← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 9844

حكم التمثيل

بكر أبو زيد

Полный текст (57 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

التمثيل حقيقته، تاريخه، حُكمه إعداد بكر بن عبد الله أبو زيد دار الراية للنشر والتوزيع - الطبعة الأولى ١٤١١هـ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فإن التمثيل أصبح في الحياة المعاصرة (فناً) له رواده، ومدارسه، وطرائقه، بمسلسلاته، ومسرحياته، على اختلاف وسائل نشره في: الإذاعة، والتلفاز، وعلى خشبات المسارح، وردهات النوادي. فصار بهذا يشغل حيّزاً كبيراً في حياة المسلمين: حرفة، أداءاً، وسماعاً، ومشاهدة. فكل مدرسة من مدارس التمثيل تجلب من التمثيليات والمسلسلات ما يُروجها ويُكسبها سمعة وانتشاراً. إذ هي جواد رابح ُتحاز من ورائه الأموال. ويندر أن ترى الفرق بين أن تكون الممارسات والعرض في دار إسلام، أو دار كفر. وقد استشرى هذا في البيوتات، والأماكن العامة، فملأ أفئدة عوام الأمة: رجالاً ونساءاً وولدانا. حتى أن من يمجها ولا يهرع إليها، يُوصف بأنه (فاقد

стр. 3

الخيال) . لهذا: رأيت أن أبّين للمسلمين منزلة هذا (التمثيل) من العلم والدين، لأن تصرفات المسلم لا بد أن تكون محفوفة برسم الشرع، في دائرة نصوصه وقواعده، وآدابه. ولنرى بعد: هل من يستمزجها؟ (له خيال) أم فيه (خبال) ؟ . وينتظم ذلك سبعة أبحاث هي: المبحث الأول: ذكر ما كُتب في هذه النازلة تبعاً أو استقلالاً. المبحث الثاني: في حقيقة التمثيل وأسمائه. المبحث الثالث: تاريخه وأصله في الاعتياد والتعبد. المبحث الرابع: أنواعه. المبحث الخامس: غايته وأهدافه. المبحث السادس: المدرك الفقهي الشرعي لحكمه. المبحث السابع: شبه وجوابها. ومن هذه الأبحاث سيعلم الناظر مما جلبته فيها: أنها ليست نازلة مستجدة من كل الوجوه، لتقادم العهد بوجود وقائع لها، ومقابلتها من العلماء بالإنكار منذ القرن الثالث.

стр. 4

وإن الإمام النووي المتوفي سنة ٦٧٦هـ - رحمه الله تعالى - ذكر تمثيل الوعاظ، وتمثيل المعلمين، في كتابه (الروضة) ، وعنه ابن حجر الهيثمي في (الإعلام) . و (قصة التمثيل) للوعظ، ذكرها ابن عبد ربه في (العقد الفريد) وعنه البكري في (الوفاقات) كما في (صهاريج اللؤلؤ) . و (خيال الظل) ضرب من ضروب التمثيل، وإلى ابن الجوزي - رحمه الله تعالى - يُنسب البيتان المشهوران. وقد جمع العلامة أحمد تيمور فيه ما وقع له من قصص وحكايات وموقف العلماء والحكام منها مما سيمر نظرك عليه في هذا الكتاب - إن شاء الله تعالى -. لكن صار اعتباره (نازلة) عصرنا، لأنه أصبح (فناً) له رواده، ومدارسه، ويشكل ظاهرة منتشرة في الأمة. فمن الواجب إذاً البيان للناس عن حكم هذه الظاهرة، لنعلم هل هي اعتلال في حياتها، أم داعية استقامة على صراطها. والله الموفق. بكر أبو زيد

стр. 5

المبحث الأول: ما كتب في هذه النازلة في أخريات القرن الرابع عشر الهجري صار التمثيل فناً يمارس بشكل يتبارى فيه المخرجون له، والكتب الغثائية التي تشرح هذا وتبينه متكاثرة جداً، وذكرها هنا لا يعنينا. والذي يقصد هو بيان الحكم الشرعي للتمثيل، والتي تكشف عن تاريخه وأصله في الأمم. وقد تم الوقوف على جملة من الرسائل، والأبحاث، والفتاوى، هذا بيانها: أولاً: الرسائل والمؤلفات استقلالاً في التمثيل: ١- طيف الخيال. لابن دانيال الموصلي. م سنة ٧٦٠هـ مطبوع في آخر كتاب إبراهيم حمادة الآتي. ٢- خيال الظل، واللعب والتماثيل المصورة عند العرب، تأليف / أحمد تيمور باشا. طبع دار الكتاب العربي بمصر عام ١٣٧٦هـ. ٣- خيال الظل وتمثيليات ابن دانيال: تأليف / إبراهيم

стр. 6

حمادة، طبع وزارة الثقافة بمصرعام ١٩٦١م. ويقع في ٢٤٦ صفحة. ٤- الوفاقات في العادات. تأليف / محمد توفيق البكري. رسالة طبعت بحاشية كتابه (صهاريج اللؤلؤ) ، ص / ٢٥٨ - ٢٦٢. طبع بمصر بلا تاريخ. شرحه أحمد بن الأمين الشنقيطي. ٥- إقامة الدليل على حرمة التمثيل. تأليف/ أحمد بن الصديق الغماري. رسالة تقع في / ٣٥ صفحة. طبع دار مرجان يمصر. قبل عام ١٣٥٦هـ. ٦- إزالة الإلتباس عما أخطأ فيه كثير من الناس. تأليف / عبد الله بن الصديق الغماري. طبع في آخر رسالة أخيه المتقدمة، من ص / ٣٨ إلى ص ٤٣. ٧- فن التمثيل عند العرب. تأليف / محمد حسين الأعرجي.

стр. 7

ثانياً البحوث تبعاً أو استقلالاً: ٨ - مبحث مهم في (دائرة معارف القرن العشرين) لفريد وجدي ٢/ ٧١٦- ٧٢٠. وفي (شفاء الغليل) للخفاجي ص / ٤٤ ذكر من اخترع خيال الظل. وأنه رجل اسمه جعفر. لكنه قول مضعف لنا ستراه في آخر المبحث الثاني. ٩- مقال للشيخ عبد الله بن الصديق الغماري، طبع في آخر الرسالتين المذكورتين ص / ٤٤ - ٤٨ بعنوان: (ماذا في طنجة) . ١٠ - الشريعة الإسلامية والفنون. تأليف / الشيخ أحمد بن مصطفى القضاة. طبع عام ١٤٠٨هـ. نشر دار عمار في عمان الأردن. وفيه عقد الباب الثالث عن التمثيل ص / ٣١٦ - ٣٦٧. ١١ - الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين. للشيخ حمود التويجري. طبع عام ١٤٠٥ هـ بالرياض. ص / ٢٤٤ - ٢٤٥.

стр. 8

١٢ - بحث في حكم تمثيل الصحابة ﵃. مطبوع على الآلة الراقمة في عشرين صفحة، إعداد الرئاسة العامة للإفتاء بالرياض. ١٣ - وفي كتاب (الرحلة الحجازية) ص / ٥٣ - ٥٤، للسنوسي: بحث تاريخي في ذلك. ١٤ - وفي كتاب (المخرج من الفتنة) للوادعي، بحث في التمثيل الديني لدى الجماعات الإسلامية. ١٥ - تعليق للشيخ محمد كنعان، على تفسير الجلالين، طبع المكتب الإسلامي، عند قول الله تعالى في سورة لقمان﴾ ومن الناس من يشتري لهو الحديث ﴿الآية ٩. ص / ٥٣٩. ١٦ - ظاهرة فن التمثيل. مطبوع على الآلة الراقمة في / ٣٢ صفحة. بقلم محمد عبد اللطيف بن صالح الفرفور، من بحوث / مجمع الفقه الإسلامي بجدة. ١٧ - فن التمثيل. مطبوع على الآلة الراقمة في ١٤ صفحة. بقلم / الحاج شيت محمد الثاني من بحوث / مجمع الفقه الإسلامي بجدة. ١٨ - فن التمثيل. عبد العزيز الخياط. مطبوع على

стр. 9

الآلة الراقمة في / ١٦ صفحة. من بحوث / مجمع الفقه الإسلامي بجدة. ١٩ - فن التمثيل في الإسلام. التيجاني صابون محمد. في / ١٢ صفحة. من بحوث / مجمع الفقه الإسلامي بجدة. ٢٠- حكم الإسلام في وسائل الإعلام. لعبد الله ناصح علوان. ص / ٤٠ - ٥١. ٢١ - البيان المفيد عن حكم التمثيل والأناشيد. فتاوى ومناقشات لعدد من العلماء وطلاب العلم. جمعها عبد الله السليماني. ثالثاُ: وفي المجلات: ٢٢ - الرد على مصطفى الزرقاء في إباحته التمثيل. للشيخ وهبي سليمان الغاوجي. نشر في مجلة (منار الإسلام) . ٢٣ - تاريخ المسرح عند العرب. نشر في مجلة الدارة، العدد الأول عام ١٩٨٠م. ٢٤ - الترويح في الإسلام.

стр. 10

نشر في مجلة (الوعي الإسلامي) بالكويت، العدد ٢٤٦.٧٥٨ ٢٥ - التمثيلية ودورها في خدمة الإسلام. نشر في مجلة (الوعي الإسلامي) بالكويت، العدد / ٢٥١. ٢٦ - مشكلة فيلم إسلامي. لفهمي هويدي. نشر في جريدة (الدستور) الأردنية. في ٩ / ٨ / ١٩٨٨ م. ٢٧ - ٣٢ في مجلة الأزهر الأبحاث التالية: التمثيل والأنبياء م / ٢٦ ص / ٩٦٠، ٧٠١. المسرح الإسلامي. نقل لفيلم الرسالة. العرب والمسرح. تمثيل الرسول ﷺ . عرض القصص القرآني عن طريق السينما والمسرح. حكم تمثيل الشخصيات الإسلامية. أنظر من المجلة الأعداد الآتية / م / ٢٦ ص/ ٩٦٠، ٧٠١ م / ٥٠ ص/ ٧٥٨

стр. 11

م /٤٦ ص/ ١٠٥، ٢٢٧ م/ ٤٤ ص / ٥٧٢ م / ٤٨ ص ٥٨٤، ٤٢، ٣٨١، ٧٨٥، ٣٧٢ م / ٣٤ ص ١١٩ وقصص الأنبياء في السينما بقلم / محمد على ناصف عام ١٣٨٢هـ. ٣٢ - ٣٦ وفي مجلة (العربي) : خيال الظل مسرح عربي قبل أن تكون المسارح. العدد / ١٩. من الممثل العربي: العدد / ١٦٦ الكوميديا في مسرحنا العربي. العدد / ١٧٨. المسرحية العابثة وظهور المسرح العابث. العدد / ١٩٠. من هو الفنان. العدد / ١٤٢. ٣٧ - وفي مجلة (مواقف) اللبنانية. العدد رقم / ٤٦ لعام ١٩٨٣م، شهر ربيع الأول، مقال بعنوان مسألة فن التمثيل في المجتمع الإسلامي. عساف. رابعاً: الفتاوى: ٣٨ - قرار رابطة العالم الإسلامي في مكة " حرسها الله

стр. 12

تعالى " في تحريم النبي ﷺ . ٣٩ - قرار صدر من المنظمات الإسلامية أثناء دورتها المنعقدة في مكة " حرسها الله تعالى " عام ١٣٩٠هـ. ٤٠ - ٤٣ ثلاث فتاوى للشيخ محمد رشيد رضا في (الفتاوى) ، ٣ / ١٠٩٠، ٤ / ١٤١٨، ٦ / ٢٣٤٨ برقم ٥٠٤، ٥٤٨. وفي (مجلة المنار) ١٤ / ١٩١١ / ٨٢٧ - ٨٣٠. ٤٤ - فتاوى شلتوت. ٤٥ - فتوى اللجنة المختصة في مجلة الأزهر. عام ١٣٧٤ هـ في تحريم تمثيل الأنبياء ﵈. ٤٦ - فتوى لجنة الفتوى بالأزهر، في: حكم تمثيل الشخصيات الإسلامية. عام ١٣٧٩هـ. نشرت في مجلة الأزهر. عام ١٣٧٩ هـ. ٤٧ - الفتاوى الإسلامية من دار الإفتاء المصرية ٤ / ١٢٩٧، بعنوان: عدم التعرض لشخصية الرسول ﷺ في الأفلام.

стр. 13

المبحث الثاني: في حقيقة التمثيل وأسمائه المثل، والشبيه، كلاهما بمعنى واحد، تقول العرب: مثل الشيئ بالشيئ: إذا سوى به، وقدر تقديره، قال الزمخشري: (١) . " وفي حديث آخر: لا تمثلوا بنامية الله ". أي: بخلقه. وقيل: المراد التصوير، والتمثيل بخلق الله، من قولهم: مثل الشيئ بالشيئ، ومثل به: إذا سوى به.. والمحاكاة: هي و (التمثيل) بمعنى، يقال: حكيت، وأحكيه حكاية، إذا أتيت بمثله على الصفة التي أتى بها غيرك فأنت كالناقل عنه، فالمثلية معنى جامع بين مادتي: حكى، ومثل. وفي اصطلاح العصر. (عرض حي لقصة وأصحابها، واقعة أو متخيلة) الأسماء: ١ - التمثيل: هو الإسم الغالب عليه حتى لا يكاد يُعرف إلا به.

стр. 14

٢ - التقليد. ٣- المحاكاة. ٤- التشخيص (١) . ٥- المسلسلات. ٦- المسرحيات. واحدتها مسرحية. وأصلها من مادة (سرح) ، والسارحة الماشية، ولذا قيل للمرعى (مسرح) . وفي حديث الثلاثة المشهور (يغدوا عليهما بسارحة له) . وقد تفاصح بعضهم، فقال: صوابها (مرسح) بتقديم الميم، وهذه لا يساعد أصلها اللغوي عليها، فإنها من (رسح) بمعنى (قل لحمه) فالعلاقة منتفية بين المعنيين اللغوي والإصطلاحي. ١٠ - يُقال للتمثيلية (بابة) ومنه في أبيات وجيه الدين ضياء بن عبد الكريم، وقيل: لابن الجوزي: تجيئ وتمضي بابة بعد بابة ... وتَفْنى جميعاً والمحرك باقي

стр. 15

ولعل هذه التسمية مأخوذة من تقسيم التمثيلية على الأبواب (١) . ١١ - ويُقال لخيال الظل أيضاً: (القراقوز) في اللغة التركية (كرة - كوز) ، وكأنها تعني التنظير بالوزير الأيوبي (قراقوش) . ١٢ - ومنه أيضاً: (الآراجوز) : وهو لهجة عامية تركية للاسم قبله (كرا - كوز) لكنه هنا أشبه بالسينما. ١٣ - الملهاة. جمعها: ملاهي. ١٤ - ١٥- وأما عند المتقدمين فيقرب منه ما يسى لديهم باسم (خيال الظل) . وإضافته مقلوبة عن (ظل الخيال) . وفي المبحث الثالث نقْل مطول مهم عنه فلينظر. ١٦- ٢١- وأما في الاصطلاح الدخيل فله من الأسماء: الدراما، أو الميلودراما.

стр. 16

التقليد. التراجيديا. المأساة. التياترو. الكوميديا. ويأتي بيانها في المبحث الرابع: (أنواع التمثيل) . المبحث الثالث: تاريخه ، وأصله في الاعتياد والتعبد أصل حدوثه عند غير المسلمين: ابتداع في العبادات، ثم انتقل إلى العادات للتسلية والترفيه.. ثم تسرب التمثيل بنوعيه إلى المسلمين فشكل ظاهرتين في قالبين: ١- التمثيل الديني. ٢- التمثيل الترفيهي. وعن حدوثه في التعبد لدى غير المسلمين، فقد رجح بعض الباحثين أن نواة التمثيل من شعائر العبادات الوثنية لدى اليونان. ففي (المعجم المفصل ٢ / ١١٤٩ - ١١٥٠) بحث دقيق ومهم فلينظر. والله أعلم. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في

стр. 17

(اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٤٧٨) ما يفعله النصارى في عيدهم المسمى (عيد الشعانين) من أنهم يخرجون بورق الزيتون ونحوه بزعم المشابهة لما جرى للمسيح ﵇ حين دخل بيت المقدس - في هيئة يطول ذكرها - وهم يقلدونه ﵇ في ذلك يوم عيدهم المذكور. ثم امتدت هذه البدعة لدى العرب إلى تهادي الزهور أيام المواسم والأعياد. وشاهده قول النابغة: رقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب وهو لدى الفرنجة اليوم كذلك. وفي هذه السنين أخذ تهادي الزهور شكلاً آخر من إهدائة للمرضى، وما كاد الكفار يفعلونه إلا وتقوم له الدعاية على قدم وساق، حتى انتشر لدى المسلمين. وما كنت أظن أن العرب داراً ونسباً ولساناً - ستبلغ بهم التبعية الماسخة إلى فعلته، ومن أثقل المظاهر أن ترى المريض في عقله يحمل الزهور - مستقل ومستكثر - إلى المريض في بدنه وكان العكس أولى؟ فالله أكبر إنها السنن (لتتبعن سنن من كان قبلكم) .

стр. 18

ثم انتشر التمثيل في المعابد الكنسية، يمثل جزءاً من تعبداتهم الكنسية، ويحمل إسم: (التراجيديا) ، و (المأساة) ، و (التياترو) . وفي العقود الأخيرة من القرن الرابع عشر الهجري تسربت التمثيليات الدينية، والهزلية إلى المدارس النظامية، والدينية منها إلى الجماعات الإسلامية، فتألفت فيها فرقة (التمثيل الديني) ، ثم أخذت تتطور إلى تمثيل أشخاص بعينهم، ثم إلى العظماء في الإسلام، ثم إلى طبقة الصحابة ﵃، ثم إلى أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، ثم إلى العوالم الغيبية كملائكة الرحمن، وهكذا. وقد وجد لدى بعض الإخباريين ذكر السوابق في تاريخ العرب الترفيهية، والدينية، وكان يسمى لديهم (خيال الظل) فقيلت فيه أشعار، ونقلت عنه أخبار. وكان الولاة بين المنع والجواز. وهنا بيتان يُنسبان إلى ابن الجوزي رحمه الله تعالى، في (خيال الظل) كما في (النجوم الزاهرة) : (٦ / ١٧٦) رأيت خيال الظل أكبر عبرة ... لمن هو في علم الحقيقة راقي

стр. 19

شخوص وأشباح تمر وتنقضي ... وتفني جميعاً والمحرك باقي وفي (كناشة النوادر) للأستاذ عبد السلام هارون (١/٩) قال: (خيال الظل: وهو الأصل الأول للسينماء المعاصرة، إذ تتحرك الأشخاص والأشكال خلف ستر، وقد سلط عليها الضوء، فتبدو صورها متحركة من خلف الستر. . ومن أقدم النصوص التي سجلت فيها هذه الظاهرة، قول ابن الجوزي، المتوفى سنة ٥٩٧ هـ أي منذ ثمانية قرون، فذكرهما عن (النجوم الزاهرة ٦/١٧٦) انتهى. وهما بنحوهما مع غيرهما - منسوبة في (المستطرف) للأبشيهي إلى وجيه الدين ضياء بن عبد الكريم والمتأخرون يتناقلون نسبتهما إلى الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى - ولم أقف في هذا العزو على مصدر قديم، والله أعلم. ولتيمور في (خيال الظل) ص/١٩- ٢٣ مبحث ممتع في ذلك، وإنكار العلماء له فلينظر. والله أعلم. وفي (العقد الفريد) لابن عبدربه، وعنه بدون عزو في (الوفاقات) للبكري، كما في حاشية (صهاريج اللؤلؤ)

стр. 20

له ص/ ٢٥٨- ٢٥٩ ذكر قصة طويلة لبعض الوعاظ، حيث كان يقف على تل مرتفع فيقول قم: يا أبا بكر فيقوم شخص بمثابة أبي بكر ﵁ وهكذا. ومن الذين اشتهروا بذلك، إبن دانيال الموصلي: شمس الدين محمد بن دانيال بن يوسف الخزاعي المولود سنة ٦٤٦هـ والمتوفى سنة ٧١١هـ، ثم المصري والذي عاش على أنقاض العدوان الهولاكي التتري، وفي حياته الإنتقالية إلى مصر احترف الطب وامتهن الكحالة. وكانت له مواقف وأشعار وحكايات وقصص ماجنة، وحياته مملوءة بهذا. ثم ترقت به الحال إلى (خيال الظل) وقد ألف كتابه (طيف الخيال) (١) . وأمام هذه البدوات، فقد قابله الفقهاء بالمنع والتحريم كما رأيت نقلا عن (خيال الظال) ، وما يأتي عن النووي، وابن حجر الهيثمي. هذا ما أمكن الوقف عليه عن (تاريخ التمثيل وأصل حدوثه) . وأما بشكله التنظيمي المعاصر، وتطوره الراهن فإن

стр. 21

هذه النواة نمت بحكم اتصال المشارق بالمغارب، وكان أول حدوثه في ديار الإسلام - بوصفه الحاضر- على يد نصراني هو: مارون النقاش اللبناني، إذ عمل أول تمثيلية عام ١٨٤٠م أي قبل ١٥٠ عاماً، كما في (تاريخ الأدب) ص/٤٢٧- للزيات، ثم في بلاد الشام، فمصر، على يد أحد الممثلين الدماشقة المتوفي ١٣٢٠هـ، وهو: أبو خليل القباني: أحمد بن محمد آغا آقيق. قال الزركلي في (الأعلام ١ /٢٣٥) في ترجمته له: (من أوائل منشئي المسرح التمثيلي العربي في الشام ومصر ... أنشأ مسرحاً للتمثيل بدمشق عرض فيه بضع روايات غنائية من وضعه وتلحينه، وأنكر عليه بعض الشيوخ إتيانه بهذه البدعة، فشكوه إلى حكومة الأستانة، ومنع من الاستمرار، فاحترف التجارة بما يسمى (مال القبان) وعرف بالقباني. وولي دمشق أحد رجال الإصلاح المشهورين من الترك (مدحت باشا) ، فدعاه إليه، وأذن له بالعودة إلى ماكان قد بدأ به. وأقصى مدحت عن دمشق، فرحل أبو خليل إلى مصر سنة ١٨٨٤م، ومعه (جوقه) من الممثلين والمنشدين، فبدأ بتمثيل (أنبس الجليس) ، وعلت

стр. 22

شهرته، وكثر الآخذون عنه، واقتبس من الأدب الغربي قصصاً عن كورونيه الفرنسي وغيره. وسافر إلى العاصمة العثمانية (الأستانة) وأمريكا، ولقي نجاحاً ثم عاد إلى دمشق..) انتهى. وأما حدوثه في (العادات) فهو في بلاد الكفر من أوروبا، وأمريكا، وغيرهما لأغراض متعددة وتحت ألقاب متنوعة، وهذا ما يأتيك خبره في المبحث بعده وهو (المبحث الرابع) . المبحث الرابع: أنواع التمثيل تبين من المبحث قبله أن التمثيل في أصل حدوثه ديني لدى وثنية اليونان، ولدى النصارى، واعتيادي كما في فرنسا وأوربا وأمريكا وغيرها، ويمكن تصنيف نوعيه إلى ما يلي: الأول: التمثيل الديني: وهو قسمان: أالتراجيديا، أو (المأساة) وهما للمحزن منها. ب التياترو، وأصل معناه: النظر بإعجاب. الثاني: في محيط العادات واللعب، وهما قسمان: أالكوميديا، أو (الملهاة) للمضحك منها.

стр. 23

ب الميلودراما، و (دراما) للمزعج منها. وأنواعه بحسب الواقع من عدمه: ١- طبعية: أي واقعية تحكي واقعاً فعلياً. ٢- متخيلة: أي من نسج الخيال. ٣- رمزية: تعتمد التعبير المثير. ثم أنواعه بحكم أدائه بالوسائل الحديثة هي: إذاعية، تلفزة، سينما، مسرحية. ثم هي: نثرية، أو شعرية، أو مرتجلة، أو معدة. المبحث الخامس: الغاية من التمثيل هي باختصار يجمعها (قصد التأثير بإصلاح أو إفساد) وينبغي التنبيه إلى أن (الفاسد منها) يظهر بقصد: شغل الفراغ. الترفيه. وتصاغ له الأساليب: ترفيه هادف. ترفيه برئ، وهكذا.

стр. 24

المبحث السادس: المدرك الفقهي لبيان حكم نازلة التمثيل لما لم نر فيها كلاماً لمتقدمي العلماء، نظراً لأنها لم تدخل محيط العبادات، ولم تنتشر في العادات، صار تقليب النظر في تنزيلها على أي من أحكام التكليف على النحو الآتي: ١- هل التمثيل: محرم لذاته تحريم غاية فيشمل جميع أقسامه وأنواعه سواء في العبادات أو العادات؟ ٢- أم أن أصله الإباحة، والحكم عليه بحسب موضوعه، فيتنزل الحكم التكليفي عليه بحسب موضوعه؟ ٣- أم الإباحة لأصله وموضوعه، والنهي لما يحف به من بعض المحرمات، فيكون من باب تحريم الوسائل؟ هذه هي القسمة التي يمكن تصورها للمدرك الفقهي، حتى يتسنى بيان موجبات الحكم الشرعي في (التمثيل) . واعلم أن القسم الثالث لا أعلم به قائلاً ولا أحسب له قائلاً من علماء الملة، بل إن موجبات التحريم العارضة فيه هي زيادة لحكم الحضر، سواء قيل لذاته أو

стр. 25

لموضوعه. إلا أن القسم الثاني ينتظم الأقسام الثلاثة على التفصيل الآتي: فيكون التمثيل في موضوع محرماً لذات الموضوع. ويكون التمثيل في موضوع جائزاً، ويحرم بحكم ما يحف به من أمور أخرى. ويكون التمثيل في موضوع جائزاً، ولا يحف به ما يرقيه إلى رتبه النهي. وإذا كان الأمر كذلك، فإلى سياق الأدلة الحكمية في قوالب ثلاثة: الأول: أدلة تحريم التمثيل لذاته. الثاني: أدلة تحريم التمثيل لموضوعه. الثالث: أدلة تحريم التمثيل لما يفضي إليه. توجيه تحريم التمثيل لذاته: إذا علمت أن التمثيل منقطع الصلة بتاريخ المسلمين في خير القرون، وأن وفادته إليهم كانت طارئة في فترات، وأنه في القرن الرابع عشر الهجري استقبلته دور اللهو، وردهات المسارح، ثم تسلل من معابد النصارى، إلى فريق (التمثيل الديني) في المدارس، وبعض الجماعات

стр. 26

الإسلامية. إذا علمت ذلك فاعلم أن قواعد الشريعة وأصولها، وترقيها بأهلها إلى مدارج الشرف والكمال تقضي برفضه، ورده من حيث أتى، وهذا بيانها: أولا ً: معلوم أن الأعمال، إما عبادات أو عادات. فالأصل في العبادات لا يشرع منها إلا ما شرعه الله، والأصل في العادات لا يحظر منها إلا حظره الله (١) . وعليه: فلا يخلو التمثيل، أن يكون على سبيل التعبد (التمثيل الديني) ، أو من باب الاعتياد، على سبيل (اللهو والترفيه) . فإن كان على سبيل التبعد، فإن العبادات موقوفة على النص ومورده، و (التمثيل الديني) لاعهد للشريعة به، فهو سبيل محدث، ومن مجامع ملة الإسلام قول النبي ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد) . ولهذا فما تراه في بعض المدارس والجامعات من فرق ٍ للتمثيل الديني، فإن في حقيقته (التمثيل البدعي) لما علمت من أصله، وحدوثه لدى المسلمين خارجاً عن دائرة المنصوص عليه بدليل شرعي، وأنه من سبيل التعبد لدى أهل الأوثان من اليونان، ومبتدعة النصارى، فلا أصل

стр. 27

له في الإسلام بإطلاق، فهو إذا ً محدث، وكل أمر محدث في الدين فهو بدعة، تضاهي الشريعة، فصدق عليه حسب أصول الشرع المطهر: إسم (التمثيل البدعي) . وأسوق إليك هنا أمرين مهمين: أحدهما: هذا النوع من التمثيل (التمثيل الديني) إنما وجد في أمم الكفر، لأنهم خواء ليس لهم شرع قائم يرجعون إليه، أما أهل الإسلام فلديهم الشرع المعصوم من التبديل (الكتاب، والسنة) فهم في غناء عن هذه الواردات، قال الله تعالى:﴾ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ﴿الفرقان / ٣٣ ثانيهما: إنما يحصل العدول عن هدي الكتاب والسنة إلى أمثال هذه الوفادات، إذا ضعف أهل الإسلام عن تحمل العلم الشرعي، وأعياهم تحمله، والفقه فيه، فيذهب بهم العجز والخواء كل مذهب، وحينئذ تصادف هذه الواردات قلباً خالياً من نور العلم الشرعي الموروث عن النبي ﷺ فيتشرب هذه المحدثات. وقد بلغ الحال بالمسلمين من التمثيل لعظماء الإسلام على خشبات المسارح، من رجال القرون المتأخرة إلى

стр. 28

القرون المفضلة، إلى أنبياء الله ورسله، إلى عوالم الغيب. وقد ثبت بالمشاهدة في معقل من معاقل العلم الشرعي، قيام تمثيلية دينية - زعموا - يمثل فيها مسلم دور مشرك بالله، فيسجد لشجرة من دون الله ... لبيان فضل التوحيد ... وهكذا كما هو معلوم ومشاهد. فنعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن العماية بعد الهداية، ومن الضلالة بعد الرشد. وإن نشر الفضائل، وإظهار عظمة الإسلام، تلتقي فيها الوسائل مع الغايات، بوقفها على منهاج النبوة، وهذا منابذ لها، أجنبي عنها. وأما إن كان التمثيل في (العادات) ، فهذا تشبه بأعداء الله الكافرين، وقد نهينا عن التشبه بهم. إذ لم يعرف إلا عن طريقهم، والنهي عن التشبه بهم (أمر بمخالفتهم) ، وقد نهى الله سبحانه عن الخوض فيما يخوضون فيه، فقال تعالى:﴾ كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ

стр. 29

فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿التوبة / ٦٩. والله تعالى قال لنبيه ﷺ ﴾ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴿الأنعام / ٥٩ فقوله سبحانه﴾ لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴿يقتضي البرآءة منهم في جميع الأشياء. والمتابعة في بعض الأشياء يكون التابع له من المتبوع في ذلك الشيئ. وإذا كان الله قد برأ نبيه ﷺ من جميع أمورهم، فمن كان متبعاً لنبيه ﷺ حقيقة كان متبرئاُ منهم كتبرؤه ﷺ منهم، ومن كان موافقاً لهم كان مخالفاً لرسول الله ﷺ بقدر موافقته لهم (١) . قال ابن حجر الهيثمي م. سنة ٩٧٤هـ - رحمه الله تعالى - في رسالته: (الإعلام بقواطع الإسلام) ص / ٣٦٢ المطبوعة في آخر (الزواجر) : (ومنها - أي من المكفرات - لو حضر جماعة، وجلس أحدهم على مكان رفيع تشبيهاً بالمذكرين، فسألوا المسائل وهم يضحكون، ثم يضربونه بالمجراف.

стр. 30

أو تشبه بالمعلمين، فأخذ خشبة، وجلس القوم حوله كالصبيان، فضحكوا، واستهزؤا. أو قال: قطعة من ثريد خير من العلم: كفر. زاد في الروضة - يعني النووي - قلت: الصواب أنه لا يكفر، في مسألتي التشبيه) انتهى. ولا يغتر بذلك، وإن فعله أكثر الناس، حتى من له نسبه إلى العلم، فإنه يصير مرتداً على قول جماعة، وكفى بهذا خسارة وتفريطاً) انتهى. ثانياً: لا يخلو (التمثيل) أن يكون أسطورة متخيلة، فهذا كذب، والنفوس واجب ترويضها على الصدق، ومنابذة الكذب، والأساطير المختلقة المكذوبة، تشرب النفوس الكذب، وعدم التحرز منه. وعن معاوية بن حيدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ويل للذي يحدث فيكذب، ليضحك به القوم، ويل له، ويل له) . رواه أحمد، والترمذي، والحاكم. أو أن يكون (التمثيل) حقيقة بتمثيل معين، فهذا محاكاة، والمحاكاة منهي عنها بإطلاق، كما في حديث

стр. 31

عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (ما أحب أني حكيت إنساناً، وأن لي كذا وكذا) رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن الجعد. قوله: (حكيت إنساناً) أي: قلدته في حركاته، وأقواله فهي غيبة فعليه، وهي كالغيبة القولية في التحريم سواء. ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: (وأن لي كذا) أي: وأن لي على تلك المحاكاة، وهذا من أدلة التحريم. قال النووي ﵀ في (الأذكار) (ص/ ٤٩٠) (ومن ذلك - أي الغيبة - المحاماة، بأن يمشي متعارجاًً، أو مطأطئاً، أو غير ذلك من الهيئات، مريداً حكاية من يتنقصه بذلك. فكل ذلك حرام بلا خلاف) إنتهى. فظهر أن (المحاكاة) ، (التمثيل) مبغضة في الإسلام، والمحاكاة فيها إيذاء في جميع الأحوال. إذ أن الطباع تنفر من مشاهدة من يحاكيها حتى في مواطن المحمدة. وكم في هذا من هضم وإيذاء. وإن عشاق اللهو من العظماء والمترفين لا يمكن التجاسر بمحاكاتهم على ملاً من

стр. 32

الناس، ولو في مواطن الشجاعة والكرم، فكيف تهدم حرمات ناس مضوا، وبقي علينا واجب النصرة لهم بالإسلام، فلننتصر لحفظ حرمتهم، والإبقاء على كرامتهم (وكل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه) ، فكيف إذا كان فيه مواقف من الإيذاء والسخرية والاغتياب، والكذب عليه بقول ٍ وماقال، وفعل ٍ وما فعل؟ وإن السؤال ليرد على من يعتني بها، وعلى من يستخرجها، ويتلذذ بتمثيل غيره معيناً، هل يرضى أن يُمثل في مشاهدته، وهو يتحدث مع زوجته، أو قائم في صلاته، أو في حال تلبسه بخطيئة، أو في أي دور من أدوار حياته. وفي (الديارات) للشايشتي، ذكر عن الشاعر: دعبل الخزاعي م / ٢٥٠هـ قوله: (وما غلبني إلا مخنث، قلت له: والله لأهجونك، قال: والله لئن هجوتني لأخرجن أمك في الخيال) انتهى (١) .

стр. 33

فانظركيف كان وسيلة للنكاية والسخرية والتشفي من أي شخص يُراد الإنتقام منه. فهو بالجملة يحوي مجموعة (مفاتيح سوء) توصل إلى مقصد يراد منها. فيا لله كم في هذا من وثبات على حرمات أناس مضوا، وكم فيه من جراءة على حرمتهم، وإسقاط لها، وتوهين لمكانتها، والله المستعان. ثالثاُ: المروءة من مقاصد الشرع، وخوارمها من مسقطات الشهادة قضاء، والشرع يأمر بمعالي الأخلاق، وينهي عن سفاسفها. فكم رأى الراءون (الممثل) يفعل بنفسه الأفاعيل، في أي عضو من أعضائه، وفي حركاته، وصوته، واختلاج أعضائه، بل يمثل: دور مجنون، أو معتوه، أو أبله، وهكذا. وقد نص الفقهاء " في باب الشهادة " على سقوط شهادة " المضحك " و " الساخر " و " المستهزئ " و" كثير الدعابة ". وهذا منتشر في كلام الفقهاء من المذاهب الأربعة وغيرهم. وفي مجموع " فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية ": (٣٢/٢٥٥ - ٢٥٦) سُئل عن الرجل يتحدث بين الناس بحكايات كلها كذب، فقال: (وأما المتحدث بأحاديث

стр. 34

مفتعلة ليضحك الناس، أو لغرض آخر، فإنه عاص لله ولرسوله. وقد روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: " إن الذي يحدث فيكذب ليُضحك القوم ويلٌ له، ويلٌ له، ثم ويلٌ له ". وقد قال ابن مسعود: " إن الكذب لا يُصلح في جد ٍ ولا هزل، ولا يَعد أحدكم صبيّه شيئاً ثم لا يُنجزه " وبكل حال ففاعل ذلك مستحق للعقوبة الشرعية التي تردعه عن ذلك) انتهى. وعليه فلا يمتري عاقل، أن (التمثيل) من أولى خوارم المروءة، ولذا فهو من مسقطات الشهادة قضاء، وما كان كذلك، فإن الشرع لا يُقرّه في جملته. ومن المسلمات أن (التمثيل) لا يحترفه أهل المروءات، ولا من له صفة تذكر في العقل والدين. رابعاً: الإسلام ينشد لأهله الترقي في مدارج الشرف، والإبتعاد بهم عن إيجاد طبقة ساذجة، دأبها اللهو، والتفاهة، ونشر هذا التدني في الأمة. والتمثيل لا يمكن أن نرى في الإسلام عظيماً في خلقه، ودينه، وشرفه، وكرامة أصله يعتمله، ما لم يكن في مقوماته الأصلية أو المكتسبة اختلال. والإسلام لما

стр. 35

أبيح فيه: المزاح، والضحك، واللهو، أبيح في قوالب معينة، وحف بضوابط. أما مطلقاً فلا ... لا. والتمثيل لا يكون في حبائله إلا نوع من نزع الحياء منه، والحياء من الإيمان، ولا إيمان لمن لا حياء له. وفي الحديث (إذا لم تستح، فاصنع ما شئت) . وقد سُمي المزاح مزاحاً، لأنه مُزيح عن الحق، ومُزيح للهيبة عن معتمله. وللبدر الغزي المتوفي سنة ٩٨٤هـ - رحمه الله تعالى - كتاب (المراح في المزاح) ذكر فيه جملة من وقائع المزاح في عصر النبي ﷺ ثم لدى الصحابة ﵃، ثم لدى التابعين ﵏ وهكذا. وأن المزاح المشروع كان يأتي عرضاً، وليس حرفة تستهلك الحياة، وأنه محفوف بضوابطه الشرعية، من الصدق، وعدم الإعتداء على عرض وغيره، أو الكذب، أو الغيبة، وهكذا. وبهذا تجتمع النصوص الواردة في مدحة وذمه. وقدم ﵀ لكتابه هذا بمقدمة كاشفة عن أدب الشرع في المزاح ص/ ٨ - ١٣ فلتنظر فإنها مهمة جداً. خامساً: الوقت عصب الحياة، يُنفق في تحصيل ما

стр. 36

يعود بالفائدة من دين أو دنيا، كمال ٍ يُكسب من حله، ويُبذل في غير إسراف ولا مخيلة. والتمثيل في مسلسلاته ومسرحياته التي تستغرق الساعات الطوال، عدو كاسر على وقت المسلم، وامتصاص للأموال، ولا سيما وقد صار حرفة، بل فناً له رواده ومدارسه ومسارحه.. فكم بذل فيها من جهود، وكم أنفق فيها من مال، والنتيجة هُراء في هُراء، ورعونات يأنف من مشاهدتها الفضلاء. وأما إن كانت بدعية، إي (دينية) على حد تعبيرهم الفاسد، فكم فيها من ثِقل ٍ في العرض وسماجة في الأداء. ولهذا فمن المشهور أن أكثر الخلق يعرضون عنها إلى مجالس لغو أخرى، ولا لوم، إذ يسمعون (سقط المتاع) يقول بصوته التقليدي على خط وهمي (أنا القاضي شريح) ، ويرون ماجناً يقول (أنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب) ، نعوذ بالله من عقول لا تستهجن ذلك. وقد حُدثت عن إحصائية لبعض الدول الكافرة في أقل الناس، ومتوسطهم، وأكثرهم مشاهدة للتلفاز أسبوعياً، فوجد أن أكثرهم مشاهدة من شخص أو أسرة في الأسبوع بمعدل ساعتين لبرامج معينة، أما لبني

стр. 37

جلدتنا فقد استغرقوا في مشاهدته، أبصار شاخصة وألباب فارغة، تستلهم جميع برامجه فتمتص من دينه ومقومات جياته بقدر ما يبث فيها، ويستلهمه هذا المسكين، فالله المستعان. سادساً: التمثيل، لا ينفك عن (الكذب) ، بحال في الفعال، والأقوال، بل كم من يمين غموس، وزواج، وطلاق.. وكله اختلاق. والكذب أدوى الأدواء، ويطبع المؤمن على كل شيئ خلا الخيانة والكذب. ووجه عدم انفكاكه عن الكذب على ما يلي: ١ - إن كان أسطورة، فهذا من أساسه اختلاق، وبئس المطية لتوجيه الأمة وترفيهها بما هو كذب عليها، وملاعبة لعقولها. ٢ - وإن كان يمثل معيناً كصلاح الدين الأيوبي، وغيره من العظماء من قبل ومن بعد، فإنهم سيقولون (قال) وما قال، و (فعل) وما فعل، وهكذا في حركات وتصرفات هي محض افتراء، وتقوّل عليه. وإذا حرم الله شيئاً مثل الكذب، حرم ما بني عليه،

стр. 38

وأوصل إليه، والتمثيل سبيل إليه، فيحوي من الكذب ما تراه، فالله المستعان. وعجيب - والله - أن يتهافت الناس على مشاهدة الكذب وسماعه. وصدق رسول الله ﷺ (لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن، ويكثر الكذب..) الحديث رواه أحمد في المسند، من رواية أبي هريرة ﵁. والخلاصة: أن الممثل (قتيل التمثيل) في الابتداع أو التشبه، وفي الكذب، وخرم المروءة، ووأد الحياء والتضحية بوقته لحياة هزلية. سابعاً: التمثيل بنوعيه: الديني والترفيهي، ردة فعل لدى المنهزمين من المسلمين، لمحاكاة ما لدى الأمم الكافرة من أساطير و (إلياذات) وهمية، منسوجة يهرع إليها الناس. فلدى (اليونان) : (إلياذة هوميروس) وهي مطبوعة في مجلدين. ولديهم (التراجيديا اليونانية) التي اختلقها (أيسكولوس) ولدى الرومان أساطيرهم ونسجهم.

стр. 39

ثم يأتي المنهزمون من المسلمين فيلتقطوا من موائد هؤلاء ومن غيرهم، فيهيمون في التمثيل الترفيهي إلى حد بلغ القضاء المبرم على سمة المسلم، ووقته، وقواه، وتفكيره. وعندئذ يأتي اختلاق (ألف ليلة وليلة) و (سيرة عنترة) و (البطال) و (السيد البطل) . وعلى غرارها في (العصر الحاضر) : الإستدلال من سيرة الأبطال، ومضاعفتها بالكذب والأوهام، كما في قصة (وضاح) و (عبيد بن الأبرش) ، وغيرهما من أحاديث العرب وأخبارها في جاهلية وإسلام. وفي (التمثيل الديني) يأتي التسلق إلى تمثيل أنبياء الله ورسله، والصحابة من المهاجرين والأنصار، وإلى عظماء الإسلام كافة. وكان من أبشع ما رأى الراؤون ما عمله ذاك الشقي طه حسين في كتابه (على هامش السيرة) : إنه ليس في حقيقتها، ولكن على هامشها بالاختلاق للتسلية. إنها محاكاة دينية لإلياذة اليونان، وأساطير الرومان. فجعل هذا العابث: سيرة النبي ﷺ مسرحاً للأساطير والكذب، وإدخال الباطل، وسل

стр. 40

الصحيح. واختراع ما يسيئ إلى النبي ﷺ وإلى جميع المسلمين. فانظر إلى هذا العنوان الأثيم (على هامش السيرة) ، وإلى ما احتوته من الاختلاق العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ثامناً: ولما نشأت ظاهرة (القصص الكاذب) في عهد أمير المؤمنين عمر - ﵁ بغية الوعظ والتذكير، منع ذلك عمر ﵁ وشدّد النكير على القصاص والمذكرين. وقد توالت كلمة العلماء على إنكار ذلك، وأنه دجل وتلاعب بالعقول، وكذب مختلق لا يجوز، وتشويه لصورة الإسلام وشيوع للموضوعات والمختلقات. وإنه وإن ظهر بمظهر الوعظ وإيقاظ النفوس، فهو مرض شهوة، حب المال، ... والجاه، والظهور. وقد أغنانا الله بقرآن يُتلى، فيه أنواع القصص والعبر، بل فيه أحسن القصص. وقد ألف العلماء في الإنكار عليهم - أي الوضاعين - تآليف مفردة لشدة خطرهم، وعظيم ضررهم. واليوم: يعود الكذب بمسلاخ آخر (التمثيل) ،
следующие страницы →