← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9842

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي

عبد القادر عودة

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

١١٨- رضاء المجنى عليه: وإذا كان المجنى عليه قد أذن بالفعل المؤدى للموت، فيرى أبو حنيفة مسئولية الجانى عن القتل شبه العمد؛ لأن الجانى أذن بالجرح ولم يأذن بالقتل فلما مات المجنى عليه تبين أن الفعل وقع قتلاً لا جرحًا ويخالفه أبو يوسف ومحمد فى هذا الرأى كما يخالفه الشافعى وأحمد ويرون أن لا مسئولية على الجانى. وقد تكلمنا عن هذا بتفصيل بمناسبة الكلام على القتل العمد (١) . ولا عبرة بالبواعث التى دفعت الجانى لارتكاب الفعل، فسواء كانت هذه البواعث شريفة أو وضيعة فلا أثر لها على الجريمة ولا أثر لها على العقوبة؛ لأن العقوبة حد لا يجوز تخفيفها ولا إيقافها ولا العفو عنها. * * * الركن الثالث: أن يكون بين الفعل والموت رابطة السببية ١١٩ - يشترط أن يكون بين الفعل الذى ارتكبه الجانى وبين الموت رابطة السببية: أى: أن يكون الفعل علة مباشرة للموت أو أن يكون سببًا فى علة الموت، فإذا انعدمت رابطة السببية فلا يسأل الجانى عن موت المجنى عليه، وإنما يسأل باعتباره جارحًا أو ضاربًا. ١٢٠ - ويكفى أن يكون فعل الجانى هو السبب الأول فى إحداث الوفاة ولو تعاونت معه أسباب أخرى على إحداث الوفاة: كإهمال العلاج أو إساءة العلاج أو ضعف المجنى عليه أو مرضه أو غير ذلك. وقد تكلمنا على ذلك بما فيه الكفاية بمناسبة الكلام على القتل العمد، وما قلناه هناك ينطبق هنا مما

стр. 877

هو خاص بتعدد الأسباب وتواليها، وانقطاع آثارها، وتغلب بعضها على البعض الآخر (١) . ١٢١ - والقضاء المصرى يتجه اتجاه الشريعة مخالفا بذلك النظرية الفرنسية: ومن المبادئ التى قررتها محكمة النقض المصرية: أنه لا يقبل من المتهم الاحتجاج بأن وفاة المجنى عليه الذى أصابته ضربة من الغير مطالبًا بأن يعمل كل احتياط لما عساه أن يحدث من هذه الضربة طالما أنه لم يعمل عملاً إيجابيًا ساءت به حالته (٢) . وحكمت أيضًا محكمة النقض بأنه إذا كان سبب الوفاة هو التسمم الصديدى الناشىء من الإصابة مع الضعف الشيخوخى فلا يقبل من المتهم القول لعدم توفر رابطة السببية بين الضرب والوفاة، لأنه متى كان الضرب الذى وقع من المتهم هو السبب الأول المحرك للعوامل الأخرى المتنوعة التى تعلونت بطريق مباشر أو غير مباشر على إحداث النتيجة النهائية، فإن المتهم مسئول عن كافة النتائج التى ترتبت على فعله، ومأخوذ فى ذلك بقصده الاحتمالى ولو لم يكن يتوقع هذه النتائج لأنه كان يجب عليه قانونًا أن يتوقعها (٣) . * * * المبحث الثالث القتل الخطأ ١٢٢- الأصل فى العقاب على القتل الخطأ: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ

стр. 878

رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢] . ١٢٣- ويرى بعض الفقهاء أن الخطأ نوع واحد: ولكن بعضهم يقسمه إلى نوعين: ١ - قتل خطأ محض. ٢ - قتل فى معنى القتل الخطأ. والخطأ المحض: هو ما قصد فيه الجانى الفعل دون الشخص، ولكنه أخطأ فى فعله أو فى ظنه. ومثل الخطأ فى الفعل أن يرمى صيدًا فيخطئه ويصيب آدميًا، والخطأ فى ظن الفاعل كمن يرمى شخصًا على ظن أنه مهدر الدم فإذا هو معصوم، وكمن يرمى ما يحبسه حيوانًا فيتبين أنه إنسان. أما ما هو فى معنى القتل الخطأ: فهو ما لا قصد فيه إلى الفعل ولا الشخص، أى أن الجانى لا يتعمد إتيان الفعل الذى يسبب الموت ولا يقصد المجنى عليه. وهذا النوع من القتل الخطأ قد يحدث من الجانى مباشرة وقد يحدث بالتسبب، والأول: كمن انقلب على نائم بجواره فقتله، أو سقط منه شىء كان يحمله على آخر فمات منه. والثانى: كمن حفر بئرًا فسقط فيها آخر فمات، وكمن ترك حائطه دون إصلاح فسقط على بعض المارة، أو كمن أراق ماء فى الطريق فانزلق به أحد المارة وسقط على الأرض فجرح جرحًا أودى بحياته. والفقهاء الذين لا يرون تقسيم الخطأ يدخلون تحته ما يدخله الآخرون تحت هذين القسمين، فالفرق بين الفريقين فى منطق الترتيب والتبويب لا غير. ولعل الذى دعا القائلين بالتقسيم إلى التقسيم الخطأ أنهم رأوا أن طبيعة الفعل فى الخطأ المحض تختلف عن طبيعته فيما يعتبر قتلاً فى معنى الخطأ، ففى الخطأ المحض يتعمد الجانى الفعل، أما فى النوع الثانى فلا يتعمده، وعلة تقسيم النوع الثانى إلى قتل مباشر وقتل بالتسبب: أن القتل المباشر فيه الكفارة دون القتل بالتسبب والكفارة عقوبة تعبدية أو هى دائرة بين العقوبة والعبادة وتخص

стр. 879

المسلم دون غيره. ١٢٤ - وما جاء فى الشريعة عن الخطأ يتفق مع ما جاء فى القوانين الوضعية بعينه. وإذا كان شراح القوانين لا يقسمون الخطأ هذه التقاسيم ويكتفون بإدراجها كلها تحت لفظ الخطأ كما فعل بعض الفقهاء إلا أن ما تعتبره القوانين خطأ لا يخرج عن نوع من الأنواع التى ذكرها فقهاء الشريعة. ١٢٥ - والظاهر من تتبع أمثلة الفقهاء أن الجانى يكون مسئولاً كلما كان الفعل والترك نتيجة إهمال أو تقصير أو عدم احتياط وتحرز أو عدم تبصر أو مخالفة لأمر السلطات العامة أو الشريعة ومن ثَمَّ يكون أساس جرائم الخطأ فى الشريعة هو نفس الأساس الذى تقوم عليه هذه الجرائم فى القوانين الوضعية وبصفة خاصة القانونين المصرى والفرنسى وسنعرض فيما يأتى أمثلة مما يراه فقهاء الشريعة خطأ تأييدًا لما قلناه. ١٢٦ - ويسير الفقهاء عامة على قاعدتين (١) عامتين يحكمان مسئولية الجانى فى الخطأ وبتطبيقهما نستطيع أن نقول إن شخصًا ما أخطأ أو لم يخطئ. القاعدة الأولى: كل ما يلحق ضررًا بالغير يسأل عنه فاعله أو المتسبب فيه إذا كان يمكن التحرز منه، ويعتبر أنه تحرز إذا لم يهمل أو يقصر فى الاحتياط والتبصر، فإذا كان لا يمكنه التحرز منه إطلاقًا فلا مسئولية. القاعدة الثانية: إذا كان الفعل غير مأذون فيه (غير مباح) شرعًا وأتاه الفاعل دون ضرورة ملجئة فهو تعدٍّ من غير ضرورة وما تولد منه يسأل عنه الفاعل سواء كان مما يمكن التحرز عنه أو مما لا يمكن التحرز عنه. ١٢٧ - (١) من كان يمشى فى الطريق حاملاً خشبة فسقطت منه على إنسان فقتلته فهو مسئول عن قتله لأنه يستطيع أن يتحرز ويحتاط فلم يفعل، ولكن الغبار الذى يثيره رمى الإنسان فى الطريق إذا جاء فى عين إنسان فأتلفها لا يسأل عنه الماشى لأن إثارة الغبار عن المشى مما لا يمكن التحرز منه.

стр. 880

(٢) من سيرَّ دابة أو ساقها أو قادها فوطئت إنسانًا أو كدمته أو صدمته فهو مسئول عن ذلك كله لأنه مما يمكن التحرز عنه بحفظ الدابة وتنبيه الناس، أما نَفْحُ الدابة برجلها أو ذنبها فلا يمكن التحرز منه وكذلك بولها وروثها ولعابها، فلو نفحت الدابة برجلها أو ذنبها إنسانًا فأحدثت إصابة مات منها، ولو أتلف بولها أو روثها أو لعابها ملابس إنسان أو زٍلَقَ فيه فسقط وأصيب فلا مسئولية على الراكب أو السائق أو القائد لأن سبب الإصابة مما لا يمكن التحرز عنه، ولأن الرسول ﷺ قال: "والرِّجل جُبار" أى: نفح الدابة برجلها جبار؛ أى لا مسئولية عنه. (٣) ما تثيره الدابة بسيرها من الغبار والحصى الصغار لا ضمان فيه؛ أى لا مسئولية عنه لأنه لا يمكن التحرز فيه، أما إثارة الحصى الكبار ففيه المسئولية لأنها لا تثار إلا عند السير العنيف وهو مما يمكن التحرز منه. (٤) إذا أوقفت الدابة فى الطريق العام فقتلت إنسانًا فمن أوقفها مسئول عن قتله سواء وطئت بيدها أو برجلها أو كدمت أو صدمت أو خبطت بيدها أو نفحت برجلها أو بذنبها وكذلك هو مسئول عما يعطب بروثها أو بولها أو لعابها، كل ذلك مضمون عليه سواء كان راكبًا لها أم لا، لأن وقوف الدابة فى الطريق العام ليس بمأذون فيه شرعًا إنما جعل الطريق للمرور فإذا كان الوقوف لا ضرورة فيه فهو تعد من غير ضرورة وما تولد منه يكون مضمونًا عليه سواء كان مما يمكن التحرز منه أم لا يمكن التحرز منه. (٥) ومن ربط فى غير ملكه فهو مسئول عما أصابته من شىء بيدها أو رجلها وعما عطب بروثها أو بولها أو لعابها؛ لأنه متعد بالوقوف فى غير ملكه. (٦) فإذا أوقفها فى ملكه فلا ضمان عليه إلا فيما وطئت بيدها أو رجلها وهو راكبها، وإذا كان الوقوف فى محل مخصص لذلك كموقف معد للحيوانات فى الشارع العام أو كموقف الحيوانات فى السوق العام فهو كما لو أوقف الدابة فى ملكه الخاص.

стр. 881

(٧) ولو نفرت الدابة أو انفلتت من صاحبها بالرغم منه فما أصابت فى نفارها وانفلاتها فلا مسئولية عنه لقوله ﵇: "العجماء جبار" أى البهيمة جرحها جبار ولأنه لا صنع له فى نفارها وانفلاتها ولم يكن فى إمكانه أن يتحرز عن فعلها. (٨) من أحدث شيئًا فى الطريق كمن أخرج جناحًا أو شرفة، أو نصب ميزانًا، أو بنى دكانًا، أو وضع حجرًا أو خشبة أو متاعًا، فعثر بشىء من ذلك عاثر فوقع فمات، أو وقع على غيره فقتله، أو حدث به أو بغيره من العثرة والسقوط جناية من قتل أو غيره، أو صبَّ ماء فى الطريق فزلَقَ به إنسان، فهو مسئول عن ذلك كله وعما عطب من الدواب وتلف من الأموال؛ لأنه تسبب فى التلف بإحداث هذه الأشياء وهو متعد فى التسبب فكل ما تولد من التعدى يكون مضمونًا عليه، ولو كان التحرز منه غير ممكن. (٩) إذا أشعل نارًا فى داره أو فى أرضه وكان من المتوقع أن يصل الشرر إلى دار غيره أو أرضه لهبوب الهواء قبل إشعال النار، فهو ضامن لما احترق فى دار جاره أو أرضه لعدم تبصره ولعدم احتياطه. (١٠) إذا سقى أرضه فأسرف حتى أضر السقى بأرض جاره، أو كان بأرضه شق فنزل الماء فى أرض جاره، فهو ضامن لعدم تبصره وعدم احتياطه وتقصيره. (١١) إذا رش الطريق فجاوز المعتاد فى الرش فهو ضامن. (١٢) ولو تناهى فى الاحتياط والتبصر والتحرز فجرت حادثة لا توقع أو صاعقة فسقط بها شىء من ملكه كميزان أو شرفة وأتلف إنسانًا أو شيئًا فلا مسئولية ولا ضمان (١) . هذه هى بعض الأمثلة التى ضربها فقهاء الشريعة على الخطأ، وظاهر منها أن

стр. 882

المسئولية تختلف فى حالة ما إذا كان الفعل مباحًا عنها فى حالة ما إذا لم يكن مباحًا، فإن كان الفعل مباحًا فالمسئولية أساسها التقصير الذى يرجع إلى الإهمال وعدم الاحتياط والتحرز أو عدم التقصير، أما إذا كان الفعل غير مباح فأساس المسئولية هو ارتكاب الفعل غير المباح ولو كان لم يحدث منه تقصير. وهذا الذى تقوم عليه المسئولية فى الخطأ فى الشريعة هو نفس ما يأخذ به القانون المصرى الناقل عن القانون الفرنسى، فهو ينص على المسئولية فى حالة التقصير بصوره المختلفة من عدم الاحتياط والإهمال وعدم الانتباه كما ينص على المسئولية فى حالة عدم مراعاة واتباع اللوائح، ولا يشترط التقصير فى الحالة الأخيرة (١) . * * * أركان القتل الخطأ ١٢٨ - للجناية على النفس خطأ ثلاثة أركان: أولها: فعل يؤدى لوفاة المجنى عليه. ثانيها: أن يقع الفعل خطأ من الجانى. ثالثها: أن يكون بين الخطأ ونتيجة الفعل رابطة السببية. الركن الأول: فعل يؤدى لوفاة المجنى عليه ١٢٩ - يشترط أن يقع بسبب الجانى أو منه فعل على المجنى عليه: سواء كان الجانى أراد الفعل وقصده، كما لو أراد أن يرمى صيدًا فأصاب إنسانًا، أو وقع الفعل نتيجة إهماله وعدم احتياطه دون أن يقصده كأن انقلب وهو نائم على طفل بجواره فقتله. ١٣٠ - ولا يشترط فى الفعل أن يكون من نوع معين: كالجرح مثلاً بل يصح أن يكون أى فعل مما يؤدى للموت؛ كالاصطدام بشخص أو بشىء وتزليق

стр. 883

الطريق وحفر بئر فيها وإسقاط ماء ساخن أو نار على المجنى عليه أو إسقاطه فى مار أو سقوط حائط عليه. ١٣١- وكما يصح أن يكون الفعل مباشرًا يصح أن يكون بالتسبب: كمن ألقى ماء فى الطريق أو قشر موزًا أو بطيخًا فتزلق فيه آخر فسقط وأصيب فمات من إصابته ومن حفر بئرًا أو حفرة ولم يتخذ حولها مانعًا فسقط فيه إنسان فمات من سقطته. ١٣٢- ويجوز أن يكون الفعل إيجابيًا: كمن يلقى حجرًا من شرفته ليتخلص منه دون قصد إصابة أحد فيصيب أحدًا، ويجوز أن يكون الفعل تركًا كترك الكلب العاقر فى الطريق فيعقر إنسانًا ويحدث إصابات تميته، وكعدم إصلاح الحائط المائل أو المختل حتى يسقط على إنسان فيميته. ١٣٣- ويصح أن تكون وسيلة الموت مادية كما يصح أن تكون معنوية: فمن أثار رائحة كريهة أدت إلى إسقاط حامل وموتها، ومن صاح على حيوان صيحة مزعجة فمات منها إنسان رعبًا أو أزعجه فسقط من مرتفع ومات من سقطته - يعتبر قاتلاً خطأ فى كل هذه الحالات وأمثالها. ١٣٤- ويشترط أن يؤدى الفعل إلى الوفاة: ويستوى أن تكون الوفاة على أثر وقوع الحادث أو بعده طالت المدة أو قصرت فإن لم يمت المجنى عليه كان الفعل جناية خطأ على ما دون النفس. ١٣٥- وينطبق على القتل الخطأ كل القواعد التى ذكرت فى باب القتل العمد: عن المباشرة والسبب والشرط والمسئولية عنها وتعدد المباشرة والسبب واجتماعهما والقتل على التعاقب (١) . ١٣٦- وليكون الجانى مسئولاً عن فعله يجب أن يكون المجنى عليه

стр. 884

معصومًا: وقد تكلمنا عن العصمة بمناسبة الكلام عن القتل العمد وفيما ذكر هناك الكفاية (١) . * * * الركن الثانى: الخطأ ١٣٧ - الخطأ هو الركن المميز لجرائم الخطأ على العموم: فإذا انعدم الخطأ فلا عقاب، ويعتبر الخطأ موجودًا كلما ترتب على فعل أو ترك نتائج لم يردها الجانى بطريق مباشر أو غير مباشر، سواء كان الجانى أراد الفعل أو الترك أم لم يرده ولكنه وقع فى الحالين نتيجة لعدم تحرزه أو لمخالفته أوامر السلطات العامة ونصوص الشريعة. ١٣٨ - ومن المسلم به أنه لا عقاب على عدم التحرز فى ذاته، أو مخالفة الأوامر والنصوص: فإن لم يكن شىء من هذا فلا عقاب إلا إذا تولد من عدم التحرز أو مخالفة الأوامر والنصوص ضرر، فإذا تولد الضرر فقد وجدت

стр. 885

المسئولية عن الخطأ، وإذا انعدم الضرر فلا مسئولية (١) . ١٣٩- ومقياس الخطأ فى الشريعة هو عدم التحرز: ويدخل تحته كل ما يمكن تصوره من تقصير فيدخل تحته الإهمال، وعدم الاحتياط، وعدم التبصر، والرعونة، والتفريط، وعدم الانتباه، وغير ذلك مما اختلف لفظه ولم يخرج معناه عن عدم التحرز. ١٤٠- ومخالفة الأوامر والنصوص يدخل تحتها نصوص الشريعة نفسها ونصوص القوانين واللوائح والأوامر التى تصدرها السلطات التشريعية: ومجرد المخالفة يعتبر خطأ فى ذاته وترتب عليه مسئولية المخالف سواء فيما يمكن التحرز فيه أو ما لا يمكنه أن يتحرز فيه، ولكن يشترط للمسئولية أن يكون هناك ضرر كما قدمناه. ١٤١- ولا يشترط أن يكون الخطأ بالغًا حدًا معينًا من الجسامة: فيستوى أن يكون خطأ الجانى جسيمًا أو تافهًا، فهو مسئول جنائيًا لمجرد حصول الخطأ وعليه أن يتحمل نتيجة خطئه، وهى نتيجة لا تختلف باختلاف جسامة الخطأ أو تفاهته لأن عقوبة القتل الخطأ فى الشريعة ذات حد واحد ولا يجوز إنقاصها ولا إيقافها ولا العفو عنها من السلطات العامة. وينبنى على هذا أن المجنى عليه لا يستطيع أن يطالب بتعويض ما أصابه من ضرر إذا برأت المحكمة المختصة الجانى لأنه لم يحدث منه خطأ. * * * الركن الثالث: أن يكون بين الخطأ والموت رابطة السببية ١٤٢ - يشترط ليكون الجانى مسئولاً أن تكون الجناية قد وقعت

стр. 886

نتيجة لخطئه: بحيث يكون الخطأ هو العلة للموت، وبحيث يكون بين الخطأ والموت علاقة السبب بالمسبب فإذا انعدمت السببية فلا مسئولية على الجانى. ١٤٣ - ويسأل الجانى عن الموت ولو ساعد على إحداثه عوامل أخرى: كسوء العلاج واعتلال صحة المجنى عليه أو صغر سنه أو ضعف تكوينه كذلك يسأل عن الموت ولو اشترك فى الخطأ أكثر من شخص بغض النظر عن عدد الإصابات التى تسبب فيها كل، وفحش هذه الإصابة المنسوبة للجانى مهلكة بذاتها أو ساهمت فى إحداث الوفاة. وتعتبر رابطة السببية متوفرة سواء كان الموت نتيجة مباشرة للخطأ، كمن يعبث ببندقيته فتنطلق منه خطأ فتصيب المجنى عليه فتقتله أو كان الموت ليس نتيجة مباشرة للخطأ، كمن حفر بئرًا عدوانًا فجاء السيل ودحرج بجوارها حجرًا فعثر المجنى عليه بالحجر فسقط فى البئر فمات من سقطته. ١٤٤ - والجانى مسئول عن خطئه ولو توالت الأسباب وبعدت النتائج: ما دام العرف يعتبره مسئولاً عن هذه النتائج، وقد تكلمنا طويلاً عن رابطة السببية بمناسبة القتل العمد، وما قيل هناك يمكن أن يقال هنا. ١٤٥ - واشتراك شخص أو أشخاص فى الخطأ لا يعفى الجانى من مسئولية القتل العمد: ولكنه يخفف من العقوبة، إذ تقسم عليهم الدية بحسب عددهم لا بحسب عدد إصاباتهم فإذا اشترك ثلاثة فى قتل رابع خطأ فعليهم ديته أثلاثًا بغض النظر عن جسامة فعل كل منهم وعدد إصابته ما دام فعله قد ساهم فى إحداث الوفاة. ١٤٦ - وإذا اشترك المجنى عليه مع الجانى فى الخطأ: تخفف العقوبة بقدر نصيب المجنى عليه؛ لأنه اشترك فى الفعل، فأعان على نفسه، فمثلاً إذا اشترك أربعة فى حفر بئر فوقعت عليهم فمات أحدهم فعلى كل من الثلاثة الباقين ربع دية فقط، وإذا كان عشرة يرمون بالمنجنيق فرجع عليهم بخطئهم فأصاب أحدهم

стр. 887

فمات فعلى الباقين كل منهم تسع دية ويسقط عشر الدية مقابل اشتراك المجنى عليه فى الخطأ الذى أعلن به على نفسه وقد قضى على بن أبى طالب بمثل هذا فى قضية موضوعها: أن عشرة مدوا نخلة فسقطت على أحدهم فمات فقضى على الباقين كل بعشر الدية وأسقط عشرها لأن القتيل أعان على نفسه (١) . ولكن الفقهاء يختلفون فى حالة المصادمة فيرى بعضهم عقاب كل متصادم عقوبة كاملة عن فعله، ويرى البعض الآخر أن الموت حدث من فعلين فنصف العقوبة (٢) . والرأى الثانى: يتفق مع ما تأخذ به المحاكم فى مصر وفرنسا، فإن اشترك المجنى عليه فى الخطأ لا يخليه من المسئولية الجنائية ولكنه يؤثر على التعويض ويدعو إلى تخفيف العقوبة. ١٤٧ - وتعتبر رابطة السببية قائمة: سواء كان الموت نتيجة مباشرة لفعل الجانى أو كان نتيجة مباشرة لفعل غيره من إنسان أو حيوان ما دام الجانى هو المتسبب فى الفعل، فمن يعبث ببندقيته فتنطلق منه خطأ فتصيب المجنى عليه فهو مسئول عن القتل إذا مات، ومن يكلف أجيرًا بحفر بئر فى طريق فسقط فيها أحد فمات من سقطته فالقاتل هو المالك ما دام الأجير لا يعلم أنها فى ملك الآخر، ومن قاد دابة فعقرت شخصًا فمات من العقر فالقاتل هو القائد. * * * المبحث الرابع عقوبات القتل العمد ١٤٨ - للقتل العمد فى الشريعة أكثر من عقوبة: منها ما هو أصلى، ومنها ما هو تبعى. والعقوبات الأصلية هى: ١ - القصاص. ... ٢ - الدية. ... ٣ - التعزير والكفارة على رأى. والعقوبات التبعية

стр. 888

اثنتان: ١ - الحرمان من الميراث. ... ... ٢ - الحرمان من الوصية. ١٤٩- القصاص: تجب عقوبة القصاص بارتكاب جريمة القتل العمد فى الشريعة. ومعنى القصاص المماثلة؛ أى مجازاة الجانى بمثل فعله وهو القتل. ويستوى لتوقيع هذه العقوبة أن يكون القتل مسبوقًا بإصرار أو ترصد أو غير مسبوق بشىء من ذلك، كما يستوى أن يصحب القتل جريمة أخرى أو لا يصحبه شىء فالعقوبة على القتل العمد هى القصاص فى كل حال؛ إلا فى حالة الحرابة، أى عندما يقترن القتل بسرقة فالعقوبة فى هذه الحالة هى القتل والصلب، ولكن العقوبة لا تقع على الجانى باعتباره قاتلاً متعمدًا بل باعتباره محاربًا أى قاطع طريق. ١٥٠ - وعقوبتا الدية والتعزير كلاهما بدل من عقوبة القصاص: فإذا امتنع القصاص لسبب من الأسباب الشرعية التى تمنع القصاص حلت محله عقوبة الدية مضافًا إليها التعزير إن رأت ذلك الهيئة التشريعية وإذا امتنعت عقوبة الدية لسبب من الأسباب الشرعية حلت محلها عقوبة التعزير، فالفرق بينهما أن عقوبة التعزير تكون أحيانًا بدلاً من القصاص وتكون أحيانًا بدلاً من بدل القصاص أى بدلاً من عقوبة الدية التى هى فى الأصل بدل من عقوبة القصاص، أما عقوبة الدية فهى بدل من القصاص فقط. ١٥١- ويترتب على اعتبار الدية بدلاً من القصاص نتيجتان: أولهما: أنه لا يجوز للقاضى أن يجمع بين العقوبتين جزاء عن فعل واحد، ولكن الجمع يجوز إذا تعددت الأفعال، فيجمع بينهما باعتبار القصاص عقوبة عن بعض الأفعال والدية عقوبة عن البعض الآخر، فمن قتل شخصًا عمدًا لا يصح أن يعاقب إلا بعقوبة القصاص، فإذا امتنع القصاص فالعقوبة الدية والتعزير أو الدية فقط، فإن امتنعت الدية فالعقوبة التعزير. ومن قتل شخصين جاز أن يعاقب على قتل أحدهما بالقصاص وعلى قتل ثانيهما بالدية والتعزير إذا امتنع القصاص، وبالتعزير فقط إذا امتنع القصاص والدية، فتكون نتيجة الحكم عليه أنه امتنع القصاص وبالتعزير فقط إذا امتنع القصاص والدية فتكون نتيجة الحكم عليه أنه عوقب بالقصاص والدية والتعزير. وخلاصة ما سبق: أنه لا يجوز الجمع بين عقوبة أصلية وعقوبة بدلية إذا كانت الأخيرة مقررة بدلاً من الأولى، أو بمعنى آخر: لا يجوز الجمع بين العقوبة الأصلية

стр. 889

وبدلها، ولكن يجوز الجمع بين بدلين، كما يجوز الجمع بين عقوبتين أصليتين، فمثلاً يجوز الجمع بين الدية والتعزير وكلاهما بدل من عقوبة القصاص، ويجوز الجمع بين القصاص والكفارة وكلاهما عقوبة أصلية، ولا جدال فى أنه يجوز الجمع بين العقوبات الأصلية والعقوبات التبعية حيث لا يوجد ما يمنع من ذلك عقلاً وشرعًا. ١٥٢ - ويترتب على أن القصاص أصل والدية والتعزير بدل أنه لا يجوز للقاضى أن يحكم بالعقوبة البدلية إلا إذا امتنع الحكم بالعقوبة الأصلية ولسبب من الأسباب الشرعية التى تمنع القصاص، فإذا لم يكن هناك مانع وجب الحكم بالعقوبة الأصلية. ١٥٣ - موانع القصاص: العقوبة الأصلية الأولى للقتل العمد هى القصاص فيحكم بهذه العقوبة على الجانى كلما توفرت أركان الجريمة، إلا إذا كان هناك سبب يمنع من الحكم بالقصاص. والأسباب التى تمنع الحكم بالقصاص ليس فيها سبب واحد متفق عليه فكلها مختلف فيه ولكن بعضها أخذ به معظم الفقهاء والبعض أخذ به أقلهم وسنذكرها جميعًا فيما يلى: ١٥٤ - أولاً: أن يكون القتيل جزءًا من القاتل: يرى أبو حنيفة والشافعى وأحمد (١) أنه إذا كان القتيل جزءًا من القاتل امتنع الحكم بالقصاص ويكون القتيل جزءًا من القاتل إذا كان ولده فإذا قتل الأب ولده عمدًا فلا يعاقب على قتله بالقصاص؛ لقوله ﵇: "لا يقاد الوالد بولده"، ولقوله: "أنت ومالك لأبيك". والحديث الأول صريح فى منع القصاص، والحديث الثانى وإن لم يكن صريحًا فى منع القصاص إلا أن نصه يمنع منه لأن تمليك الأب ولده وإن لم تثبت فيه حقيقة الملكية تقوم شبهة فى درء القصاص إذ القاعدة فى الشريعة "درء الحدود بالشبهات" أما الولد فيقتص منه لوالده سواء كان أبًا أو أمًا إذا قتله طبقًا للنصوص العامة، لأن النص الخاص لم يخرج من حكم النصوص العامة إلا الوالد فقط، ويعللون هذه التفرقة فى الحكم بين الوالد والولد بأن الحاجة إلى الزجر والردع فى جانب

стр. 890

الولد أشهر منها فى جانب الوالد لأن الوالد يحب ولده لولده لا لنفسه دون أن ينتظر نفعًا منه إلا أن يحيى ذكره وهذا يقتضى الحرص على حياته، أما الولد فيحب والده لنفسه لا لوالده أى أنه يحبه لما يصل إليه من منفعة عن طريقه وهذا لا يقتضى الحرص على حياة والده لأن مال والده كله يؤول إليه بعد وفاته وحبه لنفسه يتعارض مع الحرص على حياة والده (١) . ويعلل البعض (٢) التفرقة فى الحكم بأن الوالد كان سببًا فى إيجاد الولد فلا يصح أن يكون الولد سببًا فى إعدامه وهو تعليل يراه البعض بعيدًا عن الفقه؛ لأن إذا زنا بابنته يرجم فتكون سبب إعدامه مع أنه سبب وجودها. والحقيقة أن الابن والبنت ليسا سبب إعدام الأب وإنما ارتكاب الأب للجريمة فى كل حال كان سبب إعدامه (٣) . ويدخل تحت لفظى الوالد والولد باتفاق الفقهاء الثلاثة كل والد وإن علا وكل ولد وإن سفل فيدخل تحت الوالد الجد أب الأب والجد أب الأم وإن علا (٤) ، ويدخل تحت الولد ولد الولد وإن سفلوا. وحكم الأم هو حكم الأب، فإذا قتلت الأم ولدها فلا يقتص منها لأن النص جاء بلفظ الوالد وهى أحد الوالدين فاستوت فى الحكم مع الأب، فضلاً عن أنها أولى بالبر فكانت أولى بنفى القصاص عنها. ولأحمد رأى آخر غير معمول به، وهو قتل الأم بولدها ويعلل هذا الرأى بأن الأم لا ولاية لها على ولدها فتقتل به. ويرد على هذا الرأى بأن الولاية لا دخل لها فى منع القصاص بدليل أن الأب لا يقتص منه إذا قتل ولده الكبير مع أنه لا ولاية له على ولده (٥) . والجدة كالأم فيما سبق سواء كانت من قَبل الأب أو من قبل الأم، فحكمها

стр. 891

حكم الجد. ويمتنع القصاص عن الوالد سواء كان مساويًا للولد فى الدين والحرية أو مخالفًا له فى ذلك؛ لأن انتفاء القصاص أساسه شرف الأبوة وهو موجود فى كل حال، فلو قتل الكافر ولده المسلم أو قتل الرقيق ولده الحر فلا قصاص لشرف الأبوة ومكانتها (١) . ولأحمد رأى آخر غير معمول به ملخصه: أن الابن لا يقتل بوالده لأنه مما لا تقبل شهادة له بحق النسب، فلا يقتل به كما لا يقتل الأب بولده حيث لا تقبل شهادة له. ورد هذا الرأى بأن النصوص العامة تقضى بأن يقتل كل منهما بالآخر لولا النص الخاص الذى جاء قاصرًا على الولد، وأن الوالد أعظم حرمة وحقًا على الابن من أى شخص أجنبى، فإذا كان الابن يقتل بالأجنبى فبالأب أولى، كذلك فإن الابن يحد بقذف الأب فيقتل به (٢) . ويخالف مالك الفقهاء الثلاثة، ويرى قتل الوالد بولده كلما انتفت الشبهة فى أنه أراد تأديبه أو كلما ثبت ثبوتًا قاطعًا أنه أراد قتله، فلو أضجعه فذبحه أو شق بطنه أو قطع أعضاءه فقد تحقق أنه أراد قتله وانتفت شبهة أنه أراد من الفعل تأديبه ومن ثَمَّ يقتل به، أما إذا ضربه مؤدبًا أو حانقًا ولو بسيف أو حَذَفَه بحديدة أو ما أشبه فقتله فلا يقتص منه لأن شفقة الوالد على ولده وطبيعة حبه له تدعو دائمًا إلى الشك فى أنه قصد قتله، وهذا الشك يكفى لدرء الحد عنه (٣) فلا يقتص منه، وإنما عليه دية مغلظة. والقتل - كما جاء فى المدونة - من العمد لا من الخطأ فهو فى حال القاتل لا تحمل العاقلة منه شيئًا (٤) . والأصل أن الخطأ فيه دية مخففة لا دية مغلظة وأن الدية المغلظة هى العقوبة البدلية التى تحل محل القصاص، أى عقوبة العمد فهل اعتبر مالك

стр. 892

الفعل قتلاً عمدًا ودرأ القصاص للشبهة طبقًا لقوله ﵇: "ادرؤوا الحدود بالشبهات" ومن ثم رأى القضاء بالدية المغلظة بدلاً من القصاص؟ أم أنه اعتبر الفعل قتلاً خطأ ورأى تغليظ الدية لشناعة الجريمة؟ الراجح أن الفعل يعتبر قتلاً عمدًا وأن القصاص درء للشبهة المتمكنة فى القصد كما سنبينه بعد، على أنه يمكن القول باعتبار الفعل خطأ ثم تغليظ الدية لشناعة الجريمة، والأم فى ذلك مثل الأب فى الحكم فى حالة تغليظ الدية، ومثل الوالد الجد ومثل الولد ولد الولد. وهناك رأى ثالث بأن مالكًا اعتبر الفعل قتلاً شبه عمد وأنه لم يسلم بالقتل شبه العمد إلا فى هذه الحالة، وهو رأى له سند فى المذهب وإنما جاء به أصحابه تعليلاً للحكم ولا شك أن أحد العقابين السابقين أجدر منه بالقبول واقرب إلى المبدأ الذى قام عليه المذهب. وبهذه المناسبة يحسن أن نفصل القول عن تطبيق قاعدة درء الحدود بالشبهات فى جريمة القتل، فمعنى هذه القاعدة أن كل شبهة قامت فى فعل الجانى أو قصده يترتب عليها درء الحد إذا كانت الجريمة من جرائم الحدود، ويعاقب الجانى بدلاً من عقوبة الحد بعقوبة تعزيرية ومن السهل تطبيق هذه القاعدة فى جرائم الحدود جميعًا على هذه الصورة ولكن تطبيق القاعدة فى جرائم القتل نادر مع وبهذه المناسبة يحسن أن نفصل القول عن تطبيق قاعدة درء الحدود بالشبهات فى جريمة القتل، فمعنى هذه القاعدة أن كل شبهة قامت فى فعل الجانى أو قصده يترتب عليها درء الحد إذا كانت الجريمة من جرائم الحدود، ويعاقب الجانى بدلاً من عقوبة الحد بعقوبة تعزيرية ومن السهل تطبيق هذه القاعدة فى جرائم الحدود جميعًا على هذه الصورة ولكن تطبيق القاعدة فى جرائم القتل نادر مع إمكانه فهى تقريبًا معطلة التطبيق وإن كانت فى الواقع تطبق معنًى لا صورة لأن القتل وهو فعل واحد قسم إلى أنواع مختلفة: عمد، وشبه عمد، وخطأ ففى العمد إذا قامت الشبهة فى الفعل فإنه لا يمكن درء الحد بالشبهة لأن الفعل بعد قيام الشبهة يكون قتلاً خطأ أو جرحًا وإذا قامت الشبهة فى القصد فإن الفعل يكون قتلاً شبه عمد، وهكذا يمنع تنوع القتل من تطبيق القاعدة وكذلك إذا كان الفعل قتلاً شبه عمد فقامت الشبهة فى الفعل أو القصد فإن الفعل يعتبر قتلاً خطأ أو جرحًا وإذا قامت الشبهة فى القتل الخطأ فإن الفعل يعتبر جرحًا خطأ فالشبهة فى القتل تحولّ نوع القتل إلى ما هو أدنى منه وتدرأ الحد الأعلى بالحد الأدنى فكأن القاعدة تطبق معنًى لا صورة.

стр. 893

وليس لتطبيق القاعدة مجال عند مالك لأنه يقسم القتل إلى نوعين فقط عمد وخطأ، لأن ما لا يعتبر عمدًا عنده يعتبر خطأ فإذا قامت الشبهة فى القصد أو الفعل اعتبر العمد قتلاً خطأ أو جرحًا. قتل الرجل بزوجته: ويقيس الليث بن سعد والزهرى الزوج على الأب. فالابن وماله ملك لأبيه طبقًا لحديث الرسول، والزوجة ملك للزوج بعقد النكاح فهى أشبه بالأمَة، فإذا منعت شبهة الملك القصاص هناك منعته كذلك هنا. ولكن جمهور الفقهاء لا يرون هذا الرأى وعلى الأخص فقهاء المذاهب الأربعة. فعندهم أن الزوجين شخصان متكافئان فيقتل كل منهما الآخر كالأجنبيين، وما يقال من أن الزوج يملك الزوجة غير صحيح، فهى حرة ولا يملك منها الزوج إلا متعة الاستمتاع فهى أشبه بالمستأجرة وفضلاً عن هذا فإن النكاح ينعقد لها عليه كما ينعقد له عليها، بدليل أنه لا يتزوج أختها ولا أربعًا سواها وتطالبه فى حق الوطء بما يطالبها ولكن له عليها فضل القوامة التى جعل الله عليها بما أنفق من ماله اى ما وجب عليه من صداق ونفقة، ولو أورث هذا شبهة لأورثها فى الجانبين لا فى جانب واحد. ١٥٥ - ثانيًا: يشترط مالك والشافعى وأحمد أن يكون المجنى عليه مكافئًا للجانى: فإن لم يكن مكافئًا امتنع الحكم بالقصاص ويعتبر المجنى عليه مكافئًا عندهم إذا لم يفضله الجانى بحرية أو إسلام فإذا تساويا فى الحرية والإسلام فهما متكافئان، ولا عبرة بعد ذلك بما بينهما من فروق أخرى؛ فلا يشترط التساوى فى كمال الذات، ولا سلامة الأعضاء ولا يشترط التساوى فى الشرف والفضائل فيقتل سليم الأطراف بمقطوعها، والصحيح بالمريض والأمثل، والكبير بالصغير، والقوى بالضعيف، والعالم بالجاهل، والعاقل بالمجنون، والأمير بالمأمور، والذكر بالأنثى ... الخ. ولا خلاف بين الفقهاء فى قتل الرجل والأنثى بالأنثى لقوله تعالى:

стр. 894

﴿الحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة: ١٧٨] ، ولكنهم اختلفوا فى تفسير هذه الآية فمنهم من رأى أنها تعرضت لحكم النوع إذا قتل نوعه؛ ولكنها لم تتعرض لأحد النوعين إذا قتل النوع الآخر، ومن ثم فقد اختلفوا فى ذلك إلى رأيين. الرأى الأول، وهو رواية عن على بن أبى طالب: يرى أصحاب هذا الرأى بأن الرجل يقتل بالمرأة ويُعطى أولياؤه نصف الدية. وحجة هذا الفريق أن النص لم يتعرض إلا لحكم النوع إذا قتل نوعه، وأن دية المرأة نصف دية الرجل، فإذا قتل بها بقى له بقية فيستوفى ممن قتله (١) ، وإن أرادوا استحيوه وأخذوا منه دية المرأة. وإذا قتلت امرأة رجلاً فإن أراد أولياؤه قتلها قتلوها وأخذوا نصف الدية وإلا أخذوا دية صاحبهم واستحيوها. ويقول القرطبى: إن أبا عمر علق على هذا الرأى بقوله: إذا كانت المرأة لا تكافئ الرجل ولا تدخل تحت قول النبى: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" فلم قتل الرجل بها وهى لا تكافئه؟ وكيف تؤخذ نصف الدية مع القتل وقد أجمع العلماء على أن الدية لا تجتمع مع القصاص، وأن قبول الدية يحرم دم القاتل ويمنع القصاص؟ (٢) . وأصحاب الرأى الثانى يرون أن الذكر يقتل بالأنثى كما تقتل الأنثى بالذكر. ومن هذا الرأى الأئمة الأربعة وحجتهم قوله تعالى: ﴿الحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ وقوله ﵇: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" وأنه ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب الفرائض والسنن وذكر فيه أن الرجل يقتل بالمرأة والرجل والمرأة شخصان يحد كل منهما بقذف الآخر، فيقتل كل منهما بالآخر كالرجلين، ولا يجب مع القصاص شئ لأنه قصاص واجب، فلا تجب معه الدية كسائر القصاص، واختلاف الديات لا عبرة به فى القصاص، بدليل أن الجماعة تقتل بالواحد، والنصرانى بالمجوسى مع اختلاف دينهما، والعبد بالعبد مع اختلاف قيمتهما.

стр. 895

ومذهب الشيعة الزيدية أنه إذا قتلت امرأة رجلاً وجب أن تقتل المرأة بالرجل ولا يزيد شىء على قتلها، وإذا قتل الرجل المرأة قتل الرجل بها، ويستوفى ورثته - أى أولياء الدم - نصف دية، ولا يجب القصاص إلا بشرط التزامهم ذلك. ويشترط التكافؤ فى المجنى عليه لا فى الجانى، فإذا كان المجنى عليه لا يكافئ الجانى امتنع القصاص؛ كأن يكون القاتل مسلمًا والقتيل كافرًا، أو كان القاتل حرًا والقتيل عبدًا ولكن التكافؤ لا يشترط فى الجانى، فإن كان الجانى لا يكافئ المجنى عليه فإن هذا لا يمنع القصاص، لأن شرط التكافؤ وضع لمنع قتل الأعلى بالأدنى ولم يوضع لمنع قتل الأدنى بالأعلى، فإذا قتل الكافر مسلمًا أو العبد حرًا قُتل به على الرغم من انعدام التكافؤ بينهما؛ لأن النقص فى الجانى وليس فى المجنى عليه، والنقص هو الكفر والعبودية والزيادة هى الإسلام والحرية. أ - الحرية: يرى الأئمة الثلاثة مالك والشافعى وأحمد أن الحر لا يقتل بالعبد؛ لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من السنة أن لا يقتل حر بعبد" أو كما يروى عن ابن عباس: "لا يقتل حر بعبد" ويرون أن العبد منقوص بالرق فلا يكافئ الحر. والمكافأة بالحرية شرط عندهم فى المجنى عليه لا فى الجانى، فإذا كان المجنى عليه حرًا والجانى عبدًا اقتص من الجانى، وإذا كان المجنى عليه عبدًا والجانى حرًا لم يقتص من الجانى (١) . أما أبو حنيفة فيرى القصاص بين الأحرار والعبيد ولا يشترط التكافؤ فى الحرية للقصاص، ويستوى عنده أن يكون الحر هو القاتل للعبد أو العبد هو القاتل للحر، فالقصاص واجب الحكم به على الجانى فى الحالين. ولكن أبا حنيفة (٢) يرى استثناء أن لا يقتل السيد بعبده فإذا كان القتيل مملوكًا للقاتل أو كان للقاتل فيه شبهة الملك، امتنع القصاص من القاتل؛ لقوله -

стр. 896

صلى الله عليه وسلم -: "لا يقاد الوالد بولده ولا السيد بعبده" وعلة المنع أنه لو وجب القصاص لوجب للسيد ولا يمكن أن يكون القصاص له وعليه هذا إذا كان يملكه كله، فإن كان يملك بعه فلا يقتص منه؛ لأن القصاص عقوبة لا تتبعض فلا يمكن استيفاء بعضها دون بعض. وإذا كان له شبهة الملك فيه لا يقتص منه؛ لأن الشبهة فيما يقتص منه تلحق بالحقيقة درءًا للحد. أما إذا قتل العبد سيده فإنه يقتص منه؛ لأن معنى القصاص عام، ولم يستثن منه إلا قتل السيد لعبده. وظاهر مما سبق أن أبا حنيفة يتفق مع الأئمة الثلاثة فى قتل السيد لعبده ويختلف معهم فيما عدا ذلك. وهناك من يرى أن يقتص من السيد إذا قتل عبده فالنخعى وداود يريان قتل السيد بعبده؛ لما روى عن الرسول ﷺ : "من قتل عبده قتلناه ومن جدعه جدعناه" (١) . هذه خلاصة آراء الفقهاء فى التكافؤ بين الحر والعبد رأينا الإتيان بها لإعطاء فكرة عن أحكام الشريعة فى هذه الناحية ونحن نعلم أن الرق قد أبطل اليوم، فلا سيد ولا مسود ولعل أول شريعة دعت إلى إبطال الرق وحثت عليه هى الشريعة الإسلامية. ب - الإسلام. قتل المسلم بغيره: يرى مالك والشافعى أن المسلم لا يقتل بكافر أيًا كان إذا قتله، لأن الكافر لا يكافئ المسلم ولكن الكافر يقتل بالمسلم إذا قتله لأنه قتل الأدنى بالأعلى ويرون تطبيق هذا الحكم على الذميين ولو أنهم يؤدون الجزية، وتجرى عليهم أحكام الإسلام. وحجتهم أن التكافؤ فى الإسلام شرط وجوب القصاص وأن الكفر نقصان فإذا وجد الكفر امتنعت المساواة ويمتنع وجوب القصاص لأن رسول الله ﷺ قال: "المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ولا يقتل مؤمن بكافر"

стр. 897

ولأن فى عصمة الذمى شبهة العدم لثبوتها مع قيام المنافى وهو الكفر، والأصل فى الكفر أنه مبيح للدم، ولكن عقد الذمة منع الإباحة فبقاء الكفر يورث الشبهة والشبهة تدرأ الحد، وإذا كان المسلم لا يقتل بالمستأمن وهو كافر فكذلك الذمى (١) . ويرى أبو حنيفة أن المسلم يقتل بالذمى وأن الذمى يقتل بالمسلم؛ لأن النصوص التى جاءت بعقوبة القصاص عامة، فالله تعالى يقول: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِى القَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] ويقول: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] ، ويقول: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] ، فهذه النصوص عامة لم تفصل بين قتيل وقتيل ونفس ونفس ومظلوم ومظلوم، فمن ادعى التخصيص والتقييد فهو يدعيه بلا دليل، ولقد قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِى القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِى الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] ، وتحقيق معنى الحياة فى قتل المسلم بالذمى أبلغ منه فى قتل المسلم بالمسلم؛ لأن العدواة الدينية تحمله على القتل خصوصًا عند الغضب فكانت الحاجة إلى الزاجر أمسّ وكان فرض القصاص أبلغ فى تحقيق معنى الحياة. ويخالف الإمام مالك زميله فيرى قتل المسلم بالذمى إذا قتله غيلة، والغيلة هى أن يخدعه غيره ليدخله موضعًا يأخذ ماله. والقتل الغيلة هو نوع من الحرابة عند مالك، ولا يعترف به الشافعى وأحمد وأبو حنيفة (٢) ، فإن للقتل الغيلة حكمًا خاصًا فهو قتل فيه القصاص إن توفرت شروطه وإذا كان مالك يقيسه على الحرابة فإنهم لا يرون ذلك (٣) . كذلك يحتجون بما روى عن رسول الله ﷺ من أنه أقاد مؤمنًا بكافر وقال: "أنا أحق من وفَى بذمته" ويفسرون حديث: "لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد فى عهد" بأن المراد من "الكافر" المستأمن، وأن "ذو عهد" معطوف

стр. 898

على "مؤمن"، فمعنى الحديث: لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد بكافر. ويردون على القول بأن فى عصمة الذمى شبهة العدم: بأن دم الذمى حرام لا يحتمل الإباحة بحال مع قيام الذمة، وأنه بمنزلة دم المسلم مع قيام الإسلام، وأن الكفر ليس مبيحًا على الإطلاق، وأن الكفر المبيح هو الكفر الباعث على الحرب، وكفر الذمى ليس بباعث على الحرب فلا يكون مبيحًا. كذلك فإن المساواة فى الدين ليست بشرط للقصاص، لأن الذمى إذا قتل ذميًا ثم اسلم القاتل فإنه يقتل به قصاصًا، كما يسلم به الجميع، ولا مساواة بينهما فى الدين وقد قال على رضى الله عنه: إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا، وذلك بأن تكون معصومة بلا شبهة كعصمة دم المسلم وماله، ولهذا يُقطع المسلم بسرقة مال الذمى ولو كان فى عصمته شبهة لَماَ قُطع المسلم كما لا يقطع فى سرقة مال المستأمن، لأن المال تبع للنفس وأمر المال أهون من النفس فلما قطع بسرقته كان أولى أن يقتل بقتله لأن أمر النفس أعظم من المال (١) . ورأى أبى حنيفة يتفق مع القوانين الوضعية الحديثة، فهى لا تفرق فى العقوبة لاختلاف الدين، والقانون المصرى لا يفرق بين ذمى ومسلم فكلاهما يقتل بالآخر. قتل المسلم فى دار الحرب: يرى أبو حنيفة أنه إذا قتل ملم حربيًا اسلم وبقى فى دار الحرب، فلا قصاص على القاتل، لأنه وإن قتل مسلمًا إلا أن المقتول من أهل دار الحرب، فكونه من أهل دار الحرب يورث شبهة فى عصمته لأنه إذا لم يهاجر إلى دار الإسلام فهو مكثر سواد الكفار، ومن كثر سواد قوم منهم على لسان الرسول ﷺ ، وهو وإن لم يكن منهم دينًا فهو منهم دارًا وهذا هو الذى أورثه الشبهة. ولو كانا مسلمين تاجرين أو أسيرين فى دار الحرب فقتل أحدهما صاحبه فلا قصاص أيضًا (٢) للشبهة ولتعذر الاستيفاء.

стр. 899

أما الأئمة الثلاثة فيرون القصاص، سواء كان القتل فى دار الحرب أو دار الإسلام، وسواء هاجر القتيل أم لم هاجر (١) . قتل الكافر بغيره: وإذا قتل الذمى مسلمًا قتل به اتفاقًا لأنه فى رأى أبى حنيفة قتل داخل تحت النصوص العامة، وعند الأئمة الثلاثة يقتل به مع وجود التفاوت؛ لأنه تفاوت إلى النقصان ولا يمنع القصاص إلا التفاوت إلى زيادة ولا يعتبر قتل الذمى للحربى جريمة اتفاقًا؛ لأن الحربى مباح الدم على الإطلاق (٢) . ولا يقتل الذمى بالمستأمن عند أبى حنيفة؛ لأن عصمة المستأمن ليست مطلقة بل هى مؤقتة إلى غاية مقامه فى دار الإسلام، إذ المستأمن أصلاً من أهل دار الحرب، وإنما دخل دار الإسلام لعارض على أن يعود إلى وطنه الأصلى فكانت فى عصمته شبهة العدم. ويرى أبو يوسف أنه يقتل به قصاصًا لقيام العصمة وقت القتل (٣) . ويقتل المستأمن بالمستأمن عند أبى حنيفة قياسًا، ولا يقتل قياسًا لقيام المبيح (٤) . ويرى مالك والشافعى وأحمد أن الكفار يقتلون بعضهم ببعض دون تفريق فالذمى يقتل بأى كتابى أو مجوسى أو مستأمن (٥) ولو اختلفت ديانتهم. ١٥٦ - ثالثًا: إذا لم يباشر الجانى الجناية ولكنه عاون عليها أو حرض عليها: محل هذا الشرط أن يتعدد الجناة؛ لأن الجانى الواحد يباشر الجناية بنفسه سواء كان القتل مباشرة أو تسببًا، أما إذا تعدد الجناة فإن بعضهم قد يباشر الجناية بنفسه، وبعضهم قد يعين المباشرين وبعضهم قد يحرض على الجناية.

стр. 900

ومن المتفق عليه بين الفقهاء الأربعة أن تعدد الجناة لا يمنع من الحكم عليهم بالقصاص ما دام كل منهم قد باشر الجناية (١) ، وإذا كان القصاص يقتضى المماثلة فإن المماثلة شرط فى الفعل لا فى عدد الجناة والمجنى عليهم، وأحق ما يجعل فيه القصاص إذا قتل الجماعة الواحد لأن القتل لا يوجد عادة إلا على سبيل الاجتماع، فلو لم يجعل فيه القصاص لانسد باب القصاص، إذ كل من رام قتل غيره استعان بغيره يضمه إليه ليبطل القصاص عن نفسه، وفى هذا ما يفوت الغرض من فرض القصاص وهو الحياة ومنع القتل، قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِى القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِى الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] . وهناك رواية عن أحمد: بأن القصاص يسقط عن الجناة إذا تعددوا وتجب عليهم الدية. ويرى ابن الزبير وابن سيرين وآخرون: أن يقتل من القاتلين واحد ويؤخذ من الباقين حصصهم من الدية، وحجتهم فى عدم القصاص من الجمع أن كل واحد منهم مكافئ للجانى، فلا يستوفى أبدال بمبدل واحد، كما لا تجب ديات لمقتول واحد وأن الله تعالى قال: ﴿الحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ ، و ﴿النَّفْسَ بالنَّفْس﴾ ومقتضاه أن لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس واحدة (٢) . وإذا كان الفقهاء الأربعة قد اتفقوا على القصاص من الجماعة للفرد إذا باشروا القتل، فإنهم اختلفوا فى حالة الإعانة على القتل أو التحريض عليه، والمسائل المختلف عليها أربع: أولها: الإعانة فى حالة التمالؤ. ثانيها: إمساك القتيل للقاتل. ثالثها: الأمر بالقتل. رابعها: الإكراه على القتل. أولاً: الإعانة فى حالة التمالؤ: ذكرنا قبلاً أن التمالؤ عند أبى حنيفة هو التوافق. وأن باقى الأئمة يرون التوافق قتلاً على الاجتماع لا تمالؤ فيه، وأن التمالؤ عندهم هو الاتفاق السابق على ارتكاب جريمة القتل، والفرق بين الحالتين أن المباشرين فى حالة الاتفاق يعتبر

стр. 901

كل منهم قاتلاً، ولو كان فعله بالذات غير قاتل، ما دام الموت كان نتيجة أفعال الجميع أما فى حالة التوافق فلا يعتبر المباشر قاتلاً إلا بشروط بيناها عند الكلام على القتل على الاجتماع. ولا خلاف فى أن القاتل فى الحالتين يقتص منه ولو تعدد المباشرون سواء كان اجتماعهم على القتل نتيجة اتفاق سابق أو توافق غير منتظر. ولكن الخلاف فى حكم من اتفق ولم يحضر القتل، أو أعان عليه ولم يباشره فأبو حنيفة والشافعى وأحمد يرون القصاص من المباشر فقط، وتعزير من لم يباشر. ومالك يرى قتل من حضر ولم يباشر ومن أعان ولم يباشر، كأن كان ربيئة أو حارسًا للأبواب، أما من اتفق ولم يحضر فعليه التعزير فى الراجح. ويشترط فيمن حضر أو من أعان أن يكونوا بحيث لو استعان بهم أعانوا، أو إذا لم يباشره أحد المتماثلين باشره الآخر فشرط القصاص إذن أن يكون المتمالئ غير المباشر فى محل الحادث أو على مقربه منه، وليس من الضرورى أن يباشر القتل بنفسه (١) . وقد جاء فى فتاوى ابن تيمية (٢) أمثلة على هذه الحالات المختلفة ففيها إذا اشترك جماعة فى قتل معصوم "أى محرم القتل" بحيث أنهم جميعًا لو باشروا قتله، وجب القود - أى القصاص - عليهم جميعًا، وإن كان بعضهم قد باشر وبعضهم قائم بحرس المباشر ويعاونه ففيها قولان: أحدهما: لا يجب القود إلا على المباشر، وهو قول أبى حنيفة والشافعى وأحمد، والثانى: يجب على الجميع وهو قول مالك. وجاء فى الفتاوى أيضًا: أنه إذا اشترك أولاد رجل مع أجنبى فى قتل والدهم جاز قتلهم جميعًا، فقتل المباشر باتفاق الأئمة، وأما الذين أعانوا بمثل إدخال الرجل إلى البيت ... الأبواب ونحو ذلك، ففى قتلهم قولان وقتلهم مذهب مالك

стр. 902

وغيره. وجاء فى الفتاوى أيضًا: إذا وعد رجل رجلاً آخر على قتل معصوم بمال معين فقتله وجب القتل على الموعود وأما الواعد فيجب أن يعاقب عقوبة تردعه وأمثاله عن مثل هذا وعند بعضهم يجب عليه القود. ثانيًا: إمساك القتيل للقاتل: إذا أمسك رجل آخر فجاء ثالث فقتله فلا مسئولية على الممسك إذا لم يمسكه بقصد القتل أو لم يكن يعلم أن القاتل سيقتله أما إذا أمسكه بقصد القتل فقتله الثالث فلا خلاف فى القصاص من الثالث أى مباشر القتل، ولكنهم اختلفوا فى الممسك على الوجه الذى سنبينه بعد. فمالك (١) يرى الممسك قصاصًا إذا أمسك القتيل لأجل القتل فقتله الطالب وهو يعلم أن الطالب سيقتله لأنه بإمساكه تسبب فى قتله ويشترط البعض أن يكون لولا الإمساك ما أدركه الطالب، ولا يشترط البعض هذا الشرط (٢) . فإن أمسكه ليضربه الطالب ضربًا معتادًا أو لم يعلم أنه يقصد قتله لعدم رؤيته آلة القتل معه مثلاً، أو كان قتله لا يتوقف على الإمساك فعقاب الممسك هو التعزير وليس القصاص. ويلحق مالك بالممسك الدال على القتيل إذا ثبت أنه لولا دلالته ما قتل المدلول عليه (٣) . ويرى أبو حنيفة (٤) والشافعى (٥) تعزير الممسك ولو أمسك المجنى عليه بقصد القتل وهو عالم بأنه سيقتل لأنه فعل الطالب مباشرة وفعل الممسك تسبب وقد تغلبت المباشرة على السبب وقطعت أثره كما أن السبب غير ملجئ. وفى مذهب أحمد (٦) رأيان: أولهما: يرى القصاص من الممسك، لأنه لو لم

стр. 903

يمسك القتيل ما قدر الطالب على قتله، فالقتل حاصل بفعلهما معًا فهما شريكان فيه وعليهما القصاص، وإذا كان فعل الطالب مباشرة وفعل الممسك تسببًا فإنهما قد تعادلا واشتركا فى إحداث الموت. وهذا الرأى يتفق مع مذهب مالك، وهو الرأى المرجوح فى مذهب أحمد. أما الرأى الثانى: فيرى أصحابه حبس الممسك حتى الموت، لما روى عن ابن عمر عن النبى ﵇ قال: "إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر يقتل الذى قتل ويحبس الذى أمسك لأنه حبسه إلى الموت" ولأن عليًا رضى الله عنه قضى بقتل القاتل وحبس الممسك حتى يموت. ويرى البعض أن مدة الحبس متروك تقديرها لولى الأمر، لأن الحبس نوع من التعزير وليس حدًا (١) . وإذا اعتبرنا الحبس تعزيرا لا حدًا، فإن الرأى الثانى فى مذهب أحمد يتفق مع مذهب أبى حنيفة والشافعى. ويفسر الفقهاء الإمساك بمعناه الأعم، فلا يقصرونه على الإمساك باليد؛ فيدخل تحته منع القتيل من مبارحة مكانه بأى وسيلة كانت حتى يتمكن منه القاتل، أو حبس القتيل فى مكان لا يستطيع الخروج منه، فإذا اتبع رجل آخر ليقتله فهرب منه فقابله ثالث فقطع رجله ثم أدركه الطالب فقتله فإن كان الثالث قطع رجله ليحبسه عن الهرب حتى يلحق به الطالب فحكمه حكم الممسك فيما يتعلق بالقتل لأنه حبسه بفعله على القتل، ثم هو مسئول بعد ذلك عن القطع عمدًا (٢) . ثالثًا: الأمر بالقتل: يفرق الفقهاء بين الأمر بالقتل والإكراه على القتل ففى الأمر بالقتل لا يكون المأمور مكرهًا على إتيان الجريمة فيأتيها مختارًا وإذا كان قد أمر بإتيانها فإن الأمر ليس له أثر على اختياره، وقد يكون الأمر ذا سلطان على المأمور كالأب يأمر ولده الصغير، والحاكم يأمر من هو

стр. 904

تحت إمرته، وقد لا يكون له سلطان عليه، وفى هذه الحالة الأخيرة يكون الأمر مجرد تحريض على إتيان الجريمة، ولكل حالة من هذه الحالات حكمها. فإذا كان المأمور غير مميز كالصبى أو المجنون، فيرى مالك والشافعى وأحمد القصاص من الآمر، لأنه هو المتسبب فى القتل، وإن كان المأمور هو الذى باشره فما هو إلا آلة للآمر يحركها كيف شاء (١) ، ولا يرى أبو حنيفة القصاص من الآمر لأنه تسبب فى القتل ولم يباشره والتسبب عند أبى حنيفة لا قصاص فيه. وإذا كان المأمور بالغًا عاقلاً ولا سلطان للآمر عليه، فيرى مالك والشافعى وأحمد القصاص من المأمور، أما الآمر فعليه التعزير ويرى مالك القصاص من الآمر أيضًا إذا حضر القتل، وهذا يتفق مع رأيه فى التمالؤ فإذا لم يحضره فعليه التعزير، وينبغى أن يلحق بحضور القتل الإعانة عليه لأن المعين عند مالك يقتص منه (٢) . وإذا كان المأمور بالغًا عاقلاً وكان للآمر سلطان عليه بحيث يخشى أن يقتله لو لم يطع الأمر، فيقتص من الآمر والمأمور معًا عند مالك لأن الأمر فى هذه الحالة يعتبر إكراهًا، فإن لم يكن المأمور يخشى القتل إذا لم يطع الأمر فالقصاص على المأمور وحده ويعزز الآمر إذا كان المأمور يعلم أن القتل بغير حق، فالقصاص على الآمر دون المأمور لأنه معذور فى طاعة الأمر، هذا إذا كان الأمر من حق الآمر كوال أو سلطان، فإن لم يكن من حقه فالقصاص على المأمور؛ لأن الطاعة لا تلتزمه ولأن الآمر ليس له الأمر بالقتل، بخلاف السلطان فله الأمر بالقتل وطاعته واجبة فى غير معصية (٣) . ويتفق رأى أحمد فيما سبق مع رأى مالك تماما الاتفاق (٤) ، ويتفق رأى الشافعى معهما كذلك إلا أنه فى المذهب رأيان فى المأمور فى حالة اعتبار الأمر

стр. 905

إكراهًا، أحدهما يرى أصحابه القصاص من الآمر دون المأمور، والثانى - وهو الأصح - يرى أصحابه القصاص منهما معًا (١) . وعند أبى حنيفة يقتص من الآمر فى حالة الإكراه فقط لأن المأمور كان معه كالآلة يحركها كيف يشاء فكأنه باشر القتل بنفسه، فإذا لم يكن الأمر إكراهًا فلا قصاص على الآمر لأنه لم يباشر القتل بنفسه أما المأمور فيقتص منه إذا لم يكن مكرهًا وكان الأمر صادرًا له ممن لا حق فيه، فإن كان صادرًا ممن يملكه فلا قصاص ولو كان المأمور يعلم أن الأمر غير محق لأن الأمر يكون شبهة تدرأ القصاص (٢) . رابعًا: الإكراه على القتل: تكلمنا عن الإكراه فى الجزء الأول من هذا الكتاب ولا نرى ما يدعو لتكرار القول، ولكننا نلخص آراء الفقهاء فى نوع عقوبة كل من الحامل - أى المكره - والمباشر، وذلك ما نحن فى حاجة إليه فى هذا المقام. مذهب مالك وأحمد والرأى الصحيح فى مذهب الشافعى على أن القصاص واجب على المكره، والمكره معًا؛ لأن الحامل - أى المكره - تسبب فى القتل بمعنًى يفضى إليه غالبًا، ولأن المباشر - أى المكرَه - قتل المجنى عليه ظلمًا لاستبقاء نفسه فأشبه ما إذا اضطر للأكل فقتله ليأكله، والقول بأنه ملجأ غير صحيح لأنه يستطيع أن يمتنع عن القتل ولكنه لم يفعل إبقاء على نفسه (٣) . وعند أبى حنيفة ومحمد أن القصاص يجب على الحامل دون المباشر؛ لقوله ﷺ "رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وعفو الشىء عفو عن موجبه، فظاهر الحديث يدل على أن الفعل المستكره عليه معفو عنه بالنسبة لمن باشره، ولأن الحامل هو القاتل معنًى وإن كان المباشر هو الذى قتل صورةً، إذ المباشر كان آلة للحامل يحركه كما يشاء (٤) وهذا الرأى يتفق مع الرأى الضعيف

стр. 906

فى مذهب الشافعى. ويرى زفر أن القصاص على المباشر فقط لأنه هو القاتل حقيقة حسًا ومشاهدة (١) . ويرى أبو يوسف أن لا قصاص على الحامل ولا على المباشر؛ لأن المكره مسبب للقتل ولا قصاص على متسبب، وإذا لم يجب القصاص على الحامل فأولى أن لا يجب على المباشر (٢) . التفرقة بين الفاعل والشريك: ونخلص مما سبق أن الفقهاء يفرقون بين المباشر للجريمة ومن اتفق أو أعان أو حرض عليها، فالمباشر هو من ارتكب الجريمة وحده أو مع غيره أو أتى عملاً من الأعمال المكونة للجريمة، ومن المتفق عليه أن عقوبة المباشر هى القصاص، أما من اتفق أو أعان أو حرض، أى من اشترك فى الجريمة، فحكمهم ليس واحدًا، فمن اتفق أو حرض فجزاؤه التعزير عند الأئمة عدا مالكًا، أما من أعان فجزاؤه القصاص عند مالك والتعزير عند باقى الأئمة. والقانون المصرى يفرق بين عقوبة المشاركين فى القتل وعقوبة الفاعلين الأصليين، إذ تنص المادة (٢٣٥) عقوبات على أن المشاركين فى القتل الذى يستوجب الحكم على فاعله بالإعدام يعاقبون بالإعدام أو بالأشغال الشاقة المؤبدة. أى أن القانون المصرى يخالف بين عقوبة الفاعل والشريك ولا يسوى بينهما، وهذه هى وجهة نظر الفقهاء فكأن نص القانون فى هذه المسألة تطبيق لنظرية فقهاء الشريعة، وإذا كان القانون قد أجاز الحكم بالإعدام فإن عقوبات التعزير من ضمنها عقوبة الإعدام. ١٥٧- هل يؤثر إعفاء أحد الفاعلين من القصاص على عقوبة الباقين؟: علمنا مما سبق أن تعدد القاتلين لا يمنع من الحكم عليهم بعقوبة القصاص جزاء على جريمة القتل العمد، ولكن يحدث أن يكون بين الفاعلين من لا يمكن نسبة القتل العمد إليه كمن يحدث بالمجنى عليه إصابة قاتلة خطًا أدت مع إصابات المتعمدين

стр. 907

إلى الوفاة، لذلك يحدث أن يكون بين الفاعلين من لا يمكن أن يعاقب بالقصاص طبقًا للقواعد كالصغير والمجنون فهل يؤثر إعفاء المخطئ والصغير والمجنون من عقوبة القصاص على مركز بقية الفاعلين فلا يقتص منهم أيضًا؟ ذلك ما سنفصله فيما يأتى: إن إعفاء أحد الفاعلين أو بعضهم من القصاص يرجع إلى حالتين لا ثالث لهما: الأولى: أن يكون الإعفاء راجعًا إلى صفة الفعل. الثانية: أن يكون الإعفاء راجعًا إلى صفة الفاعل. الحالة الأولى: امتناع القصاص لصفة فى الفعل: يمتنع القصاص عن الفاعل إذا لم يكن فعله موجبًا للقصاص كأن كان فعله قتلاً خطأ أو قتلاً شبه عمد، فإذا كان فعله هكذا قلنا إن القصاص امتنع عنه لصفة فى فعلة أو لعدم إيجاب الفعل للقصاص. وقد انقسم الفقهاء إزاء هذه الحالة قسمين: الأول يرى أن امتناع القصاص عن أحد الفاعلين لأن فعله لا يوجبه يستلزم منع القصاص عن بقية الفاعلين ولو كان فعلهم موجبًا للقصاص، كالعامد مع المخطئ فإن المخطئ لا يقتص منه أصلاً لأن فعله لا يوجب القصاص والعامد يقتص منه لأن فعله يوجب القصاص، ولكنهما إذا اشتركا معًا فى قتل امتنع القصاص عن العامد بامتناعه عن المخطئ لأنه من المحتمل أن يكون فعل المخطئ هو الذى أدى للقتل كما يحتمل أن يكون فعل العامد هو الذى أدى للقتل، وقيام هذا الاحتمال شبهة توجب درء الحد عن العامد تطبيقًا لقاعدة: ادرؤوا الحدود بالشبهات. وهذا الرأى هو مذهب أبى حنيفة والشافعى والرأى الراجح فى مذهبى مالك وأحمد (١) . والثانى يرى أن إعفاء أحد الفاعلين من عقوبة القصاص لأن فعله لا يوجبها لا يؤثر شيئًا على عقوبة القصاص التى يستحقها باقى الجناة بأفعالهم، وما دام أنهم

стр. 908

تشاركوا فى القتل عادين متعمدين فعليهم عقوبة القصاص؛ لأن كل إنسان يؤاخذ بفعله ولا أثر لفعل غيره عليه. وهذا هو الرأى المرجوح فى مذهبى مالك وأحمد. وقد اتفق الفريق الأول فى تطبيق القاعدة التى أقرها على العامد مع المخطئ فأجمع على عدم القصاص من شريك المخطئ ولو كان عامدًا، ولكنهم اختلفوا فيما عدا ذلك وأساس اختلافهم هو تطبيق القاعدة لا غير، فمنهم من رأى تطبيقها فى كل حالة لا يعاقب فيها أحد الشركاء وهؤلاء هم الحنفية أو بعض فقهاء المذاهب الأخرى، ومنهم من رأى تطبيقها فقط إذا كان فعل المعفى غير متعمد فإن كان متعمدًا فلا تنطبق القاعدة. ومن المسائل التى اختلفوا عليها شريك نفسه وشريك السبع، فأبو حنيفة يرى أن لا قصاص على الشريك لأنه شارك من لا يجب عليه القصاص فلا يلزمه القصاص كشريك المخطئ، ويرى هذا الرأى أيضًا بعض فقهاء المذاهب الثلاثة، أما البعض الآخر فيرى القصاص على الشريك لأنه شارك من فعله عمد. الحالة الثانية: امتناع القصاص لصفة فى الفاعل: تختلف هذه الحالة عن الحالة الأولى فى أن القصاص هنا يمتنع عن أحد القاتلين لصفة فيه لا لصفة فى الفعل، وهذه الصفة المتوفرة فى الفاعل يترتب عليها شرعًا أن لا يعاقب بالقصاص، ومثال ذلك اشتراك الأب فى قتل ولده مع أجنبى فإن الأب لا يقتص منه لقتل ولده لصفة الأبوة القائمة فيه. ومثاله أيضًا أن يقطع شخص يد آخر قصاصًا أو دفاعًا عن نفسه فيجئ ثالث ويجرح المقطوع جرحًا يؤدى مع القطع إلى موته، فإن المقتص أو الدافع لا قصاص عليهما لصفة القصاص والدفاع المتوفرة فيهما والتى يترتب عليها شرعًا امتناع القصاص منهما. وقد اختلف الفقهاء فى حكم هذه الحالة أيضًا: فأبو حنيفة يرى أن امتناع القصاص فى حق أحد الشركاء يترتب عليه منع القصاص فى حق الآخرين لاحتمال أن يكون القتل من فعل المعفى من القصاص وهذا الاحتمال شبهة تدرأ الحد عمن

стр. 909

يجب عليهم القصاص. ولأحمد رواية مرجوحة فى المذهب تتفق مع هذا الرأى. ومن هذا الرأى أيضًا بعض فقهاء مذهب مالك (١) . ويرى الشافعى وفريق من فقهاء مذهب مالك ومذهب أحمد (٢) أن إعفاء أحد الشركاء من القصاص لا يمنع القصاص عن الآخرين؛ لأن القصاص امتنع عن الشريك لمعنًى يخصه ولا يتوفر فى باقى الشركاء فلا يتعدى إليهم ما دام أنه غير قائم فيهم. ولكن أصحاب هذا الرأى اختلفوا فى الصبى والمجنون، فبعضهم يرى أن شريك الصبى والمجنون لا يقتص منه والقائلون بهذا ينظرون إلى فعل الصبى والمجنون ويقولون إن من المتفق عليه بين أغلب الفقهاء أن عمد الصبى والمجنون خطأ فإذا كان فعلهما يوصف بأنه خطأ ولا قصاص فى الخطأ فشريكهما يأخذ حكم العامد مع المخطئ ولا يقتص منه. فهذا الفريق يغلب صفة الفعل على صفة الفاعل. والفريق الثانى يأخذ برأى الشافعى وهو أن عمد الصبى والمجنون عمد ويرى أن الإعفاء من القصاص أساسه صفة الفاعل وإذن فلا يستفيد منه الشريك. والفريق الثالث يرى أن العبرة بفعل الشريك فما دام أنه تعمد الفعل وجبت عليه عقوبة العامد دون النظر إلى فعل شريكه أو صفته (٣) . ١٥٨- رابعًا: القتل بالتسبب: يرى أبو حنيفة دون غيره من الأئمة أن القتل بالتسبب لا وجب الحكم بالقصاص لأن القصاص قتل بطريق المباشرة فيجب أن يكون الفعل المقتص عنه قتل بطريق المباشرة ما دام أن أساس عقوبة القصاص المماثلة فى الفعل (٤) ، ويوجب الدية بدلاً من القصاص. ولكن الأئمة الثلاثة لا يرون فرقًا بين القتل بالتسبب والقتل المباشر فكلاهما قتل يعاقب عليه بالقصاص، ورأيهم يتفق مع القانون المصرى وغيره من القوانين الوضعية.

стр. 910

١٥٩- خامسًا: أن يكون الولى مجهولاً: إذا كان ولى القتيل مجهولاً لا يجب الحكم بالقصاص فى رأى أبى حنيفة؛ لأن وجوب القصاص وجوب للاستيفاء والاستيفاء من المجهول متعذر فتعذر الإيجاب له (١) . ويخالف فى ذلك باقى الأئمة. ١٦٠- سادسًا: أن لا يكون القتل فى دار الحرب: يرى أبو حنيفة أن لا قصاص من القاتل إذا كان القتل فى دار الحرب، وهو يفرق بين حالتين: حالة ما إذا كان القتيل من أهل دار الحرب ثم أسلم ولم يهاجر إلى دار الإسلام، وحالة ما إذا كان القتيل من دار الإسلام ولكنه دخل دار الحرب بإذن كالتاجر أو مضطرًا كالأسير، ففى الحالة الأولى لا عقاب على القاتل، وفى الحالة الثانية عليه الدية فى حالة التاجر ولا تجب عليه فى حالة الأسير، ويخالفه فى هذا محمد وأبو يوسف وأساس التفرقة بين الحالين أن العصمة فى الحالة الأولى محل شبهة لأن القتيل وإن كان مسلمًا فهو من أهل دار الحرب لقوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ٩٢] فكونه من أهل دار الحرب أورث شبهة فى عصمته، ولأنه إذا لم يهاجر إلينا مكثر سواد الكفار ومن كثر سواد قوم فهو منهم على لسان رسول الله، وهو وإن لم يكن منهم دينًا فهو منهم دارًا، والخلاصة إن إسلامه لا يعصمه لأن العصمة عند أبى حنيفة لا تكون بالإسلام فقط وإنما بالإسلام وبمنعة الدار. أما الحالة الثانية فليس فيها قصاص لأن الجريمة وقعت فى مكان لا ولاية للمسلمين عليه، والحدود يشترط للحكم بها عند أبى حنيفة القدرة على الاستيفاء وقت وقوع الجريمة (٢) . أما مالك والشافعى وأحمد فيرون القصاص من القاتل سواء كان القتيل فى دار الإسلام أو فى دار الحرب، وسواء هاجر المقتول من دار الحرب أو لم يهاجر ما دام القاتل قد قتل وهو يعلم بإسلام القتيل لأنه قتل معصومًا بالإسلام ظلمًا (٣) .

стр. 911

١٦١- مدى لزوم القصاص: وعقوبة القصاص لازمة إلا إذا رأى ولى القتيل العفو فإن عفا فلا قصاص. ومن المتفق عليه بين الفقهاء أن لولى القتيل أن يقتص من القاتل أو يعفو عنه إما على الدية أو مجانًا، ولكنهم اختلفوا فى حالة ما إذا عفا الولى عن القصاص على أن يأخذ الدية، فرأى مالك وأبو حنيفة أن عفو الولى لا يلزم الجانى بالدية إلا إذا قبل أن يدفعها فى مقابل العفو، عنه ورأى الشافعى وأحمد أن عفو الولى عن القصاص إلى الدية ملزم للجانى ولو كان العفو بغير رضاه. وأساس الاختلاف أن مالكًا وأبا حنيفة يريان أن القصاص واجب عينًا بينما الشافعى وأحمد يريان أن القصاص ليس واجبًا عينًا وأن الواجب هو أحد الشيئين غير عين؛ إما القصاص وإما الدية وللولى خيار التعيين إن شاء استوفى القصاص وإن شاء أخذ الدية من غير توقف على رضاء القاتل وعلى اعتبار التعزير بدلاً من الدية. ويترتب على اعتبار الدية والتعزير بدلاً من القصاص نتيجتان: أولاهما: أنه لا يجوز للقاضى أن يجمع بين عقوبة وبدلها جزاء عن فعل واحد سواء كانت العقوبة المبدل بها عقوبة أصلية أو بدلاً من عقوبة أصلية لأن الجمع بين البدل والمبدل يتنافى مع طبيعة الاستبدال، ولكن يجوز الجمع بين عقوبتين بدليتين كما يجوز الجمع بين عقوبتين أصليتين فمن ارتكب جريمة قتل لا يجوز الحكم عليه بالقصاص والدية أو القصاص والتعزير؛ لأن الدية والتعزير كلاهما بدل من القصاص فلا يحكم بهما إلا إذا امتنع الحكم به، فإذا امتنع الحكم بالقصاص جاز الحكم بالدية والتعزير مجتمعين أو منفردين لأن كلاهما بدل من القصاص، كما يجوز الجمع بين القصاص وبين الكفارة وكلاهما عقوبة أصلية. ويجوز الجمع بين العقوبة البدلية والعقوبة الأصلية مع بقاء القاعدة سليمة وذلك إذا تعددت الأفعال ولم تكن العقوبة البدلية المحكوم بها بدلاً عن عقوبة أصلية محكوم بها، كمن قتل ثلاثة أشخاص فحكم عليه بالقصاص لقتل أحدهم، وبالدية لقتل الثانى لوجود مانع عن الحكم بالقصاص كأن كان القتيل ولد القاتل، وبالتعزير لقتل الثالث لامتناع الحكم بالقصاص والدية كأن عفا ولى القتيل عن القاتل عفوًا

стр. 912

مطلقًا، ففى هذه الحالة اجتمع القصاص مع الدية والتعزير والأول عقوبة أصلية وكل من الثانى والثالث عقوبة بدلية وقد جاز الجمع لأن العقوبات المحكوم بها ليس فيها عقوبة بدلاً من أخرى وإنما العقوبة البدلية تمثل عقوبة لم يحكم بها. ١٦٢- تعدد القتلى: وتظهر أهمية التفرقة بين هذين الرأيين المختلفين فى حالة تعدد القتلى إذا كان القاتل واحدًا. فمالك وأبو حنيفة يريان أن الواحد إذا قتل جماعة قتل بهم قصاصًا ولا يجب مع القتل شئ من المال، سواء كان الجانى قتلهم مرة واحدة أو قتلهم على التعاقب، وسواء كان الأولياء قد طلبوا كلهم قتله أو طلب بعضهم قتله وطلب بعضهم الدية، وإن بادر أحد الأولياء فقتل الجانى قبل إبداء الآخرين رأيهم فقد سقط حق الباقين فى القصاص ولا دية لهم، وهذا تطبيق دقيق للقول بأن القصاص يجب عينًا، لأن حق الجميع تعلق بالقصاص فإذا قتل الجانى فقد استوفوا حقهم كاملاً وليس لأحدهم أن يطالب بالدية، لأن تنازله عن القصاص لا قيمة له ما دام أحد الأولياء يريد القصاص، وإنما تجب الدية بدلاً من القصاص إذا امتنع القصاص، وهنا لا يمكن امتناعه ما دام أحد الأولياء يطلبه، لأن محل القصاص واحد بالنسبة للجميع (١) . ويرى الشافعى (٢) أن حقوق الأولياء لا تتداخل، فإن قتل الجانى واحدًا بعد واحد اقتص منه للأول لأن له مزية بالسبق، وإن سقط حق الأول بالعفو اقتص للثانى، وإن سقط حق الثانى اقتص للثالث، وهكذا. وإذا اقتص من الجانى لواحد بعينه تعين حق الباقين فى الدية؛ لأن القصاص فاتهم بغير رضاهم فانتقل حقهم إلى الدية كما لو مات القاتل، وإن قتلهم دفعة واحدة أو أشكل الحال، أقرع بينهم فمن خرجت له القرعة اقتص له؛ لأنه لا مزية لبعضهم على بعض فقدم بالقرعة، وإن عفا عمن خرجت له القرعة أعيدت القرعة للباقين لتساويهم،

стр. 913

وإن ثبت القصاص لواحد منهم بالسبق أو القرعة فبادر غيره واقتص صار مستوفيًا لحقه، وإن أساء فى التقدم على من هو أحق منه. واختلف فقهاء مذهب الشافعى فى المحارب الذى قتل جماعة فى المحاربة، فرأى البعض أن الحكم هو ما سبق، كما لو قتلهم فى غير المحاربة. ورأى البعض أنه يقتل بالجميع لأن القتيل فى المحاربة حق الله تعالى ولا يسقط بالعفو فتتداخل العقوبات، بعكس ما إذا كانت حقًا لآدميين فإنها لا تتداخل. ويتفق مذهب أحمد مع مذهب الشافعى ولا يختلف معه إلا فى أنه يجيز للأولياء أن يتفقوا على قتل القاتل، فإذا اتفق اثنان أو أكثر على قتله قتل وليس لهم غير ذلك، وإن أراد البعض القود والبعض الدية، قُتل لمن أراد القود وأُعطى الباقون الدية، وحجته فى ذلك أن محل القصاص وهو القاتل تعلقت به حقوق لا يتسع لها معًا، فإذا اكتفى المستحقون بمحل القصاص فيكتفى به. فأساس فكرته أنه ما دام المستحقون قد اكتفوا بالقصاص فقد تنازلوا عما عداه (١) . وإن قطع يد رجل ثم قتل آخر فسرى القطع إلى النفس - أى نفس المقطوع اليد - فمات فهو قاتل لهما، ويقتص منه أولاً عن قتله، لأن وجوب القتل عليه أسبق، إذ القطع لم يصح قتلاً إلا بالسراية وهى متأخرة عن قتل الآخر، لكن لما كان استيفاء القطع ممكنًا وكان فى القتل تفويت للقصاص من القطع، فيستوفى القطع قبل القتل، ولولى المقطوع نصف الدية عند الشافعى وأحمد، ولا شئ له عند مالك وأبى حنيفة، وإذا لم يسر القطع - أى قطع اليد - إلى النفس فيقتص للقطع أولاً، سواء تقدم القطع القتل أو تأخر عنه وهذا متفق عليه عند أحمد وأبى حنيفة والشافعى، ويرى مالك أن يقتل فى كل الأحوال ولا يقطع لأنه بالقتل يتلف الطرف فيسقط القصاص بتلف محله (٢) ، وكذلك الحكم لو تأخر القطع عن القتل.

стр. 914

وأساس الاختلاف فى هذا كله هو اختلافهم فى العقوبة الواجبة بالقتل العمد، فأبو حنيفة ومالك يريان - كما قلنا من قبل - أن الواجب هو القصاص عينًا وأن عفو ولى القتيل لا يلزم الجانى بالدية إلا إذا رضى الجانى بذلك، والشافعى وأحمد يريان أن الواجب بالقتل العمد أحد شيئين: القصاص أو الدية، ولولى القتيل أن يختار أى العقوبتين شاء دون حاجة لموافقة الجانى. * * * استيفاء القصاص فى القتل ١٦٣- مستحق القصاص: عند مالك: العاصبُ الذكَر، فلا دخل فيه لزوج، ولا لأخ لأم، ولا لجد لأم، ويقدم الابن فابن الابن، ثم يليهم الأقرب فالأقرب من العَصبَة والجد والاخوة سواء فى ولاية القصاص، ويعتبر كلاهما فى مرتبة الآخر. وأبناء الاخوة أقل مرتبة من الجد، لأنه بمنزلة أبيهم، والمراد بالجد الجد القريب فهو الذى يتساوى مع الاخوة فى الدرجة، أما الجد العالى فلا شأن له مع الاخوة كما أن بنى الاخوة لا شأن لهم مع الجد القريب (١) . ويستحق القصاص عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد الورثة الذين يرثون مال القتيل رجالاً ونساء، ولا يشترط لاستحقاقهم القصاص أن يرثوا شيئًا فعلاً، فمن قُتل وعليه دين محيط بتركته أو لم يترك شيئًا، فالقصاص لوارثيه الذين كان يحتمل أن يرثوه لو ترك شيئًا (٢) . وعند مالك: ترث المرأة القصاص إذا توفرت فيها شروط ثلاثة: أولاً: أن تكون وارثة كبنت أو أخت. ثانيًا: أن لا يساويها عاصب فى الدرجة بأن لم يوجد أصلاً أو وُجد أنزلُ منها درجة كالعم مع البنت أو الأخت، وعلى هذا تخرج البنت مع الابن، والأخت مع الأخ فلا كلام لواحدة

стр. 915

منهما معه فى عفو ولا قود، بخلاف الأخت الشقيقة مع الأخ لأب، فلها الكلام معه، لأنه وإن ساواها فى الدرجة أنزل منها فى القوة. ثالثًا: أن تكون بحيث لو كان فى درجتها رجل ورث بالتعصيب، وعلى هذا تخرج الأخت للأم والزوجة والجدة للأم (١) . ١٦٤- هل يملك الوارث حق القصاص على سبيل الشركة أم على سبيل الكمال؟: إذا كان الوارث واحدًا فهو يملك القصاص على سبيل الكمال إذ لا شريك له فيه، أما إذا تعدد الورثة فهناك نظريتان: النظرية الأولى: ويقول بها مالك وأبو حنيفة، وهى قول لأحمد، وتقوم على أن القصاص حق كل وارث على سبيل الكمال لا على سبيل الشركة. وحجتهم أن المقصود من القصاص فى القتل هو التشفى، وأن الميت لا يتشفى ولكن الورثة هم الذين يتشفون فهو حقهم ابتداء، أى أن القتيل لا يثبت له حق القصاص، وأن القتيل لا يثبت له هذا الحق ما دام حيًا ولكنه يثبت بوفاته فإذا ثبت لم يكن القتيل أهلاً لتملك الحقوق، فيثبت الحق للورثة ابتداء، ويثبت لكل وارث على سبيل الكمال، كأن ليس معه غيره لأنه حق لا يتجزأ، والشركة فيما لا يتجزأ محال، إذ الشركة المعقولة هى أن يكون البعض لهذا والبعض لذاك كشريك الأرض والدار، ولكن ذلك محال فيما لا يتبعض، والأصل أن ما لا يتجزأ من الحقوق إذا ثبت لجماعة وقد وجد سبب ثبوته فى حق كل واحد منهم يثبت لكل واحد منهم على سبيل الكمال كأن ليس معه غيره، كولاية النكاح (٢) .
следующие страницы →