Полный текст (2 230 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وإذا أوصى لزيد بثلاثمائة جنيه مثلاً معه لطلبه العلم بخمسة قروش كل ليلة فإن الوصية تصح وتكون وصية لمعلوم وهو نصيب زيد ومجهول وهو حاصل الخمسة قروش فإن أجازت الورثة فالأمر ظاهر وإلا نفذت الوصية من الثلث وطريق قسمته أن يفرض الثلث كله لطلبة العلم ثم يضاف إليه المعلوم فتزيد سهام الثلث بمثلها لأن الأصل المعلوم ثلاثمائة جنيه اختص به طلبة العلم واحتج لمثلها للموصى له فزادت المسألة فيقسم الثلث بينهما نصفين وعلى هذا القياس، وإذا أوصى لزيد بنصف ماله بثلث ولعمرو بثلث ماله فإن الوصية تبطل فيما زاد على ثلث ماله ولو أجازها الورثة على المشهور فيشترك الاثنان في الثلث، ولكن إذا أجاز الورثة أكثر من الثلث كان عطاء جديداً منهم لا نتفيذاً لوصية الميت على المشهور فيشترط فيه أن يكون الوارث المجيز أهلاً للتبرع ولا بد فيه من القبول وعلى هذا فللمجيز وهو الوارث أن يميز أحدهما بما يشاء مما زاد على الثلث وإذا قال: اوصيت لزيد بنصيب ابني وليس له سوى ابن واحد فإن جميع المال يكون للموصى له أجازة الابن وإن لم يجزه فله الثلث، وإن كان له ثلاثة كأن كان للموصي له ابنان كان للموصي له نصف المال والنصف الآخر للاثنين له الثلث ولهم الباقي وإن كانوا أربعة كان له الربع وإن كانوا خمسة كان له الخمس.
وإذا أوصى له بنصيب احد ورثته استحق جزءاً بنسبة عدد رؤوسهم فإن كان عددرؤوس الورثة ثلاثة استحق الثلث وإن كانوا اربعة استحق الربع وإن كانوا خمسة استحقوا الخمس وهكذا ثم يقسم الباقى بين الورثة بحسب الفريضة.
الشافعية - قالوا: إذا اوصى لمتعدد باكثر من الثلث ولم تجز الورثة اشتركوا فى الثلث بطريق المزاحمة وقد تقدم بيان ذلك فى مبحث الوصية بالقراءة والحج فإرجع إليه.
الحنابلة - قالوا: إذا أوصى بجميع ماله لشخص وأوصى بنصفه لشخص آخر فإن أجاز الورثة ذلك قسم بينهما المال أثلاثاً يأخذ الموصى له بالنصف ثلثه والباقي يأخذه الموصى له بالكل اما إذا لم تجز الورثة فيقسم الثلث بينهما على هذه النسبة ايضاً.
وإذا أوصى لزيد بجزء أوقسط أو حظ أو نصيب أو نحو ذلك أعطاه الوارث ما شاء من المال. وإذا اوصى لشخص بسهم من ماله فله سدس بمنزلة سدس مفروض.
وإذا أوصى بمثل نصيب ابني لفظ وكان له مثل نصيب ولد نصيب ولد وكان له ثلاثة أبناء كان له الربع وإن قال: أوصيت له بمثل نصيب ولدي وكان له بنت وولد استحق مثل نصيب البنت لأنه المتيقين.
وإذا أوصى لشخص بمثل نصيب من لا يستحل في التركة شيئاً لا يكون للموصى له شيء) .стр. 1297
مبحث الوصي المختار
-الوصي المختار هو من يختاره المرء نائباً عنه بعد موته ليتصرف في أمواله ويقوم على مصالح المستضعفين من ورثته (غير الراشدين) يقال أوصى إلى فلان التصرف في ماله بعد موته. والاسم الوصايا بالكسر والفتح وقد ذكرنا في مباحث الحجر كثيراً من أحكامه وبقيت أمور أخرى نذكر بعضها هنا على تفصيل المذاهب (١) الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: يتعلق بالوصي المختار وهو الذي يختاره الشخص في حياته ليتصرف في ماله بعد مماته أمور منها شروطه فيشترط فيه شروط.
أحدها: البلوغ فإذا أوصى لصبي بعد موته كان على القاضي أن يستبدله بغيره ويعزله عن الوصاية فهذا شرط لاستمراره وصياً لصحة الوصاية لأنها تقع صحيحة ولو تصرف الصبي قبل أن يخرجه القاضي كان تصرفه صحيحياً؛ وكذا إذا بلغ قبل أن يخرجه فإنه يستمر على وصايته.
ثايها: أن يكون مسلماً فإذا أوصى لكافر كان على القاضي أن يستبدله بمسلم ولكن الوصية صحيحة فلو تصرف قبل إخراجه أو أسلم صح كما تقدم في الصبي.
ثالثها: أن يكون عدلاً فلو أوصى فاسقاً كان حكمه كحكم الصبي والكافر إلا أنه يشترط في إخراج الفاسق وعزله عن الوصية أن يكون متهماً على المال، أما إذا كان فاسقاً بجارحة ولكنه مأمون على المال فإنه لا يصح إخراجه.
رابعها: أن يكون أميناً فلو ثبتت خيانته وجب عزله عن الوصية.
خامسها: أن يكون قادراً على القيام بما أوصى إليه به فلو ثبتت عجزه في بعض الأمور دون بعض ضم إليه القاضي قادراً اما إذا ثبتت له عجزه أصلاً فإنه يعزل ويستبدله بغيره، ولا بد في الزل ضم من ثبوت العزل فلا يكفي مجرد الإخبار والشكوى لأن الميت قد اختاره وصياً حال حياته ووثق به فلا يرفع هذه الثقة مجرد الشكوى فإذا اجتمعت هذه الشروط في الوصي بأن كان بالغاً مسلماً عدلاً أميناً قادراً على القيام بتنفيذ الوصية فلا يجوز للقاضي عزله وإذا عزله لا ينعزل على الراجح لأنه وصي مختار فهو قائم مقام صاحب المال ولم يثبت عليه خيانة ولا عجز فعزله في هذه الحالة خروج على إرادة الموصي بدون موجب.
ومنها أنه إذا عين وصيين فإن في تصرفهما قولين: أحدهما انه لا يجوز لأحدهما أن ينفرد بالتصرف دون صاحبه فإذا تصرف أحدهما لا ينفذ تصرفه إلا إذا أجازه صاحبه فإنه ينفذ دون حاجة إلى يجديد عقد. ولا فرق بين أن يكون الإيصاء لهما معاً أو كان متعاقباً بأن اوصى لأحدهما لولاً ثم اوصى للآخر عقبه. وهذا القول صححه كثير من العلماء؛ ومثل ذلك ما إذا عين ناظرين على وقف فإنه لا يصح لأحدهما أن يتصرف بدون إذن صاحبه، ثانيهما أنه يجوز لأحدهما أن ينفرد بالتصرف وهذا القول صححه بعض العلماء أيضاً وهذا الخلاف فيما إذا كان معينين من قبل الوصي نفسه أو الواقف أو قاض واحد، أما إذا كان معيين من قبل قاضيين فإنه يجوز لأحدهما ان ينفرد بالتصرف بلا نزاع لأن كل منهما نائب عن قاض فيجوز له أن يتصرف عمن أنابه، ويجوز لكل من القاضيين أن يعزل الوصي الذيстр. 1298
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ولاه الآخر إذا رأى المصلحة في ذلك.
وهناك أمور يصح لكل من الوصيين ام ينفرد بها بلا خلاف. منها تجهيز الموصي بعد موته، والخصومة في الحقوق، وشراء حاجة الطفل، ورد الوديعة، وتنفيذ الوصية، وبيع ما يخاف عليه التلف؛ وجمع أموال ضائعة وغير ذلك.
وإذا مات أحد الوصيين وأوصى قبل موته للوصي الحي فإنه يصح وينفرد بالتصرف وذلك لأنه يجوز له ان ينفرد بالتصرف بإذنه حال حياته فكذلك بعد مماته.
أما إذا أوصى إلى رجل آخر أجنبي فإنه لا يجوز له أن يفرد بالتصرف بدون إذن الحي وإذا مات ولم يوص لزميله ولا لأجنبي أقام القاضي وصياً آخر.
المالكية - قالوا: يتعلق بالوصي أمور منها شروطه وهي أربعة: التكليف فلا يصح الإيصاء لشخص غير مكلف، والإسلام فلا يصح الإيصاء للكافر، والعدالة والمراد بالعدالة الأمانة وحفظ مال الصبي بحسن التصرف، فلا يصح الإيصاء إلى من لم يكن كذلك، والقدرة على القيام بتدبير الموصى عليه.
وإذا كان في أول الأمر متصفاً بصفة من هذه الصفات ثم عرض عليه ضدها فإنه يعزل فإذا كان مسلماً ثم ارتد عزل أو كان يمكنه التصرف ثم عجز عزل وهكذا.
ومنها أنه إذا أوصى لاثنين فلا يجوز لأحدهما أن يتصرف بدون توكيل من الآخر إلا إذا نص في الوصية على جواز انفراد أحدهما أو قامت قرينة على ذلك.
وإن مات أحدهما فإن الحاكم ينظر فيما هو الأصلح للقاصر من الاكتفاء بالحي أو ضم آخر إليه.
وكذا إذا اختلفا في تدبير شؤونه.
الشافعية - قالوا: يشترط في الوصي عند الموت أن يكون عدلاً ظاهراً وباطناً والمراد بالعدالة الظاهرة ان يكون ممن تقبل شهادتهم والباطنة ان يثبت عند القاضي عدالته بقول المزكين، وأن يكون كفؤاً للتصرف في الموصى به وان يكون حراً وأن يكون مسلماً إذا كان وصياً على المسلمين؟ وأن لا يكون عدواً لمن يتولى أمره، وأن لا يكون مجهول الحال؛ وكذا يشترط فيه ان يكون مكلفاً عاقلاً فمن فقد شرطاً من هذه الشروط فلا يصح لإقامته وصياً. ويصح لإقامة وصي أعمى وأخرس تفهم إشارته، وإذا أوصى الاثنين دفعة واحدة أو بالتعاقب فإنه لا يجوز لأحدهما أن ينفرد في التصرف إلا بإذن صاحبه.
الحنابلة - قالوا: يشترط في الوصي ان يكون مسلماً فلا يصح للمسلم أن يوصي كافراً على أبنائه وأن يكون مكلفاً فلا يصح الإيصاء إلى صبي ولا مجنون ولا أبله وأن يكون رشيداً فلا يصح الإيصاء إلى سفيه، وان يكون عدلاً ولا مسوراً أو أعمى أو امرأة.
ولا يشترط لصحة الإيصاء القدرة على العمل فيصح الإيصاء إلى ضعيف ويضم القاضي إليه قوياً اميناً يعينه ويكون الوصي هو الول والثاني يكون معيناً له.
وإذا أوصى إلى الاثنين فإنه لا يجوز لأحدهما ان ينفرد بالتصرف دون الآخر إلا أن ينص الموصي على ذلك. والله أعلم) .стр. 1299
الجزء الرابع
مقدمة [الجزء الرابع]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أحمد الله تعالى حمداً كثيراً، وأصلي وأسلم على نبيه محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فقد وفقني الله إلى تأليف الجزء الرابع من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة في الأحوال الشخصية، وقد توخيت فيه سهولة العبارة، وحسن الترتيب بقدر المستطاع. وما قصدت بهذا إلا أن أخرج للناس كتاباً فيما لهم وما عليهم من حقوق الأسرة وواجباتها. على نمط الأجزاء التي أخرجتها في الفقه الإسلامي من قبل، بل يزيد إيضاحاً وسهولة لينتفع به جمهور المسلمين في معرفة هذه الحقوق ويؤدوها كاملة مرضاة لله كي تنقطع من بينهم الخصومات التي يترتب عليها تمزيق الأسرة، وتقطيع صلات الأرحام، واستبدال المودة والرحمة بين الزوجة والأقرباء بالعداوة والبغضاء، فضلاً عما في العمل بهذه الحقوق من دفع غوائل الشهوات الضارة، والوقوف بها عند الحد الذي قدره الله تعالى، وأمرنا بالوقوف عنده في قوله تعالى: ﴿ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ .
ومما لا ريب فيه أن صلاح الأسرة هو أساس المجتمع، وعليه تنبني سعادة الأمة، وتقوم عليه دعائم العمران. فإن كنت قد وفقت إلى ما قصدت في ذلك فهذا من فضل الله وحده الذي تمتد منه جميع الموجودات في وجودها وبقائها وحركتها وسكونها، وإن كانت الأخرى فما أنا إلا عبد ضعيف لا حول ولا قوة إلا بالله العلي القدير.
وقد كنت أظن أنه يمكنني أن أبلغ النهاية من جميع أبواب الفقه في أربعة أجزاء فحسب، ولكن رأيت أن يستلزم أمرين: الإيجاز في كثير من المواطن، وحذف بعض مباحث الفقه، وهذا يتنافى مع غرضي من الإيضاح والبيان من جهة، ويجعل الكتاب ناقصاً في مجموعه من جهة أخرى. فلم أجد بداً من أن أترك المسألة على طبيعتها، فاضطررت إلى وضع جزء خامس يشتمل على ما بقي من مباحث الفقه، وقد بقي من مباحثه الهامة: الحدود والوقف، والقضاء، والجهاد، إلى غير ذلك، مما ستطلع عليه فيه، وسأشرع في طبعه عقب الفراغ من طبع الجزء الرابع إن شاء الله تعالى.
المؤلف
стр. 1300
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب النكاح
تعريفه
-للنكاح معان ثلاثة: الأول المعنى اللغوي وهو الوطء والضم، يقال: تناكحت الأشجار إذا تمايلت وانضم بعضها إلى بعض، ويطلق على العقد مجازاً لأنه سبب في الوطء، الثاني المعنى الأصولي ويقال له: الشرعي، وقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه حقيقة قي الوطء، مجاز في العقد كالمعنى اللغوي من كل وجه، فمتى ورد النكاح في الكتاب والسنة بدون قرينة يكون معناه الوطء كقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾ فإن معناه في هذه الآية الوطء إذ النهي إنما يتصور عنه لا عن العقد في ذاته لأن مجرد العقد لا يترتب عليه غيره تنقطع بها صلات المودة والاحترام، وهذا هو رأي الحنفية على أنهم يقولون: إن النكاح في قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾ معناه العقد لا الوطء لأن إسناده للمرأة قرينة على ذلك، فإن الوطء فعل والمرأة لا تفعل لكن مفهوم الآية يفيد أن مجرد العقد يكفي في التحليل وليس كذلك لأن لسنة صريحة في أن التحليل لا بد فيه من الوطء فهذا المفهوم غير معتبر، يدل على ذلك ما صرح به في حديث العسلية بقوله ﷺ : "حتى تذوقي عسليته" الخ.
ثانيها: أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء عكس المعنى اللغوي ويدل لذلك كثرة وروده بمعنى العقد في الكتاب والسنة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾ : وذلك هو الأرجح عند الشافعية والمالكية.
ثالثها: أنه مشترك لفظي بين العقد والوطء، وقد يكون هذا أظهر الأقوال الثلاثة لأن الشرع تارة يستعمله في العقد وتارة يستعمله في الوطء بدون أن يلاحظ في الاستعمال هجر المعنى الأول وذلك يدل على أنه حقيقة فيهما. وأما المعنى الثالث للنكاح فهو المعنى الفقهي. وقد اختلفت فيه عبارات الفقهاء ولكنها كلها ترجع إلى معنى واحد وهو أن عقد النكاح وضعه الشارع ليرتب عليه انتفاع الزوج ببضع الزوجة وسائر بدنها من حيث التلذذ، فالزوج يملك بعقد النكاح هذا الانتفاع ويختص به ولا يملك المنفعة، والفرق بين ملك الانتفاع وملك
стр. 1301
المنفعة أن ملك المنفعة يستلزم أن ينتفع الزوج بكل ما يترتب على البضع من المنافع وليس كذلك فإن المتزوجة إذا نكحها شخص أخر بشبهة كأن اعتقد أنها زوجته فجامعها خطأ فإنه يكون عليه مهر المثل وهذا المهر تملكه هي لا الزوج فلو كان الزوج يملك المنافع لا ستحق المهر لأنه من منافع البضع، وهذا القدر متفق عليه في المذاهب وإن اختلفت عباراتهم في نص التعريف كما هو موضح في أسفل الصحيفة (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - عرف بعضهم النكاح بأنه عقد يفيد ملك المتعة قصدا، ومعنى ملك المتعة اختصاص الرجل ببضع المرأة. وسائر بدنها من حيث التلذذ، فليس المراد بالملك الملك الحقيقي، وبعضهم يقول: إنه يفيد ملك الذات في حق الاستمتاع، ومعناه أنه يفيد الاختصاص بالبضع يستمتع به، وبعضهم يقول: إنه يفيد ملك الانتفاع بالبضع وبسائر أجزاء البدن بمعنى أن الزوج يختص بالاستمتاع بذلك دون سواه، وكل هذه العبارات معناها واحد، فالذي يقول: إنه يملك الذات لا يريد الملك الحقيقي طبعاً لأن الحرة لا تملك وإنما يريد أنه يملك الانتفاع. وقولهم: قصداً خرج به ما يفيد تلك المتعة ضمناً كما إذا اشترى جارية فإنه عقد شرائها يفيد حل وطئها ضمناً وهو ليس عقد نكاح كما لا يخفى.
الشافعية - عرف بعضهم النكاح بأنه عقد يتضمن ملك وطء بلفظ إنكاح أو تزويج أو معناهما والمراد أنه يترتب عليه ملك الانتفاع باللذة المعروفة، وعلى هذا يكون عقد تمليك كما ذكر في أعلى الصحيفة، وبعضهم يقول: إنه يتضمن إباحة الوطء الخ فهو عقد إباحة لا عقد تمليك، وثمرة هذا الخلاف أنه لو حلف أنه لا يملك شيئاً ولا نية له فإنه لا يحنث إذا كان يملك الزوجة فقط على القول بأن العقد لا يفيد الملك، أما على القول الآخر فإنه يحنث والراجح عندهم أنه عقد إباحة.
المالكية - عرفوا النكاح بأنه عقد على مجرد متعة التلذذ بآدمية غير موجب قيمتها ببينة قبله غير عالم عاقده حرمتها ان حرمها الكتاب على المشهور أو الإجماع على غير المشهور اهـ ابن عرفة، ومعنى هذا أن النكاح عبارة عن عقد على متعة التلذذ المجردة. فقوله: عقد شمل سائر العقود وقوله: على متعة التلذذ خرج به كل عقد على متعة التلذذ؛ كالبيع والشراء، وخرج بكلمة التلذذ العقد على متعة معنوية كالعقد على منصب أو جاه، وخرج بقوله: المجردة عقد شراء أمة للتلذذ بها.
فإن العقد في هذه الحالة لم يكن لمجرد التلذذ بوطئها وإنما هو لملكها قصداً والتلذذ بها ضمناً فهو عقد شراء لا عقد نكاح، وقوله: بآدمية خرج به عقد المتعة بالطعام والشراب، وقوله: غير موجب قيمتها خرج به عقد تحليل الأمة إن وقع ببينة، وذلك كأن يملك شخص منفعة الاستمتاع بأمته فإن هذا لا يقال له عقد نكاح كما لا يقال له إجازة وهو يوجب قيمة الأمة إن وقع، أما عقد النكاح فإنه لا يوجب قيمة العقود عليها، وقوله: غير عالم عاقده حرمتها أي حرمة المعقود عليها بالكتاب أو الإجماع فإن كانت محرمة عليه بالكتاب وعقد عليها وقع العقد باطلاً فلا يسمى نكاحاً من أصله، وإن كانت محرمة بالإجماع سمي نكاحاً فاسداً هذا هو المشهور، وغير المشهور أنه لا يسمى نكاحاً أصلاً سواء كانстр. 1302
هذا والمشهور في المذاهب (١) أن المعقود عليه هو الانتفاع بالمرأة دون الرجل كما ذكر، ولكن ستعرف من مبحث أحكام النكاح أنه يحرم الانصراف عن المرأة إذا ترتب عليه إضرار بها أو إفساد لأخلاقها وعدم إحصانها كما أنه يحرم على الرجل أن تتلذذ به أجنبية عنه فقواعد المذاهب تجعل الرجل مقصوراً على من تحل له كما تجعل المرأة مقصورة عليه، وتحتم على الرجل أن يعفها بقدر ما يستطيع كما تحتم عليها أن تطيعه فيما يأمرها به من استمتاع إلا لعذر صحيح.
وبعد فمن المعلوم أن العقد الذي يفيد الاختصاص بالاستمتاع وحله إنما هو العقد الشرعي الصحيح وهو لابد فيه من أن يكون مستكملاً للشرائط الآتية: كأن يكون على امرأة الحواشي
(١) (الشافعية - قالوا: إن الراجح هو أن المعقود عليه بالمرأة أي الانتفاع ببعضها، وقيل: المعقود عليه كل من الزوجين، فعلى القول الأول لا تطالبه بالوطء لأنه حقه ولكن الأولى له أن يحصنها ويعفها، وعلى القول الثاني لها الحق في مطالبته بالوطء كما أن له الحق في مطالبتها لأن العقد على المنفعتين منفعته بها ومنفعتها به، وهذا حشن وإن كان مرجوحاً.
لأن الرجل قد ينصرف عن المرأة فتفسد أخلاقها. وفي هذه الحالة يجب عليه أن يعفها أو يسرحها بالمعروف.
الحنفية - قالوا: إن الحق في التمتع للرجل لا للمرأة بمعنى أن للرجل أن يجبر المرأة على الاستمتاع بها بخلافها فليس لها جبره إلا مرة واحدة، ولكن يجب عليه ديانة أن يحصنها ويعفها كي لا تفسد أخلاقها) .стр. 1303
خالية من الموانع، فلا يصح العقد على الرجل ولا على الخنثى المشكل ولا على الوثنية ولا على محرمة بنسب أو رضاع أو مصاهرة كما لا يصح العقد على ما ليس من جنس الإنسان كإنسانة الماء مثلاً فإنها كالبهائم.
ولابد أيضاً أن يكون العقد بإيجاب وقبول شرعيين وأن يكون بشهود سواء كانت عند العقد أو قبل الدخول على رأي بعض المذاهب، أما العقود المدنية أو الاستئجار لمدة معلومة أو نحو ذلك فإنها زنا يعاقب الشارع الإسلامي عليها.
حكم النكاح
النكاح ترد عليه الأحكام الشرعية الخمسة: الوجوب: والحرمة، والكراهة والسنية أو الندب والإباحة، أما المواضع التي يجب فيها النكاح الخ ففيها تفصيل المذاهب (١) الحواشي
(١) (المالكية - قالوا: يفترض النكاح على من له رغبة فيه ويخشى على نفسه الزنا إذا لم يتزوج ولم يستطع كف نفسه بالصيام وليست له قدرة على شراء جارية تغنيه عن زواج الحرة ففي هذه الحالة يفترض عليه الزواج ولو كان عاجزاً عن الكسب من حلال فيفترض النكاح بشروط ثلاثة: الأول: أن يخاف على نفسه الوقوع في الزنا، الثاني: أن يكون عاجزاً عن الصيام الذي يكفه عن الزنا أو يكون قادراً على الصيام ولكن الصيام لا يكفه، الثالث: أن يكون عاجزاً عن اتخاذ أمة تغنيه، فإذا كان قادراً على الزواج وعلى الصيام الذي يمنع شهوته من الطغيان وعلى اتخاذ أمة كان مخيراً بين واحد من الثلاثة ولكن الزواج أولى. وبعضهم يشترط القدرة على الكسب من حلال فإذا خاف على نفسه الزنا وعجز عن الصيام واتخاذ الأمة لا يفترض عليه الزواج إلا إذا كان قادراً على الكسب من حلال لأنه إذا خاف على نفسه الزنا وجب عليه أن يحارب شهوته ولا يتزوج ليسرق وينفق على زوجته إذ لا يليق أن يدفع محرماً بارتكاب محرم آخر، نعم إذا وجدت حالة ضرورة ليست في اختيار الإنسان فإن له أن يزيل الضرورة كالمضطر الذي يباح له أكل الميتة دفعاً للهلاك، أما فيما عدا ذلك فإنه لا يجوز للإنسان أن يدفع محرماً بارتكاب محرم آخر بل يجب عليه أن يحارب نفسه ومنعها من ارتكاب المحرم مادام ذلك في طاقته واختياره، " وهذا رأي حسن " هذا في الرجل أما في المرأة فإن الزواج يفترض عليها إن عجزت عن قوتها وكانت عرضة لمطامع المفسدين وتوقف على الزواج سترها وصيانتها.
ويكون النكاح حراماً على ومن لم يخش الزنا وكان عاجزاً عن الإنفاق على المرأة من كسب حلال أو عاجزاً عن وطئها فإذا علمت المرأة بعجزه عن الوطء ورضيت فإنه يجوز، وكذا إذا علمت بعجزه عن النفقة ورضيت فإنه يجوز بشرط أن تكون رشيدة أما إذا علمت بأنه يكتسب من حرام ورضيت فإنه لا يجوز.стр. 1304
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ويكون النكاح مندوباً إذا لم يكن للشخص رغبة فيه ولكنه يرجو النسل بشرط أن يكون قادراً على واجباته من كسب حلال وقدرة على الوطء وإلا كان حرماً كما عرفت، ويكره في هذه الحالة إذا عطله عن فعل تطوع. أما إذا كانت له رغبة في النكاح ولكنه لا يخاف على نفسه من الزنا فإنه يندب له الزواج إذا كان قادراً على مؤونته سواء كان له أمل في النسل أولا وسواء عطله الزواج فعل تطوع أولا.
والمرأة في ذلك كالرجل فإن لم تكن لها رغبة في النكاح ندب لها إذا كان لها أمل في النسل وبشرط تكون قادرة على القيام بحقوق الزواج من فعل تطوع وإلا حرم أو كره. أما إذا كانت لها رغبة فيه ولكنها لا تخاف الوقوع في الزنا وكانت قادرة على الإنفاق على نفسها وهي مصونة من غير زواج فإنه يندب لها سواء أكان لها أمل في النسل أم لا وسواء عطلها عن فعل تطوع أولا فإن خافت على نفسها أو لم تكن قادرة على قوتها وتوقف عليه سترها فإنه يجب عليها كما عرفت.
ويكون النكاح مكروهاً للشخص الذي ليست له رغبة في النكاح ولكنه يخش أن لا يقوم ببعض ما يجب عليه أو يعطله عن فعل تطوع سواء كان رجلاً أو امرأة كما عرفت وسواء كان له أمل في النسل أولا.
ويكون مباحاً لمن ليست له رغبة فيه ولم يرج نسلاً وكان قادراً عليه ولم يعطله عن فعل تطوع.
الحنفية - قالوا: يكون الزواج فرضاً بشروط أربعة: الأول أن يتيقن الشخص الوقوع في الزنا إذا لم يتزوج أما مجرد الخوف من الزنا فإنه لا يكفي في الفرضية كما ستعرف. الثاني أن لا يكون له قدرة على الصيام الذي يكفه عن الوقوع في الزن فإن كانت له قدرة على صيام بمنعه من الزنا فإنه يكون مخيراً بين ذلك الصيام وبين الزواج فلا يفترض عليه الزواج بخصوصه في هذه الحالة. الثالث أن لا يكون قادراً على اتخاذ أمة يستغني بها فإنه يكون مخيراً أيضاً. الرابع أن يكون قادراً على المهر والإنفاق من كسب حلال لا جور فيه فإن لم يكن قادراً لا يفترض عليه الزواج حتى لا يدفع محرماً بمحرم لأن الكسب الحرام فيه اعتداء على أموال الناس بالغش أو السرقة أو الزور أو الغصب أو نحو ذلك، وذلك من الجرائم التي لا يتسامح فيها معنى ذلك أن الشخص إذا عجز عن كسب الحلال فلا يتزوج ويباح له الوقوع في الزنا كلا بل معناه أنه في هذه الحالة يفترض عليه محاربة نفسه وشهوته محاربة شديدة ويزجرها زجراً كبيراً حتى لا يقع في الزواج الذي يترتب عليه أكل أموال الناس وظلمهم عملاً بقوله تعالى: ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله﴾ هذا وإذا كان يمكنه أن يقترض المهر والنفقة الحلال فإنه يفترض عليه أن يتزوج ليفر من الوقوع في المعصية بقدر ما يستطيع.
والنكاح واجباً لا فرضاً إذا كان للشخص رغبة في النكاح واشتياق شديد إليه بحيث يخاف على نفسه الوقوع في الزنا وإنما يجب بالشروط المذكورة في الفرضية وما قيل في الشرط الرابع - وهو القدرة على الإنفاق - يقال هنا.
ويكون سنة مؤكدة إذا كان للشخص رغبة فيه وكان معتدلاً بحيث لم يتيقن الوقوع في الزنا ولم يخف منه فإذا ترك التزوج في هذه الحالة فإنه يأثم اثماً يسيراً أقل من اثم ترك الواجب. وبعضهم يقول إنстр. 1305
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) السنة المؤكدة والواجب بمعنى واحد ولا فرق بينهما إلا في العبارة وعلى هذا يكون واجباً أو سنة مؤكدة في حالتين: حالة الاشتياق الشديد الذي يخاف منه الوقوع في الزنا، وحالة الاعتدال، وعلى كل فيشترط القدرة على الانفاق من حلال على المهر والوطء فإن عجز عن واحد فلا يسن ولا يجب، ويثاب إذا نوى منع نفسه ونفس زوجه عن الحرام فإن لم ينو فلا يثاب إذ لا ثواب إلا بالنية.
ويكون حراماً إذا تقين أنه يترتب عليه الكسب الحرام بجور الناس وظلمهم لأن النكاح إنما شرع لمصلحة تحصين النفس وتحصيل الثواب فإذا ترتب عليه جور الناس يأثم بارتكاب المحرم فتنعدم المصلحة المقصودة بحصول المفسدة.
ويكون مكروهاً تحريماً إذا خاف حصول الظلم والجور ولم يتيقنه.
وكون مباحاً لمن له رغبة فيه ولكن لا يخاف الوقوع في الزنا ولا يتيقنه بل يتزوج لمجرد قضاء الشهوة، أما إذا نوى منع نفسه من الزنا أو نوى النسل فإنه يكون سنة، فالفرق بين كونه سنة وبين كونه مباحاً النية وعدمها.
الشافعية - قالوا: الأصل في النكاح الإباحة فيباح للشخص أن يتزوج بقصد التلذذ والاستمتاع فإذا نوى به العفة أو الحصول على ولد فإنه يستحب. ويجب النكاح إذا تعين لدفع محرم كما إذا خافت المرأة على نفسها من فاجر لا يصده عنها إلا التزوج فإنها يجب عليها أن تتزوج. ويكره إذا خاف الشخص عدم القيام بحقوق الزوجية كالمرأة التي ليست لها رغبة في النكاح وليست له قدرة على المهر والنفقة فإنه يكره له النكاح، فإن كان قادراً على مؤونة النكاح وليست به علة تمنعه من قربان الزوجة - فإن كان متعبداً - كان الأفضل له أن لا يتزوج كي لا يقطعه النكاح عن العبادة التي اعتادها وإن لم يكن متعبداً - كان الأفضل له أن يتزوج احترازاً من أن تدفعه الشهوة إلى الحرام في وقت ما أما إذا كانت له رغبة في النكاح وكان قادراً على مؤونته فإنه يستحب له. هذا والمراد بالنكاح هنا بالنسبة للرجل قبول التزوج فهو الذي يستحب له أو يجب الخ، وبالنسبة للمرأة الإيجاب لأنه هو الذي من طرفها بواسطة الولي.
الحنابلة - قالوا: يفترض النكاح على من يخاف الزنا إذا لم يتزوج ولو ظناً سواءً أكان رجلاً أم امرأة ولا فرق في هذه الحالة بين أن يكون قادراً على الإنفاق أو لا فمتى قدر على أن يتزوج ليصون نفسه عن الحرام فعليه أن يتزوج ويسلك سبيل العمل الحلال الذي يرتزق منه مستعيناً بالله تعالى وعلى الله معونته.
ويحرم النكاح في دار الحرب إلا لضرورة فإذا كان أسيراً فإنه لا يباح له الزواج على أي حال.
ويكون سنة لمن له رغبة فيه ولكنه لا يخاف على نفسه الزنا سواء رجلاً أم امرأة وهو في هذه الحالة يكون أفضل من النوافل لما فيه من تحصين نفسه وتحصين زوجه والحصول على الولد الذي تكثر به الأمة ويكون عضواً عاملاً في بناء المجتمع.стр. 1306
ويتعلق بالنكاح أمور أخرى مندوبة مفصلة في المذاهب (١) الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: يندب إعلان عقد النكاح بدف "طبل" أو تعليق الرايات الدالة عليه أو بكثرة المصابيح أو نحو ذلك من الأمور التي يعرف بها عقد الزواج، وكذا يندب أن يخطب أحد قبل اجراء العقد ولا يلزم أن تكون الخطبة بألفاظ مخصوصة ولكن إذا خطب بما ورد كان أحسن، ومن ذلك ما روي عن النبي ﷺ وهو "الحمد لله نحمده ونستعين به ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله لا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة إلى قوله: رقيباً يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً إلى قوله: عظيماً". ويندب أن يكون يوم جمعة. وكذا يندب لا يباشر العقد مع المرأة نفسها بل يتولى العقد عاقل رشيد غير فاسق من عصبتها. وكذا يندب أن يكون الشهود عدولاً. أن لا يحجم عن الزواج لعدم وجود المهر بل يندب له الاستدانة إذا أمكنه لأن المتزوج الذي يريد العفاف يكون الله معيناً له كما ورد في حديث. وكذا يندب أن ينظر إلى زوجه قبل العقد بشرط أن يعلم أنه يجاب في زواجها، أما إذا كان يعلم أنه يرد ولا يقبل فلا يحل له أن ينظر إليها على أي حال. ومعنى هذا أن النظر إلى المخطوبة إنما يكون الإقدام الصحيح على الزواج وتحقق الرغبة من الجانبين ورضا كل منهما بالآخر، أما إذا كان الغرض مجرد الرغبة في الإطلاع على النساء بدون إقدام صحيح على الزواج فإنه يحرم.
ويندب أن تكون المرأة أقل من الرجل سناً لئلا تكبر بسرعة فلا تلد، والغرض الصحيح من الزواج إنما هو التناسل الذي به تكثر الأمة ويعز جانبها. ويندب أن تكون أقل منه في الجاه والعز والرفعة والمال لأن الرجال قوامون على النساء حافظون لهم فإذا لم يكن الرجل أعز جاهاً وأكثر مالاً لا تخضع المرأة له فلا يستطيع صيانتها لهذا قال رسول الله ﷺ : "من تزوج امرأة لعزها لم يزده الله إلا ذلاً، ومن تزوجها لمالها لم يزده الله إلا فقراً. ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلا دناءة، ومن تزوج امرأة لم يرد بها إلا أن يغض بصره ويحصن فرجه أو يصل رحمه بارك الله فيها وبارك لها فيه". ويندب أن تكون أحسن منه خلقاً وأدباً وورعاً وجمالاً، والأحسن أن تكون بكراً.
ومن آداب الزواج أن يختار أيسر النساء مهراً ونفقة ولا يتزوج من لا تعفه كالطويلة المهزولة والقصيرة الدميمة. ولا يتزوج سيئة الخلق، ولا امرأة لها ولد من غيره، ولا امرأة مسنة. ولا يتزوج أمة مع قدرته على زواج الحرة.
ومن آداب الزواج أن لا يزوج ابنته الصغيرة الشابة شيخاً كبيراً ولا رجلاً دميماً وعليه أن يزوجها كفأً وإن خطبها الكفء فلا يرده.стр. 1307
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ومن آدابه أن تختار المرأة الزوج المتمسك بدينه فلا تتزوج فاسقاً، وتختار الزوج الموسر صاحب الخلق الحسن والجود فلا تتزوج معسراً لا يستطيع الإنفاق عليها أو موسراً شحيحاً فتقع في الفاقة والبلاء.
ولا يكره زفاف العروس إلى زوجها وهو أن يجتمع النساء ويهدوا الزوج إلى زوجها وذلك هو المعروف في زماننا "بزفة العروس". والمختار أن ضرب الدف والأغاني التي ليس فيها ما ينافي الآداب جائز بلا كراهة ما لم يشتمل كل ذلك على مفاسد كتبرج النساء الأجنبيات في العرس وتهتكهن أمام الرجال والعريس ونحو ذلك وإلا حرم.
المالكية - قالوا: يندب للنكاح أمور: منها أن يتزوج بكراً إلا إذا كانت حاجته إلى الثيب أشد. ومنها النظر إلى وجه المخطوبة وكفيها ليتحقق من كون جمالها يوافقه أو لا، وإنما يندب النظر إلى وجه المرأة وكفيها ظاهرهما وباطنهما بشروط: أحدهما أن لا يقصد التلذذ بذلك النظر. ثانيها أن يكون متحققاً من رضائها به زوجاً إن كانت رشيدة أو من رضاء وليها إن كانت قاصراً فإن لم يكن متحققاً من ذلك الرضا حرم عليه أن ينظر إن كان النظر يترتب عليه فتنة محرمة فإن لم يترتب عليه فتنة كان مكروهاً. وربما يقال إذا نظر إليها بدون لذة ولم يترتب على نظره فتنة، لا يكون للكراهة وجه لأن النظر إلى الأجنبية مع الأمن من الفتنة بها وعدم قصد التلذذ جائز. والجواب أن النظر إلى المخطوبة مع علمه بأنها لا ترضى به بعلاً فيه شبهة قصد التلذذ لأنه في هذه الحالة لا معنى للنظر إليها فيكره لهذه العلة. ثالثها أن تكون عالمة فلا يحل له أن ينظر إليها بغير علمها. ومنها الخطبة وهي كل كلام مشتمل على حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وآية من القرآن الكريم. والخطبة مندوبة من أربعة الأول الزواج أو وكيله عند التماس الزواج، فيندب للمزوج أو لوكيله أن يقول: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله عليكم رقيباً. اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً﴾ أما بعد فإني أو فإن موكلي فلاناً رغب فيكم ويريد الانضمام إليكم والدخول في زمرتكم وفرض لكم من الصداق كذا فزوجوه. الثاني ولي أمر الزوجة أو وكيلها فيندب له أن يرد على الزوج في هذا المقام بخطبة، فيحمد الله ويصلي ويسلم على رسول الله الخ ثم يقول: أما بعد فقد أجبناه لذلك أو يعتذر له.
الثالث ولي المرأة أو وكيلها عند العقد فيندب له أن يقول: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد فقد زوجتك بنتي فلانة أو موكلتي بكذا. الرابع الزوج أو وكيله فيندب له أن يقول: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد فقد قبلت زواجها لنفسي أو لموكلي بالصداق المذكور. ولا يضر الفصل بين الإيجاب والقبول بالخطبة غنما يندب تقليلها كما هو واضح في الأمثلة المذكورة. ومنها إعلان الزواج فيندب أن يطعم الطعام أو يضرب الدف ويندب تهنئة العروسين والدعاء لهما عند العقد وعند الدخول كأن يقول لهما: بارك الله لكل منكما في صاحبه وجعل منكما الذرية الصالحة وجمع بينكما في خير وسعة رزق، ونحو ذلك.
الحنابلة - قالوا: يندب اختيار المرأة الصالحة التي لها دين حتى يكون آمناً على عرضه وأنстр. 1308
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) تكون بكراً ولوداً وأن يكون العقد يوم الجمعة مساء، ويسن أن يخطب قبل العقد بخطبة ابن مسعود، وهي: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ويسن أن يبارك للزوجين بقول: بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما في خير وعافية. ويندب أن يقول بعد زفافها: اللهم أني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه.
أما النظر إلى وجه المخطوبة ورقبتها ويدها فمباح بشرط أن يغلب على ظنه أنه مقبول عندها بحيث لا ترد خطبته وأن لا يكونا في خلوة. ولا يشترط أن يستأذنها وليها في النظر بل له أن ينظر إليها وهي غافلة وأن يكرر النظر مرة أخرى لقوله ﵇: "إذا خطب أحدكم امرأة فقدر أن يرى منها بعض ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل" رواه أحمد وأبو داود.
الشافعية - قالوا: يندب لمن أراد التزوج بامرأة أن ينظر إلى وجهها وكفيها ظاهراً وباطناً فقط فلا يجوز النظر إلى غيرهما وله النظر إليهما ولو بشهوة أو افتتان بها لأن ذلك من بواعث الرغبة في الاقتران بها وهو المطلوب في هذا المقام، أما المرأة فيسن لها أن تنظر من بدن الرجل ما تقدر على نظره ما عدا عورته لأنها يعجبها منه ما يعجبه منها، فإن لم يتيسر له النظر إليها أو كان يستحي من طلب ذلك بعث من يتأملها ويصفها له لأن المقصود من التزوج دوام الالفة فكل ما يوصل إليهما كان مطلوباً شرعاً، والأصل في ذلك قول النبي ﷺ للمغيرة بن شعبة - وقد خطب امرأة -: "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما المودة والألفة" ومعنى يؤدم تطيب به المعيشة كما يطيب الطعام بالإدام رواه الترمذي وحسنه والحاكم وصححه.
ويسن أن يخطب بكراً إلا إذا كانت الحاجة تدعوه إلى الثيب كأن يكون عنده أطفال تحتاج إلى تربيتها ممن تعود التربية أو يكون كبير السن فتنصرف عنه البكر فلا تدوم بينهما الالفة.
ويسن أن تكون ذات دين يحملها على القيام بحقوق الزوجية، والمراد بالمتدينة المتصفة بصفة العدالة ويسن أن تكون جميلة لا ينفر الطبع منها فلا تدوم بينهما الالفة، وينبغي أن يراعى في ذلك مقدرة الرجل على صيانة المرأة من التعرض للفساد بقدر المستطاع فلا يجوز لمن لا يقدر على الإنفاق على باهرة الجمال مثلاً أن يتزوجها فيضطرها إلى التبذل وعرض جمالها على من يطمع فيها ويرى بعضهم أن بارعة الجمال تكره لئلا تختال بجمالها فلا يستطيع كبح جماحها.
ويسن أن تكون ولوداً لأن العقيم لا تؤدي وظيفة التناسل المطلوبة للمجتمع الإنساني وأن تكون ذات أصل طيب بأن تكون منسوبة إلى الصالحين والعلماء لأن تربية الأبناء تتأثر بالبيئة فمتى كان منبتها الذي نبتت فيه صالحاً كانت صالحة ولذا ورد عن النبي ﷺ :
"إياكم وخضراء الدمن، المرأة الحسناء في المنبت السوء".
ويسن للخاطب أن يخطب خطبتين: إحداهما عند طلب المخطوبة، والأخرى قبل العقد كماстр. 1309
مبحث أركان النكاح
-للنكاح ركنان (١) وهما جزآه اللذان لا يتم بدونهما: أحدهما الإيجاب وهو اللفظ الصادر من الولي أو من يقوم مقامه. وثانيهما القبول وهو اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه، فعقد النكاح هو عبارة عن الإيجاب والقبول وهل هذا هو المعنى الشرعي أو هناك معنى آخر زائد عليهما؟ والجواب أن هناك أمراً آخر زائداً عليهما وهو ارتباط الإيجاب بالقبول.
فالعقد الشرعي يتركب من أمور ثلاثة: اثنان حسيان - وهما الإيجاب والقبول - والثالث معنوي وهو ارتباط الإيجاب بالقبول. فملك المعقود عليه من عين كما في البيع والشراء، أو منفعة كما في النكاح يترتب على هذه الأمور الثلاثة وهو الذي يسمى عقداً أما غيرهما مما يتوقف عليهما صحته في نظر الشرع فهي خارجة عن ماهيته ويقال: لها شروط لا أركان. الحواشي
(١) المالكية - عدوا أركان النكاح خمسة: أحدها ولي للمرأة بشروطه الآتية فلا ينعقد النكاح عندهم بدون ولي. ثانيها الصداق فلا بد من وجوده ولكن لا يشترط ذكره عند العقد ثالثها زوج. رابعها زوجة خالية من الموانع الشرعية كالإحرام والعدة. خامسه الصيغة.
والمراد بالركن عندهم ما لا توجد الماهية الشرعية إلا به. فالعقد لا يتصور إلا من عاقدين: وهما الزوج والولي، ومعقود عليه: وهما المرأة والصداق، وعدم ذكر الصداق لا يضر حيث لابد من وجوده، وصيغة: وهي اللفظ الذي يتحقق به العقد شرعاً، وبذلك يندفع ما قيل: إن الزوجين ذانان والعقد معنى فلا يصح كونهما ركنين له. وما قيل ان الصداق ليس ركناً ولا شرطاً لأن العقد يصح بدونه. وما قيل: إن الصيغة والولي شرطان لا ركنان لخروجهما عن ماهية العقد فإن ذلك إنما يرد إذاстр. 1310
مبحث شروط النكاح
-للنكاح شروط عدها بعض المذاهب أركاناً وعد شروطاً غيرها لم يعتبرها بعض المذاهب الأخرى كما تراه مفصلاً في المذاهب (١) الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: للنكاح شروط بعضها يتعلق بالصيغة وبعضها يتعلق بالعاقدين وبعضها يتعلق بالشهود، فأما الصيغة - وهي عبارة عن الإيجاب والقبول - فيشترط فيها شروط: أحدها أن تكون بألفاظ مخصوصة، وبيانها أن الألفاظ التي ينعقد بها النكاح إما أن تكون صريحة وإما أن تكون كناية. فالصريحة هي ما كانت بلفظ تزويج وانكاح أي ما اشتق منهما كزوجت وتزوجت وزوجني ابنتك مثلاً أو زوجيني نفسك فتقول: زوجت أو قبلت أو سمعاً وطاعة. ويصح النكاح بلفظ المضارع إذا لم يرد به طلب الوعد، فلو قال: تزوجني بنتك فقال: زوجتك صح، أما إذا نوى الاستيعاد - أي طلب الوعد - فإنه لا يصح، ولو قال: أتزوجك بالمضارع فقالت: زوجت فإنه يصح بدون كلام لأنه لا يطلب من نفسه الوعد. وقوله: زوجني فيه خلاف هل هو توكيل بالزواج - أي وكلتك - بأن تزوجني ابنتك أو هو إيجاب كقول: زوجتك ابنتي؟ والراجح أنه توكيل ضمني لأن الغرض من الأمر طلب التزويج وهو يتضمن التوكيل. وإذا كان توكيلاً ضمناً لا صراحة فلا يأخذ حكم التوكيل من أنه لا يشترط فيه اتحاد المجلس فلو وكله اليوم ثم قبل التوكيل بعد أيام صح بخلاف النكاح فإن القبول يشترط فيه أن يكون في مجلس الإيجاب كما ستعرف بعد.
فلفظ زوجني له جهتان: جهة طلب النكاح وهي المقصودة فتعتبر فيها شروط النكاح، وجهة توكيل - وهي ضمنية - فلا يعتبر فيها شروط التوكيل، ولا يشترط في الألفاظ الصريحة أن يعرف الزوجان أو الشهود معناها وإنما يشترط معرفة أن هذا اللفظ ينعقد به النكاح، مثلاً إذا لقنت امرأة أعجمية لفظ زوجتك نفسي عارفة أن الغرض منه اقترانها بالزوج ولكنها لم تعرف معنى زوجت نفسي فإن النكاح ينعقد، ومثل الزوجة في ذلك الزوج والشهود، وهذا بخلاف البيع فإنه لا يصح إلا إذا عرف البيعان معنى اللفظ فلا يكفي فيه أن ينعقد به البيع أما الخلع فإن المرأة إذا لقنت خالعني على مهري ونفقتي فقالته وهي لا تعرف معناه فإن الصحيح أن الطلاق يقع ولا يسقط مهرهاстр. 1311
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ولا نفقتها. أما الكناية فإن النكاح لا ينعقد بها إلا بشرط أن ينوي بها التزويج وأن تقوم قرينة على هذه النية. وأن يفهم الشهود المراد أو يعلنوا به إن لم تقم قرينة يفهموا منها.
والكنايات التي ينعقد بها النكاح تنقسم إلى أربعة أقسام: الأول لا خلاف في الانعقاد به عند الحنفية وهو ما كان بلفظ الهبة أو الصدقة أو التمليك أو الجعل، فإذا قالت: وهبت نفسي لك ناوية معنى الزواج وقال: قبلت، انعقد النكاح. وكذا إذا قالت: تصدقت بنفسي عليك أو جعلت نفسي صدقة لك أو قالت: ملكتك نفسي. أو قال: جعلت لك ابنتي بمائة فإن كل ذلك ينعقد به النكاح بلا خلاف.
القسم الثاني: في الانعقاد به خلاف ولكن الصحيح الانعقاد، وهو ما كان بلفظ البيع والشراء فلو قالت: بعت نفسي منك بكذا ناوية الزواج وقبل فإنه يصح ومثل ما إذا قالت: أسلمت إليك نفسي في عشرين إردَبّاً من القمح آخذها بعد شهر تريد به الزواج فإنه يصح وكذا إذا قال: صالحتك على الألف التي علي لابنتي يريد به الزواج فقال: قبلت، فينعقد النكاح على الصحيح بلفظ البيع والشراء والسلم والصلح والفرض.
القسم الثالث: فيه خلاف، والصحيح عدم الانعقاد وهو ما كان بلفظ الإيجارة والوصية، فلو قالت أجرت لك نفسي، أو قال: أوصيت لك بابنتي بعد موتي، أو قال أوصيت لفلان بابنتي ولم يقل: بعد موتي فقال: قبلت فإنه لا ينعقد بها النكاح، وأولى إذا قال: قبلت بعد موته، أما إذا قال له: أوصيت لك ببضع ابنتي الآن أو للحال أو حالاً بألف مثلاً فقال: قبلت فإنه لا يصح وذلك لأنه لا يشترط أن يفيد اللفظ تمليك العين في الحال. والوصية المطلقة والمقيدة بما بعد الموت تفيد الملك مالاً.
القسم الرابع: لا خلاف في عدم الانعقاد به وهو ما كان بألفاظ الإباحة، والإحلال، والإعارة، والرهن، والتمتع، والإقالة، والخلع. فلو قالت: أحللت لك نفسي أو أعرتك أو متعتك بنفسي أو قال له: أقلني من بيع السلعة على ابنتي بنية الزواج فإنه لا يصح.
ثانيها: أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد فإذا قالت: زوجتك نفسي، أو قال: زوجتك ابنتي فقام الآخر من المجلس قبل القبول واشتغل بعمل يفيد انصرافه عن المجلس. ثم قال: قبلت بعد ذلك فإنه ينعقد. وكذا إذا كان أحدهما غائباً. فلو قالت امرأة بحضرة شاهدين: زوجت نفسي من فلان وهو غائب فلما علم قال بحضرة شاهدين: قبلت فإنه لا ينعقد. لأن اتحاد المجلس شرط وهذا بخلاف ما إذا أرسل إليها رسولاً قال لها: أرسلني يطلب منك أن تزوجيه نفسك فقالت: قبلت، فإنه ينعقد لأن الإيجاب والقبول في مجلس واحد وإن كان الزوج غائباً عن المجلس، فإذا لم تقبل المرأة عندما قال لها الرسول، ثم أعاد الرسول الإيجاب في مجلس آخر فقبلت فإنه لا ينعقد لأن رسالته انتهت أولاً. وكذا إذا أرسل إليها كتاباً يخطبها وهو غائب عن البلد فأحضرت الشهود وقرأت عليهم الكتاب وقالت: زوجت نفسي فإنه ينعقد، وذلك لأن الإيجاب والقبول حصلا في مجلس واحد. فإن الكتابстр. 1312
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) في المجلس إيجاب الزوج، وقول المرأة: زوجت أو قبلت هو القبول حتى لو لم تقبل في المجلس. ثم قرأت الكتاب في مجلس آخر وقبلت فإنه ينعقد. لأن كل ما قرأ في الكتاب كان إيجاباً من الزوج ولهذا لو قالت أمام الشهود زوجت نفسي من فلان ولم تقرأ عليهم الكتاب فإنه لا ينعقد لأن سماع الشطرين شرط صحة النكاح، ولا يصح النكاح بالكتابة مع وجود الخاطب ويمكنه من حضور مجلس العقد ويتفرع على اتحاد المجلس أنهما إذا عقدا على دابة تسير أو عقدا وهما يمشيان فإنه لا يصح لعدم الاستقرار في مكان واحد. أما إذا عقدا على ظهر سفينة وهي تسير فإنه يصح لأن السفينة تعتبر مكاناً. وهل السيارة" الاتوموبيل" ونحوه مثل السفينة أو الدابة؟ إنه مثل الدابة فلا يصح العقد عليه عند الحنفية.
هذا ولا يشترط الفور عند الحنفية، فلو قالت: زوجتك فتكلم في المجلس بكلام خارجٍ عن العقد ثم قالت قبلت: فإنه يصح. على أنه لابد في عقد النكاح من اللفظ فلا ينعقد بالتعاطي مثلاً لو قالت له: زوجتك نفسي بألف فأعطاها الألف ولم يقل: قبلت لا ينعقد النكاح وكذا لا ينعقد بالإقرار على المختار بمعنى أن الإقرار إظهار لما هو ثابت، ومعنى كون العقد يثبت بالتصادق أن العقد يكون حاصلاً من قبل والقاضي يحكم بثبوته لا أن الإقرار ينعقد به النكاح أول الأمر لأنه يكون كذباً.
ثالثها: أن لا يخالف القبول الإيجاب، فإذا قال شخص لآخر: زوجتك ابنتي على ألف درهم فقال الزوج: قبلت النكاح ولا أقبل المهر لا ينعقد النكاح، ولو قبل وسكت عن المهر ينعقد أما إذا قالت له: زوجتك نفسي بألف فقبلها بألفين فإنه يصح، وإن كان القبول يخالف الإيجاب لأن غرضها قد تحقق مع زيادة، ولكن لا تلزمه الزيادة إلا إذا قبلت في المجلس. وإذا قال لها زوجيني نفسك بألف فقالت بخمسمائة فإنه يصح ولا يحتاج إلى قبول منه لأن هذا إبراء واسقاط بخلاف الزيادة فإنها لا تلزم إلا القبول
رابعها: أن تكون الصيغة مسموعة للعاقدين فلا بد أن يسمع كل من العاقدين لفظ الآخر إما حقيقة كما إذا كانا حاضرين أو حكماً كالكتاب من الغائب لأن قراءته قامت مقام الخطاب هنا، ولا يشترط في الصيغة أن تكون بألفاظ صحيحة، بل تصح بالألفاظ المحرفة على التحقيق فإذا كانت المرأة أو وكيلها من العامة الذين لا يحسنون النطق بقول: زوجت: وقالت: جوزتك نفسي، أو قال: جوزتك ببنتي فإنه يصح. ومثل النكاح الطلاق فإنه يصح بالألفاظ المحرفة.
خامسها: أن لا يكون اللفظ مؤقتاً بوقت فإذا قال لها زوجيني نفسك شهراً بصداق كذا فقالت: زوجت فإنه يقع باطلاً، وهذا هو نكاح المتعة الآتي.
وأما الشروط المتعلقة بالعاقدين وهما الزوج والزوجة، فمنها العقل - وهو شرط في انعقاد النكاح - فلا ينعقد نكاح المجنون والصبي الذي لا يعقل أصلاً. ومنها البلوغ والحرية وهما شرطان للنفاذ.
فإذا عقد الصبي الذي يعقل والعبد فإن عقدهما ينعقد ولا ينفذ إلا بإجازة الولي والسيد. ومنها أنстр. 1313
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) تكون الزوجة محلاً قابلاً للعقد فلا ينعقد على رجل ولا على خنثى مشكل ولا على معتدة أو متزوجة للغير. ومنها أن يكون الزوج والزوجة معلومين.
فلو زوج ابنته وله بنتان لا يصح إلا إذا كانت إحداهما متزوجة فينصرف إلى الخالية من الأزواج. وإذا كان لرجل بنت لها اسم في صغرها ثم اشتهرت باسم آخر في كبرها تذكر بالاسم المعروفة به، قال في الهندية والأصح أن تذكر بالاسمين رفعاً للابهام، ولو كانت له ابنة واحدة اسمها فاطمة فذكرها باسم عائشة فإنه لا يصح.
ومنها أن يضاف النكاح إلى المرأة أو إلى جزء يعبر به عن الكل كالرأس والرقبة، فلو قال زوجني يد ابنتك أو رجلها لا ينعقد على الصحيح.
أما الشروط التي تتعلق بالشهادة، فإن الشهادة أولاً في ذاتها شرط لصحة عقد النكاح فلا بد منها.
وأقل نصاب الشهادة في النكاح اثنان فلا تصح بواحد.. ولا يشترط فيهما أن يكون ذكرين بل تصح برجل وامرأتين، على أن النكاح لا يصح بالمرأتين وحدهما، بل لابد من وجود رجل معهما. ولا يشترط فيهما عدم الإحرام فيصح عقد المحرم بالنسك.
ويشترط في الشهود خمسة شروط: العقل، والبلوغ، والحرية، فلا ينعقد بحضرة مجنون أو صبى أو عبد. والرابع الإسلام، فلا ينعقد نكاح المسلمين بشهادة الذميين إلا إذا كانت المرأة ذمية. والرجل مسلماً فإنه ينعقد نكاحها بشهادة ذميين سواء كانا موافقين لها في الملة أو مخالفين.
وإذا كان العاقدان غير مسلمين فلا يشترط في الشهود أن يكونا مسلمين من باب أولى لا فرق أن يكونا موافقين لهما في الملة أو مخالفين. وينعقد النكاح بشهادة أعميين أو محدودين في قذف أو زنا وإن لم يتوبا، أو فاسقين، كما ينعقد بشهادة الابن الذي لا تقبل شهادته على أبيه وأمه في غير النكاح. فيصح أن يتزوج امرأة بشهادة ابنيه منها أو من غيرها. كما يصح شهادة ابنها من غيره. ومثل الابن الأب فيصح في النكاح شهادة الأصول والفروع. ولكن شهادة هؤلاء وإن كان يعقد بها النكاح إلا أنه لا يثبت بها عند الإنكار، فشهادتهم تنفع في حل الزوجة ديانة لا قضاء، فالنكاح له حالتان. حالة الانعقاد وهذه تصح فيها شهادة الأعمى، والفاسق، والابن والأب. وحالة إثبات عند الإنكار وهذه لا تصح فيها شهاداتهم، بل يشترط في الشاهد على إثبات النكاح ما يشترط في غيره. وعلى هذا إذا وكل رجل آخر على أن يزوج ابنته الصغيرة فزوجها بحضور امرأتين مع وجود الأب الموكل صح النكاح لأن الأب يعتبر شاهداً، والمرأتان شاهد آخر.
بهذا تعلم أن شهادة الولي تنفع في الانعقاد. فإذا زوج الأب ابنته البالغة بحضور رجل واحد وكانت هي حاضرة فإنه يصح، وذلك أنها تجعل في الحالة هي المباشرة للعقد، ويجعل أبوها شاهداً مع الرجل الآخر، وذلك لأنها هي التي أمرت أباها بتزويجها. والقاعدة أن الآمر إذا حضر فيстр. 1314
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) المجلس تنتقل عبارة الوكيل إليه. فكأنه هو المعبر فتكون هي مباشرة، ولا يمكن جعلها شاهدة لأنه لا يتصور كون الشخص شاهداً على نفسه. أما إذا كانت صغيرة وزوجها أبوها بحضرة رجل واحد فإنه لا يصح لأن العقد لا يمكن نقله إليها لصغرها. ومثل ذلك ما إذا وكلت امرأة بالغة رجلاً أجنبياً وكانت حاضرة فزوجها بحضرة آخر فإنه يصح، وتصلح هي شاهداً لإثبات العقد عند الإنكار. إنما ينبغي أن لا يذكر العقد لأنه باشره فلا يصح أن يشهد على نفسه، بل يقول: إنها منكوحة فلان أو زوجة.
الشرط الخامس: من الشروط المتعلقة بالشهود أن يسمعا كلام العاقدين معاً، فلا تصح شهادة النائمين الذين لم يسمعا كلام العاقدين. أما الشهادة على التوكيل بالعقد فإنها ليست شرطاً في صحة النكاح فلو قالت لأبيها: وكلتك في زواجي بدون حضور شاهدين فإنه يصح ولكن إذا أنكرت أنها وكلته لم يكن عليها بينة. ففائدة الشهود في التوكيل الإثبات عند إنكار التوكيل. ويشترط في الشهادة على إثبات التوكيل أن يعرف الشهود المرأة ويسمعوا كلامها. فإذا رآها الشاهدان وسمعا كلامها إن كانت وحدها في المنزل جاز لهما أن يشهدا على إثبات التوكل عند إنكارها. فإن كانت غائبة ولم يسمعوا كلامها بأن عقد لها وكيلها فإن كان الشهود يعرفونها كفى ذكر اسمها إذا علموا أنه أرادها، وإذا كانوا يعرفونها فلا بد من ذكر اسمها واسم أبيها وجدها على أنك قد عرفت أن الشهادة في ذلك يصح بها العقد ولكن لا تنفع عند جحود التوكل، فالأحوط أن يشهد على التوكل اثنان عارفان بالزوجة أنها وكلت بعد سماعها.
وينعقد النكاح بشهادة الأخرس وفاقد النطق إذا كان يسمع ويفهم. ولا يشترط فهم الشهود معنى اللفظ بخصوصه، وإنما يشترط أن يعلموا أن هذا اللفظ ينعقد به النكاح كما تقدم. فإذا تزوج عربي بحضرة أعجمي يصح إذا كانا يعرفان أن لفظ الإيجاب والقبول ينعقد بهما النكاح وإلا فلا. وينعقد بحضرة السكارى إذا كانا يعرفان أن هذا ينعقد به النكاح، ولو لم يدركوه بعد الإفاقة من السكر.
وإذا أرسل شخص جماعة يخطبون له ابنة آخر، فقال أبوها: زوجته ابنتي، وقال أحد الخاطبين قبلت زواجها له فإن النكاح ينعقد على الصحيح.
خاتمة: لا يشترط في النكاح اختيار الزوج والزوجة، فلو أكره الزوج أو الزوجة على النكاح انعقد النكاح. ومثل النكاح الطلاق، والعتق، فإنه لا يشترط فيهما الاختيار والرضا وكذلك لا يشترط الجد في هذه الأمور الثلاثة: النكاح، والطلاق، والعتق، بل تنعقد ولو كان هازلاً.
الشافعية - قالوا: شروط النكاح بعضها يتعلق بالصيغة، وبعضها يتعلق بالولي، وبعضها بالزوجين وبعضها يتعلق بالشهود.
فأما الصيغة فإنه يشترط لصحتها ثلاثة عشر شرطاً، وقد ذكرت مفصلة في الجزء الثاني صحيفة ١٥٠ طبعة خامسة في أحكام البيع. ومنها عدم التعليق كأن يقول له: زوجتك ابنتي إن أعطيتني دار كذا، أو إن رضيت بك زوجاً فإنه لا يصح. ومنها التأقيت كأن يقول لها: زوجيني نفسك مدة شهر وهوстр. 1315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) نكاح المتعة وقد ورد النهي عنه في خبر الصحيحين. ويزاد على ما ذكر في البيع هنا أن تكون الصيغة بلفظ مشتق من تزويج أو انكاح كزوجتك ابنتي، أو أنكحتك موكلتي. فلو قال: أزوجك ابنتي بلفظ المضارع، أو أنكحتك إياها فإنه لا يصح لأنه يحتمل الوعد. أما إذا قال: أزوجك ابنتي الآن. أو قال: إني مزوجك ابنتي، ولو لم يقل: الآن فإنه يصح، لأن اسم الفاعل حقيقة في الحال فلا يحتمل الوعد. ويصح العقد بالألفاظ المحرفة كما إذا قال له: جوزتك موكلتي حتى ولو لم تكن لغته على المعتمد: وكذلك يصح بالألفاظ الأعجمية. ولو كان العاقدان يعرفان العربية بشرط أن يكونا فاهمين معناها. فلو خاطبته بالفرنساوية أو الإنكليزية بقولها: زوجتك نفسي وقبل صح العقد، ويصح بقوله: زوجني ابنتك، فيقول له: زوجتك، كما يصح بقول الولي، تزوج بنتي فيقول له: تزوجت. ولا ينعقد النكاح بغير هذه الصيغ الصريحة، فلا يصح بقوله: أحللت لك ابنتي، أو بعتها لك، أو ملكتك إياها، أو وهبتها لك، أو نحو ذلك من الصيغ التي يصح انعقاده بها عند الحنفية، فلا بد عند الشافعية من لفظ مشتق من انكاح، أو تزويج، ويقول: إن هذا هو المراد من كلمة الله الواردة في حديث" واستحللتم فروجهن بكلمة الله" لأن كلمة الله الواردة في القرآن هي نكاح وتزويج لا غير، ولا يصح أن يقاس عليها غيرها.
وبالجملة فلا يصح النكاح بالكناية لأنها تحتاج إلى نية، والشهود ركن ولابد لهم من الإطلاع على النية ولا يمكن الإطلاع عليها.
وأما القبول فلا بد أن يقول فيه: قبلت فيه زواجها أو نكاحها، أو النكاح، أو التزويج، أو رضيت نكاحها، أو أحببته، أو أردته، فلو قال: قبلت وسكت فإنه لا يصح، ويصح تقديم القبول على الإيجاب.
وأما الشروط المتعلقة فهي أمور:
أحدها: أن يكون مختاراً فلا يصح من مكروه.
ثانيها: أن يكون ذكراً فلا يصح من أنثى، ولا خنثى، لعدم صحة ولا يتهما.
ثالثها: أن يكون محرماً فلا يصح من غير محرم.
رابعها: أن يكون بالغاً فلا يصح من صبي لعدم ولايته.
خامسها: أن يكون عاقلاً فلا يصح من مجنون لعدم ولايته.
سادسها: أن يكون عدلاً فلا يصح من فاسق لعدم ولايته.
سابعها: أن لا يكون محجوراً عليه لسفه لعدم ولايته.
ثامنها: أن لا يكون مختل النظر.
تاسعها: أن لا يكون مخالفاً في الدين لعدم ولايته.стр. 1316
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) عاشرها: أن لا يكون رقيقاً ولايته.
أما الشروط المتعلقة بالزوج فأمور: أن يكون غير محرم للمرأة فلا يصح أن يكون أخاً لها أو ابناً أو خالاً أو غير ذلك من المحارم سواء كانت من نسب أو مصاهرة أو رضاع وأن يكون مختاراً فلا يصح نكاح المكروه، وأن يكون معيناً فلا يصح نكاح المجهول، وأن لا يكون جاهلاً حل المرأة فلا يجوز له أن يتقدم على نكاحها وهو جاهل لحلها.
وأما الشروط المتعلقة بالزوجة فأمور: أن لا تكون محرماً له، وأن تكون معينة، وأن تكون خالية من الموانع فلا يحل نكاح محرمة، ولا نكاح إحدى المرأتين مثلاً، ولا نكاح المتزوجة أو المعتدة.
وأما الشروط المتعلقة بالشاهدين فهي الشروط المتعلقة بسائر الشهود: فلا تصح شهادة عبدين أو امرأتين أو فاسقين: أو أصمين أو أعسبين أو خنثيين لم تتبين ذكورتهما كما لا تصح شهادة المتعين للولاية فلو انحصرت الولاية في الأب أو الأخ فوكل غيره بمباشرة العقد وحضر هو فإنه لا يصح أن يكون شاهداً وإن اجتمعت فيه شروط الشهادة لأنه في الواقع ولي عاقد فلا يكون شاهداً كالزوج ووكيله فلا تصح شهادته مع وجود وكيله، ودليل الشهادة مع الولي في النكاح ما رواه ابن حبان" لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل".
وينعقد النكاح بشهادة ابني الزوجين أو ابني أحدهما ولكن لا يثبت به النكاح كما يقول الحنفية ومثل الابن العدو فإنه يصح شهادته في انعقاد النكاح ولكن لا يثبت به عند الإنكار لعدم صحة شهادته على عدوه.
ويصح النكاح بمستوري العدالة - وهما المعروفان بها ظاهراً لا باطناً - إذ لو اعتبرت العدالة في الواقع لتعذر الحصول على الشهود.
ويسن الاشهاد على رضا غير المجبرة احتياطاً كي لا تنكر وذلك لأن رضاها ليس من نفس النكاح الذي جعل الاشهاد ركناً له وإنما رضاها شرط في النكاح فيسن الاشهاد على وقوعه منها ورضاها قد يحصل بإخبار وليها من غير شهادة.
الحنابلة - قالوا: للنكاح أربعة شروط: الشرط الأول تعيين الزوجين يقول: زوجتك ابنتي فلانة، فإذا قال: زوجتك ابنتي بغير تعيين وكان له غيرها لم يصح إذا قال: قبلت نكاحها لابني وله غيره بل يلزم أن يقول لابني فلان، فلا بد من أن يميز الزوج والزوجة باسمه أو بصفته التي لم يشاركه فيها غيره كقوله: بنتي الكبرى أو الصغرى أو البيضاء أو الحمراء أو ابني الكبير أو الصغير أو نحو ذلك.
وقد عرفت أن صيغة النكاح لا بد أن تكون بلفظ النكاح أو التزويج، وأما القبول فيكفي فيه أن يقول: قبلت أو رضيت فلا يشترط فيه أن يقول: قبلت زواجها أو نكاحها ولا يصح أن يتقدم القبول على الإيجاب. ويشترط الفور فإن تأخر القبول عن الإيجاب حتى تفرقا أو تشاغلا بما يقطعه عرفاً فإنهстр. 1317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) لا يصح ولا يشترط أن يكون اللفظ عربياً بل يصح بغير العربية من العاجز عن النطق بالعربية بشرط أن يؤدي معنى الإيجاب والقبول بلفظ التزويج أو النكاح بالكتابة ولا بالإشارة إلا من الأخرس، فإنه يصح منه بالإشارة المفهومة.
الشرط الثاني: الاختيار والرضا فلا ينعقد نكاح المكروه إذا كان عاقلاً بالغاً ولو رقيقاً لأن السيد ليس له اكراهه على الزواج لأنه يملك الطلاق فليس لإكراهه على الزواج معنى أما إذا لم يكن عاقلاً بالغاً فإن للأب اكراهه، وكذلك وصي الأب والحاكم أما غيرهم فلا يصح له أن يزوج غير المكلف ولو رضي لأن رضاه غير معتبر. وللأب أن يجبر البكر ولو كانت بالغة كما سيأتي في مبحث الولي.
الشرط الثالث: الولي، ويشترط فيه سبعة شروط الذكورة إذ لا تصلح ولاية المرأة، العقل إذ من لا عقل له لا يمكنه النظر في شؤون نفسه فلا يصلح أن يتولى شؤون غيره - ولا يضر الاغماء - البلوغ لأن الولاية لا
تصلح من الصغير لقصر أمره عن تدبير شؤون غيره. الحرية فلا تصح ولاية العبد لأنه لا ولاية له على نفسه فلا يصح أن يكون له ولاية على
غيره. اتفاق الدين فلا تصح ولاية كافر على مؤمن ولا ولاية مجوسي على نصراني إلا السلطان فإن له الولاية بصرف النظر عن اختلاف الدين. الرشد - وهو أن يكون ذا خبرة بمعرفة الكفء الصالح - ومصالح النكاح.
الشرط الرابع من شروط النكاح: الشهادة فلا يصح إلا بشهادة ذكرين بالغين عاقلين عدلين ولو كانت عدالتهما ظاهراً ولو رقيقين، ويشترط فيهما أن يكونا متكلمين مسلمين سميعين فلا تصح شهادة الأصم والكافر، ويشترط أن يكونا من غير أصل الزوجين وفرعيهما فلا تصح شهادة أب الزوجة أو الزوج أو أبنائهما لأن شهادتهما لا تقبل، وتصح شهادة الأعميين، وشهادة عدوي الزوجين.
الشرط الخامس: خلو الزوجين من الموانع الشرعية.
المالكية - قالوا: لكل ركن من أركان النكاح المتقدمة شروط، فيشترط في الصيغة شروط أحدها: أن تكون بألفاظ مخصوصة وهي أن يقول الولي: أنكحت بنتي أو زوجتها، أو يقول له: زوجني فلانة، ومتى تلفظ الولي أو الزوج بلفظ الانكاح أو التزويج فيكفي أن يجيبه الآخر بما يدل على القبول بأي صيغة كأن يقول: قبلت، أو رضيت، أو نفذت، أو أتممت، ولا يشترط أن يقول: قبلت نكاحها أو زواجها كما هو رأي الشافعية فإذا خلا لفظ الزوج أو الولي عن الانكاح والتزويج فإن النكاح لا ينعقد على المعتمد إلا بلفظ الهبة بشرط أن يكون مقروناً بذكر الصداق بأن يقول الولي: وهبت لك ابنتي بصداق كذا، أو يقول الزوج: هب لي ابنتك بصداق كذا. أما غير ذلك من الألفاظ التي تفيد التمليك كبعت وتصدقت ومنحت، وأعطيت، وملكت، وأحللت، مع ذكر الصداق بأن يقول: بعت لك ابنتي بصداق قدره كذا فإن فيها خلافاً. والراجح عدم انعقاد النكاح بها. أما إذا لم يذكر الصداق فإن النكاح لا ينعقد لها اتفاقاً. فتحصل من هذا أنه يشترط في الصيغة أن تكون بلفظ الانكاح أو التزويج، أو الهبة بشرط ذكر الصداق.стр. 1318
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ثانيها: الفور فيشترط لصحة النكاح أن لا يفصل بين الإيجاب والقبول فاصل كثير يقتضي الاعراض. فإذا قال الولي: زوجتك فلانة قال الزوج: قبلت ذلك الزواج. ولا يضر الفاصل اليسير كما إذا فصل بخطبة قصيرة ونحوها ويستثنى من ذلك الإيصاء بالتزويج فإنه يغتفر فيه الفاصل الطويل فإذا قال: إن مت زوجت ابنتي لفلان فإنه يصح ولا يلزم أن يجيبه الموصى له على الفور بقوله قبلت، بل يصح إذا قبل الزوج بعد موت الموصي سواء كان القبول بعد موته بمدة قريبة أو بعيدة على المعتمد. إنما يشترط لصحة النكاح بالوصية أن تكون الوصية في مرض مات فيه سواء كان مخوفاً أولا، وسواء طال أو قصر. ومثل ذلك ما إذا قال: زوجت ابنتي لفلان إن رضي، فإنه إذا رضي يعقد النكاح. ولا يلزم أن يكون موجوداً في المجلس، بل يصح أن يرضى بعد علمه ولو بزمن طويل. والحاصل أن الفور شرط فيما إذا كان الطرفان حاضرين في مجلس العقد، وفي هذه الحالة لا يغتفر الفصل بين الإيجاب والقبول إلا بالأمر اليسير. وبذلك تعلم أن الإيصاء بالنكاح والتعليق على الرضى ينعقد بهما عند المالكية خلافاً لغيرهم.
ثالثها: أن لا يكون اللفظ مؤقتاً بوقت كأن يقول للولي: زوجني فلانة شهراً بكذا، أو يقول قبلت زواجها مدة شهر بكذا، وهذا هو نكاح المتعة الآتي.
رابعها: أن لا يكون مشتملاً على الخيار، أو على شرط يناقض العقد، وسيأتي بيان ذلك في مبحث الشروط.
ويشترط في الولي ثمانية شروط: الذكورة، والحرية، والعقل، والبلوغ، وعدم الإحرام وعدم الكفر - إذا كان ولياً لمسلمة - أما ولاية الكافر لمثله فصحيحة، وعدم السفه إذا لم يكن عاقلاً أما إذا كان سفيهاً ولكن ذا رأي وعقل فإن سفهه لا يخرجه عن الولاية فله حق إجبار المرأة، وعدم الفسق.
ويشترط في الصداق أن يكون مما يملك شرعاً فلا يصح الصداق إذا كان خمراً أو خنزيراً أو ميتة أو كان مما لا يصح بيعه كالكلب أو كان جزء ضحية فإذا وقع العقد على صداق من هذه الأشياء كان فاسداً ويفسخ وجوباً قبل الدخول فإن دخل بها فإن العقد يثبت بصداق المثل كما يأتي في الصداق.
أما الشهادة فقد عرفت أنها ضرورية لا بد منها ولكن لا يلزم أن يحضر الشهود عند العقد بل يندب ذلك فقط فإذا قال الولي: زوجتك فلانة وقال الزوج: قبلت انعقد النكاح وإن لم يحضر أحد ولكن يجب أن يحضر شاهدان عند الدخول بها فإن دخل عليها من غير شاهدين فسخ النكاح بطلقة لأنه عقد صحيح فيكون فسخه طلاقاً بائناً وذلك لأن عدم الإشهاد مطلقاً يفتح الباب على مصراعيه للزناة إذ يمكن كل واحد في خلوة مع امرأة خالية الأزواج أن يدعي العقد عليها. ولا بد أن يشهد شاهدان غير الولي فلا يرفع الفسخ حضور الولي. وإذا عقد الولي من غير شهود ثم تفرقا فلقي الولي شاهدين فقال لهما: أشهدكما بأنني زوجت فلاناً لفلانة ولقي الزوج شاهدين غيرهما فقال لهما: أشهدكما بأننيстр. 1319
خلاصة لأهم المسائل المتقدمة المتفق عليها والمختلف فيها
الصيغة
(١) - اتفق الثلاثة على أن النكاح لا يصح بألفاظ العقود المفيدة لتمليك العين كالبيع والشراء والصدقة والجعل والتمليك، كتصدقت لك بابنتي بمهر كذا أو جعلتها لك أو ملكتك إياها ومثل ذلك عقد الصلح والقرض كقوله اصطلحت معك على الألف التي عليّ بابنتي أو نحو ذلك.
وخالف الحنفية فقالوا يصح، راجع شروط الصيغة عند الحنفية.
واتفق الشافعية والحنابلة على أنه لا يصح إلا بصيغة مشتقة من إنكاح وتزويج فلا يصح بلفظ الهبة إن كانت مقرونة بذكر الصداق كأن يقول الولي: وهبت لك ابنتي بصداق كذا أو يقول الزوج: هب لي ابنتك بصداق كذا. الحواشي
(١) تزوجت فلانة فإنه يصح، ويقال لهذه الشهادة: شهادة الأبداد - أي المتفرقين - وهي تكفي في النكاح والعتق، فيكون على الزوج شاهدان وعلى الولي شاهدان.
وينبغي أن يكون شاهدا الولي غير شاهدي الزوج فإن كان شاهدا أحدهما عين شاهدي الآخر فلا تكون الشهادة شهادة أبداد ولكن يكفي ذلك في العقد إذ لا يلزم فيه أن يكون الشهود أربعة.
ثم إذا دخل عليها بدون شهادة اثنين واعترف بأنه وطئها أو قامت بينة بأنه وطئها كان عليهما حد الزنا ما لم يشتهر الدخول بها - كزوجة له - بوليمة أو دف أو ايقاد نار أو نحو ذلك مما يعمل عادة عند الدخول بالأزواج، وكذا إذا كان على الدخول أو العقد شاهد واحد.
ثم إن أمكن حضور شاهدي العدل ليشهدا على العقد أو النكاح فإنه لا يشهد غيرهما وإن لا فتصح شهادة المستور بشرط أن لا يكون مشهوراً بالكذب، ويستحسن في هذه الحالة الاستكثار من الشهود.
ويشترط في الزوجين الخلو من الموانع كالإحرام، فلا يصح العقد في حال الإحرام وأن لا تكون المرأة زوجة للغير أو معتدة منه. وأن لا يكونا محرمين بنسب أو رضاع أو مصاهرة) .стр. 1320
(٢) - اتفقوا على أن النكاح ينعقد ولو هزلاً، فإذا قال شخص لآخر، زوجتك ابنتي فقال: قبلت، وكانا يضحكان انعقد النكاح. كالطلاق والعتق فإنهما يقعان بالهزل.
واتفق الثلاثة على عدم انعقاده بالإكراه، مثلاً إذا أكره شخص آخر على أن يقول قبلت زواج فلانة لنفسي بوسائل الإكراه المعروفة شرعاً فإنه لا ينعقد. وخالف الحنفية فإنهم قالوا: ان الإكراه بهذه الحالة ينعقد به النكاح، على أن الحنفية قالوا: إذا أكرهته الزوجة على التزويج بها لم يكن لها حق في المهر قبل الدخول ولها مهر المثل بالوطء ولا يخفى أن الإكراه بهذا المعنى غير إكراه الولي المجبر الآتي بيانه عند الثلاثة.
(٣) - اتفقوا جميعاً على ضرورة اتحاد مجلس العقد، فلو قال الولي: زوجتك ابنتي وانفض المجلس قبل أن يقول الزوج: قبلت، ثم قال في مجلس آخر أو في مكان آخر، لم يصح. واختلفوا في الفور - يعني النطق بالقبول عقب الإيجاب بدون فاصل - فاتفق الحنابلة والحنفية على أن الفور ليس بشرط مادام المجلس قائماً عرفاً، أما إذا تشاغلا بما يقطع المجلس عرفاً فإنه لا يصح.
واشترط الشافعية والمالكية الفور واغتفروا الفاصل اليسير الذي لا يقطع الفور عرفاً.
(٤) - اتفق الثلاثة على أنه يصح تقديم القبول على الإيجاب، فلو قال الزوج للولي: قبلت زواج ابنتك فلانة بصداق كذا فقال له الولي: زوجتك إياها فإنه يصح، وكذا إذا قال له: زوجني ابنتك فقال له: زوجتك ولم يقل: قبلت فإنه يصح لأن معنى زوجني قبلت زواجها، ولكن الحنفية يقولون: إن المتقدم يقال له: إيجاب سواء كان من الزوج أو الزوجة، أما الحنابلة فإنهم خالفوا الثلاثة في ذلك، وقالوا: لابد أن يقول الولي أو من يقوم مقامه أولاً زوجتك أو أنكحتك فلانة ويقول الزوج أو من يقوم مقامه قبلت أو رضيت، فلا يصح النكاح إن تقدم الإيجاب على القبول عندهم.
(٥) - اتفق الثلاثة على أنه يكفي في القبول أن يقول قبلت أو رضيت، ثم إن كان الزواج له قال لنفسي، وإن كان لموكله قال لموكلي، وإن كان لابنه قال لابني، وخالف الشافعية في ذلك فقالوا: لابد أن يصرح بلفظ التزويج أو النكاح في القبول حتى لو نواه لا يكفي فلا بد عندهم من أن يقول قبلت زواجها أو نكاحها.
(٦) - اتفقوا على أن النكاح المؤقت بوقت باطل. فلو قال للولي، زوجني بنتك أسبوعين أو شهراً بصداق كذا فزوجه على ذلك بطل النكاح ولكنه لو دخل بها لا يحد لأنه فيه شبهة العقد.
стр. 1321
الشهود والزوجان
(٧) - اتفق الثلاثة على ضرورة وجود الشهود عند العقد فإذا لم يشهد شاهدان عند الإيجاب والقبول بطل. وخالف المالكية فقالوا إن وجود الشاهدين ضروري ولكن لا يلزم أن يحضرا العقد بل يحضران الدخول أما حضورهما عند العقد فهو مندوب فقط.
(٨) - اتفق الشافعية والحنابلة على اعتبار العدالة في الشاهدين وعلى أنه يكفي العدالة ظاهراً فإذا عرف الشاهد بالعدالة في الظاهر عند الزوجين صحت شهادته على العقد ولا يكلف الزوجان البحث عن حقيقة أمره لأن ذلك فيه مشقة وحرج. وقال المالكية: إن وجد العدل فلا يعدل عنه إلى غيره وإن لم يوجد فتصح شهادة المستور الذي لم يعرف بالكذب.
واتفق الثلاثة على اشتراط الذكورة في الشاهدين، أما الحنفية فقالوا: العدالة غير شرط في صحة العقد ولكنها شرط في إثباته عند الإنكار، ولا تشترط الذكورة فيصح بشهادة رجل وامرأتين ولكن لا يصح بالمرأتين وحدهما بل لابد من وجود رجل معهما.
(٩) - اتفق الثلاثة على أن المحرم بالنسك لا يصح عقده. وخالف المالكية فقالوا: يصح العقد من المحرم فعدم الإحرام ليس شرطاً.
стр. 1322
مباحث الولي
تعريف الولي
-الولي في النكاح هو الذي يتوقف عليه صحة العقد فلا يصح بدونه، وهو الأب أو وصيه والقريب العاصب (١) والمعتق والسلطان والمالك (٢)
وترتيب الأولياء قي أحقية الولاية مفصل في المذاهب (٣) الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: القريب العاصب ليس بشرط بل هو مقدم فإذا عدم تنتقل الولاية لذوي الأرحام كما سيأتي) .(٢) (المالكية - زادوا: الولاية بالكفالة، فمن كفل امرأة فقدت والدها وغاب عنها أهلها فقام بتربيتها مدة خاصة كان له حق الولاية عليها في زواجها، ويشترط لولايته أمران: أحدهما أن تمكث عنده زمناً يوجب حنانه وشفقته عليها عادة فتخالطه مخالطة الأبناء لآبائهم، فلا يلزم تقدير هذه المدة بزمن معين كأربع سنين أو عشر على الأصح. الثاني أن تكون دنيئة لا شريفة، والشريفة في هذا الباب هي ذات الجمال والمال بحيث يوجدان فيها أو أحدهما فإن كانت ذات مال فقط أو جمال فقط فلا ولاية عليها بل يكون وليها الحاكم، ولكن رجح بعضهم أن ولاية الكافل عامة تشمل الشريفة والدنيئة، فكلا القولين مرجح. وهل إذا كفلتها امرأة تكون لها ولاية؟ الصحيح لا إذ ولاية للنساء، وقيل: تكون لها ولاية ولكن ليس لها مباشرة العقد بل توكل عنها رجلاً يباشره.
وكذلك زاد المالكية في الأولياء الولي بالولاية العامة، والولاية العامة هي ما تكون لكل المسلمين على أن يقوم بها واحد منهم كفرض الكفاية، فإذا وكلت امرأة فرداً من أفراد المسلمين ليباشر عقد زواجها ففعل صح ذلك إذا لم يكن لها أب أو وصية ولكن بشرط أن تكون دنيئة لا شريفة، وهذا معنى ما نقل عن المالكية من أن الدنيئة لا يشترط في صحة عقدها الولي، فإن مرادهم بذلك الولي الخاص أما الولي بالولاية العامة فلا بد منه بحيث لو باشرت عقد زواجها بنفسها لا يصح. وقد خفي ذلك على بعض شراح الحديث فنقلوه عن المالكية مبهماً) .(٣) (الحنفية - قالوا: ترتيب الأولياء في النكاح هكذا. العصبة بالنسب أو بالسبب كالمعتق فإنه عصبة بالسبب، ثم ذوو الأرحام، ثم السلطان ثم القاضي إذا كان ذلك الحق منصوصاً عليه في أمر تعيينه.стр. 1323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وترتيب العصبة هكذا: ابن المرأة إن كان لها ابن ولو من الزنا، ثم ابن ابنه وإن سفل. ثم بعد الابن الأب، ثم أب الأب - وهو الجد - وإن علا، ثم الأخ لأب وأم، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ لأب وأم، ابن الأخ لأب وهكذا وإن سفلوا. ثم العم لأب وأم، ثم العم لأب، ثم ابن العم لأب وأم، ثم ابن العم لأب وهكذا وإن سفلوا. ثم عم الأب لأب وأم، ثم عم الأب لأب، ثم بنوهما على هذا الترتيب، ثم عم الجد لأب وأم، ثم عم الجد لأب، ثم بنوهما على هذا الترتيب، ثم من بعد هؤلاء ابن عم بعيد، وهو أبعد العصبات إلى المرأة.
فكل هؤلاء لهم ولاية الإجبار على البنت والذكر في حال الصغر، أما في حال الكبر فليس لهم ولاية إلا على من كان مجنوناً من ذكر أو أنثى.
وعند عدم العصبة يملك تزويج الصغير والصغيرة كل قريب يرث من ذوي الأرحام عند أبي حنيفة خلافاً لمحمد، والأقرب عند أبي حنيفة الأم، ثم البنت، ثم بنت الابن، ثم بنت البنت، ثم بنت ابن الابن، ثم بنت بنت البنت، ثم الأخت لأب وأم، ثم الأخت لأب، ثم الأخ والأخت لأم، ثم أولادهم. وبعد أولاد الأخوات العمات، ثم الأخوال، ثم الخالات، ثم بنات الأعمام ثم بنات العمات. وأبو الأم أولى من الأخت. ثم مولى الموالاة، ثم السلطان، ثم القاضي ومن يقيمه القاضي اهـ ملخصاً من الهندية.
وقد تقدم هذا في مباحث الحجر جزء ثاني صفحة ٣١٠ وما بعدها طبعة خامسة مع الفرق بين الولي في المال والولي في النكاح فارجع إليه إن شئت.
المالكية - قالوا: ترتيب الأولياء في النكاح هكذا: الولي المجبر وهو الأب ووصيه والمالك ثم بعد الولي المجبر يقدم الابن ولو من زنا بأن تزوجت أمه أولاً بنكاح صحيح وأتت به بعد ذلك من الزنا ففي هذه الحالة يكون له حق الولاية عليها مقدماً على الجميع، أما إذا زنت به ابتداء قبل أن تتزوج فحملت به فإن أباها في هذه الحالة يقدم عليه لأنه يكون ولياً مجبراً لها إذ الولي المجبر يجبر البكر والثيب بالزنا كما ستعرفه بعد، ومثلها المجنونة لأن مجبرها أبوها، ومثل الأب وصيه، ثم بعد الابن يقدم ابن الابن، ثم الأب غير المجبر بشرط أن يكون أباً شرعياً جاءت به منه بنكاح صحيح أما إذا كان أباً من زنا فإنه لا قيمة له فلا ولاية له، ثم الأخ على الصحيح، ثم الأخ لأب، وقيل: الأخ الشقيق والأخ لأب في مرتبة واحدة، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب على الصحيح أيضاً، ثم الجد لأب على المشهور، ثم العم الشقيق، ثم ابنه، ثم العم لأخ، ثم ابنه، ثم أبو الجد، ثم عم الأب، ثم تنقل الولاية إلى كافل المرأة المتقدم ذكره، ثم تنتقل الولاية إلى الحاكم بشرط أن لا يكون قد وضع ضريبة مالية على تولي العقد فإن كان كذلك لا تكون له ولاية. والحاكم يزوجها بإذنها ورضاها بعد أن يثبت عنده خلوها من الموانع وأن لا ولي لها أو لها ولي منعها من الزواج أو غاب عنها غيبة بعيدة. ثم إن كانت رشيدة فإن رضاها بالزوج يكفي وإن لم تكن رشيدة فلا بد له أن يتحقق من كفاءة الزوج في الدينстр. 1324
أقسام الولي
-ينقسم الولي إلى قسمين: ولي مجبر له حق تزويج بعض من له عليه الولاية بدون إذنه ورضاه وولي غير مجبر (١) ليس له ذلك بل لا بد منه ولكن لا يصح له أن يزوج بدون إذن من له عليه الولاية ورضاه. وفي تعريف الولي وغيره تفصيل المذاهب (٢) الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: لا ولي إلا المجبر فمعنى الولاية تنفيذ القول على الغير سواء رضي أو لم يرضى فليس عندهم ولي غير مجبر يتوقف عليه العقد. ويختص الولي المجبر بإجبار الصغير والصغيرة مطلقاً والمجنون والمجنونة الكبار على تفصيل يأتي في المبحث الذي بعد هذا) .(٢) (الشافعية - قالوا: الولي المجبر هو الأب، والجد وإن علا، والسيد الولي غير المجبر هو الأب، والجد، ومن يليهم من العصبات المتقدم ذكرهم، وقد عرفت أن الابن ليس ولياً عندهم.
المالكية - قالوا: الولي المجبر هو الأب لا الجد، ووصي الأب بعد موته بشرط أن يقول له: أنت وصيي على زواج بناتي، أو أنت وصيي على تزويج بنتي، أو أنت وصيي على أن تزوج بنتي ممنстр. 1325
مبحث اختصاص الولي المجبر وغيره
-يختص الولي المجبر (١) بتزويج الصغيرة والصغير، والكبيرة والكبير إذا جنا، والكبيرة العاقلة البالغة إذا كانت بكراً حقيقة حكماً فللولي المجبر تزويج هؤلاء بدون استئذان ورضا بشروط، ويختص الولي غير المجبر بتزويج الكبيرة العاقلة البالغة بإذنها ورضاها سواء كانت بكراً أو ثيباً إلا أنه لا يشترط في إذن البكر أن تصرح برضائها فلو سكتت بدون أن يظهر عليها ما يدل على الرفض كان ذلك إذناً، أما الثيب فإنه لا بد في إذنها من التصريح بالرضا لفظاً فلا يصح العقد بدون أن يباشره الولي على التفصيل المتقدم كما لا يصح للولي أن يعقد بدون إذن المعقود عليها ورضاها، وفي كل ذلك تفصيل المذاهب (٢) الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: كل ولي مجبر كما تقدم، ولكن لا ولاية إلا على الصغير والصغيرة والمجنون والمجنونة ولو كباراً إلا أن الولي تارة يكون أباً أو جداً ولهما الولاية على الصغار والكبار إذا كان بهم جنون عند عدم وجود الابن وإلا كان ابن المجنونة وليها على المذهب لا أبوها وتارة يكون غير ذلك كما هو مبين في ترتيب الأولياء المتقدم) .(٢) (الحنفية - قالوا: قالوا يختص الأب والجد وغيرهما من الأولياء عند عدم وجودهما بتزويج الصغير والصغيرة وإن لم يرضيا بذلك سواء كانت الصغيرة بكراً أو ثيباً ولكن إذا زوجهما الأب أو الجدстр. 1326
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فلا خيار لهما بعد بلوغهما بشرطين: أن لا يكون معروفاً بسوء الاختيار قبل العقد، ثانيهما أن لا يكون سكران فيقضي عليه سكره بتزويجها بغير مهر المثل أو بفاسق أو غير كفء فإذا لم يكن الأب أو الجد معروفاً بسوء الاختيار قبل العقد ثم زوج الصغيرة من فاسق أو من غير كفء فإنه يصح وليس لها اختيار بعد البلوغ، فإذا زوج بعد ذلك بنتاً أخرى بهذه الصورة فإنه لا يصح وكان لها حق الاختيار عند البلوغ إذ بزواج الأولى عرف بسوء الاختيار، فإذا زوجها المعروف بسوء الاختيار من كفء وبمهر المثل فإنه يصح ولا خيار لها كما إذا زوجها وهو سكران كذلك، أما إذا زوجها غير الأب والجد فإن كان من غير كفء وبغير مهر المثل فإن النكاح لا يصح أصلاً وإن كان من كفء وبمهر المثل فإنه يصح ويكون لهما حق خيار الفسخ بالبلوغ، فبمجرد أن ترى الصغيرة الدم تشهد أنها فسخت العقد واختارت نفسها ثم يفرق القاضي بينهما، هذا إذا كان زوجها كبيراً فإن كان صغيراً فرق القاضي بينهما بحضرة أبيه أو وصيه، فإن لم يوجد له أب ولا وصي نصب القاضي وصياً للمخاصمة عن الصغير ويطلب القاضي منه حجة تبطل دعوى الفرقة من بينة على رضاها بالنكاح بعد البلوغ، أو تأخيرها طلب الفرقة فإن لم توجد البينة حلفها الخصم فإذا حلفت فرق بينهما الحاكم بدون انتظار بلوغ الولي، فإذا بلغت وهي لا تعلم بالزواج ومضى على بلوغها زمن ثم علمت فلها حق الخيار عقب العلم مباشرة ويفرق بينهما على الوجه المتقدم، فإذا ماتت الصغيرة أو الصغير قبل فسخ العقد كان لكل منهما أن يرث صاحبه ويلزم الزوج كل المهر، ثم إن كانت الفرقة من
قبل الزوجة كانت فسخاً لا ينقص عدم الطلاق فلو جدد العقد بعده ملكها بثلاث طلقات، وأما إن كانت من قبلها فطلاق.
ويلحق بالصغير والصغيرة المجنون والمجنونة ولو كانا كبيرين، فإذا زوج المجنونة الكبيرة ابنها وهو وليها ثم أفاقت لا يكون لها حق الخيار إذا كان وليها غير معروف بسوء الاختيار على الوجه المتقدم، أما إذا زوجها غير ابنها أو أبيها عند عدم وجود ابنها فإن لها حق الخيار بمجرد الإفاقة ولا يجوز للولي أن يزوج المجنونة الكبيرة بدون إذنها إلا إذا كان جنونها مطبقاً، أما إذا كان متقطعاً فإنه يجب أن ينتظر وقت إفاقتها ويستأذنها، ومثلها المجنون والمعتوه والمعتوهة.
ويشترط لصحة خيار الصغيرة البكر أن تختار نفسها بمجرد البلوغ كما ذكرناه، فلو رأت دم الحيض مثلاً ثم سكتت بطل خيارها بل ينبغي لها أن تقول فوراً: اخترت نفسي ونقضت النكاح وبذلك لا يبطل حقها بالتأخير، ومثل ذلك ما إذا كانت جاهلة بالنكاح ثم بلغها الخبر فإنه لا يلزمها أن تقول فوراً: لا أرضى أو فسخت النكاح إلا لضرورة كأن أخذها العطاس أو السعال فقالت بعد انتهائه. وإذا بين البلوغ واختيار نفسها بالسؤال عن الزوج أو بالسؤال عن المهر أو سلمت على الشهود الذين استدعتهم ليشهدوا بأنها اختارت نفسها فقيل: يبطل خيارها بذلك، وقيل: لا يبطل، والمحققون على أنه لا يبطل بذلك خصوصاً تسليمها على الشهود فإن السلام عليهم مطلوب قبل الكلام معهم. فإذا كانت الصغيرة ثيباً لا بكراً بأن دخل بها زوجها فبل البلوغ، أو كانت ثيباً قبل أن يعقد عليها فإنه لا يبطل خيارها بالسكوت مهما طال الزمن لأن وقت حقها في الخيار العمر كله، وإنماстр. 1327
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) يبطل إذا صرحت بأنها رضيت بالزوج أو مكنته من نفسها أو قبلته أو لامسته، فلو ادعت أنها مكنته من ذلك كرهاً صدقت لأن الظاهر يصدقها، ومثل الصغيرة الثيب والغلام الصغير إذا زوجه غير الأب والجد من امرأة ليست بكفء له فلو زوج الأخ مثلاً أخاه من امرأة أدنى منه فإن له خيار الفسخ عند البلوغ كالصغيرة والثيب.
ومن هذا يتضح أن الكفاءة وإن كانت لا تعتبر من جانب الرجل ولكنها تعتبر إذا كان صغيراً.
هذا وإذا رأت الصغيرة الدم في جوف الليل حيث لا يمكنها إحضار الشهود فإن عليها أن تختار نفسها فوراً وتفسخ العقد ثم تشهد بمجرد طلوع النهار ولكنها لا تصرح بأنها رأت الدم ليلاً بل تقول لهم: اشهدوا بأنني بمجرد أن بلغت فسخت العقد، أو تقول اشهدوا بأنني بالغة الآن وقد فسخت العقد بمجرد البلوغ ولا تقول: أنني بلغت ليلاً إذ لو قالت ذلك بطل اختيارها. ولا يخفى أن هذه حالة ضرورة.
هذا وليس للوصي أن يزوج الصغير والصغيرة سواء أوصى له الأب بزواجهما أو لم يوص. وقد عرفت أنه إذا لم يكن لها ولي من العصب أو ذوي الأرحام كان وليها السلطان أو القاضي المأذون بتزويج الصغيرة من السلطان، فإذا زوجت نفسها في جهة بها قاض انعقد العقد موقوفاً على إجازة القاضي، وقيل لا ينعقد ويتوقف على إجازتها بعد بلوغها. أما البالغة سواء كانت بكراً أو ثيباً فلا جبر عليها لأحد ولا يتوقف نكاحها على ولي بل لها أن تزوج نفسها لمن تشاء بشرط أن يكون كفأً وإلا فللولي الاعتراض وفسخ العقد إذا زوجت نفسها من غير كفء. وإلا فللأقرب منهم حق الفسخ، فإذا زوجها الولي فإنه يسن له أن يستأذنها بأن يقول لها: فلان يخطبك ونحو ذلك فإن زوجها بغير استئذان خالف السنة، ويصح العقد موقوفاً على رضاها.
ولا يشترط في البكر أن تصرح بالقبول بل يكفي أن يصدر منها ما يدل على الرضا كأن تسكت أو تبتسم أو تضحك غير مستهزئة أو تبكي بكاء الفرح، أما إذا ظهر منها ما يدل على عدم الرضا كأن تضرب وجهها أو نحو ذلك فإنه لا يكون رضا، هذا إذا زوجها الولي أو وكيله أو رسوله أو زوجها الولي ثم أخبرها رسوله أو أخبرها شخص أجنبي فضولي بشرط أن يكون عدلاً فصدر منها ما يدل على الرضا على الوجه المتقدم فإنه يعتبر إجازة للعقد، أما إذا زوجها غير الولي من غير إذنها ورضاها - وهو نكاح الفضولي - ثم بلغها الخبر بالصورة المتقدمة فإن إجازة العقد لا يكفي فيها سكوتها بل لابد أن يصدر منها ما يدل على الرضا دلالة صريحة من قول أو فعل، ودلالة الفعل هي أن تطلب مهرها أو تقبل التهنئة بالسكوت أو الرد عليها، أو تمكن الزوج من الدخول والوطء أو نحو ذلك. ومثل البكر التي زوجها غير الولي الثيب التي زوجها الولي أو غيره فإنه لابد فيها من التصريح بالقول أو ما في معناه.
والبكر اسم لامرأة لم تجامع أصلاً، ويقال لها: بكر حقيقة فمن زالت بكارتها بوثبة أو حيض قوي أو جراحة أو كبر فإنها بكر حقيقة، ومثلها من تزوجت بعقد صحيح أو فاسد ولكن طلقت أو مات عنها زوجها قبل الدخول والخلوة أو فرق بينهما القاضي بسبب كون زوجها عنيناً أو مجبوباً فإنها بكرстр. 1328
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) حقيقة، أما من زالت بكارتها بزنا فإنها بكر حكماً بمعنى أنها تعتبر بكراً وإن زالت بكارتها ومحل ذلك ما إذا لم يتكرر الزنا ولم تحد به وإلا كانت ثيباً، فالثيب هي الموطوءة بنكاح صحيح أو نكاح فاسد أو بشبهة أو زنا حدت به ولو مرة أو زنا تكرر منها وإن لم تحد به.
المالكية - قالوا: يختص الولي المجبر بجبر الصغيرة، والمجنونة بالغة كانت أو لا. إذا كان جنونها مطبقاً بكراً كانت أو ثيباً، أما إذا كانت ثيباً وكان جنونها متقطعاً فلا تزوج إلا في حال إفاقتها بعد استئذانها، يختص أيضاً بجبر الكبيرة البالغة العاقلة إذا كانت بكراً.
وحد البكر هي التي لم تزل بكارتها بوطء في عقد صحيح أو فاسد أو يدرأ عنها الحد، أما إذا زالت بكارتها بزنا ولو تكرر منها على الأرجح، أو عارض آخر كتقدم في السن أو صدمة أو غير ذلك فإنها بكر له عليها الجبر.
ويستثنى من ذلك البكر التي رشدها أبها أو وصيه بأن يعلن لها أنها رشيدة مرفوع عنها الحجر بقوله: رشدتك أو أطلقت يدك أو رفعت الحجر عنك أو نحو ذلك، ويثبت رشدها بإقراره أو ببينة وفي هذه الحالة لا يكون له عليها جبر فهي بمنزلة الثيب التي زالت بكارتها بالنكاح المتقدم. فلا يصح زواجها إلا بإذنها ورضاها، فللأب ومن قام مقامه أن يزوج الصغيرة ثيباً كانت أو بكراً فلو ثيبت الصغيرة قبل البلوغ بنكاح صحيح ثم طلقت وزوجت قبل البلوغ أيضاً كان له عليها الجبر، أما إذا بلغت عنده وهي ثيب، فقيل: له عليها الجبر وقيل: لا وكذلك له أن يجبر المجنونة مطلقاً إذا كانت لا تفيق، ويجبر البكر البالغة العاقلة فيزوجهن لمن يحب سواء كان كفأً أو لا وسواء كان بمهر المثل أو لا إلا أنه يشترط ألا يزوجهن لخصي أو عنين أو مجبوب أو أبرص أو رقيق أو عبد فليس له جبر في هذه الحالة فإن فعل كان للمجبور خيار الفسخ.
وقد عرفت أن الوصي بالتزويج وإن كان له الجبر إلا أنه يزيد على هذا الشرط لا يزوجها لرجل فاسق، وأن لا يكون مهرها دون مهر المثل.
وللولي المجبر من أب ووصي أن يجبر ولده المجنون جنوناً مطبقاً إذا خاف عليه الزنا أو الضرر الشديد أو الهلاك وكان الزواج ضرورياً متعيناً لإنقاذه، فإن لم يكن له أب ولا وصي أب وكان جنونه قبل البلوغ زوجه الحاكم.
وكذلك لهم جبر الذكر الصغير لمصلحة كتزوجه من شريفة أو غنية أو بنت عم وهل لهؤلاء جبر السفيه أو لا؟ الجواب: أنه إذا خيف عليه الزنا لهم الجبر قطعاً، وإن ترتب على تزويجه مفسدة لم يصح قطعاً، أما إذا لم يترتب عليه مفسدة ولم يخف عليه الزنا فخلاف. والأظهر عدم الجبر فإن لم يكن عندهم صداق كان صداقهم على الأب، ولو مات يؤخذ من تركته أما إذا كان عندهم أخذ منهم، ومثل الأب الوصي والحاكم.стр. 1329
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أما الولي غير المجبر فليس له تزويج هؤلاء على أي حال على المشهور، فإن فعل يفسخ النكاح مطلقاً ولو دخل وطال الزمن، وقيل: لا يفسخ بعد الدخول وطول الزمن.
يختص الولي غير المجبر بتزويج من له عليها الولاية بإذنها ورضاها إذا كانت كبيرة عاقلة، فليس له أيضاً أن يزوج الصغيرة ومن في حكمها مطلقاً لأنه ليس له حق التزويج إلا إذا استأذن ورضيت، والصغيرة يعتبر إذنها فتبقى بلا زوج حتى تبلغ، على أنهم استثنوا من ذلك اليتيمة الصغيرة التي يخشى عليها الفساد في مالها أو نفسها إذا بلغت المرغوب في نكاحها، وقدره بعضهم بعشر سنين، ولكن الراجح عدم تعيين مدة بل المذار على خوف الفساد وعند ذلك يجبرها وليها على التزويج سواء رضيت أو لم ترض. ولكن يجب عليه أن يشاور القاضي قبل مباشرة العقد فإن لم يشاور القاضي فسخ قبل الدخول أما بعد الدخول فإنه يصح وإن لم يطل الزمن، فإذا زوجها الولي غير المجبر بدون أن يخاف عليها الفساد فإنه يصح إن دخل بها ومكث معها زمناً طويلاً، قدر بثلاث سنين، أما قبل ذلك فإنه يفسخ.
وله أن يزوج الكبيرة العاقلة بكراً كانت أو ثيباً بإذنها ورضاها كما تقدم، إن كانت بكراً فصمتها رضا، ويندب أن يقول الوالي لها: إن سكوتك عن الإجابة رضاً منك بالزوج والصداق وإن نفرت أو منعت فإنه لا يصح أن يزوجها، أما إذا ضحكت أو بكت فإنه علامة الرضا إلا إذا قامت قرينة على أن البكاء علامة الرفض. أما الثيب فإنها تبين اللفظ عما في نفسها فلا بد من التصريح بأنها رضيت وأنها تأمر الولي بعقد زواجها على من ذكره لها. ويلحق بالثيب البكر التي رشدها الأب أو الوصي فإنه لا بد من لفظها صراحة. والبكر التي منعها أبوها من الزواج فرفعت أمرها إلى الحاكم ليزوجها فإنها في هذه الحالة تعرب عما في نفسها بصريح اللفظ فإن أمر الحاكم أباها بتزويجها فزوجها أبوها فإنه لا يحتاج إلى اذنها لأنه مجبر ولم يضع حقه في ذلك، وكذلك التي زوجها ولي غير مجبر بصداق من عروض التجارة وهي من قوم لا يزوجون به فإنه لا بد من رضاها بالصداق صريحاً سواء كانت عروض التجارة بعض الصداق أو كله، أما الزوج فيكفي صمتها في الرضا به. وكذا إذا زوجت برجل به عيب يجعل لها فيه الخيار، فإنه لا بد في رضائها به من نطقها حتى ولو زوجها الولي المجبر كما تقدم. وكذلك البكر التي زوجها ولي غير مجبر بغير إذنها ثم بلغها الخبر فرضيت فإنه لا بد من لفظها بأنها رضيت. وهذا هو نكاح الفضولي وإنما يصح بشروط:
أحدها: أن يقع العقد بالبلد التي تقطن بها الزوجة. ثانيها: أن يبلغها الخبر عقب العقد. أو قريباً منه فترضى بدون تسويف، وقدر لقرب الزمن ثلاثة أيام على الأكثر فإذا علمت بعد ثلاثة أيام فإنه لا يصح، وكذا إذا بلغها في حينه ولكن لم تعلن رضاها به حتى مضت الثلاثة الأيام ثالثها: أن لا يصرح الولي عند مباشرة العقد بأنه غير مأذون منها، فإن صرح يفسخ اتفاقاً. رابعها: أن لا ترده عند علمها فإن ردته ثم أجازته فإنه لا يصح.
وإذا منع الولي المجبر أو غيره من له عليها الولاية من الكفء الذي رضيت به لا تنتقل الولاية إلى الأبعد بل لها أن ترفع أمرها إلى الحاكم ليسأله عن سبب امتناعه فإن أظهر سبباً معقولاً ردها إليهстр. 1330
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وإلا أمره بتزويجها، فإن امتنع عن تزويجها بعد أمر الحاكم وإذا دعت إلى كفء ودعا وليها إلى كفء آخر تعين الكفء الذي دعت إليه هي.
ولكن الولي المجبر يعتبر عاضلاً برد أول كفء سواء كان أباً بالنسبة لبنته الثيب والبكر المرشدة أو كان غير أب بالنسبة للجميع. أما الولي المجبر سواء كان أباً أو وصياً فإنه لا يعتبر عاضلاً ولو رد الكفء رداً متكرراً، وإنما يعتبر عاضلاً إذا ثبت عليه أنه فعل ذلك قصداً للمنع لأن مجرد رد الخاطب لا يدل على العضل بل قد يكون لمصلحة يعلمها الولي وهو أشفق الناس على بنته فإن تحقق قصد الضرر ولو مرة أمره الحاكم بالتزويج.
الشافعية - قالوا: يختص الولي المجبر بتزويج الصغيرة، والمجنون صغيراً أو كبيراً، والبكر البالغة العاقلة بدون استئذان ورضا بشروط سبعة:
الشرط الأول: أن لا يكون بينه وبينها عداوة ظاهرة، أما إذا كانت العداوة غير ظاهرة فإنها لا تسقط حقه.
الشرط الثاني: أن لا يكون بينها وبين الزوج عداوة أبداً ظاهرة معروفة لأهل الحي ولا باطنة فلو زوجها لمن يكرهها أو يريد بها السوء فإنه لا يصح.
الشرط الثالث: أن يكون الزوج كفأً
الشرط الرابع: أن يكون موسراً قادراً على الصداق.
وهذه الشروط الأربعة لا بد منها في صحة العقد، فإن وقع مع فقد شرط منها كان باطلاً إن لم تأذن به الزوجة وترضى به.
الشرط الخامس: أن يزوجها بمهر مثلها.
الشرط السادس: أن يكون المهر من نقد البلد.
الشرط السابع: أن يكون حالاً.
وهذه الشروط الثلاثة شروط لجواز مباشرة الولي للعقد، قلا يجوز له أن يباشر العقد أصلاً إلا إذا تحققت هذه الشروط، فإذا فعل كان آثماً وصح العقد، على أن اشتراط كون الصداق حالاً وكونه من نقد البلد مقيد بما إذا لم تكن العادة جارية بتأجيل الصداق أو بالتزويج بغير نقد البلد كالتزوج بعروض التجارة، فإذا كانت العادة جارية به فإنه يجوز. ومتى تحققت هذه الشروط كان للأب أو الجد إجبار البكر صغيرة كانت أو كبيرة عاقلة أو مجنونة، ولكن يسن استئذانها تطيباً لخاطرها إذا كانت بالغة - ولو كانت سكرى - لأن السكر لا يخرجها عن التكليف فهذا اختصاص الولي المجبر. أما الولي غير المجبر - وهو غير الأب والجد ممن تقدم ذكره من العصبات وذوي الولاء والسلطان - فليس له أن يزوج من له عليها الولاية إلا بإذنها ورضاها فإن كانت بكراً بالغاً فرضاها يعرف بسكوتها عند الاستئذان ما لم تقم قرنية على عدم رضاها كصياح ولطم ونحوه، وهذا بالنسبة للمهر إذا كان مهر المثل أو من غير نقد البلدстр. 1331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فلا بد من رضا به صريحاً، وهذا هو الراجح. وبعضه يقول: إذا كان الولي غير مجبر فإنه لا يكفي سكوت البكر بل لا بد من التصريح برضاها بالزوج والمهر. أما الثيب فإنه لا بد من تصريحها بالرضا سواء كان المزوج أباً مجبراً أو غيره بلا خلاف.
والثيب هي التي زالت بكارتها بوطء حلالاً كان أو حراماً ولو وطئها قرد، أما من زالت بكارتها بعارض آخر كمرض أو جراحة فإنها تكون بكراً، ومثلها من زالت بكارتها بوطء في الدبر، هذا إذا كانت كبيرة عاقلة، أما الصغيرة العاقلة فإنه لا يصح لغير الأب والجد أن يزوجها بحال من الأحوال لأن زواجها يتوقف على إذنها ورضاها. والصغيرة لا يعتبر لها إذن فلا تزوج إلا إذا بلغت، فإن كانت الصغيرة يتيمة لا أب لها وكانت مجنونة انتقلت الولاية عليها في المال والنكاح للحاكم، ولكن لا يصح له أن يزوجها إلا بشرطين:
الشرط الأول: أن تبلغ لأنها لا تحتاج للزواج قبل البلوغ.
الثاني: أن تكون محتاجة بعد البلوغ إلى النفقة أو الخدمة بحيث لا تندفع حاجتها بغير الزواج.
الحنابلة - قالوا: يختص الولي المجبر بإجبار غير المكلف - وهو الصغير - بكراً كانت أو ثيباً وهي من كانت دون تسع سنين، أما التي لها تسع سنين وكانت ثيباً فليس عليها جبر لأن إذنها معتبر فلا بد من إذنها. ويختص أيضاً بإجبار البكر البالغة عاقلة كانت أو مجنونة، فللأب أن يزوجهن بدون إذنهن ورضاهن لمن يشاء إلا لمن به عيب يجعل لها حق خيار الفسخ، كأن يكون مجبوباً أو عنيناً لا يقدر على الوطء أو به شلل كما سيأتي في العيوب.
أما الثيب البالغة التي لها تسع سنين فإنه لا يصح تزويجها بدون إذنها ورضاها.
والثيب هي التي زالت بكارتها بالوطء في قبلها سواء كان بعقد صحيح أو فاسد أو بزنا. أما من زالت بكارتها بغير ذلك كوطء في الدبر أو عارض آخر من مرض أو كبر أو نحو ذلك فإنها بكر.
وعلامة رضاء البكر سكوتها الدال على الرضاء. أما رضا الثيب فلا يتحقق إلا بكلام.
ويسن للولي المجبر أن يستأذن من يعتبر إذنها كأن كانت بكراً عاقلة بالغة، أو سنها تسع سنين.
أما الولي غير المجبر فليس له أن يزوج من له عليها الولاية إلا بإذنها ورضاها إن كانت كبيرة عاقلة، أو صغيرة لها تسع سنين، أما الصغيرة التي دون تسع والمجنونة المطبقة فليس له زواجهما لأنه موقوف على الإذن وليس لهما إذن معتبر، على أنهم قالوا: إن الحاكم ولي مجبر فله أن يزوجها إذا دعت الحاجة إلى زواجهما.
وعلى الولي غير المجبر أن يذكر عند الاستئذان اسم الزوج بالتعيين بأن يذكر اسمه ولقبه ومنصبه ونسبه لتكون على بصيرة في أمرها، فإذا ذكره لها مبهماً لا يصح العقد، ولا يشترط ذكر المهر) .стр. 1332
مبحث إذا زوج الولي الأبعد مع وجوب الأقرب
-حق الأولياء في مباشرة العقد على ترتيب المتقدم، فإذا زوج الولي الأبعد الذي لم يأت دوره مع وجود الولي صاحب الحق فإنه لا يصح (١) الحواشي
(١) (المالكية - قالوا: إذا وجد أولياء أقرب وأبعد صح عقد النكاح بالولي الأبعد مع وجود الأقرب، مثلاً إذا وجد أخ مع عم وباشر العم العقد الصحيح. وكذا إذا وجد أب مع ابن وباشر الأب العقد فإنه يصح، ولكن هذا في الولي غير المجبر، أما الولي المجبر فإنه لا يصح أن يباشر العقد غيره مع وجوده سواء كان المجبر أباً أو وصياً أو مالكاً إلا في حالة واحدة، وهي أن يكون لذلك المجبر أب أو أخ أو ابن أو جد وقد فوض لهم أو لواحد منهم النظر في أموره، وثبت تفويضه له ببينة شهدت بأنه قال له: فوضت إليك جميع أموري، أو أقمتك مقامي في جميع الأمور فإنه يجوز للمفوض إليه في هذه الحالة أن يباشر عقد زواج بنت ذلك الولي المجبر المفوض له بدون إذنه موقوفاً على اجازته عند الإطلاع عليه بشرط أن لا تطول المسافة بين الإجازة والعقد، وقيل: لا يشترط ذلك. فإذا فوض الولي المجبر إلى أجنبي أموره فزوج بنته بدون إذنه فإنه لا يصح ويفسخ ولو أجازه الولي. وكذلك إذا فوض إلى أقاربه المذكورين بإقراره فإنه لا يعتبر بل لا بد أن يكون التفويض بالبينة. وإذا قال له: فوضت إليك قبض أموالي فإنه لا يصح له مباشرة عقد زواج ابنته بدون إذنه، وهل إجازة الولي بعد التفويض ضرورية أو لا؟ الجواب أنه قال له فوضت إليك نكاح ابنتي أو زواجها فإنه لا يتوقف على إجازته باتفاق أما إذا لم يذكر لفظ التزويج أو النكاح فقولان، والمعتمد أنه يتوقف على إجازته.
هذه هي الحالة التي يصح للولي غير المجبر أن يباشر فيها عقد بنت الولي المجبر أو من يقوم مقامه بدون إذنه، فإن لم يكن الولي المجبر حاضراً بل غاب في مكان بعيد خيف علها الفساد لانقطاع النفقة عنها أو لعدم وجود من يصون عرضها للحاكم تزويجها ولا يفسخ العقد، أما إذا غاب في مكان قريب ولم يترتب على غيبته ضرر من له عليها الولاية فإنه لا يصح للحاكم ولا لغيره أن يزوجها ولو زوجت لا يصح حتى لو أجازه الولي وولدت أولاداً.
والمسافة البعيدة هي أن يكون بينهما أربعة أشهر، كأن تكون في المدينة المنورة ووليها في القيروان بتونس. وبعضهم يقدرها بثلاثة أشهر، كمصر والقيروان.
وهذا التقدير إنما هو بحسب صعوبة المواصلات فيما مضى، أما الآن فيصح أن يعمل بمبدأ كون الحاكم يكتب إليه بأن يوكل في تزويجها أو يزوجها عليه إن ترتب على غيبته ضرر ولا ينتظر حتى يحضر.
فإذا فقد الأب ووصيه انتقلت الولاية للحاكم كما إذا كان في غيبة بعيدة. وبعضهم يقول: تنتقل الولاية للولي الأبعد لا للحاكم، ولكن الأول صوبه بعضهم. وإن حبس الولي المجبر أو جن جنوناًстр. 1333
وتنتقل الولاية للأبعد عند غيبة الأقرب أو عضله إياها - أي منعها من الزواج - وغير ذلك على تفصيل في المذاهب (١) الحواشي
(١) (الشافعية - قالوا: الترتيب في الأولياء شرط لا بد منه، ولا تنتقل الولاية من الولي الأقرب للأبعد إلا في أحوال: منها الولي القريب الذي له حق مباشرة العقد صغيراً، فإذا بلغ ولم يرتكب جريمة فسق بعد بلوغه ثبت له حقها، ولا يلزم أن تثبت عدالته، ولكنه لا يشهد إلا إذا ثبتت عدالته بانقضاء سنة بعد بلوغه لم يثبت عليه فيها فسق، ففرق بين الشهادة والولاية إذ الشهادة لا بد فيها من ثبوت العدالة بخلاف الولاية فيكفي فيها عدم الفسق.
ومنها: أن يكون الولي الأقرب مجنوناً ولو كان جنونه متقطعاً، ولكن يزوج الولي الأبعد في زمن جنون الأقرب دون زمن إفاقته، إلا إذا كان زمن الجنون قليلاً كيوم في سنة فإنه ينتظر زمن الإفاقة باتفاق.
ومنها: أن يكون الولي فاسقاً، فإذا تاب رجع إليه حقه في الحال. ولا ينتظر زمناً تثبت فيه العدالة لأن المطلوب في عدم الولي عدم الفسق لا العدالة بخلاف الشهود. فإن الشرط فيها العدالة ولهذا لا يصح له أن يشهد إلا بعد مضي سنة من التوبة تظهر فيها عدالته كما علمت.
ومنها: أن يكون محجوراً عليه، فإن كان محجوراً عليه لفسق سلبت عنه الولاية للفسق كما تقدم، وإن كان محجوراً عليه لسفه وتبذير في ماله فبعضهم يرى أنه لا حق له في الولاية على المرأة فيстр. 1334
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) النكاح لأنه إذا كان لا يصلح لإدارة شؤون نفسه فلا يصلح لإدارة شؤون غيره. بعضهم يرى أن السفه لا يمنع الولاية في النكاح، ورجحه بعضهم وضعفه آخرون، والمرجحون موافقون لغيرهم من المذاهب. أما إذا كان محجوراً عليه لفلس فإن الحجر لا يمنع ولايته بلا خلاف لأن الحجر عليه لا ينقصه.
ومنها: أن يكون نظره في الأمور مختلاً لسبب من الأسباب كمرض ملازم أعجزه عن البحث في أحوال الناس وتعرف أوصافهم، وهوج، وبله.
ومنها أن يكون دينه مخالفاً لدين المرأة، فلا ولاية لكافر على مسلمة ولا ولاية لمسلم على كافرة، أما الكافر فإنه يكون ولياً للكافرة بشرط أن لا يرتكب محظوراً في دينه الذي يدين به ولا عبرة باختلاف دينهما، فلليهودي أن يلي النصرانية وبالعكس.
فهذه الأمور تنقل الولاية من الولي الأقرب له حق مباشرة العقد إلى الولي الأبعد، هذا ولا ينقلها العمى لأن الأعمى يمكنه أن يعرف أحوال الناس وينتقي الكفء بالسماع.. ولا ينقلها الإغماء لأن المغمى عليه ينتظر برؤه. ولا ينقلها الإحرام بالنسك إلى الأقرب.
وينتقل حق مباشرة الزواج للسلطان بالولاية العامة في أمور: منها الإحرام بالنسك، فإذا كان الولي محرماً امتنع من مباشرة العقد وانتقلت الولاية للسلطان. فلا يزوج الولي الأبعد، وإذا وكل المحرم عنه شخصاً يتولى العقد فإنه لا يصح للوكيل أن يباشر العقد وموكله محرم لأن الوكيل قائم مقام الموكل، فلو باشر الوكيل العقد كان العاقد الموكل. فإذا تحلل الموكل كان للوكيل مباشرة العقد لأنه لا ينعزل بالإحرام.
ومنها: أن يغيب الولي مسافة قصر ولم يوكل عنه وكيلاً يزوج في غيبته، وإلا باشر العقد وكيله، فإذا زوج الحاكم ثم حضر الولي وقال: إنني كنت قريباً من البلدة عند العقد، فإن العقد يصح، وإذا حضر وقال: إنني زوجتها قبل الحاكم نفذ فعل الحاكم إن لم تقم بينة على دعوى الولي، ومنها عضل الولي المرأة من الزواج، فإذا طلبت منه أن يزوجها من الكفء، ولو بدون مهر المثل ومنعها فإن لها أن تلجأ إلى الحاكم فيزوجها نيابة عن الولي لأن حق الولي لم يقسط في الولاية بالمنع مرة أو مرتين فيكون الحاكم نائباً عن الولي، فإذا عضلها ثلاث مرات فأكثر فإنه يكون بذلك فاسقاً قد ارتكب محظوراً فيسقط حقه في الولاية وتنتقل للأبعد.
ومنها: أن يكون الولي محبوساً حبساً يمنع من مباشرة العقد فإنه في هذه الحالة يزوج السلطان.
الحنفية - قالوا: الترتيب بين الأولياء ضروري ولكن العقد يقع صحيحاً إذا باشره الأبعد مع وجود الأقرب موقوفاً على إجازته، فإن أجازه نفذ وإلا فلا، وهذا الحق ثابت للولي الأقرب حتى في حالة ما إذا زوجت البكر البالغة العاقلة نفسها من غير كفء، فإن له أن يجيزه فينفذ، وله أن يعترض عليه فيفسخ. وتنتقل الولاية من الأقرب للذي يليه في أحوال:
منها: أن يغيب الأقرب مسافة بحيث لو انتظر حضوره أو استطلاع رأيه فات الكفء الذي حضرстр. 1335
مبحث للولي أن يوكل غيره بالزواج
-كل من يملك حق التصرف في شيء كان له أن يوكل غيره فيه مادام ذلك الأمر يقبل النيابة كما هو موضح في الجزء الثالث في مباحث الوكالة، ولا شك أن عقد النكاح من الأمور التي تصح النيابة في مباشرتها، فيصح لكل من يملك تولي عقد الزواج أن يوكل غيره فيه على تفصيل في المذاهب (١) الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: للمرأة البالغة بكراً كانت أو ثيباً أن توكل غيرها في مباشرة العقد. وكذلكследующие страницы →