← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9842

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي

عبد القادر عودة

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الأولى: أن يغلب السبب المباشرة: ويتغلب السبب على المباشرة إذا لم تكن المباشرة عدواناً، وفي هذه الحالة تكون المسئولية على المتسبب دون المباشر، كقتل المحكوم عليه بالإعدام بناء على شهادة الزور، فتنفيذ الحكم بمعرفة الجلاد هو المباشرة وشهادة الزور هي السبب، ولما كان فعل الجلاد لا يعتبر عدواناً كان صاحب السبب أي شاهد الزور هو القاتل، وهكذا كلما تغلب السبب على المباشرة انتفت مسئولية المباشر ووقعت المسئولية على عاتق صاحب السبب (١) . الثانية: أن تغلب المباشرة السبب: وتتغلب المباشرة على السبب إذا قطعت عمله، كمن ألقى إنساناً في ماء بقصد إغراقه فخنقه آخر كان يسبح في الماء، وكمن ألقى بإنسان من شاهق فتلقاه آخر قبل وصوله إلى الأرض فقط رقبته بسيف، أو أطلق عياراً نارياً قتله قبل وصوله إلى الأرض، فالمسئول عن القتل في هذه الصور هو مباشر وعليه وحده القصاص، أما المتسبب فيعزر على فعله فقط ولا يحاسب على نتيجته وهي الموت. ويرى البعض أن المباشرة لا تقطع عمل السبب إذا كانت السلامة من السبب غير متوقعة، كمن رمى آخر من شاهق لا يمكن أن يسلم منه فتلقاه آخر قبل أن يصل إلى الأرض وقده بالسيف، فإن السبب في هذه الحالة يعتدل مع المباشرة، ويكون كل من المباشر والمتسبب مسئولين عن القتل؛ لأن عمل كل منهما يتمم عمل الآخر، أما إذا كان السبب يسلم منه فتقطع المباشرة عمل السبب على الوجه الذي سبق بيانه (٢) . والمفروض في الأمثلة السابقة أن المباشر والمتسبب ليس بينهما اتفاق على الجريمة. ويرى أبو حنيفة أن المباشرة تغلب السبب دائماً كلما اجتمعا وكانت المباشرة

стр. 457

عدواناً، بحيث يضاف الحكم إلى المباشر دون المتسبب (١) ، وإضافة الحكم إلى المباشر دون المتسبب لا يترتب عليها إعفاء المتسبب فهو مسئول عن فعله كلما كان فعله معصية. وأهمية هذه القاعدة لا تظهر إلا في جرائم الحدود والقصاص؛ لأن تغليب المباشرة على السبب وإضافة الحكم إلى المباشر يؤدي إلى قصر عقوبة الحد والقصاص على المباشر دون غيره، ويجعل عقوبة المتسبب التعزير كلما تغلبت المباشرة على السبب. الثالثة: أن يعتدل السبب والمباشرة: بأن يتساوى أثرهما في إحداث الجريمة، وفي هذه الحالة يكون المتسبب والمباشر مسئولين معاً عن نتيجة الفعل، كالإكراه على القتل والأمر به؛ لأن المكره والآمر مسئولان عن القتل كما يسأل المكره والمأمور. وعند أبي حنيفة أن السبب لا يعتدل مع المباشرة أبداً؛ لأنه يضيف الحكم للمباشرة كلما اجتمعت مع سبب وكانت عدواناً، وهو في هذا يخالف ما يراه مالك والشافعي وأحمد، وإذا كان أبو حنيفة يعتبر المكره مسئولاً عن القتل فليس ذلك لأنه يرى اعتدال السبب مع المباشرة، وإنما لأنه يعتبر صاحب السبب مباشراً إذا كان المباشرة آلة في يده. ٣١٨ - رابطة السببية والمسئولية: ويشترط لمسئولية الجاني عن الجريمة التي تنسب إليه أن تكون ناشئة عن فعله، وأن يكون بين الفعل الذي أتاه والنتيجة التي يسأل عنها رابطة السببية. وقد لا يصعب القول بوجود رابطة السببية بين فعل الجاني ونتيجته، إذا كان فعل الجاني مباشرة لاتصال الفعل بالنتيجة اتصالاً مباشراً. أما إذا كان فعل الجاني

стр. 458

سبباً فقد يصعب في كثير من الأحوال القول بوجود رابطة السببية بين الفعل والنتيجة حيث لا يتصل الفعل اتصالاً مباشراً بنتيجته، وتتجلى هذه المصاعب كلما تعددت العلل المؤدية للنتيجة، فساعد بعضها عمل البعض، أو قطع بعضها عمل البعض، وكلما بعدت النتائج وتوالدت الأسباب بينها وبين الأفعال، وسنستعرض فيما يأتي هذه المصائب ونبين حكمها. ٣١٩ - تعدد العلل المسببة للنتيجة: القاعدة أن الجاني يسأل عن نتيجة فعله إذا كان فعله وحده هو علة النتيجة، أو كان لفعله إذا نظر إليه منفرداً عن غيره (١) دخل في إحداث النتيجة، فالجاني مسئول عن نتيجة فعله سواء كان هو الذي أحدث النتيجة وحده أو كان أحد العوامل التي اشتركت في إحداثها، فمن أحدث بآخر جرحاً قاتلاً بقصد فتله فأدى الجرح للموت فهو مسئول عن القتل العمد، وإذا كان بالمجني عليه إصابات قاتلة من قبل فأحدث به الجاني إصابة أخرى قاتلة فمات منها جميعاً، فالجاني مسئول عن القتل العمد، ولو أن الموت نتيجة لكل هذه الإصابات، ويستوي أن تكون الإصابات التي كانت بالمجني عليه ناشئة عن فعله هو كما لو جرح نفسه، أو عن فعل غيره كما لو ضربه إنسان أو نهشه حيوان. وإذا كان بالمجني عليه إصابات قاتلة سببها فعل مباح كالدفاع الشرعي مثلاً، فأحدث به آخر إصابة أو إصابات أخرى عدواناً بقصد قتله فمات من جميع الإصابات، فالجاني مسئول عن القتل العمد، ولو أن بعض الإصابات التي أدت للموت ناشئة عن فعل نباح، وكذلك الحكم لو كانت الإصابات السابقة غير عمدية، وهو نفس الحكم لو كانت الإصابات غير العمدية أو الناشئة عن فعل مباح لاحقة بالإصابات التي أحدثها الجاني وليست سابقة عليها. وإذا كانت بعض الإصابات أفحش من بعض، فإن الجاني الذي أحدث

стр. 459

أبسط الإصابات مسئول عن القتل العمد ما دامت إصابته مهلكة بذاتها أو لها دخل في القتل على انفرادها، كما أنه لا عبرة بعدد الإصابات التي يحدثها كل جان، فلو كان بشخص مائة إصابة أدت إلى قتله، فالجاني الذي أحدث واحدة منها فقط مسئول عن القتل ما دام لإصابته دخل في القتل على انفرادها ولو كانت بقية الإصابات من فعل شخص واحد. وإذا أساء المجني عليه علاج نفسه أو أهمل العلاج، أو سمح لطبيب بعلاج جرحه أو إجراء عملية فأخطأ العلاج أو قصر في العملية، وساعد كل ذلك على إحداث النتيجة فإن الجاني مع ذلك يسأل عن القتل العمد، ما دام فعله مهلكاً بذاته، أو كان له منفرداً دخل في إحداث النتيجة. وإذا كان المجني عليه مريضاً أو ضعيفاً أو صغيراً فيعتبر الجاني مسئولاً عن قتله عمداً إذا ضربه أو جرحه ضرباً أو جرحاً لا يقتل الصحيح أو الكبير، ما دام من شأن هذا الضرب أو الجرح أن يقتل المريض والضعيف والصغير. ٣٢٠ - انقطاع فعل الجاني: ويسأل الجاني عن نتيجة فعله ما لم ينقطع فعل الجاني بفعل آخر يتغلب عليه ويقطع عمله، ففي هذه الحالة يسأل الجاني عن الفعل دون نتيجته، فمن يجرح إنساناً جرحاً قاتلاً بقصد قتله يعتبر قاتلاً لا عمداً إذا كان من الجرح، ولكن إذا جاء ثالث فقطع رقبة الجريح فهو قاتل، والأول جارح لا قاتل؛ لأن فعله انقطع عمله وانقضى أثره بفعل الثالث. ويسأل الجاني عن الفعل دون نتيجته إذا انقطع أثر الفعل فلم يؤد للنتيجة، ولو كان الجاني قاصداً النتيجة، فمن يجرح إنساناً قاصداً قتله فيشفى الجرح يسأل باعتباره جارحاً لا قاتلاً؛ لأن الجرح انقطع أثره فلم يؤد للموت. ٣٢١ - توالد العلل والمسببات: قلنا: إن الجاني يسأل عن نتيجة فعله إذا كان فعله وحده هو علة النتيجة، أو كان فعله إذا نظر إليه منفرداً من غيره دخل في إثارة النتيجة، وهذه هي القاعدة العامة في الشريعة، ومن السهل تطبيقها

стр. 460

كلما كان فعل الجاني علة مباشرة للنتيجة، كذبح شخص بسكين؛ فإن الذبح علة مباشرة للموت. ولكن المسائل لا تعرض دائماً بهذه السهولة. فهناك حالات كثيرة لا يكون فيها فعل الجاني هو العلة المباشرة للنتيجة، وإنما تتولد العلل وتتوالى بين الفعل والنتيجة بحيث تضعف صلة السببية بين الفعل المنسوب للجاني والنتيجة التي يسأل عنها، وبحيث يبعد الفعل عن النتيجة، ولا يكون سبباً مباشراً لها، ومثل ذلك أن يحدث الجاني بالمجني عليه جرحاً بقصد قتله فينقل المجني عليه إلى المستشفى فيحدث حريق بالمستشفى يموت فيه المجني عليه، فهل يسأل الجاني عن الموت باعتبار أن الجرح الذي أحدثه سبب نقل المجني عليه إلى المستشفى، وأن النقل تولد عنه موت المجني عليه محترقاً، أم يسأل الجاني عن الجرح فقط؟ ومثل ذلك أيضاً أن يشهد شخصان زوراً على آخر بأنه قتل الثالث، فيحكم على المتهم البريء بالقتل وتنفذ فيه، ثم تتبين بعد ذلك براءته، فهل يعتبر شاهد الزور قاتلاً باعتبار أن فعله علة للحكم، وأن الحكم تولد عنه الأمر بالتنفيذ، وأن الأمر بالتنفيذ تولد عنه قيام الجلاد بقتل المحكوم عليه؟ ولحل هذه الصعوبات يفرق الفقهاء بين الثلاثة أنواع من العلل والأسباب: أولها: العلل والأسباب الحسية: وهي العلل التي تتولد عنها النتائج توليداً محسوساً مدركاً لا شك فيه ولا خلاف عليه، بغض النظر عما إذا كانت النتيجة قد تولدت عن العلة المباشرة أو كانت قد تولدت عن علة متولدة عن العلة الأولى، فكلما كان فعل الجاني علة محسوسة ومدركة للنتيجة فهو مسئول عن النتيجة، كإشعال النار في بيت المجني عليه بقصد قتله، حتى إذا ما استيقظ كانت النار قد أحاطت به فلم يستطيع النجاة ومات محترقاً، فغن الجاني وضع النار في المنزل وكان وضعها علة في احتراق المنزل، وكان إحراق المنزل علة في موت المجني عليه محترقاً. ثانيها: العلل والأسباب الشرعية: وهي العلل والأسباب التي تولد

стр. 461

نتائج يسأل عنها الجاني بمقتضى النصوص الشرعية، كاعتبار شاهد الزور في جريمة القتل قاتلاً للمحكوم عليه. وهذا النوع من العلل يتحمل الجاني نتيجته التي ترتبها عليه النصوص مهما بعدت النتائج وضعفت صلة السببية بين النتائج والفعل. ثالثها: العلل والأسباب العرقية: وهي كل علة أو سبب لا يولد النتائج توليداً حسياً ولا شرعياً، ويدخل تحت هذا النوع من العلل كل ما لا يدخل تحت النوعين السابقين. وتنسب العلة أو السبب إلى العرف؛ لأن حد السببية هو الحد المتعارف عليه؛ أي ما أقره عرف الناس وقبلته عقولهم. وحكم هذا النوع من العلل أن الجاني يتحمل النتائج مهما توالدت العلل والأسباب، إذا كان العرف يقضي بمسئولية هذه النتائج، أما إذا كان العرف يمنع من مسئوليته عن النتائج فلا يسأل عنها، فمثلاً لو خرق شخص قارباً يركبه المجني عليه بقصد إغراقه في لجة لا نجاة منها فلما أشرف القارب على الغرق ألقى المجني عليه بنفسه في الماء سابحاً فالتقمه حوت، فإن الجاني يسأل عن القتل ولو أن فعل الجاني وهو خرق القارب لم يكن العلة أو السبب المباشر المؤدي للموت بل كان علة لغرق القارب، وكان غرق القارب علة لإلقاء المجني عليه بنفسه في الماء، وكانت هذه العلة الأخيرة علة لالتهام الحوت له، وهذه العلة الأخيرة هي التي أدت مباشرة للموت، ويسأل الجاني عن النتيجة التي ترتبت على فعله مع توالد العلل وتواليها وبعد النتيجة عن فعلة؛ لأن العرف يعتبر صلة السببية قائمة بالرغم من ذلك كله ويعتبر الجاني قاتلاً. وإذا ضرب الجاني شخصاً بقصد قتله فأحدث به إصابات استلزم علاجها وضع المجني عليه في المستشفى، ثم حدث زلزال أدى لهدم المستشفى وموت المجني عليه تحت الأنقاض، فإن الجاني يسأل باعتباره جارحاً فقط، ولا يسأل عن النتيجة النهائية وهي الموت، ولو أن الموت كان علة لوجود المجني عليه بالمستشفى وكان وجوده بالمستشفى علة لفعل الجاني؛ لأن العرف لا يعتبر الجاني قاتلاً في هذه الحالة. والساحر الذي يمارس أعمال السحر والشعوذة

стр. 462

بقصد قتل إنسان معين لا يسأل عن القتل إذا مات الشخص المقصود، وإنما يسأل عن الأفعال التي أتاها دون نتيجتها؛ لأن عرفنا اليوم لا يعترف بأن السحر يؤدي للقتل. ٣٢٢ - نظرية السببية في الشريعة: ويمكننا أن نستخلص مما سبق نظرية السببية في الشريعة وهي أن الجاني لا يسأل عن نتيجة فعله إلا إذا كان بين الفعل والنتيجة رابطة سببية، وهي الرباط الذي يربط الفعل الحاصل من الجاني بالنتيجة التي يسأل عنها، أو هي الرباط الذي يربط السبب بالمسبب والعلة بالمعلول، فإذا توفرت هذه الرابطة كان الجاني مسئولاً عن نتيجة فعله، وإذا انعدمت رابطة السببية بين الفعل ونتيجته، أو قامت هذه الرابطة ثم انقطعت قبل تحقق النتيجة سواء كان الانقطاع طبيعياً أو بفعل شخص آخر، فإن الجاني يسأل عن فعله فقط ولا يسأل عن نتيجته. ولا يشترط أن يكون فعل الجاني هو السبب الوحيد المحدث للنتيجة، بل يكفي أن يكون فعل الجاني سبباً فعالاً في إحداث النتيجة، ويستوي بعد ذلك أن يكون فعل الجاني هو الذي سبب النتيجة وحده، أو سببها معه أفعال أو عوامل أخرى ترجع إلى فعل المجني عليه أو الغير، أو ترجع إلى حالة المجني عليه الطبيعية أو الصحية. والجاني مسئول عن نتيجة فعله سواء كان فعله علة مباشرة للنتيجة أو كان علة غير مباشرة للنتيجة، بل هو مسئول ولو كانت النتيجة علة لعلة أو علل أخرى تولدت من فعل الجاني، ما دام المتعارف عليه بين الناس أن يكون الجاني مسئولاً عن مثل هذه الحالة. ولا يسمح الفقهاء بتوالد الأسباب والعلل وتواليها إلى غير حد، بل يقيدون التوالد والتوالي بالعرف، فما اعتبره العرف سبباً للنتيجة فهو سبب لها ولو كان سبباً بعيداً، وما لم يعتبره العرف سبباً للنتيجة فهو ليس سبباً لها ولو كان سبباً قريباً.

стр. 463

وقد سلك الفقهاء هذا المسلك؛ لأنه أقرب إلى العدالة وألصق بطبائع الأشياء، فلو أنهم اكتفوا في تحديد رابطة السببية بالسبب المباشر فقط كما فعل شراح القانون الفرنسي في القتل العمد لأدى ذلك إلى خروج كثير من الأفعال التي يعتبرها العقل والعرف قتلاً، ولو أنهم بالغوا فأخذوا بكل سبب غير مباشر كما فعل بعض الشراح الألمان لأدخلوا في دائرة القتل أفعالاً كثيرة لا يعتبرها عرف الناس ولا منطقهم قتلاً. ومن أجل ذلك جاءت نظرية السببية في الشريعة مرنة تتسع لكل ما يتسع له عرف الناس ومنطقهم، عادلة؛ لأنها تعتمد على شعور الناس بالعدالة وإحساسهم بها، بل لإن جعل العرف مقياساً تقاس به كفاية السبب لتحقيق النتيجة هو الذي ضمن لنظرية الشريعة البقاء ما بقى الناس، لأن الناس - سواء تقدموا أو تأخروا جهلوا أو تعلموا - لهم عرف يطمئنون إليه وعقول لا ترتاح إلا إلى ما تراه عدلاً، ونظرية الشريعة تتمشى مع عرفهم ونظرهم للعدالة في كل وقت وفي كل ظرف. ٣٢٣ - بين الشريعة والقوانين: ونظرية الشريعة في السببية تفضل على قدمها النظرية الفرنسية وتتفق مع أحدث النظريات التي ظهرت في دائرة القوانين الوضعية. فالشراح الفرنسيون حتى اليوم لا يقبلون في القتل العمد إلا السبب المباشر؛ أي السبب الذي يؤدي للموت بشرط أن لا تتوسط بينه وبين الموت عوامل أخرى تؤدي بذاتها للموت أو تساعد على إحداثه، فمثلاً إذا ضرب الجاني شخصاً أو جرحه بقصد قتله فأهمل المجني عليه العلاج أو أساء علاج نفسه أو كان مريضاً أو ضعيفاً فساعد إهماله أو سوء علاجه أو مرضه أو ضعفه على الوفاة، فإن الضرب أو الجرح لا يعتبر في نظر الشراح الفرنسيون علة مباشرة للموت؛ لأن هناك عوامل أخرى ساعدت على إحداث الوفاة وقد لا تحدث الوفاة لو لم تكن هذه العوامل.

стр. 464

ويطبق الشراح الفرنسيون نظريتهم هذه في حالة القتل العمد فقط، ولكنهم لا يرون بأساً من قبول السبب غير المباشر في القتل الخطأ، وفي هذه التفرقة وحدها ما يؤكد أن نظريتهم معيبة؛ لأنه إذا كان العدل يقتضي أن لا يقبل في القتل العمد إلا السبب المباشر فمن الظلم أن يقبل السبب الغير مباشر في القتل الخطأ، وإذا كان العدل يقتضي أن يقبل السبب غير المباشر في القتل الخطأ فمن الظلم أن لا يقبل في القتل العمد. وأحدث نظريات السببية تأخذ بالسبب المباشر وبالسبب غير المباشر معاً، وقد ظهرت هذه النظريات الحديثة في ألمانيا وإنجلترا وإيطاليا وسويسرا وانتقلت إلى غيرها من البلاد، وتعتبر النظريات الألمانية في السببية أنموذجاً لأحدث النظريات في السببية، ولذلك سنكتفي بعرضها. وأول النظريات الألمانية هي نظرية السبب الأقوى أو السبب الفعال، وبمقتضى هذه النظرية يسأل الجاني عن النتيجة إذا كان فعله هو السبب الأساسي في إحداثها، ولو كانت هناك عوامل أخرى ساعدت على إحداث النتيجة؛ لأن هذه العوامل تعتبر شروطاً لحدوث النتيجة لا أسباباً لها ما دام أنها لا تقوم بالدور الأول في إحداث النتيجة، أما إذا قام أحد هذه العوامل بالدور الأول في إحداث النتيجة فإن النتيجة تنسب إليه ويصبح فعل الجاني شرطاً لحدوث النتيجة لا سبباً لها. وقد أخذ على هذه النظرية أنها تقوم على المفاضلة بين العوامل التي تؤدي لإحداث النتيجة من حيث قوة هذه العوامل وضعفها، مع أنها جميعاً ضعيفها وقويها ضرورية لإحداث النتيجة، ولو امتنع أحدهما مهما كان ضعيفاً لما انتهت النتيجة للشكل الذي انتهت عليه. وقد ظهرت بعد ذلك نظرية ثانية هي نظرية التعادل أريد منها معالجة عيب النظرية الأولى، ولذلك فإن أصحابها لا يفاضلون بين العوامل التي تؤدي إلى إحداث النتيجة بل يضعونها جميعاً في مستوى واحد، وعندهم أن فعل الجاني هو العامل

стр. 465

الأول الذي سبب النتيجة ولولاه لما حدثت، ومن ثم فهو مسئول عن النتيجة بغض النظر عن العوامل الأخرى التي ساعدت على إحداثها، ويستوي عندهم أن تكون العوامل عادية أو غير عادية، راجعة إلى فعل المجني عليه أو فعل غيره، ناشئة عن حالته الطبيعية أو حالته الصحية، قاطعة لفعل الجاني أو غير قاطعة. وقد أخذ على نظرية التعادل أنها تحمل الجاني النتيجة رغم انقطاع فعله بفعل آخر أدى دون شك لحدوث النتيجة، وأنها تسمح بتوالد العلل والأسباب وتواليها إلى غير حد، وتحمل الجاني النتيجة باعتبارها متولدة عن فعله الذي انقطع عمله قبل حدوث النتيجة. وأحدث النظريات الألمانية هي نظرية السبب الملائم، وقد وجدت لعيوب نظرية التعادل، وهي تقوم على الأساس الذي قامت عليه نظرية التعادل ولكنها لا تحمل الجاني المسئولية عن النتيجة إلا إذا اعتبر فعله سبباً ملائماً لإحداث النتيجة، ويعتبر السبب ملائماً إذا كان كافياً لإحداث النتيجة طبقاً لما تعارف عليه الناس وما تقتضيه الأشياء. ونظرية السبب الملائم الألمانية تقوم على نفس الأساس التي تقوم عليه النظرية الإسلامية، وتكاد كلاهما تؤدي إلى نفس النتائج التي تؤدي إليها الأخرى من حيث ترتيب المسئولية، ولعل أهم فرق بينهما أن النظرية الإسلامية سبقت النظرية الألمانية بثلاثة عشر قرناً، وأن النظرية الألمانية تولدت عن نظريات أخرى كانت تتطور مرة بعد أخرى؛ لتأخذ بما يتفق مع الشريعة الإسلامية وتتخلص مما يخالفها. * * *

стр. 466

الفصل الثاني ارتفاع المسئولية الجنائية ٣٢٤ - علة ارتفاع المسئولية الجنائية: بينا فيما سبق أن المسئولية الجنائية تقوم على أسس ثلاثة هي (١) : (١) إتيان فعل محرم. ... (٢) أن يكون الفاعل مختاراً. ... (٣) وأن يكون مدركاً. فإذا توفرت هذه الأسس الثلاثة توفرت المسئولية الجنائية، وإذا انعدم أحدها لم يعاقب الجاني على فعله، على أن عدم العقاب لا يرجع في كل الحالات إلى سبب واحد بعينه، فإذا لم يكن الفعل محرماً فلا مسئولية إطلاقاً؛ لأن الفعل غير محرم، والمسئولية لا تكون قبل كل شيء إلا عن فعل محرم، وإذا كان الفعل محرماً ولكن الفاعل فاقد الإدراك او الاختيار فالمسئولية الجنائية قائمة، ولكن العقاب يرتفع عن الفاعل لفقدانه الإدراك أو الاختيار. فالمسئولية ترتفع إذن، إما لسبب يتعلق بالفعل، وإما لسبب يرجع للفاعل، وفي الحالة الأولى يكون الفعل مباحاً، وفي الحالة الثانية يبقى الفعل محرماً، ولكن لا يعاقب على إتيانه. ٣٢٥ - أسباب الإباحة: يباح الفعل المحرم في الشريعة الإسلامية؛ لأسباب متعددة، ولكنها كلها ترجع، إما لاستعمال حق، وإما لأداء واجب، فاستعمال الحقوق وأداء الواجبات هو الذي يبيح إتيان الأفعال المحرمة على الكافة، ويمنع من مؤاخذة الفاعل؛ لأن الشريعة جعلت له حقاً في إتيان الفعل المحرم أو ألزمته بإتيانه فأباحت له بذلك إتيان ما حرم على الكافة.

стр. 467

٣٢٦ - أسباب رفع العقوبة: وترتفع العقوبة عن الفاعل لأربعة أسباب هي: (١) الإكراه. ... (٢) السكر. ... (٣) الجنون. ... (٤) صغر السن. وفي هذه الحالات الأربع يرتكب الجاني فعلاً محرماً ولكن العقوبة ترتفع عنه، لفقدان الاختيار أو الإدراك. ٣٢٧ - الإعفاء من العقاب: وقد جاءت الشريعة بعد ذلك كله بمبدأ آخر يسمح بإعفاء الجاني من العقاب بالرغم من أنه استحقه؛ لارتكابه فعلاً محرماً وهو متمتع بالإدراك والاختيار، ويعتبر هذا المبدأ استثناء من القاعدة العامة، ولعل الشارع يقصد من إقرار هذا المبدأ الاستثنائي تشجيع الجاني على التوبة في الجرائم الخطيرة والعدول عن الاشتراك فيها، خصوصاً وقد جاء النص المقرر للمبدأ بعد النص المقرر لعقوبة جريمة الحرابة، وهي من أخطر الجرائم، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣، ٣٤] ، ومن المسلم به أن هذا النص ينطبق على جريمة الحرابة، أما ما عداها من جرائم الحدود فمختلف عليه وقد سبق الكلام عن هذا الخلاف (١) . ولا شك أن المبدأ الذي جاء به النص يمكن تطبيقه على بعض جرائم التعازير إذا رأى أولو الأمر مصلحة في ذلك. ٣٢٨ - بين الشريعة والقانون: هذه هي أسباب ارتفاع المسئولية الجنائية في الشريعة الإسلامية، وهي بذاتها نفس أسباب ارتفاع المسئولية في القوانين الوضعية، وحكم هذه الأسباب في الشريعة والقوانين واحد من حيث التكييف، فالشريعة تجعل استعمال الحقوق وأداء الواجبات مبيحاً للفعل فلا

стр. 468

جريمة في فعل يستعمل حقاً أو يؤدي واجباً. وهذا هو نفس الحكم في القانون المصري وغيره من القوانين الوضعية الحديثة. والشريعة ترفع العقاب في حالات الإكراه والسكر والجنون وصغر السن، مع بقاء الفعل جريمة، وهكذا الحكم في القوانين. والشريعة تعفي من العقاب في بعض الجرائم الخطيرة من يتوب ويعدل عن ارتكاب الجريمة قبل القدرة عليه، وهكذا تفعل القوانين الوضعية الحديثة. والفرق الوحيد بين الشريعة والقوانين الوضعية أن أسباب الإباحة وأسباب رفع العقاب والإعفاء من العقاب عرفت كلها في الشريعة الإسلامية من يوم وجودها؛ أي من مدة تزيد على ثلاثة عشر قرناً، وعرفت من أول يوم على الوجه الذي هي عليه الآن، بينما القوانين الوضعية لم تعرف هذا كله إلا في أواخر القرن الثامن عشر، وفي القرن التاسع عشر، ولم تعرفه إلا سبباً بعد سبب وخطوة بعد خطوة. * * * المبحث الأول أسباب الإباحة استعمال الحقوق وأداء الواجبات ٣٢٩ - العلة في إباحة الأفعال المحرمة: الأصل في الشريعة الإسلامية أن الأفعال المحرمة محظورة على الكافة بصفة عامة، لكن الشارع رأى استثناء من هذا الأصل أن يبيح بعض الأفعال المحرمة لمن توفرت فيهم صفة خاصة؛ لأن ظروف الأفراد أو ظروف الجماعة تقتضي هذه الإباحة، ولأن هؤلاء الذين تباح لهم الأفعال المحرمة يأتونها في الواقع لتحقيق غرض أو أكثر من أغراض الشارع. فالقتل مثلاً محرم على الكافة، وعقوبة القاتل عمداً القصاص؛ أي القتل، ولكن الشارع جعل تنفيذ هذه العقوبة من حق ولي الدم وذلك لقوله تعالى:

стр. 469

﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] ، فولي الدم حينما يقتل القاتل يأتي عملاً مباحاً له بصفة خاصة، ولو أن هذا العمل محرم على الكافة، وهو حين يأتيه يحقق غرضين، أولهما: القصاص من القاتل. وثانيهما: أن يكون القصاص بيد ولي الدم. والجرح محرم على الكافة، ولكن لما كانت حياة الإنسان أو راحته قد تتوقف على عملية جراحية، فقد أبيح للطبيب بصفة خاصة جرح المريض لإنقاذه من آلامه أو لإنقاذ حياته؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات، ولأن الشريعة تحض على التداوي من الأمراض وتوجب على المرء أن لا يلقي بنفسه في التهلكة، فإحداث الجرح يحقق من أغراض الشارع دفع الضرورة، والتداوي من المرض، وإنقاذ النفس من الهلكة. والضرب محرم على الكافة، ولكن تربية الصغار وتنشئتهم نشأة طيبة تقتضي بطبيعتها أن يؤدبوا ويضربوا، ولما كانت الشريعة توجب على المشرفين على الصغار أن يحسنوا تربيتهم وتنشئتهم؛ فقد أبيح لهؤلاء أن يضربوا الصغار بقصد التأديب والتعليم تحقيقاً للواجب المفروض عليهم. وهكذا استوجبت طبيعة الأشياء وصالح الأفراد والجماعة وتحقيق غايات الشارع، استوجب لكل هذا أن يعطى لبعض الأفراد حق ارتكاب الأفعال المحرمة على الكافة. وإذا كان الفعل المحرم قد أبيح؛ لتحقيق مصلحة معينة، فقد وجب منطقياً أن لا يؤدي الفعل المحرم إلا لتحقيق المصلحة التي أبيح من أجلها، فإن ارتكاب الفعل لغرض آخر فهو جريمة، فالطبيب الذي يجرح مريضاً بقصد علاجه يؤدي واجباً كلف به فعمله مباح، ولكنه إذا جرح المريض بقصد قتله فهو قاتل وعمله جريمة. ٣٣٠ - الحق والواجب: والأصل أن صاحب الحق له أن يستعمل

стр. 470

حقه وأن لا يستعمله، فإذا استعمله فلا حرج عليه، وإن تركه فلا إثم عليه، فالحق إذن هو ما يجوز فعله ولا يعاقب على تركه. ويقابل الحق الواجب، وكلاهما يختلف عن الآخر في طبيعته، فإذا كان الحق يجوز فعله فالواجب يتحتم فعله، وإذا كان صاحب الحق لا يأثم بتركه ولا يعاقب على تركه فإن المكلف بالواجب يأثم بتركه ويعرض نفسه للعقوبة المقررة لترك الواجب. وإذا كان الحق والواجب يختلفان في طبيعتهما، إلا أنهما يتفقان من الناحية الجنائية في أن الفعل الذي فعل أداء لواجبه أو استعمالاً لحق هو فعل مباح ولا يعتبر جريمة. والفعل الواحد قد يعتبر حقاً لشخص بعينه وواجباً على شخص آخر، فالقتل قصاصاً هو حق لولي الدم إذا باشره، ولكن الفعل نفسه واجب على الجلاد إذا تركت مباشرته له، والتأديب في مذهب أبي حنيفة هو حق للزوج والأب ولكنه واجب على المدرس والمعلم. وللتفرقة بين الحق والواجب أهمية من وجهين: أولهما: وهو متفق عليه من الفقهاء: أن الحق لا يمكن العقاب على تركه وأن الواجب يمكن عقاب تاركه. وثانيهما، وهو مختلف عليه بين الفقهاء: أن الحق يتقيد بشرط السلامة وأن الواجب لا يتقيد بشرط السلامة؛ أي أن من باشر حقاً مسئول دائماً عن سلامة المحل الذي باشر عليه الحق؛ لأنه مخير بين أن يأتي الفعل أو يتركه، أما من كان عليه واجب فلا يسأل عن سلامة محل واجبه؛ لأنه ملزم بتأدية الواجب وليس له أن يتخلى عنه، وهذا هو رأي أبي حنيفة والشافعي، أما مالك وأحمد فعندهما أن الحق كالواجب غير غير مقيد بشرط السلامة؛ لأن استعمال الحق في حدوده المقررة عمل مباح ولا مسئولية على مباح. ولمعرفة ما إذا كان الفعل حقاً أو واجباً بالنسبة لشخص معين ننظر هل يتحتم

стр. 471

إتيان الفعل أم لا؟ وهل يعاقب على تركه أو يأثم لتركه أم لا؟ فإن كان يتحتم عليه إتيان الفعل فهو واجب، وكذلك إن كان يأثم بتركه أو يعاقب على تركه، أما إذا كان له أن يأتي الفعل أو يتركه دون أن يأثم أو يعاقب فالفعل حق بالنسبة له. وإذا حللنا الحق وجدنا أنه سلطة ذات حدود معينة تمنح لصاحب الحق على محل الحق، فحق التأديب يعطي المؤدب سلطة على محل التأديب وهو الزوجة مثلاً، أو الابن أو التلميذ، وإذا حللن الواجب وجدنا أنه يعطي أيضاً للمكلف به نفس السلطة على محل الواجب، ويجعل مباشرة الواجب حقاً له على المحل، فواجب التأديب عند من يقولون بأنه واجب يعطي للمكلف بالواجب نفس سلطة صاحب الحق على التلميذ والابن، فالمكلف بالواجب هو في الواقع صاحب حق على محل الواجب ولكن ليس له أن يترك استعمال حقه، وهذا هو الفرق الوحيد بين صاحب الحق والمكلف بالواجب. والكلام على استعمال الحقوق وأداء الواجبات يقتضي الكلام على: (١) الدفاع الشرعي. ... ... (٢) التأديب. ... ... (٣) التطبيب. (٤) ألعاب الفروسية. (٥) إهدار الأشخاص. (٦) حقوق الحكام وواجباتهم. وسنخصص لكل من هذه المواضيع مبحثاً خاصاً. الفرع الأول الدفاع الشرعي ٣٣١ - الدفاع الشرعي في الشريعة على نوعين: أ - دفاع شرعي خاص، ويسمى اصطلاحاً دفع الصائل. ب - دفاع شرعي عام، ويسمى اصطلاحاً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وسنخصص لكل من هذين النوعين مطلباً خاصاً.

стр. 472

المطلب الأول الدفاع الشرعي الخاص، أو "دفاع الصائل " ٣٣٢ - معنى الدفاع الشرعي الخاص: الدفاع الشرعي الخاص في الشريعة هو واجب الإنسان في حماية نفسه أو نفس غيره، وحقه في حماية ماله أو مال غيره من كل اعتداء حال غير مشروع بالقوة اللازمة لدفع هذا الاعتداء. والدفاع الشرعي الخاص، سواء كان واجباً أو حقاً مقصوداً به دفع الاعتداء، ليس عقوبة عليه؛ بدليل أن دفع الاعتداء فعلاً لا يمنع من عقاب المعتدى على اعتدائه. ويصطلح الفقهاء على تسمية الدفاع الشرعي الخاص بدفع الصائل، وعلى تسمية المعتدى صائلاً، والمعتدى عليه مصولاً عليه. والأصل في دفع الصائل قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، وما رواه يعلي بن أمية عن رسول الله ﷺ قال: كان لي أجير فقاتل إنساناً فعض أحدهما يد الآخر فانتزع المعضوض يده من فم العاض فانتزع إحدى ثنيتيه، فأتى النبي فأهدر ثنيتيه وقال: "أفيدع يده في فيك تقضمها قضم الفحل"، وما رواه عبد الله بن عمرو من قول رسول الله ﷺ : "من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد"، وما رواه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح". وكما أقرت الشريعة دفع الصائل لرد اعتدائه عن نفس الدافع أو عرضه أو ماله، كذلك أقرته لدفع الاعتداء عن نفس الغير أو عرضه أو ماله، لقوله عليه

стр. 473

السلام: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، ولقوله: "إن المؤمنين يتعاونون على الفتان". ٣٣٣ - التكييف الشرعي لدفع الصائل: لا خلاف بين الفقهاء في أن دفع الصائل شرع ليحمي الإنسان نفسه أو غيره من الاعتداء على النفس والعرض والمال، ولكنهم اختلفوا في التكييف الشرعي لدفع الصائل من وجهين: أولهما: ماهية الدفاع، وهل هو واجب على المدافع فليس له أن يتخلى عنه كلما كان في مقدوره، أم هو حق للمدافع فله أن يدفع الاعتداء وله أن لا يدفعه؟ وقد اتفق الفقهاء على أن دفع الصائل واجب على المدافع في حالة الاعتداء على العرض، فإذا اراد رجل امرأة على نفسها ولم تستطع دفعه إلا بالقتل كان من الواجب عليها أن تقتله إن أمكنها ذلك؛ لأن التمكين منها محرم، وفي ترك الدفاع تمكين منها للمعتدي، وكذلك شأن الرجل يرى غيره يزني بامرأة أو يحاول الزنا بها ولا يستطيع أن يدفعه عنها إلا بالقتل، فإنه يجب عليه أن يقتله إن أمكنه ذلك. والواجب هو الذي يذم تاركه ويلام شرعاً بوجه ما على رأي، وهو ما يعاقب على تركه طبقاً لرأي آخر (١) ، ويستوي أن تكون العقوبة على الواجب دنيوية أو أخروية. والدفاع الواجب قد لا يعاقب على تركه عقوبة دنيوية، ولكن تاركه يعتبر آثماً مستحقاً للعقوبة الأخروية، فانعدام المسئولية الجنائية على ترك الواجب لا يغير شيئاً من طبيعة الواجب ولا يعفى من أدائه.

стр. 474

وانعدام المسئولية الجنائية على ترك الواجب لا يسوى بين الواجب وبين الحق؛ لأن الحق يتضمن التخيير بين الفعل والترك والواجب لا تخيير فيه؛ كما أن صاحب الحق لا يعتبر آثماً بالفعل أو الترك، أما تارك الواجب فآثم شرعاً (١) . واختلف الفقهاء في الدفاع عن النفس، فظاهر مذهب أبي حنيفة يتفق مع الرأي الغالب في مذهبي مالك والشافعي على أن دفع الصائل عن النفس واجب (٢) . والرأي المرجوح في مذهبي مالك والشافعي يتفق مع الرأي الراجح في مذهب أحمد على أن دفع الصائل عن النفس جائز (٣) وليس واجباً. وحجة هؤلاء أن حديث الرسول ﷺ في الفتنة: "اجلس في بيتك فإن خفت أن يبهرك شعاع السيف فغط وجهك"، أو في لفظ آخر: "فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل". كذلك يحتجون بعمل عثمان ﵁ إذ ترك القتال مع إمكانه وهو يعلم أن الثوار يريدون نفسه. وبعض الحنابلة يفرقون بين حالة الفتنة وغيرها، ويجعلون الدفاع جائزاً مطلقاً في حالة الفتنة، أما في غير حالة الفتنة فيجعلونه واجباً مطلقاً (٤) ، وهو رأي بعض الشافعية والمالكية (٥) . أما الدفع عن المال فأغلب الفقهاء يرونه جائزاً لا واجباً، فللمعتدى عليه أن يدفع الصائل إن شاء، وأن لا يدفعه. والفرق بين المال والنفس، أن المال مما يباح بالإباحة أما النفس فلا تباح بالإباحة. ولكن بعض الفقهاء يرون أن الدفع عن المال واجب إذا كان مالاً فيه روح؛ أي ليس جماداً، أو كان مالاً للغير في يد

стр. 475

المدافع كمال المحجور عليه أو الوقف، أو مالاً مودوعاً، أو كان مالاً للمدافع ولكن تعلق به حق للغير كرهن أو إجازة (١) . ثانيهما: صيال الصبي والجنون والحيوان: يرى مالك والشافعي وأحمد أن الإنسان إذا صال عليه صبي أو مجنون أو حيوان يكون في حالة دفاع، فإذا قتل الصبي أو المجنون أو الحيوان ولم يكن في وسعه أن يحمي نفسه من الصيال إلا بالقتل فلا مسئولية عليه من الناحية الجنائية أو المدنية، لأنه كان يؤدي واجباً في دفع الصائل عن نفسه (٢) . ولكن أبا حنيفة وأصحابه عدا أبي يوسف يرون أن يكون الموصول عليه مسئولاً مدنياً عن دية الصبي والمجنون وقيمة الحيوان، وحجتهم في ذلك أن الدفاع شرع لدفع الجرائم، وعلم الصبي والمجنون لا يعتبر جريمة وكذلك فعل الحيوان الأعجم، ومن ثم فلا وجود للدفع في حالة صيال الصبي والمجنون والحيوان، ولكن للمعتدى عليه في هذه الحالة الحق في قتل الصائل أو جرحه أو إيذائه على أساس الضرورة الملجئة، والقاعدة أن الضرورة الملجئة لا تعفي من الضمان وإن أعفت من العقاب؛ لأن الدماء والأموال معصومة؛ لأن الأعذار الشرعية لا تنافي هذه العصمة. ويرى أبو يوسف أن يكون المصول عليه مسئولاً عن قيمة الحيوان فقط لأن فعل الصبي أو المجنون جريمة ولكن رفع عنهما العقاب لانعدام الإدراك، أما فعل الحيوان الأعجم فليس جريمة، ويترتب على هذا أن يكون المصول عليه في حالة دفاع إذا صال عليه صبي أو مجنون، وفي حالة ضرورة ملجئة إذا صال عليه حيوان (٣) .

стр. 476

وحجة القائلين بقيام حالة الدفاع في كل حال أن من واجب الإنسان أن يحمي نفسه ونفس غيره من كل اعتداء يقع على النفس، ومن حقه ومن واجبه أحياناً أن يحمي ماله ومال غيره من كل اعتداء يقع على المال سواء كون الاعتداء جريمة أم لا، وأن فعل الاعتداء بذاته لا يحل دم الصائل ولكنه يوجب على المصول عليه أو يجيز له أن يمنع الاعتداء، فإذا لم يكن في الإمكان منع الاعتداء إلا بالقتل فذلك هو القدر اللازم لرد الاعتداء، فمشروعية منع الاعتداء هو الذي أحل دم الصائل وليس الاعتداء في ذاته، ومن ثم فليس من الضروري أن يكون الاعتداء جريمة (١) . ٣٣٤ - بين الشريعة والقانون: بينا فيما سبق التكييف الشرعي للدفاع، أما تكييف الدفاع في القوانين الوضعية فقد اختلف باختلاف الأزمنة، فقديماً كانوا يرن أنه حق مستمد من القانون الطبيعي لا القانون الوضعي، وفي العصور الوسطى اعتبر الدفاع حالة لا تمنع من العقوبة، ولكنها تؤهل للعفو عن العقوبة. وفي القرن الثامن عشر فسر الدفاع بأنه حالة للضرورة تبيح للمرء أن يدافع عن نفسه بنفسه، وتنشأ الضرورة من عدم وجود حماية حاضرة من الهيئة الاجتماعية. وفي القرن التاسع عشر كيف الدفاع بأنه حالة من حالات الإكراه؛ لأن الخطر المحدق بالمدافع يجعله عديم الاختيار، ولأن الجاني يندفع بغريزته للمحافظة على حياته. وقد أخذ على هذا التكييف بأنه لا يعلل الدفاع عن الغير ولا عن المال، وأنه يؤدي إلى تبرير الدفاع عند استعمال الحق أو أداء الواجب. وأحدث الآراء اليوم في القوانين الوضعية أن الدفاع استعمل لحق أباحه القانون الوضعي بل أداء لواجب؛ لأن من حق كل إنسان بل ومن واجبه أن يعني بالمحافظة على حياته وأن يدافع عن نفسه وماله، فضلاً عن أن الجماعة

стр. 477

لا مصلحة لها في العقاب، لأن المدافع ليس بالمجرم الذي يخشى على الجماعة من شره. والظاهر من مقارنه هذه الآراء المختلفة باختلاف العصور وتطوراتها المستمرة أنها انتهت في القرن العشرين إلى ما بدأت به الشريعة الإسلامية في القرن السابع, فالدفاع يكيف في الشريعة بأنه واجب في أكثر الحالات حق في بعضها، وهو يكيف اليوم في القوانين الوضعية بأنه حق إن لم يكن واجباً، ولعلنا بعد قليل نرى شراح القوانين الوضعية يحددون الدفاع الواجب كما فعل فقهاء الشريعة. ويرى شراح القوانين الوضعية أنه يجوز استعمال حق الدفاع ضد المجنون والطفل، ولو أن كليهما معفى من العقاب؛ لأن الدفاع الشرعي ليس عقاباً يقع على المعتدى، وإنما هو دفع لعدوانه، وهذا يتفق مع ما يراه أغلب الفقهاء. ولكن شراح القوانين اختلفوا فيما إذا كان هجوم الحيوان يمكن دفعه استناداً إلى حق الدفاع الشرعي، أو استناداً إلى أنه حالة ضرورة، فرأى البعض ما يراه فقهاء الحنفية، من أن الحيوان الأعجم لا يمكن اعتباره معتدياً أو مرتكباً لجريمة، وأن حالة الضرورة هي التي تبيح قتل الحيوان، ورأى البعض الآخر تطبيق نظرية الدفاع الشرعي بالنسبة للحيوان، وهو ما يراه مالك والشافعي وأحمد (١) . ويتفق القانون المصري مع مذهب أبي حنيفة في اشتراط أن يكون فعل الصائل جريمة، فإن لم يكن جريمة لم توجد حالة الدفاع (٢) . ٣٣٥ - شروط دفع الصائل: لدفع الصائل شروط يجب توفرها حتى يعتبر المصول عليه في حالة دفاع، وهذه الشروط هي: أولاً: أن يكون هناك اعتداء أو عدوان، ثانياً: أن يكون هذا الاعتداء حالاً، ثالثاً: أن لا يمكن دفع الاعتداء يطريق آخر، رابعاً: أن يدفع الاعتداء بالقوة اللازمة لدفعه.

стр. 478

الشرط الأول: أن يكون هناك اعتداء: يجب أن يكون الفعل الواقع على المصول عليه اعتداء، فإن لم يكن كذلك لم يجز دفعه، فالأب إذا ضرب ولده أو زوجته للتأديب، والمعلم إذا أدب الصبي، والجلاد حين يقطع رقبة المحكوم عليه أو يد السارق، ومستوفي القصاص حين يقتل القاتل أو يقطع يده قصاصاً، كل هؤلاء لا يعتبر فعلهم عدواناً أو اعتداء، وإنما هو استعمال لحق أو أداء لواجب. ويترتب على اشتراط الاعتداء أو العدوان في الفعل أن كل عمل أوجبته الشريعة أو أجازته لا يعتبر اعتداء إذا باشره صاحب الحق فيه، كالقبض والتفتيش والجلد والحبس، وغير ذلك من الحقوق والواجبات المقررة للأفراد والسلطات العامة أو عليهم. وليس للاعتداء حد مقرر؛ فيصح أن يكون الاعتداء شديداً، ويصح أن يكون بسيطاً، وبساطة الاعتداء لا تمنع من الدفاع، ولكنها تقيد المدافع بأن يدفع الاعتداء بالقوة اللازمة لدفعه. ويصح أن يكون الاعتداء واقعاً على نفس المصول عليه أو عرضه أو ماله، كما يصح أن يكون واقعاً على نفس الغير أو عرضه أو ماله، ويصح أن يكون واقعاً على نفس الصائل أو ماله، كمن حاول أن يقتل نفسه أو يقطع طرفه أو يتلف ماله (١) . وليس من الضروري في رأي مالك والشافعي وأحمد أن يكون الاعتداء جريمة معاقباً عليها، ولكن يكفي أن يكون عملاً غير مشروع، وليس من الضروري في رأي هؤلاء الفقهاء أن يكون الصائل مسئولاً جنائياً عن فعله، فيصح أن يكون الصائل مجنوناً أو طفلاً، ويكفي لقيام حالة الدفاع أن يكون فعل الصائل أياً كان غير مشروع. أما أبو حنيفة وأصحابه فيشترطون أن يكون الاعتداء

стр. 479

مما يعتبر جريمة معاقباً عليها، وأن يكون الصائل مسئولاً جنائياً عنها، وإلا كان الدفاع قائماً على حالة الضرورة. ويخالفهم أبو يوسف في هذا حيث يشترط أن يكون الفعل جريمة دون حاجة لأن يكون الصائل مسئولاً عن الجريمة جنائياً. ورأي أبو يوسف يتفق تمام الاتفاق مع نص القانون المصري الذي يشترط أن يكون الفعل جريمة. ويعتبر الفعل اعتداء سواء كان مصدره إنساناً أو حيواناً، وهو ما يراه مالك والشافعي وأحمد، ولكن أبا حنيفة وأصحابه جميعاً لا يرون مبرراًُ لوجود حالة الدفاع عن هجوم الحيوان؛ لأن فعله لا يعتبر جريمة، ويرون رد الهجوم على أساس حالة الضرورة، وهو رأي قد يتفق أيضاً مع نص القانون المصري، الذي يعاقب على قتل الحيوان إذا كان قتله دون مقتض (م٣٥٥ عقوبات) . هذا إذا فسرنا المقتضى بأنه حالة ضرورة وهو الرأي الراجح؛ لأن فعل الحيوان ليس جريمة في ذاته، أما إذا أمكن في بعض الأحوال اعتبار الفعل جريمة من صاحب الحيوان؛ فالدفاع يوجد ولكنه لا يوجد في غير ذلك من الحالات. وليس للصائل أن يرد دفاع المصول عليه ثم يحتج بأنه كان يدافع عن نفسه؛ لأنه هو الذي اعتدى فأصبح باعتدائه عرضة لدفاع المصول عليه، فإذا اقتضى الدفاع قتل الصائل فقد أصبح دم الصائل هدراً، أما المصول عليه فمعصوم، وإذا اقتضى الدفاع جرح الصائل لتعطيله فقد أصبح الجرح هدراً مع بقاء المصول عليه معصوماً. ومن الأمثلة على ذلك قضاء علي ﵁ في امرأة تزوجت، فلما كان ليلة زفافها أدخلت صديقها الحجلة سراً، وجاء الزوج فدخل الحجلة فوثب عليه الصديق فاقتتلا فقتل الوج الصديق، وقتلت المرأة الزوج، فقضى عليّ بقتل المرأة بالزوج ولم يعتبرها مدافعة عن نفسها أو عن غيرها. لكن إذا زادت أعمال الدفاع عن الحد اللازم لرد العدوان اعتبر الزائد منها عدواناً وكان الصائل أن يدفعه ويقاد المصول عليه بما زاد عن حاجة الدفاع ويؤخذ بجريرته.

стр. 480

ولا يشترط لقيام حالة الدفاع أن يقع الاعتداء فعلاً، فليس على المصول عليه أن ينتظر حتى يبدره الصائل بالاعتداء، بل للموصول عليه أن يبدر الصائل بالمنع ما دامت حالته على أنه سيعتدي، فإذا أقبل الرجل بالسيف أو غيره من السلاح إلى الرجل فإنما له ضربه على ما يقع في نفسه، فإن وقع في نفسه أنه يضربه وإن لم يبدأه المقبل إليه بالضرب فليضربه وإن لم يقع في نفسه ذلك لم يكن له ضربه (١) ، ويجب أن يكون الاعتقاد بالاعتداء غالياً على الظن حتى يمكن تبرير الدفاع، أما الوهم والظن الضعيف فلا يبرره، فإذا دخل رجل بالسلاح داراً فغلب على ظن صاحب الدار أنه قاصد قتله - لأسباب معقولة - كان له أن يبدره بالقتل، وإذا توقع صاحب الدار من لص أنه سيعاجله وكان توقعه مبنياً على أسباب معقولة فليقتله ولا شيء عليه. وإشهار السلاح بقصد المزاح واللعب لا يوجد المشهور عليه في حالة دفاع ولا يجعله مصولاً عليه؛ لأن إشهار السلاح على هذا الوجه لا يعتبر اعتداء، لكن إذا كانت الظروف تدل على أن الصائل يظهر المزاح ويبطن الجد حتى يتمكن من المصول عليه، كان للمصول عليه دفع شره ولو بقتله إذا لم يمكن دفعه إلا بالقتل (٢) . ولمعرفة بداية الاعتداء ونهايته أهمية قصوى؛ لأن الدفاع يتولد عن الاعتداء وينتهي بانتهائه، فلا دفاع قبل الاعتداء ولا دفاع بعد الاعتداء، فإذا ضرب المصول عليه الصائل فانصرف أو جرحه فأعجزه عن الاعتداء فليس للمصول عليه أن يتبعه ليضربه مرة أخرى، وليس له بعد أن يعجزه أن يثنى عليه، فإذا فعل من ذلك شيئاً فهو جرح أو قتل وعليه عقوبته، ولكن يجوز للمصول عليه أن يتبع الصائل ليسترد منه ما هرب به من مال، وتعتبر حالة الدفاع قائمة

стр. 481

حتى يسترد من الصائل ما أخذه, وللمصول عليه أن يقتل الصائل ليسترد منه المسروق إذا لم يمكن استرداده بطريقة أخرى. والرغبة في الاعتداد لا تخلق حالة الدفاع وإنما المعتبر هو إمكان الاعتداء، فمن كان يريد الاعتداء ولكنه لا يستطيعه فضربه أو جرحه أو قتله جريمة؛ لأن الدفاع مقرر لدفع الاعتداء والاعتداء غير ممكن في ذاته. الشرط الثاني: أن يكون الاعتداء حالاً: لا يوجد المصول عليه في حالة دفاع إلا إذا كان الاعتداء حالاً، فإن لم يكن حالاً فعمل المصول عليه ليس دفاعاً وإنما اعتداء؛ لأن الدفاع لا يوجد إلا إذا تحقق الاعتداء في الفعل أو الظن فحلول الاعتداء هو الذي يخلق حالة الدفاع، ومن ثم لم يكن الاعتداء المؤجل محلاً للدفاع، ولم يكن التهديد بالاعتداء محلاً للدفاع، إذ ليس هناك خطر يحتمي منه الإنسان بالدفاع العاجل، وإذا اعتبر التهديد اعتداء في ذاته فإنه يجب أن يندفع بما يناسبه، والالتجاء للسلطات العمومية كاف لحماية المصول عليه من التهديد. الشرط الثالث: أن لا يمكن دفع الاعتداء بطريق آخر: يشترط لوجود حالة الدفاع أن لا تكون هناك وسيلة أخرى ممكنة لدفع الصائل، فإذا أمكن دفع الصائل بوسيلة أخرى غير الدفع وجب استعمالها، فإن أهمل المصول عليه هذه الوسيلة ودفع الاعتداء فهو معتد، فإذا أمكن دفع الصائل مثلاً بالصراخ والاستغاثة فليس للمصول عليه أن يضربه أو يجرحه أو يقتله، فإن فعل كان فعله جريمة (١) ، وإذا أمكن الاحتماء برجال السلطة العمومية في الوقت المناسب أو استطاع المصول عليه أن يمنع نفسه أو يمتنع بغيره دون استعمال العنف فليس له أن يستعمله (٢) .

стр. 482

وقد اختلف الفقهاء في الهرب كوسيلة لدفع الاعتداء، فمن رأى أن الهرب يصلح وسيلة من وسائل دفع الاعتداء فقد أوجب الهرب على المصول عليه؛ لأن الهرب هو الوسيلة المناسبة لدفع الاعتداء، والمصول عليه مكلف بدفع الاعتداء بأيسر ما يمكن (١) . فمن رأى أن الهرب لا يصلح وسيلة من وسائل الدفاع فإنه لا يلزم المصول عليه بالهرب، ويجعل له أن يثبت ويدافع إذا لم يكن إلا الهرب أو الدفاع (٢) . وفرق بعض الفقهاء بين ما إذا كان الهرب مشيناً أو غير مشين، وجعلوه لازماً إذا لم يكن مشيناً وغير لازم إذا كان مشيناً (٣) . ويشترط على كل حال عند من يرون الهرب دفاعاً أن يقوم الهرب مقام الدفاع، فإذا كان الدفاع عن المال أو الحريم ولم يستطع المدافع الهرب بالمال أو الحريم فلا يعتبر الهرب دفاعاً ولا يلزم به المصول عليه (٤) . الشرط الرابع: أن يدفع الاعتداء بالقوة اللازمة لرده: يشترط في الدفاع أن يكون بالقدر اللازم لدفع الاعتداء، فإن زاد عن ذلك فهو اعتداء لا دفاع، فالمصول عليه مقيد دائماً بأن يدفع الاعتداء بأيسر ما يندفع به، وليس له أن يدفعه بالكثير إذا كان يندفع بالقليل، فإذا دخل رجل منزل آخر بغير إذنه وكان يدفع بالأمر بمغادرة المنزل أو بالتهديد بالضرب فليس له أن يضربه، فإن لم يخرج ضربه بأسهل ما يعلم أنه يندفع به؛ لأن المقصود دفعه فإن اندفع بقليل فلا حاجة لأكثر منه، فإن علم أنه يخرج بالعصا لم يكن له ضربه بالحديد؛ لأن الحديد آلة للقتل بخلاف العصا، وإن ذهب مولياً لم يكن له قتله ولا اتباعه، وإن ضربه ضربة عطلته لم يكن له أن يثني عليه؛ لأنه كفى شره، وإن ضربه فقطع يمينه فولى مدبراً فضربه فقطع رجله فقطع الرجل مضمون عليه بالقصاص أو الدية؛

стр. 483

لأنه في حال لا يجوز له فيها ضربه (١) ، وإن كان لا يندفع إلا بالقتل أو خاف أن يبدره بالقتل إن لم يقتله فله ضربه بما يقتله أو يقطع طرفه، وما أتلف منه فهو هدر؛ لأنه تلف لدفع شره (٢) . ومن قصده رجل في نفسه أو ماله أو أهله بغير حق فله أن يدفعه بأيسر ما يندفع به، فإذا أمكنه الدفع بالصياح والاستغاثة لم يدفع باليد، وإن كان في موضع لا يلحقه الغوث دفعه باليد، فإن لم يندفع باليد دفعه بالعصا، فإن لم يندفع بالعصا دفعه السلاح، فإن لم يندفع إلا بإتلاف عضو دفعه بإتلاف عضو، فإن لم يندفع بالقتل دفعه بالقتل. وإن قدر على دفعه بالعصا فقطع عضواً أو قدر على دفعه بالقطع فقتله، وجب عليه الضمان (٣) ، أي العقاب؛ لأنها جناية من غير حق فأشبه ما إذا جنى عليه من غير دفع، وإن قصده ثم انصرف عنه لم يتعرض له، وإن ضربه فعطله لم يجز أن يضربه ضربة أخرى؛ لأن القصد كف أذاه (٤) . ومن عض يد آخر ولم يمكنه تخليصها إلا بفك لحيته فك لحيته، وإن لم يندفع إلا بأكثر من هذا فعله ولا مسئولية عليه. ومن أراد امرأة على نفسها فقتلته لتدفع عن نفسها، فلا شيء عليها. ومن قضاء عمر ﵁ في هذا الباب أن رجلاً أضاف ناساً من هذيل فأراد امرأة على نفسها فرمته بحجر فقتلته، فقال عمر: "والله لا يؤدى أبداً". وإذا صالت بهيمة على إنسان دفعها بالقدر الذي تندفع به، فإن لم تندفع إلا بالقتل قتلها ولا مسئولية عليه من الناحيتين الجنائية والمدنية، إلا في مذهب

стр. 484

أبي حنيفة فإنه يسأل مدنياً فقط، لأن الدفع كان على أساس حالة الضرورة، وحالة الضرورة ترفع المسئولية الجنائية ولا ترفع المسئولية المدنية. وإذا اطلع رجل على بيت إنسان من ثقب أو شق باب أو نحوه فله أن ينهاه، فإن لم ينته جاز له أن يدفعه بأيسر ما يندفع به، فإن لم يندفع إلا بفقأ عينه ففقأها فلا مسئولية عليه، وهذا رأي مجمع عليه في مذهب الشافعي ومذهب أحمد (١) ، وحجتهما حديث الرسول ﷺ : "لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح"، وحديث الرسول مروى عن سهل بن سعد أن رجلاً اطلع في جحر من باب النبي ﷺ وكان الرسول يحك رأسه بمدرى في يده، فقال الرسول ﷺ : "لو علمت أمك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل الاستئذان من أجل البصر"، وفضلاً عن الحديثين فإن هذا الرأي تطبيق لقواعد الدفاع، وعلى هذا الرأي الأقلية في مذهبي مالك وأبي حنيفة، أما الغالبية فترى أن المدافع ليس له أن يفقأ عين من يطلع من الخارج لمجرد النظر؛ لأنه لو نظر إنسان إلى عورة آخر بغير إذنه لم يستبح فقأ عينه، فالنظر إلى إنسان في بيته أولى أن لا يستباح به الفقأ، ويرى الحنيفية أن الحديث قصد به المبالغة في الزجر عن الاطلاع (٢) ، ويرى المالكية أن الرمي أبيح للتنبيه أو المدافعة لا بقصد الإيذاء أو إصابة العين، فإذا قصد عينه فعليه القود، وإذا قصد التنبيه فأصاب عينه فهي إصابة خطأ يسأل عنها باعتباره مخطئاً لا عامداً (٣) . ويرى علاء الدين الكاساني أن الأصل في كل ما سبق هو أن من قصد قتل إنسان لا ينهدر دمه بمجرد هذا القصد، ولكن ينظر إن كان المشهور عليه (أي المصول عليه) يمكنه دفعه عن نفسه بدون القتل لا يباح له القتل، وإن كان لا يمكنه الدفع إلا بالقتل يباح القتل؛ لأنه من ضرورات الدفع. فإن شهر

стр. 485

عليه سيفه يباح له أن يقتله؛ لأنه لا يقدر على الدفع إلا بالقتل، ألا ترى أنه إذا استغاث الناس يقتله قبل أن يلحقه الغوث إذ السلاح لا يلبث فكان القتل من ضرورات الدفع فيباح قتله، فإذا قتله فقد قتل شخصاً مباح الدم فلا شئ عليه (١) . ولا حرج على المصول عليه إذا تعذر بدر الصائل بالدفع ولم ينتظر حتى يقع عليه الاعتداء ما دامت حالة الصائل تدل على قصده الاعتداء. وإذا كان الصائل يندفع بالعصا فلم يجد إلا سيفاً أو سكيناً فلا حرج عليه أن يدفعه بأيهما إذ لا يمكنه الدفع إلا به ولا يمكن نسبته إلى التقصير بترك استصحاب العصا (٢) . وليس للمصول عليه أن يقصد قتل الصائل أو جرحه ابتداء إلا إذا علم أنه لا يندفع إلا بذلك وأن القتل أو الجرح هو القوة اللازمة لدفعه (٣) . والمقياس الصحيح للقوة اللازمة لدفع الاعتداء هو ظن المدافع المبني على أسباب معقولة، فهذا المقياس تقاس القوة اللازمة لدفع الاعتداء ولا تقاس بالضرر الحقيقي الذي وقع أو ضرر الذي كان الصائل ينتوي أن يحدثه، فللمصول عليه إذن أن يدفع الصائل بأيسر ما يغلب على ظنه أن الصائل يندفع به بشرط أن يكون ظن المصول عليه قائماً على أسباب معقولة. ويراعى أن الأمر قد يخرج عن حد الضبط عند الالتحام سيما إذا كان الصائلون جماعة؛ لأن دفع أحدهم بأيسر ما يندفع به قد لا يندفع به الآخر وقد يؤدي إلى إهلاك المصول عليه (٤) ، ومن ثم يرجع في تقدير القوة الملائمة لظروف كل واقعة. ٣٣٦ - تجاوز حد الدفاع: إذا استعمل المدافع قوة أكثر مما تقضي الضرورة لدفع الاعتداء فهو مسئول عن فعله الذي تعدى به حد الدفاع المشروع،

стр. 486

فإذا كان الصائل يندفع بالتهديد فضربه فهو مسئول عن الضرب، وإن كان يندفع بالضرب باليد فجرحه فهو مسئول عن الجرح، وإن كان يندفع بالجرح فقتله فهو مسئول عن القتل، وإن هرب الصائل بعد أن جرحه فاتبعه المدافع وجرحه مرة ثانية فهو مسئول عن الجرح الثاني، وإن عطل مقاومته ثم قطع بعد ذلك يده أو رجله أو قتله فهو مسئول عما فعله بعد تعطيل المقاومة، وهكذا يسأل المصول عليه عن كل فعل لم يكن لاوماً لدفع الاعتداء. وبين الاعتداء والدفع ارتباط وثيق؛ لأن الدفاع يتولد عن الاعتداء، فإذا بدأ الاعتداء بدأت حالة الدفاع، وإذا انتهى الاعتداء فق انتهت حالة الدفاع، ومن ثم لا يعتبر المصول عليه مدافعاً إذا انتهى الاعتداء، ويسأل عن كل فعل يقع منه بعد انتهاء الاعتداء. ولكن لا يعتبر الاعتداء منتهياً إذا هرب الصائل وأخذ معه المال المصول عليه. فللمدافع أن يتتبعه حتى يسترد منه ما أخذه، وأن يستعمل معه القوة اللازمة في استرداده، فإن لم يكن إلا القتل إمكان استرداد المأخوذ قتله (١) . والأصل في أفعال الدفاع أنها مباحة ولا عقاب عليها، ولكنها إذا تعدت الصائل وأصابت غيره خطأ فالفعل الذي وقع على الغير لا يعتبر مباحاً إذا أمكن نسبة الخطأ والإهمال إلى المدافع، فمن أراد أن يضرب الصائل فأخطأه وأصاب غيره فجرحه أو قتله فهو مسئول عن جرح هذا الغير أو قتله خطأ ولو أنه تعمد الفعل، إذ الفعل في ذاته مباح على الصائل ولكنه وقع على الغير خطأ، وتشبه هذه الحالة ما إذا أراد إنسان أن يصيد صيداً فأخطأه وأصاب شخصاً فالصيد في ذاته عمل مباح ولكن الصائد يسأل عن إصابة الشخص خطأ. ونصب الحبالات والأشراك والفخاخ وراء الأبواب أو الأسوار أو في

стр. 487

الممرات بقصد قتل المعتدين أو جرحهم جائز عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد (١) ، وليس على صاحب المكان مسئولية؛ لأنه من قبيل الدفاع، ولأن الداخل قتل نفسه بتعديه ودخوله مسكن غيره دون حق، ولكن مالكاً (٢) يرى مسئولية الفاعل إذا قصد بعمله إصابة الداخلين أو إهلاكهم، أما إذا قصد سد حاجة من حاجات المسكن أو المكان فلا مسئولية عليه. ولعل رأي مالك أقرب إلى الدقة في تطبيق قواعد الدفاع؛ لأن الدفاع قائم على رد الاعتداء بأيسر ما يندفع به وقد يندفع المعتدي بأيسر من الجرح أو القتل. وقد تعرض شراح القوانين لهذه المسألة بالذات فمنهم من رأى الفعل دفاعاً ومنهم من لم يره كذلك، وعرضت قضية من هذا النوع على المحاكم الفرنسية فقضت ببراءة صاحب المسكن على اعتبار أن عمله طريقة من طرق الدفاع الشرعي (٣) . ٣٣٧ - أيكون للصائل حق الدفاع؟: يصبح الصائل في حالة دفاع إذا تعدى المصول عليه حدود الدفاع المشروع؛ لأن عمل المصول عليه يصبح حينذاك اعتداء والدفاع يتولد عن الاعتداء، أما إذا بقى فعل المصول عليه في حدود الدفاع فلا يعتبر الصائل إلا معتدياً وليس له أن يدعي بأنه كان يدفع عن نفسه. وإذا تجاوز المصول عليه حد الدفاع اعتبر عمله اعتداء، وكان للصائل أن يدفع عن نفسه هذا الاعتداء بأيسر ما يندفع به. ٣٣٨ - حكم دفع الصائل: من المتفق عليه بين الفقهاء أن أفعال الدفاع مباحة، فلا مسئولية على المدافع من الناحية الجنائية؛ لأن الفعل ليس جريمة، ولا مسئولية عليه من الناحية المدنية؛ لآنه أتى فعلاً مباحاً وأدى واجباً أو استعمل حقاً قرره الشارع، وأداء الواجبات واستعمال الحقوق لا يترتب عليه أية

стр. 488

مسئولية. أما إذا تعدى المدافع حدود الدفاع المشروع فعمله جريمة يسأل عنها من الناحيتين المدنية والجنائية. وقد بينا من قبل أن أبا حنيفة يرى مسئولية المدافع مدنياً عن قتل الصبي والمجنون أو جرحهما أو قتل الحيوان أو جرحه، كما بينا أن أبا يوسف يخالفه ويرى المسئولية المدنية فقط في حالة قتل الحيوان، وقلنا إن هذين الرأيين مخالفان لما يراه جمهور الفقهاء. ٣٣٩ - بين الشريعة والقانون: هذا هو دفع الصائل في الشريعة الإسلامية، وأحكام القوانين الوضعية وأراء شراحها لا تكاد تختلف اليوم شيئاً عن أحكام الشريعة، وقد بينا الأساس الذي يقوم عليه الدفاع في الشريعة وقارناه بالأسس التي قام عليها الدفاع في القوانين الوضعية ويقوم عليها اليوم. أما شروط الدفاع في الشريعة فهي نفس الشروط في القوانين الوضعية الحديثة وعلى الأخص في القانون المصري والفرنسي، وآراء الشراح في هرب المدافع لا تختلف عن آراء الفقهاء، فبعضهم يرى هرب المدافع وبعضهم لا يراه، وبعضهم يفرق بين الهرب المشين والهرب غير مشين ويوجب الهرب إا لم يكن شائناً، وحكم الدفاع في الشريعة هو نفس حكمه في القوانين الوضعية التي تجعل الفعل مباحاً ولا ترتب عليه مسئولية جنائية أو مدنية على المدافع إلا في حالة تجاوز الدفاع. * * * المطلب الثاني الدفاع الشرعي العام أو "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " ٣٤٠ - مصدر إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الأصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ

стр. 489

يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ، وقوله: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ *يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣، ١١٤] ، وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ﴾ [التوبة: ٧١] ، وقوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨، ٧٩] ، وقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، وقوله: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الحج: ٤١] ، وقوله: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، وقوله: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤] ، وقوله: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] . وقد تأكدت هذه المعاني جميعاً بأحاديث الرسول ﷺ . ومنها أنه روي أن أبي بكر ﵁ أنه قال في خطبة خطبها: أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية وتؤولونها على خلاف تأويلها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] ، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم فلم يفعل إلا يوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده". وروي عن أبي ثعلبة الخشني أنه سأل رسول الله ﷺ -

стр. 490

عن تفسير قوله تعالى: ﴿لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ، فقال: "يا أبا ثعلبة مر بالمعروف وانه عن المنكر، فإذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متعباً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه؛ فعليك بنفسك ودع عنك العوام". وقال ﷺ : "لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم". وقال: "ما أعمال البر عند الجهاد في سبيل الله إلا كنفثة في بحر لجي، وما جميع أعمال البر والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفثة في بحر لجي". وقال: "إياكم والجلوس على الطرقات"، قالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها. قال: "فإذا أبيتم إلا ذلك فأعطوا الطريق حقها" قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". وقال أبو عبيد بن الجراح: قلت: يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله ؟ قال: "رجل قام إلى وال جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله، فإن لم يقتله فإن القلم لا يجري عليه بعد ذلك وإن عاش ما عاش". وقال الحسن البصري: قال رسول الله ﷺ : "أفضل شهداء أمتي رجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله على ذلك، فذلك الشهيد منزلته في الجنة بين حمزة وجعفر". وقال عمر بن الخطاب ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بئس القوم قوم لا يأمرون بالقسط، وبئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر". وروي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال: "من رأى منكم منكراً فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".

стр. 491

٣٤١ - ماهية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: المعروف هو كل قول أو فعل ينبغي قوله أو فعله طبقاً لنصوص الشريعة الإسلامية ومبادئها العامة وروحها، كالتخلق بالأخلاق الفاضلة، والعفو عند المقدرة، والإصلاح بين المتخاصمين، وإيثار الآخرة على الدنيا، والإحسان إلى الفقراء والمساكين، وإقامة المعاهد والملاجئ والمستشفيات، ونصرة المظلوم، والتسوية بين الخصوم في الحكم، والدعوة إلى الشورى، والخضوع لرأي الجماعة وتنفيذ مشئتها، وصرف الأموال العامة في مصارفها، إلى غير ذلك. والمنكر هو كل معصية حرمتها الشريعة سواء وقعت من مكلف أو غير مكلف، فمن رأى صبياً أو مجنوناً يشرب خمراً فعليه أن يمنعه ويريق خمره، ومن رأى مجنوناً يزني بمجنونة أو يأتي بهيمة فعليه أن يمنع ذلك، والمنع واجب سواء ارتكب المعصية في سر أو في علانية. ويعرف المنكر عند بعض الفقهاء بأنه كل محذور الوقوع في الشرع (١) ، ويفضل هؤلاء الفقهاء التعبير بمحذور الوقوع على التعبير بمعصية؛ لأن المنكر عندهم أعم من المعصية، ولأنهم لا يعتبرون فعل الصبي والمجنون معصية؛ لأن الفعل في رأيهم لا يكون معصية إلا إذا كان فاعله عاصياً، ولأن المعصية بلا عاص محال. والأمر بالمعروف قد يكون قولاً محضاً كالدعوة إلى التبرع للمنكوبين أو الانخراط في سلك المجاهدين، وقد يكون الأمر بالمعروف عملاً محضاً كالتبرع بمبلغ من المال أو الانضمام إلى المجاهدين، وقد يجتمع القول والعمل كالدعوة إلى الجهاد والانخراط في سلك المجاهدين، أو كالدعوة إلى إخراج الزكاة وإخراج الداعي لها فعلاً.

стр. 492

والنهي عن المنكر قد يكون قولاً محضاً كالنهي عن شرب الخمر، وقد يكون عملاً محضاً كإراقة الخمر أو منع شاربها بالقوة من شربها. وإذا كان النهي عن المنكر قولاً فهو النهي عن المنكر، وإذا كان عملاً فهو تغيير المنكر. فالأمر بالمعروف إذن هو الترغيب فيما ينبغي عمله أو قوله طبقاً للشريعة، والنهي عن المنكر هو الترغيب في ترك ما ينبغي تركه طبقاً للشريعة (١) . ٣٤٢ - التكييف الشرعي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: من المتفق عليه بين الفقهاء أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس حقاً للأفراد يأتونه إن شاءوا ويتركونه إذا شاءوا، وليس مندوباً إليه يحسن بالأفراد إتيانه وعدم تركه، وإنما هو واجب على الأفراد ليس لهم أن يتخلوا عن أدائه، وفرض لا محيض لهم من القيام بأعبائه، وقد أوجبت الشريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتقوم الجماعة على الخير، وينشأ الأفراد على الفضائل، وتقل المعاصي والجرائم، فالحكومة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، والجماعات تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، والأفراد يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وبذلك يستقر أمر الخير والمعروف بين الجماعة، ويقضي على المنكر والفساد بتعاون الصغير والكبير والحاكم والمحكوم. والفقهاء، وإن كانوا قد اتفقوا على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا أنهم اختلفوا في تحديد هذا الواجب من وجهين: الوجه الأول: في صفة الواجب، والوجه الثاني: فيمن يلزمهم هذا الواجب. الاختلاف في صفة الواجب: انقسم الفقهاء فريقين في تحديد صفة الوجوب، فقال البعض: إن الواجب فرض عين؛ أي واجب محتم، وعلى كل مسلم

стр. 493

أن يؤديه بنفسه على قدر استطاعته، ولو كان هناك من هو أقدر منه على تأديته، أو من هو على استعداد لتأديته، أو من هو متفرغ لتأديته، وهم يشبهونه بفريضة الحج فهي فرض عين لكن على المستطيع، وعندهم أفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آكد من فريضة الحج، ولم تشترط فيها الاستطاعة؛ لأنها مستطاعة دائماً، فالاستطاعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ممكنة لجميع الأفراد، فالجاهل يستطيع أن يأمر بالمعروف فيما هو ظاهر كأداء الصلاة والصوم، وأن ينهى عن المنكر فيما لا يخفى كالسرقة والزنا، والعالم يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيما هو ظاهر وفيما هو خفي. ويرى أصحاب هذا الرأي أن يف جعل الواجب فرض عين حفاظاً للأمة وحرزاً لها من الفساد والتحلل (١) . ورأى الفريق الآخر - وهم جمهرة الفقهاء - أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات كالجهاد، فهو واجب حتم على كل مسلم، ولكن هذا الواجب يسقط على الفرد إذا أداه عنه غيره (٢) ، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ، وعندهم أن من (٣) للتبعيض، وأن الله قال: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ﴾ ، ولم يقل: كونوا كلكم آمرين بالمعروف، فإذا قام به واحد أو جماعة سقط الحرج عن الآخرين، فهو فرض؛ لأن الله أوجبه بقوله: ﴿وَلْتَكُن﴾ وهو فرض كفاية؛ لأنه واجب على البعض لا على الكل (٤) . الاختلاف فيمن يلزمهم الواجب: يرى جمهرة الفقهاء أن الأمر بالمعروف

стр. 494

والنهي عن المنكر واجب على كل أفراد الأمة لقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، ويرى بعض الفقهاء أن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقع إلا على عاتق القادرين على أدائه وهم علماء الأمة دون غيرهم، وحجتهم أن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر، وقد يغلظ في موضع يستوجب اللين، ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من يزيده الإنكار إلا تمادياً وإصراراً، وأنه ربما عرف الحكم في مذهب وجهله في مذهب آخر، وأصحاب هذا الرأي م القائلين بأنه فرض كفاية، وعندهم أنه ما دام الواجب على الكفاية فإنه يسقط عن البعض إذا قام به البعض الآخر، وهذا يتفق تماماً مع تخصيص العلماء بهذا الواجب (١) . ويرد على هؤلاء بأن الواجب لا يسقط بتحميله للبعض دون البعض، وإنما يسقط بالأداء، فإذا لم يقمبه العلماء فهو فرض على غيرهم، وفضلاً عن ذلك فإن طبيعة الواجب على الكفاية تقتضي أن يلتزم به الكل، ويظلوا مسئولين عنه حتى يؤديه بعضهم فيسقط عن الباقين بالأداء، ثم إن وضع واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على عاتق الجاهل لن يؤدي إلى الأضرار التي يتوقعونها؛ لأن الجاهل بطبيعة الحال لا يأمر ولا ينهى إلا فيما هو ظاهر لا خلاف عليه كأداء الصلاة والنهي عن السرقة والزنا. ٣٤٣ - الشروط الواجب توافرها في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر: رأينا فيما سبق أن جمهرة الفقهاء توجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كافة أفراد الأمة لا على فئة معينة منها، ولكنهم مع ذلك يشترطون شروطاً خاصة فيمن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر، وبعض هذه الشروط يرجع إلى طبيعة الواجب، وإلى مبادئ الشريعة العامة، وبعضها متفق عليه، وبعضها

стр. 495

مختلف فيه، وهي جميعاً لا تخرج عن خمسة شروط: الشرط الأول: التكليف: يشترط فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون مكلفاً؛ أي مدركاً مختاراً، وهذا الشرط لازم إذا نظر إلى وجوب الأمر والنهي؛ لأن ترك القيام بالواجب يؤدي إلى مسئولية التارك، ولا مسئولية على غير مكلف طبقاً لقواعد الشريعة العامة، وعلى هذا فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتباره واجباً لا يجب إلا على المكلف. واعتبار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجباً لا يمنع غير المكلف من الأمر والنهي باعتبارهما قربة من القربات (١) ؛ لأن غير المكلف أهل للقربات، وله أن يأتي القربات ولو أنها لا تجب عليه، ولا يجوز منعه من إتيانها، ولكن له هو إن شاء أن يمتنع من نفسه عن إتيانها، كصلاة الصغير وصومه، فإن الصلاة لا تجب عليه، وكذلك الصوم فإذا أتي أحدهما كان عمله قربة، ولم يجز لأحد أن يمنعه من الصلاة أو الصوم، لكن إذا شاء الصغير أن يمتنع فلا إثم عليه في الامتناع، وعلى هذا فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا لم يكن واجباً على غير المكلف فهو حق له يأتيه إن شاء ويتركه إن شاء، فالصبي المراهق للبلوغ له - وإن لم يكن مكلفاً - إنكار المنكر، وله أن يريق الخمر ويكسر أدوات الملاهي، وإذا فعل ذلك نال به ثواباً، ولم يكن لأحد منعه على اعتبار أنه غير مكلف به. الشرط الثاني: الإيمان: يشترط فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون مؤمناً بالدين الإسلامي، فالمسلم وحده هي الذي يقع على عاتقه واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما غير المسلم فلا يلتزم بهذا الواجب (٢) .
следующие страницы →