١٦١- مدى لزوم القصاص: وعقوبة القصاص لازمة إلا إذا رأى ولى القتيل العفو فإن عفا فلا قصاص. ومن المتفق عليه بين الفقهاء أن لولى القتيل أن يقتص من القاتل أو يعفو عنه إما على الدية أو مجانًا، ولكنهم اختلفوا فى حالة ما إذا عفا الولى عن القصاص على أن يأخذ الدية، فرأى مالك وأبو حنيفة أن عفو الولى لا يلزم الجانى بالدية إلا إذا قبل أن يدفعها فى مقابل العفو، عنه ورأى الشافعى وأحمد أن عفو الولى عن القصاص إلى الدية ملزم للجانى ولو كان العفو بغير رضاه. وأساس الاختلاف أن مالكًا وأبا حنيفة يريان أن القصاص واجب عينًا بينما الشافعى وأحمد يريان أن القصاص ليس واجبًا عينًا وأن الواجب هو أحد الشيئين غير عين؛ إما القصاص وإما الدية وللولى خيار التعيين إن شاء استوفى القصاص وإن شاء أخذ الدية من غير توقف على رضاء القاتل وعلى اعتبار التعزير بدلاً من الدية.
ويترتب على اعتبار الدية والتعزير بدلاً من القصاص نتيجتان: أولاهما: أنه لا يجوز للقاضى أن يجمع بين عقوبة وبدلها جزاء عن فعل واحد سواء كانت العقوبة المبدل بها عقوبة أصلية أو بدلاً من عقوبة أصلية لأن الجمع بين البدل والمبدل يتنافى مع طبيعة الاستبدال، ولكن يجوز الجمع بين عقوبتين بدليتين كما يجوز الجمع بين عقوبتين أصليتين فمن ارتكب جريمة قتل لا يجوز الحكم عليه بالقصاص والدية أو القصاص والتعزير؛ لأن الدية والتعزير كلاهما بدل من القصاص فلا يحكم بهما إلا إذا امتنع الحكم به، فإذا امتنع الحكم بالقصاص جاز الحكم بالدية والتعزير مجتمعين أو منفردين لأن كلاهما بدل من القصاص، كما يجوز الجمع بين القصاص وبين الكفارة وكلاهما عقوبة أصلية.
ويجوز الجمع بين العقوبة البدلية والعقوبة الأصلية مع بقاء القاعدة سليمة وذلك إذا تعددت الأفعال ولم تكن العقوبة البدلية المحكوم بها بدلاً عن عقوبة أصلية محكوم بها، كمن قتل ثلاثة أشخاص فحكم عليه بالقصاص لقتل أحدهم، وبالدية لقتل الثانى لوجود مانع عن الحكم بالقصاص كأن كان القتيل ولد القاتل، وبالتعزير لقتل الثالث لامتناع الحكم بالقصاص والدية كأن عفا ولى القتيل عن القاتل عفوًا
стр. 912
مطلقًا، ففى هذه الحالة اجتمع القصاص مع الدية والتعزير والأول عقوبة أصلية وكل من الثانى والثالث عقوبة بدلية وقد جاز الجمع لأن العقوبات المحكوم بها ليس فيها عقوبة بدلاً من أخرى وإنما العقوبة البدلية تمثل عقوبة لم يحكم بها.
١٦٢- تعدد القتلى: وتظهر أهمية التفرقة بين هذين الرأيين المختلفين فى حالة تعدد القتلى إذا كان القاتل واحدًا. فمالك وأبو حنيفة يريان أن الواحد إذا قتل جماعة قتل بهم قصاصًا ولا يجب مع القتل شئ من المال، سواء كان الجانى قتلهم مرة واحدة أو قتلهم على التعاقب، وسواء كان الأولياء قد طلبوا كلهم قتله أو طلب بعضهم قتله وطلب بعضهم الدية، وإن بادر أحد الأولياء فقتل الجانى قبل إبداء الآخرين رأيهم فقد سقط حق الباقين فى القصاص ولا دية لهم، وهذا تطبيق دقيق للقول بأن القصاص يجب عينًا، لأن حق الجميع تعلق بالقصاص فإذا قتل الجانى فقد استوفوا حقهم كاملاً وليس لأحدهم أن يطالب بالدية، لأن تنازله عن القصاص لا قيمة له ما دام أحد الأولياء يريد القصاص، وإنما تجب الدية بدلاً من القصاص إذا امتنع القصاص، وهنا لا يمكن امتناعه ما دام أحد الأولياء يطلبه، لأن محل القصاص واحد بالنسبة للجميع (١) .
ويرى الشافعى (٢) أن حقوق الأولياء لا تتداخل، فإن قتل الجانى واحدًا بعد واحد اقتص منه للأول لأن له مزية بالسبق، وإن سقط حق الأول بالعفو اقتص للثانى، وإن سقط حق الثانى اقتص للثالث، وهكذا. وإذا اقتص من الجانى لواحد بعينه تعين حق الباقين فى الدية؛ لأن القصاص فاتهم بغير رضاهم فانتقل حقهم إلى الدية كما لو مات القاتل، وإن قتلهم دفعة واحدة أو أشكل الحال، أقرع بينهم فمن خرجت له القرعة اقتص له؛ لأنه لا مزية لبعضهم على بعض فقدم بالقرعة، وإن عفا عمن خرجت له القرعة أعيدت القرعة للباقين لتساويهم،
стр. 913
وإن ثبت القصاص لواحد منهم بالسبق أو القرعة فبادر غيره واقتص صار مستوفيًا لحقه، وإن أساء فى التقدم على من هو أحق منه.
واختلف فقهاء مذهب الشافعى فى المحارب الذى قتل جماعة فى المحاربة، فرأى البعض أن الحكم هو ما سبق، كما لو قتلهم فى غير المحاربة. ورأى البعض أنه يقتل بالجميع لأن القتيل فى المحاربة حق الله تعالى ولا يسقط بالعفو فتتداخل العقوبات، بعكس ما إذا كانت حقًا لآدميين فإنها لا تتداخل.
ويتفق مذهب أحمد مع مذهب الشافعى ولا يختلف معه إلا فى أنه يجيز للأولياء أن يتفقوا على قتل القاتل، فإذا اتفق اثنان أو أكثر على قتله قتل وليس لهم غير ذلك، وإن أراد البعض القود والبعض الدية، قُتل لمن أراد القود وأُعطى الباقون الدية، وحجته فى ذلك أن محل القصاص وهو القاتل تعلقت به حقوق لا يتسع لها معًا، فإذا اكتفى المستحقون بمحل القصاص فيكتفى به. فأساس فكرته أنه ما دام المستحقون قد اكتفوا بالقصاص فقد تنازلوا عما عداه (١) .
وإن قطع يد رجل ثم قتل آخر فسرى القطع إلى النفس - أى نفس المقطوع اليد - فمات فهو قاتل لهما، ويقتص منه أولاً عن قتله، لأن وجوب القتل عليه أسبق، إذ القطع لم يصح قتلاً إلا بالسراية وهى متأخرة عن قتل الآخر، لكن لما كان استيفاء القطع ممكنًا وكان فى القتل تفويت للقصاص من القطع، فيستوفى القطع قبل القتل، ولولى المقطوع نصف الدية عند الشافعى وأحمد، ولا شئ له عند مالك وأبى حنيفة، وإذا لم يسر القطع - أى قطع اليد - إلى النفس فيقتص للقطع أولاً، سواء تقدم القطع القتل أو تأخر عنه وهذا متفق عليه عند أحمد وأبى حنيفة والشافعى، ويرى مالك أن يقتل فى كل الأحوال ولا يقطع لأنه بالقتل يتلف الطرف فيسقط القصاص بتلف محله (٢) ، وكذلك الحكم لو تأخر القطع عن القتل.
стр. 914
وأساس الاختلاف فى هذا كله هو اختلافهم فى العقوبة الواجبة بالقتل العمد، فأبو حنيفة ومالك يريان - كما قلنا من قبل - أن الواجب هو القصاص عينًا وأن عفو ولى القتيل لا يلزم الجانى بالدية إلا إذا رضى الجانى بذلك، والشافعى وأحمد يريان أن الواجب بالقتل العمد أحد شيئين: القصاص أو الدية، ولولى القتيل أن يختار أى العقوبتين شاء دون حاجة لموافقة الجانى.
* * *
استيفاء القصاص فى القتل
١٦٣- مستحق القصاص: عند مالك: العاصبُ الذكَر، فلا دخل فيه لزوج، ولا لأخ لأم، ولا لجد لأم، ويقدم الابن فابن الابن، ثم يليهم الأقرب فالأقرب من العَصبَة والجد والاخوة سواء فى ولاية القصاص، ويعتبر كلاهما فى مرتبة الآخر. وأبناء الاخوة أقل مرتبة من الجد، لأنه بمنزلة أبيهم، والمراد بالجد الجد القريب فهو الذى يتساوى مع الاخوة فى الدرجة، أما الجد العالى فلا شأن له مع الاخوة كما أن بنى الاخوة لا شأن لهم مع الجد القريب (١) . ويستحق القصاص عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد الورثة الذين يرثون مال القتيل رجالاً ونساء، ولا يشترط لاستحقاقهم القصاص أن يرثوا شيئًا فعلاً، فمن قُتل وعليه دين محيط بتركته أو لم يترك شيئًا، فالقصاص لوارثيه الذين كان يحتمل أن يرثوه لو ترك شيئًا (٢) .
وعند مالك: ترث المرأة القصاص إذا توفرت فيها شروط ثلاثة: أولاً: أن تكون وارثة كبنت أو أخت. ثانيًا: أن لا يساويها عاصب فى الدرجة بأن لم يوجد أصلاً أو وُجد أنزلُ منها درجة كالعم مع البنت أو الأخت، وعلى هذا تخرج البنت مع الابن، والأخت مع الأخ فلا كلام لواحدة
стр. 915
منهما معه فى عفو ولا قود، بخلاف الأخت الشقيقة مع الأخ لأب، فلها الكلام معه، لأنه وإن ساواها فى الدرجة أنزل منها فى القوة. ثالثًا: أن تكون بحيث لو كان فى درجتها رجل ورث بالتعصيب، وعلى هذا تخرج الأخت للأم والزوجة والجدة للأم (١) .
١٦٤- هل يملك الوارث حق القصاص على سبيل الشركة أم على سبيل الكمال؟: إذا كان الوارث واحدًا فهو يملك القصاص على سبيل الكمال إذ لا شريك له فيه، أما إذا تعدد الورثة فهناك نظريتان:
النظرية الأولى: ويقول بها مالك وأبو حنيفة، وهى قول لأحمد، وتقوم على أن القصاص حق كل وارث على سبيل الكمال لا على سبيل الشركة. وحجتهم أن المقصود من القصاص فى القتل هو التشفى، وأن الميت لا يتشفى ولكن الورثة هم الذين يتشفون فهو حقهم ابتداء، أى أن القتيل لا يثبت له حق القصاص، وأن القتيل لا يثبت له هذا الحق ما دام حيًا ولكنه يثبت بوفاته فإذا ثبت لم يكن القتيل أهلاً لتملك الحقوق، فيثبت الحق للورثة ابتداء، ويثبت لكل وارث على سبيل الكمال، كأن ليس معه غيره لأنه حق لا يتجزأ، والشركة فيما لا يتجزأ محال، إذ الشركة المعقولة هى أن يكون البعض لهذا والبعض لذاك كشريك الأرض والدار، ولكن ذلك محال فيما لا يتبعض، والأصل أن ما لا يتجزأ من الحقوق إذا ثبت لجماعة وقد وجد سبب ثبوته فى حق كل واحد منهم يثبت لكل واحد منهم على سبيل الكمال كأن ليس معه غيره، كولاية النكاح (٢) .
стр. 916
النظرية الثانية: ويقول بها الشافعى وأحمد، وأبو يوسف ومحمد من فقهاء المذهب الحنفى، وتقوم على أن القصاص حق كل وارث على سبيل الشركة. وحجتهم أن القصاص يجب بالجناية، وأنها وقعت على المقتول فكان ما يجب بها حقًا له، إلا أنه بالموت عجز عن استيفاء حقه بنفسه، فيقوم الورثة مقامه بطريق الإرث عنه ويكون القصاص مشتركًا بينهم (١) .
وأهمية الخلاف تظهر إذا ورث القصاص كبير أو صغير. فطبقًا للنظرية الأولى يكون للكبير حق الاستيفاء دون حاجة لانتظار بلوغ الصغير؛ لأن القصاص حق كل وارث على سبيل الاستقلال فلا معنى لتوقف الاستيفاء على بلوغ الصغير. وطبقًا للنظرية الثانية ليس للكبير أن ينفرد بالقصاص وعليه أن ينتظر بلوغ الصغير؛ لأن حق القصاص مشترك بينهما، وليس لأحد الشريكين أن ينفرد بالتصرف فى حق مشترك دون رضاء شريكه.
١٦٥- وإذا لم يكن للقتيل ولى فمن المتفق عليه أن السلطان يتولى القصاص: لأن السلطان ولى من لا ولى له. ولكن أبا يوسف يرى أن السلطان ليس له أن يقتص إذا كان المقتول من أهل دار الإسلام، وله أن يأخذ الدية وحجته فى ذلك أن المقتول من أهل دار الإسلام لا يخلو عن ولى عادة إلا أنه لا يعرف، ولا ولاية للسلطان إلا إذا انعدم الولى الوارث، بخلاف الحربى إذا دخل دار الإسلام فأسلم لأن الظاهر أن لا ولى له فى دار الإسلام (٢) .
١٦٦- من يلى الاستيفاء؟: يختلف الحكم فى هذه المسألة بحسب ما إذا كان مستحق القصاص واحدًا أو أكثر.
стр. 917
١٦٧- فإذا استحق القصاص واحد وكان كبيرًا فله أن يستوفيه إن شاء: لقوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّى القَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] ولوجود سبب الولاية فى حقه على الكمال، وهو وراثة القصاص دون مزاحم.
أما إذا كان مستحق القصاص صغيرًا أو مجنونًا: فيرى الشافعى (١) وأحمد (٢) انتظار بلوغ الصبى وإفاقة المجنون إلا أنه إذا كانت إفاقة المجنون ميئوسًا منها قام وليه مقامه (٣) لأن القود للتشفى، ولا يحصل باستيفائه بمعرفة ولى الصبى أو المجنون ولا بمعرفة الحاكم. وفى مذهب أبى حنيفة (٤) رأيان: أحدهما: يرى أصحابه ما يراه الشافعى وأحمد. وثانيهما: يرى أصحابه أن يقوم القاضى أو الحاكم بالاستيفاء دون حاجة لانتظار بلوغ الصبى أو إفاقة المجنون. ويرى مالك (٥) أن لولى الصغير والمجنون ووصيهما الاستيفاء نيابة عنهما فلا حاجة لانتظار البلوغ أو الإفاقة.
ويرى أبو حنيفة أن الأب والجد يستوفيان القصاص الواجب للصغير دون الوصى، لأن ولايتهما ولاية نظر ومصلحة.
أما أبو يوسف فيرى الانتظار، ومالك يرى الاستيفاء للوصى والوالى.
سلطة ولى الصغير والمجنون: ومن يعطى الولى حق الاستيفاء عن الصغير والمجنون يعطيه حق الصلح أو العفو عن القصاص على مال بشرط أن لا يقل عن الدية، وأن يكون أصلح من القصاص للصغير، أو على الأقل تتساوى مصلحة القصاص بمصلحة العفو، فإن صالح أو عفا على أقل من الدية كان للصغير بعد بلوغه الرجوع على القاتل بما نقص من الدية، ما لم يكن القاتل معسرًا وقت الصلح كما يرى مالك. وليس للولى أن يتنازل عن القصاص مجانًا، فإن فعل فتنازله باطل (٦) .
стр. 918
ومن لا يعطى الولى حق الاستيفاء يعطى ولى المجنون حق العفو عن القصاص إلى الدية، بشرط أن يكون المجنون محتاجًا إلى النفقة، فإن لم يكن محتاجًا فالعفو باطل كما لو عفا على غير مال. أما الصبى فقد اختلفوا فى شأنه: فأجاز بعضهم أن يكون للولى حق العفو عن القصاص إلى الدية إذا كان محتاجًا إلى النفقة ولم يجز البعض الآخر ذلك للولى. وأساس التفرقة بين الصبى والمجنون أن بلوغ الصبى ينتظر بعد وقت معين ولكن إفاقة المجنون ليس لها وقت ينتظر (١) . وأبو حنيفة لا يعطى ولى الصغير والمعتوه حق العفو لأن العفو لا يكون إلا من صاحب الحق والحق للصغير والمعتوه وليس لهما، وإنما لهما ولاية استيفاء حق وهب للصغير، وولايتهما مقيدة بالنظر للصغير والعفو ضرر محض لأنه إسقاط حق أصلاً ورأيًا فلا يملكانه وإنما لهما حق الصلح على مال. وأبو حنيفة متأثر فى هذا بنظريته التى تقضى بأن حق الولى فى القصاص عينًا وأن العفو للدية يقتضى رضاء الجانى، ويظهر أن أبا حنيفة يرى أن العفو لا يكون عفوًا ما دام متوقفًا على رضاء الجانى وإنما يكون صلحًا ولذلك فهو لا يتكلم إلا عن العفو المطلق دون قيد. أما عند مالك فيعتبرون التنازل عن القصاص إلى الدية عفوًا ولو أن الأمر معلق على رضاء الجانى، ويعبر عنه هكذا ويعبر عنه أكثر الشراح بالصلح، ومن عبر عنه بالعفو عبر عنه أكثر من مرة بأنه صلح، مما يدعو إلى الاعتقاد بأن لفظ العفو تجاوز فى التعبير، وقد جاء هذا التعبير فى الشرح لا فى المتن مما يؤكد فكرة التجوز فى التعبير أو الخطأ (٢) .
هل يصح قصاص الصغير والمجنون؟: الأصل فى تأخير القصاص حتى يبلغ الصبى ويفيق المجنون، أن القصاص حق وأن استعماله يقتضى فى المستعمل الأهلية والصبى والمجنون كلاهما غير أهل لاستيفاء الحقوق، لكن إذا فرض أن الصبى أو المجنون وثب على القاتل فقتله فهل يعتبر كلاهما مستوفيًا لحقه
стр. 919
أم لا؟ (١) فصار كما لو أتلف وديعة له فلا مسئولية على المودع لديه. يرى البعض أنه بقتل القاتل صار مستوفيًا لحقه لأنه عين حقه وأتلفه بعمله. ويرى البعض أنه ليس من أهل الاستيفاء فلا يعتبر مستوفيًا لحقه وتجب له الدية فى مال الجانى الذى قتله ولأولياء الجانى الرجوع على عاقلة الصبى والمجنون بدية قتيلهم. أى أن أصحاب هذا الرأى يعتبرون فعل الصبى والمجنون جريمة قتل عمد يدرأ فيها القصاص للصغر والجنون (٢) ، ولا شك أن الرأى الأول أقرب للعدالة والمنطق من الرأى الثانى.
١٦٨- تعدد مستحقى الاستيفاء: إذا تعدد مستحقو الاستيفاء: فإما أن يكون جميعهم كبارًا، وإما أن يكون فيهم صغير أو مجنون وإما أن يكونوا جميعًا حاضرين وإما أن يكون بعضهم غائبًا.
١٦٩- فإذا تعدد مستحقو الاستيفاء وكانوا جميعًا كبارًا حاضرين: فالأصل أن لكل منهم ولاية استيفاء القصاص حتى إذا قتله أحدهم صار القصاص مستوفًى للجميع؛ لأن القصاص إن كان حق الميت كما يرى أبو يوسف ومحمد، فكل واحد من الورثة خصم فى استيفاء حق الميت كما هو الحال فى المال، وإن كان القصاص حق الورثة ابتداء كما يرى مالك وأبو حنيفة، فكل من الورثة يملك حق القصاص على الكمال، هذا هو الأصل، إلا أن الفقهاء يشترطون اتفاق مستحقى القصاص عليه قبل الاستيفاء وحضورهم لاحتمال أن يعفو بعضهم، ولأن العفو يسقط حق الآخرين فى القصاص.
فإذا بادر أحد المستحقين بقتل الجانى قبل اتفاقهم على القصاص، فمذهب مالك وأبى حنيفة أن القصاص صار مستوفى للجميع؛ لأن الأصل أن لكل من المستحقين ولاية استيفاء القصاص، وليس لباقى الورثة شئ من المال، لأن حقهم فى القصاص قد استوفاه أحدهم. وهذا تطبيق نظرية مالك وأبى حنيفة فى أن
стр. 920
القصاص يجب عينًا (١) ، إلا أن المقتص يعزَّر لافتياته على الإمام.
أما الشافعى وأحمد فيريان أن المبادر بالقصاص ممنوع من قتل الجانى لأن بعض الجانى غير مستحق له، فإذا استوفى دون اتفاق فهو مستوفٍٍٍٍٍٍٍٍٍِِِِِِِِِِِ لحق غيره دون إذنه. والراجح أنه لا يجب القصاص عليه بفعله (٢) لأنه يستحق القصاص على وجه الشركة، ولأن الجانى مستحق عليه القصاص، كما لا يجب الحد على أحد الشريكين فى وطء الجارية المشتركة لكنه يلزم - على رأى - بحق شركائه فى الدية، لأنه هو الذى أتلف محل حقهم ويلزم - على الرأى الآخر - لورثة الجانى بدية مورثهم إلا قَدْرَ حقه منها، على أن يكون لباقى مستحقى القصاص الرجوع بحقهم فى الدية على تركة الجانى. ولرأى الشافعى وأحمد تطبيق لنظريتهما فى أن القصاص يثبت للمورث ابتداء ثم ينتقل منه للورثة، كما هو تطبيق لنظريتهما فى أن الواجب بالقتل أحد شيئين غير عين القصاص والدية (٣) .
١٧٠- وإذا تعدد مستحقو القصاص، وكانوا كبارًا وصغارًا، أو فيهم مجنون، أو بعضهم غائبًا: فيرى مالك وأبو حنيفة أن لا ينتظر البلوغ ولا إفاقة المجنون، وللعقلاء الكبار استيفاء القصاص لأن القصاص ثابت للورثة ابتداء فهو حق كل منهم على سبيل الكمال والاستقلال، لاستقلال سبب ثبوته فى حق كل مستحق، ولعدم قابليته للتجزئة، ويؤيدون رأيهم بأن عليًا رضى الله عنه أوصى الحسن بعد أن ضربه ابن ملجم فقال له: إن شئت فاقتله وإن شئت فاعف عنه، وإن تعفو خير لك فقتله الحسن، وكان فى ورثة على صغار، والاستدلال من وجهين: أحدهما: بقول علي؛ لأنه خيَّر الحسن فى القتل أو العفو
стр. 921
مطلقًا فلم يقيده ببلوغ الصغار، والثانى: لأن الحسن قتل ولم ينتظر. وكل ذلك كان فى حضور الصحابة ولم ينكره أحد فيكون إجماعًا.
ولكنهما يريان مع ذلك انتظار عودة الغائب لاحتمال عفوه، ولأنه قد يعفو دون أن يشعر الحاضر بعفوه، فإذا أجيز للحاضر أن يستوفى، استوفى حقًا قد سقط بعفو الغائب.
ويفرقون فى مذهب أبى حنيفة بين احتمال العفو من الصغير والمجنون وبين احتمال العفو من الغائب، فإن احتمال العفو من الغائب الكبير ثابت أما احتمال عفو الصغير أو المجنون فميئوس منه حال استيفاء القصاص، لأنه ليس من أهل العفو.
ويفرقون فى مذهب مالك بين الغيبة القريبة والغيبة البعيدة الميئوس منها؛ أى من عودة صاحبها ويرون الانتظار فى الغيبة القريبة دون البعيدة، وهذا هو الرأى الراجح وهناك رأى لا يفرق بين الغيبة القريبة والغيبة البعيدة (١) .
أما الشافعى وأحمد ومعهما محمد وأبو يوسف فيريان أن ورثة القتيل إذا كانوا أكثر من واحد لم يجز لبعضهم استيفاء القود إلا بإذن الباقين، فإن كان فيهم صغير ينتظر بلوغه، أو مجنون تنتظر إفاقته، أو غائب ينتظر قدومه (٢) ؛ لأن القصاص حق مشترك بينهم، فمن استوفى قبل اتفاق كل الشركاء فقد استوفى غير حقه وأبطل حق غيره ولأن القصاص أحد بدلى النفس، فإذا لم يجز انفراد أحد المستحقين بأحد البدلين وهو الدية لم يجز له أن ينفرد بالبدل الآخر وهو القصاص، ويستدلون على أن للصغير والمجنون حقهما فى القصاص بأربعة أمور:
أحدهما: أنه لو كان منفردًا لاستحق القصاص، ولو نافاه الصغير مع غيره لنافاه منفردًا.
стр. 922
الثانى: أنه لو بلغ لاستحق بلا خلاف، ولو لم يكن مستحقًا عند موت المورث لم يكن مستحقًا عند البلوغ.
الثالث: لو سقط القصاص وآل الأمر للدية لاستحق، ولو لم يكن مستحقًا للقصاص لما استحق بدل القصاص وهو الدية.
الرابع: لو مات الصغير لاستحق ورثته، ولو لم يكن حقًا لم يرثه كسائر ما لا يستحقه (١) .
١٧١- هل يطلق سراح الجانى حتى يحضر الغائب أو يبلغ الصغير ويفيق المجنون؟: من المتفق عليه أن تأخر الاستيفاء لا يؤدى إلى إطلاق سراح الجانى، بل يحبس مهما تأخر الاستيفاء، فيحبس حتى يحضر الغائب أو يبلغ الصغير أو يفيق المجنون، وقد حبس معاوية بن أبى سفيان هدية بن خشرم فى قصاص حتى بلغ ابن القتيل - فى عصر الصحابة - فلم ينكر عليه ذلك، ويعللون بقاءه محبوسًا بأن فى تخليته تضييعًا للحق، لأنه لا يؤمن هربه ولأنه مستحق القتل وفيه تفويت نفسه ونفعه، فإذا تعذر تفويت نفسه جاز تفويت نفعه لإمكانه، ولا يقبل من القتيل أن يقدم كفيلاً ليخلى سبيله له، لأن الكفالة لا تصح فى العقوبات لأن فائدتها استيفاء الحق من الكفيل إذا تعذر إحضار المكفول ولا يمكن استيفاء القتل من غير القاتل (٢) .
١٧٢- ومهما تعدد مستحقو القصاص فلن يستوفيه إلا أحدهم فقط يوكلونه عنهم: ويشترط أن يكون خبيرًا قادرًا على القصاص، فإن لم يكن فيهم من يحسن القصاص أو لم يتفقوا على واحد منهم، أناب الحاكم من يحسنه، وليس ثمة ما يمنع أن يكون موظفًا يتناول أجره من خزانة الحكومة. ويرى الشافعى
стр. 923
الاقتراع بين مستحقى القصاص إذا كانوا جميعًا يحسنونه ولم يتفقوا فمن اختارته القرعة قام بالاستيفاء (١) . ويرى بعض الفقهاء فى مذهب مالك أن الحاكم مخير بين أن يستوفى بنفسه القصاص أو أن يسلمه لولى المقتول ليقتص منه، والأصل فى الشريعة أن لا يمكَّن إنسان من استيفاء حقه بنفسه، لأن استيفاء الحقوق متروك للحكام، ولكن جاز أن يستوفى الفرد حقه فى القتل بدليل خاص هو تسليم الرسول للقاتل المستحق (٢) ولما كان من شروط الاستيفاء عدم الحيف وأن لا يُعذِّب المقتص القاتل وأن يحسن قتلته (٣) ، فإن القصاص يجب أن يتم تحت إشراف السلطة التنفيذية وليس ثمة ما يمنع من أن تتولاه السلطة التنفيذية اليوم لضمان التنفيذ على الوجه المطلوب.
١٧٣- الأمن من التعدى إلى غير القاتل: يشترط فى الاستيفاء أن لا يتعدى إلى غير القاتل فإذا وجب القصاص على حامل قبل وجوبه أو حامل بعد وجوبه لم تقتل حتى تضع ولدها، وليس فى هذا اختلاف؛ لقوله تعالى: ﴿فَلاَ يُسْرِف فِّى القَتْل﴾ [الإسراء:٣٣] وقتل الحامل إسراف، وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا قتلت المرأة عمدًا لم تقتل حتى تضع ما فى بطنها إن كانت حاملاً وحتى تكفل ولدها، وإن زنت لم ترجم حتى تضع ما فى بطنها وحتى تكفل ولدها"، ولقد قال الرسول للغامدية التى زنت: "ارجعى حتى تضعى ما فى بطنك" فلما وضعته قال لها "ارجعى حتى ترضعيه" وهذه القاعدة مسلم بها فى القصاص إطلاقًا سواء كان فى النفس أو الطرف أما فى النفس فلما سبق، وأما فى الطرف فلأننا منعنا الاستيفاء فيه خشية السراية إلى غير الجانب وتفويت نفس معصومة أولى وأحرى ولأن فى القصاص من لحامل قتلاً لغير الجانى وهو محرم إذ لا تزر وازرة وزر أخرى.
стр. 924
وإذا وضعت الحامل لم تقتل حتى تسقى ولدها اللِّبَأ، لأن الولد يتضرر لتركه ضررًا كبيرًا ثم إن لم يكن للولد من يرضعه لم يجز قتلها حتى يجئ أوان فطامه، وإن وجد له مرضعة راتبة جاز الاستيفاء من الأم، لأن الولد يستغنى عنها بلبن المرضعة، وكذلك إذا أمكن أن يسقى من لبن شاة أو نحوها، أو وجد له مرضعة غير راتبة أو نساء يتناوبن رضاعه، ولكن يستحب فى هذه الحالات أن يؤخر الولى القصاص لما على الولد من ضرر فى اختلاف اللبن وشرب لبن البهيمة.
وإذا ادعت المرأة الحمل فلا يستوفى منها إلا بعد التحقق من خلوها من الحمل، وتعرض على أهل الخبرة فإن تبين حملها أو أشكل الأمر أُخرت حتى تضع أو حتى يتبين أمرها، وإن ثبت أنها غير حامل لم تؤخر، وإذا تبين الحمل أو أشكل الأمر فتحبس حتى تضع، ويستوى أن تكون حاملاً من زوج أو زنًا (١) ، وتأخير التنفيذ على الحامل هو المبدأ الذى تأخذ به القوانين الوضعية اليوم، فالقانون المصرى ينص فى المادة ٢٦٣ على أنه "إذا أخبرت المحكوم عليها بالإعدام أنها حبلى يوقف تنفيذ الحكم، ومتى تحقق قولها لا ينفذ إلا بعد الوضع".
١٧٤- كيفية الاستيفاء: لا يستوفى القصاص إلا بالسيف عند أبى حنيفة، ورواية عن أحمد، سواء كان الجانى قتل بسيف أم بغير سيف، وسواء كان القتل نتيجة لحز الرقبة أم لسراية جراح، أو نتيجة الخنق أو التغريق أو التحريق، أو غير ذلك وحجة القائلين بهذا أن رسول الله ﷺ قال: "لا قود إلا بالسيف" والقود هو القصاص، والقصاص هو الاستيفاء، فمعنى الحديث نفى القصاص بغير السيف.
وإذا كان الموت نتيجة قطع اتصلت به السراية، فالقود بالسيف؛ لأنه تبين أن فعل الجانى وقع قتلاً من وقت وجوده فلا يقتص منه إلا بالقتل؛ لأنه
стр. 925
لو قطع عضوًا من الجانى لتحقق التماثل، ثم عاد فحز رقبته إذا لم يمت من القطع كان ذلك جمعًا بين القطع والحز، ولم يكن مجازاة بالمثل، ولا يعتبر حز الرقبة متممًا للقطع؛ لأن المتمم للشىء يكون من توابعه، والحز قتل وهو أقوى من القطع فليس من توابعه كذلك فإن القصاص فى النفس يقصد منه إتلاف النفس فإذا أمكن هذا بضرب العنق فلا يجوز إتلاف أطرافه، لأن إتلافها يعتبر تعذيبًا لا استيفاء.
وعلى هذا فمن قطع يد إنسان فمات، أو أجافه جائفة أو أوضحه مُوضِحة فمات فليس له أن يقطعه أو يجيفه أو يوضحه ثم يقتله - طبقًا لرأى أبى حنيفة وأحد رأيى أحمد - وله فقط أن يقتله بالسيف.
وإذا أراد الولى أن يقتص بغير السيف لا يمكَّن من ذلك، وإذا فعله عُزِّر لافتياته على السلطات العامة، إلا أنه يعتبر مستوفيًا لحقه فى القصاص بأى طريق قتله سواء قتله بالعصا أو الحجر أو ألقاه من سطح أو أرداه فى بئر أو ساق عليه دابة حتى مات، ونحو ذلك لأن القتل حقه، فإذا قتله فقد استوفى حقه إلا أنه يفتات إذا استوفى بغير السيف لاستيفائه بطريق غير مشروع فيعزر على هذا الافتيات (١) .
وعند مالك والشافعى وهو رواية عن أحمد (٢) : أن القاتل أهل لأن يفعل به كما فعل، فإذا قتل بالسيف لم يقتص منه إلا بالسيف لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ولأن السيف أوحى الآلات - أى أسرعها - فإذا قتل به واقتص بغيره أخذ فوق حقه لأن حقه فى القتل وقد قتل وعذب.
فإن أحرقه أو غرقه أو رماه بحجر أو رماه من شاهق أو ضربه بخشب أو حبسه أو منعه الطعام والشراب فمات، فللولى أن يقتص بمثل ذلك لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ
стр. 926
فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] ولما رواه البراء عن الرسول ﵇ قال: "من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه" ولأن القصاص موضوع على المماثلة والمماثلة ممكنة بهذه الأسباب فجاز أن يستوفى بها القصاص.
وللولى أن يقتص بالسيف فى هذه الأحوال لأنه قد وجب له القتل والتعذيب فإذا عدل إلى السيف فقد ترك بعض حقه وهو جائز له.
وإن قتله بما هو محرم كاللواط وسقى الخمر فيرى البعض أن يفعل به مثل فعله صورة بما هو غير محرم؛ فيفعل به فى اللواط مثل ما فعل بخشبة لتعذر مثل فعله حقيقة، ولسقى الماء بدلاً من الخمر حتى يموت، ويرى البعض أن يكون القصاص بالسيف كلما كان القتل بما هو محرم لنفسه، وإن ضرب رجلاً بالسيف فلم يمت كرر عليه الضرب بالسيف لأنه قتل مستحق وليس ها هنا ما هو أوحى من السيف فيقتل به.
وإن قتله بمثقل أو رماه من شاهق أو منعه الطعام والشراب مدة ففعل به مثل ما فعل فلم يمت فيرى البعض أن يكرر عليه ذلك حتى يموت، ويرى البعض الآخر أنه يقتل بالسيف لأنه فعل مثل ما فعل وبقى إزهاق الروح فوجب بالسيف.
وإن جنى عليه جناية يجب فيها القصاص بأن قطع كفه وأوضح رأسه فمات فللولى أن يستوفى القصاص بما جنى فيقطع كفه ويُوضِِِح رأسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] فإن مات فقد استوفى حقه وإن لم يمت قتل بالسيف لأنه لا يمكن أن يقطع منه عضو آخر، ولا أن يوضح فى موضع آخر لأنه يصير قطع عضوين بعضو وإيضاح موضحين بموضحة.
وإن جنى عليه جناية لا يجب فيها القصاص كالجائفة وقطع اليد من الساعد فمات منه، فيرى البعض أن يقتل بالسيف، ويخالف مالك الشافعى فى أنه يرى أن يكون القصاص بالسيف دائمًا كلما ثبت القتل بقسامة أو كان القتل بما يطول أمره كمنع الطعام والشراب، ولا يقتص فى الجائفة ولا فى قطع الساعد لأن كليهما
стр. 927
جناية لا يجب فيها القصاص فلا يستوفى بها القصاص كاللواط، ويرى البعض أن يقتص فى الجائفة وقطع اليد من الساعد لأنه جهة يجوز القتل بها فى غير القصاص لمجاز القتل بها فى القصاص كالقطع من المفصل وحز الرقبة، فإن اقتص بالجائفة وقطع الساعد فلم يمت قتل بالسيف لأنه لا يمكن أن يجاف جائفة أخرى ولا أن يقطع منه عضو آخر فيصير جائفتان وقطع عضوين بعضو.
١٧٥- حكم الفعلين: وإذا قطع طرف رَجُل كَيد أو رٍٍٍٍٍٍٍٍِِِِِِِجْل ثم قتله فإذا كان القتل بعد بُرء الإصابة الأولى فيرى أبو حنيفة والشافعى وأحمد أن يقتص منه الولى بمثل ما فعل فيقطع طرفه ثم يقتله إن شاء وله أن يكتفى بقتله فقط. أما مالك فيرى أن الطرف يندرج فى القتل فليس للولى إلا القتل فقط. أما إذا كان القتل قبل برء الإصابة الأولى فيرى أبو حنيفة والشافعى وقولهما رواية عن أحمد أن للمستوفى أن يقطع الطرف ثم يقتل لأن حق المجنى عليه فى المثل والمثل هو القطع والقتل والاستيفاء بصفة المماثلة ممكن، فإذا قطع الولى طرفه ثم قتله كان مستوفيًا للمثل وكان الجزاء مثل الخيانة جزاء وفاقًا. ويرى مالك هذا الرأى بشرط أن يكون القطع قصد به التمثيل (١) ، ويرى أبو يوسف ومحمد وهو قول فى مذهب أحمد بأن الطرف يدخل فى النفس فللولى أن يقتل الجانى وليس له أن يقطع يده؛ لأن الجناية على ما دون النفس إذا لم يتصل بها البُرءْ لا حكم لها مع الجناية على النفس فى الشريعة بل يدخل ما دون النفس فى النفس، ويرى مالك هذا الرأى إذا لم يكن الجانى قصد من قطع الطرف التمثيل بالمجنى عليه (٢) .
١٧٦- حضور المستحقين الاستيفاء: يرى أبو حنيفة أن مستحقى القصاص يجب أن يحضروا الاستيفاء ولا يكفى أن يحضر وكيل عنهم بل يجب
стр. 928
حضور الموكل بنفسه، ولا يجوز للوكيل استيفاء القصاص مع غيبة الموكل أو الموكلين لاحتمال أن الغائب قد عفا، ولأن فى اشتراط حضور الموكل رجاء العفو منه عند معاينة حلول العاقبة بالقاتل (١) ، ولا يشترط باقى الأئمة هذا الشرط وليس عندهم مانع من أن يتم الاستيفاء بمعرفة الوكيل فى غياب الموكلين.
١٧٧- تفقد آلة القتل: وإذا أراد الوالى الاستيفاء بنفسه فعلى السلطان أن يتفقد الآلة التى يستوفى بها، فإذا كانت كالَّة منعه الاستيفاء بها لئلا يعذب المقتول، وإن كانت مسمومة منعه الاستيفاء بها لأنها تفسد البدن، وإن عجل فاستوفى بآلة كالة أو مسمومة عُزِّر، فالولى الذى يستوفى يجب أن يكون خبيرًا بالاستيفاء، وأن تكون الآلة التى يستوفى بها صالحة للاستيفاء. وكل ذلك قصد منه أن لا يعذب الجانى وأن تزهق روحه بأيسر ما يمكن، وقد روى شداد بن أوس أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شئ فإذا قتلتم فأحسنوا القتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبْحة وليُحدَّ أحدكم شفرته وليُرحْ ذبيحته" (٢) .
١٧٨- هل يجوز الاستيفاء بما هو أسرع من السيف؟: الأصل فى اختيار السيف أداة للقصاص أنه أسرع فى القتل، وأنه يزهق روح الجانى بأيسر ما يمكن من الألم والعذاب فإذا وجدت أداة أخرى أسرع من السيف واقل إيلامًا فلا مانع شرعًا من استعمالها فلا مانع من استيفاء القصاص بالمقصلة والكرسى الكهربائى وغيرهما مما يفضى إلى الموت بسهولة وإسراع، ولا يتخلف الموت عنه عادة، ولا يترتب عله تمثيل بالقاتل ولا مضاعفة تعذيبه، أما المقصلة فلأنها من قبيل السلاح المحدد، وأما الكرسى الكهربائى فلأنه لا يتخلف الموت عنه عادة مع زيادة السرعة وعدم التمثيل بالقاتل دون أن يترتب عليه مضاعفة التعذيب (٣) .
стр. 929
١٧٩- هل يجوز للسلطان اليوم أن يستأثر باستيفاء القصاص؟: الرأى الراجح عند الفقهاء أن لا يترك الولى ليستوفى بنفسه القصاص فى الجراح (١) ؛ لأن القصاص فى الجراح يقتضى خبرة ودقة فوق ما يجب فيه من البعد عن الحيف والتعذيب ولما كانت الخبرة لا تتوفر فى معظم الأولياء فقد رأى الفقهاء أن يتولى القصاص خبراء يوكلهم الأولياء، ولا مانع من أن يأخذ هؤلاء الخبراء أجرهم من خزانة الدولة أما الاستيفاء فى القتل فقد ترك للولى إذا كان يحسن الاستيفاء وإذا استوفاه بآلة صالحة، فإذا لم يكن يحسنه، فحق الولى فى الاستيفاء بنفسه متوقف على إحسانه وعلى استعمال الآلة الصالحة. ولقد كان الناس قديمًا يحملون السلاح ويحسنون استعماله غالبًا، أما اليوم فيقل أن تجد من يحسن استعمال السيف، بل قد لا تجد فى القرية كلها سيفًا واحدًا صالحًا للاستعمال، فإذا أضيف إلى هذا أن وسيلة الشنق والمقصلة والكرسى الكهربائى أسرع بالموت من السيف كما هو ثابت من التجربة وأن المقصلة أو غيرها لا يمكن أن يحصل عليها الأفراد وأنها فى حيازة الدولة وإذا روعى هذا جميعه أمكن القول أن الضرورات اليوم تمنع من ترك الولى يستوفى حقه على الطريقة القديمة، وأنها تقضى بحرمان الأولياء من استيفاء القصاص بأنفسهم وترك الاستيفاء لمن تعينهم الدولة من الموظفين الخبيرين، وللأولياء أن يأذنوا لهم بالتنفيذ إذا شاءوا القصاص أو لا يأذنوا إذا رأوا العفو.
* * *
سقوط القصاص
١٨٠- تسقط عقوبة القصاص بأربعة أسباب هى: فوات محل القصاص - العفو - الصلح - إرث حق القصاص.
١٨١- فوات محل القصاص: محل القصاص فى القتل هو نفس القاتل،
стр. 930
فإذا فات محل القصاص أى انعدم محله بأن مات من عليه القصاص سقطت العقوبة لأن محلها انعدام، ولا يتصور تنفيذها بعد انعدام محلها.
وقد اختلف الفقهاء فيما إذا كان سقوط القصاص بموت الجانب يوجب الدية فى ماله أم لا؟ فرأى مالك وأبو حنيفة أن انعدام محل القصاص يترتب عليه سقوط عقوبة القصاص، ولا يترتب عليه وجوب الدية فى مال القاتل، لأن القصاص واجب عينًا، والدية لا تجب إلا برضاء القاتل فإذا مات القاتل سقط الواجب وهو القصاص ولم تجب الدية لأن القاتل لم يوجبها على نفسه، ويستوى أن يكون الموت بآفة سماوية أو بيد شخص آخر ما دام أن الموت بحق، فإذا مات الجانى بمرض أو قتل فى قصاص بشخص آخر أو زنًا أو ردة، ففى كل هذه الحالات تسقط عقوبة القصاص ولا تجب بدلها الدية.
أما إذا قتل ظلمًا، فيرى مالك أن القصاص لأولياء المقتول الأول، فمثلاً من قتل رجلاً فعدا عليه أجنبى فقتله عمدًا فدمه لأولياء المقتول الأول، ويقال لأولياء المقتول الثانى: أرضوا أولياء المقتول الأول وشأنكم بقاتل وليكم فى القتل أو العفو، فإن لم يرضوهم فلأولياء المقتول الأول قتله أو العفو عنه، ولهم ذلك إن لم يرضوا بما بذلوا لهم من الدية أو أكثر منها. وإن قُتل خطأ فديته لأولياء المقتول الأول (١) . ويسوى أبو حنيفة بين الموت بحق والموت بغير حق فكلاهما يسقط حق القصاص سقوطًا مطلقًا ولا يوجب الدية فى مال الجانى ولا فى مال غيره (٢) إذا جنى عليه. ويرى الشافعى وأحمد أن فوات محل القصاص يسقط عقوبة القصاص فى كل الأحوال، سواء كان الموت بحق أو بغير حق، ولكنه يؤدى إلى وجوب الدية فى مال الجانى، لأن الواجب فى القتل أحد شيئين: عين القصاص أو الدية فإذا تعذر أحدهما لفوات محله وجب الآخر،
стр. 931
ولأن ما ضمن بسببين على سبيل البدل إذا تعذر أحدهما ثبت الآخر كذوات الأمثال (١) .
ونستطيع أن نتبين مدى الخلاف بين الفقهاء فى المثل الآتى: إذا قتل محمد عليًا، فإن لأولياء محمد حق القصاص على علىٍّ، فإذا مرض على ومات سقط القصاص بموته ولا شئ لأوليائه طبقًا لرأى مالك وأبى حنيفة، ولأوليائه الدية فى مال علىٍّ طبقًا لرأى الشافعى وأحمد، فإذا كان موت علىٍّ سببه أن زيدًا أطلق عليه عيارًا ناريًا عمدًا فقتله أو صدمه بسيارته خطأ فقتله فقد سقط معه القصاص ولا شئ لأولياء محمد كما يرى أبو حنيفة، وطبقًا لرأى مالك ينتقل حق القصاص إلى زيد ويكون لأولياء محمد أن يقتصوا منه فى حالة العمد، وليس لأولياء علىٍّ أن يقتصوا من زيد إلا إذا أرضوا أولياء محمد، وفى حالة الخطأ يدفع زيد دية على لأولياء محمد. وطبقًا لرأى الشافعى وأحمد يسقط القصاص وتكون لأولياء محمد ديته فى مال على.
١٨٢- العفو: أجمع الفقهاء على جواز العفو عن القصاص، وأن العفو عنه أفضل من استيفائه. والأصل فى جواز العفو الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقد أقر العفو فى سياق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِى القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِى لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] وفى سياق قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ﴾ إلى أن قال: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: ٤٥] .
وأما السنة: فإن أنس بن مالك قال: "ما رأيت رسول الله ﷺ رفع إليه شئ فى قصاص إلا أمر فيه بالعفو".
١٨٣- والعفو عن القصاص عند الشافعى وأحمد هو التنازل عن القصاص مجانًا أو عن الدية: فمن تنازل عن القصاص من القاتل مجانًا فهو عاف، ومن تنازل عن القصاص مقابل الدية فهو عاف، وإن كان مالك يرى أن العفو عن الدية يحتاج لنفاذه رضاء الجانى بدفع الدية، بخلاف الشافعى وأحمد اللذين يريان أن العفو عن الدية يعتبر نافذًا دون حاجة لرضاء الجانى (٢) .
стр. 932
والعفو عند مالك وأبى حنيفة هو إسقاط القصاص مجانًا أما التنازل عن القصاص مقابل الدية فهو ليس عفوًا عندهما، وإنما هو صلح (١) ؛ لأن تنازل الولى لا ينفذ إلا إذا قبل الجانى دفع الدية (٢) .
ويشترط مالك وأبو حنيفة أن يكون العفو عن القصاص من صاحب الحق؛ لأن العفو عنده إسقاط الحق وإسقاط الحق محال ممن ليس له حق، ويرتب على هذا أن العفو لا يصح من أجنبى لأنه ليس صاحب الحق ولا من الأب أو الجد فى قصاص وجب للصغير خاصة، لأن الحق للصغير وليس لهما وسلطتهما قاصرة على استيفاء الحقوق الواجبة للصغير، وولايتهما مقيدة بالنظر لمصالح الصغير، والعفو ضرر محض لأنه إسقاط الحق أصلاً ورأسًا فلا يملكانه، وكذلك لا يملك السلطان العفو فيما له ولاية الاستيفاء فيه (٣) ولكن الأب والجد والسلطان يملكون الصلح.
ولكن الشافعى وأحمد يجيزان أن يكون العفو من الأب والجد على مال كما بينا فى الفقرة ١٦٧ كما يجيزون للسلطان أن يعفو على مال ولكنهم لا يجيزون له العفو مجانًا.
والفرق بين أبى حنيفة والشافعى وأحمد هو اختلاف فى تكييف التنازل عن القصاص على الدية، فأبو حنيفة يسميه صلحًا وباقى الأمة يسمونه عفوًا، وأبو حنيفة منطقى فى وجهة نظره لأنه يشترط رضاء الجانى بدفع الدية. فإذا كان التنازل معلقًا على رضاء الجانى بمقابل التنازل وهو الدية فالتنازل صلح لا عفو، والشافعى وأحمد يتبعان المنطق فى وجهة نظرهما لأن تنازل أولياء المجنى عليه عن القصاص على الدية لا يتوقف على رضاء الجانى إذ الواجب عندهما بالقتل
стр. 933
العمد القصاص والدية وللولى أن يختار بينهما فإذا اختار القصاص فله أن يتنازل عنه إلى الدية، فالتنازل إذن إسقاط محض لا مقابل له وترك للأكثر وأخذ للأقل فهو عفو لأنه إسقاط محض.
وفى مذهب مالك لا يرون بأسًا من اعتبار التنازل عن القصاص مقابل الدية عفوًا مع أنهم يعتبرون الواجب بالقتل العمد هو القصاص عينًا، ويوجبون رضاء الجانى إذا اختار الأولياء الدية ولكن بعضهم يعتبر هذا صلحًا لا عفوًا، ومن يعتبرونه عفوًا يفرقون بينه وبين الصلح بأن العفو يكون على الدية فقط أو اقل منها أما الصلح فيكون على أكثر من الدية ويكون على غير الدية ولا شك أن من يسمونه صلحًا أقرب إلى المنطق ممن يسمونه عفوًا (١) .
١٨٤- من يملك حق العفو؟: يملك حق العفو عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد من يملك حق القصاص (٢) ، والقصاص عندهم حق لجميع الورثة من ذوى الأنساب والأسباب الرجال والنساء والصغار والكبار. فكل واحد منهم يملك العفو إذا كان بالغًا عاقلاً فإن لم يكن كذلك فلا يملك التصرف فيه وإن كان الحق ثابتًا لأنه من التصرفات الضارة والتى لا تجوز إلا للعاقل البالغ (٣) .
ويملك العفو عند مالك من يملك حق القصاص، وهو العاصب الذكر الأقرب درجة للمقتول والمرأة الوارثة التى لا يساويها عاصب فى الدرجة، والتى لو كان فى درجتها رجل ورث بالتعصيب (٤) ، ويشترط مالك أيضًا فى العافى أن يكون بالغًا عاقلاً.
١٨٥- هل يملك العفو فرد عند تعدد المستحقين؟: إذا كان المستحق للقصاص واحدًا بالغًا عاقلاً رجلاً أو امرأة فهو يملك العفو وحده عند
стр. 934
أبى حنيفة والشافعى وأحمد وإذا عفا كان عفوه نافذًا وإذا تعدد المستحقون للقصاص فعفا أحدهم نفذ عفوه وأنتج أثره ولو لم يعف الباقون، وحجتهم أن القصاص حق مشترك بين المستحقين فإذا عفا أحدهم سقط بعفوه لأن القصاص لا يتجزأ بطبيعته إذ لا يمكن قتل بعض الجانى وإحياء بعضه وأن العفو أقرب للتقوى فهو أفضل من طلب القصاص، فمن عفا رجح عفوه على طلب القصاص ويستدلون على صحة رأيهم بما روى عن عمر من أنه أتى برجل قتل قتيلاً فجاء ورثة المقتول ليقتلوه فقالت امرأة المقتول، وهى أخت القاتل: قد عفوت عن حقى. فقال عمر: الله أكبر عتق القتيل. وفى رواية عن زيد قال: دخل رجل على امرأته فوجد عندها رجلاً فقتلها فقال بعض إخوتها: قد تصدَّقت، فقضى لسائرهم بالدية. وروى عن قتادة: أن عمر رفع إليه رجل قتل رجلاً فجاء أولاد المقتول وقد عفا بعضهم، فقال عمر لابن مسعود: ما تقول: قال: إنه قد أُحرز من القتل. فضرب على كتفه وقال: كُنَيْفٌ مُلئ علمًا.
وزوال الزوجية بالموت لا يمنع استحقاق القصاص ثم العفو، كما لم يمنع استحقاق الدية وسائر حقوق القتيل الموروثة عنه، سواء على رأى القائلين بأن القصاص يرثه الورثة ابتداء أو يرثونه عن القتيل.
أما مالك فيرى أن المستحقين إذا كانوا رجالاً متساوين فى الدرجة فالعفو يملكه أى واحد منهم فإن كان فيهم من هو أعلى درجة فالعفو له دون غيره، وإن كان المستحقون نساء فالعفو لأعلاهن درجة كالبنت مع الأخت فالعفو للبنت دون الأخت ولو أن كليهما وارثة. هذا إذا كان القتل بغير قسامة فلا عفو إلا باجتماع النساء والعَصَبة. وإن كان المستحقون نساء وكلهم من درجة واحدة فعفت إحداهن فلا يعتبر العفو إلا إذا أقره الحاكم. وإذا كان المستحقون رجالاً ونساء أعلى درجة منهم وكان للرجال كلام لكونهم وارثين وثبت القتل ببينة أو إقرار أو قسامة أو كان الرجال وارثين ولكن ثبت القتل بقسامة فلا عفو إلا بإجماع الفريقين أو بإجماع بعض هؤلاء وبعض هؤلاء. أما إذا كان
стр. 935
الرجال مساوين للنساء فى الدرجة أو أعلى منهن فلا كلام للنساء معهم والاستيفاء للعاصب وحده (١) .
١٨٦- متى يعفو الولى؟: قد يكون العفو من الولى قبل الموت وقد يكون بعده، ولكل حالة حكمها الخاص. وقد يكون العفو من الولى المستحق الذى لا شريك له، وقد يكون من ولى له شركاء وقد يكون عن بعض الجناية دون البعض.
١٨٧- عفو الوالى بعد الموت: إذا استحق ولى الدم القصاص وحده فعفا بعد موت القتيل وكان ممن يملك العفو ترتب على عفوه أثر وسقط القصاص عن القاتل، سواء كان العفو مطلقًا غير مقيد أو كان العفو على الدية، وسواء قَبل الجانى دفع الدية أم لم يقبل، وهذا هو رأى أبى حنيفة والشافعى وأحمد، أما مالك فيرى أن حق القصاص لا يسقط إلا إذا قبل الجانى دفع الدية إذا كان العفو على الدية. وأساس الخلاف أن العفو على الدية يوجبها على الجانى عند الشافعى وأحمد فلا حاجة لرضاه، ولكن الدية لا تجب عند مالك وأبى حنيفة إلا برضاء الجانى (٢) .
وإذا عفا الولى عن الجانى ثم قتله بعد العفو عنه اعتبر الولى قاتلاً عمدًا باتفاق؛ لأن الجانى بالعفو عنه صار معصوم الدم (٣) ، وإذا استحق قصاصًا على شخص فقطع يده ثم عفا عنه بعد ذلك فهو مسئول عن قطع اليد عند مالك وأبى حنيفة، ولا مسئولية عليه عند الشافعى وأحمد وأبى يوسف ومحمد. وحجة الفريق الأول أن حق من له القصاص فى الفعل وهو القتل، لا فى المحل وهو النفس، وإن كان فى النفس فهو فى القتل لا فى القطع لأن حقه فى المثل ومثل القتل هو القتل، فإذا قطعها فقد استوفى ما ليس له بحق ويرى مالك القصاص ولكن أبا حنيفة برأه للشبهة. أما الفريق الآخر فحجته أن نفس القاتل صارت ملكًا لولى
стр. 936
القتيل، والنفس اسم لجملة الأجزاء، فإذا قطع يده فقد استوفى حق نفسه وإذا كان قد عفا، فالعفو عن الباقى لا عما استوفاه. ومن المتفق عليه أنه إذا قطعه ثم قتله فلا شئ عليه إلا التعزير لتعذيبه القتيل (١) .
وإن كان القصاص على أكثر من شخص واحد كأن القاتل رجلين فأكثر فإذا عفا الولى عنهما أو عنهم جميعًا سقط القصاص، وإن عفا عن أحدهم أو بعضهم سقط القصاص عن المعفو عنهم وبقى على الآخرين؛ لأن العافى استحق على كل منهم قصاصًا كاملاً والعفو عن أحدهم لا يستوجب العفو عن الآخرين.
وإذا تعدد الأولياء فى قصاص مشترك فعفا أحدهم سقط القصاص عن القاتل؛ لأن سقوط نصيب العافى بالعفو يسقط نصيب الآخرين ضرورة لأن القصاص لا يتجزأ وهو قصاص واحد فلا يتصور استيفاء بعضه دون بعض، وينقلب نصيب الآخرين مالاً فيأخذون حصتهم من الدية ولا يأخذون الدية كاملة لأن للعافى نصيبًا فيها فيأخذون الباقى بعد خصم نصيب العافى، أما العافى فإنه يأخذ نصيبه إذا عفا على الدية ولا يأخذه إذا عفا مجانًا (٢) .
وإذا عفا أحدهم فقتله الآخر فإن لم يكن يعلم بالعفو أو علم به ولكنه لا يعرف بأن القصاص سقط فهو قاتل عمدًا عند أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد، ويدرأ عنه القصاص وعليه الدية فى ماله لأن للولى القاتل حق القصاص، وهذا يورث شبهة فى عصمة الجانى والحدود تدرأ بالشبهات ولكن زفر يرى أن عصمة الجانى عادت بالعفو فإذا قتله أحد الأولياء فقد قتل معصومًا فعليه القصاص. وفى مذهب الشافعى رأيان كلاهما يعتبره قاتلاً عمدًا، ولكن أصحاب الرأى الأول يدرؤون القصاص للشبهة وأصحاب الرأى الثانى يرون القصاص، ومذهب أحمد أن لا قصاص للشبهة.
стр. 937
وإذا قتله وهو عالم بالعفو وبسقوط القصاص كان قاتلاً عمدًا دون شبهة ووجب عليه القصاص عند أبى حنيفة وأحمد وطبقًا لأحد الرأيين فى مذهب الشافعى، أما الرأى الآخر فيشترط للقصاص أن يكون عالمًا بالعفو وأن يحكم القاضى بسقوط القصاص، وإن لم يتوفر هذان الشرطان درئ القصاص للشبهة؛ لأن مالكًا يرى أن حق الولى لا يسقط فى القود بعفو الشريك، وهذا الخلاف يعتبر شبهة تدرأ القصاص (١) [تبحث هذه المسألة من كتب المالكية] .
كل ما سبق إذا كان القصاص الواحد مشتركًا بين مستحقين متعددين فعفا أحدهم أو بعضهم عن نصيبه أما إذا وجب لكل من المستحقين قصاص كامل غير مشترك قَبل القاتل فإن الحكم يختلف، فلو قتل الجانى رجلين فعفا ولى أحدهما عن القاتل فإن عفوه لا يسقط حق ولى القتيل الآخر من القصاص من القاتل؛ لأن كل واحد من الوليين استحق على الجانى قصاصًا كاملاً مستقلاً عن القصاص الذى استحقه الآخر فإذا ما أسقط أحدهما حقه بقى حق الآخر، بخلاف القصاص المشترك فإن عفو أحد الشريكين فيه يسقط حق الشريك الآخر؛ لأن حق القصاص لا يتجزأ ومن المحال إسقاط بعضه وتنفيذ بعضه.
١٨٨- عفو الولى قبل الموت: إذا عفا الولى بعد الجرح وقبل الموت ففى صحة عفوه ونفاذه رأيان:
أولهما: أن العفو غير صحيح لأنه عفا عما لم يجب له لأن القصاص لا يجب له إلا بعد وفاة موروثه ولأن العفو عن القتل يستدعى وجود القتل والفعل لا يصير قتلاً إلا بوفاة الموروث فالعفو لم يصادف محله.
ثانيهما: أن العفو صحيح لأن الجرح متى اتصلت به السراية تبين أنه وقع قتلاً من يوم وجوده فكان العفو عن حق ثابت، وإذا فرض أن القتل لم يوجد من يوم الجرح فقد وجد سببه وهو الجرح المفضى إلى الموت، والسبب المفضى إلى الشئ يقام مقامه وعلى هذا يكون العفو صحيحًا (٢) .
стр. 938
١٨٩- العفو من المجنى عليه: وكلما يصح أن يكون العفو من ولى القتيل يصح أن يكون العفو من القتيل قبل موته، فإن عفا المجروح عن الجانى وبرأ من جراحه دون أن يسرى إلى أعضاء أخرى فالعفو صحيح؛ لأن القاعدة أن للمجنى عليه أن يعفو عن القصاص مجانًا وله أن يعفو عن الدية أيضًا.
وإن عفا المجروح عن الجانى فسرى الجرح إلى عضو آخر كأن قطع إصبعه فعفا عنه، ثم سرى الجرح إلى اليد فأتلفها، فيرى أبو حنيفة أن العفو صحيح، سواء عن الجرح أو عن الجرح وما يحدث منه؛ لأن العفو عن الجناية عفو عما يحدث منها. أما الشافعى وأحمد فيفرقان بين ما إذا كان العفو شاملاً الجناية وما يحدث منها وفى هذه الحالة يصح العفو، وبين ما إذا كان العفو قاصرًا على الجرح فقط ففى هذه الحالة يكون الجانى مسئولاً عن السراية ولكن لا يقتص منه لأن القصاص فى الإصبع سقط بالعفو ولا يجب فى الكف لأنها تلفت بالسراية، فإذا كان العفو على الدية وجبت الدية فى اليد كلها، وإن كان العفو مجانًا وجبت الدية دون الأَرْش فيما تسرى إليه، والظاهر أن هذا الحكم عند مالك (١) .
وإن عفا المجروح ثم سرى الجرح إلى النفس ومات، فيرى أبو حنيفة وأصحابه أن العفو إذا كان بلفظ الجناية أو الجراحة وما يحدث منها صح العفو ولا شئ على القاتل لأن لفظ الجناية يتناول القتل، وكذلك لفظ الجراحة وما يحدث منها، فكان ذلك عفوًا عن القتل، وأما إذا كان العفو بلفظ الجراحة فقط ولم يذكر ما يحدث منها، لم يصح العفو عند أبى حنيفة وكان الجانى مسئولاً عن القتل العمد، ولكن تجب الدية بدلاً من القصاص درءًا لشبهة العفو، وعند محمد وأبى يوسف العفو صحيح ولا شئ على القاتل، لأن العفو عن الجراحة يشمل الجراحة وما يتولد عنها من السراية، لأن السراية أثر
стр. 939
الجرح، والعفو عن الشئ عفو عن أثره. وحجة أبى حنيفة أن حق المجنى عليه فى موجب الجناية أى القصاص لا فى عين الجناية أى الجرح وعين الجناية، ومن لا يتصور بقاؤه فلا يتصور العفو عنه، فكان عفو المجنى عليه عفوًا عن موجب الجراحة وبالسراية تبين أن لا موجب بهذه الجراحة، وأن الواجب عند السراية هو موجب القتل أى القصاص، كذلك فإن الجرح غير القتل، فالعفو عن أحدهما ليس عفوًا عن الآخر (١) .
ويقترب رأى الشافعى من رأى أبى حنيفة، فإن كان العفو عن الجناية وديتها وما يحدث منها فلا قصاص ولا دية، وإن كان عن الجناية فقط سقط القصاص ولم تسقط دية النفس، لأنه أبرأ فيها قبل الوجوب. أما سقوط القصاص فبالعفو بعد الوجوب ويسقط فى النفس لأنه لا يتبعض (٢) . وفى مذهب أحمد رأيان: رأى يماثل رأى الشافعى ورأى يماثل أبى يوسف ومحمد (٣) .
أما إذا كان الجرح أو الجناية لا يجب فيه القصاص كجائفة أو قطع يد من الساعد، فإن العفو لا أثر له عند الشافعى وأحمد، لأن العفو عن القصاص فيما لا قصاص فيه فلم يصادف العفو محله، بخلاف ما إذا كان الجرح أو الجناية يجب فيه القصاص، فإن العفو يصادف محله فى الجرح، ويسقط القصاص فى النفس لأنه سقط فى الجرح، إذ القصاص لا يتبعض فإذا سقط فى البعض سقط فى الكل (٤) .
وعند مالك: إذا كان العفو عن الجرح وما ترامى إليه من عضو أو نفس فالعفو صحيح نافذ، وإن كان العفو عن الجرح دون بيان فهو محمول على أنه عفا عما وجب له فى الحال، ويسأل عن السراية للعضو والنفس، ويعتبر فى حالة السراية إلى النفس قاتلاً عمدًا ويقتص منه بقسامة فى حالة العمد (٥) .
стр. 940
فالفرق بين الشافعى وأحمد وبين مالك، أنه يجعل القصاص فى كل حال، ولكنهما يجعلانه فى حالة ما إذا كانت الجناية لا توجب القصاص، أى أن رأى مالك يتفق مع رأى أبى حنيفة ويخالفه فقط فى أنه لا يدرأ القصاص للشبهة، ولكن بعض الفقهاء المالكيين يفرق بين ما إذا كان الجرح يجب فيه القصاص أو لا يجب، ويجعل القصاص قاصرًا على الجناية التى لا يجب فيها القصاص.
هل يعتبر عفو المجنى عليه وصية للقاتل؟: للفصل فى هذه المسألة أهمية كبرى لأن اعتبار العفو وصية يوجب أن يكون المعفو عنه فى ثلث التركة حيث لا تصح الوصية فى أكثر من ثلث التركة، فإن كان المعفو عنه فى ثلث التركة فالعفو نافذ إذا كان صحيحًا وتوفرت شروطه وإن كان المعفو عنه يزيد على ثلث التركة نفذ العفو فيما يساوى ثلث التركة فقط.
وإذا اعتبرنا العفو وصية فهناك رأيان: رأى يقول بأن الوصية لا يجوز أن تكون لقاتل ورأى يرى الجواز، فإذا أخذ بالرأى الأول كان العفو لغوًا إلا فى الجرح الحاصل قبله، ومن رأى مالك وأبى حنيفة أن عفو المجنى عليه لا يعتبر وصية للقاتل لأن موجب العمد هو القصاص عينًا والعفو ينصب على إسقاط القصاص، والقصاص ليس مالاً يملك والوصية تمليك لما بعد الموت، فالعفو عن القصاص لا يمكن أن يكون وصية.
ويرى أحمد أن العفو لا يعتبر وصية ولو عبر عنه العافى بلفظ العفو أو الوصية أو الغبراء أو غير ذلك، لأنه إذا كان الواجب فى العمد هو أحد شيئين: القصاص أو الدية، فإن العفو قبل تعيين أحدهما لا يعتبر عفوًا عن مال، أو بمعنى آخر تمليكًا لمال، ومن ثم فلا يعتبر وصية، أما إذا تعين الموجب بأن أبرأه المجنى عليه من الدية أو أوصى له بها، فالتعرف وصية لأنه تمليك المال لما بعد الموت، وقد اختلفوا فى المذهب فى صحة الوصية لقاتل، فرأى البعض أن الوصية لا تصح لقاتل ويترتب على هذا الرأى أن الجانى يلزم بدية النفس بعد خصم دية الجرح، لأن العفو عن الجرح صادف محله فكان إسقاطًا لا وصية،
стр. 941
ورأى البعض أن الوصية تصح للقاتل، ويترتب على هذا الرأى أن الدية تسقط إذا كانت تخرج من ثلث التركة، فإن كانت الدية أكثر من الثلث سقط منها بقدر ثلث التركة، ووجب الباقى على الجانى (١) .
ومذهب الشافعى على أن العفو إذا جاء فى صيغة الوصية فهو وصية لقاتل، كأن يقول: أوصيت له بأرش هذه الجناية، فإذا جاء العفو بلفظ العفو أو الإبراء أو الإسقاط فيرى البعض أنه وصية أيضًا لأنه تبرع، ويرى البعض أنه ليس وصية لأنه إسقاط ناجز، والوصية معلقة بحالة الموت، والرأى الأخير هو الراجح، وكما اختلفوا فى حكم الوصية للقاتل هل هى صحيحة أم لا؟ فقال البعض إنها صحيحة وهو الرأى الراجح وقال البعض إنها غير صحيحة، ويترتب على هذا الخلاف فى صحة الوصية ما سبق أن بيناه (٢) .
* * *
الصلح
١٩٠- لا خلاف بين الفقهاء فى جواز الصلح على القصاص وأن القصاص يسقط بالصلح: ويصح أن يكون الصلح عن القصاص بأكثر من الدية وبقدرها وبأقل منها، والأصل فيه السنة والإجماع، فقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل عمدًا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوا وإن شاءوا أخذوا الدية؛ ثلاثين حقَّة وثلاثين جَذَعة وأربعين خَلفة وما صولحوا عليه فهو لهم"، وفى عهد معاوية قتل هدبة بن خشرم قتيلاً (٣) ، فبذل سعيد بن العاص والحسن والحسين لابن المقتول سبع ديات ليعفو عنه فأبى ذلك وقتله.
ولما كان القصاص ليس مالاً جاز الصلح عنه بما يمكن أن يتفق عليه الفريقان؛ لأنه صلح عما لا يجرى فيه الربا فأشبه الصلح على العروض، فيصح أن
стр. 942
يكون بدل الصلح قليلاً أو أكثر من جنس الدية أو من خلاف جنسها، حالاً أو مؤجَّلاً، بخلاف ما إذا كان الصلح على الدية وليس على القصاص فإنه لا يجوز أن يكون على أكثر مما تجب فيه الدية لأن ذلك يعتبر ربًا، فمثلاً لا يصح الصلح على الدية مقابل مائة وعشرين من الإبل؛ لأن الدية مائة من الإبل ولأن الزيادة ربًا.
١٩١- الفرق بين العفو والصلح: العفو هو إسقاط دون مقابل أما الصلح فهو إسقاط بمقابل، وقد ذكرنا أن مالكًا وأبا حنيفة يعتبران العفو عن القصاص على الدية صلحًا لا عفوًا لأن الواجب بالعمد عندهما هو القصاص عينًا والدية لا تجب إلا برضاء الجانى، فإسقاط القصاص على الدية يقتضى رضاء الطرفين فهو صلح لا عفو. أما الشافعى وأحمد فيعتبران العفو على الدية عفوًا لا صلحًا؛ لأن الواجب عندهما أحد شقى القصاص أو الدية والخيار للولى دون حاجة لرضاء الجانى، ومن ثم كان التصرف إسقاطًا من طرف واحد فهو عفو.
١٩٢- من يملك الصلح؟: يملك الصلح من يملك حق القصاص وحق العفو، وقد سبق أن بينا ذلك بمناسبة الكلام على العفو، ونزيد عليه هنا أن الشافعى وأحمد يجعلان العفو للسلطان لولى الصغير والجنون على الدية، أما مالك وأبو حنيفة فيجعلان لهم حق الصلح لا العفو لأن العفو عندهما إسقاط دون مقابل لما بينا، ويشترطان أن لا يكون الصلح على أقل من الدية، فإن صالح أحدهما على أقل من الدية صح الصلح ووجب باقى الدية فى ذمة لجانى، فإذا كان الجانى معسرًا وقت الصلح فيرى مالك عدم الرجوع عليه.
١٩٣- ويصح أن يكون الصلح من المجنى عليه ويصح أن يكون من الولى قبل الموت أو بعده: وحكم الصلح فى هذه الحالات جميعًا هو حكم العفو على الوفاق والخلاف الذى ذكرنا فى العفو.
١٩٤- وإذا صالح الولى القاتل على مال ثم قتله فهو قاتل له عمدًا: وقد مرت المسألة فى العفو. وإذا تعدد الأولياء والقصاص مشترك فصالح أحدهم سقط القصاص عن القاتل وانقلب نصيب الآخرين مالاً؛ لما ذكرنا فى العفو، وإذا قتله
стр. 943
أحد الآخرين بعد عفو صاحبه؛ على التفصيل والخلاف والوفاق الذى ذكرنا فى العفو. وإذا تعدد الأولياء ولكل منهم قصاص كامل فصالح ولى أحد القتلة فللآخرين أن يستوفوا، ولو تعدد القاتلون فصالح الولى أحدهم كان له أن يقتص من الآخرين، وهكذا كل ما ذكر فى العفو ينطبق فى حالة الصلح.
١٩٥- وصلح المجنى عليه حكمه حكم عفوه: سواء سرى الجرح وانتهى بالبرء أو الموت على الوفاق والخلاف الذى ذكرنا فى العفو، لكن إذا اعتبر الصلح غير نافذ ولم يقره الأولياء فعليهم أن يردوا للجانى مقابل الصلح إذا كان القتيل قد تسلمه.
* * *
إرث حق القصاص
١٩٦- يسقط القصاص إذا ورثه من ليس له القصاص من القاتل، كما يسقط إذا ورثه القاتل كله أو بعضه: فإذا كان فى ورثة المقتول ولد للقاتل فلا قصاص لأن القصاص لا يتجزأ، وما دام لا يجب بالنسبة لولد القاتل لأن الولد لا يقتص من أبيه فهو لا يجب للباقين. وإذا قتل أحد ولدين أباه ثم مات غير القاتل ولا وارث له سوى القاتل فقد ورث القاتل دم نفسه كله ووجب القصاص لنفسه على نفسه فسقط القصاص. وكذلك الحكم لو ورث بعضه فإن القصاص يسقط ولمن بقى من المستحقين نصيبهم من الدية (١) . ومن الأمثلة التى يضربونها على سقوط القصاص بإرثه ما يأتى:
إذا قتل أحد الأبوين صاحبه ولهما ولد لم يجب القصاص لأنه لو وجب لوجب لولده ولا يجب للولد قصاص على والده لأنه إذا لم يجب بالجناية عليه فلأن لا يجب له بالجناية على غيره أولى، وسواء كان الولد ذكرًا أو أنثى أو كان للمقتول ولد سواه أو من يشاركه فى الميراث أو لم يكن؛ لأنه لو ثبت القصاص لوجب له جزء منه ولا يمكن وجوبه لأنه إذا لم يثبت بعضه سقط كله لأنه
стр. 944
لا يتبعض وصار كما لو عفا بعض مستحقى القصاص عن نصيبه منها.
إذا قتل رجل أخاه فورثه ابنه أو أحد يرث منه شيئًا من ميراثه لم يجب القصاص؛ لما ذكرنا. ولو قتل خال ابنه فورثت أم ابنه القصاص أو جزءًا منه ثم ماتت فورثها ابنها سقط القصاص، ولا عبرة بكون الابن لم يرث القصاص إلا بعد وقوع القتل إذ القاعدة أن ما منع مقارنًا أسقط طارئًا.
ولو قتلت امرأة أخا زوجها فصار القصاص أو جزء منه لابنها سقط القصاص، سواء صار إليه ابتداء أو انتقل إليه من أبيه أو من غيره.
ابنان قتل أحدهما أباه والآخر أمه، فإن كانت الزوجية قائمة حال قتل الأول فالقصاص على قاتل الأم دون قاتل الأب. لأن الأم ورثت جزءًا من دم لأب فلما قُتلت ورثها قاتل الأب فورث جزءًا من دم نفسه فسقط عنه القصاص وبقى له القصاص على أخيه (١) ، وإن لم تكن الزوجية قائمة وقت القتل فعلى كل من الولدين القصاص لأخيه لأنه ورث الذى قتله أخوه وحده دون قاتله، فإن بادر أحدهما فقتل صاحبه فقد استوفى حقه وسقط القصاص عنه، لأنه يرث أخاه لكونه قتلاً بحق، فلا يمنع الميراث إلا أن يكون للمقتول ابن أو ابن ابن يحجب القاتل فيكون له قتل عمه، فإذا لم يبدأ أحدهما الآخر بالقتل فقد اختلف أيهما يقتل أولاً، لأن القصاص من أحدهما يسقط القصاص عن الآخر إذا كان يرثه، ففى مذهب أحمد يرى البعض البدء بمن ارتكب جريمته أولاً، ويرى البعض الاقتراع بينهما والرأى الأخير مذهب الشافعى.
واختلفوا فى مذهب أبى حنيفة فرأى زفر ترك الأمر للقاضى يبتدئ بأيهما شاء ورأى الحسن بن زياد بأن يوكل كل منهما وكيلاً لقتل الآخر فيقتلان فى وقت واحد فلا يرث أحدهما الآخر، وقال أبو يوسف بإسقاط القصاص عنهما معًا، وحجته فى ذلك
стр. 945
تعذر استيفاء القصاص لأنه إذا استوفى أحدهما سقط القصاص عن الآخر، وليس أحدهما بالاستيفاء أولى من الآخر، وفى استيفاء أحد القصاصين إبقاء حق أحدهما وإسقاط حق الآخر، وهذا لا يجوز، والقول باستيفائهما بطريق التوكيل غير سديد، لأن الفعلين قلما يتفقان فى زمان بل يسبق أحدهما الأخر عادة وإذا اتفق الفعلان فإن أثر كل من الفعلين وهو فوات الحياة لا يمكن أن يتفق مع أثر الفعل الآخر، فإذا تخلف الفعل أو أثره فقد ورث من وقع عليه الفعل المخلف زميله وسقط عنه القصاص فكأنه قتل دون حق (١) .
ويلاحظ أن مالكًا يفرق بين استحقاق القصاص ووارث حق القصاص، فمستحق القصاص هو العاصب الذكر والمرأة التى توفرت فيها شروط خاصة سبق بيانها (٢) فإذا مات من يستحق القصاص ورثه ورثته الذين يرثون المال من غير خصوصية للقضية فيرثه البنات والأمهات ويكون لهن العفو والقصاص كما لو كانوا كلهم عصبة لأنهم ورثوه عمن كان ذلك له، ولا يستثنى من الورثة إلا الزوجين فإنهما وإن ورثا المال لا يرثان حق القصاص.
ويرى أشهب أحد فقهاء مذهب مالك أن القصاص لا يسقط عن الجانى إذا ورث جزءًا من دم نفسه إلا إذا كان من بقى من المستحقين يستقل الواحد منهم بالعفو (٣) ، أما إذا كان الباقون لا يستقل أحد منهم بالعفو ولابد فى العفو من إجماعهم عليه فلا يسقط القصاص عن الجانى الوارث لجزء من دمه كمن قتل أخاه شقيقه وترك المقتول بنتين وثلاثة إخوة أشقاء غير القاتل فمات أبوهم ولا وارث له إلا إخوته الثلاثة القاتل والأخوان الآخران فقد ورث القاتل قسطًا من نفسه ولا يسقط القصاص عنه حتى تعفو البنات والأخوان الباقيان أو البعض من كل (٤) ؛ أى من هؤلاء وهؤلاء.
* * *
стр. 946
الكفارة
١٩٧- الأصل فى الكفارة قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٢] .
١٩٨- والكفارة عقوبة أصلية: وهى عتق رقبة مؤمنة فمن لم يجدها أو يجد قيمتها يتصدق بها فعليه صيام شهرين متتابعين، فالصوم عقوبة بدلية لا تكون إلا إذا امتنع تنفيذ العقوبة الأصلية.
١٩٩- وظاهر من النص أن الكفارة شرعت فى القتل الخطأ: ومن المتفق عليه أنها واجبة فى القتل الخطأ وكذلك فى القتل شبه العمد لأنه يشبه الخطأ من وجه ولكنهم اختلفوا فى وجوبها فى القتل العمد فرأى الشافعى أنها تجب فى العمد لأنها إذا وجبت فى قتل الخطأ مع عدم المأثم فلأن تجب فى العمد وشبه العمد وقد تغلظ بالإثم أولى. واستند إلى ما رواه واثلة بن الأسقع قال: أتينا النبى ﷺ بصاحب لنا قد أوجب بالقتل فقال: "اعتقوا عنه رقبة يعتق الله تعالى بكل عضو فيها عضوًا منه من النار" (١) . ولأحمد رأى يتفق مع رأى الشافعى ولكن المشهور فى مذهبه أن لا كفارة فى القتل العمد، وحجة القائلين بأن لا كفارة فى العمد أن النص الخاص بالقتل جاء خلوًا من الكفارة وأن الله جعل جزاء القتل العمد القصاص من القاتل وجهنم خالدًا فيها ومفهوم هذا أن لا كفارة فى القتل العمد، ويستندون إلى أن سويد بن الصامت قتل رجلاً فى عهد الرسول ﷺ فأوجب عليه القود ولم يوجب كفارة.
стр. 947
وأن عمرو بن أمية الضمرى قتل رجلين فى عهد النبى ﷺ ، فوداهما ولم يوجب كفارة (١) .
ويرى أبو حنيفة وأصحابه أن لا كفارة فى القتل العمد؛ لأن الكفارة دائرة بين العبادة والعقوبة فلابد من أن يكون سببها دائر بين الحظر والإباحة لتعلق العبادة بالمباح والقتل بالمحظور وقتل العمد كبيرة محضة فلا تناظر به الكفارة، ولأن الكفارة من العقوبات المقدرة فلا يجوز إثباتها بالقياس بل لابد من النص عليها (٢) .
ولا يوجب مالك الكفارة فى القتل العمد، ولكنه يراها مندوبًا إليها فى العمد الذى لم يقتص فيه سواء كان عدم القصاص راجعًا لمانع شرعى أو للعفو (٣) .
وسنذكر فيما يلى أحكام الكفارة مقارنة فى المذاهب مع ملاحظة الفرق بين من يجيزها فى القتل العمد ومن لا يجيزها.
٢٠٠- على من تجب الكفارة؟: تجب الكفارة عند الشافعى وأحمد على القاتل أيًا كان بالغًا أو غير بالغ عاقلاً أو مجنونًا مسلمًا أو غير مسلم، لا يستثنى من ذلك إلا الحربى، فتجب على الذمى والمعاهد والمستأمن (٤) .
ويرى مالك أنها تجب على الصبى البالغ والعاقل والمجنون، ولكنها لا تجب إلا على مسلم لأنها عقوبة تعبدية (٥) .
ويرى أبو حنيفة أن الكفارة لا تجب إلا على مسلم بالغ، فهى لا تجب على الصبى والمجنون وغير المسلم، لأن الصبى والمجنون لا يخاطبان بالشرائع أصلاً، أى لا مسئولية عليهما، ولأن غير المسلم لا يلزم بما هو عبادة، والكفارة وإن
стр. 948
كانت عقوبة إلا أنها فى الوقت نفسه عبادة. ويدر على أبى حنيفة بأن الكفارة عقوبة مالية، والمجنون والصغير وإن لم يسألا عن فعلهما من الناحية الجنائية فهما ضامنان له من الناحية المالية، وأما الكافر فيلزم بها لعموم النص.
٢٠١- تعدد الكفارة بتعدد الجناة: إذا تعدد الجناة فى قتل يوجب الكفارة لزم كل جان كفارة مستقلة، وعلى هذا أجمع الأئمة الأربعة؛ لأن الكفارة عن الفعل فلا تتبعض، وتكون كاملة فى حق كل واحد من المشتركين فى القتل كالقصاص يجب على كل مشترك فى القتل.
وهناك رواية عن أحمد ورأى فى مذهب الشافعى بأن على الجميع كفارة واحدة، وهذا يتفق مع رأى أبى ثور والأوزاعى، وحجة أصحاب هذا الرأى أن النص أوجب فى القتل دية واحدة وكفارة واحدة، وإذا كان من المسلم به أن الدية لا تتعدد فكذلك يجب أن يكون شأن الكفارة (١) .
٢٠٢- وكفارة القتل - كما قلنا - هى عتق رقبة مؤمنة: فإن لم يجدها القاتل فى ملكه فاضلة عن حاجته، أو يجد ثمنها فى ماله فاضلاً عن كفايته، فصيام شهرين متتابعين، فليس بشرط إذن أن تكون الكفارة عتق رقبة بالذات لأن قيمتها تقوم مقامها، وعلى هذا يمكن أن نقول: إن الكفارة بعد إلغاء الرق لا تكون بعتق رقبة، وإنما تكون بالتصدق بقيمة الرقبة إذا كان لدى القاتل ما يفيض عن حاجته، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، وتقدير قيمة الرقبة يترك لأولياء الأمور.
وإذا لم يستطع القاتل الصيام فيرى البعض أن الصيام يثبت فى ذمته حتى يستطيعه أو يستطيع قيمة الرقبة، ويرى البعض أن على القاتل إذا لم يستطع الصوم أن يطعم ستين مسكينًا قياسًا على ما جاء فى كفارة الظهار، ويعترض على هذا الرأى بأن الله ذكر العتق والصيام فقط فى القتل، وذكر العتق
стр. 949
والصيام والإطعام فى الظهار، ولو وجب الإطعام فى القتل لذكره كما ذكره فى حالة الظهار (١) .
هل تجب الكفارة فى كل قتل؟: تجب الكفارة فى القتل المحرم فقط، أما القتل المباح فلا تجب فيه، كقتل قاطع الطريق والقتل للقصاص وقتل الحرب والقتل دفاعًا عن النفس، وتجب الكفارة سواء كان القتيل مسلمًا أو غير مسلم، ذكرًا أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، وسواء كان القتل فى دار الإسلام أو دار الحرب باتفاق.
واختلف فى قتل النفس: فرأى الشافعى أن على قاتل نفسه الكفارة فى ماله لأن القتل محرم والنص عام يدخل تحت قتل النفس. وفى مذهب أحمد رأيان أحدهما: يرى ما يراه الشافعى، والثانى: يرى أن لا كفارة فى قتل النفس؛ لأن النص مقصود به قتل الغير بدليل قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢] ، وقاتل نفسه لا تجب فيه دية كما أن عامر بن الأكوع قتل نفسه خطأ، ولم يأمر النبى ﵇ فيه بكفارة، ويرى مالك وأبو حنيفة أن لا كفارة فى قتل النفس (٢) .
القتل المباشر والقتل بالتسبب: وتجب الكفارة عند مالك والشافعى وأحمد سواء كان القتل مباشرًا أو تسببًا، ويرى أبو حنيفة أن لا كفارة فى القتل بالتسبب أيًا كان نوعه؛ أى ولو كان خطأ (٣) .
* * *
العقوبات البدلية للقتل العمد
٢٠٣- عقوبات القتل العمد البدلية ثلاثة: الدية، والتعزير، والصيام. والدية والتعزير بدل من القصاص والصيام بدل من الكفارة، وسنبين فيما يلى أحكام هذه العقوبات الثلاث واحدة بعد الأخرى.
стр. 950
أولاُ: الدية:
٢٠٤- الأصل فى وجوب الدية الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء:٩٢] .
وأما السنة: فقد روى أن النبى ﷺ كتب لعمرو بن حزم كتابًا إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن والديات وقال فيه: "وإن فى النفس مائة من الإبل". وأجمع أهل العلم على وجوب الدية فى الجملة.
٢٠٥ - والدية فى القتل العمد ليست عقوبة أصلية: وإنما هى عقوبة بدلية قررت بدلاً من العقوبة الأصلية وهى القصاص، وتحل الدية محل القصاص كلما امتنع القصاص أو سقط بسبب من أسباب الامتناع أو السقوط بصفة عامة، مع مراعاة أن هناك حالات يسقط فيها القصاص ولا تحل محله الدية كحالة العفو مجانًا وكحالة موت الجانى عند مالك وأبى حنيفة، ولقد سبق أن بينا بتفصيل حالات سقوط القصاص، والآراء المختلفة فيها وما يحل محل القصاص.
ولا تعتبر الدية فى حالة قتل الأب ولده عقوبة أصلية؛ لأن العقوبة الأصلية للقتل هى القصاص، وإنما استثنى الأب منها لقوله ﵇: " لا يقاد الوالد بولده "، والتعبير بلفظ يقاد دليل على أن القود هو الأصل ولكن صلة الأبوة تمنع منه فحلت الدية محلة.
٢٠٦- الأجناس التى تجب فيها الدية: تجب الدية عند مالك وأبى حنيفة فى ثلاثة أجناس: الإبل، والذهب، والفضة (١) .
ولا تجب الدية فيها كلها، وإنما فى واحد منها فإذا قضيت الدية من الإبل أو من الذهب أو من الفضة فالقضاء صحيح، لأن كل واحد من هذه الأجناس