← Каваид фикха

Каваид фикха · id 9846

مجموعة الفوائد البهية على منظومة القواعد الفقهية

صالح الأسمري

Полный текст (117 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

واعلم -رحمك الله- أن الناظم ﵀ عنى بالبيتين السابقين قاعدتين كليتين: فأما الأولى: فهي أن الأصل في العادات والمعاملات: الإباحة والحل، ودل على صحة ذلك أدلة ترجع إلى: الخبر، والاتفاق. فأما الخبر: فمنه ما أخرجه مسلم في: "صحيحه" في قصة تأبير النخل، وفيه قال النبي ﷺ : (أنتم أعلم بأمر دنياكم) ، ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ رَدَّ الأمر في التعامل في الزراعة إلى الخلق، وجعله ليس من جنس الشرع الذي يتوقف فيه حتى يأتي الأمر من الرب سبحانه. وأما الاتفاق: فحكاه غير واحد، كالنووي في: "المجموع"، والمفق في: "المغني". وليُعلَمْ أن المعاملات والعادات باقيةٌ على الأصل ما لم تخالف أصلاً شرعياً، أو يأتي الصارف الشرعي لذلك، ومن ذلك: شرب الخمر، فهو من جنس العادات التي حرمها الرب سبحانه. وأما القاعدة الكلية الثانية: فهي أن الأصل في العبادات: الحظر والمنع، ومعنى ذلك هو أن لا يعتقد الناس في شيء أو في فعل أو قول أنه عبادة، حتى يأتي خطاب الشارع بذلك، وقد دلت الأدلة على صحة هذه القاعدة، وترجع إلى أدلة:

стр. 72

أولها: الخبر، وهو من السنة والأثر. فأما السنة، فما رواه مسلم من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: (من عمل عملاً ليس علي أمرنا فهو رَدٌّ) ، أي: مردود عليه، قال الشاطبي في: "الاعتصام": (وهذا أصلٌ في أن الأصل في العبادات المنع والحظر) . وبيانه: أن النبي ﷺ قيَّد قبول العبادة بأخذها عنه، وصدورها منه ﷺ ، إذ هو المشرِّع ﷺ ، فاعتبار غير ما قاله أو فعله من العبادات عبادة تُفعل أو تقال: اعتبارٌ مردودٌ على صاحبه؛ لأن ذلك محظورٌ عليه. وأما الأثر؛ فما أخرجه البهقي في: "السنن الكبرى"، والخطيب في: "الفقيه والمتفقه" عن سعيد بن المسيب، أنه رأى رجلاً يصلي بعد طاوع الفجر ركعتين زائدتين عن سنة الفجر، يطيل في سجودهما وركوعهما، فزجره عن ذلك، فأنكر عليه المصلي ذلك، فقال له: (بل خالفت السنة) . والآثار في ذلك كثيرة. وثانيها: الاتفاق؛ فقد حكى شيخ الإسلام في: "مجموع الفتاوي" اتفاق السلف ﵏ على أن الأصل في العبادات الحظر والمنع.

стр. 73

فائدة: إذا كان العمل في أصله مشروعاً، ولكن زِيْدَ في هيئته، أو أُنْقِصَ منه، فلا يحكم على بطلانه مطلقاً، ولا على صحته مطلقاً، قال ابن رجب في: "شرح الأربعين"؛ لأن الخلل قد يكون في شيء يوجب بطلان العبادة، وقد يكون في شيء دون ذلك، ومثاله: الصلاة إذا أُوقعت بدون سجود فإنها باطلة، لأن السجود من الأركان، وإذا أوقعت دون قراءة ما تيسَّر بعد الفاتحة فهي مجزئة صحيحة. مسألة: هل يشترط في كون الأصل في العبادات الحظر والمنع انسحاب ذلك على كمية فعل العبادة من الرسول ﷺ ، بحيث لا يُزَاد على تلك الكمية في نحو المندوبات والسنن؟ ذهب الشاطبي في: "الموافقات" إلى لزوم ذلك، وأن الزيادة مخالَفة، وذهب ابن القيم في: "الصواعق المرسلة" إلى أن العبادة إذا ثبت أصلها، وندب إليها بالسنة القولية؛ فالمواظبة عليها فضلٌ وسنة. * * *

стр. 74

الوسائل لها أحكام المقاصد ٢٤- وسائلُ الأمورِ كالمقاصدِ ... واحكمْ بهذا الْحُكمِ للزوائدِ "الشرح" قوله: [وسائل] : واحدها وسيلة، وهي الذريعة الموصلة إلى الشيء المطلوب، والمقصود هنا الوسائل الشرعية المتعلقة بالمطلوب فعله أو تركه، ونحو ذلك من الأحكام التكليفية. قوله: [كالمقاصد] : واحدها مقصد، وهو الشيء المطلوب، قالع الكَفَوي في: "الكليات". قوله: [للزوائد] : يعني الزائد على الوسيلة والمقصد، وهو ما يسميه الفقهاء بمتمِّمات الأشياء، ومن ثم يتبيَّن أن الأشياء عند الفقهاء ثلاثة: أولها: المقاصد. وثانيها: الوسائل. وثالثها: المتممات. وبيان ذلك بمثال يذكره الفقهاء، إلا وهو الصلاة، ووجه

стр. 75

انطباق تلك القسمة الثلاثية للأشياء على الصلاة هو أن الصلاة من حيث أداؤها مقصدٌ، والمشي إليها: وسيلة، والرجوع بعدها إلى المكان الذي جاء منه المصلي، متمِّم، فالمقصد في هذا المثال هو الصلاة، وذلك لأن الله- تعالى- أمر بأدائها وإقامتها، وهذا أمر مجمع عليه، كما في قوله سبحانه: (أقم الصلاة) ، وقوله: (وأقيموا الصلاة) . وقد حكى الإجماع غير واحد، كابن المنذر في: "الأوسط"، وابن هبيرة في: "الإفصاح"، وغيرهما. والوسيلة في هذا المثال هي المشي إلى الصلاة، إذ إن القدمين آلة المشي والسير، واستعمالها راجع إلى الماشي، فعندما يقصد الصلاة ويستعمل هذه الآلة في الوصول إلى مقصده يُسمى المشي: وسيلة. والمتممة في هذا المثال هو الرجوع إلى المحل الذي جاء منه المصلي، وإنما سمي متمما؛ لأن أصل عمل الصلاة انتهى بالوسيلة والمقصد، ولكن تمام صورة الذهاب إلى الصلاة وعملها لم تنتهِ إلا برجوع المكلَّف إلى المحل الذي خرج منه؛ لأنه حينئذ تمم عملا ذهب إليه واشتغل به. وليُعلم أن القاعدة المشار إليها في كلام الناظم ﵀ هي ما يطلق عليها الفقهاء: (للوسائل حكم المقاصد، وللزوائد حكم المقاصد) .

стр. 76

وبيان ذلك من المثال السابق، هو أن أداء الصلاة المفروضة مع الجماعة في المسجد واجب، فالوسيلة إليه تأخذ حكمه، وهي المشي، فتكون الوسيلة واجبة، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما هو مقرر في الأصول، ومتمِّم هذا الواجب له حكمه، من حيث الثواب والأجر؛ فقد جاء في: "الصحيح" وغيره أخبارٌ تفيد أن المصلي له أجرٌ وثوابٌ على ذهابه إلى الصلاة في المسجد حتى يعود إلى محله الذي جاء منه، قال شيخ الإسلام في: "المجموع": (وهذا المعنى وردت به أخبارٌ صحيحة) . * * *

стр. 77

الإتلاف يستوي فيه المتعمد والجاهل والناسي ٢٥- والخطأُ والإكراهُ والنسيانُ ... أسقطه معبودُنا الرحمانُ "الشرح" قوله: [والخطأ] : هو في اللغة: ضد الصواب، قاله ابن منظور في: "لسان العرب". وأما في الاصطلاح الفقهي: فهو فعل الشيء عن غير قصد، قاله الراغب في: "المفردات"، وقال ابن رجب في: "شرح الأربعين": (الخطأ هو مجيء الشيء على قصد يقع خلافه، كمكلف أراد قتل مباح الدم، فبان له أنه معصوم الدم بعد قتله) : وأما في الاستعمال الشرعي؛ فهو يأتي بمعنى: العمد، كقوله) ﴿إنه كان خِطئاً كبيرا﴾ حيث قرأ ابن عامر: ﴿إنه كان خَطَئاً كبيرا﴾ ، ويأتي بمعنى: غير العمد، كما في آية القتل؛ حيث فُرِّق بين العامد والمخطئ، ومن ثَمَّ فإن الخطأ قي اصطلاح الشارع قد يصحبه التأثيم، وقد يتأخر عنه، قاله شيخ الإسلام في"مجموع الفتاوي". قوله: [الإكراه] : من -الكَرْه- بالفتح- وهو المشقة، قاله الفرَّاء، وقيل من

стр. 78

الكُرْه -بالضم- فال ابن منظور في: " اللسان": (أجمع كثير من أهل اللغة على أن الكُره -بالضم- والكَره -بالفتح- لغتان لمعنى) ، ولكن ابن سِيْدَه والفرَّاء فَرَّقا بينهما، ولكن الاستعمال العربي جار على سحب معنى "الكُره بالضم" على "الكَره بالفتح" والعكس، كما قرره ابن منظور في: "اللسان". والإكراه في الاصطلاح، هو إلزام الغير على ما لا يريده، فاله ابن حجر ﵀ في: "فتح الباري"، وبنحوه قال السيوطي في: " الأشباه والنظائر". قوله: [النسيان] : هو السهو لغة، وقيل: الغفلة، ذكره الزَّبيدي في: "شرح القاموس" ويعرّفه الفقهاء: بأنه عارض طبيعي خفيف. قوله: [أسقطه] : أي أسقط التأثيم والعقاب المتعلِّقين بعدم فعل المأمور، أو بفعل المحظور خطئا أو كُرها أو نسيانا، قال ابن رجب ﵀ في: "شرح الأربعين": (هذا الذي تُحْمَل عليه النصوص، لا على سقوط الأحكام المتعلِّقة بالنسيان والخطأ) . وحاصل هذه القاعدة المذكورة في كلام الناظم هو أن تلك العوارض الثلاثة توجب عدم التأثيم، وحلول العقاب. ودليل ذلك ما رواه ابن مارواه ابن ماجه وغيره من حديث ابن عباس-

стр. 79

رضي الله عنهما- أن النبي ﷺ قال: ﴿إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ, والنسيان, وما استكرهوا عليه﴾ , قال النووي في: "الأربعين": (حديث حسن) , وصححه الحاكم في: "مستدركه", وله طرقٌ كثيرة يتقوى بها, كما قاله الحافظ ابن حجر في: "فتح الباري". وكذلك ما أخرجه مسلم من حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: (لما نزل قوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إنا سينا أو أخطأنا﴾ قال الله: قد فعلت) , وبنحوه عن أبي هريرة عند مسلم. ويدل على الإكراه قوله سبحانه: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ : حيث إنها نزلت في عمار بن ياسر ﵁-لما أُكْرِه على قول كلمة الكفر, كما رواه ابن جرير في: "تفسيره", والبيهقي في: "السنن الكبرى". قال الحافظ في: "الفتح": (جاء ذلك من طرق مرسلة يقوي بعضهما بعضا) . قال ابن العربي في: "أحكام القرآن": (وهذا إن كان إكراها على قول الكفر إلا أن الفقهاء قاسوا عليه غيره من فروع الدين من باب أولى) . فائدة: يقسم الفقهاء الإكراه إلى قسمين: الأول: إكراه تام بمعنى الإلجاء, ومثاله امرأة وُطِئَتْ زنا, لا خيار لها في ذلك. والثاني: إكراه ناقص ليس بمعنى الإلجاء كالتهديد والوعيد

стр. 80

بضرب أو نحو ذلك. نص على ذلك ابن رجب في: "شرح الأربعين"، والسيوطي في: "الأشباه والنظائر". والإكراه الْمُسْقِط للعقاب والتأثيم هو ما توفرت فيه شروطٌ ذكرها الفقهاء، ومنهم الموفق في: "المغني", وابن حجر في: "فتح الباري"، , والسيوطي في "الأشباه والنظائر": أولها: أن يكون الْمُكْرِه -بالكسر- قادراً على إنفاذ وعيده وتهديده. وثانيها: أن يكون المكرَه -بالفتح- غير قادر على المدافعة ولا الفرار. وثالثها: أن يكون في امتناع المكرَه -بالفتح- حصول الوعيد والتهديد. ورابعها: أن يتيقَّن المكرَه -بالفتح- أو يغلب على ظنه أن المكرِه -بالكسر- سيوقع به ما هدده به أو توعده به. وخامسها: أن يكون إيقاع المكروه بالمكرَه -بالفتح- بعد زمن قريب في العُرف أو وقت فوري في الحال، لا أن يكون متأخرا. وليُعلمْ أن هناك اختلافاً بين الفقهاء في مورد الإكراه, هل هو في الأقوال فحسب, أو فيها والأفعال؟ جمهورهم على أن ذلك في الأفعال والأقوال, وهو المشهور

стр. 81

عن أحمد، قاله ابن رجب ﵀ في: "شرح الأربعين", وذهب الحسن البصري، والأوزاعي، وسحنون -من المالكية-, وهي رواية عن أحمد؛ أن مَوْرِدَ الإكراه هو الأقوال، ودليلهم: سبب نزول الآية؛ حيث إنها نزلت في عمار، وهو إنما أُكْرِه على قول الكفر لا على فعله. والصحيح هو ما عليه الجمهور لعموم الآية؛ ولأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، في أصح قولي أهل العلم، قاله الشوكاني في: "فتح القدير"، وهو اختيار شيخ الإسلام والأكثر. مسألة: إذا هُدِّد المرء بأحد أولاده بأن يُقْتَل أو يُعَذَّب ونحو ذلك، فهل يدخل في الإكراه أم لا؟ خلاف، اختار الموفق في: "المغني" أنه يدخل في الإكراه، وهو الذي عليه الجمهور. فائدة: يدخل في الخطأ صنفان آخران: الأول: المجتهد المخطأ، لما جاء في: "الصحيحين" أن النبي ﷺ قال: ﴿إذا حكم الحاكم ثم اجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم واجتهد فأخطأ فله أجر﴾ . ولا يرد هنا ما يذكره بعض الفقهاء من أن هذا المجتهد

стр. 82

المخطئ غير داخل في مطلق العفو، لعدم قبول خطئه؛ لأن الأمر كما قال الخطيب البغدادي في: "الفقيه والمتفقه" إنما يتعلق بالأجر على الاجتهاد، لا الأجر على الخطأ؛ إذ أن الأجر المذكور في الحديث إنما هو على اجتهاده فحسب. ويشترط في المجتهد المخطئ الذي يُؤْجَر على اجتهاده شروط، ذكرها الأصوليون، كأبي المعالي في: "البرهان"، والغزَّالي في: "المستصفى": أولها: أن يقصد الحق. ثانيها: أن يجتهد وُسْعَه، قال شيخ الإسلام في: "اقتضاء الصراط المستقيم": (اجتهاد الوسع هو أن لا يكون له وراء ذلك قوة) . وثالثها: أن يكون في ما يسوغ فيه الاجتهاد، فمسائل الإجماع ومحالّ النص لا يسوغ فيها الاجتهاد اتفاقا، قال بدر الدين الزركشي في: "البحر المحيط". والثاني: الواقفية الذين يجتهدون، فلا يترجح لديهم شيء في مسائل الاجتهاد. ولا ريب أن التوقف المطلق خطأ، قال شيخ الإسلام في: "مجموع الفتاوي"، ومن ثم يدخل في الخطأ.

стр. 83

لطيفة: سبق أن الخطأ يُطْلَق على العمد وما بصحبه تأثيم، وعلى غير العمد مما لا تأثيم يترتب عليه، إلا أن المشهور هو استعماله في غير العمد، قاله شيخ الإسلام في: "مجموع الفتاوي"، وقال: (وإذا جُمِع بينه -يعني الخطأ- والنسيان، فإنه نص في أخذ الخطأ معنى غير العمد) . * * *

стр. 84

٢٦- لكن معَ الإتلافِ يَثْبُتُ البدلْ ... ويَنْتَفِي التأثيمُ عنه والزَّلَلْ "الشرح" قوله: [الإتلاف] : من التلف، وهو فساد الشيء، قاله الأزهري في: "تهذيب اللغة". قوله: [البدل] : يعني العِوَض، كما عليه عامة الفقهاء، وأصل البدل في اللغة: هو تغيير الشيء، يقال: بَدَّلتُ الشيء إذا غيَّرتَه، كما في: "القاموس". وحاصل كلام الناظم ﵀ أن المخطئ والناسي والمكرَه إذا وقعوا في إتلاف شيء فإنه يلزمهم بدله وعِوَضه؛ لأن العوض والبدل من جنس الأحكام الوضعية المتعلِّقة بمجرد الفعل دون نظر إلى المقاصد والعوارض الأهلية وما إلى ذلك، وهذا الحكم متفق عليه، قاله الموفق في: "المغني"، والقرافي في: "الفروق"، -رحمهما الله تعالى-. ومثال ذلك: لو أن مكلَّفاً عرض له النسيان، ففوَّت الصلاة المفروضة عن وقتها حتى خرج، فإنه يلزمه حينئذ بدل الصلاة في وقتها، بأن يأتي بها عند ذِكْرها, دل على ذلك أحاديث منها: قوله ﷺ : ﴿إذا نام أحدكم عن صلاة أو نسيها فَلْيُصَلِّها إذا ذكرها, لا كفارة لها إلا ذلك﴾ رواه أحمد وغيره.

стр. 85

التابع إذا استقل أخذ غير حكم أصله ٢٧- ومن مسائلِ الأحكامِ في اتَّبَعْ ... يَثْبُتُ لا إذا استقلَّ فوقعْ "الشرح" قوله: [اتبع] : بتثقيل المثناة من فوق مع فتح، وفتح الباء الموحَّدة بعدها، من التابع، أي أنه تابعٌ لغيره آخذٌ حكمه. قوله: [استقل فوقع] : أي: إذا خرج عن التبعية بحيث كان منفردا عن أصله مستقلا عنه. وهذه القاعدة الفقهية هي التي يعَبِّر عنها الفقهاء بقولهم: (التابع تابعٌ) ، وبقولهم: (التابع لا يستقل) ، وبقولهم: (التابع إذا استقل أخذ غير حكم أصله) . يقول ابن سعدي ﵀ في: "القواعد والأصول الجامعة": (وذلك أن المسائل والصور التابعة لغيرها يشملها حكم متبوعها، فلا تفرد بحكم فلو أفردت بحكم لثبت لها حكم آخر. وهذا هو الْمُوْجِب لكون كثير من التوابع تخالف غيرها، فيقال فيها: إنها ثابتة على وجه التبع) . ومثال ذلك: أن الجنين في بطن أمَة تابع لها عند البيع والشراء

стр. 86

ونحوهما، فالأمَة إذا كانت حاملا فجنينها تابع لها بأخذ حكمها، ما لم يكن ثَمَّ شرط عرفي أو نطقي عند المبايعة. ومثال استقلال التابع عن أصله؛ كما في المثال السابق: أن يقول السيد لأمَته الحامل بجنين: إن ولدت فمولودك مُعْتَقٌ، فالعتق هنا للتابع دون أصله، فالأمَة غير خارجة من العبودية لسيدها، خلافا لجنينها إذا ولدته. وهذه القاعدة متفق عليها بين الفقهاء، فقد حكى الاتفاق غير واحد، ومنهم السيوطي ﵀ في: "الأشباه والنظائر"، والنووي في: "المجموع شرح المهذب"، والماوردي في: "الحاوي الكبير". * * *

стр. 87

العرف محكم ٢٨- والعرفُ معمولٌ به إذا وَرَدْ ... حُكْمٌ من الشرعِ الشريفِ لم يُحَدّْ "الشرح" قوله: [العرف] : هو في اللغة يرجع إلى معنيين اثنين، قاله ابن فارس في: "معجم مقاييس اللغة": الأول: هو إدراك الشيء على حقيقته وهو ما يقال له: المعرفة، فتقول: عرفت الشيء، وهو أخص من العلم، على ما ذكره جمهرة من فقهاء اللغة. والثاني: هو تتابع الشيء، كما يقال للضَبُع: عَرْفاء، لتتابع شعر رقبتها مع طولها، ومنه قول الشنفرى في: "لاميته": ولي دونكم أهلون سيد عَمَلَّسٌ (١) ... وأرقطُ (٢) زُهلولٌ (٣) وعَرْفاءُ (٤) جيألُ (٥)

стр. 88

وأما تعريف العرف في الاصطلاح؛ فاختلفت فيه أقوال الفقهاء، ومنها قول بعضهم: (هو كل قول وفعل وترك اعتاد عليه الناس) ، وهذا هو مقتضى صنيع ابن رجب ﵀ في: "القواعد"، وأشار إليه القرافي ﵀ في "الأحكام". ومن ثم يبين أن هناك فرقا بين العادة -وسبقت-، وبين العرف؛ إذ بينهما عمومٌ وخصوصٌ مطلق، ووجه خصوص العرف أنه يتعلق بما اعتاده جمهور الناس، ووجه عموم العادة أنه يتعلق بما اعتاده الإنسان مع نفسه، وما اعتاده الجمهور من الناس، وما كان من حركات طبيعية عند جنس بني آدم. وليُعلَمْ أن العرف يؤخذ به في أمرين: الأول: إذا جاء حكمٌ من الشرع، أو اسمٌ عُلِّق به حكم شرعي، ولم يُحَدّ، لا في الشرع، ولا في اللغة؛ فإنه يُرْجَع حينئذ إلى العرف ويكون مُحَكَّما، وهو ما يشير إليه الفقهاء بقولهم: (العرف مُحَكَّمٌ) . ومثاله: الإسراف والتبذير، فلم يرد حد في ذلك لا في الشرع، ولا في اللغة، وتختلف أعراف الناس من حيث بلدانهم وأماكنهم، فَيُرجع فيه إلى عرف كل ذي بلد، كلٌّ بحسبه، فما عُدَّ إسرافا عند جمهور بلد معين كان كذلك، وهكذا. والثاني: أنه قيدٌ -يعني العرف- للمعاملات التي تقع بين الناس من بيع وشراء وعقد نكاح ونحو ذلك.

стр. 89

ومثاله في البيع والشراء: أن المرء لو باع أرضا؛ فإن العرف يدل على ما بيع ما داخلها وما فوقها، ما لم يشترط المتعاقدان. ومثاله في عقد النكاح: هو ما يذكره بعض الفقهاء من أنه لو شاع في قُطْر أن المهر مُجَزَّأ، فمنه ما هو حاضر، ومنه ما هو آجل؛ فإن ذلك يكون قيدا عند العقد ولو لم يُذْكَر، ما لم يُسْتَثْنَ من المتعاقدين. وحجية العرف يدل عليها الخبر والإجماع. فأما الخبر، فالكتاب والأثر. فأما الكتاب؛ فقوله سبحانه: ﴿وأمر بالعرف﴾ ؛ حيث أخرج البخاري في: "صحيحه" عن عبد الله بن الزبير ﵁ أنه قال: (نزلت هذه الآية في أخلاق الناس) . قال ابن الفرس في كتابه: "أحكام القرآن": (المقصود بقوله: ﴿وأمر بالمعروف﴾ أي: المعروف عند الناس، الذي لا يخالف الشرع) ، وبه جزم ابن عطية ﵀ في: "المحرر الوجيز"، وقال السيوطي في: "الإكليل": (وهذه الآية قاعدة شرعية، تدل على اعتبار العرف الذي لا يخالف أصلا شرعيا) . وأما الأثر؛ فما أخرجه الإمام أحمد في: "مسنده" عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: (ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن) ، قال الحاكم: (إسناده صحيح) ، ووافقه عليه الذهبي، وقال ابن القيم في: "الفروسية": (وهو جزء ثابت عن عبد الله بن

стр. 90

مسعود) ، وحسَّنه الحافظ ابن حجر في كتابه: "موافقة الْخُبْر الْخَبَر"، وهو يدل على حجية العرف، لأنه صَحَّح استحسان الناس، وجعله دليلا على حسن الشيء، قاله القرافي في: "شرح التنقيح". وأما الإجماع؛ فحكاه غير واحد، ومنهم: الجلال المحَلي ﵀ في: "شرحه على جمع الجوامع"، وكذلك الْبُناني في: "حاشيته على شرح المحلي لجمع الجوامع". ثم إن هناك شروطا للاحتجاج بالعرف: أولها: أن يكون مطَّردا أو أغلبيا، وهذا متفق عليه بين الفقهاء، قاله السيوطي في: "الأشباه والنظائر"، قال ابن نُجَيم في: "الأشباه": (فلا عبرة بالعرف غير المطَّرد أو الأغلبي) ، وبهذا جزم الشاطبي ﵀ في: "الموافقات" وقال: (العرف غير الأغلبي أو الْمُطَّرد لا يُعَوَّل عليه) . وثانيها: أن يكون عند مجيء الخطاب لا قبله بحيث يكون منقطعا عنه، ولا بعده بحيث يكون طارئا، قال ابن نجيم في: "الأشباه": (فلا عبرة بالعرف الطارئ) ، وحكى الشاطبي الاتفاق على ذلك في: "الموافقات". وثالثها: أن يكون ظاهرا غير خفي، لتنقاس به الأمور، قاله القرافي في: "الأحكام". ورابعها: أن لا يكون مخالفا لدليل شرعي كقرآن أو سنة صحيحة

стр. 91

أو إجماع معتبر، وهذا أمر مجمع عليه، قاله شيخ الإسلام في: "مجموع الفتاوي"، وابن قيم الجوزية في: "إعلام الموقعين". فائدة: يُقَسِّم جمهرة من الأصوليين والفقهاء العرف إلى قسمين: إلى عرف قولي، وإلى عرف فعلي، ويقسِّمونه من حيثية أخرى إلى عرف عام، وإلى عرف خاص. ومثال العام: ما اشترك فيه جمهور الناس من قول أو فعل. ومثال الخاص: ما اشترك فيه جمهور بلد. * * *

стр. 92

من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه ٢٩- مُعاجِلُ المحظورِ قبل آنِهْ ... قد باء بالخسران مَعْ حِرمانهْ "الشرح" قوله: [معاجل] : من العَجَل، والعجلة هي السرعة، قاله في: "القاموس"، والعجلة كما قال الأصفهاني ﵀ في: "ألفاظ القرآن": (هي استباق الشيء وتحرِّيه قبل وقته) ، قال: (وهذا مقتضى الشهوة، ولذا جاء ذكر العجلة في عامة القرآن على وجه الذم) . ويدل عليه ما أخرجه الترمذي في: "سننه" من حديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعا: ﴿الأناة من الله، والعجلة من الشيطان﴾ قال الترمذي: (حسن غريب) ، وقال الهيثمي في: "مجمع الزوائد": رجاله رجال الصحيح. قوله: [المحظور] : اسم مفعول من الحظر، وهو ضد الإباحة، قاله ابن منظور في: "لسان العرب"، وقال: (كل ما حال بينك وبين الشيء فهو حاظر لك عنه) ، ومن معاني الحظر: المنع والتحريم، قال في: "اللسان": (المحظور هو المحرَّم) .

стр. 93

قوله: [آنه] : يعني: وقته وزمنه المحدَّد له. قوله: [باء] : قال الأخفش: (هو بمعنى: رجع) فعليه يكون المعنى: قد رجع بالخسران. وليُعْلمْ أن هذه القاعدة من القواعد الكلية التي ذكرها الفقهاء وغيرهم. ويذكرها بعض الفقهاء كابن رجب ﵀ في: "القواعد" بصيغة: (من تعجَّل الشيء قبل أوانه عوقِب بحرمانه) . ويتفرَّع عن هذه القاعدة أمثلة كثيرة، منها: جَعْل الوارث القاتل عمدا محروما من الميراث، وهذا عليه الاتفاق سوى ما يُحكى عن بعض الفقهاء، وهو على خلاف المعمول به، قال أبو الخطاب الكَلْوَذَاني ﵀ في كتابه: "التهذيب في علم الفرائض والوصايا": (اتفق أهل العلم على أن الوارث القاتل -يعني عمدا- محرومٌ من الميراث، سوى ما يُحكى عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والخوارج) . وأما ما يُذكر عن سعيد بن جبير وابن المسيب فقد ذكر بعض الفقهاء، كأبي الخطاب في كتابه السابق ضعفه عنهما. ويدل على القول السابق ما رواه ابن ماجه والترمذي في: "سننهما": أن النبي ﷺ قال: (القاتل لا يرث) ، قال الترمذي:

стр. 94

(وهذا الحديث لا يصح، ولكن العمل عليه) . تنبيه: القاعدة السابقة قد تدخل في الأمور الدنيوية، كما نص على ذلك الإمام ابن تيمية ﵀ في: "مجموع الفتاوي"، فإن هناك من الأمور ما لو عَاجَلَه المرء قبل وقته لَحُرِمَه. * * *

стр. 95

النهي يقتضي الفساد ٣٠- وإن أتى التحريمُ في نفسِ العملْ ... أو شرطِهِ، فذو فسادٍ وخَللْ "الشرح" قوله: [نفس العمل] : يعني: أركانه وواجباته، وهذا عليه عامة الفقهاء، على تفريقٍ عندهم بين الفرض والواجب. والمذهب كما في: "الإنصاف" أن الركن إذا جاء فيه الخلل، فإن العمل يفسد، وأن الواجب فيه تفصيلٌ: إن كان لسهو ونسيان صَحَّ العمل، خلافا للعَمْد في الصلاة. قال شيخ الإسلام في: "شرح العمدة": (وهذا هو المشهور في المذهب، والْمُعْتَمَد في الصحيح) . قوله: [شرطه] : سبق معناه لغة واصطلاحا. ومثال الشرط في الصلاة: الطهارة من الحدث والخبث، واستقبال القبلة ونحوهما. وحاصل كلام الناظم ﵀ أن الخلل الواقع في العمل التعبدي قسمان:

стр. 96

الأول: أن يقع الخلل في أركان العمل وواجباته، فهذا يقتضي فساد العمل سواء أكان بعمد أو سهو، وفي الواجب تفصيلٌ سبقت الإشارة إليه كما في الصلاة. ويدخل في ذلك ما كان من بناء العمل، وإن لم يُسَمَّ ركنا أو واجبا قاله الشاطبي في: الموافقات"، غير أن الغالب أن الفقهاء يَسِمُون ذلك بكونه فرضا أو ركنا أو واجبا، إلى غير ذلك من الأسماء الاصطلاحية. والثاني: أن يقع الخلل في شرط العمل، فهذا مفسد له. ومثاله: ما لو صلى المكلَّف الفرضَ على غير طهارة؛ فإن صلاته باطلة ولو كان ناسيا، وهذا أمر مجمع عليه، قاله النووي في: "المجموع"، وابن المنذر في: "الأوسط". ويدل عليه أحاديث وآثار كثيرة، كنحو ما رواه أحمد في: "المسند" مرفوعا: ﴿لا صلاة لمن لا وضوء له﴾ ، وما رواه عبد الرزاق في: "مصنفه" عن عمر بن الخطاب: (أنه صلى الفجر بالناس وهو جنب فأعادها ولم يُعيدوا) . فائدة: إذا وقع الخلل في غير الأركان والواجبات والشروط، كالخلل في المستحبَّات والسنن؛ فإنه لا يوجب فساد العمل، ولكنه يوجب نقصان ثوابه بقدر الخلل الموجود، قاله ابن رجب ﵀ في: "الفتح" وفي: "شرح الأربعين". وكلامه ﵀ محمولٌ على العمد والعلم، لا على الجهل والنسيان؛ فقد سبق أنهما من العفو. * * *

стр. 97

من أتلف شيئا لدفع أذاه فلا ضمان عليه ٣١- ومُتْلِفُ مؤذيه ليس يَضمنُ ... بعد الدفاعِ بالتي هي أحسنُ "الشرح" قوله: [متلف] : من التلف، وهو إفساد الشيء وإزهاقه، قاله الزبيدي في: "شرح القاموس". قوله: [مؤذيه] : أي على وجه الاضطرار؛ بحيث يخشى على نفسه الهلاك، أو تلف بعض بدنه ونحو ذلك. ومعنى كلام الناظم ﵀: أن المكلَّف إذا أوذي من قِبَل إنسان أو حيوان إيذاء على الوصف السابق، فإذا قتله أو أتلف بعض أعضائه دفاعا فلا ضمان عليه، قال الموفق في: "المغني": (وهذا الذي عليه أكثر الفقهاء) وهي مبنية على قاعدة سبقت، وهي: أن الضرورة تبيح المحظور، ونحوها. ومثال ذلك: لو صال على الْمُحْرِم حيوانٌ يخشى أن يتلفه أو يتلف بعضا منه فلو قتله فلا فدية عليه ولا ضمان، لو كان ذلك الحيوان مُمْتَلَكا. * * *

стр. 98

ألفاظ العموم ٣٢- وَأَلْ تُفيدُ الكلَّ في العمومِ ... في الجمعِ والإفرادِ كالعَليمِ ٣٣- والنكراتُ في سِياقِ النفي ... تُعطي العموم - أوسياق النهي ٣٤- كذاك "مَنْ" و "ما" تُفيدان مَعَا ... كل العموم يا أخي فاسمعا ٣٥- ومثله المفرد إذ يضاف ... فافهم هُدِيتَ الرشد ما يضاف "الشرح" هذه الأبيات تتعلق بذكر ألفاظ العموم، والناس في القول بوجود العموم ضربان: الأول: جماعة لا يقولون بوجوده، ويقولون: ليس هناك لفظ يدل على العموم، وهذا القول محكي عن أبي الحسن الأشعري، كما يذكره عنه أصحاب المقالات، إلا أن العلائي ﵀ كما في كتابه: "تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم" ذكر أن هذا الإطلاق لا يصح عن أبي الحسن، ولكنه لا يوافق الجمهور -يعني أبا الحسن- فيما ذهبوا إليه. والثاني: ما ذهب إليه جمهور الأصوليين والفقهاء واللغويين من أن للعموم صيغا وألفاظا، وقد ذَكر أنه قول الجمهور غيرُ واحد، كأبي المعالي الجويني في كتابه: "البرهان"، والغزَّالي في كتابه: "المستصفى"، والقرافي في كتاب له عن ألفاظ العموم، وغيرهم.

стр. 99

واقتصر الموفق ابن قدامة ﵀ في "الروضة" على خمس صيغ تبعه الناظم هنا فذكرها: أولها: "أل" الاستغراقية؛ فإنها إذا دخلت على اسم أفادت العموم، سواء أكان الاسم مفردا، أم كان جمعا، ومثال المفرد: كلمة "العليم" فإنها تعم جميع جنس المعلوم، إذ أن الله يعلم الشيء قبل كينونيته وبعد ذلك، فعلمه أزلي أبدي شامل عام، يعلم السر وأخفى، ومثال الجمع: المؤمنون والمؤمنات والمسلمون والمسلمات ونحوها، فهو يشمل جمع السلامة وجمع التكسير. والقول بأن "أل" الاستغراقية من ألفاظ العموم هو الذي أطبق عليه القائلون بالعموم، قاله أبو المعالي في "البرهان"، وقطع به الغزَّالي في: "المستصفى". لطيفة: إذا كانت الكلمة مكوَّنة من حرف؛ ذُكِرَت باسمها، كالحروف الهجائية، فيقال: همزة وكاف ونون، ونحو ذلك. وإذا كانت مكونة من حرفين أو أكثر؛ ذكرت بمسماها، لا باسمها، نحو: "أل". ذَكَر هذه القاعدة اللغوية ابن هشام ﵀ في: "مغني اللبيب". وثانيها: النكرة في سياق النفي تفيد العموم، وهذا عليه أئمة الأصوليين، قاله أبو المعالي في: "البرهان"، وبنحوه قال العلائي في: "تلقيح الفهوم"، ومثاله: "لا إله إلا الله"؛ فإن كلمة "إله": نكرة تسلَّط عليها النفي فأفاد العموم ليشمل جميع الآلهة، فيكون

стр. 100

المعنى: لا إله في الوجود يستحق العبادة سوى الله. ويتبع ذلك النكرة في سياق النهي، وهو ما عليه جمهور الأصوليين، ويدخل فيه جميع الأحاديث النبوية التي ابتدأها النبي ﷺ بالنهي، وكان بعدها اسمٌ نكرة، ويدخل في ذلك على ما ذكره شيخ الإسلام وغيره: النكرة في سياق الشرط، وفي سياق الامتنان؛ فإنها تَعُمُّ على أصح أقوال أهل العلم. وثالثها: "من" و "ما". و"من" لا تكون إلا اسمية، ولها معان: الأول: الجزاء والشرطية قال العلائي: (اتفق الأصوليون الذين يقولون بالعموم على أن "من" إذا أتت بمعنى الشرطية والجزاء؛ فإنها تفيد العموم، كقوله سبحانه: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ ونحوها. الثاني: الموصولية، أي بمعنى: الذي، فجمهور القائلين بالعموم على أنها تفيد العموم إذا أتت بهذا المعنى، قاله العلائي في: "تلقيح الفهوم". الثالث: بمعنى النكرة الموصوفة، وهي تفيد العموم كذلك؛ لأنها تشبه حينئذ النكرة في سياق النفي ونحوها. وأما "ما" فإما أن تكون حرفية أو اسمية، فلا تفيد العموم إذا كانت حرفية إلا إذا كانت بمعنى النكرة الموصوفة أو الشرطية،

стр. 101

والمقصود بكونها تفيد النكرة الموصوفة أو الوصف هو ما ذكره ابن عصفور بقوله: (أن تكون بمعنى الدوام والاستمرار، كقولك: لا أكلمك ما دامت السموات والأرض) وهذا الذي عليه جمهور القائلين بالعموم، كما ذكره ابن الساعاتي، وقطع به العلائي في كتابه السابق. وأما إذا كانت اسمية فتأتي عليها معاني "مَن" السابقة، وتأخذ حكمها سِيَّان. ورابعها: الاسم المفرد إذا أضيف؛ فإنه يفيد العموم وبهذا قطع الموفق في: "الروضة"، وجزم به ابن القيم في: "إعلام الموقعين"، ومثاله: قوله سبحانه: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ ؛ حيث أضيفت النعمة وهي مفرد فتعم جميع النعم الدنيوية والدينية. وخامسها: لفظة "كل"، قال أبو المعالي الجويني في: "البرهان": (وهي أقوى ألفاظ العموم في الدلالة على العموم) . وقد صنَّف تقي الدين السبكي ﵀ مصَنَّفا في: "كل" ومشتقاتها، وأطال الكلام حولها، ولخصه العلائي ﵀ في: "تلقيح الفهوم". وقد حكى غير واحد من الأصوليين كالغزَّالي في: "المستصفى" اتفاقَ الأصوليين من القائلين بالعموم على أن "كل" تفيد العموم. وهي تفيد العموم سواء أكانت مستقلة أم مؤكِّدة: مستقلة نحو قوله سبحانه: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ ، ومؤكَّدة نحو قولك: (هذا البيت كله) .

стр. 102

فائدة: ألَّف الإمام القرافي كتابا في ألفاظ العموم، أوصلها إلى خمسين ومئتي لفظ، غير أن العلائي في: "تلقيح الفهوم" قال: (وهي ترجع إلى ثلاثة أقسام: الأول: إلى ما هو متفق عليه من ألفاظ العموم ك "كل" و "من" و "ما الشرطية") ونحوهما. الثاني: أنه يذكر -يعني القرافي- الألفاظ ومشتقاتها واللغات الواردة في تلك الألفاظ بكسرٍ أو فتحٍ أو غير ذلك، ويَعُدُّ كل شيء من ذلك لفظا مستقلا كأجمع وجمعاء وأجمعون ومشتقاتها، فإن كل لفظة من ذلك هي لفظ مستقل عنده، يدل على العموم. الثالث: أنه يذكر أشياء كثيرة لا تصح مما يذكره بعض الفقهاء والأصوليين. * * *

стр. 103

لابد في الحكم من استكمال الشروط وانتفاء الموانع ٣٦- ولا يتم الحكمُ حتى تجتمعْ ... كلُّ الشروط والموانع تُرْتَفَعْ "الشرح" قوله: [الحكم] : أصله في اللغة المنع، ومنه قول جرير الكلبي: أَبَنَيْ حنيفةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكم ... إِنِّي أخافُ عليكُمُ أن أغضَبا والحكم نوعان: الأول: حكم شرعي سواء أكان تكليفيا أم وضعيا، وهو المقصود في كلام الناظم ﵀. والثاني: حكم عقلي، وهو غير مقصود هنا، كالأحكام العددية وغيرها. ويذكر بعض الأصوليين حكما ثالثا، ويسَمُّونه بالحكم العرفي، وهو تعارف جماعة من الخلق على أمر ما. قوله: [الشروط] : واحدها شَرْط، وسبق. قوله: [الموانع] : واحدها مانع، وهو اسم فاعل من المنع، وأما في الاصطلاح فله

стр. 104

تعريفات وحدود منها: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته كالحيض مع الصلاة فهو مانع منها. وحاصل كلام الناظم ﵀ هو تقرير قاعدة كلية، وهي: (أن الحكم الشرعي لا يتم إلا باستكمال شروطه وانتفاء موانعه) . قال شيخ الإسلام في: "المجموع": (اتفق على ذلك أهل العلم، ولا خلاف بينهم في ذلك، ولكنهم اختلفوا في تنزيلها على بعض القضايا الشرعية والعقلية) . وحكى الاتفاق غير واحد، كالغزَّالي في "المستصفى"، والآمدي في: "الإحكام". وهذه القاعدة الكلية لابد من مراعاتها عند تنزيل الأحكام الشرعية، كالتكفير مثلا، فلا يكفَّر المعيَّن إلا إذا توفرت الشروط، ومنها: كونه مكلفا عالما بالحكم مختارا، وانتفت الموانع، ومنها: التأويل السائغ والجهل والإكراه. قال شيخ الإسلام في: "مجموع الفتاوي": (اتفق على ذلك عامة السلف وفقهاء الملة) . * * *

стр. 105

(ما ترتب على المأذون فيه يأخذ حكمه) (إذا أدى ما عليه: وجب له ما جعل له عليه) ٣٧- ومن أتى بما عليه من عمل ... وهي التي قد استحق ماله على العمل "الشرح" قوله: [استحق] : استفعل من الحقوق، أي: استوجب حقا له أو عليه، ومعنى هذا النظم هو ما أبان عنه الناظم ﵀ في "شرحه"؛ حيث قال ما حاصله: (إذا كان العمل في أصله مأذونا فيه؛ فما ترتب عليه يأخذ حكمه، والعكس بالعكس، كالضمان ونحوه) . وهذه القاعدة عليها جمهور الفقهاء، قاله الموفق في: "المغني"، والنووي في: "المجموع"، وفي بعض فروعها تفصيلٌ عندهم -أعني الفقهاء-. ومن أمثلة القاعدة: إذا قطع مكلفٌ يدَ معصوم النفس، فأدى ذلك إلى إزهاق نفسه، فهل يُعفى عنه أم يؤخذ بالقَوَدِ منه؟ في المسألة تفصيل بحسب القاعدة، فإن كان قطعه ليد معصوم النفس مأذونا فيه؛ فلا ضمان عليه ولا قَوَد منه إن أُزْهِقَت نفسه، كمسلم سرق سرقة تستوجب الحد فقُطِعت، فأدى ذلك إلى نزيف

стр. 106

للدم مستمر كان فيه هلاكه، فلا ضمان ولا قَوَد على قاطع يده، وأما إن كان غير مأذون له في قطع يده، فعليه الضمان، ويؤخذ منه القَوَد، كالجناية على معصوم النفس بقطع يده مما أدى إلى هلاكه. * * *

стр. 107

الحكم يدور مع علته وجودا وعدما ٣٨- وكلُّ حُكمٍ دائر مع علتهْ ... وهي التي قد أوجبتْ لشرعيَّتِهْ "الشرح" حاصل هذا النظم هي قاعدة أشار إليها الفقهاء بقولهم: (الحكم يدور مع علته نفيا وإثباتا، وجودا وعدما) والعلة في اللغة: هي المرض الْمُشْغِل، قاله الفيومي في: "المصباح"، وجمعه عِلَل، كسِدْرَة وسِدَر، وأما في الاصطلاح فهو الوصف المشتمل على الحكمة الباعثة على تشريع الحكم، قاله الباجي في: "الحدود"، وبه قطع الآمدي وابن الحاجب -رحمهما الله-. وليُعْلَمْ أن العلة نوعان: علة شرعية -وسبقت-، وعلة عقلية، كالحركة من الجسم توجب وصفه بكونه متحرِّكا. وهذه القاعدة المشار إليها قاعدة أغلبية لا مُطَّرِدة، وقد اتفق عليها الفقهاء، قاله ابن النجار في: "شرح مختصر التحرير"، وبنحوه قال الشاطبي في "الموافقات"، ومثالها: ما جاء في: "الصحيحين" أن النبي ﷺ قال: ﴿إنما نهيتكم من أجل الدَّافَّة التي دَفَّت، فكلوا وادخروا وتصدقوا﴾ ، والدَّافَّة هم الأعراب الفقراء

стр. 108

الذين دَفَّوا -والدف نوع من أنواع المشي- إلى المدينة وقت عيد الأضحى، فنهى النبي ﷺ أصحابه عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث حتى يتصدقوا على هؤلاء الفقراء ويعطوهم شيئا من اللحم والزاد. فكانت علة النهي عن الادخار هو ما سبق، فلما ذهبت ذهب الحكم، فجوز النبي ﷺ الادخار بعد ثلاث. وإنما قيل: إن القاعدة السابقة أغلبية؛ لأن لها استثناءات، وهي ترجع إلى مجموعة أمور: أولها: ما كان له -يعني الحكم- أكثر من علة؛ فإن انتفاء بعض تلك العلل لا يوجب انتفاء الحكم، كالحدث ببول وغائط؛ فإنه يوجب عدم الصلاة حتى يرتفع الحدث، فلو انتفت علة البول، فلا يعني ذلك جواز مباشرة الصلاة وصحتها؛ لأنه قد يوجد علة أخرى -وهي الغائط- تمنع من الصلاة. وثانيها: هو الحكم الذي بقي مع انتفاء علته، ومثاله: الرَّمَل، فإن علته إظهار النشاط للكفار، وأن حُمَّى يثرب لم تصب النبي ﷺ وأصحابه، غير أن هذه العلة انتفت وبقي الحكم، ويدل عليه فعل النبي ﷺ للرَّمَل في حجة الوداع. وثالثها: ما كان الحكم مبنيا على علة ظنية، ومثاله الرخص المتعلِّقة بالسفر، لأنه مظنة المشقة، فإن أحكام الرخص تستمر ولو لم توجد تلك العلة، وهي المشقة لكونها ظنية، قاله شيخ الإسلام ﵀ في "مجموع الفتاوي".

стр. 109

الأصل في الشروط: اللزوم ٣٩- وكل شرط لازمٍ للعاقد ... في البيع والنكاح والمقاصدِ ٤٠- إلا شروطاً حَلَّلَتْ مُحَرَّماً ... أو عكسِه فباطلاتٌ فاعْلَمَا "الشرح" قوله: [للعاقد] : اسم فاعل من العقد، وهو من أَبرمَ عقدا ما في الأنكحة أو البيوع ونحوهما من المعاملات. وحاصل كلام الناظم ﵀ يرجع إلى قاعدتين ذكرهما الفقهاء: الأولى: أن الشرط لازم في العقد. والثانية: أن كل شرط باطل لا يصح. وهاتان القاعدتان مبنيتان على حديثين مشهورين: فأما الأول: فهو ما رواه الطبراني ﵀ في "معجمه الكبير" أن النبي ﷺ قال: ﴿كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل﴾ ، صححه السيوطي وغيره. والثاني: هو ما رواه الترمذي وحسَّنه من حديث بريرة -مولاة عائشة- أن النبي ﷺ قال: ﴿المسلمون على شروطهم﴾ .

стр. 110

وليعلم أن الشرط قسمان: الأول: شرط صحيح، وهو نوعان: إما أن يكون مطلوبا شرعا أو لا، فالأول كالمهر في عقد النكاح، والثاني كشراء بيت للزوجة عند عقد النكاح، وضابطه -أعني الثاني-: أن لا يخالف أصلا شرعيا، أو دليلا صحيحا. والثاني: هو شرط باطل، ومثاله: كل شرط خالف الشرع، وهو ما عناه النبي ﷺ في الحديث الأول السابق. وهذا الشرط إما أن يكون مبطلا للشرط نفسه أو مبطلا له وللعقد، فأما إبطاله للشرط نفسه؛ فكأن يشترط في عقد النكاح عدم الدخول على الزوجة، وأما الشرط الباطل للعقد؛ فمثاله الاشتراط في عقد النكاح أن الزوجة لا تحل لزوجها، أو أن يشترط البائع على المشتري في عقد البيع أن لا يتمَلَّك السلعة، وإنما كان ذلك الشرط الباطل مبطلا للعقد؛ لأنه يناقض ركنه ومقصده الذي لأجله شُرع العقد. * * *
следующие страницы →