[مقدمة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي مهد قواعد الدين بكتابه المحكم، وشيد معاقد العلم بخطابه وأحكم، وفَقَّه في دينه من أراد به خيرا من عباده وفهّم، وأوقف من شاء على ما شاء من أسرار مراده وألهم، فسبحان من حكّم فأحكم، وحَلَّل وحرّم، وعرّف وعلّم، علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تهدي إلى الطريق الأقوم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، المخصوص بجوامع الكلم وبدائع الحكم، وودائع العلم والحلم والكرم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (١) .
أما بعد:
فإن علم القواعد الفقهية من أجَلِّ العلوم الشرعية قدرا، وأسماها فخرا، وأعلاها شرفا وذكرا؛ ولذا أعلى الأئمة من شأنه، وأشادوا بمكانته وأهميته، وبينوا حاجة الفقيه الماسة إلى الإلمام به وتعلمه. قال الإمام القرافي يرحمه الله: (وهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يَعُظُم قدر الفقيه ويَشْرُف، ويظهر رونق الفقه ويُعْرف، وتتضح مناهج الفتوى وتُكْشَف) (٢) .
стр. 2
وقال الحافظ ابن رجب يرحمه الله: (فهذه قواعد مهمة، وفوائد جمة، تضبط للفقيه أصول المذهب، وتُطْلعه من مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تَغَيَّب) (١) .
وقال الإمام السيوطي يرحمه الله: (اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم، به يُطَّلَع على حقائق الفقه ومداركه، ومآخذه وأسراره) (٢) .
وتكمن أهمية هذا العلم في أمور عدة (٣) ، منها:
أولا: أنها تضبط الأمور المنتشرة المتعددة، وتنظمها في سلك واحد مما يمكن من إدراك الروابط والصفات الجامعة بين الجزيئات المتفرقة، فهي كما قال ابن رجب: (تنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيد له الشوارد، وتقرب عليه كل متباعد) (٤) .
ثانيا: أن ضبطها يُيَسر على الفقيه ضبط الفقه بأحكامه، ويغنيه عن حفظ أكثر الجزئيات؛ إذ إن حفظ جزئيات الفقه وفروعه يستحيل أن يقدر عليه إنسان خلافا للقواعد فإن حفظها وإن كَثُرَت داخلٌ تحت الإمكان؛ ولذا قال القرافي يرحمه الله: (من ضبط الفقه بقواعده
стр. 3
استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات؛ لاندراجها في الكليات) (١) .
ثالثا: أن دراستها تُكَوِّن عند المرء ملكة فقهية تنير أمامه الطريق لدراسة أبواب الفقه الواسعة والمتعددة، ومعرفة الأحكام الشرعية، واستنباط الحلول للوقائع المتجددة والمسائل النازلة؛ ولذا أصبحت القواعد معينا ثَرّاً للفقهاء، ومبعث حركة دائمة ونشاط متجدد، يُبعد الفقه عن أن تتحجر مسائله وتتجمد قضاياه.
قال الإمام السيوطي يرحمه الله: (أعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم، به يُطَّلع على حقائق الفقه ومداركه، ومآحذه وأسراره، ويتمهّد في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج، ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لاتنقضي على مَرّ الزمان) (٢) .
رابعا: أنها تمكن الفقيه من تخريج الفروع بطريقة سَوِيَّة، وتبعده عن التخبط والتناقض الذي قد يترتب على التخريج من المناسبات الجزئية، وقد نقل تاج الدين السبكي عن والده قوله: (وكم من آخر مستكثر في الفروع ومداركها قد أفرغ جمام ذهنه فيها، غفل عن قاعدة كلية، فتخبطت عليه تلك المدارك وصار حيران، ومن وفقه الله بمزيد من العناية جمع بين الأمرين، فيرى الأمر رأي
стр. 4
العين) (١) .
وحتى يتضح معنى القاعدة الفقهية وأهميتها واستقلالها لابد من بيان الفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية، والفرق بينهما من وجوه (٢) ، منها:
أولا: من جهة الموضوع؛ إذ إن موضوع القاعدة الفقهية أفعال المكلفين، وموضوع القاعدة الأصولية الأدلة الشرعية. فالقاعدة الأصولية "النهي يقتضي الفساد"موضوعها: كل دليل في الشريعة ورد فيه نهي بينما القاعدة الفقهية "المشقة تجلب التيسير" موضوعها: كل فعل من أفعال المكلَّف يجد فيه مشقة معتبرة شرعا.
ثانيا: من جهة كون كل منهما كلية أم لا، فالقواعد الأصولية كلية مطردة خلافا للقواعد الفقهية فليست كلية، بل هي أغلبية أكثرية؛ لأن لها استثناءات بالإضافة إلى فروق أخرى ليس هذا محل بسطها.
ولما كان لهذا العلم أهمية عظمى وفائدة جُلَّى أخذ العلماء في التأليف فيه والتصنيف، فمنهم من أطنب وأسهب، ومنهم من اختصر وهذب، ومنهم من كان تأليفه نظما.
ولقد كان للسادة الحنابلة -لازالت عليهم سحائب الرحمة
стр. 5
وابلة- في هذا الفن جهود مُتْقَنة مُحَرَّرة (١) ، وإن كانت متأخرة في الجمع، حتى فاق بعضها من سبقها، ولم يدرك شأوها من بعدها، لاسيما "تقرير القواعد وتحرير الفوائد" لابن رجب، حتى قال عنه ابن الهادي يرحمه الله: (وهو كتاب نافع من عجائب الدهر) (٢) .
وكان لشيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله فضل الإفراد لها في نحو /٢٢٠مؤلفا، مابين: فتوى, وكتاب، ورسالة، جميعها تصدر باسم: "قاعدة في ... " أو: "قواعد ... "، وكان من بين مؤلفاته كتاب: "القواعد النورانية الفقهية".
وقفاه تلامذته فمن بعدهم، منهم تلميذه الطوفي في كتابه: "القواعد الكبرى" و"الصغرى" و"الأشباه والنظائر".
ثم جاء من بعدهم شرف الدين المقدسي الشهير بابن قاضي الجبل فألف كتابه: "القواعد الفقهية"، ثم تبعه ابن رجب فألف كتابه آنف الذكر، ثم تتابعت مصنفات الحنابلة في القواعد جيلا بعد جيل، ورعيلا يعقبه رعيل، فألفوا في ذلك كتبا شريفة، وصحفا أنيقة، ودفاتر مبسوطة، ومختصرات مضبوطة، وكان من آخر ما ألف في ذلك: "منظومة القواعد الفقهية" للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي يرحمه الله ضمنها طائفة من مختاراته في القواعد
стр. 6
والضوابط، وقد احتوت على مهمات القواعد كماذكره الناظم في الشرح بقوله: (وبعد، فإني وضعت لي ولإخواني منظومة مشتملة على مهمات قواعد الدين، وهي وإن كانت قليلة الألفاظ، فهي كثيرة المعاني لمن تأملها) . ومن ثَمَّ كانت عناية المتأخرين بهذا النظم دراسة وحفظا، وتفهُّما وضبطا.
ولما كان هذا النظم يحتاج إلى إيضاح وتبيين، وشرح وتفصيل قام شيخنا المفضال: صالح بن محمد الأسمري يحفظه الله بشرح هذه المنظومة، شرحا يذلل الصعاب، ويميز القشر عن اللباب، ومتجنبا الإسهاب وغث الإطناب، وقد تميز الشرح بما يلي:
أولاً: شرح الكلمات، وحل الألفاظ والعبارات.
ثانيا: فتح المقفل، وتفصيل الجمل بعبارة تستعذب، وإشارة لا تستصعب.
ثالثا: ذِكْر مصادر القاعدة والأصول التي أُخذت منها، وضَرْب بعض الأمثلة عليها ليسهل فهمها.
رابعا: توثيق معلوماته بذكر مصادره من كتبه الفقه والقواعد وما إلى ذلك.
خامسا: ذكر فوائد عزيزة، ولطائف نفيسة، وتقسيمات بديعة.
وكان أصل هذا الشرح دروسا ابتُدئ فيها بجامع أبي بكر
стр. 7
الصديق ﵁ بمدينة الطائف عام ثمانية عشر وأربعمائة وألف، وفُرِغَ منها ليلة الثالث عشر من شهر رمضان المبارك من العام نفسه، وقد وُسِم هذا الشرح بـ (مجموعة الفوائد البهية على منظومة القواعد الفقهية) .
وقد من الله علي بأن أعانني على إخراج هذا الشرح المبارك، وكان عملي فيه وفق ما يلي:
أولا: قمت بكتابة الشرح ونسخه مراعيا قواعد الإملاء والترقيم في ذلك.
ثانيا: وضعت مقدمة للشرح تشتمل على: أهمية القواعد الفقهية، والفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية، وجهود الحنابلة في هذا الفن، ومزايا الشرح، وغير ذلك.
ثالثا: صنعت فهرسا كاشفا لموضوعات الشرح وفوائده.
رابعا: جعلت عناوين رئيسة لكل قاعدة ذُكِرت ضمن أبيات المنظومة، مراعيا ذكرها بلفظها عند الفقهاء غالبا.
خامسا: اعتنيت بالإخراج الفني العام للشرح متوخيا منهج البحث العلمي في الكتابة.
هذا وقد عرضت هذا الشرح على الشيخ حفظه الله بُغية نشره، وانتفاع طلبة العلم به، فاستحسنه، ومن ثَمَّ أَذِن بإخراجه وطباعته، فجزاه الله خير الجزاء، ومنحه كل مسرة وهناء.
стр. 8
وقبل أن أطوي أوراق هذه المقدمة أسدي جزيل الشكر وعظيم الامتنان إلى كل من أعانني على إخراج هذا الشرح المبارك، أسأل المولى جل وعلا أن يجعل ما قدموه في موازين حسناتهم إنه جواد كريم.
وختاما أسال الله العظيم رب العرش اكريم أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يكافئنا بالحسنى، وأن يغفر لي وللمسلمين، وصلا الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه: متعب بن مسعود الجعيد
(الدراسات العليا
بجامعة أم القرى
كلية الشريعة
قسم الفقه)
الطائف
١٣/٩/١٤١٨ هـ
стр. 9
الحمدُ للهِ العليِّ الأَرْفَقِ ... وجامعِ الأشياءِ والمفرِّقِ
ذي النِّعمِ الواسعةِ الغزيرةْ ... والحِكمِ الباهرةِ الكثيرةْ
ثم الصلاةُ معْ سلامٍ دائمِ ... على الرسولِ القرشيِّ الخاتَمِ
وآله وصحبِه الأبرارِ ... الحائزي مراتبَ الفِخَارِ
اعلمْ هُديتَ أن أفضلَ الْمِنَنْ ... علمٌ يُزيلُ الشكَّ عنك والدَّرَنْ
ويَكشِفُ الحقَّ لذي القلوبِ ... ويُوصِلُ العبدَ إلى المطلوبِ
فاحرِصْ على فهمِكَ للقواعدِ ... جامعةِ المسائلِ الشَّواردِ
فتَرْتَقِي في العلم خيرَ مُرتَقَى ... وتَقْتَفِي سُبْلَ الذي قد وُفِِّقَا
هذه قواعد نَظَمْتُها ... مِنْ كُتْبِ أهل العلم قد حَصَّلْتُها
جزاهم المولى عظيمَ الأجرِ ... والعفوَ مَعْ غُفرانِه وَالْبِرِّ
النيةُ شرطٌ لسائِر العملْ ... بها الصلاحُ والفسادُ للعملْ
الدينُ مَبْنِيٌّ على المصالِحِ ... في جَلْبِها والدَّرْءِ للقبائِحِ
فإن تَزَاحَمْ عدَدُ المصالحِ ... يُقَدَّمُ الأعلى من المصالحِ
وضده تَزاحُمُ المفاسدِ ... يُرْتَكَبُ الأدنى من المفاسدِ
ومِنْ قواعدِ الشَّريعةِ التَّيسيرُ ... في كُلِّ أمر نَابَهُ تَعْسِيرُ
وليس واجبٌ بلا اقْتدار ... ولا مُحَرَّمٌ مع اضطرارِ
وكل محظورٍ مع الضرورةْ ... بقَدْرِ ما تحتاجه الضرورةْ
وتَرجِع الأحكامُ لليقينِ ... فلا يُزيلُ الشكُّ لليقينِ
والأصلُ في مياهنا الطهارةْ ... والأرضِ والثيابِ والحِجارةْ
والأصلُ في الأبضاعِِ واللحومِ ... والنفسِ والأموالِ للمعصومِ
تحريمُها حتى يجيءَ الحِلُّ ... فافهَمْ هداك اللهُ ما يُمَلَّ
стр. 10
والأصلُ في عاداتنا الإباحةْ ... حتى يجيءَ صارفُ الإباحةْ
وليس مشروعاً من الأمورْ ... غيرَ الذي في شرعنا مذكورْ
وسائلُ الأمورِ كالمقاصدِ ... واحكمْ بهذا الْحُكمِ للزوائدِ
والخطأُ والإكراهُ والنسيانُ ... أسقطه معبودُنا الرحمانُ
لكن معَ الإتلافِ يَثْبُتُ البدلْ ... ويَنْتَفِي التأثيمُ عنه والزَّلَلْ
ومن مسائلِ الأحكامِ في اتَّبَعْ ... يَثْبُتُ لا إذا استقلَّ فوقعْ
والعرفُ معمولٌ به إذا وَرَدْ ... حُكْمٌ من الشرعِ الشريفِ لم يُحَدّْ
مُعاجِلُ المحظورِ قبل آنِهْ ... قد باء بالخسران مَعْ حِرمانهْ
وإن أتى التحريمُ في نفسِ العملْ ... أو شرطِهِ، فذو فسادٍ وخَللْ
ومُتْلِفُ مؤذيه ليس يَضمنُ ... بعد الدفاعِ بالتي هي أحسنُ
وَأَلْ تُفيدُ الكلَّ في العمومِ ... في الجمعِ والإفرادِ كالعَليمِ
والنكراتُ في سِياقِ النفي ... تُعطي العموم - أوسياق النهي
كذاك "مَنْ" و "ما" تُفيدان مَعَا ... كل العموم يا أخي فاسمعا
ومثله المفرد إذ يضاف ... فافهم هُدِيتَ الرشد ما يضاف
ولا يتم الحكمُ حتى تجتمعْ ... كلُّ الشروط والموانع تُرْتَفَعْ
ومن أتى بما عليه من عمل ... وهي التي قد استحق ماله على العمل
وكلُّ حُكمٍ دائر مع علتهْ ... وهي التي قد أوجبتْ لشرعيَّتِهْ
وكل شرط لازمٍ للعاقد ... في البيع والنكاح والمقاصدِ
إلا شروطاً حَلَّلَتْ مُحَرَّماً ... أو عكسِه فباطلاتٌ فاعْلَمَا
تُستعمَل القرعةُ عند الْمُبْهَمِ ... من الحقوقِ أو لدى التَّزَاحُمِ
وإن تساوى العملان اجتمعا ... وفُعِل إحداهما فاستَمِعا
وكلُّ مشغولٍ فلا يُشَغَّلُ ... مثالُه المرهونُ والْمُسَبَّلُ
стр. 11
ومن يُؤدِّ عن أخيه واجبا ... له الرجوع: إن نوى يُطالِبَا
والوازع الطَّبَعِيُّ عن العصيانِ ... كالوازع الشرعيِّ بلا نُكرانِ
والحمد لله على التَّمامِ ... في البَدء والختام والدوامِ
ثم الصلاة معْ سلامٍ شائعِ ... على النبي وصحبِه والتابعِ
стр. 12
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله الأمين، وعلى آله وأصحابه والتابعين.
أما بعد:
فهذا شرح مختصر لطيف، على نَظْمٍ للقواعد الفقهية منيف، يحل ألفاظه ومبانيه، ويبين قواعده ومعانيه. أبتدئه بمقدمة لا بد منها، ولا مَنْدُوحة للطالب عنها، وهذا أوان الشروع، وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 13
المقدمة وفيها فصلان:
الفصل الأول: في التعريف بـ (علم القواعد الفقهية) .
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: في تعريف (القاعدة الفقهية) .
المبحث الثاني: في التفريق بين: (القاعدةالفقهية) و (الضابط الفقهي) .
المبحث الثالث: في (أقسام القواعد الفقهية) .
المبحث الرابع: في (تدوين القواعد الفقهية) .
الفصل الثاني: في تعريف موجز بالمنظومة ومؤلفها وفيه مبحثان:
المبحث الأول: في التعريف بمؤلف النظم.
المبحث الثاني: في التعريف بالنظم.
стр. 14
الفصل الأول: في التعريف بـ (علم القواعد الفقهية)
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: في تعريف: (القاعدة الفقهية)
فهي: حكم أغلبي، يأتي تحته مسائل فقهية فرعية، يُتَعَرَّف من خلاله على أحكام تلك المسائل.
وتوضيح ذلك بالمثال التالي:
من القواعد الفقهية: (الضرر لا يُزال بالضرر) ، أو (الضرر لا يُزال بمثله) ؛ حيث يدخل تحت هذه القاعدة مسائل فقهية فرعية كثيرة, منها: إكراه معصومِ دمٍ بالقتل، على قتل معصوم الدم. ومنها، دفع الهلاك عن النفس جوعا بأخذ مال من يدفع عن نفسه هلاك الجوع.
ففي هاتين المسألتين إزالة ضرر بمثله، وهذا لا يجوز؛ لأن القاعدة الفقهية تقول: (الضرر لا يزال بمثله) .
إلا أن هذه القاعدة ليست كلية، بحيث يندرج تحتها جميع المسائل الفقهية الفرعية المنطبقة عليها القاعدة, بل هي أغلبية؛ لأن لها استثناءات، من ذلك: رمي الكفار إذا تَتَرَّسُوا بأسرى المسلمين.
стр. 15
المبحث الثاني: في التفريق بين: (القاعدة الفقهية) و (الضابط الفقهي)
لالتباس القاعدة الفقهية بالضابط؛ لزم بيان الفرق بينهما؛ إذ بينهما عموم وخصوص مطلق، فالقاعدة أعمُّ مطلقا، والضابط أخصُّ مطلقا.
وإيضاح ذلك: أن القاعدة تضم تحتها مسائلَ فقهية من أبواب شتى، خلافا للضابط فهو يضم مسائلَ فقهية من باب واحد.
فمثال القاعدة: (اليقين لا يزول بالشك) أو (الشك يُدْرَأ باليقين) ؛ حيث تدخل هذه القاعدة في كل مسألة فقهية اجتمع فيها شك ويقين, فتدخل في أبواب فقهية شتى، كالطهارة, والصلاة, والزكاة, وغير ذلك.
ومثال الضابط: (كل ما يُعْتَبَر في سجود الصلاة؛ يُعْتَبَر في سجود التلاوة) قاله بعض أصحاب مالك -رحمه الله تعالى- فهذا الضابط يضم مسائل تخص ذينك السجودين، وكلاهما خاص بباب الصلاة, لا يتعداها إلى أبواب أخرى.
واعلم -رحمك الله- أن التفريقَ السابق هو المُقَرَّر عند الفقهاء, ولكن قد يتسامحون في هذا التفريق, فيطلقون على الضابط قاعدة والعكس.
стр. 16
المبحث الثالث: في (أقسام القواعد الفقهية)
تُقَسَّم القاعدة الفقهية من حيثيتين:
الأولى: من حيث مصدرُها؛ إذ إنها تأتي عن طريق أحد مصدرين:
الأول: النص الشرعي. والثاني: الاستنباط الاجتهادي، إلا أن أكثر القواعد مأخوذة عن المصدر الثاني.
فمثال المصدر الأول قاعدة: (لا ضرر ولا ضرار) ؛ حيث إن مصدرها حديث: (لا ضرر ولا ضرار) رواه ابن ماجه عن ابن عباس ﵄.
ومثال المصدر الثاني قاعدة: (من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه) وذلك كقتل وارثٍ موَرِّثََه قتلاً يوجب قصاصاً, فإنه يُحرم من الميراث؛ لأنه أساء في قصده, فرد الشارع قصده -عقاباً- عليه.
ومن ثَََمَّ تعلم -رحمك الله- أن القاعدة الفقهية تَكتسِبُ حجيتها بمصدرها إما نصّاً وإما استنباطاً.
الثانية: من حيث اتفاق العلماء عليها وعدمه، إذ من القواعد ما اتفقت المذاهب الفقهية عليها، وتُسمى بالقواعد الكلية. ومنها ما حصل الاختلاف فيها -أعني القواعد الفقهية-.
стр. 17
مثال القواعد الكلية قاعدة: (اليقين لا يزول بالشك) ، وقد أوصلها- أعني: القواعد الكلية- الإمام السيوطي في كتابه: "الأشباه والنظائر" إلى خمس وأربعين قاعدة، وأوصلها ابن المَبْرد يوسف بن عبد الهادي في كتابه: "مغني ذوي الأفهام" إلى ست وستين قاعدة؛ إلا أن القواعد الكلية الكبرى قصرها الأكثر على خمس قواعد، وهي: (الأمور بمقاصدها) ، و (اليقين لا يزول بالشك) و (المشقة تجلب التيسير) ، و (لا ضرر ولا ضرار) ، و (العادة مُحَكَّمة) .
ومثال القواعد المُخْتَلَف فيها قاعدة: (المُسْتَقْذَر شرعا كالمُسْتَقْذَر حِسّاً) ، كبسط الذراعين انبساط الكلب؛ فإنه مُسْتَقْبَح حِسّاً عند الناس، وكذلك هو مستقبح لدى الشرع لما رواه الشيخان عن أنس- ﵁ مرفوعا: "لا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب".
стр. 18
المبحث الرابع: في تدوين القواعد الفقهية
نشأت القواعد الفقهية مع الفقه، لتعلق كلٍّ منهما بالآخر، وكان الصدر الأول ينطقون ببعض تلك القواعد، فقد روى الإمام عبد الرزاق في: "مصنفه" بسنده إلى عبد الله بن عباس-﵄ أنه قال: (كل شيء في القرآن (أو، أو) ؛ فهو مخيّر، وكل شيء (فإن لم تجدوا) فهو الأول فالأول". إلى غير ذلك من الأمثلة.
ولكن القواعد الفقهية لم يُبْدَأ في حصرها، وتقنين علمها؛ إلا بعد استقرار المذاهب الفقهية المُتَّبَعَة، وظهور التقليد وتفشِّيه. وقد ألمح إلى ذلك ابن خلدون- رحمه الله تعالى- في: "مقدمته" حيث قال: (ولما صار مذهب كل إمام عِلماً مخصوصاً عند أهل مذهبه، ولم يكن لهم سبيل إلى الاجتهاد والقياس، فاحتاجوا إلى تنظير المسائل في الإلحاق، وتفريقها عند الاشتباه، بعد الاستناد إلى الأصول المقررة من مذاهب إمامهم) انتهى المراد.
فكانت أولى محاولات الحصر لقواعد مذهب فقهي؛ هي ما حكاه الإمام العلائي- رحمه الله تعالى- في كتابه: "المجموع المذهب، في قواعد المذهب" حيث ذكر أن الإمام أبا طاهر بن محمد بن الدباس الحنفي الضرير، أحد فقهاء القرن
стр. 19
الثالث والرابع الهجري: أنه أرجع مذهب أبي حنيفة إلى سبع عشرة قاعدة كلية، وأنه كان يكرِّر كل ليلة تلك القواعد بمسجده بعد مُنْصَرَف الناس.
وكان أول من دَوَّن القواعد وأفردها في كتاب؛ أبو الحسن عبيد الله بن الحسن الكَرْخي الحنفي، المتوفى سنة أربعين وثلاثمائة، وقد ضمن هذه الرسالة تسعة وثلاثين أصلاً. وقد وضع الإمام أبو حفص عمر بن محمد النسفي (ت:٥٧٣هـ) شرحا على تلك الأصول؛ بين فيها ما يندرج تحت كل أصل من المسائل.
فائدة:
اعلم -أرشدك الله- أن أصحاب المذاهب الفقهية المُتَّبَعة لهم بعد الكرخي مسيرة في تدوين القواعد الفقهية، إلا أن دواوينهم فيها تتباين وتتفارق.
فمن أحسن ما كُتِب في المذهب الحنفي؛ كتاب؛ "الأشباه والنظائر" لابن نُجَيم المصري (ت:٩٧٠هـ) ، قال الحموي الحنفي في: "غمز عيون البصائر، شرح الأشباه والنظائر": (لم يوجد في كتب الحنفية ماله -يعني: الأشباه لابن نجيم- يوازي أو يداني) انتهى؛ لذا اعتنى الأحناف: بـ "الأشباه" فعملوا عليه أكثر من عشرين عملا، مابين شرح ونظم وترتيب.
ومن أجود ما دون في المذهب المالكي؛ كتاب: "أنوار البروق في أنواء الفروق" لأحمد بن إدريس القرافي (ت:٦٨٤هـ)
стр. 20
المشهور بـ: "فروق القرافي"، وقد عكف عليه المالكية تهذيبا، وترتيبا، وتعقيبا وغيرذلك.
ومن أحسن ما رُقِم في المذهب الشافعي؛ كتاب: "الأشباه والنظائر" للسيوطي (ت: ٩١١هـ) ، وقد شرحه السبزاوري, وفصيح الدين البغدادي، ونظمه الأهدل.
ومن أفضل ما صُنِّف في المذهب الحنبلي؛ كتاب: "تقرير القواعد، وتحرير الفوائد" المشهوربـ "القواعد" أَلَّفه ابن رجب (ت:٧٩٥هـ) ، قال حاجي خليفة عنه: "هوكتاب نافع، من عجائب الدهر"، وقال البرهان ابن مفلح في: "المقصد الأرشد": (والقواعد الفقهية تدل على معرفة تامة بالمذهب) .
стр. 21
الفصل الثاني:
في (تعريف موجز بالنظم المراد إيضاحه) .
وفيه مبحثان:
المبحث الأول في التعريف بـ: (مؤلف النظم) :
هو الشيخ العلامة أبو عبد الله عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن أحمد آل سِعدي، من نواصر بني تميم، نزح جدهم من (قفار) قرب حائل، وسكن عنيزة.
ولد الشيخ السِّعدي-﵀ سنة سبع وثلاثمائة وألف للهجرة, وتوفي سنة ست وسبعين وثلاثمائة وألف, عن عمر بلغ تسعاً وستين.
وكان ﵀ صحيح المعتقد، متين الديانة، كريم الخلق، فقيها محَقِّقاً قال عنه الشيخ محمد حامد الفقي ﵀: "لقد عرفت الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي من أكثر من عشرين سنة؛ فعرفت فيه العالم السلفي، المدُقِّق المحقق، الذي يبحث عن الدليل الصادق، ويُنَقِّب عن البرهان الوثيق، فيمشي وراءه لايلوي على شيء"انتهى.
стр. 22
المبحث الثاني: في التعريف بـ (النظم)
حيث نظم الشيخ السعدي ﵀ سبعة وأربعين بيتا، ضَمَّنَها أمهات القواعد الفقهية، يقول ﵀ في مقدمة شرحه لذلك النظم: "فإني وضعت لي ولإخواني منظومة مشتملة على أمهات قواعد الدين، وهي إن كانت قليلة الألفاظ، فهي كثيرة المعاني لمن تأمَّلها"انتهى.
وقد حوى النظم ثلاثا وثلاثين قاعدة على وجه الإجمال، ونحو خمسين قاعدة على وجه التفصيل والتفريع أوأكثر.
لطيفة:
وضع الشيخ السعدي -رحمه الله تعالى- على نظمه السابق شرحا لطيفا، فرغ منه في الثامن عشر من ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف، وعمره حينئذ لم يتجاوز الرابعة والعشرين.
* * *
стр. 23
قال الناظم- رحمه الله تعالى-:
١- الحمد لله العلي الأرفق ... وجامع الأشياء والمفرق
٢- ذي النعم الواسعة الغزيرة ... والحكم الباهرة الكثيرة
٣- ثم الصلاة مع سلام دائم ... على الرسول القرشي الخاتم
٤- وآله وصحبه الأبرار ... الحائزي مراتب الفخار
"الشرح"
بدأ الناظم- رحمه الله تعالى- منظومته النافعة بالثناء على الله وحمده، وثَنَّى بالصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد ﷺ ، وثَلَّث بذكر الآل والأصحاب ضمن الصلاة والسلام على الرسول محمد صلى الله عليه، ولعله قَدَّم البسملة نطقا أو خطا كما في بعض النسخ، وذلك من المصنف- ﵀ اتباع لطريقة أهل العلم في أوائل مصنفاتهم، قال الإمام العيني- ﵀ في: " البناية": (ذكروا- يعني أهل العلم- أنه مما لابد منه في أوائل المصَنَّفَات: الابتداء بالبسملة، ثم بالحمدلة، ثم بالصلاة على النبي صلى الله عليه بصريح اسمه) انتهى.
قوله: [الأرفق] :
قال الناظم- ﵀ في: " الشرح": (الأرفق: أي الرفيق في أفعاله، فأفعاله كلها رفق، على غاية المصالح والحكمة) انتهى.
стр. 24
والرفيق والرفق صفة ثابتة لله ، فقد روى مسلم في " صحيحه" عن عائشة-﵂ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه: (إن الله تعالى رفيق يحب الرفق، ويعطى على الرفق مالا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه) .
قوله: [وآله] :
يعني: أتباعه على دينه 'لى يوم القيامة، قال الناظم في: "الشرح". وهذا هو المعنى البعيد العام لكلمة (آل) . وثَمَّ معنى قريب خاص؛ وهو: من حَرُمَت عليهم الصدقة. ومن الأول قول بعضهم:
آلُ النبيِّ هُمُ أتباعُ مِلَّتِهِ ... مِنَ الأعاجمِ والسُّودانِ والعَربِ
لو لم يكن آلُه إلا أقاربَهَ.. صَلَّى المُصَلِّي على الطاغي أبي لَهَبِ
قوله: [الحائزي مراتب الفخار] :
أي: الرفعة والفضل، والموصوف هم الصحابة ﵃، وهم أتباع محمد ﷺ ؛ جاء في: "الصحيحين" مرفوعا: (لا تَسُبُّوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) .
стр. 25
قال في (الدُّرَّة) :
وليس في الأمة كالصحابةْ ... في الفضل والمعروف والإصابةْ
فإنهم شاهدوا المختارا ... وعاينوا الأسرار والأنوارا
وجاهدوا في الله حتى بانا ... دينُ الهدى وقد سَمَا الأديانا
* * *
стр. 26
٥- اعلم هديت أن أفضل المنن ... علم يزيا الشك عنك والدرن
٦- ويكشف الحق لذي القلوب ... ويوصل العبد إلى المطلوب
"الشرح"
حاصل معنى هذين البيتين: أن العلم النافع ما أزال عن القلب شيئين هما: الشبهات، والشهوات، وأشار الناظم إلى الأول بقوله: (الشك) ، وإلى الثاني بقوله (الدرن) .
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- ما حاصله: (إن القلب يعترضه مرضان يتواردان عليه، إذا استحكما فيه كان هلاكه وموته، وهما مرض الشهوات، ومرض الشبهات، والثاني أقتل للقلب وأصعب، وهما- الشهوات والشبهات- أصل داء الخلق، ودوائهما العلم؛ لأن ضد ذينك المرضين الإيمان واليقين، وكلاهما متعلق بالعل موجودا وازديادا) .
قوله: [المنن] :
واحدها مِنَّة، كسِدْرَة وسِدَر، والمِنَّة: النعمة.
قوله: [الدرن] :
من دَرَن درنا، كوسخ وسخا؛ وزنا ومعنى.
* * *
стр. 27
٧- فاحرص على فهمك للقواعد ... جامعة المسائل الشوارد
٨- فترتقي في العلم خير مرتقى ... وتقتفي سبل الذي قد وفقا
"الشرح"
يشير الناظم ﵀ في هذين البيتين إلى عظيم فائدة معرفة القواعد، وأن من ذلك: جمع القاعدة مسائل شوارد متفرقة، معرفتها تُغْني عن حفظ كثير من المسائل والفروع، قال القرافي في: "الفروق": (ومن ضَبَط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات؛ لاندراجها في الكليات) انتهى. ولذا قيل: (الفقه معرفة النظائر) .
واعلم -وفقك الله تعالى- أن هناك فوائد أخرى لمعرفة القواعد، أشار إلى طائفة منها الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀ في كتابه: "القواعد"؛ حيث قال: (فهذه قواعد مهمة، وفوائد جمة, تضبط للفقيه أصول المذهب, وتُطْلعه من مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تَغَيَّب، وتَنْظُم له منثور المسائل في سلك واحد، وتُقَيِّد له الشوارد، وتقرِّب عليه كل متباعد"انتهى.
قوله: [الشوارد] :
أي: المتباعدة المتفرقة؛ لأن أصل مادة (شَرَدَ) يدل على تنافر وتباعد، قاله ابن فارس-﵀.
* * *
стр. 28
٩- هذه قواعد نظمتها ... من كتب أهل العلم قد حصلتها
١٠- جزاهم المولى عظيم الأجر ... والعفو مع غفرانه والبر
"الشرح"
أفاد ﵀ أن القواعد الفقهية المنظومة جمعها من كتب أهل العلم؛ فهي مأثورة معروفة، وإنما له من ذلك النظم والتأليف، والضم والتصريف؛ ليسهل تداولها.
ثم ثنى ﵀ بالدعاء لأهل العلم الذين أخذ عنهم تلك القواعد، وهي سنة مُتَّبَعَة تواضعت عليها الطباع السليمة، قال بعضهم:
إذا أفادك إنسان بفائدة ... من العلوم فأكثِرْ شكره أبد
وقل فلان جزاه الله صالحة ... أفادنيها وخل اللؤم والحسد
* * *
стр. 29
الأمور بمقاصدها
١١- النية شرط لسائر العمل ... بها الصلاح والفساد للعمل
"الشرح"
بهذا النظم استهل الناظم -رحمه الله تعالى- القواعد الفقهية التي ضَمَّنها منظومة هذه؛ لأن هذه القاعدة هي أعم وأوسع القواعد، وهي معدودة -كما سبقت الإشارة إلى ذلك- ضمن كبرى القواعد الكلية العامة.
قوله: [النية] :
قال الجوهري في "الصحاح": نويت نية ونواة إذا عزمت، فالنية في اللغة العربية هي العزم على الشيء، وهذا الذي يقصده جمهور الفقهاء الذين تكلمو في مسائل النية.
وأما في الاصطلاح: فهي مرادفة للإخلاص؛ إذ بينهما عموم وخصوص مطلق, فالنية أعم مطلقاً من الإخلاص, فتشمل نية الرياء والشرك والإخلاص وغيرذالك. والإخلاص أخص من النية؛ لأن معناها إخلاص النية من شوائب الشرك والرياء، وإفراد الله بالقصد والإرادة.
واعلم -رحمك الله- أن الفقهاء ذكروا للنية شروط صحة، لا
стр. 30
تصح إلا بها:
أولها: الإسلام، وضده الكفر بأنواعه وصوره؛ إذ لا يتصور نية التقرب والإخلاص من غير مسلم، إذ سائر الأوامر يُشْتَرط فيها النية والإخلاص.
ثانيها: التمييز، وضده أمران:
أولا: ذهاب العقل للمجنون والمعتوه.
ثانياً: الصبي غير المُمَيِّز، وهو من قَلَّ إدراكه للأشياء، فلا يميز بين أصنافها.
وحَدَّ الحنابلة التمييز بالسابعة، لأمر النبي ﷺ الناس أن يأمروا صبيانهم لسبع على الصلاة، وذالك لتمييزهم، فكان حَدّاً.
ثالثها: أن لا يجهل المنوي، وذلك بأن يكون معلوما عند الناوي؛ حيث لا يتصور قصد الشيء إلا بعد العلم به.
رابعها: أن لا يحدث مناف بين النية ومنويِّها، كالردة بعد إيمان، فلو نوى المسلم المميز الصلاة، لكن ارتد قبل إيقاعها؛ فإن عمله فاسد.
وفي قول الناظم السابق: (النية شرط لسائر العمل) : دلالة بينة على أن المقصود بذلك كل عمل كانت النية شرطاً له، وهذا أمر متفق عليه، فقد نص على ذلك العز في: "القواعد"، وجعله القرطبي في: "تفسيره"واجبا، وجعله شيخ الإسلام فرضاً.
стр. 31
قال صاحب "الدين الخالص": (لا خلاف بين أهل العلم في اشتراط الإخلاص والنية لسائر العمل، ولا يختلف الفقهاء في أن العمل الذي يُراد به التقرب إلى الله لابد من الإخلاص فيه) .
وحكى على هذا الإجماع: ابن المنذر، والموفق في: "المغني"، وغيرهما.
وإنما اختُلِف في الأعمال التي لا يراد بها التقرب، ولا يُرْجَى من ورائها ثواب كالعادات والتروك ونحوها.
وجمهور الفقهاء على عدم اشتراط النية المشار إليها آنفا، وقالوا: لا ينال الإنسان ثواب ترك المحرم، ولا عمل المباح إلا بنية صحيحة.
وأما الترك الصِّرف ومباشرة المباحات: كالأكل، والشرب، والنوم فلا يشترط فيه نية إلا بذاك القصد، أي: بقصد الثواب.
واعلم: أن أهل النظر يفرقون بين نيتين، بين نية صحة وقبول العمل، ونية إيجاد العمل، فأما الأول فسبقت، وأما الثانية وهي التي بمعنى العزم فهي تصحب كل عمل أُرِِيد به التقرب أَوْ لا؛ لأنها في الحقيقة قوة النفس التي تعزم على مباشرة الشيء بالجارحة، وهو ما يسمى بإرادة الفعل، وهي سابقة له.
قوله: [شرط لسائر العمل] :
الشرط بسكون الراء المهملة هو القطع، ومنه سُمِّيت آلة البتر
стр. 32
والقطع مِشْرَطاً، أما في الاصطلاح: فهو ما يلزم من عدمه العدم, ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، كالطهارة مع الصلاة، فإنها شرط لها، وهذا الحكم نص عليه العز بن عبد السلام سابقا في: "القواعد"، وجعله صاحب: "الدين الخالص" اتفاقا.
وعلى هذا التفصيل السابق من التفريق بين نية إيجاد ونية صحة وقبول، وإرادة التقرب وعدمها.
قوله: [لسائر العمل] :
فيه إشعار بعموم العمل، أي فالنية شرط فيه، ويُقَدَّر فيه: مما تشترط له النية، لتخرج العادات والتروك إذا لم يُرَد بها الثواب.
قوله: [بها الصلاح والفساد والعمل] :
قال مُطَرِّف بن عبد الله: (صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح النية) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب: "الإخلاص".
والمعنى أن الأعمال التي يشترط فيها النية، كجملة العبادات، وما أُرِيد به التقرب لا يكون صالحا إلا بنية صحيحة، ويفسد بفسادها، والأصل في ذلك: الحديث المتفق على صحته، الذي رواه الشيخان في: "صحيحيهما" من طريق عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) .
стр. 33
واعلم أن القاعدة التي أشار إليها المصنف ﵀ صيغتها عند الفقهاء: الأمور بمقاصدها.
والأمور: واحدها أمر، وهو الشأن والحال، كما قاله أئمة اللسان، والمقاصد: واحدها مقصد، وهو بمعنى النية والعزم، تقول: قصدت كذا إذا عزمتَ ونويت.
وهذه القاعدة اتفق عليها الفقهاء، كما حكى ذلك السيوطي وابن نجيم -رحمهما الله- في: "الأشباه" لهما.
وها هنا مسائل متعلقة بما سبق:
المسألة الأولى: في محل النية والقصد:
اتفق العلماء على أن القلب محل النية وموضعها، وجعلوا ذلك شرطا في النية. قال النووي ﵀: (بلا خلاف) ، وكذا قال ابن تيمية وغيرهما، ثم اختلفوا في استحباب التلفظ بها على قولين: هما رواية في مذهب أحمد ﵀ وغيره، والأكثر على عدم الاستحباب، قاله ابن تيمية ﵀.
واحتج القائلون بالاستحباب بالخبر والنظر.
أما الخبر؛ فتلبية النبي ﷺ لعُمره وحجه, وذلك ثابت عنه ﷺ , قالوا: في ذلك دلالة على تلفظه بها؛ حيث يقول: (لبيك عمرة) , أو (لبيك عمرة وحجاً) , فيقاس على ذلك غير الحج من العبادات المختلفات.
стр. 34
وأما النظر: فقالوا: إن اجتماع جارحتين في عمل النية آكد وأولى من عمل جارحة واحدة, فاجتماع اللسان والقلب بالتلفظ بالنية آكد وأولى من انفراد القلب بها.
ولكن هذه الحجج مردودة, فأما الخبر: ففرق بين التلبية والنية, فالتلبية شعيرة النسك, وهي تحدث بعد نية العمل, فالنبي ﷺ نوى العمرة والحج, وأحرم بذلك قبل التلبية, والأصل في النية أن تصحب العمل.
ويدل على ذلك ما صح عن ابن عمر-﵄ أنه أنكر على رجل قال: اللهم إني أريد حجا أو عمرة، قال ابن رجب في: " شرح الأربعين": (هذا خبر صحيح عنه) .
وأما النظر، فهو إعمال الرأي في غير محله, إذ الأصل في العبادات التوقف، ولو كان الأمر مستحبا لعملت به القرون الفاضلة، قال ابن القيم في "الهدي": لم يأت عن الرسول ﷺ ولا صحبه -رضوان الله عليهم- ولا التابعين، ولا الأئمة المتبوعين؛ أنهم تلفظوا بالنية أو رأى أحد منهم استحبابها، ولذلك جزم شيخ الإسلام ببدعية ذلك، وقال بذلك جمهرة من المالكية، وهذا الصحيح عن الحنابلة.
المسألة الثانية: في وقت النية:
الأصل أن النية تصحب العمل من أول وقته حكما لا حقيقة،
стр. 35
أما الحقيقة فظاهرا، وأما الحكم فمثاله: كأن ينوي المُكَلَّف صلاة العصر، وهو يتوضأ وضوء صلاة، ولم يحدث بعد هذا الوضوء ما ينافي جنس الصلاة، ثم شرع في صلاة العصر دون حضور الذهن لنية، فإنه نَاوٍ حكما، وهذا كله في العبادات المؤقتة بوقت وكانت مفروضة وواجبة كالصلوات الخمس، وأما النوافل فالأمر فيها واسع، فقد ينوي الصيام النفلَ المُكَلَّفُ من وسط النهار بعد أن كان ممسكا لحاجة أو عذر، لا ينوي بذلك الإمساك صياما، ويدل على ذلك ما صح عنه ﷺ أنه كان يأتي أهل بيته، فإذا لم يجد عنده طعاما قال: (إني صائم) .
المسألة الثالثة: وهي أن النية تنقض بالمشاركة أو الاشتراك إذا كان يقصد به التقرب أو الثواب، وهذا ما يسمى بمسائل مصاحبة الرياء للعمل:
والحق أن فيه تفصيلاً نص عليه الإمام أحمد، وابن جرير -رحمهما الله تعالى-، وقرره ابن رجب في: "شرح الأربعين"، وحاصله: أن العبادة إما أن ينبني آخرها على أولها، أو تكون منفصلة مُجَزَّأة، مثال الأولى: الصلاة، ومثال الثانية: الحج والصوم.
فأما الأولى: فإما أن ينوي صاحبها بها غير وجه الله، أو مع الله آخر، فهذه باطلة باتفاق ولا يكاد يفعله مؤمن، وإما أن يصحب الرياء أصل العمل، فالصحيح من قولي أهل العلم أن العمل باطل لأن المبني على فاسد فاسدٌ مثله، وإما أن يعرض الرياء للعمل فله
стр. 36
حالتان:
الحالة الأولى: إما أن يُطْرد ولا يُؤْنس به، فلا يضر صاحبه، ويكون العمل صحيحاً غير فاسد.
الحالة الثانية: أن يأنس صاحبه به, فرجح الإمام أحمد، وابن جرير -رحمهما الله- صحة العمل, بدليل ما جاء في مراسيل أبي داود، أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أن بنى فلان يجاهدون ويحبون الجهاد، ومنهم من يريد الدنيا، ومنهم من يريد وجه الله، ومنهم من يريد الغنيمة، فقال النبي ﷺ : (كل ذلك في سبيل الله إذا كان أصل جهاده لله) .
وهذا مرسل، والأصل عند المحدِّثين أنه ضعيف، إلا أن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يقدم المراسيل على الرأي إذا لم يجد نصا، كما نص على ذلك ابن القيم في: "إعلام الموقعين" إلا أن ظاهر النصوص كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: تدل على فساد عمل من أنس بالرياء وصَحِبَ بقية عمله.
أما القسم الثاني من العبادات: فهو الذي لا ينبني آخره على أوله، بل كان أجزاء مجزئة، فكل جزء منه يعامل معاملة ما سبق من الجزء الأول، فإن قصد العبد وجه الله في بعض تلك العبادة دون غيرها، كان له أجر النية فيما قصد منها وجه الله، وكان عليه وزر فيما قصد به غير الله، كل ذلك ما لم يقصد بالعمل على وجه الجملة غير الله ، كأن يُحْرِم الله الحاج قاصدا غير الله، وقاصدا التسميع
стр. 37
والرياء، فإن حجه لا ثواب له عليه؛ لأن النية شرط في صلاح العمل هنا، خلافا ما إذا وقع الرياء في بعض المناسك الأخرى مما هو من مفردة هذه العبادة.
المسألة الرابعة: في المقصود من النية:
إذ يقصد منها أمران:
الأول: تمييز العمل.
الثاني: تمييز المقصود من العمل.
فأما الأول، فإن النية يؤتي بها لتمييز العمل، والتمييز نوعان:
النوع الأول: تمييز العبادات من العادات، ومثاله: الصيام، فقد يكون إمساكا عن الأكل والشرب حِمية لداء يُخْشَى نزوله أو يُرجَى برؤه، وقد يكون الإمساك بقصد التعبد لله، والفارق بين هذين العملين النية، فقد ميزت ما بين ما هو من باب العادات، وهو الإمساك حمية, وما هو من باب العبادات, وهو الإمساك بنية التعبد.
النوع الثاني: تمييز العبادات بعضها من بعض كتمييز صلاة من أخرى، ونفقة من مثلها ونحو ذلك، فصلاة الظهر والعصر إذا صلاهما المسافر جمعا بقصر فإن النية هي التي تميز بين الصلاتين مع كونهما أُوْقِعَا في زمنٍ ومحلٍّ واحد، والهيئة واحدة.
وأما الثاني: فهو تحقيق المقصود من العبادة أو العمل
стр. 38
مطلقا، وهذا الذي يتكلم عنه أرباب المعرفة والوعظ، وأكثر كلمات السلف عن النية هو من هذا الباب، كما قال ابن رجب في: "شرح الأربعين".
فهذا الأمر يتعلق بإخلاص التوجه لله في العمل إن كان من باب التقرب، وسبق التفريق بين النية والإخلاص، وأن النية أعم.
* * *
стр. 39
(مبنى الشريعة على جلب المصالح ودرء المفاسد)
(يُرجَّح خير الخيرين بتفويت أدناهما، ويُدْفع شر الشرين بالتزام أدناهما)
١٢- الدينُ مَبْنِيٌّ على المصالِحِ ... في جَلْبِها والدَّرْءِ للقبائِحِ
١٣- فإن تَزَاحَمْ عدَدُ المصالحِ ... يُقَدَّمُ الأعلى من المصالحِ
١٤- وضده تَزاحُمُ المفاسدِ ... يُرْتَكَبُ الأدنى من المفاسدِ
"الشرح"
يشير الناظم- ﵀ في هذه الأبيات إلى قاعدتين:
الأولى: أن الدين جاء لتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وهذا أصل مُطَّرَدٌ في جميع أحكام الشرع ومسائله.
الثانية: هو ما يسميه الفقهاء بتلازم المصالح والمفاسد، أو بتزاحم المصالح والمفاسد، وهذه قاعدة تتعلق بالأمور العارضة لشخص أو جماعة ونحوهما.
وبيان هاتين القاعدتين من كلام الناظم- ﵀ على ما يلي:
стр. 40
قوله: [على المصالح] :
واحدها مصلحة، قال الغزَّالي في: "المستصفى" هي: (عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة) .
إلا أن المقصود من المصالح عند الفقهاء هو حفظ مقصود الشارع بالحفاظ على الكليات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، فقد جاء الإسلام للحفاظ على هذه الكليات الخمس، إما حفظ إيجاد؛ بحيث تكون في حرز عن مبطلاتها، وإما حماية زائدة على الإيجاد كالحاجيات والتحسينيات من مكارم الأخلاق وجميل العادات، والطهارة من الأدناس ونحو ذلك. قال في: "شرح مختصر التحرير": (لا خلاف بين الملل والأديان في كونها أتت للحفاظ على هذه الكليات) .
قوله: [في جلبها] :
جَلَبَ الشيء يَجْلِبُه جَلْباً وجَلَباً، كذا قال الجوهري في: "الصحاح"، قال في القاموس": (جَلْب الشيء: المجيء به من مكان إلى آخر) .
قوله: [الدرء] :
قال في: "القاموس": الدرء هو الدفع، ومنه الحديث المشهور: (ادرؤوا الحدود بالشبهات) أي: ادفعوها.
قوله: [للقبائح] :
واحدها قبيح، قال الجوهري في: "الصحاح": (القبيح ضد