقون بينهما من ناحية الموضوع، فموضوع الدفاع الشرعي الخاص هو كل صيال - أي هجوم أو اعتداء - يمس سلامة الإنسان أو يمس ماله أو عرضه، ويسمى هذا النوع من الدفاع بدفع الصائل، وموضوع الدفاع الشرعي العام هو ما عدا ذلك مما يمس حقوق الجماعة وأمنها ونظامها، ويسمى هذا النوع من الدفاع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد يقال أن هذه التفرقة الموضوعية تفرقة اسمية، لأن أكثر ما يدفع فيه الفاعل باعتباره صائلاً يمكن دفع الفعل فيه باعتباره منكراً، ولكن هذا القول غير صحيح، لأن ما يدفع فيه الفعل باعتباره منكراً لا يدفع فيه الفاعل باعتباره صائلاً، فدفع الصائل لا يكون إلا إذا وجد صيال - أي هجوم أو اعتداء - على الإنسان أو ماله أو عرضه، أما دفع المنكر فيكون كلما انعدم الصيال أو الهجوم أو الاعتداء، فمثلاً إذا هجم رجلاً على امرأة يريد اغتصابها فإنه يدفع عنها باعتباره صائلاً، فهنا دفاع شرعي خاص، أما إذا أتاها برضاها ففعلهما يدفع باعتباره منكراً،

стр. 511

فهنا دفاع شرعي عام. ومن يحاول قتل غيره يدفع عنه باعتباره صائلاً، ويكون الدافع في حالة دفاع شرعي خاص، أما من يحاول الانتحار فيدفع فعله باعتباره منكراً ويكون الدافع في حالة نهي عن المنكر أو تغييره، ومن يحرق مال غيره أو يتلفه يدفع باعتباره صائلاً، ولكن من يحرق ماله أو يتلف مال الغير برضاه يدفع باعتباره فاعلاً لمنكر، فالصيال - أي الهجوم أو الاعتداء - هو ما يميز الدفاع الشرعي الخاص عن الدفاع الشرعي العام. ٣٥٠ - بين الشريعة والقانون: تمتاز الشريعة الإسلامية من يوم وجودها بما جاءت به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي ميزة لم تعرفها القوانين الوضعية قديماً، ولكنها بدأت تعرفها وتأخذ بها في نطاق ضيق ابتداء من القرن الماضي، ولقد أوجبت الشريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتجعل من كل إنسان رقيباً على غيره من الأفراد والحكام، ولتحمل الناس على التناصح والتعاون وعلى الابتعاد عن المعاصي والتناهي عن المنكرات، ولقد ترتب على إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن أصبح الأفراد ملزمين بأن يوجه بعضهم بعضاً، وأن يوجهوا الحكام ويقوموا عوجهم وينتقدوا تصرفاتهم، والتوجيه أساسه الأمر بالمعروف والتقويم والنقد أساسه النهي عن المنكر. ولقد فهم المسلمون الأوائل هذا حق الفهم وسلموا به تسليماً، فهذا أبو بكر يصعد المنبر بعد مبايعته فيقول: "أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم"، وهذا عمر يقول بعد توليته الخلافة: "من رأى في اعوجاجاً فليقومه"، وترتب على إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن أصبح الأفراد ملزمين بالتعاون على إقرار النظام وحفظ الأمن ومحاربة الإجرام، وأن يقيموا من أنفسهم حماة لمنع الجرائم والمعاصي وحماية الأخلاق، وكان في هذا كله الضمان الكافي لحماية الجماعة من الإجرام، وحماية أخلاقها من الانحلال، وحماية وحدتها من التفكك، وحماية نظامها من الآراء الطائشة والمذاهب الهدامة، بل كان فيه الضمان الكافي للقضاء

стр. 512

على المفاسد في مكمنها وقبل ظهورها وانتشارها. ولم تعرف القوانين الوضعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا ابتداء من القرن الماضي، حيث بدأت تعترف للأفراد بحق النقد وحق التوجيه، وتعترف للأفراد بالقبض على المجرم في حالة التلبس وتسليمه إلى الجهات المختصة، وتعطي في بعض الحالات للأفراد الحق في منع الجاني بالقوة من ارتكاب الجريمة إذا كانت ماسة بمصالح الجماعة كقلب نظام الحكم وتخريب المنشآت العامة، ولكن القوانين الوضعية مع هذا لم تأخذ بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على إطلاقه، وإنما قصرت تطبيقه على حالات معينة، بخلاف الشريعة التي تطبقه في كل الحالات وفي جميع الجرائم. الفرع الثاني التأديب ٣٥١ - (أولاً) : تأديب الزوجة: من حق الزوج في الشريعة الإسلامية أن يؤدب زوجته إذا لم تطعه فيما أوجبه الله عليها من طاعته كأن تثاقل عليه إذا دعاها أو تخرج من منزله بغير إذنه، وأساس هذا الحق قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ [النساء: ٣٤] ، وقوله: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٣٤] ، والنشوز هو معصية الزوج مأخوذ من النشز؛ أي الارتفاع، فكأنها ارتفعت وتعالت عما أوجب الله عليها من الطاعة. ٣٥٢ - ما يؤدب فيه: من المتفق عليه أن للزوج أن يؤدب زوجته بصفة عامة على المعاصي التي لا حد فيها، كمقابلة غير المحارم، وترك الزينة، والخروج دون إذن، وعصيان أوامر الزوج وتبذير ماله. والرأي الراجح أن له تعزيرها

стр. 513

على ترك فرائض الله إذا كانت مسلمة كترك الصلاة والصوم (١) . ومن المتفق عليه أن الزوجة لا تضرب لخوف النشوز قبل إظهاره، وإنما تضرب لإظهار النشوز فعلاً (٢) . ٣٥٣ - هل يجوز التأديب لأول معصية؟: يرى مالك وأبو حنيفة أن الضرب لا يكون لأول معصية، وإنما يكون لتكرر المعصية والإصرار عليها، فإذا عصت أول مرة وعظها بالرفق واللين، وإن عادت كان له أن يهجرها، فإن عادت كان له أن يضربها، وحجة أصحاب هذا الرأي أن الواو وردت للترتيب في قوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] ، وأن المقصود من التأديب هو الزجر عن المعصية في المستقبل وما هذا سبيله يبدأ فيه بالأسهل فالأسهل (٣) ، وهذا يتفق مع الرأي المرجوح في مذهبي الشافعي وأحمد. ويترتب على الأخذ بهذا الرأي أن يعاقب من يضرب زوجته لأول معصية أو لثاني معصية، أما من يضربها للثالثة فلا عقوبة عليه؛ لأنه استعمل حقه في حدوده المقررة، ويعاقب أيضاً من يضرب زوجته للمعصية الثالثة إذا لم يكن وعظها أو هجرها قبل ذلك، فعلى الضارب ليعفي من العقوبة أن يثبت أنها عصت قبل الضرب مرتين وأنه وعظها في أولاهما وهجرها في الثانية. والرأي الراجح في مذهبي الشافعي وأحمد أن من حق الزوج ضرب الزوجة سواء تكررت المعصية أو لم تتكرر، وسواء سبق الضرب وعظ وهجر أو لم يسبق الضرب شئ من ذلك، وحجة أصحاب هذا الرأي أن عقوبات المعاصي

стр. 514

لا تختلف بالتكرار، وأن الواو في قوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ جاءت لمطلق الجمع وليست للترتيب (١) . ويترتب على هذا الرأي أن من ضرب زوجته لأول معصية لا يعاقب على ضربها؛ لأنه استعمل حقه في حدوده المقررة. ٣٥٤ - هل يسأل الزوج عن سبب الضرب؟: يرى أحمد أن لا يسأل الزوج عن سبب الضرب؛ لأن الرجل قد يضرب الزوجة لأجل الفراش فإن أخبر بذلك استحيا وإن أخبر بغيره كذب، ويستند في هذا المبدأ إلى ما روى الأشعث عن عمر ﵁ أنه قال: يا أشعث احفظ عني شيئاً سمعته عن رسول الله ﷺ : "لا تسألن رجلاً فيما ضرب امرأته". وهذا الحديث يوجب الأخذ بقول الزوج أنه ضربها للتأديب، ويمنع البحث عن سبب الضرب ما لم تدعي هي أنه ضربها لغير التأديب فحينئذ يجب على الزوج أن يثبت سبب الضرب. ولا يتوقف تأديب الزوجة على سن معينة فللزوج أن يؤدبها مهما بلغت من العمر على خلاف الصغار، فإن حق تأديبهم ينتهي بالبلوغ. ٣٥٥ - حد الضرب: وليس للزوج أن يضرب زوجته أي ضرب شاء، فحقه مقيد بضربها ضرباً غير مبرح لقوله ﵊: "إن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح". والضرب غير المبرح هو الضرب غير الشديد، وقد فسره البعض بأنه الضرب الذي يؤلمها ولا يكسر لها عظماً ولا يدمي لها جسماً، وقال البعض أنه الضرب الذي لا يسود الجلد ولا ينهر الدم وأن يكون مما يعتبر مثله تأديباً. وعرفه البعض بأنه ما كان غير مدم ولا مدمن. وقال البعض انه الضرب الذي لا يترك أثراً. وكل هذه التفسيرات على اختلاف عباراتها تؤدي معنى واحداً.

стр. 515

ويشترط في ضرب التأديب أن لا يكون على الوجه ولا على المواضع المخوفة كالبطن (١) . ويشترط في الضرب أن يكون بقصد التأديب وأن لا يسرف فيه وأن يكون مما يعتبر مثله تأديباً، فإن كان كذلك فلا مسئولية على الزوج؛ لأن الفعل حقه فهو مباح له، ويراعى الوسط في الضرب فما يعتبر تأديباً في وسط قد لا يعتبر تأديباً في وسط آخر، وما يخرج عن حدود التأديب في وسط قد لا يصل حد التأديب في وسط آخر. ويصح أن يكون التأديب باليد وبالسوط وبالعصا. ويشترط إذا كان التأديب عن أمر تعاقب عليه السلطات العامة أن لا يبلغ لهذه السلطات، وأن لا تكون الدعوى العمومية قد رفعت ضد الزوجة بشأن هذا الأمر، فإن حدث شئ من هذا فليس للزوج أن يؤدب الزوجة (٢) ، وتعليل هذا أن السلطات العامة هي المختصة أصلاً بالعقاب، فإذا عرض الأمر عليها سقط حق الزوج في التأديب؛ لأنه حق اعطى له استثناء حتى لا يؤدي تدخل السلطات العامة في كل أمر إلى إساءة العلاقة بين الزوجين، فإذا سرقت الزوجة مثلاً من جارتها أو سبتها ولم تر الجارة أن تلجأ للسلطات العامة كان للزوج أن يؤدب زوجته على ما حدث منها، أما إذا لجأت الجارة إلى السلطات العامة لم يكن للزوج أن يؤدب الزوجة إلا إذا كان هناك ما يمس حقوقه عليها، كأن يكون قد نهاها عن سب جارتها أو نهاها عن الخروج من المنزل، فإن مخالفتها عصيان له واعتداء على حقه فيجوز له أن يؤدبها على هذا فقط، لا على السرقة أو السب. وليس للزوج أن يؤدب الزوجة إذا اعتقد أو غلب على ظنه أن التأديب لا فائدة منه، وليس له أن يخرج عن حدود التأديب إذا اعتقد أو غلب على

стр. 516

ظنه أن إصلاحها لا يكون إلا بالضرب الشديد، ويعتبر عمل الزوج في الحالين اعتداء لا تأديباً (١) . ٣٥٦ - حكم السراية: وإذا ضرب الزوج زوجته بقصد التأديب فتلفت من الضرب أو أصيبت بعاهة فمن رأي مالك وأحمد أن الزوج لا يضمن الزوجة إذا تلفت من التأديب المشروع على أن يكون الضرب مما يعتبر مثله أدباً، فإن كان الضرب شديداً بحيث لا يكون مثله أدباً للزوجة ففيه الضمان (٢) . أما أبو حنيفة والشافعي فيريان أن الزوج يضمن تلف زوجته سواء كان الضرب مما يعتبر تأديباً أو كان أشد من ذلك، وحجة أبي حنيفة أن التأديب فعل يبقى المؤدب بعده حياً، فإذا أدى الضرب إلى تلف المضروب أو إلى تلف أحد أعضائه، فقد وقع قتلاً أو قطعاً أو تأديباً، وحجة الشافعي أن التأديب ليس واجباً على الزوج وإنما هو حقه ومتروك لاجتهاده، فيتحمل نتيجة اجتهاده. والمتأخرون من فقهاء مذهبي أبي حنيفة والشافعي يحتجون في تحميل الزوج نتيجة الفعل بأن التأديب ليس واجباً عليه، وإنما هو حق له واستعمال الحق مقيد بشرط السلامة، وبأن حق الزوج في التأديب متمحض لنفعه الشخصي وله أن يستعمله أو يتركه (٣) . وحجة مالك وأحمد أن استعمال الحق في حدوده عمل مباح ولا مسئولية على عمل مباح. ٣٥٧ - المسئولية على التأديب: ويتبين من الرأيين السابقين أن الزوج لا يسأل جنائياً ولا مدنياً عن التأديب ما دام في حدوده المشروعة؛ لأنه

стр. 517

يستعمل حقاً أباحه له الشارع. أما إذا تعدى الزوج حدود التأديب المشروع فهو مسئول جنائياً ومدنياً عن فعله. والخلاف الذي عرضناه بين الفقهاء هو على الحالة التي لا يخرج فيها التأديب عن حدوده المقررة ولكنه يؤدي إلى الموت أو إلى تلف عضو. ٣٥٨ - (ثانياً) : تأديب الصغار: للأب الحق في تأديب أولاده الصغار الذين دون البلوغ، وللمعلم أياً كان مدرساً أو معلم حرفة تأديب الصغير، وللجد وللوصي تأديب من تحت ولايتهما، وللأم حق التأديب على رأي إذا كانت وصية على الصغير أو كانت تكفله ولها هذا الحق في غيبة الأب، وفيما عدا هذه الأحوال فليس لها حق التأديب على الرأي الراجح (١) . ٣٥٩ - شروط تأديب الصغار: ويشترط في تأديب الصغار ما يشترط في تأديب الزوجة؛ فيجب أن يكون التأديب لذنب فعله الصغير لا لذنب يخشى أن يفعله، وأن يكون الضرب غير مبرح متفقاً مع حالة الصغير وسنه، وأن لا يكون على الوجه والمواضع المخوفة كالبطن والمذاكير، وأن يكون بقصد التأديب، وأن لا يسرف فيه، وأن يكون مما يعتبر مثله تأديباً للصغير، فإذا كان الضرب في هذه الحدود فلا مسئولية علي الضارب؛ لأن الفعل مباح له. ٣٦٠ - حكم السراية: وإذا أدى الضرب إلى تلف الصغير أو تلف أحد أعضائه فمالك وأحمد يريان أن المؤدب لا يضمن ما دام الضرب مما يعتبر مثله أدباً، وما دام التأديب في حدوده المشروعة، فإن كان الضرب شديداً بحيث لا يعتبر مثله أدباً فالمؤدب مسئول عنه جنائياً (٢) . ويرى الشافعي أن المؤدب ضامن تلف الصغير وتلف أطرافه في أى حال؛

стр. 518

لأن التأديب حقه وليس واجباً عليه، فله أن يتركه وله أن يفعله فإن فعله فهو مسئول عنه (١) . ورأي أبي حنيفة الشخصي أن الأب والجد والموصي يضمنون تلف الصغير أو تلف أطرافه كما يضمن الزوج زوجته، ولكن هذا الرأي غير معمول به في المذهب بل إن بعض الفقهاء يرى أن أبا حنيفه عدل عنه، والرأي المعمول به في المذهب هو رأي أبي يوسف ومحمد وهما يريان أن الأب والجد والوصي مأذونون في الفعل ولا مسئولية عما تولد عن فعل مأذون فيه. أما المعلم والمدرس فيفرق أبو حنيفة وأصحابه بين ما إذا كان الضرب بغير إذن الأب أو الوصي، وفي هذه الحالة يكون الضارب مسئولاً جنائياً؛ لأنه متعد في الضرب حيث ضرب من لم يؤذن له في ضربه، فأما إذا كان الضرب بإذن الأب أو الوصي فلا مسئولية للضرورة؛ لأن المعلم إذا علم أنه يلزمه الضمان بالسراية يمتنع عن التعليم والناس في حاجة إليه فأسقطوا اعتبار السراية في حقه لهذه الضرورة، فمذهب أبي حنيفة وأصحابه في تأديب الصغار يتفق مع مذهبي مالك وأحمد (٢) في النتيجة. ويفرق بعض الحنفية بين ضرب التأديب وضرب التعليم، ويرون أن ضرب التأديب حق وأن ضرب التعليم واجب، والأول مقيد بشرط السلامة والثاني غير مقيد، والتفرقة مقصورة على الضرب المعتاد في الكم والكيف والمحل، أما غير المعتاد فموجب للضمان في الكل؛ أي في ضرب التأديب وضرب التعليم (٣) . ونستطيع أن نميز على ضوء هذه التفرقة بين ضرب الزوج وغيره، فضرب الزوج للتأديب دائماً، أما ضرب الأب والجد والولي والوصي والمعلم فقد يقصد به التعليم وقد يقصد به التأديب، ولكن معنى التأديب يختلط بمعنى التعليم في حالة

стр. 519

الصغير؛ لأن كل تأديب له يقصد منه تعليمه أكثر مما يقصد منه زجره. ٣٦١ - الفروق بين المذاهب: يختلف مذهب مالك والشافعي وأحمد عن مذهب أبي حنيفة في أنهم يعتبرون التأديب بصفة عامة حقاً لا واجباً. أما في مذهب أبي حنيفة فيعتبرون تأديب الصغار واجباً بصفة عامة، أو واجباً على الأقل في حالة ما إذا قصد به التعليم. ويختلف مذهب الشافعي عن مذهبي مالك وأحمد في أن الشافعي يقيد استعمال الحق بشرط السلامة، أما مالك وأحمد فلا يقيدان الحق بشرط ما دام الفعل قد وقع في حدود الحق، ولذلك فمذهبهما في نتيجته يتفق مع مذهب أبي حنيفة في نتيجته ولو أن التأديب في المذهب الأخير واجب لا حق. * * * الفرع الثالث التطبيب ٣٦٢ - إباحة التطبيب: من المتفق عليه في الشريعة أن تعلم فن الطب فرض من فروض الكفاية، وأنه واجب حتماً على كل شخص لا يسقط عنه إلا إذا قام به غيره، وقد اعتبر تعلم الطب فرضاً لحاجة الجماعة للتطبيب، ولأنه ضرورة اجتماعية، وإذا كان الغرض من تعلم الطب هي التطبيب وكان تعلم الطب واجباً فيترتب على هذا أن يكون التطبيب واجباً على الطبيب لا مفر له من أدائه، على أن التطبيب يعتبر واجباً كفائياً كلما أكثر من طبيب في بلدة واحدة، فإذا لم يوجد إلا واحد فالتطبيب فرض عين عليه؛ أي أنه واجب غير قابل للسقوط. والنتيجة البديهية لاعتبار التطبيب واجباً أن لا يكون الطبيب مسئولاً عما يؤدي إليه عمله قياماً بواجب التطبيب؛ لأن القاعدة أن الواجب لا يقيد بشرط السلامة، لكن لما كانت طريقة أداء هذا الواجب متروكة لاختيار الطبيب وحده ولاجتهاده العلمي والعملي، فقد دعا ذلك إلى البحث فيما إذا كان يسأل جنائياً عن نتائج عمله إذا أدى إلى نتائج ضارة بالمريض باعتبار أنه حين يؤدي واجب

стр. 520

التطبيب أشبه بصاحب الحق منه بمؤدي الواجب لما له من السلطان الواسع وحرية الاختيار في الطريقة والكيفية التي يؤدي بها عمله. وقد اجتمع الفقهاء على عدم مسئولية الطبيب إذا أدى عمله إلى نتائج ضارة بالمريض، ولكنهم اختلفوا في تعليل رفع المسئولية، فأبو حنيفة يرى أن المسئولية ترتفع لسببين: أولهما الضرورة الاجتماعية إذ الحاجة ماسة إلى عمل الطبيب وهذا يقتضي تشجيعه وإباحة العمل له ورفع المسئولية عنه حتى لا يحمله الخوف من المسئولية الجنائية أو المدنية على عدم مباشرة فنه، وفي هذا ضرر عظيم بالجماعة. ثانيهما: إذن المجني عليه أو وليه، فاجتماع الإذن مع الضرورة الاجتماعية أدى لرفع المسئولية (١) . ويرى الشافعي أن علة رفع المسئولية عن الطبيب أنه يأتي فعله بإذن المجني عليه وأنه يقصد صلاح المفعول ولا يقصد الإضرار به، فإذا اجتمع هذان الشرطان كان العمل مباحاً للطبيب وانتفت مسئوليته عن العمل إذا كان ما فعله موافقاً لما يقول به أهل العلم بصناعة الطب (٢) . ويتفق رأي أحمد مع رأي الشافعي (٣) . أما مالك فيرى أن سبب رفع المسئولية هو إذن الحاكم أولاً وإذن المريض ثانياً، فإذن الحاكم يبيح للطبيب الاشتغال بالتطبيب، وإذن المريض يبيح للطبيب أن يفعل بالمريض ما يرى في صلاحه، فإذا اجتمع هذان الإذنان فلا مسئولية على الطبيب ما لم يخالف أصول الفن أو يخطئ في فعله (٤) . وعلى هذا فالطبيب غير مسئول عن عمله؛ لأن من واجبه أن يؤديه، ولا يسأل عن نتائج عمله ولو أن له حرية كاملة في اختيار هذا العمل وفي اختيار الطريقة التي

стр. 521

يؤدي بها هذا العمل، ولو جرح الطبيب شخصاً فمات، أو أعطاه دواء فأحدث له تسمماً أدى إلى موته، فلا مسئولية على الطبيب من الناحية الجنائية والمدنية. ٣٦٣ - حسن النية: والمفروض في الطبيب أنه يؤدي عمله بقصد نفع المريض وبحسن نية، فإذا قصد قتل المريض أو كان سيئ النية في عمله فهو مسئول عن فعله جنائياً ومدنياً، ولو لم يؤد فعله إلى الوفاة أو إحداث عاهة، بل ولو أدى فعله إلى إصلاح المريض؛ لأن فعل الطبيب في هذه الحالة يقع فعلاً محرماً معاقباً عليه. ٣٦٤ - خطأ الطبيب: إذا اخطأ الطبيب في عمله فإنه لا يسأل عن خطئه إلا إذا كان خطأ فاحشاً، والخطأ الفاحش هو ما لا تقره أصول فن الطب ولا يقره أهل العمل بفن الطب، ويضرب الفقهاء مثلاً على الخطأ غير الفاحش قصة صبية سقطت من سطح فانتفخ رأسها فقال كثير من الجراحين إن شققتم رأسها تموت، وقال واحد منهم إن لم تشقوه اليوم تموت وأنا أشقه وأبريها، فشقه فماتت بعد يوم أو يومين، ولما سؤل في ذلك أحد الفقهاء المشهورين أفتى بأنه ما دام الشق بإذن وما دام الشق معتاداً ولم يكن فاحشاً خارج الرسم؛ أي لم يكن هناك خروج فاحش على القواعد الفنية المرسومة لهذا الشق، فإن الطبيب لا يضمن؛ أي لا يسأل جنائياً ولا مدنياً، فقيل له: فإن قال الطبيب إن ماتت فأنا ضامن هل يضمن؟ فقال: إنه لا يضمن؛ أن ضمان الطبيب يترتب على خطئه الفاحش لا على تعهده بنجاح العملية (١) . ٣٦٥ - إذن المريض: ويشترط لرفع المسئولية عن الطبيب أن يأتي الفعل بإذن المريض أو بإذن وليه أو وصيه، فإن لم يكن للمريض ولي أو وصي

стр. 522

وجب إذن الحاكم باعتباره ولي من لا ولي له، وإذن الحاكم في إجراء جراحة لمريض لا ولي له يختلف عن إذن الحاكم للطبيب في مباشرة التطبيب بصفة عامة. ٣٦٦ - إذن ولي الأمر: وليس في الشريعة ما يمنع ولي الأمر من أن يشترط في الطبيب أن يكون على درجة معينة من العلم، وأن تتوفر فيه مؤهلات خاصة، وأن لا يباشر التطبيب إلا إذا رخص له ولي الأمر بمباشرته، وقد جعل مالك إذن الحاكم في التطبيب شرطاً في انتفاء المسئولية عن الطبيب كما قدمنا. ومن تطبب وهو غير طبيب كان مسئولاً عن عمله لقوله ﵊: "من تطبب ولم يعرف الطب فهو ضامن". فإن قصد العدوان والإضرار فهو متعمد، وإن لم يقصد الإضرار بالمريض ولا العدوان فهو مخطئ على رأي ومتعمد على رأي (١) ، والرأي الأول هو الراجح. ٣٦٧ - شروط عدم المسئولية: يستنتج مما سبق أنه يشترط لعدم المسئولية عن التطبيب الشروط الآتية: ١ - أن يكون الفاعل طبيباً. ٢ - أن يأتي الفعل بقصد العلاج وبحسن نية. ٣ - أن يعمل طبقاً للأصول الطبية. ٤ - أن يأذن له المريض أو من يقوم مقامه كالولي. فإذا توفرت هذه الشروط في التطبيب فلا مسئولية، وإن انعدم أحدها كان الفاعل مسئولاً. ٣٦٨ - الملحقون بالأطباء: ويلحق بالطبيب البيطار والحجام والخاتن،

стр. 523

وحكمهم جميعاً حكم الطبيب من حيث المسئولية، ويشترط في عملهم ما يشترط في عمل الطبيب، فيجب في الختان مثلاً أن يكون الفاعل خاتناً، وأن يأتي الفعل بحسن نية وبقصد الختان، وأن يعمل طبقاً للأصول الفنية، وأن يأذن له المختون أو من يقوم مقامه كالولي. ٣٦٩ - بين الشريعة والقوانين الوضعية: تتفق القوانين الوضعية مع الشريعة الإسلامية في اعتبار التطبيب عملاً مباحاً كما تتفق مع الشريعة في الشروط التي تمنع من المسئولية، فتستلزم أن يكون الفاعل طبيباً، وأن يأتي الفعل بقصد العلاج وبحسن نية، وأن يعمل طبقاً للأصول الفنية، وأن يأذن له المريض في الفعل. وتعتبر القوانين الوضعية التطبيب حقاً بينما تعتبره الشريعة واجباً، ولا شك أن نظرية الشريعة أفضل؛ لأنها تلزم الطبيب بأن يضع مواهبه في خدمة الجماعة، كما أنها أكثر انسجاماً مع حياتنا الاجتماعية القائمة على التعاون والتكاتف وتسخير كل القوى لخدمة الجماعة. وقد اختلف شراح القوانين ورجال القضاء في تعليل ارتفاع المسئولية عن الطبيب (١) ، فذهب الفقه والقضاء في إنجلترا إلى أن سبب عدم المسئولية هو رضاء المريض بالفعل، وأخذ بهذا الرأي بعض الشراح في ألمانيا وفرنسا، وحكمت به المحاكم في فرنسا ومصر قديما (ً (٢) ، وذهب كثير من الشراح الفرنسيين إلى أن سبب ارتفاع المسئولية هو انعدام القصد الجنائي؛ لأن الطبيب يفعل الفعل بقصد شفاء المريض، وقد أخذ القضاء المصري وقتاً ما بهذا الرأي (٣) . والرأي

стр. 524

الأخير الذي يسود اليوم في مصر وفرنسا هو أن التطبيب عمل مشروع تبيحه الدولة وتنظمه وتشجع عليه؛ لأن الحياة الاجتماعية تقتضي ذلك. وهذه التعليلات على اختلافها هي نفس التعليلات التي ذكرها الفقهاء الإسلاميون لعدم مسئولية الطبيب إذا أدى عمله إلى نتائج ضارة بالمريض. * * * الفرع الرابع ألعاب الفروسية ٣٧٠ - الشريعة وألعاب الفروسية: تحتفل الشريعة بألعاب الفروسية وتحض عليها باعتبارها مقوية للأجسام منشطة للعقول، كما أنها مظهر للمهارة ودعوة للشجاعة والفتوة، وتشمل ألعاب الفروسية في الشريعة ما نسميه اليوم بالألعاب الرياضية وألعاب الفروسية والسباق، فكل ذلك يدخل تحت مدلول لفظ الفروسية. وتجيز الشريعة من ألعاب الفروسية كل ما يؤدي إلى التفوق في القوة والمهارة مما ينفع الجماعة وقت السلم أو وقت الحرب، كالمسابقة بالأقدام، وسباق الخيل، وسباق السفن والسيارات والطائرات، وسباق الطير وما أشبه، وكللعب بالشيش والمزاريق والسيوف والعصا، وكالرماية بالنبال والمنجنيق والأسلحة النارية، وكالمصارعة والملاكمة والعلاج (١) - أي رفع الأثقال - وشد الحبل والسباحة وغيرها. وتمتاز الشريعة الإسلامية بأنها جاءت صريحة في الأمر بالفروسية والترغيب فيها وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] ، وقول الرسول ﷺ : "ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي"،

стр. 525

وقوله: "المسلم القوي خير من المسلم الضعيف"، وقوله: "إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة في الجنة، صانعه يحتسب في صنعه الخير، والرامي به، ومنبله، ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، وليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله، ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها". ولقد ثبت عن النبي ﷺ أنه سابق بالأقدام، وثبت عنه أنه سابق بين الأبل، وثبت عنه أنه سابق بين الخيل، وثبت عنه أنه حضر نضال السهام وصار مع إحدى الطائفتين فأمسكت الأخرى وقالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال: "ارموا وأنا معكم كلكم"، وثبت أنه صارع ركانه، وثبت عنه أنه طعن بالرمح وركب الخيل مسرجة ومعراة. ولقد حرص أصحاب الرسول على تنفيذ هذه النصوص والعمل بها. من ذلك ما رواه مصعب بن سعد قال: كان سعد يقول: أي بني تعلموا الرماية فإنها خير لعبكم. وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح "أن علموا غلمانكم العوم ومقاتلتكم الرمي"، وكتب إلى عامله بأذربيجان كتاباً جاء فيه: "اخشوشنوا، واخلولقوا (١) ، واقطعوا الركب (٢) ، وانزوا على الخيل نزواً، وارتموا الأغراض (٣) ") . والأصل في الشريعة الإسلامية أن كل ما ينفع الأمة في دينها أو دنياها من علم أو فن أو صناعة فهو من فروض الكفاية وتعلمه واجب على الأمة ولا خيار لها في الأخذ به أو تركه، وعلى هذا تكون الفروسية بما يدخل تحتها من

стр. 526

ضروب المهارة والقوة والتفوق فرضاً من فروض الكفاية وواجباً على الأفراد ليس لهم أن يتخلوا عنه. وتجيز الشريعة العوض في الرمي وفي المسابقة تشجيعاً للأفراد على الإقدام عليها والتفوق فيها، وللفقهاء آراء مختلفة فيما يجوز فيه العوض وما لا يجوز فيه (١) . ويرى مالك أن يكون العوض دائماً من بيت المال؛ لأن ألعاب الفروسية تعود منفعتها للجماعة، وهي إعداد عسكري للأفراد. ولكن أبا حنيفة والشافعي وأحمد يجيزون أن يكون العوض من بيت المال، أو من مال غير اللاعبين، أو من مال أحد اللاعبين دون الآخر بحيث إذا تفوق الآخر أذخ العوض وإن لم يتفوق لم يأخذه (٢) . ٣٧١ - حكم إصابات اللعب: وألعاب الفروسية قد تؤدي إلى إصابات تقع على اللاعبين أو على غيرهم، فإن نشأت هذه الإصابات عن لعبة لا تقوم على استعمال القوة والعنف بين اللاعبين، وليس في ممارستها ما يستلزم استعمال القوة مع الخصم أو يحتم ضربه أو يعرضه للجرح، فمثل هذه الإصابة تحكمها قواعد الشريعة العامة؛ لأنها من ضروريات اللعبة، فإن تعمدها أحد فهو مسئول عنها باعتبارها جريمة عمدية، وإن وقعت نتيجة إهمال أو رعونة فهو مسئول عنها باعتبارها جريمة غير عمدية. أما الألعاب التي تستلزم استعمال القوة مع الخصم كالمصارعة أو تستلزم الضرب كالملاكمة والتحطيب فإن الإصابات الناشئة عنه لا عقاب عليها إذا لم

стр. 527

يتعد محدثها الحدود المرسومة للعب؛ لأن وجوب ممارسة اللعبة يقتضي بذاته إباحة ما يصحبها عادة من إصابات في الحدود المعروفة، فإذا تعدى اللاعب حدود اللعب وأحدث بزميله إصابة ما، فهي جريمة عمدية إذا تعمدها، وجريمة غير عمدية إذا لم يتعمدها. ٣٧٢ - بين الشريعة والقانون: هذا هو حكم ألعاب الفروسية في الشريعة الإسلامية أما حكمها في القوانين الوضعية فغير متفق عليه، فبض البلاد يعتبرها أفعالاً مباحة، وبعضها يعتبر ما يحدث عنها من ضربات وإصابات جرائم، وبعض ولايات أمريكا المتحدة تأخذ بالفكرة الأولى، وبعضها يأخذ بالفكرة الثانية، وتقضي المحاكم في بلجيكا بالعقوبة على ما يحدث من إصابات نتيجة ممارسة الألعاب الرياضية، بينما تقضي المحاكم في فرنسا بالبراءة، والسائد في إنجلترا وإيطاليا وألمانيا أن الألعاب الرياضية مشروعة في حدود معينة ولا يترتب عليها أية مسئولية، وفي مصر وفرنسا يرى البعض ارتفاع المسئولية، ويرى البعض المسئولية، والرأي الأول هو الراجح. واختلف شُرَّاح القوانين في سبب ارتفاع المسئولية، فقال البعض إنه انعدام القصد الجنائي، وقال البعض أنه رضاء المجني عليه، وقال البعض الأخير بأن الدولة تعتبر الألعاب مشروعة فتبيحها وتشجع عليها، فمن يمارسها فإنما يمارس حقاً خوله له القانون، وممارسة الحق لا يترتب عليه مسئولية (١) ، وهذا الرأي هو أحدث الآراء وأرجحها، والعمل به يؤدي إلى نفس النتائج التي تؤدي إليها نظرية الشريعة الإسلامية، والفرق الوحيد بين نظرية الشريعة وهذا الرأي أن الشريعة ترى في ألعاب الفروسية واجباً على الأفراد، بينما هي طبقاً لهذا الرأي حق لا واجب.

стр. 528

ونظرية الشريعة أدق منطقاً؛ لأن ألعاب الفروسية ضرورة اجتماعية اقتضتها مصلحة الأفراد والجماعة من الوجهات الصحية والخلقية والحربية والاجتماعية، ولا توجد دولة اليوم إلا وتحض عليها وتشجعها وتلقنها النشء في المدارس كما تلقن العلوم الضرورية، بل إنها أصبحت من العلوم الأولية في المدارس التي تعد رجال البوليس والجيش، وإذا كان لألعاب الفروسية هذه المنزلة في حياة الأمة فمن المنطق أن تعتبر واجباً على الأفراد لا حقاً لهم؛ لأن الواجب هو ما لا يستطيع التخلي عنه، أما الحق فلا حرج على صاحبه أن يأتيه أو يتركه. * * * الفرع الخامس إهدار الأشخاص ٣٧٣ - معنى الإهدار: الإهدار هو الإباحة، ويقع على نفس الشخص أو على طرفه أو على ماله، فإذا وقع الإهدار على نفس شخص أبيح جرحه أو قطعه أو قتله، وإذا وقع الإهدار على طرف شخص لم يبح من الشخص إلا قطع هذا الطرف، وإذا وقع الإهدار على مال شخص أبيح ماله كإباحة مال الحربي، والمقصود من هذا البحث إهدار الأشخاص لا إهدار الأموال. ونستطيع أن نعرف إهدار الأشخاص أو طرفه، كما نستطيع أن نعرف الشخص المهدر بأنه من أبيحت نفسه أو طرفه. ٣٧٤ - علة الإهدار: علة الإهدار الوحيدة هي زوال عصمة الشخص، وتزول العصمة إما بزوال سببها، وإما بارتكاب الجرائم المهدرة. زوال العصمة بزوال سببها: القاعدة العامة في الشريعة الإسلامية أن الدماء والأموال معصومة أي ليست مباحة. وأساس العصمة: إما الإيمان، وإما الأمان. ومعنى الإيمان: الإسلام، ومعنى الأمان: العهد؛ كعهد الذمة وعهد الهدنة وما أسبه. فبالإيمان تعصم دماء المسلمين وأموالهم؛ لقوله عليه

стр. 529

الصلاة والسلام: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها". وبالأمان تعصم دماء غير المسلمين وأموالهم لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ، وقوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] ، وقوله: ﴿فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤] ، وقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَه ُ﴾ [التوبة: ٦] ، وقول رسول الله ﷺ : "المسلمون عند شروطهم"، وقوله: "إننا لا يصلح في ديننا الغدر"، وقوله: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل منه صرف ولا عدل"، وقوله: "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث: ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فقبل وكف عنهم، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم". والأمان في الشريعة الإسلامية على نوعين: أمان مؤقت، وأمان مؤبد. فالأمان المؤقت ما كان محدوداً بأجل طال هذا الأجل أو قصر، ويقوم هذا النوع من الأمان على معاهدات السلام وعدم الاعتداء، أو على معاهدات الإقامة المعقودة بين دار الإسلام ودار الحرب أي بين الدولة الإسلامية وأي دولة غير إسلامية، ويدخل تحت هذا النوع عقد الهدنة والإذن بالإقامة في دار الإسلام (١) . والأمان المؤبد هو ما ليس له أجل محدود ينتهي به، ولا يكون إلا بعقد

стр. 530

الذمة، ولا يتمتع به إلا الذميون الذين يقيمون إقامة كاملة في دار الإسلام وعليهم في مقابل ذلك التزام أحكام الإسلام (١) . والأصل أن الناس في العالم على نوعين: إما مؤمن بالإسلام وإما منكر به. والمنكرون على نوعين: إما مسالم للإسلام وإما محارب له، فالمسالمون للإسلام من كان بينهم وبين دار الإسلام حالة سلم متبادل، أو عقد من عقود السلم، كعقد الهدنة أو الموادعة أو عقد الذمة، وأما المحاربون فهم من كانوا في حالة حرب مع دار الإسلام، ويسمى هؤلاء بالحربيين وكل من عدا الحربيين من سكان العالم دماؤهم وأموالهم معصومة إما بإسلامهم (٢) وإما بمسالمتهم، أو بتعبير آخر: إما بإيمانهم وإما بأمانهم. وإذا كان أساس العصمة هو الإيمان والأمان فإن العصمة تزول بزوال الأساس الذي قامت عليه، فالمسلم تزول عصمته بردته وخروجه عن الإسلام، والمستأمن والمعاهد والذمي ومن في حكمهم تزول عصمتهم بانتهاء أمانهم ونقض عهدهم، وإذا زالت عصمتهم أصبحوا بزوالها حربيين حكمهم حكم الحربي الذي لم يكتسب عصمة. وإذا كانت العصمة تعني تحريم الدم والمال فإن زوالها يعني إباحة الدم والمال، وهذا هو الإهدار، ولما كانت العصمة لا تزول إلا عن مرتد أو حربي فمعنى ذلك أن المرتد والحربي مهدران وسبب إهدارهما هو زوال عصمتهما. زوال العصمة بارتكاب الجرائم المهدرة: وكما تزول العصمة بالردة وبانتهاء الأمان ونقد العهد فإنها تزول أيضاً بارتكاب الجرائم المهدرة، والجرائم المهدرة هي الجرائم التي تجب عليها عقوبات مقدرة متلفة للنفس أو الطرف. والجرائم المهدرة هي على وجه الحصر: (١) الزنا من محصن. ... ... ... ... (٢) قطع الطريق
следующие страницы →