حالتان:
الحالة الأولى: إما أن يُطْرد ولا يُؤْنس به، فلا يضر صاحبه، ويكون العمل صحيحاً غير فاسد.
الحالة الثانية: أن يأنس صاحبه به, فرجح الإمام أحمد، وابن جرير -رحمهما الله- صحة العمل, بدليل ما جاء في مراسيل أبي داود، أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أن بنى فلان يجاهدون ويحبون الجهاد، ومنهم من يريد الدنيا، ومنهم من يريد وجه الله، ومنهم من يريد الغنيمة، فقال النبي ﷺ : (كل ذلك في سبيل الله إذا كان أصل جهاده لله) .
وهذا مرسل، والأصل عند المحدِّثين أنه ضعيف، إلا أن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يقدم المراسيل على الرأي إذا لم يجد نصا، كما نص على ذلك ابن القيم في: "إعلام الموقعين" إلا أن ظاهر النصوص كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: تدل على فساد عمل من أنس بالرياء وصَحِبَ بقية عمله.
أما القسم الثاني من العبادات: فهو الذي لا ينبني آخره على أوله، بل كان أجزاء مجزئة، فكل جزء منه يعامل معاملة ما سبق من الجزء الأول، فإن قصد العبد وجه الله في بعض تلك العبادة دون غيرها، كان له أجر النية فيما قصد منها وجه الله، وكان عليه وزر فيما قصد به غير الله، كل ذلك ما لم يقصد بالعمل على وجه الجملة غير الله ، كأن يُحْرِم الله الحاج قاصدا غير الله، وقاصدا التسميع
стр. 37
والرياء، فإن حجه لا ثواب له عليه؛ لأن النية شرط في صلاح العمل هنا، خلافا ما إذا وقع الرياء في بعض المناسك الأخرى مما هو من مفردة هذه العبادة.
المسألة الرابعة: في المقصود من النية:
إذ يقصد منها أمران:
الأول: تمييز العمل.
الثاني: تمييز المقصود من العمل.
فأما الأول، فإن النية يؤتي بها لتمييز العمل، والتمييز نوعان:
النوع الأول: تمييز العبادات من العادات، ومثاله: الصيام، فقد يكون إمساكا عن الأكل والشرب حِمية لداء يُخْشَى نزوله أو يُرجَى برؤه، وقد يكون الإمساك بقصد التعبد لله، والفارق بين هذين العملين النية، فقد ميزت ما بين ما هو من باب العادات، وهو الإمساك حمية, وما هو من باب العبادات, وهو الإمساك بنية التعبد.
النوع الثاني: تمييز العبادات بعضها من بعض كتمييز صلاة من أخرى، ونفقة من مثلها ونحو ذلك، فصلاة الظهر والعصر إذا صلاهما المسافر جمعا بقصر فإن النية هي التي تميز بين الصلاتين مع كونهما أُوْقِعَا في زمنٍ ومحلٍّ واحد، والهيئة واحدة.
وأما الثاني: فهو تحقيق المقصود من العبادة أو العمل
стр. 38
مطلقا، وهذا الذي يتكلم عنه أرباب المعرفة والوعظ، وأكثر كلمات السلف عن النية هو من هذا الباب، كما قال ابن رجب في: "شرح الأربعين".
فهذا الأمر يتعلق بإخلاص التوجه لله في العمل إن كان من باب التقرب، وسبق التفريق بين النية والإخلاص، وأن النية أعم.
* * *
стр. 39
(مبنى الشريعة على جلب المصالح ودرء المفاسد)
(يُرجَّح خير الخيرين بتفويت أدناهما، ويُدْفع شر الشرين بالتزام أدناهما)
١٢- الدينُ مَبْنِيٌّ على المصالِحِ ... في جَلْبِها والدَّرْءِ للقبائِحِ
١٣- فإن تَزَاحَمْ عدَدُ المصالحِ ... يُقَدَّمُ الأعلى من المصالحِ
١٤- وضده تَزاحُمُ المفاسدِ ... يُرْتَكَبُ الأدنى من المفاسدِ
"الشرح"
يشير الناظم- ﵀ في هذه الأبيات إلى قاعدتين:
الأولى: أن الدين جاء لتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وهذا أصل مُطَّرَدٌ في جميع أحكام الشرع ومسائله.
الثانية: هو ما يسميه الفقهاء بتلازم المصالح والمفاسد، أو بتزاحم المصالح والمفاسد، وهذه قاعدة تتعلق بالأمور العارضة لشخص أو جماعة ونحوهما.
وبيان هاتين القاعدتين من كلام الناظم- ﵀ على ما يلي:
стр. 40
قوله: [على المصالح] :
واحدها مصلحة، قال الغزَّالي في: "المستصفى" هي: (عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة) .
إلا أن المقصود من المصالح عند الفقهاء هو حفظ مقصود الشارع بالحفاظ على الكليات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، فقد جاء الإسلام للحفاظ على هذه الكليات الخمس، إما حفظ إيجاد؛ بحيث تكون في حرز عن مبطلاتها، وإما حماية زائدة على الإيجاد كالحاجيات والتحسينيات من مكارم الأخلاق وجميل العادات، والطهارة من الأدناس ونحو ذلك. قال في: "شرح مختصر التحرير": (لا خلاف بين الملل والأديان في كونها أتت للحفاظ على هذه الكليات) .
قوله: [في جلبها] :
جَلَبَ الشيء يَجْلِبُه جَلْباً وجَلَباً، كذا قال الجوهري في: "الصحاح"، قال في القاموس": (جَلْب الشيء: المجيء به من مكان إلى آخر) .
قوله: [الدرء] :
قال في: "القاموس": الدرء هو الدفع، ومنه الحديث المشهور: (ادرؤوا الحدود بالشبهات) أي: ادفعوها.
قوله: [للقبائح] :
واحدها قبيح، قال الجوهري في: "الصحاح": (القبيح ضد
стр. 41
الحسن".
ومن ثم يتبين أن الناظم -رحمه الله تعالى- ذكر بهذا البيت القاعدة الكبرى التي يدور عليها الدين، وهي مُقَرَّرَة باستقراء أدلة الشرع كتابا وسنة، كما قال الشاطبي في ثاني مجلدات: "الموافقات"، وهي على الترتيب السابق في التقديم والأولوية، فيُرَاعَى أول ما يُرَاعَى: الحفاظ على الدين من مبطلاته ونواقضه، فلو اجتمع الحفاظ على الدين مع الحفاظ على غيره من بواقي الكليات الخمس فَيُقَدَّم الحفاظ على الدين، وهكذا قل في ترتيب الكليات الخمس على ما سبق من كون الدين أولها، والنفس ثانيها، والعقل ثالثها، والنسل رابعها، والمال خامسها.
قوله: [فإن تزاحم عدد المصالح..الخ] :
التزاحم من حيث هو يأتي على صور ثلاث:
الأولى: تزاحم حسنة مع حسنة، فيُقدَّم الأعلى من الحسنتين، ومثاله: اجتماع واجب ومستحب، كدَيْن مطلوب في الذمة، ونفقة مستحبة كالصدقة، فالمُقَدَّم قضاء الدين لأنه واجب.
الثانية: اجتماع سيئة وسيئة، كمحرَّم وآخر أخف منه، أو محظور ومكروه، ومثاله: ما يقع الإنسان فيه بين شيئين من المحاذير المعروفة، فإنه يرتكب الأدنى ليتقي به الأعلى، وهو ما أشار إليه الناظم بقوله: (يُرْتَكَبُ الأدنى من المفاسد) .
стр. 42
ومَثَّلَ لها بعض فقهاء الشافعية برجل صلى في ثوب لا يستر تمام عورته الواجبة، فإنه حينئذ يلزمه أن يجلس ويصلي جالسا، فالصلاة جالسا مع القدرة محظور، فارتكب الأدنى ليتقي الأعلى من المحظورين.
الثالثة: اجتماع حسنة وسيئة، قال شيخ الإسلام في: "المجموع": (يُنْظَر في الراجح منهما فيُعمل به، فقد تترجَّح الحسنة على السيئة فتُعمل، وهذا كله إذا كان يلزم من فعل الحسنة الوقوع في السيئة، أو يلزم من ترك السيئة ترك الحسنة) .
ومثال ذلك: ما وقعت فيه أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ لما هاجرت هجرة الإسلام من غير محرم، فسفرها من غير محرم سيئة ومحظور، والهجرة واجبة وهي حسنة، فتَرَجَّح فعل الحسنة على السيئة من البقاء في دار الحرب، فشرع لها الشارع الهجرة.
وكذلك من الأمثلة: ما فعله الرسول ﷺ من قذف المنجنيق على أهل الطائف مع كونه يقع على غير المُقَاتِل ممن يحرم قتلهم كالنساء والصبية، فإبعاد الأذى عن المسلمين وطرده وإزهاق دولة الكفر حسنة مطلوبة واجبة, وقتل غير المُقاتِل من النساء والصبية سيئة حرَّمها الشارع, فترجَّحت الحسنة على سيئة قتل غير المقاتل, ففعلها الشارع.
ومن هنا يتبيَّن أن تلازم الأحكام وتزاحمها يحتاج إلى أمرين
стр. 43
لكي يُبَتّ في ذلك, نص عليهما شيخ الإسلام في: "المجموع":
الأول: معرفة واقع الواقعة.
الثاني: العلم بمراتب الحسنات والسيئات, ومقاصد الشريعة.
فبدون هذين الأمرين أو أحدهما لا يستوي الأمر كما قال ابن القيم في أول: "إعلام الموقعين".
* * *
стр. 44
المشقة تجلب التيسير
١٥- ومِنْ قواعدِ الشَّريعةِ التَّيسيرُ ... في كُلِّ أمر نَابَهُ تَعْسِيرُ
"الشرح"
أشار الناظم ﵀ إلى قاعدة كلية هي إحدى قواعد الإسلام الكبرى وهي ما يعَبِّر عنها الفقهاء بقولهم: (المشقة تجلب التيسير) .
ويدل على صحتها الكتاب والسنة والإجماع.
فأما الكتاب فآيات، منها: قوله سبحانه في [سورة المائدة] : (ما جعل عليكم في الدين من حرج) ، وقوله في [سورة الحج] : (ما جعل عليكم في الدين من حرج) قال ابن عباس ﵄: (إنما هو يسر الإسلام) رواه ابن جرير في: "تفسيره" وغيره.
وأما السنة فأحاديث، منها: ما رواه الشيخان مرفوعاً: (إنما بعثتم ميسّرين، ولم تبعثوا معسِّرين) ، ومنها: ما رواه الإمام أحمد في: "مسنده", وغيره مرفوعاً: (إنما بُعثت بالحنيفية السمْحة) .
وأما الإجماع, فحكاه غير واحد كالشاطبي في: "موافقاته".
والمعنى الإجمالي للقاعدة المشار إليها: هو أن المشقة والعنت، إذا طرآ على المكلف كانا سبباً في المجيء باليسر له في
стр. 45
العمل المطروء عليه تلك المشقة.
قوله: [التيسير] :
من اليُسْر وهو ضد المشقة والعنت، وقسَّم الفقهاء ﵏ اليسر إلى قسمين كبيرين:
الأول: إلى يسر اعتيادي، وهذا هو المُصَاحِب لجملة أحكام الشرع وعامتها، وأشار الشارع إلى ذلك بقوله سبحانه: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ، وقوله: (يريد الله ليخفف عنكم) , وقوله: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) .
الثاني: إلى يسر طارئ جلبه عسرٌ طارئ، وهذا مايسميه الفقهاء ﵏ بالرخص الشرعية, وهي عند الأصوليين تُعرَّف بفعل المحظور مع قيام الحاظر لدليل راجح.
ومثل ذلك: التيسير الوارد على بعض حالات المسافر كالإفطار في رمضان، وقصر الرباعية, والجمع بين الظهرين والعشائين، لأن السفر تصحبه المشقة عادة.
والمعنى الثاني الذي هو بمعنى الرخص هو المقصود بالقاعدة الكبرى من قول الفقهاء ﵏: (المشقة تجلب التيسير) , وهو المقصود في قول الناظم: (التيسير) , إذ إن (أل) في كلمة (التيسير) عهدية, أي: التيسير المعهود عند الفقهاء وهو الرخصة كما سبق.
стр. 46
قوله: [في كل أمر] :
(كل) : من ألفاظ العموم التي نص عليها الأصوليون ﵏, والعموم مقصود في قاعدة (المشقة تجلب التيسير) فهي تنسحب على كل أمر ومسألة يطرأ عليها المشقة والعسر، على تفصيل في المشقة يأتي.
قوله: [نابه] :
الاسم نَوباً ونُوبة بضم النون، نص على الثاني الجوهري في "صحاحه" يقال ناب الشيء ينوبه نَوباً ونُوبه إذا أصابه.
ومادة (نَوَبَ) يأتي عليها معانٍ عدة في الاستعمال العربي، يناسبها من ذلك ما ذكرناه عن الجوهري آنفاً، فيكون معنى قول الناظم ﵀: (في كل أمر نابه تعسير) ، أي: في كل أمر أصابه عُسْر ومشقة.
قوله: [تعسير] :
من العُسْر, وهو ضد السهولة واليسر، والمقصود به هنا: المشقة.
والمشقة يُقَسِّمها الفقهاء كما نص على ذلك ابن نُجَيم الحنفي في: "الأشباه والنظائر" إلى ثلاثة أقسام:
الأول: إلى مشقة تُخْرِج الفعل عن طاقة العبد وقدرته.
стр. 47
الثاني: مشقة يسيرة خفيفة لا تُخْرِج الفعل عن طاقة العبد وقدرته.
الثالث: مشقة يتنازعها القسمان السابقان، فقد تصل إلى رتبة القسم الأول، وقد تنزل إلى رتبة القسم الثاني.
وهذه المشاق الثلاث لها حكمان تتوزَّع عليهما:
فأما الأول: فهي المشقة الشرعية الجالبة للرخصة واليسر.
وهي القسم الأول وما ارتفع إليه من القسم الثالث، وذلك لكونها خارجة عن مقدور العبد وطاقته، وقد أعفى الشارع الأمة المحمدية من تكليفها بذلك، كما جاء في: "صحيح مسلم" من حديث ابن عباس ﵄ وله حكم الرفع: (أن الله قال: قد فعلتُ، جواباً لقوله سبحانه: ﴿ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقة لنا به﴾ ) وإنما جاءت الرخصة مع هذا النوع من المشاق لسببين اثنين، كما قال الشاطبي في: "الموافقات".
الأول: لحفظ جوارح العبد ونفسه وماله وما إلى ذلك, حتى لا ينقطع عن العبادة ويكره التعبد لله أو العبادة.
الثاني: حتى لا يصيب العبدَ انقطاعٌ عند تزاحم الأعمال التعبدية, وكسلٌ ومللٌ عن العبادة.
стр. 48
ومن أمثلة السبب الأول:
مارواه الشيخان في: (صحيحيهما) : أن النبي- ﷺ لما أراد أصحابه أن يقوموا معه ليالي رمضان, قال: (أما بعد؛ فإني علمت شأنكم, إلا أني خشيت إذا صليتُ معكم أن تُفْرَض عليكم, فتعجزوا عن ذلك) ؛ أي: عن فعلكم لما يفترضه الله عليكم بسبب صلاتي معكم.
ومن أمثلة السبب الثاني:
وهو وجود الكسل والملل والمشقة عند تزاحم الأعمال التعبدية, ما رواه الشيخان من حديث أبي جحيفة لما آخى النبي- ﷺ بين أبي الدرداء وسلمان, فأحضر أبو الدرداء الأكل لسلمان, فقال له: كل فإني صائم, فقال: لا آكل حتى تأكل معي, فأكلا, ثم أراد أن يقوم الليل, فقال له سلمان: نم, فنام, ثم أراد القيام, فقال له: نم حتى آخر الليل فأيقظه, وقال: الآن قم, ثم قال سلمان لأبي الدرداء بعد علمه بحاله وسماعه مقولة أم الدرداء -إن أبا الدرداء لا شأن له في الدنيا- قال: إن لنفسك عليك حقاً, ولأهلك عليك حقاً, ثم أتى أبو الدرداء النبي- ﷺ فأخبره الخبر, فقال ﷺ : (صدق سلمان) .
وأما الثاني: فهي المشقة التي لا أثر لها في رخصة ويسر وما إلى ذلك. وهي القسم الثاني من أقسام المشاق.
وإنما لم يكن لها أثر في جلب الرخص؛ لأنها لا تكاد تخلو من جنس التكاليف الشرعية؛ لأن الأحكام الشرعية حقيقتها منع
стр. 49
العبد من شهوات ونوازع نفسية وغير ذلك. وفي ذلك مشقة على العبد في الجملة. وقد أشار ابن القيم -يرحمه الله- إلى ذلك في: (مدارج السالكين) .
واعلم أن المشقة من حيث مجيئها وأحكامها ثلاثة أقسام أيضاً:
المشقة الأولى: مشقة لا تعلُّق للعبد وفعله بمجيئها, وهي المصائب والابتلاءات النازلة على العباد والمكلفين كالأمراض ونحوها, فهذه المشقة ليس ثَمَّ حرج على العبد في السعي في إبعاد آثارها.
المشقة الثانية: هي مشقةٌ للعبد تَعَلُّق بمجيئها, وقد يأتي الفعل بدونها, فهذه غير مطلوبة شرعاً من المكلف.
ومثال ذلك ما جاء في "صحيح البخاري" وغيره, من حديث ابن عباس- ﵄ في صنيع أني إسرائيل من كونه نذر أن لا يستظل, وأن لا يفطر, وأن لا يقعد, فأمره النبي- ﷺ أن يستظل, ويقعد, وأن يستمر في صيامه.
فهذه المشقة جلبها العبد على نفسه, وليست مقصودة من الشارع ولا أمر بها.
المشقة الثالثة: هي ما كانت مصاحبةً للفعل, فهذه نوعان:
الأول: مشقة اعتيادية لا تُخْرِج الفعل عن طاقة العبد وقدرته, ويدخل في ذلك: جملة الأفعال التكليفية, فإنها لم تسم تكليفية إلا
стр. 50
لوجود مشقة فيها، كما قال الْمَقَرِّي في: "قواعده".
وهذه المشقة موجودة في أكثر المصالح الدنيوية كذلك، ولذا يقول ابن القيم في: "إعلام الموقعين": (إنما تقوم مصالح الدنيا والآخرة على هذا التعب، وهذه المشقة) .
ومثال ذلك: الصلاة والصيام والحج، فكلها تكاليف فيها نوع مشقة، وهذه المشقة كما قال الشاطبي في" موافقاته" تختلف باختلاف الذي يباشرها، فقد تكون في أعلى درجات هذا النوع من المشاق، وقد تكون في أدنى درجات هذا النوع من المشاق، وقد تكون بين ذلك.
وقد ذكر الفقهاء ﵏ كما ذكر ذلك العز بن عبد السلام في: "قواعد الأحكام"-: أن هذه المشقة لا تجلب تيسيراً، ولو في أعلى درجات هذا النوع من المشاق، لارتباط فعل العبادة بها، ولا يصح تسمية تلك العبادات تكاليف إلا بهذا النوع من المشقة بدرجاتها وأنواعها.
والثاني: مشقة زائدة عن المشقة الاعتيادية التي تصحب التكاليف الشرعية، وهذه قسمان:
الأول: ما كان في مباشرتها تلفٌ لجارحة أو للنفس أو نحو ذلك، سواءٌ أباشرها المكلف فوجد تلك المفاسد أو بعضها، أو أيقن بوجودها، أو غلب على ظنه، فهذا النوع من المشاق لا يجوز شرعا مباشرته، لما يحصل من ذلك من مفاسد للنفس والجوارح
стр. 51
والعقل ونحو ذلك، ومخالفٌ لمقاصد الشرع من المحافظة على الكليات الخمس المعروفة، ومن مجيء الشارع باليسر والسماحة كما قال النبي ﷺ في صحيح البخاري: (إن الدين يسرٌ) .
الثاني: ما كان بمباشرته مشقة عظيمة، ولكنها ليست كالمشقة في القسم الأول من كون مباشرتها قد يتْلِف الجوارح والنفس ونحو ذلك، فللعبد خيارٌ بين أمرين عقلا وشرعا.
فأما الأول: فهو عدم فعلها ومباشرتها؛ لأنها مشقة تجلب التيسير كالفطر في نهار صائف شديد الحرارة حال السفر والجهاد، ومنه ما جاء في: "الصحيح" أن النبي ﷺ قال: (ليس من البر الصيام في السفر) .
وأما الثاني: فهو أن يباشر العبد هذه المشاق، محتملا ما فيها من عنت، ثم لعله يحظى بأجر زائد كما ذهب إليه بعض الفقهاء، وهو مبني على قاعدة: الثواب على قدر المشقة، قال شيخ الإسلام في: "المجموع": (وهي قاعدة لا تصح بهذا الإطلاق) ، يعني- ﵀ أن فيها تفصيلا، فليس الثواب متعلقا بالمشقة مطلقا، وليس الثواب منفيا عن وجود المشقة مطلقا، بل قد يكون بقوة الإخلاص والصدق، واللُجأ في العبادة، وقد يكون بالمشقة والبلاء في العبادة والجهاد.
وذكر الشاطبي في: "الموافقات" مثالا على ذلك -أعني القسم الثاني- وهو ما يفعله بعض الزهاد والعبّاد من السلف الصالح
стр. 52
من قيام الليل كله، فإن في قيام الليل كله مشقةً عظيمةً، يُبعدها عن أنفس هؤلاء العباد خوفٌ غالب، أو رجاءٌ سائق.
* * *
ثم ذكر الناظم بعدُ ثلاثَ قواعد فرعية، تتفرع عن هذه القاعدة:
أولها: أن الواجبات منوطة بالاقتدار.
وثانيها: أن الضرورات تبيح المحظورات.
وثالثها: أن الضرورة تُقَدَّر بقدرها.
وفي ذلك يقول الناظم- رحمه الله تعالى-:
١٦- وليس واجبٌ بلا اقْتدار ... ولا مُحَرَّمٌ مع اضطرارِ
"الشرح"
والواجب هو من ألفاظ الأضداد في اللغة، فيأتي بمعنى الساقط، ويأتي بمعنى اللازم.
وأما في الاصطلاح؛ فهو ما طلبه الشارع طلبا مجزوما به، وقيل غير ذلك. ومثاله: الصلاة المفروضة، فإنها واجبة؛ لأن الشارع طلبها طلبا مجزوما به.
قوله: [بلا اقتدار] :
راجع إلى القدرة، أي أن الواجبات فعلها متعلِّق بوجود القدرة
стр. 53
عليها من المكلفين، فهي مطلوبة بوجود القدرة، والأصوليون- ﵏ ذكروا ضمن شروط الفعل المكلف به أن يكون ممكنا ويعنون بذلك أن يكون مقدورا غليه.
قوله: [ولا محرمٌ] :
من التحريم، وأصل التحريم يدل على المنع، والْمُحَرَّم اصطلاحا: هو ما نهى عنه الشارع نهيا مجزوما به، ومثاله الزنا، فهو محرم؛ لأن الشارع نهى عنه نهيا مجزوما به، بقوله: (ولا تقربوا الزنا) .
قوله: [مع اضطرار] :
من الضرورة، قال الغزَّالي في: "المستصفى": (هي المشقة الشديدة، التي لا يتحملها جنس بني آدم) .
ودليل هاتين القاعدتين: الكتاب والسنة والإجتماع.
أما الكتاب فآيات، منها: قوله سبحانه: (ولا تحملنا مالا طاقة لنا به) .
وأما السنة فأحاديث، منها: ما أخرجه الدارقطني في: "سننه" وغيره أن النبي ﷺ قال: " لا ضرر ولا ضرار"، قال ابن الصلاح: (وللحديث طرق وشواهد بمجموعها لا ينزل الحديث عن رتبة الحسن) .
وأما الإجماع فحكاه غير واحد كأبي المعالي الجويني،
стр. 54
والغزَّالي في: "المستصفى"، والموفق ابن قدامة في: "الروضة" وغيرهم.
وقد سبق معك تقسيم للمشاق، التي تقع مع جنس بني آدم، فمنها ما ينزل عن رتبة الضرورة، ومنها ما يصل إلى الضروريات، وهي في الحقيقة ترجع إلى الإنسان نفسه، فهو الذي يجد القدرة على الفعل أو المشقة الشديدة التي تفقده القدرة، نص على ذلك الشاطبي ﵀ في: "الموافقات" وكذا غيره.
* * *
стр. 55
الضرورة تقدر بقدرها
١٧- وكل محظورٍ مع الضرورةْ ... بقَدْرِ ما تحتاجه الضرورةْ
"الشرح"
حصل قوله: (وكل ... ) ذكر قاعدة فقهية يذكرها الفقهاء بقولهم: (الضرورات تُقدَّر بقدرها) .
وهي قاعدة تعتبر قيدا للقاعدة السابقة المذكورة في قول الناظم: (ولا محرم مع اضطرار) .
والمقصود أن كل فعل جوِّز للضرورة إنما جاز ذلك الفعل بالقدر الذي يحصل به إزالة تلك الضرورة، ولا يجوز الزيادة عن هذا الحدّ، ومعرفة ذلك راجعة إلى المتضرر نفسه كما سبق.
مثال ذلك:
المضطر إلى أكل الميتة لا يأكل من الميتة إلا بقدر ما يدفع عن نفسه الضرورة الملجئة إلى أكل الميتة، وهي: خوف الهلاك جوعا.
* * *
стр. 56
اليقين لا يزول بالشك
١٨- وتَرجِع الأحكامُ لليقينِ ... فلا يُزيلُ الشكُّ لليقينِ
"الشرح"
قوله: [الأحكام] :
واحدها حكم، وهو في اللغة المنع، تقول: حكمتُ الرجل تحكيما: إذا منعته مما أراد، قاله الجوهري في: "الصحاح" ومنه قول جرير:
أَبَنَيْ حنيفةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكم ... إِنِّي أخافُ عليكُمُ أن أغضَبا
والحكم في الاصطلاح هو: إسناد أمر إلى آخر إيجابا أو سلبا. قاله الجرجاني في: "التعريفات"، ومثاله في الإيجاب: زيد قائم، حيث أثبتَّ القيام لزيد. ومثال السَّلْب: لم يقم زيد، حيث نفيتَ القيام عن زيد.
واعلم -رحمك الله- أن الحكم على ثلاثة أقسام:
الأول: حكم عقلي، وهو ما رُجِع فيه إلى العقل عند إسناد أمر إلى آخر إيجابا أو سلبا. ومثاله: الكل أكبر من الجزء.
الثاني: حكم عادي، وهو ما رُجِع فيه إلى العادة عند إسناد أمر إلى آخر إيجابا أو سلبا، ومن العادة: التجربة الصحيحة، ككثير من
стр. 57
الأدوية الناجعة مع بعض الأمراض.
الثالث: حكم شرعي، وهو ما رُجِع فيه إلى الشرع، وَحَدَّه جماعة من الأصوليين بأنه: خطاب الله المتعلِّق بفعل المكلَّف؛ من حيث إنه مكلفٌ به، كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) .
والناظم ﵀ لم يقصد سوى: الحكم الشرعي بمعناه السابق.
قوله: [لليقين] :
اليقين من: يَقِنْتُ الأمر يَقْناً ويَقَناً، قال الجوهري: (اليقين: العلم، وزوال الشك) ، وأما في الاصطلاح: فاعتقاد الشيء بأنه كذا، مع اعتقاد أنه لا يمكن إلا كذا، مطابقا للواقع غير ممكن الزوال. قاله الجرجاني، ولكن يشكل عليه ما جاء عن مجاهد ﵀ أنه قال: (كل ظن في القرآن فهو يقين) .
إلا أن الزركشي ﵀ قال: (هناك ضابطان للفرق بين اليقين والظن في القرآن:
أحدهما: أنه حيث وجد الظن محمودا مثابا عليه فهو اليقين، وحيث وجد مذموما مُتَوَعَّدا عليه بالعذاب فهو الشك.
والثاني: أن كل ظن به (أنْ) المخفَّفة فهو شك، وكل ظن يتصل به (أنَّ) المشددة فهو يقين؛ لأن المشدَّدة للتأكيد خلافا للمخففة) انتهى.
стр. 58
قوله: [يزيل] :
من زال الشيء زوالا، إذا تنحى عن مكانه، قاله ابن فارس في: "مقاييس اللغة". والمعنى: أن اليقين لا يَتنحَّى عن مكانه لطروء الشك عليه.
قوله: [الشك] :
الشك في اللغة يدل على التداخل، قال ابن فارس في: "المقاييس": (ومنه: الشك، الذي هو خلاف اليقين، وإنما سمي بذلك لأن الشاك كأنه شُكَّ له الأمران في مَشَك واحد، وهو لا يتقين واحدا منهما) .
وفي الاصطلاح هو: لمطلق التردد. وحده الراغب في: "المفردات" بقوله: "الشك: اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما". وبه جزم الكفوي ﵀ في: "الكليات".
وجملة قوله: (وترجع الأحكام..) إشارة إلى قاعدة فقهية كلية هي: (اليقين لا يزول بالشك) ولها صيغتان معروفتان عند الفقهاء:
الأولى: اليقين لا يزال بالشك.
الثانية: اليقين لا يُرفع بالشك.
وهما صيغتان لهما الدلالة نفسها. ولا تكاد تلك القاعدة
стр. 59
تخلو من باب من أبواب الفقه، يقول الإمام النووي ﵀ في: "المجموع شرح المهذَّب": (هذه قاعدة مطَّردة، لا يخرج منها إلا مسائل) ، ويقول السيوطي ﵀ في: "الأشباه والنظائر في قواعد اللغة": (هذه القاعدة تدخل في جميع أبواب الفقه) .
ويدل على صحة تلك القاعدة عدة أدلة ترجع إلى: الخبر، والإجماع، والنظر.
فأما الخبر، فمنه ما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن زيد ﵁ أنه قال: شُكِي إلى النبي ﷺ الرجل يُخَيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال ﷺ : (لا ينصرف حتى يجد صوتا أو يجد ريحا) .
ففي الخبر: الحكم ببقاء الطهارة وإن طرأ الشك؛ لأن الطهارة متيقَّن منها، وأما إذا تُيُقِّن من الحدث الموجِب نقض الطهارة، فيُقطَع به. وهذا إعمال لقاعدة اليقين لا يزال بالشك، كما أشار إلى ذلك النووي ﵀ في: "المنهاج"، وقال الخطابي ﵀ في: "شرح البخاري" معلقا على خبر عبد الله بن زيد: (وهذا أصل في كل أمر قد ثبت واستقر يقينا، فإنه لا يرفع حكمه بالشك) .
وأما الإجماع؛ فحكاه غير واحد كالقرافي ﵀ في: "الذخيرة" وفي: "الفروق"، وابن دقيق العيد ﵀ في: "إحكام الأحكام".
стр. 60
وأما النظر؛ فلأن اليقين لا يغلبه الشك أَلْبتة، حيث إنه قطع بثبوت الشيء فلا يَنْهدم بالشك.
ومن أمثلة القاعدة: من تيقن الطهارة، وشك في الحدث، فهو متطهِر. أو تيقن في الحدث، وشك في الطهارة فهو محدث. بهذا قال الجمهور، لحديث عبد الله بن زيد السابق. يقول شيخ الإسلام ﵀ في: "شرح العمدة" موضحا حديث عبد الله بن زيد السابق: (فلما نهاه عن قطع الصلاة وعن الخروج من المسجد مع الشك، دل على جواز بناء الصلاة على طهارة مستصحَبة مبنية على اليقين. ولو كان يجب عليه الوضوء خارج الصلاة لجاز له أو لوجب عليه في الصلاة كسائر النواقض) .
فائدة:
اعلم -وفقك الله- أن قاعدة: (اليقين لا يُزال بالشك) لها اعتبار عند الاستدلال بالأدلة؛ إذ الأصل في الألفاظ أنها للحقيقة، وفي الأوامر أنها للوجوب، وفي النواهي أنها للتحريم. ولا يُخْرَج بتلك الأحكام عن أصولها المتيقنة لاستدلال أو دليل مشكوك فيه إما من جهة الثبوت أو الدلالة.
وقد نبه إلى ذلك العلائي ﵀ في كتابه: "المجموع الْمُذْهب"، وقال: (ومن هذا الوجه يمكن رجوع غالب مسائل الفقه إلى هذه القاعدة إما بنفسها أو بدليلها) .
стр. 61
ومن ثم يتبين أن القاعدة الكلية: (اليقين لا يزال بالشك) ؛ لها موردان:
الأول: الأدلة الشرعية، عند إعمال قاعدة: "استصحاب الأصل"؛ لأن الأصل له حكم اليقين، كما سبق بيانه.
والثاني: أفعال المكلَّف، عند اشتباه أسباب الحكم عليه. وهذا المورد هو المقصود أصالة من القاعدة، قاله ابن القيم ﵀ في: "بدائع الفوائد".
وهذا كله عندما يكون للمشكوك فيه حال قبل الشك، فتستصحَب ولا ينتقل عنها إلا بيقين، وهذا جزم به الجمهور، ونص عليه ابن القيم ﵀ في كتابه السابق.
قال ابن القيم ﵀ في: "بدائع الفوائد": (ينبغي أن يُعلم أنه ليس في الشريعة شيء مشكوك فيه ألبتة، وإنما يعرض الشك للمكلف) .
* * *
стр. 62
(الأصل في الأعيان الطهارة)
(الأصل في الأبضاع واللحوم ومن عصم ماله ونفسه: التحريم)
١٩- والأصلُ في مياهنا الطهارةْ ... والأرضِ والثيابِ والحِجارةْ
٢٠- والأصلُ في الأبضاعِِ واللحومِ ... والنفسِ والأموالِ للمعصومِ
٢١- تحريمُها حتى يجيءَ الحِلُّ ... فافهَمْ هداك اللهُ ما يُمَلَّ
"الشرح"
قوله: [مياهنا] :
يدخل في ذلك جميع أنواع المياه سواء أكان الماء النازل من السماء، أم الخارج من الأرض كالآبار والأنهار، قال ابن قدامة ﵀ في: "الروضة": "وهذا هو المعتمد".
قوله: [الثياب] :
يدخل فيها جميع أنواعها مما هو طاهر، ويخرج المصنوع من غير الطاهر كجلود السباع والكلاب والخنازير.
قوله: [الأبضاع] :
واحدها: بُضع بالضم، قال الجوهري في: "الصحاح": "البُضع هو النكاح"، قال ابن السِّكِيت، وحكى ابن الأعرابي: أن البُضع هو الفرج، وأصل مادة (بَضَعَ) تأتي على معانٍ في الاستعمال، قال بعضهم على منوال الإمام قطرب النحوي في:
стр. 63
"مثلثاته":
بضعت لحماً بَضْعاً ... حتى يصير بِضْعاً
واعلم بأن بُضعَا ... صدَقةٌ لا تَعجبِ (١)
قطعاً كما جا في التراثْ ... مابين تسعٍ وثلاثْ (٢)
بالضم وطئونا الإناثْ ... أجر وسنة النبي
والمقصود هو الفروج والأنكحة، كما نص على ذلك الأئمة، ومنهم الإمام السبكي في: "الأشباه والنظائر"، وابن رجب في: "القواعد".
قوله: [للمعصوم] :
يقصد به من عُصم ماله ودمه.
قوله: [مايُملُّ] :
أي: ما يُمْلى عليك، وهو من الإملاء.
واعلم -رحمك الله تعالى-: أن هذه الأبيات تشتمل على جملة أمثلة مخرَّجة على القاعدة الكلية السابقة، وهي: اليقين لا يزال بالشك، كما نص على ذلك السيوطي في: "الأشباه والنظائر".
وهي ترجع إلى قاعدتين:
стр. 64
القاعدة الأولى:
أن الأصل فيما على الأرض الإباحة، ويدخل في ذلك المياه والثياب والحجارة وغيرها، وكل ذلك طاهر، وهذا الذي عليه عامة الأصوليين والفقهاء وأكثرهم، قال ابن تيمية في: "مجموع الفتاوي"، بل نفى وجود الخلاف بين المتقدمين من الفقهاء، وقال: "إن الخلف المذكور حادثٌ بعدهم".
ويدل على ذلك النقل والعقل:
فأما النقل فمن ثلاثة أوجه:
الوجه الأول:
الكتاب: وفيه آيات، ومنها: قوله سبحانه: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) ، ووجه دلالتها على المقصود يرجع إلى دلالتين:
أما الأولى: فهو إضافة الله الشيء إلى بني آدم باللام، كما في قوله: (لكم) ، وهي لا تكون إلا بأحد معنيين هنا، كما قاله ابن عطية الأندلسي في: "المحرر الوجيز".
الأول: أنها بمعنى الملكية.
والثاني: أنها بمعنى الاختصاص.
وكلاهما يدلان على ملكية بني آدم لما في الأرض،
стр. 65
واختصاصهم بذلك، وليس إلا الإباحة.
والثانية: أن مساق الآية مساقُ امتنان، وغايته: الحل والإباحة، قاله القرطبي في: "تفسيره".
الوجه الثاني:
السنة: ويدل على ذلك أحاديث، منها: ما رواه أبو الدرداء ﵁ مرفوعاً: (ما أحله الله فهو حلال، وما حرمه الله فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته) . أخرجه الحاكم وصححه، وأخرجه الطبراني في: "المعجم الكبير"، والبزار في: "مسنده". قال السيوطي في: "الأشباه": (إسناده حسن) .
ووجه دلالة الحديث على المقصود هو أن النبي ﷺ أناط المحرَّم والمحلَّل بأمر الله، وما كان دون ذلك فقد سكت عنه الله، وهذا يقتضي إباحته، لذا قال النبي ﷺ : (فاقبلوا من الله عافيته) ، قاله شيخ الإسلام في: "مجموع الفتاوي".
الوجه الثالث:
هو اتفاق السلف: حيث قال شيخ الإسلام في: "مجموع الفتاوي": (هو كالإجماع) ، وأنكر وجود المخالف في هذه المسألة عندهم.
стр. 66
وأما العقل:
فللأصوليين في تقريره عباراتٌ، منها ما قاله القرطبي في: "تفسيره": (وذلك أن الله لم يخلق ما في الأرض إلا لحكمة، إذ ضد ذلك العبث، وهو منزه عنه.
والحكمة إما أن تكون للتلذذ به، أو الانتفاع به، أو الاختبار به، أو التفكر فيه، وكلها لا تصح إلا بالتذوق، وهو دليل الإباحة) .
فائدة:
خالف عامة العلماء وأكثرهم بعضُ المتأخرين في مسألتنا السابقة؛ حيث قالوا: (إن الأصل في ذلك: الحظر والمنع) ، ونسبه ابن نجيم في: "الأشباه والنظائر" إلى بعض أصحاب الحديث، وعزاه الموفق في: "الروضة" إلى حسن بن حامد الورّاق -شيخ الحنابلة المعروف-، وبعض المعتزلة، وهو اختيار القاضي أبي يعلى الفرّاء كما في: "العدة".
وحجتهم في ذلك أن التصرف في ملك الغير ممنوع إلا بإذنه، وهذا منه.
واعترض على ذلك، بأنه لو سُلِّم لهم بهذه المقدمة؛ لقيل: إن الله أَذِن كما في الآية والحديث السابقين.
وليُعلم أن محل النزاع في هذه المسألة هو ما كان خالصاً من الضُّر، أو كان الغالب للنفع فيه من مختلف الأعيان التي تختلف أوصافها؛ لأن ما كان ضراً محضاً، أوالغالب عليه الضر فهو محرَّمٌ
стр. 67
ممنوع لأدلة كثيرة، منها حديث النبي ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" أخرجه الدارقطني وغيره، ويدخل في ذلك: ذوات السموم من الحيوان والنبات.
فائدة:
اختار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أن الأصل في المسألة السابقة: الإباحة، وطهارة الأرض والثياب والحجارة لمن كان مسلماً يعمل الصالحات، لأنها إعانة له على الطاعة، وصرفٌ للنعمة في محلها، وأما خلافه كالكافر ومن يستعمل النعمة في غير محلها, فإن الأصل في حقهم المنع، سداً لذريعة التقوِّي بالنعمة على المعاصي، وصرف النعم في غير محالِّها.
القاعدة الثانية:
أن الأصل في الأبضاع واللحوم ومن عُصِم ماله ونفسه: التحريم.
ويدل على ذلك أدلة:
أما الأبضاع؛ فقد حكى الموفق في: "المغني"، والنووي في: "المجموع" إجماع أهل العلم على ذلك.
ومثاله: لو أن رجلاً له ثلاث زوجات، طلق إحداهن، ثم اشتبه عليه من طلق منهن، فالجمهور والأكثر على أنه لا يطأ واحدة منهن حتى يستبين، قال المرداوي في: "الإنصاف": (وعليه
стр. 68
جمهور الأصحاب) ، واختار الموفق وجماعة أنه يعمل بالقرعة بينهن، إذ القرعة حينئذ بمنزلة الْمُخْبِر والشاهد.
وأما اللحوم؛ فاستدل بالدليل العقلي السابق عند القائلين بأن الأصل المنع في الأشياء، ولكن الذي عليه الأكثر والجمهور هو أن الأصل في اللحوم: الحل حتى يجيء المنع.
واستدلوا على ذلك بالأدلة السابقة، إذ إن جنس ذوات اللحوم: من الأعيان الموجودة على الأرض، فهي داخلة في الإباحة، ويدل عليه قوله سبحانه: (وقد فصَّل لكم ما حَرَّم عليكم) ، وفصَّل بمعنى بَيَّن، قاله شيخ الإسلام, وهذا فيه دلالة على أن الأصل الحل حتى يجيء المنع, إذ إن الله ذكر المحرمات وأبقى غيرها على الحل, وبهذا جزم شيخ الإسلام في: "مجموع الفتاوي"، وانتصر له الشوكاني في: "إرشاد الفحول"، فإن كان المقصود عدم حلِّ اللحوم إلا بعد ذكاتها بطريقة شرعية -على ما هو مفصَّل في كتب الفروع- كان ذلك كذلك، وعليه الأكثر، وظاهر عبارة الموفق في "المغني": اتفاق الأئمة عليه، وهو مقصود شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في محالَّ من كتبه. وأدلة ذلك كثيرة من الكتاب والسنة والأثر.
وأما النفس والمال للمعصوم؛ فالأصل فيها حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه
стр. 69
الْمُفَارِق للجماعة) أخرجه البخاري ومسلم.
وحديث جابر في: "صحيح مسلم" في حجة الوداع أن النبي ﷺ قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام. .) الحديث.
ففي الأول: حرمة الأنفس المعصومة، إلا بما يوجب حلها من الأمور الثلاثة السابقة، وفي الثاني: حرمة الأمران، إلا بما يوجب حلها من الزكاة والنفقة الواجبة، ونحو ذلك مما هو معلوم، وهذا عليه عامة الفقهاء وأكثرهم، بل حكى الموفق عدم المخالف في ذلك، وكذلك شيخ الإسلام.
* * *
стр. 70
(الأصل في المعاملات الحل)
(الأصل في العبادات المنع)
٢٢- والأصلُ في عاداتنا الإباحةْ ... حتى يجيءَ صارفُ الإباحةْ
٢٣- وليس مشروعاً من الأمورْ ... غيرَ الذي في شرعنا مذكورْ
"الشرح"
قوله: [عاداتنا] :
ماخوذ من العَوْد أو المعاودة، وهي تَكْرار الشيء، قاله الزَّبِيدي في: "شرح القاموس"، ونص عليه الحموي في: "غمز عيون البصائر".
واختلفت عبارات الفقهاء في حدِّ العادة وتعريفها، ومن ذلك أنها: ما استقر في الأنفس السليمة والطبائع المستقيمة من المعاملات، قاله ابن حجر ﵀ في: "الفتح".
ومن ثَمَّ يتبين أن العادات ترجع إلى جنس المعاملات، وهي نوعان: معاملة مع النفس، ومعاملة مع الخلق.
قوله: [صارف الإباحة] :
أي: الصارف الشرعي، وهو إما أن يكون نصاً شرعياً، أو إجماعاً معتبراً، أو قياساً صحيحاً.
стр. 71
واعلم -رحمك الله- أن الناظم ﵀ عنى بالبيتين السابقين قاعدتين كليتين:
فأما الأولى: فهي أن الأصل في العادات والمعاملات: الإباحة والحل، ودل على صحة ذلك أدلة ترجع إلى: الخبر، والاتفاق.
فأما الخبر: فمنه ما أخرجه مسلم في: "صحيحه" في قصة تأبير النخل، وفيه قال النبي ﷺ : (أنتم أعلم بأمر دنياكم) ، ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ رَدَّ الأمر في التعامل في الزراعة إلى الخلق، وجعله ليس من جنس الشرع الذي يتوقف فيه حتى يأتي الأمر من الرب سبحانه.
وأما الاتفاق: فحكاه غير واحد، كالنووي في: "المجموع"، والمفق في: "المغني".
وليُعلَمْ أن المعاملات والعادات باقيةٌ على الأصل ما لم تخالف أصلاً شرعياً، أو يأتي الصارف الشرعي لذلك، ومن ذلك: شرب الخمر، فهو من جنس العادات التي حرمها الرب سبحانه.
وأما القاعدة الكلية الثانية: فهي أن الأصل في العبادات: الحظر والمنع، ومعنى ذلك هو أن لا يعتقد الناس في شيء أو في فعل أو قول أنه عبادة، حتى يأتي خطاب الشارع بذلك، وقد دلت الأدلة على صحة هذه القاعدة، وترجع إلى أدلة:
стр. 72
أولها: الخبر، وهو من السنة والأثر.
فأما السنة، فما رواه مسلم من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: (من عمل عملاً ليس علي أمرنا فهو رَدٌّ) ، أي: مردود عليه، قال الشاطبي في: "الاعتصام": (وهذا أصلٌ في أن الأصل في العبادات المنع والحظر) .
وبيانه: أن النبي ﷺ قيَّد قبول العبادة بأخذها عنه، وصدورها منه ﷺ ، إذ هو المشرِّع ﷺ ، فاعتبار غير ما قاله أو فعله من العبادات عبادة تُفعل أو تقال: اعتبارٌ مردودٌ على صاحبه؛ لأن ذلك محظورٌ عليه.
وأما الأثر؛ فما أخرجه البهقي في: "السنن الكبرى"، والخطيب في: "الفقيه والمتفقه" عن سعيد بن المسيب، أنه رأى رجلاً يصلي بعد طاوع الفجر ركعتين زائدتين عن سنة الفجر، يطيل في سجودهما وركوعهما، فزجره عن ذلك، فأنكر عليه المصلي ذلك، فقال له: (بل خالفت السنة) .
والآثار في ذلك كثيرة.
وثانيها: الاتفاق؛ فقد حكى شيخ الإسلام في: "مجموع الفتاوي" اتفاق السلف ﵏ على أن الأصل في العبادات الحظر والمنع.
стр. 73
فائدة:
إذا كان العمل في أصله مشروعاً، ولكن زِيْدَ في هيئته، أو أُنْقِصَ منه، فلا يحكم على بطلانه مطلقاً، ولا على صحته مطلقاً، قال ابن رجب في: "شرح الأربعين"؛ لأن الخلل قد يكون في شيء يوجب بطلان العبادة، وقد يكون في شيء دون ذلك، ومثاله: الصلاة إذا أُوقعت بدون سجود فإنها باطلة، لأن السجود من الأركان، وإذا أوقعت دون قراءة ما تيسَّر بعد الفاتحة فهي مجزئة صحيحة.
مسألة:
هل يشترط في كون الأصل في العبادات الحظر والمنع انسحاب ذلك على كمية فعل العبادة من الرسول ﷺ ، بحيث لا يُزَاد على تلك الكمية في نحو المندوبات والسنن؟
ذهب الشاطبي في: "الموافقات" إلى لزوم ذلك، وأن الزيادة مخالَفة، وذهب ابن القيم في: "الصواعق المرسلة" إلى أن العبادة إذا ثبت أصلها، وندب إليها بالسنة القولية؛ فالمواظبة عليها فضلٌ وسنة.
* * *
стр. 74
الوسائل لها أحكام المقاصد
٢٤- وسائلُ الأمورِ كالمقاصدِ ... واحكمْ بهذا الْحُكمِ للزوائدِ
"الشرح"
قوله: [وسائل] :
واحدها وسيلة، وهي الذريعة الموصلة إلى الشيء المطلوب، والمقصود هنا الوسائل الشرعية المتعلقة بالمطلوب فعله أو تركه، ونحو ذلك من الأحكام التكليفية.
قوله: [كالمقاصد] :
واحدها مقصد، وهو الشيء المطلوب، قالع الكَفَوي في: "الكليات".
قوله: [للزوائد] :
يعني الزائد على الوسيلة والمقصد، وهو ما يسميه الفقهاء بمتمِّمات الأشياء، ومن ثم يتبيَّن أن الأشياء عند الفقهاء ثلاثة:
أولها: المقاصد.
وثانيها: الوسائل.
وثالثها: المتممات.
وبيان ذلك بمثال يذكره الفقهاء، إلا وهو الصلاة، ووجه
стр. 75
انطباق تلك القسمة الثلاثية للأشياء على الصلاة هو أن الصلاة من حيث أداؤها مقصدٌ، والمشي إليها: وسيلة، والرجوع بعدها إلى المكان الذي جاء منه المصلي، متمِّم، فالمقصد في هذا المثال هو الصلاة، وذلك لأن الله- تعالى- أمر بأدائها وإقامتها، وهذا أمر مجمع عليه، كما في قوله سبحانه: (أقم الصلاة) ، وقوله: (وأقيموا الصلاة) .
وقد حكى الإجماع غير واحد، كابن المنذر في: "الأوسط"، وابن هبيرة في: "الإفصاح"، وغيرهما.
والوسيلة في هذا المثال هي المشي إلى الصلاة، إذ إن القدمين آلة المشي والسير، واستعمالها راجع إلى الماشي، فعندما يقصد الصلاة ويستعمل هذه الآلة في الوصول إلى مقصده يُسمى المشي: وسيلة.
والمتممة في هذا المثال هو الرجوع إلى المحل الذي جاء منه المصلي، وإنما سمي متمما؛ لأن أصل عمل الصلاة انتهى بالوسيلة والمقصد، ولكن تمام صورة الذهاب إلى الصلاة وعملها لم تنتهِ إلا برجوع المكلَّف إلى المحل الذي خرج منه؛ لأنه حينئذ تمم عملا ذهب إليه واشتغل به.
وليُعلم أن القاعدة المشار إليها في كلام الناظم ﵀ هي ما يطلق عليها الفقهاء: (للوسائل حكم المقاصد، وللزوائد حكم المقاصد) .