Полный текст (2 230 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ثالثها: أن يشترط أهلها بقاءها بينهم سنة عند العقد، إذا كان الزوج يريد أن يسافر بها بعيداً عنهم كي يتمتعوا بمشاهدتها قبل تغريبها عنهم، فإنه يعمل الشرط، وتبقى سنة بينهم بدون أن يدخل بها، ولو دفع لها مقدم الصداق، ولكنها لا تستحق النفقة في هذه السنة على الظاهر.
ومثل ذلك ما إذا اشترط أهلها عند العقد بقاءها سنة لصغيرها وإن كانت مطيقة للوطء، فإذا لم تشترط السنة في العقد، بل اشترطت بعده، فغن الشرط لا يصح وله جبرها على الدخول متى دفع لها مقدم الصداق والعقد صحيح، وكذا يبطل الشرط إذا اشترط أكثر من السنة.
رابعها: أن تبقى زمناً يجهز فيه مثلها، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس من غنى وفقر، وباختلاف الزمان. والمكان. ولا نفقة لها في مدة بقائها عند أهلها للجهاز، فإذا حلف الزوج ليدخلن ليلة كذا فيقضى له بذلك، فإن حلف هو وحلفت الزوجة لا يدخل حتى يتم أمر جهازها، فينبغي أن يحنث الزوج، لأن الدخول وإن كان من حقه، ولكن الشارع جعل له وقتاً، فلا يصح أن يتعداه، وأصبح هذا الوقت الذي تجهز فيه من حقها هي، والظاهر أن للزوجة التمسك بحقها ولو حلف بالطلاق، هذا وليس لها الحق في منع نفسها بسبب حيض. أو نفاس لأن المرأة قد يستمع بها زوجها بغير الوطء.
الحنفية - قالوا: إن لمنع المرأة نفسها عن الدخول. والوطء. وغيرهما حالتين:
الحالة الأولى: أن يبين مقدار المعجل في الصداق، سواء كان كله، أو بعضه كأن يقول لها: تزوجتك على خمسين جنيهاً معجلة، أو نصفها معجل، ونصفها مؤجل، وفي هذه الحالة يجب على الزوج أن يسلمها المعجل كاملاً، فإن لم يسلمها سقطت حقوقه المقررة له بعقد الزواج، إذ لها أن تمنع نفسها عن الدخول والوطء، ولو كانت في بيته، وليس له عليها حق الحجر، إذ لها أن تخرج من بيته بغير إذنه، ولها أن تسافر من جهة إلى بغير إذنه، ولها أن تحج حج التطوع بغير إذنه أما حج الفرض فلها أن تحجه مع محرم ولو بغير إذنه بعد قبض المهر، ومع هذا كان لها عليه النفقة، فإذا أعطاها المعجل بتمامه وجب عليها أن تسلم له نفسها، ولا تخرج من داره بغير إذنه إلا في أحوال مخصوصة اختلف فيها: منها أن تخرج لخدمة أحد أبويها المريض إذا كان في حاجة إلى خدمتها ولو كان غير مسلم سواء أذن لها زوجها، أولم يأذن. ومنها أن تخرج لزيارة أبويها الغنيين عن خدمتها كل جمعة مرة بشرط أن يكونا غير قادرين على المجيء إليها، فإن كانا قادرين على المجيء وطلبت من الزوج زيارتها، فإنه ينبغي له أن يأذن لها في زيارتها من الوقت لآخر حسب المتعارف، ولا يصح أن يحجر عليها بما يخالف العرف. ومنها أن تخرج لحج الفريضة، سواء أذن. أو لم يأذن، كما قلنا، فإذا خرجت تحج بدون محرم من غير إذنه سقطت نفقتها.
وقد اعترض بأن النفقة وجبت للزوجة في نظير احتباسها وقصرها على الزوج، ومقتضى هذا أنها تسقط إذا سافرت، أو خرجت بدون إذنه مطلقاً، سواء دفع لها معجل الصداق أولا.стр. 1437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وأجيب بأن الاحتباس حق للزوج، والنفقة حق للزوجة، وقد ناط الشارع حق الزوج في الاحتباس بدفع الصداق، فإذا قصر في دفع الصداق فقد أسق حقه وصارت الزوجة في حكم المحبوسة في نظر الشارع، فلا تنقطع نفقتها، أما إذا دفع ما عليه وخرجت بدون إذنه سقطت نفقتها لأنها لم تكن محبوسة عليه، لا حقيقة ولا حكماً، ونظير ذلك ما إذا أخرجها من منزله فإن نفقتها لا تسقط لأنها في حكم المحبوسة التي لم تخرج. ومنها أن تخرج للاستفتاء في مسألة دينية إذا لم يسأل لها زوجها عنها، سواء أذن لها أو لم يأذن، وبعضهم يقول: متى قبضت المعجل بتمامه، فليس لها أن تخرج من داره إلا بإذنه، والرأي الأول أقوى. إلا إذا ترتب على خروجها فتنة، فإنه لا يجوز مطلقاً. حتى ولو أذن لها، وإذا دفع لها بعض المعجل وبقي بعضه فإنه لم يسقط شيئاً من حقها، ولو بقي لها قرش واحد، وليس له أن يسترد بعض المعجل الذي أعطاه إياها.
الحالة الثانية: أن يؤجل الصداق، كأن يتزوجها على مائة جنيه كلها مؤجلة إلى حلول موسم القطن مثلاً، وفي هذه الحالة لا يخلو إما أن يشترط الدخول فبل حلول الأجل. أو لا يشترط، فإن اشترط لم يكن لها الحق في منع نفسها باتفاق، وإن لم يشترط فقد اختلفت في ذلك الفتوى، فأفتى بعضهم بأنها ليس لها منع نفسها لا قبل حلول الأجل ولا بعده، حتى ولو أجلته بعد العقد، وأفتى بعضهم بأن لها منع نفسها استحساناً مادام لم يدفع لها صداقها. لأنه لما رضي بتأجيل المهر فقد رضي بسقوط حقه في الاستمتاع، والرأي الثاني أقوى من الأول.
هذا، وإذا أحالت الزوجة رجلاً على زوجها بما لها من المهر كان لها منع نفسها حتى يقبض من أحالته، وإذا أحالها الزوج على شخص ورضيت، فليس لها أن تمنع نفسها، سواء قبضت أو لم تقبض.
واعلم أن تسليم المهر مقدم على تسليم المرأة، فليس للرجل أن يقول: لا أسلم المهر حتى أتسلم الزوجة، لا فرق في ذلك بين أن يكون المهر عيناً. أو لا، بخلاف البيع. فإنه إذا كان الثمن عيناً وجب تسليمهما معاً، وإذا خاف الزوج من أن الأب يأخذ المهر ولا يسلم بنته، فإن الأب يؤمر بجعلها مهيأة للدخول، ثم يقبض المهر.
وبهذا تعلم أنه لا جزاء للزوج على عدم دفع الصداق إلا حرمانه من الحقوق المترتبة على العقد من الدخول. والخلوة. والوطء والتقيد بإذنه في الخروج والسفر، لا فرق بين أن يكون موسراً أو معسراً، خلافاً لما عرفت في مذهب المالكية بأن القاضي يطلق عليه إذا ثبت عجزه عن الصداق، فإذا دفع الزوج جميع الصداق كان له الحق في طلب تسليمها إليه، فإن أبت فإنها تجبر على التسليم، إلا في حالتين:
الحالة الأولى: أن تكون صغيرة لا تطيق الوطء، وفي هذه الحالة يجبر الزوج على تسليم مقدم الصداق دونها، فإن ادعى أنها تطيق الرجال. وادعى الولي غير ذلك فللقاضي أن يعرضها على أهل الخبرة من النساء.стр. 1438
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الحالة الثانية: أن تكون بالغة، ولكنها لا تحتمل الوطء أيضاً لمرض شديد ونحوه.
خاتمة في تصرف الصبي بدون إذن وليه: وإذا تزوج صبي امرأة ودخل بها ولم يجز أبوه لا مهر عليه ولا عقر، وإذا زنى بامرأة وهي نائمة لا شيء عليه أيضاً إذا كانت ثيباً وكذا إذا زنى ببكر بالغة دعته لنفسها وأزال بكارتها فإنه لا حد عليه. ولا عقر، أما إذا كانت بكراً فأزال بكارتها كان عليه مهر المثل، وكذا إذا أكرهها وأزال بكارتها. أو كانت صغيرة وأزال بكارتها حتى ولو دعته الصغيرة. لأن أمر الصغيرة لا قيمة له.
الشافعية - قالوا: للزوجة أن تمنع نفسها عن الزوج إذا لم تقبض مقدم صداقها بتمامه، وكذا لوليها منعها، وإذا منعت نفسها. أو منعها وليها استحقت النفقة. ونحوها وجوباً، لأن التقصير جاء من جانب الزوج لا فرق بين أن يكون المهر معيناً. أو حالاً. أما إذا كان الصداق مؤجلاً فليس لها أن تمنع نفسها، سواء حل الأجل قبل تسليم نفسها. أو لا. لأنها متى رضيت بالتأجيل فقد وجب عليها أن تسلم نفسها فوراً، فحلول الأجل لا يرفع الوجوب، فإن كانت صغيرة. أو مجنونة منعها وليها.
ولا يجب تقدم تسليم المهر على الدخول، فإذا وقع نزاع بين الزوجين، فقال الزوج: لا أسلم المهر حتى تسلمي نفسك، وقالت: لا أسلم نفسي حتى تسلم المهر يجبر الزوج على وضع المهر عند عدل يعتبر نائباً عن الشرع لقطع الخصومة بينهما، لا نائباً عن واحد منهما، ولو هلك في يد العدل كان على الزوج، وتجبر المرأة فتؤمر بتمكين الزوج من نفسها فإذا مكنته أعطاها العدل المهر ولو لم يطأها، فإن هم الزوج بوطئها بعد قبضها الصداق فامتنعت يسترد المهر منها، فإذا مكنته من نفسها ولكن كان بها عيب يمنع الوطء، كرتق، وقرن. أعطاها العدل المهر، فمدار تسليمها المهر تمكين الزوج، وإذا لم يقع تنازع من أول الأمر، بل بادرت الزوجة ومكنته من نفسها، فلها المطالبة بالمهر قبل الوطء، فإن لم يعطها كان لها الحق في الامتناع من الوطء، أما إذا مكنته فوطئها، ولو في الدبر باختيارها وطالبته بعد الوطء فلم يعطها، فليس لها الحق في الامتناع من الوطء، بعد ذلك، أما إذا وطئها مكرهة، أو صغيرة، أو مجنونة فلا يسقط حقها في الامتناع بالوطء، فإذا كانت المرأة رتقاء أو قرناء ومكنته، فإن استمتع بها في غير القبل - قبل أن تأخذ المهر - باختيارها فلا حق لها، وإلا كان حكمها حكم السليمة، لأن الاستمتاع بغير القبل قي هذه الحالة يقوم مقام الاستمتاع به، فإذا زال مرضها لا يعود لها حقها في المنع على الظاهر.
أما إذا وقعت المبادرة من الزوج فسلمها المهر بلا نزاع فإنها يلزمها أن تمكنه من الدخول بها متى طلبه، فإن امتنعت، ولو بلا عذر فلا حق له في أن يسترد ما أعطاه إياها.
فإن قلت: إنكم قلتم في الصورة الأولى - ما إذا بادرت هي بتسليم نفسها إن لها الحق في المطالبة بعد التمكين وقبل الوطء، فإذا لم يعطها كان لها لاحق في الامتناع، وهنا قلتم: إنه إذا بادر وسلم وامتنعت لا حق له في أن يسترد المهر، فأي فرق بين الصورتين؟стр. 1439
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) والجواب: أنها في الصورة الأولى وقع منها تسليم لنفسها، ولكن لم يقع من الزوج تسلم بالوطء، أما في الصورة الثانية فقد وقع تسليم من الزوج وتسليم من الزوجة فلذا صار الصداق المملوك لها في حوزتها فليس له طلب رده، ولذا قلنا: إذا وقع منه هو تسلم بالوطء لم يكن لها حق في المنع بعد ذلك، ولكن بعد تسليم المهر له الحق في المطالبة بها هي ولها الحق في الإمهال في أمور.
أحدها: المهلة للتنظيف، فإذا طلبت هي، أو وليها مهلة لذلك وجب أن تمهل ثلاثة أيام، فإن رضي بها الزوج فذاك، وإلا يقدرها القاضي. ثانيها: إذا كانت صغيرة لا تطيق الوطء فتمهل حتى تطيق، فإن ادعى الزوج أنها صارت تطيق وقال الولي: لا، عرضت على أربع نسوة أو على رجلين محرمين أو مجبوبين للفصل في أنها تطيق أو لا. على أن الشافعية قد ذكروا - في التيمم وغيره - أنه يعمل برأي الطبيب العدل، فلا مانع من العمل برأي طبيبين ومع ذلك فإن التصريح بجواز حكم أربع نسوة غير طبيبات يدل على أن رأي الطبيبات أجل وأقوى، ولا نفقة لها مدة عدم الإطاقة. ثالثها: أن تكون مريضة فتمهل وجوباً حتى تبرأ ولا نفقة لها. رابعاً: أن تكون ذات هزال عارض، فيجب أن ينتظر زواله، ولا نفقة لها أيضاً أما الهزال الطبيعي فإنه لا يكلف انتظار زواله، لأنه قد يطول، ولا تتضرر الهزيلة من الدخول.
وحبذا لو وكل أمر الفصل في ذلك للطبيب العادل. أو الطبيبات الصالحات. مادامت العلة الضرر إذ قد يجوز أن يكون الدخول من أسباب الصحة، ولكنني لم أره في كتب الشافعية. وقد صرحوا بأنه يكون للزوج أن يستلم الزوجة وهي صغيرة لا تطيق، أو مريضة، أو ذات هزال عارض ولعل السر في اشمئزاز الزوج ونفرته من أول الأمر، فلا توجد بينهما المودة والرحمة، وهما الأساس الذي تبنى عليه علاقة الزوجية.
الحنابلة - قالوا: للزوجة قبل الدخول أن تمنع نفسها من الدخول. والخلوة. والوطء وغير ذلك من حقوق الزوجة حتى تقبض مقدم صداقها. ولها النفقة قبل قبض الصداق في حال المنع، أما بعد القبض فليس لها منع نفسها، وتسقط نفقتها بالمنع، فإن سلمت نفسها طوعاً لا كرهاً قبل أن تقبض مقدم الصداق ثم أرادت أن تمنع نفسها لم تملك، فإن امتنعت بعد تسليم نفسها طوعاً، فلا نفقة لها مدة الامتناع، وإذا سكنت معه في منزل واحد بعد العقد. فلم يطلبها ولم تبذل نفسها، فلا نفقة لها أيضاً، كما سيأتي في النفقة.
فإن كان الصداق مؤجلاً ولم يحل موعد الأجل أو حل قبل تسليم نفسها، فلا تملك منع نفسها بعد ذلك، كما يقول الشافعية، وذلك لأن رضاها بالتأجيل أوجب عليها تسليم نفسها، فحلول الأجل قبل التسليم لا يرفع الوجوب.
وإذا تنازعا قبل الدخول في أيهما يبدأ، فقال الزوج: لا أعطيها المهر حتى تسلم نفسها وقالت الزوجة: لا أسلم نفسي حتى يعطيني الصداق أجبر الزوج أولاً على الدفع، وأجبرت الزوجة بعد القبض على تسليم نفسها، فإذا أعطاها الصداق وأبت تسليم نفسها بلا عذر فللزوج استرجاعه. خلافاًстр. 1440
مبحث إذا عجز الزوج عن دفع الصداق
-إذا عجز الزوج عن دفع مقدم الصداق، كان للزوج الحق في طلب فسخ العقد بشروط مفصلة في المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: إذا عجز الزوج عن دفع المهر، أو النفقة بجميع أنواعها، فلا حق للزوجة في فسخ الزواج بذلك على أي حال، وإنما لها الحق في منع نفسها منه، وعدم التقيد بإذنه في السفر والخروج. ونحو ذلك، مما سيأتي بيانه في النفقات.
المالكية - قالوا: إذا طالبته المرأة التي لها حق المطالبة بالصداق الذي يجوز تأخيره، وهو الصداق المضمون في الذمة الذي لم يعين، على ما تقدم بيانه، قبل الدخول بها، فادعى أنه معدم عاجز عن دفع الصداق، فإن ذلك يكون على وجهين:
الوجه الأول: أن تثبت دعواه بالبينة. أو تصديق الزوجة. الوجه الثاني: أن لا تثبت، فإذا رفع الأمر للقاضي وثبت أنه معسر بالبينة. أو بتصديقها فإنه لا يجبر على الدفع، بل ينظر إلى ميسرة، وتحديد الزمن الذي يؤجل فيه موكول لاجتهاد القاضي، فله أن يؤجله سنة. أو أقل. أو أكثر، لا فرق في ذلك بين أن يكون الزوج ممن يرجى يساره. أو لا على الصحيح. لأن اليسار موكول للظروف، فلا يمكن الجزم بأن هذا لا يرجى له يسار، فإذا عجز بعد ذلك طلق القاضي عليه أو تطلق المرأة نفسهاстр. 1441
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) والقاضي يحكم به. وللقاضي أن يحكم بطلاقها من أول جلسة بدون تأجيل على الظاهر، ويشترط في التطليق على المعسر أن يكون قبل الدخول، أما بعد الدخول فلا طلاق على المعسر بالصداق على أي حال، وإذا طلقت كان لها نصف الصداق ترجع به عليه إذا تيسر، وكذا إذا غلب على الظن إعسار الزوج وإن لم يثبت بينة. أو بتصديق الزوجة فإنه ينتظر إلى ميسرة بدون تأجيل لاثبات العسر، لأن غلبة الظن كافية في ثبوت الإعسار.
أما حكم الوجه الثاني: وهو أن لا تصدقه على دعواه الإعسار. ولا بينة له ولم يغلب على الظن إعساره، ففي هذه الحالة يؤجل القاضي الفصل في الدعوى لإثبات عسره، ومدة الأجل موكولة لاجتهاده، وقدرت بثلاثة أسابيع، فإن ثبت عسره انتظر بعد ذلك مدة أخرى يرجى فيها يساره.
وقد عرفت أن تحديدها موكول للقاضي، فإن عجز طلق عليه القاضي، على الوجه السابق ولكن يشترط للتأجيل لإثبات العسر شروط.
الشرط الأول: أن يأتي بضامن - ضمان وجه لا ضمان مال، وهو ما يضمن الشخص خوف هروبه - فإن لم يأت حبس لإثبات عسره.
الشرط الثاني: أن لا يكون له مال ظاهر، فإن كان له أخذ منه حالاً. الشرط الثالث: أن يكون قد أجرى عليها النفقة من وقت مطالبته بالدخول، فإن لم ينفق عليها من ذلك الحين، فلها فسخ العقد لعدم النفقة، مع عدم الصداق على الراجح.
الشافعية - قالوا: إذا عجز الزوج عن دفع المهر بإعساره، فإن صبرت الزوجة عليه فذاك وإلا فلها فسخ الزواج بشروط:
الأول: أن تكون حرة، فلا حق للأمة في الفسخ بإعسار الزوج، بل الحق في ذلك لسيدها إن شاء فسخ. وإن شاء لم يفسخ، وليس له الحق في الفسخ، من أجل الإعسار بالنفقة، كما سيأتي في النفقات. الثاني: أن تكون بالغة، فلا حق للصغيرة في الفسخ، وإنما الحق لوليها، وليس لها الحق في الفسخ بالنفقة، لأن ذلك من اختصاص الزوجة، إذ قد ترضى بالجوع ولا تحب أن تفارق زوجها. الثالث: أن يكون ذلك قبل الوطء، أما إذا مكنته من الوطء باختيارها، فلا حق لها في الفسخ. الرابع: أن يثبت إعساره بإقرار. أو بينة عند قاض، وإلا فلا فسخ إلا إذا كان الزوج غائباً وانقطع خبره ولا مال له حاضر، فإنه يفسخ بدون إمهال لإثبات إعساره. الخامس: لا بد من رفع الأمر إلى القاضي، فلا يصح الفسخ إلا منه. أو من المرأة بإذنه، والقاضي يمهله ثلاثة أيام ليثبت إعساره، وإلا إذا كان غائباً غيبة منقطعة، ولا مال له، كما ذكرنا، فإنه لا يمهل. ثم يفسخ القاضي صبيحة اليوم الرابع، إلا إذا جاء وسلم المهر، وسيأتي لذلك مزيد في النفقات.
الحنابلة - قالوا: إذا ثبت إعسار الزوج. وعدم قدرته على دفع المهر، فلها فسخ النكاح بشروط: أحدها أن تكون مكلفة، فإذا كانت صغيرة فليس لها ذلك، وكذا ليس لوليها، خلافاً للشافعية، ومثلстр. 1442
مبحث للزوج أن يسافر بزوجته
-للزوج أن يسافر بزوجته من جهة إلى أخرى، إذا كان مأموناً عليها، وكانت الجهة التي يسافر إليها مأمونة، على تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: اختلفت الفتوى في مسألة سفر الزوج بزوجته، فأفتى بعضهم بأنه ليس له السفر بها مطلقاً، وعلل ذلك بمظنة الضرر الذي يلحق المرأة حال غربتها وبعدها عن أهلها وعشيرتها، وأفتى بعضهم بجواز السفر بها إذا كان مأموناً عليها. وصاحب هذه الفتوى أيدها بكونها ظاهرة الرواية.
وبعضهم قال: أن الأحوال قد تختلف اختلافاً بيناً، فتارة يترتب على السفر بالمرأة إيذاء لها، وتارة يكون السفر مع زوجها لازماً لضروريات الحياة، كما إذا كان موظفاً في جهة بعيدة عن وطنها. أو كان له ملك بعيد لا يثمر إلا بمباشرته. أو نحو ذلك، فإنها إذا لم تسافر معه يتضرر هو لا هي، ولهذا ينبغي أن يترك تقدير ذلك للمفتي، فهو يفتي بحسب تطور الأحوال ومناسبتها.
وإنني أرى الخلاف في ذلك لفظاً، لأن الذي قال: ليس له السفر بها علله بالمضرة التي تلحقها، والذي قال: إنه يجوز السفر بها شرطه بأن يكون الرجل مأموناً عليها، يعرف حقوق الزوجية وواجباتها والدفاع عن عرضه، وليس شريراً. ولا فاسد الأخلاق. ولا فاسقاً، وإلا لم يكن مأموناً عليها، ومتى كان كذلك فأي ضرر يلحقها؟ فلا فرق حينئذ بين القولين، ومن قال: إن الأمر موكول للمفتي. أو القاضي، فإنه رأى أن تقدير الحالتين منوط به، فإن وجده غير مأمون ويلحقها ضرر لا يجوز أن يفتي له بالسفر، وإلا جاز، على أن وجود المرأة بين أهلها وعشيرتها لا يصلح مقياساً عاماً، لأننا إذا فرضنا أن المرأة ليس لها أهل وعشيرة في بلدها التي ولدت بها، ولها أهل وعشيرة في بلد بعيدة عنها، كما إذا كانت مولد في مصر وتوفي أبوها، ولها عشيرة في أصوان، فهل يقال: إنه ينبغي أن يعاشرها بين أهلها وعشيرتها في أصوان؟! وذلك كثير، نعم قد قال: إذا كانت في مصر ونقلت إلى قرية فإنها تتضرر بالنقل، لما يترتب على ذلك من اختلاف معيشتها، فتعيش منغصة زمناً طويلاً، لأن الانتقال من المظاهر الجميلة إلى غيرها يشبه أن يكون حبساً، فلذا قالوا: إنه لا ينقلها من المصر إلى قرية إلا إذا كانت ضاحية من ضواحي المصر، ومعنى هذا أنه إذا نقلها إلى بلدة بها حضارة، كالمراكز، المديريات، فلا وجه للاعتراض، على أن الصواب الإفتاء بالسفر مطلقاً من المصر إلى القرية، وبالعكس، ما دام في ذلك مصلحة، وما الزوج مأموناً عليها، والجهة المنقولة إليها مستتب فيها الأمن، أما إذا كان الزوج فاسقاً لا يؤمن على عرضه. أو كان شريراً يؤذيها بيده ولسانه.
أو يضيق عليهاстр. 1443
مبحث اختلاف الزوجين في الصداق
-إذا اختلف الزوجان في الصداق تنازعا، فلا يخلو إما أن يكون الاختلاف في تسمية المهر، بأن يدعي أحدهما أن المهر مسمى، ويدعي الآخر عكسه، أو في قدر المهر، سواء كان نقداً أو مكيلاً، أو موزوناً. بأن قال أحدهما: عشرون، وقال الآخر: عشرة، أو في جنسه، كأن قال
الحواشي
(١) في الإنفاق، أو نحو ذلك، فإنه لا يصح أن يفتى له بسفرها وليس من المصلحة اتباع الهوى والشهوة، وترك المصلحة الحقيقية التي يترتب عليها سعادة الزوجين والذرية.
المالكية - قالوا: للزوج أن يسافر بزوجته إلى الجهة التي يريد، سواء دخل بها، أو لم يدخل، ولكن إذا لم يكن قد أعطى لها صداقها، وأراد أن يخرج بها قبل الدخول، فلها منع نفسها من السفر معه حتى يعطيها ما حل من صداقها، إن كان قد دخل بها، فإن كان موسراً، فلها أيضاً منع نفسها حتى يدفع لها معجل صداقها، أما إن كان معدماً لا يملك الصداق، لها أن تمنع نفسها، ويكون الصداق ديناً عليه، هذا إذا دخل بها تمكنه من الوطء، أما إذا مكنته من الوطء، فليس لها أن تمنع نفسها من السفر معه بعد ذلك، سواء وطئها بالفعل، أولا. وسواء كان موسراً، أو معسراً. وهذا هو الظاهر.
وقد صرحوا بأن التمكين من الوطء مثل الوطء، ثم إنما يصح أن يسافر بها إلى بلد أخرى بشروط: أحدهما أن يكون حراً، فلا يمكن العبد من السفر بامرأته، ولو أمة. ثانيها: أن تكون الطريق مأمونة. ثالثاً: أن يكون الرجل مأموناً عليها، رابعها: أن تكون البلد قريبة بحيث لا ينقطع خبر أهلها عنها ولا خبرها عن أهلها، لا فرق في ذلك بين أن يكون الزوج موسراً أو معسراً.
الحنابلة - قالوا: للزوج السفر بزوجته الحرة إلى الجهة التي يريد بشرط أن يكون مأموناً عليها. وأن تكون الجهة التي يسافر إليها غير مخوفة لم تشترط الزوجة عدم السفر بها، فإن اشترطت فإنه يوفي لها بالشرط. وإن لم يوف لها الشرط كان لها الفسخ.
الشافعية - قالوا: للزوج أن يسافر بزوجته متى كان مأموناً عليها، وإذا امتنعت عن السفر معه كانت ناشزاً لا تستحق نفقة ولا غيرها، إلا إذا كانت معذورة لمرض، أو حر، أو برد لا يطيق معهما السفر، أو ضرر يلحقها بالسفر معه، ولو كان سفره معصية. لأنه لم يدعها إلى المعصية وإنما يدعوها لاستيفاء حقه) .стр. 1444
أحدهما: جمال، وقال الآخر: حمير، والمراد بالجنس عند الفقهاء الجنس اللغوي. فيشمل النوع لأن الجمال والحمير نوعان للحيوان، وإذا شئت مثالاً لاختلاف الجنس المنطقي فهو أن يقول أحدهما: إن المهر طعام. ويقول الآخر: إنه حيوان. أو اختلفا في صفته. كأن قال أحدهما: هو قمح أسترالي. وقال الآخر: هو قمح هندي. أو اختلفا فيما يستقر به الصداق. كأن قالت الزوجة: إنه خلا بها، أو وطئها. وفي كل هذا تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: الاختلاف في المهر على ثلاثة أحوال: الحال الأول: أن يختلفا في تسمية المهر بأن يدعي أحدهما تسمية المهر. وينكر الآخر. وفي ذلك صور. الصورة الأولى: أن يختلفا وهما على قيد الحياة حال الطلاق بعد الدخول. أو الخلوة. فإذا قال الزوج: سميت لها عشرة جنيهات مثلاً. وقالت هي: لم يسم لي مهراً كلف الزوج الإثبات. فإن عجز حلفت الزوجة بأنه لم يسم لها عشرة. وثبت لها مهر المثل شرط أن لا ينقص عن العشرة التي اعترف بها الزوج. وكذا إذا ادعت هي أنه سمى لها عشرين. وهو أنكر فإنها تكلف الإثبات. فإذا عجزت حلف الرجل بأنه لم يسم لها عشرين. فإن حلف ثبت لها مهر المثل. بشرط أن لا يزيد على العشرين التي ادعتها. وإن نكلت عن اليمين في الصورة الأولى. أو نكل هو عن اليمين في الثانية ثبت ما ادعاه أحدهما.
فإن قلت: إن المنقول عن أبي حنيفة أن المنكر لا يحلف في النكاح، ومقتضى هذا أنه متى عجز المدعي عن الإثبات ثبت حق المنكر بدون يمينه. والجواب: أن أبا حنيفة قال: لا يحلف المنكر في أصل النكاح، سواء كان المراد به العقد، أو الوطء. أما الذي هنا فهو خلاف في المهر وهو مال فيه الحلف بالإجماع.
الصورة الثانية: أن يختلفا في حياتهما حال الطلاق قبل الدخول، أو الخلوة. وفي هذه الصورة إذا ثبت أن المرأة لم يسم لها صداق بأن عجزت عن إثبات التسمية وحلف أنه لم يسم لها شيئاً لم يكن لها سوى متعة المثل، وقد تقدم بيانها.
الصورة الثالثة: أن يقع الخلاف بعد موت أحدهما، فإذا ماتت هي وادعى الزوج أنه سمى لها عشرة، وأنكر الوارث كلف المدعي الإثبات، فإن عجز حلف الوارث، وثبت لها مهر المثل، كما هو الحال في الطلاق بعد الدخول، وكذا إذا مات الزوج وادعت هي التسمية.
الصورة الرابعة: أن يموتا معاً، ويختلف الورثة في التسمية، وفي هذه الصورة رأيان: أحدهما: قول أبي حنيفة، وهو - أن القول لمنكر التسمية، ولا يقضي لها بشيء - الثاني: قول صاحبيه، وهو - أنه يقضى لها بمهر المثل - قالوا: وعليه الفتوى.
الحال الثاني: أن يختلفا في قدر الصداق إذا كان ديناً موصوفاً في الذمة، سواء كان نقداً من ذهب. أو فضة. دراهم. أو دنانير. أو جنيهات. أو نحو ذلك. أو كان مكيلاً أو موزوناً. أو معدوداً، فمثال الاختلاف في النقد أن يقول الزوج: أن المهر ألف، وتقول الزوجة: أنه ألفان، ومثال الاختلاف في الموزون أن يقول: إن المهر عشرون قنطاراً من عسل النحل المصفى، وتقول هي: إنه ثلاثون، ومثال الاختلاف في المعدود أن يقول: تزوجتك على عشرين إردَبّاً من القمح البعلي، وتقول هي علىстр. 1445
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ثلاثين، ومثال الاختلاف في المعدود أن يقول: تزوجتك على ألفين من الرمان، وتقول هي: بل على أربعة آلاف، وهذا، وحكم الاختلاف في قدر المهر في كل هذه الأمور واحد، وفي هذا الحال الثاني صور:
الصورة الأولى: أن يقع الخلف بينهما حال قيام الزوجية، سواء دخل بها أو لم يدخل.
الصورة الثانية: أن يقع الخلف بينهما بعد الطلاق والدخول، وحكم هاتين الصورتين واحد، فإذا اختلفا قدر النقد، كأن قال: تزوجتها على مهر قدره ألف وهي قالت: قدره ألفين. فإن لذلك ثلاثة أحوال: الأول أن يكون مهر المثل موافقاً لقولها. الثاني: أن يكون موافقاً لقوله. الثالث: أن لا يكون موافقاً لقول واحد منهما، بل ألفاً وخمسمائة، وقد عرفت أنها تقول: ألفين، وهو يقول: ألف، وحكم الأول، وهو - ما إذا كان مهر المثل موافقاً لقولها - أن القول يكون لها بعد أن تحلف اليمين، بمعنى أنها تحلف أنه ما تزوجها على ألف، كما يدعي، وتستحق الألفين، فإن نكلت عن اليمين كان لها الألف التي ادعاها، فإن أقامت بينة على دعواها قبلت منها وقضي لها بها، وإن أقام هو بينة على دعواه الألف فقط قبلت منه أيضاً، ولكن في هذه الحالة تقدم بينة الزوج على بينتها، وذلك لأن الظاهر معها، وهو أن مهر مثلها موافق لدعواها، والزوج يريد أن يثبت خلاف الظاهر وأنها رضيت بالألف التي هي دون مثلها. فتتقدم ببينة، وحكم الثاني وهو - ما إذا كان مهر المثل موفقاً لقوله - أن القول قوله بيمنه بأن يحلف ما تزوجها على ألفين، ويقضى لها بالألف، فإن نكل عن اليمين قضي لها بالألفين، وأيهما جاء ببينه تسمع. إلا أن بينتها في هذه الحالة تقدم على بينته. عكس الأولى، لأن الظاهر مع الزوج، والبينة تثبت خلاف الظاهر، وحكم الثالث، هو - ما إذا كان صداق مثلها مخالفاً لهما معاً، كأن كان ألفاً وخمسمائة - أنهما يتحالفان. بأن يحلف كل منهما، فيحلف الزوج أنه ما تزوجها على ألفين، وتحلف هي أنه ما تزوجها على ألف بل ألفين، فأيهما نكل عن اليمين لزمته دعوى الآخر، وقيل: إن نكل الزوج لزمته ألف وخمسمائة. وهو صداق المثل.
والأول أظهر، وإن حلفا معاً قضي بمهر المثل، وهو ألف وخمسمائة، وإذا أقام أحدهما بينه على دعواه قبلت فإن أقام كل منهما بينه شهدت له قضي بمهر المثل، وهو ألف وخمسمائة.
وحاصل ذلك أنه إذا لم تكن لأحدهما بينة تثبت دعواه تحالفا، فإن حلف أحدهما، ونكل الآخر قضى بدعوى الحالف. وإن حلفا معاً قضي بمهر المثل، وإن أقاما بينة معاً قضي بمهر المثل.
ويجري هذا التفصيل بعينه فيما إذا اختلف في عين مكيلة. أو موزونة. أو معدودة.
الصورة الثالثة: أن يختلفا بعد الطلاق وقبل الدخول، وفي هذه الحالة لا يخلو إما أن يكون الصداق المختلف فيه معيناً حاضراً، كهذا الحيوان، وأما أن يكون ديناً موصوفاً في الذمة كالنقود. والمكيلات، والمعدودات والموزونات التي تقدم ذكرها، فإن كان معيناً ورضي الزوج بإعطائها نصفه فذاك، وإلا فلها المتعة اللائقة بها - بدون تحكيم - متعة المثل، وإن كان ديناً فلها المتعة - بتحكيم - متعة المثل، هذا إذا لم تستطع إثبات دعواها بالبينة، وإلا فلها نصف الصداق الذي تثبته.стр. 1446
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الصورة الرابعة: أن يموت أحدهما ويقع الخلاف بين الآخر والوارث في الصداق، وحكم هذا حكم الاختلاف في حال الحياة بلا فرق.
الصورة الخامسة: أن يموت الزوجان، ويقع بين الخلاف بين الورثة في مقدار المسمى، وحكم هذه الصورة أن القول لورثة الزوج.
الحال الثالث: أن يختلفا في جنس المسمى، كأن يقول: تزوجتك على عشرين إردَبّاً من الشعير، وهي تقول: بل من القمح، أو يقول: تزوجتك على هذا الثور، وهي تقول: بل على هذه البقرة الحلوب. أو نحو هذا.
الحال الرابع: أن يختلفا في وصفه، كأن يقول: إنه قمح غير جيد، وهي تقول: إنه جيد، أو يختلفا في نوعه، كأن تقول: قمح بعلي، وهو يقول: أسترالي، وفي هذه الحالة إذا كان الصداق معيناً، كهذا الثوب. أو هذه الصبرة من القمح، واختلفا، وقالت: تزوجتك على هذا الثوب بشرط أنه عشرون ذراعاً، ولكنه نقص، أو على هذه الصبرة من القمح بشرط أن تكون من القمح البعلي، فإن القول في هذه الحالة للزوج بدون يمين. أو تحكيم مهر المثل بالإجماع، أما إذا كان الصادق ديناً موصوفاً في الذمة، فالاختلاف في جنسه أو نوعه أو صفته يكون حكمه حكم الاختلاف في أصله.
المالكية - قالوا: التنازع في الصداق له ثلاثة أحوال.
الأول: أن يختلفا قبل الدخول. وقبل الفراق بطلاق. أو موت، وفيه ثلاثة صور:
الصورة الأولى: أن يختلفا في قدر المهر، ولا إثبات مع أحدهما، كأن يقول: عشرة، وتقول هي عشرين.
الصورة الثانية: أن يختلفا في صفته، بأن يقول أحدهما: جنيهات مصرية، ويقول الآخر: بل هي جنيهات - وبنتو - مثلاً، أو يقول أحدهما: قمح بعلي، ويقول الآخر: قمح هندي. وحكم هاتين الصورتين واحد، وهو أنهما يحلفان، فكل يحلف على ما ادعاه إن كانا رشيدين، وإلا حلف الولي، وبعد ذلك يفسخ النكاح بطلاق، ويقع ظاهراً، وباطناً، وكذا إذا نكلا معاً، فإنه يفسخ العقد بطلاق، أما إذا حلف أحدهما، ونكل الآخر، فإنه يقضى بدعوى الحالف، وتبدأ بالحلف الزوجة، هذا إذا كانت دعوى كل واحد منهما في القدر أو الوصف تشبه المعتاد المتعارف بين أهل بلديهما، أما إذا كانت دعوى أحدهما تشبه المتعارف، والآخر لا تشبه، فالقول لمن أشبه بيمينه، فإن نكل بعد توجيه اليمين عليه، حلف الآخر، ويقضى لمن حلف، ولا يفسخ.
الصورة الثالثة: أن يختلفا في الجنس، والمراد بالجنس الجنس اللغوي الذي يشمل النوع ومثال الأول أن يقول: تزوجتها على قمح، وهي تقول: بل تزوجني على خيل، ومثال الثاني أن يقول: تزوجتها على شياه، وهي تقول: بل تزوجني على نياق، فإن جنس النياق، والشياه واحد وهو الحيوان، ولكن النوع مختلف، فهما نوعان منطقيان، وجنسان لغويان، فإذا اختلفا في الجنس قبل الدخول فسخстр. 1447
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) النكاح مطلقاً، لا فرق في ذلك بين أن يحلفا معاً، أو يحلف أحدهما. أو يمتنعا عن الحلف. أو يشبها معاً. أو يشبه أحدهما الآخر، ما لم يرض أحدهما بقول الآخر، فإنه لا فسخ مع الرضا.
الحال الثاني: أن يختلفا بعد الدخول، وهما على قيد الحياة، سواء كان ذلك بعد الطلاق. أو قبله، وتحته صورتان:
الصورة الأولى: أن يختلفا في قدر الصداق. أو صفته، وليس مع أحدهما ما يثبت دعواه، وحكم هذه الصورة أن القول للزوج بيمينه، فإن نكل حلفت هي، وقضي بقولها، فإن نكلت أيضاً قضي له، ويعمل في هذه الصورة بقول الزوج، وإن لم يشبه المعتاد عند أهل البلد، وذلك لترجح قوله بتمكينها له من نفسها، خلافاً لمن قال: يعمل بقوله إن أشبه.
الصورة الثانية: أن يختلفا في جنس الصداق، وفي هذه الحالة يحلفان، فإن حلف أحدهما، ونكل الآخر قضي للحالف، وإن حلفا معاً. أو نكلا معاً لزم الزوج مهر المثل جميعه في هذه الحالة، لأن المفروض أنه دخل بها.
وحاصل هذه المسألة أن الخلاف في الجنس قبل الدخول. وقبل الطلاق. والموت يوجب فسخ النكاح مطلقاً، سواء حلفا أو حلف أحدهما، أو نكلا، وسواء أشبه قولهما، أو قول أحدهما أو لم يشبه، أما بعد الدخول فإنه يجب مهر المثل، على ما هو مبين، وأن الاختلاف في القدر والصفة قبل الدخول يوجب صدق قول من انفرد منهما، يكون قوله مشبهاً للمتعارف بيمينه، فإن أشبها معاً أو لم يشبها حلفا، وفسخ النكاح ما لم يرض واحد منهما، وان الاختلاف في القدر. أو الصفة بعد الدخول يوجب صدق الزوج بيمينه، ويشترط أن يكون مهر المثل مساوياً لما ادعته، فإن كان أكثر أعطيت ما ادعت. وكذا أن لا يكون أقل مما ادعاه الزوج.
الحال الثالث: أن يختلفا بعد الطلاق. أو يموت أحدهما، ويختلف الآخر مع الوارث. أو يموتا معاً ويقع النزاع بين الورثة، وحكم هذه الحالة كحكم الاختلاف بعد البناء، إلا أنه إذا كان النزاع بعد الطلاق قبل الدخول في الجنس، وتحالفا، فحلفا أو نكلا، وجب نصف مهر المثل لا جميعه.
هذا، ومتى رد الزوج مهر المثل ثبت النكاح حسناً حال الدخول، وحكماً حال الطلاق والموت بمعنى أن أحكامه ثبتت من إرث وغيرهما هو المعتمد.
الشافعية - قالوا: الاختلاف بين الزوجين. أو بين الزوج والولي. أو بين الوليين أو بين وكيل أحدهما أو بين وكيليهما أو بين أحد هؤلاء وبين الورثة إذا مات الآخر أو بين ورثتهما إذا ماتا معاً يكون على وجوه. أحدهما: أن يختلفا في أصل التسمية، كأن تدعي أنه لم يسم لها صداقاً، وهو ينكر ويدعي أنه قد سمى.
ثانيها: أن يختلفا في قدره، كأن تقول: تزوجني على مائة، وهو يقول: على خمسين.
ثالثها: أن يختلفا في جنسه، كأن تقول: تزوجني بمائة جنيه، وهو يقول: بمائة ريال.стр. 1448
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) رابعها: أن يختلفا في صفته، كأن تقول: تزوجني على عشرين إردَبّاً من القمح الجيد، وهو يقول: تزوجتها على عشرين رديئة، أو يختلفا في حلوله وتأجيله، كأن يقول: تزوجتها على مائة مؤجلة، وهي تقول: بل معجلة، وحكم هذه الصور جميعها واحد، سواء كان قبل الوطء، أو بعده، وهو أنه إذا وقع النزاع في صورة من هذه الصور، ولم يكن لأحدهما بينة تثبت مدعاه، أو كان لكل منهما بينة، ولكن تناقضتا، كأن أرخت إحداهما وأطلقت الأخرى، أو أطلقتا ولم تؤرخا، فإنه يجب أن يتحالفا، ويبدأ بالزوج. فإن نكل أحدهما قضي للآخر بدعواه.
وكيفية حلف الزوجين البالغين الرشيدين أن يحلفا على مدعاهما بطريق القطع، بأن تقول: والله ما تزوجني بمائة بل بمائتين، وهو يقول: والله ما تزوجتها بمائتين بل بمائة. أما الصغيرة، أو المجنونة فيحلف عنها وليها بطريق الجزم أيضاً، فإذا بلغت الصغيرة، أو برئت المجنونة، قبل الحلف حلفتاهما دون الولي، وإذا وقع الخلاف بين الولي وبين الزوج، وكانت الزوجة بكراً بالغة حلفت الزوجة دون الولي لأن المهر عائد إليها.
وكيفية حلف الوارث أن يحلف على نفي العلم، بأن يقول وارثه: والله لا أعلم أن مورثي تزوجها بخمسمائة كما تدعي، بل تزوجها بمائتين، ويقول وارثها: والله لا أعلم أن مورثتي تزوجها بمائتين كما يدعي، بل بخمسمائة.
وكيفية حلف الولي أن يحلف بأن عقده وقع على خمسمائة لا على مائتين، فهو يحلف على الفعل الصادر منه، ويثبت المهر للزوجة ضمناً فلا يرد لأن الشخص لا يستحق شيئاً بيمين غيره فكيف تستحق المهر بيمين وليها؟! والجواب أنه لم يحلف على أن موليته تستحق المهر، وإنما يحلف على أنه عقد بمهر كذا، فهو حلف على الفعل لا على الاستحقاق، فإن نكل الولي عن الحلف، وحلف الزوج، فهل يقضى للزوج بيمينه. أو ينتظر بلوغ الصغيرة لتحلف. أو تنكل؟ وجهان، ورجح الثاني، وهو انتظار بلوغ الصغيرة.
فإن قلت: هل تحلف الصغيرة على نفي العلم، أو تحلف على ثبوت دعواها، ونفي دعوى الزوج جزماً؟ الجواب: أن في هذه المسألة وجهين أيضاً، والمناسب أن تحلف على نفي العلم، بأن تقول: والله لا أعلم أن وليي زوجني بمائة بل بمائتين، لأنها في الواقع لم تشهد الحال، ولم تستأذن فلا يسعها أن تحلف جازمة، وهذا بخلاف ما إذا كانت بكراً بالغة، ووقوع الحلف بين الزوج والولي، فإنها تحلف على الدعوى بطريق الجزم والقطع، لأن العقد إن كان قد باشره الولي، ولكن بعد استئذانها، فهي مشاهدة للحال.
والحاصل أن الزوجين البالغين يحلفان على أصل الدعوى بطريق القطع، والولي يحلف على فعل نفسه.
وفي كيفية حلف الصغيرة. والمجنونة بعد البلوغ والإفاقة قولان: فبعضهم يقول: إنهما يحلفانстр. 1449
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بطريق الجزم لا بنفي العلم، وبعضهم يقول: بل يحلفان بنفي العلم، والرأي الثاني لجمع من المتقدمين وهو الظاهر المناسب.
ثم بعد عجز أحد المتنازعين عن إثبات دعواه وتحالفهما يفسخ المهر المسمى ويثبت للزوجة مهر مثلها في حالة ما إذا كان النزاع في تسمية المهر، ولها جميعه إن وقع الخلاف بعد الوطء ونصفه إن كان قبله فإن كان النزاع في قدر المهر، كأن ادعت أنه مائة، وهو ادعى أنه تسعون مثلاً، كان لها مهر مثلها، ولو زاد على ما ادعته بأن كان مائة وخمسين.
وإذا وقع النزاع بين الزوج، وبين الولي في قدر الصداق، كأن قال الولي: هو مائتان، وقال الزوج هو مائة وخمسون، وكان مهر المثل يساوي مائتين وخمسين، فقيل: يتحالفان وجوباً، فإن نكل الزوج حلف الولي ويقضى له بدعواه، وقيل: يقضى بمهر المثل، والتحقيق أن للولي تحليف الزوج، إذ ربما ينكل، فيحلف الولي وتثبت دعواه، فإن ادعى الزوج قدراً مساوياً لمهر المثل، فإن كان مساوياً لقول الولي، فالأمر ظاهر، لأنه يوافق المسمى وتنقطع الخصومة، وإن كان أقل من المسمى رجعت المسألة إلى أن للولي الحق في تحليفه لعله ينكل، فتثبت الزيادة التي في المسمى.
الحنابلة - قالوا: إذا اختلف الزوجان. أو ورثتهما بعد موتهما. أو زوج الصغيرة ووليها في قدر الصداق، كأن قال: مائة، وقالت: مائتان، أو في عين الصداق، كأن قالت: صداقي هو هذا الثوب، وقال: بل هذا الثوب الآخر. أو في جنسه بأن قال: تزوجتها على إبل: وقالت بل على خيل، أو قال: على قمح وقالت: على ذهب، أو صفته، أو اختلفا فيما يستقر به الصداق من الدخول، والخلوة، والقبلة، والمس والنظر بشهوة، كما تقدم، فادعت الدخول، وأنكر، فإذا لم يكن لأحدهما ما يثبت دعواه كان القول للزوج أو وارثه بيمينه. وذلك لأنه منكر، فلو اختلفا في عين الصداق بأن ادعت أن صداقها هذا الحيوان وهو قال لها: بل هذا الحيوان فقد أنكر الزوج دعواها في عين الصداق، والقول للمنكر بيمينه، وكذا إذا اختلفا في صفته، كأن قالت: تزوجني على قمح هندي، وقال: بل على قمح مصري، فإنه أنكر دعواها، بأن صداقها هو القمح الهندي وكذا إذا اختلفا في الجنس، كأن ادعت أنه تزوجها على كذا من البر، فأنكر وقال: إنه كذا من الشعير، وهكذا، فهو منكر والأصل براءة ذمته من شيء لم يقر به، ولا بينة عليه، فهو منكر غير مقر، ولا بينة، فلا يلزمه إلا اليمين، فإذا نكل قضي لها، وإذا حلف قضي له بقوله أما إذا اختلفا في قبض الصداق بأن ادعى الزوج أنها قبضت الصداق، وأنكرت كان القول لها بيمينها. أو لوارثها إن كانت ميتة، ومثل ذلك ما إذا اختلفا على تسمية المهر بأن ادعى أنه قد سمى لها مائة، وأنكرت لتتوصل بذلك إلى مهر مثلها الزائد عن المائة، وبلا بينة، كان القول قولها بيمينها، فيقضى لها بمهر المثل، ولا فرق في ذلك كله بين أن يختلفا قبل الدخول.
أو بعده، قبل الطلاق أو بعده، لأن المدار في الفصل بينهما إما على البينة إن وجدت، وإلا فعلى الزوج في بعض الأحوال بأن يكون القول قوله بيمينه، وعلى الزوجة في البعض الآخر، وهو أن يكون القول قولها بيمينها) .стр. 1450
مبحث في مهر السر والعلانية وهدية الزوج وجهاز المرأة
-جرت عادة بعض الناس أن يتفقوا على مهر قليل سراً، ويعلنون في العقد مهراً كبيراً، كما جرت العادة بأن يهدي الزوج إلى المرأة بعد العقد وتسمية الصداق هدايا تناسب حالها، وقد يسميها بعض الناس نفقة، وكذا جرت العادة بأن المرأة تدخل بجهاز يناسب حالها، فهل يعتبر عند التنازع مهر السر. أو مهر العلانية؟ وهل تلحق الهدية بالمهر أو لا؟ وهل للزوج أن يطلب بالجهاز. أو لا؟ في ذلك تفصل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: في سرية الصداق. وعلانيته وجهان:
الوجه الأول: أن يتفقا على قدر المهر في السر من غير عقد، ثم يتعاقدان على مهر أكثر منه في الجهر، وفي هذا الوجه صور:
الصورة الأولى: أن تكون الزيادة التي زادت في العقد من جنس المهر الذي اتفقا عليه في السر، فإن اتفقا على ذلك بعد العقد، فالمظهر هو الذي اتفقا عليه بدون عقد وأن تنازعا كان المهر هو المذكور في العقد ما لم يبرهن الزوج على أنه مهر سمعة. الصورة الثانية: أن تكون الزيادة من جنس المهر، وفي هذه الحالة إن اتفقا على أن الزيادة التي في العقد للسمعة، فإن كان ما اتفقا على تسميته يساوي مهر المثل فذاك، وإلا لزم مهر المثل.
الصورة الثالثة: أن يتفقا في السر على أن مهرها مائة جنيه مثلاً، ويتعاقدان على أن لا مهر خوفاً من ضريبة ونحوها، وفي هذه الحالة يكون المهر ما اتفقا عليه.
الوجه الثاني: أن يعقدا في السر على مهر، ثم يعقدا في العلانية على مهر آخر، مثال ذلك أن يعقدا في السر على مائة جنيه، ثم يعقدا في العلانية على مائتين. أو يقرا بأن الصداق مائتان بدون عقد وفي هذه الحالة إن اتفقا أو أشهدا على ما وقع كان المهر المعتبر هو الذي وقع عليه العقد في السر، وإن تنازعا، ففي المسألة خلاف، وهو أن الصاحبين يقولان، إن المهر هو الذي جرى عليه العقد الأول، وأبا حنيفة يقول: إن اختلاف الجنس وجب ما سماه في الأول. وفي الثاني، على أن الثاني يعتبر زيادة على الأول، فإذا عقد في الأول على مائة ريال، وعقد في الثاني على مائة جنيه اعتبر الجميع صداقاً، وأن الثاني زيادة زادها الزوج، وإذا اتحد الجنس يعتبر الثاني هو المهر فقط مع زيادة عن الأول. مثلاً إذا عقدا في السر على مائة جنيه، وعقدا في العلانية. أو - أقرا بدون عقد - على مائتين كان المهر هو المائتين، لأن الجنس وهو الجنيهات، واحد وتعتبر المائة التي زيدت في العقد الثاني من باب الزيادة على المهر.
وأما ما جرت العادة من الهدية، فإن لها تفصيلاً، وهو أنها إما أن تكون من المأكولات التيстр. 1451
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) تستهلك عادة، كالفاكهة. والسمك. واللحم، وإما تكون من الأعيان التي تدخر، كالسمن والعسل والشاة الحية. وإما أن تكون من الأشياء التي لا تؤكل، ولكن تستعمل عادة في شؤون الزوجة، كالشمع والحناء، وإما أن تكون كسوة ونقوداً منحت في العيد ونحوه فإن كان من النوع الأول، وزعم الزوج أنه محسوب من الصداق وقالت الزوجة: إنه هدية كان القول لها دونه بلا كلام، لأن هذه الأشياء لم تجر العادة بكونها صداقاً، وأما غير المأكولات المستهلكة، فالذي ينبغي أن يتبع فيها ما حققه الكمال، وهو النظر إلى العرف وقد جرى العرف في زماننا على أن كل هذه الأشياء هدية لا مهر، فإذا زعم الزوج أنها مهر ولا بينة له، فالقول فيها للزوجة بيمينها، ومثل ذلك ما يسمونه في زماننا - بالشبكة - وهو أسورة أو خاتم ومعه حلوى أو ثياب منقوشة أو نحو ذلك فإن العرف قد جرى على أنها ليست من الصداق، بل هي مقدمة تهدى للزوجة كي لا تقبل خاطباً آخر، فإذا ادعى الزوج أنها محسوبة من الصداق ولا بينة له على ذلك كان القول للزوجة بيمينها.
وبالجملة فالحكم في مثل هذه الحالة العرف والعادة، ويعضهم يقول: إن القول قول الزوجة في المأكول المستهلك عادة، كالفاكهة واللحم والسمك. أما في غير ذلك مما ذكر فالقول للزوج بيمينه عند عدم الإثبات، فإن حلف الزوج وكانت الهدية باقية، فللزوجة أن ترجعها وتأخذ مهرها، وإن كانت قد استهلكت حسبت قيمتها وطرحت من المهر، وإن كانت تساوي المهر كله، فلا يرجع واحد منها بشيء، والذي ينبغي أن يعمل به في زماننا هو الرأي الأول، وهو النظر إلى العرف، فإن كان جارياً على أن الهدايا غير المهر عمل به، وكان فيه القول للزوجة عند عدم الإثبات.
أما مسألة الجهاز فإن الصحيح الذي لا ريب فيه أن كل شيء يذكر مهراً ويقع التعاقد عليه بصفته مهراً فإنه لا مقابل له إلا نفس الزوجة دون شيء آخر مهما كان كثيراً فإذا تزوجها على ألف جنيه مهراً وكانت العادة أن مثل هذا المهر يقابل بجهاز كبير يليق بحالهما، ولكنها لم تفعل فإنه لا حق للزوج في مطالبتها بالجهاز، وإذا جاءت بجهاز كان ملكاً لها لا حق للزوج فيه، أما إذا تعاقد على مهر، ثم أعطى لها مبلغاً آخر تجهز به نفسها فأخذته ودخلت له بدون جهاز. فإن سكت زمناً يدل على رضاه فقد سقط حقه في المطالبة، وإلا كان له الحق في المطالبة، لأنه لم يتبرع لها، وإنما أعطاها لعمل ما هو واجب عليه، فإنه يجب على الرجل أن يعد للمرأة محلاً يشتمل على حاجيات المعيشة.
وإذا جهز الأب ابنته من ماله واستلمته، فلا حق له ولا لورثته في الرجوع عليها ما دام العرف يقتضي أن الأب يجهز بنته، وكذا لو اشتراه لها في صغرها، فإنه يصير ملكاً لها فإذا تنازعا، ولا بينة لأحدهما، وقال الأب: إنما دفعته لها عارية، وقالت: هو تمليك، أو قال الزوج بعد موتها، إنه ملكها ليرث منه، فإن المعتمد الذي عليه الفتوى أن القول للزوجة، ولزوجها بعد موتها لا للأب ما دام العرف جارياً على أن الأب يدفع لابنته مثل هذا الذي تنازعا فيه جهازاً لا عارية، ولا يقال: إن في هذا اعترافاً بملكية الأب، وانتقال الملكية إليها يحتاج إلى دليل، لأنا نقول: إن الجهاز ومتاع البيت يكتفي فيه بالظاهر.стр. 1452
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وإذا أعطت الأم لابنتها أشياء من أثاث منزلها المملوكة للأب وسكت الأب صارت جهازاً للبنت لا يصح له استردادها.
وإذا أعطى الزوج لأهل الزوجة شيئاً لأجل أن يبادروا بتمكينه من زوجته، فإن له الحق في استرداده لأنه رشوة.
خاتمة: إذا أنفق الرجل على معتدة الغير ليتزوج بها بعد انقضاء عدتها، فإنه وإن كان لا يجوز إلا أن في حكمه أقوالاً، والذي اعتمده المحققون أنه إن شرط التزوج بها وتزوجت بغيره رجع عليها بما أنفقه، وإن لم يشترط، فقيل: يرجع، وقيل: لا يرجع، والوجه أنه يرجع، لأنه إذا علم في العادة أنها إن لم تتزوجه لا ينفق عليها كان ذلك بمنزلة الشرط، وقيل: له حق الرجوع عليها مطلقاً، لأن ذلك بمنزلة الرشوة، سواء شرط التزوج بها، أو لا.
المالكية - قالوا: إذا اتفق الزوجان، أو الزوج والولي على صداق في السر، وأظهرا في العلانية صداقاً يخالفه، فإن المعتبر ما اتفقا عليه في السر، سواء كان شهود العلانية هم بعينهم شهود السر، أو غيرهم. إلا أن بعض المالكية يشترط ضرورة إخبار شهود السر بما وقع في العلانية ليكون عندهم علم بالحقيقة، فإذا تنازعا، وادعت المرأة على الرجل أنه رجع عن مهر السر واتفقا على أن يكون المهر هو مهر العلانية، وأنكر الزوج دعواها كان لها أن تحلفه على دعواها حيث لا بينة، فإن حلف عمل بصداق السر، وإن نكل حلفت المرأة، فإن حلفت عمل بصداق العلانية، وإن نكلت عمل بصداق السر، فإن شهدت البينة بأن صداق العلانية لا أصل له. وإنما هو أمر ظاهري، والمعتبر إنما هو صداق السر عمل بالبينة، وإن اتفقا على عكس ذلك، بأن اتفقا على أن مهر السر أكثر من مهر العلانية بسبب الخوف من ضريبة أو نحو ذلك صح وعمل بالاتفاق فإن تنازعا، وادعى الزوج أن المهر هو المعلن أخيراً، وأنكرت، ولا بينة تحالفا على الوجه المتقدم.
أما الهدية فلها تسع صور، وذلك لأنه إما أن يهديها للزوجة، أو لوليها، أو لأجنبي. وعلى كل إما أن تكون قبل العقد أو معه أو بعده، فالتي أهديت قبل العقد. أو معه سواء كانت بشرط صريح. أو بلا شرط - لأنها في هذه الحالة تكون مشترطة حكماً - فإنها تكون ملحقة بالصداق سواء أهديت للزوجة أو لوليها أو لغيرهما، فإذا طلقها قبل البناء بها كان للزوجة نصفها وللزوج نصف الآخر، كما هو الحال في أصل الصداق وفي هذه الحالة إذا كانت الهدية لغير الزوجة كان لها الحق في أخذ نصفها من ذلك الغير. أو من الزوج، لأن الهدية أصبحت بالشرط مهراً، كما أن للزوج الحق في أخذ نصفه الذي يستحقه ممن أهداه، ولا يرجع على الزوجة بشيء لأنه هو الذي أهدى.
فإذا هلكت الهدية وهي بيد أمين غير الزوجة. أو الزوج وشهدت البينة، بهلاكها، سواء كانت من الأشياء التي يمكن إخفاؤها، كالأسورة، والثياب، أو لا، كالبقرة والجمل. أو لم تشهد بينة بهلاكها، وكانت من الأشياء المذكورة التي لا يمكن دعوى هلاكها مع سلامتها وطلقها قبل البناءстр. 1453
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فضمانها عليهما فلا يرجع أحدهما على صاحبه بشيء، فإذا طلقها بعد البناء، وهلكت الهدية وهي في يد أمين وشهدت بذلك، أو كانت الهدية مما لا يمكن إخفاؤه، ولو لم تشهد الشهود فقد هلكت عليها، وكذا إذا ماتت هي، أو الزوج فإن الهدية كلها تهلك على الزوجة لأنها تستحقها كلها بالموت والدخول، وكذا إذا فسخ العقد قبل الدخول، فإنها تهلك كلها على الزوج، لأنه في هذه الحالة يستحقها كلها.
أما إذا كانت بيد الزوج أو بيد الزوجة، وهلكت، ولم تسهد بينة بهلاكها، أو كانت من الأشياء التي لا يمكن إخفاؤها ولا تحتاج لبينة، فإن ضمانها يكون على من كانت بيده، فإن طلقها قبل البناء كان عليها النصف إذا كانت بيدها، وإن كانت بيده وهلكت، وطلقها قبل البناء كان عليه النصف، وبعد الدخول والموت يكون عليه الكل، فإن كان متقوماً أعطاها قيمته. وإن كان مثلياً أعطاها مثله. هذا كله في الهدية قبل العقد أو حال العقد، أما إذا كانت الهدية بعد العقد، فإن كانت لغير الزوجة من ولي، أو غيره فاز بها المهداة له، وإن كانت الهدية للزوجة وطلقها قبل البناء ففيها رأيان:
أحدهما: أنه لا شيء للزوج من الهدية بعد العقد، سوءا هلكت في يد الزوجة، أو بقيت سليمة. وهذا هو الراجح.
والثاني أن للزوج نصفها إن كانت قائمة، ونصف مثلها. أو نصف قيمتها إن هلكت.
أما الجهاز فإن المالكية يقولون: إن الزوجة ملزمة بأن تجهز نفسها من المهر المقبوض جهازاً يناسب مثلها لمثل زوجها بشروط:
الشرط الأول: أن تقبضه قبل الدخول، سواء كان حالاً أو مؤجلاً وحل، فإن دخل بها قبل القبض، فلا يلزمها التجهيز به إلا إذا اشترط عليها التجهيز به بعد الدخول. أو كان العرف يقتضي ذلك. وإذا أرادت الزوجة أن تتخلص من الجهاز بعد قبض مقدم الصداق الحال، فللزوج مقاضاتها، ويقضى لها عليها بقبضه لتتجهز به، أما إذا دعاها لقبض الصداق المؤخر الذي لم يحل أجله لتتجهز به فلا يقضى له به، لأنه يكون سلفاً جر نفعاً للزوج، وذلك لأن من عجل ما هو مؤجل يعتبر سلفاً، فإذا قبضته أجبرت على التجهز به.
الشرط الثاني: أن لا سمي الزوج شيئاً غير ما قبضته للجهاز، أو يجري العرف بأن يدفع الزوج شيئاً للجهاز، فإن سمى الزوج شيئاً للجهاز فإنه يلزم ما سماه، وكذا ما جرى به العرف فإنه يلزم، سواء كان المسمى أو الذي جرى به العرف أكثر من الصداق. أو أقل وكذا إذا سمى الولي أشياء للزوج ورضي بها فإنها هي التي تلزم بصرف النظر عن الصداق. الشرط الثالث: أن يكون الصداق عيناً، فإذا كان عروض تجارة أو كان مما يكال أو يوزن، أو كان حيواناً فإنها لا تلزم ببيعه للتجهز على المعتمد.
على أن الجهاز والصداق ملك للزوجة فإذا ماتت ورث عنها، يتفرع على هذا مسألة وهي ما إذاстр. 1454
العيوب التي يفسخ بها النكاح ومسائل العنين - والمجبوب - والخصي - ونحوهم
-العيوب التي توجد في الزوجين تنقسم إلى قسمين (١) : قسم يوجب لكل منهما حق طلب فسخ عقد الزواج بدون اشتراط، وقسم يوجبه إذا اشترطه أحد الزوجين، والأول ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: ليس في النكاح عيوب توجب الحق في طلب الفسخ، لا بشرط ولا بغيرстр. 1455
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) شرط مطلقاً إلا في ثلاثة أمور: وهي: كون الرجل عنيناً أو مجنوناً أو خصياً أما ما عدا ذلك فلا يترتب عليه فسخ النكاح، ولو اشتد، كالجذام والبرص ونحوهما، سواء حدث قبل العقد أو بعده وسواء اشترط السلام منه. أولا، وقد يقال: إن رأي الحنفية هنا يترتب عليه ضرر شديد بالزوجة. وذلك لا تملك فراق الرجل، فإذا رأت نفسها عرضة للخطر فماذا تصنع؟! نعم لا ضرر على الرجل لأنه إن لم يرض بها يفارقها، أما هي فماذا يكون حالها، ولا حق لها في طلب الفسخ؟! والجواب: أن مذهب الحنفية مبني على أن علاقة الزوجية لها احترام وقدسية لا تقل عن قدسية القرابة، فإذا ارتبط اثنان برابطة الزوجية، وجب على كل منهما أن يحتمل ما ينزل بصاحبه من بلواء، فلا يصح أن ينفصل منه لمصيبة حلت به، بل يجب عليه مواساته بقدر ما يستطع فكما أن الإنسان لا يمكنه أن يقطع لحمة القرابة عندما يصاب أخوه أو قريبه بداء، فكذلك لا يصح له أن يقطع علاقة الزوجية لذلك. ولا فرق في ذلك بين أن يكون الداء أو العيب موجوداً قبل العقد أو وجد بعده، لأن كلا الزوجين مكلف بالبحث عن الآخر قبل العقد، وقد تقدم أن من السنة أن ينظر أحدهما الآخر.
وهذه الأحكام إنما هي للمؤمنين الذين يعملون بدينهم، فإذا أهمل أحدهما دينه كان هو الملوم، وكان من اللازم المحتم أن تنظر إلى قدسية علاقة الزوجية واحترامها ومتى وقعت على أي حال ومع ذلك فإذا فرض أن زوجين عاشاً معاً في أول أمرهما سليمين ورزقا بأولاد ثم نزلت بأحدهما مصيبة مرض أو عيب كهذا فهل من المعقول أن يفارقه السليم رغم أنفه؟! أظن أن الجواب: لا، وما ذلك إلا لاحترام علاقة الزوجية، وهي حاصلة بالعقد لا محالة.
ولولا أن الجب - قطع عضو التناسل - والعنة والخصاء تتنافى معها الزوجية، لأن المجبوب، والعين والخصي كالمرأة - والمرأة لا تتزوج المرأة - لولا ذلك لما جاز طلب فسخ عقد الزواج بحال. فإن قلت: إن هذا يستلزم أن لا يفارق الزوج زوجته بالطلاق أيضاً، والجواب: أن الطلاق قد شرع في الإسلام لأعراض اجتماعية هامة ضرورية، وقد يكون واجباً كما إذا قام بين الزوجيين شقاق تقطعت به علائق الزوجية وحلت محلها الكراهية والنفر ولم يتمكن المصلحون من إزالتها، فإن الدواء لمثل هذه الحالة الطلاق، وإلا انقلبت الزوجية إلى عكس الغرض المطلوب، فإنها ما شرعت إلا للجمع بين صديقين تنشأ بينهما مودة ورحمة لا للجمع بين عدوين لا يستطيع أحدهما أن ينظر إلى الآخر، وسيأتي بيان حكمة مشروعية الطلاق في بابه منفصلة.
ومن هذا يتضح أن الشارع لم يجعل الفرقة بين الزوجين مبنية على العيب، أو المرض، لأنهما يوجبان الشفقة والرحمة لا الفرقة والقسوة، وجعل للرجل حق الطلاق ليستعمله عند الضرورة، فإذا أساء استعماله كان آثماً يستحق عقاب الله في الدنيا والآخرة، فالفرق بين الحالتين واضح لا يخفى.
المالكية - قالوا: العيوب التي يفسخ بها النكاح ثلاثة عشر عيباً، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: عيوب مشتركة بين الزوجين بمعنى أنها قد توجب في الرجل. وقد توجد فيстр. 1456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) المرأة. وقد توجد فيهما معاً، وهي أربعة: الجنون، والجذام، والبرص، والخراءة عند الوطء، وتسمى - عذيطة - بفتح العين وسكون الذال، فمتى وجد عيب من هذه العيوب في أحد الزوجين كان للآخر أن يطلب مفارقته بفسخ النكاح، ولو كان معيباً مثله، لأن الإنسان يكره من غيره ما لا يكسره من نفسه، فأما الجنون فإنه يثبت به الخيار للرجل والمرأة لأنه مشترك كما ذكرنا، وله ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يحدث قبل الدخول. الثانية: أن يحدث بعد العقد وقبل الدخول. الثالثة: أن يحدث بعد الدخول. فإن حدث قبل العقد في الزوجة ولم يعلم به الزوج أو العكس، فلكل من الزوجين أن يرد به الآخر قبل الدخول وبعده، بشرط أن يقع من صاحبه ضرر كضرب أو إفساد مال، أما إذا كان يتخبط ويفيق، كالمصروع، فإنه لا يرد به، وإن حدث الجنون بعد العقد، فإن كان الجنون قد عرض للزوج فإن الخيار يثبت للزوجة، فلها الحق في فسخ النكاح إما إن كان قد عرض للزوجة فلا يثبت الخيار للزوج، سواء كان ذلك قبل الدخول أو بعده، وهذا هو المعتمد، ولعل أن المرأة مستضعفة بطبيعها وإنها رهينة المنزل، فيمكن اتقاء الضرر الذي يترتب على جنونها، ويمكن الاستمتاع بها وهي على هذه الحالة بخلاف الزوج، على أن الزوج بيده عقد النكاح فيمكنه أن يطلق عند عدم تمكنه من دفع ضررها، وبعضهم يقول: إنه لا فرق في ذلك بين الزوج والزوجة، فالجنون العارض بعد العقد يجعل الخيار لكل من الزوجين قبل الدخول وبعده، وبعضهم يقول: إن حدث قبل الدخول كان للمرأة الرد دون الرجل، وإن حصل بعد الدخول ليس لها الرد كالرجل، وقيل: لا يرد بالجنون الحاصل بعد العقد مطلقاً سواء عرض للرجل أو للمرأة فالأقوال أربعة، والمعتمد منها واحد، كما عرفت.
وأما الجذام فإنه يثبت به الخيار للزوجة، سواء وجد في الرجل قبل العقد. أو بعده، سواء كان قليلاً أو كثيراً بشرط أن يكون محققاً، أما إذا كان مشكوكاً في أنه جذام، أو لا. فإنه لا يرد به اتفاقاً أما الرجل فله حق الفسخ إن كان موجوداً في المرأة قبل العقد أو عند العقد، سواء كان قليلاً أو كثيراً، ولا حق له في الفسخ بالجذام الحادث بعد العقد مطلقاً، كما لا حق لأحدهما في الفسخ بالجذام القائم بأصولهما كالأب، والجد والأم خوفاً من وصول الداء بطريق الوراثة لأن ذلك غير مستيقن، فلا عبرة به.
أما البرص، وهو الداء المعروف، سواء كان أبيض. أو أسود. فغن كان قبل العقد، وكان كثيراً، فإنه يجعل لكل من الزوجين الخيار في الفسخ، أما إذا كان يسيراً فترد به المرأة باتفاق، وفي رد الرجل باليسير من البرص قولان، هذا إذا حدث قبل العقد، أما إذا حدث بعد العقد فإن كان يسيراً، فلا رد به لأحدهما، سواء وجد في الزوج أو الزوجة، وإن كان كثيراً وكان في الرجل كان للمرأة الحق في الفسخ، وإن كان في المرأة فليس للرجل حق الفسخ على المذهب، وذلك لأن الرجل بيده الطلاق، فإن تضرر منها فارقها بالطلاق، والفرق بين حدوثه بعد العقد وقبله ظاهر، لأن المفروض قبل العقدстр. 1457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أن تكون المرأة سليمة من العيوب المنفرة، أما بعد العقد فالبرص مصيبة من المصائب التي تعرض لأحد الزوجين، ولما كانت الزوجة لا تملك الفراق جعل لها الخيار بخلاف الرجل الذي يملكه.
أما العذيطة، فإنها عيب يرد به الزوجان إذا كان قديماً موجوداً في أحدهما قبل العقد، أما إذا حدث بعد العقد أو شك في حدثه بعد العقد، فإنه لا يثبت لأحدهما به الخيار، فإنه وإن كان مرضاً قذراً تنفر منه النفس ولكن شره أهون من غيره، فإن كان الرجل يتقذر به ويعاف المرأة بسببه، فله مفارقتها بالطلاق، أما المرأة فإنها يمكنها الإغضاء عنه، وبعضهم يقول، إن العذيطة إذا حدثت على الرجل بعد العقد كان للمرأة حق الفسخ بها، بخلاف ما إذا حدثت على المرأة فإنها لا تجعل للرجل الحق في الفسخ، كالجذام، لما عرفت من أن الرجل بيده الطلاق دونها.
هذان ولا فسخ بالبول على الفراش أو عند الجماع أو بالريح، فهذه هي العيوب الأربعة المشتركة بين الزوجين.
ومن العيوب المشتركة أن يكون أحدهما خنثى واضح الخنوثة، فإذا كان للزوج ذكر ينتصب ويمني كالرجل، ولكن له شق غير نافذ يشبه الفرج حقيقة، فإنه ليس بعيب يرد به، أما المرأة إذا كان لها فرج تام لا عيب فيه، ولكن لها ما تشبه الآلة، وليست بآلة، بل هي قطعة لحم زائدة، فقيل: إنها عيب، وقيل: لأنها كالخنثى المشكل، فلا يصح تزوجه على أي حال.
القسم الثاني: العيوب الخاصة بالرجل، وهي أربعة: الجب، العنة، الخصاء، الاعتراض، فأما المجبوب، فهو - مقطوع الذكر والأنثيين - أو مقطوع الحشفة، على الرجع، والعنين هو - من له ذكر صغير - لا يتأتى به الجماع، ومثله الذي له آلة ضخمة لا يتأتى بها الجماع، فكلاهما عيب يجعل للمرأة حق فسخ، والخصي: هو مقطوع الأنثيين دون الذكر - ولو انتصب ذكره، ولكنه لا يمني كان معيباً، أما إذا أمنى فلا رد بالخصاء، وأما المعترض فهو الذي لا يتنصب لمرض ونحوه.
فهذه الأمور الأربعة إذا وجدت المرأة واحداً منها في الرجل فإن لها الفسخ إذا تحققت الشروط المتقدمة، بأن كانت لا تعلم به قبل العقد الخ.
القسم الثالث: خاص بالمرأة وهو خمسة أشياء: الرتق. والقرن، والعفل. والإفضاء. والبخر، فأما الرتف، فهو انسداد مدخل الذكر من الفرج فلا يمكن من الجماع، سواء كان الانسداد غدة لحم أو بعظم، وأما القرن، فهو شيء يبرز في الفرج - كقرن الشاة - وأما العفل، فهو لحم يبرز في القبل، ولا يخلو عن رشح يشبه الأدرة للرجل - القليطة - وهذه الأمراض وجودها الآن نادر، بل ربما لا تكاد توجد، لأن علم الطب - خصوصاً الجراحة - قد تقدماً كثيراً، ويمكن استئصال هذه الأمراض بسهولة، أما الإفضاء، فهو أن يختلط مسلك الذكر بمسلك البول أو الغائط ويقال للمرأة: مشروم. أو شريم، وأما البخر، فالمراد به نتن الفرج. أما نتن البدن فلا رد به، وهو وإن أمكن تخفيفه بالروائح العطرية وتنظيف المعدة بتنظيم الأغذية وتخفيفها إلا أن علاجه صعب وقد سمعت من بعضстр. 1458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الأخصائيين في سببه أن فم المعدة له غطاء إذا نزل عليه الغذاء ينفتح فينزل الغذاء إلى المعدة، ثم يعود الغطاء كما كان، فيكتم الروائح التي تنبعث من المعدة، فإذا اختل ذلك الغطاء انبعثت منه رائحة البخر. فهذه هي العيوب التي يفسخ بها عقد النكاح بدون اشتراط، أما شروط الفسخ بها. فهي ثلاثة:
الشرط الأول: أن يكون طالب الفسخ عاماً بالعيب قبل العقد: فإن كان عالماً به، سواء كان المعيب الزوج أو الزوجة. فقد سقط حقه في الفسخ.
الشرط الثاني: أن لا يرضى بالعيب بعد العقد عند الاطلاع عليه، فإن رضي صريحاً، بأن قال: رضيت، فقد سقط حقه في طلب الفسخ، وكذا إذا رضي به ضمناً، بأن مكنته من نفسها إن كان المعيب الزوج، أو قاربها إن كانت المعيبة الزوجة.
الشرط الثالث: أن لا يتلذذ أحدهما بالآخر بتقبيل أو تفخيذ، ونحو ذلك، فإن تلذذ السليم بالعيب سقط حقه في طلب الفسخ.
والحاصل أن الشرط في الواقع هو الرضا، والرضا له علامتان: إحداهما: صريحة، وهي القول والثانية: ضمنية وهي التمكين والتلذذ.
ويستثنى من العيوب الآتية عيب واحد لا يضر فيه العلم به قبل العقد، وهو عيب الاعتراض - عدم الانتصاب - فإنها إذا علمت به المرأة قبل العقد ورضيت بالنكاح، ثم دخلت ومكنته من نفسها مدة ولم يبرأ فإن لها الحق في الفسخ، وذلك لأن مثل هذا المرض قد يبرأ بالتزوج ومخالطة النساء فإن التلذذ قد ينعشه، فإذا تزوجته على هذا التقدير ولم يفلح كان لها الحق في طلب الفسخ.
وإذا ادعى أحد الزوجين سقوط شرط من هذه الشروط كأن ادعى الزوج الأبرص أنها رضيت ببرصه بعد أن اطلعت عليه ومكنته من نفسها، ولا بينة للزوج، حلفت الزوجة على ذلك. وكذلك إذا كان العيب بالزوجة، وقالت: إنه علم بعيبي قبل العقد ولا بينة لها حلف الزوج.
فهذه شروط الفسخ، وتارة يكون الفسخ بلا تأجيل وتارة يكون بتأجيل، وإليك بيان ذلك. العيوب بالنسبة للتأجيل وعدمه تنقسم إلى أربعة أقسام أيضاً:
القسم الأول: العيب الحادث بالرجل كالجنون، والبرص، والجذام البين. إذا طرأ على أحدهما بعد العقد، فإنه يؤجل له الحاكم في هذه الحالة الفسخ سنة قمرية بشرط أن يرجى برء الداء، أما إذا كان عضالاً لا يرجى برؤه فلا تأجيل، لا فرق بين الجنون والجذام والبرص، على المعتمد وبعضهم يقول: إنه يؤجل للجنون سنة ولو لم يرج البرء، وقد نصوا على أن المجنون يعزل عن امرأته في مدة هذه السنة، فإن برئ بعد السنة فذاك، وإلا فرق الحاكم بينهما، والظاهر أن السبب في ذلك الخوف من الإضرار بالزوجة، لأن المفروض أن الجنون الذي يترتب عليه الفسخ هو الجنون الذي ينشأ منه الضرر، وإذا كان كذلك فمما لا ريب فيه أن عزل المجذوم والأبرص يكون كعزل المجنون إذا ترتبстр. 1459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) عليه ضرر بالزوجة، بل قد يكون الضرر أشد فيكون العزل أولى، وقد صرحوا بأن الصحيح منع السيد المجذوم من وطء إمائه، فالأحرار أولى كما لا يخفى.
هذا، ولزوجة المجنون الحق في النفقة من ماله بعد الدخول. مدة السنة بلا خلاف، أما قبل الدخول فخلاف، والظاهر أن لها النفقة، أما زوجة المجذوم والأبرص فلهما الحق في النفقة في السنة المؤجل فيها الفسخ قبل الدخول وبعده بلا خلاف، وكذلك لزوجة المعترض، وهو الذي أجل له لسبب عدم الانتصاب، النفقة مدة السنة الؤجلة قبل الدخول وبعده كزوجة المجذوم والأبرص على التحقيق.
القسم الثاني: العيب القديم بالرجل، وهو القائم به قبل العقد، كما إذا كان مجنوناً أو أبرص أو أجذم قبل العقد، وفي هذا خلاف، فبعضهم يقول: إنه يؤجل له الفسخ سنة أيضاً، وهو المعتمد وبعضهم يقول: لا يؤجل له بل يفسخ العقد بدون تأجيل.
القسم الثالث: العيب الحادث بالمرأة بعد العقد: وهذا لا كلام فيه، فإن الرجل لا خيار له فيه، كما هو موضع فيما قبل هذا، فإذا الرجل أمكنه التخلص منها بالطلاق.
القسم الرابع: العيب القديم بالمرأة كما كانت مجنونة قبل العقد، أو بها برص بين أو جذام بين لم يعلم به الزوج، فإنها في ذلك كالرجل يؤجل الحاكم لها الفسخ سنة قمرية. هذا في العيوب المشتركة أما العيوب المختصة بالمرأة وهي عيوب عضو التناسل، كالقرن. والعفل. والبخر الخ. فإن الحاكم يؤجل لها بحسب ما يلزم لعلاجها باجتهاده، وتجبر على إزالة مثل هذا العيب إذا طلبه الزوج إلا إذا كان الداء طبيعياً بحسب الخلقة. فإنها لا تجبر على إزالته بخلاف ما لو كان عارضاً، وعللوا ذلك بان في إزالة الطبيعي شدة ضرر. ومعنى هذا أنها تجبر على إجابته إذا انتفت شدة الضرر بالبنج ونحوه، والواقع أن الخلاف في مثل هذا مصدره صعوبة القطع قبل تقدم الجراحة، أما الآن فلا فرق بين الطبيعي وغيره، بل إزالة العارض الذي مثلوا به أشد من إزالة الطبيعي.
والحاصل أن الذي ينبغي أن يقال الآن بحسب تعليلهم: إن طلب الزوج إزالة وكانت إزالته لا يترتب عليها شدة ضرر أو تشويه في الخلقة تجبر على إزالة وإلا فلا، لا فرق بين الطبيعي وغيره وإن طلبت إزالته هي وجب على الزوج إجابتها ما لم يترتب على إزالته تشويه للمحل، فإنه لا يجبر لأن النتيجة واحدة في كلتا الحالتين، وهي نقص الاستمتاع.
هذا، وإذا كان المرض القائم بالرجل من عيوب عضو التناسل، كالعنة، وارتخاء الذكر، ويقال له: الاعتراض، فإنه يؤجل له فيها سنة بشرط أن يرجى برء الداء، أما إذا كان لا يرجى برؤه، كالمجبوب أو الخصي الذي لا يمني أو العنين الذي له آلة صغيرة بحسب الخلقة، فلا يستطع الوصول إلى الوطء، فغن مثل هولاء لا يرجى برؤهم، فلا معنى للتأجيل لهم، لأن الغرض من التأجيل التداوي، وحيث لا يرجى البرء ففيم التداوي؟.стр. 1460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) والحاصل أن الأمراض المشتركة بين الرجل والمرأة، والأدواء المختصة بالرجل إذا كان يرجى برؤها فإنه يؤجل فيها الحر سنة والعبد نصفها، ونقل عن مالك أيضاً أن العبد في ذلك مثل الحر، وهو المعقول، وإن كان العمل على الأول.
وأما الأمراض المختصة بالنساء، فالتأجيل فيها بالاجتهاد حسبما تقتضيه حالة علاج الداء.
ثم إن بدء التأجيل بالسنة يكون من يوم الحكم لا من يوم رفع الأمر للقاضي، وإذا كان المعيب مريضاً بمرض آخر غير العيب تحتسب السنة من الوقت شفائه من المرض الآخر، مثلاً إذا أجل للرجل الذي لا ينتصب سنة، وكان مريضاً بالحمى، فتحسب له السنة من أول يوم شفي من الحمى.
هذا، ولا يكون للمرأة خيار إذا دخل بها، وهو سليم من المرض، ووطئها ولو مرة واحدة، ثم عرض له المرض بعد ذلك، فلو كان صبياً ثم أصيب بقطع ذكره لمرض بعد أن عاشرها وهو سليم كان ذلك مصيبة حلت به لا خلاص له منها، ومثل ذلك ما إذا عرض له مرض منعه من الانتصاب أو عرضت له شيخوخة منعته من الوطء.
هذا حكم التأجيل، وقد يتنازع الزوجان بعد انتهاء مدة الأجل فإليك بيان حكم التنازع، إذا تنازع في البرء من هذه العيوب، فغن كان العيب ظاهراً، كالجذام، والبرص، والجنون، فلأمر ظاهر لأن البرء منها لا يخفى في الوجه أو اليدين ولا بد فيه من شهادة رجلين، وإن كان في باطن الجسم كفى فيه امرأتان، ومعنى هذا إباحة النظر فيه للطبيب الثقة من بباب أولى، أما إن كان باطناً، وهو العيب المتعلق بعضو التناسل فإن كان متعلقاً بالرجل كعدم انتصاب الآلة فادعى أنه وطئها قبل تمام السنة المحددة له وأنكرت كان القول له بيمنه، لأنه أنكر أصل الدعوى، وهي عدم قدرته على الوطء، فإن نكل عن اليمين حلفت هي فغن حلفت قضي لها بأن يأمره بتطليقها، فإن أبى، ففيه قولان: أحدهما أن الحاكم يطلق عليه. ثانيها: أن الحاكم بأمرها هي بإيقاع الطلاق كأن تقول: طلقت نفسي منك، ثم يحكم الحاكم بالطلاق الذي أوقعته، لأن أمره إياها بإيقاع الطلاق ليس حكماً عند بعضهم، وبعضهم يقول: إن الذي يفعله القاضي بعد تطليقها نفسها ليس حكماً وإنما هو إشهاد بما حصل منها. فهو خارج عن الخلاف المذكور، وإذا طلق القاضي ثلاثاً يقع إلا واحدة، وكذا أمرها بتطليق نفسها فزادت على واحدة، أما الزوج فله أن يطلق كما شاء.
هذا، والمفروض أنه طلقها قبل البناء لأنه لم يطأها أبداً، إذ قد علمت انه لو وطئها ولو مرة سقط حقها في طلب الفسخ، وفي هذه الحالة يقع الطلاق البائن واحداً، ومع ذلك فإنه إذا خلا بها تجب العدة احتياطاً. فهما يعاملان بإقرارهما من حيث الوطء، وتعامل العدة بالخلوة الاحتياط، ولها الصداق كاملاً إن أقامت معه السنة كلها، ولو لم يطأها، لأنك قد عرفت فيما تقدم أن مكث المرأة سنة مع الزوج يقرر لها الصداق، ولو لم يطأها، لأنه قد تلذذ بها وانتفع بجهازها وطال مقامها معه فتستحق على هذا كله كل الصداق، أما إذا طلقها قبل مضي السنة، فإنها تستحق نصف المهر، ثم إن كان قد تلذذ بها كان لها الحق في العوض بحسب اجتهاد القاضي.стр. 1461
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وكذلك إذا كان العيب الجب. أو العنة، أو الخصاء، فإن أنكره الرجل فإنه يمكن معرفته بالجنس، بان يجس موضعه، والجنس يتأتى به العلم في ذلك كالنظر، وهو وإن كان غير جائز كالنظر إلا أنه أخف، وارتكاب أخف الضررين للضرورة لازم مادامت النتيجة واحدة، وبعضهم يرى جواز النظر إليه للتحقق من دعواه، لأن المسألة مفروضة في الحكم بين خصمين، فكل ما يوجب التثبيت يكون أولى من غيه، وهذا الرأي يناسب زماننا، لأنها يصح أن يعرض على خبير له دراية بالطب ليقرر بشأنه قراراً قاطعاً، على أن الرجل الذي يعلم ستعرض على طبيب ثقة، أو طبيبين موثوق بهما لا يمكنه أن ينكر من أول الأمر وتنتهي الخصومة.
أما إذا كان العيب الاعتراض، وهو الارتخاء، فإنه لا يعلم بالجنس، وقد عرفت أن الرجل يصدق بيمينه، ومثل ذلك ما إذا كان بذكره مرض سري لا يعرف بالجنس، فإنه يصدق فيه بيمينه، ولا أدري لماذا لا يعرض على طبيب أيضاً، إذا لا فرق بين حبس المجبوب أو العنين، والنظر إليهما، وبين هذا - بل ربما كان خطره أشد إذ قد يكون مصاباً بالسيلان أو الزهري، فيؤذي المرأة - وقواعد المذاهب لا تأبى ذلك، فإنهم يقولون دائماً برفع الضرر.
وإذا طلق العنين أو المجبوب أو الخصي الذي لا يمكنه الوطء بعد الدخول كان عليه الصداق كله بالخلوة والتلذذ، أما إذا طاق القاضي عليه مهر لها لأن الخلوة لا يتقرر بها المهر، والمجبوب، والعنين، والخصي الذي يمكنه الوطء أصلاً لا يتصور منهم وطء فلا يجب عليهم مهر، أما الخصي - مقطوع الأنثيين الذي يمكنه الوطء، ولكنه لا يمني - فإنه يجب عليه المهر إذا أولج فيها كما تقدم أما إذا أطلق المجذوم. أو الأبرص بعد الدخول، أو طلق عليهم القاضي، فإنه يجب لها المهر المسمى، وكذلك المجنون إذا طلق عليه القاضي فإنها يجب لها المسمى لأنه يتصور وقوع الوطء من هؤلاء.
هذا في عيوب الرجل المتعلقة بالوقاع، أما عيوب المرأة المتعلقة به، فإنها تصدق فيها أيضاً بيمينها، فإذا أنكرت أنها بها عيباً من العيوب المتعلقة بذلك أو أنها برئت من هذا العيب، فإنها تصدق بيمينها، ولا تجبر على أن ينظر إليها النساء، ولكن إذا رضيت باختيارها بأن ينظر إليها شاهدتان فإن قولهما يقبل، وذلك في المرأة لا يترتب عليه كثير ضرر للرجل، فإن الرجل الذي يتضرر من العيب القائم بالمرأة ولا يستطيع البقاء معها يستطيع أن يتخلص منها بالطلاق بدون حاجة إلى التشهير بها واطلاع الناس على عورتها، وأما المرأة فإنها معذورة لأن عصمتها بيد الرجل ولا مغيث لها من التضرر إلا بإثبات العيب القائم به، على أنك قد عرفت فيما قدمناه أن العيوب الظاهرة بالمرأة لا بد فيها من شهادة رجلين إذا كانت بالوجه واليدين أو بامرأتين إن كانت في باقي البدن.
وحاصل حكم المهر بالنسبة للعيوب التي تجعل للزوجين الخيار في الفسخ بدون شرط أن العيب إما أن يكون في الزوج، أو في الزوجة، فإن كان في الزوج فلا يخلو إما يكون متعلقاً بالجماع أولا، فإن كان متعلقاً بالجماع، فهو على قسمين: الأول أن يكون العيب - الاعتراض - أي عدم الانتصاب، فغن لم ترض به الزوجة وطلقها قبل أن يمكث معهاً زمناً طويلاً، فلها نصف المهر وتعويضстр. 1462
أحدها: عيوب مشتركة بين الزوجين، فيصح أن توجد في الزوج، ويصح أن توجد في الزوجة منها الجنون. والبرص. والجذام.
ثانيها: عيوب تختص بالزوج، وهي الجب، والعنة، وعدم انتشار عضو التناسل.
ثالثها: عيوب تختص بالمرأة، وهي العفل والقرن والرتق، والعفل غدة، كالأدرة من الرجل - القليطة - تسد موضع الجماع، والقرن: بروز قطعة لحم، أو عظم في محل الوطء فيسده.
أما القسم الثاني، وهو ما لا يوجب الفسخ إلا بالشرط، فهو كثير، ومنه العمى. والشلل. وسواد الوجه. والقرع. والشره في الأكل. ونحو ذلك، فهذه العيوب لا تلزم إلا إذا اشترط أحد الزوجين السلامة منها، وفي كل هذا تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: إن لا فسخ إلا بالجب. والعنة والخصاء، فإذا وجد عيب منها في الرجلстр. 1463
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) كان للمرأة الخيار، وقد عرفت أنه لا خيار للرجل بوجود عيب في بضع المرأة من رتق أو نحوه، ولكن له الحق في إجبارها على إزالته بجراحة وعلاج. كما أنه إذا يئس من علاجها فله مفارقتها بالطلاق في هذه الحالة، لأن الزوجية قائمة على الاستمتاع، وفي فراقها عند اليأس من العلاج بدون تشهير فيه رحمة بها، ومثله من له آلة صغيرة لا تصل إلى داخل الفرج.
ثم إن عيوب الرجل التي تجعل للمرأة حق طلب الفسخ تنقسم إلى قسمين: قسم لا يمكن علاجه بحال من الأحوال، وهو الجب - قطع عضو التناسل - ويلحق به ما إذا كانت له آلة صغيرة لا تصل إلى النساء بأصل الخلقة. وقسم يمكن علاجه، وهو العنة، فالعنين هو الذي لا يستطع إتيان زوجته في قلبها ولو انتصبت آلته قبل أن يقرب منها، وإّذا أمكنه أن يأتي غيرها، أو يأتي الثيب دون البكر. أو أمكنه أن يأتي زوجته في دبرها لا في قلبها، فمن وجدت فيه حالة من هذه الأحوال كان عنيناً بالنسبة لزوجته، وكان لها حق طلب الفسخ، ولكل من القسمين أحكام:
فأما المجبوب وما يلحق به فإن للمرأة به طلب الفسخ حالاً بدون تأجيل، بشروط خمسة:
الشرط الأول: أن تكون حرة، فإن كانت أمة كان حق الفسخ لوليها لا لها.
الثاني: أن تكون بالغة، فإن كانت صغيرة ينتظر بلوغها لجواز أن ترضى به بعد البلوغ، أما العقل فإنه ليس بشرط، لأن الزوجة إذا كانت مجنونة وزوجها وليها من مجبوب كان لوليها حق طلب الفسخ، فإن لم يكن لها ولي نصب لها القاضي من يخاصم عنها.
الشرط الثالث: أن لا تكون المرأة معيبة بعيب يمنع من الوطء، كالرتق. والعفل والقرن. فإن كانت هي معيبة فلا معنى لطلبها للفرقة، وإذا اختلفا في الرتق. فادعى الرجل أنها رتقاء وأنكرت كان للرجل عرضها على النساء الخبيرات، أي الطبيبات.
الرابع: أن لا تكون عالمة به قبل الزواج، فإن كانت عالمة ورضيت بالعقد، فإن حقها في الفسخ يسقط، أما العلم بعد الزواج مع عدم الرضا، فإنه لا يسقط.
الخامس: أن لا ترضى بعد العقد، فإن رضيت به بعد العقد سقط حقها. ويشترط في الفسخ أن يكون صادراً من القاضي، فإذا فرق القاضي بينهما وقع به طلاق بائن، ولهما كل المهر وعليها العدة. وهو قول أبي حنيفة، وإذا كان الزوج صغيراً، وثبت أنه مجبوب، فلا يؤجل لكبره، إذ لا فائدة في التأجيل، وإذا جاءت امرأة المجبوب بولد بعد الفرقة لأقل من ستة أشهر لزمه نسب الولد، سواء خلا بها أو لا، عند أبي يوسف، وقال أبو حنيفة: إنه يثبت نسبه إذا خلا بها، ويستمر ذلك إلى سنتين من وقت الفرقة، فلا ينقطع النسب بمضي ستة أشهر، وهي أقل مدة الحمل كما يقول أبو يوسف، وذلك لأن المجبوب يمكنه أن يساحق وينزل وتحمل المرأة من مائه، فإذا ثبت أنه لا ينزل كان بمنزلة الصبي، فلا يثبت منه نسب، ولا يجب على المرأة بفراقه عدة.
هذا، ولا تنافي بين ثبوت النسب وبين حق المرأة في طلب الفرقة متى كانت غير عالمة به قبلстр. 1464
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) العقد، لأن المساحقة والإنزال لا يسقطان حقها في طلب الفسخ، بل الذي يسقط حقها الوطء، ولو مرة، فلو تزوجته سليماً وواقعها مرة واحدة ثم جب بعد ذلك، فلا حق لها في الفسخ، هذا في المجبوب، أما العنين فحكمه أن للمرأة طلب فسخ العقد بالشرط الخمسة المتقدمة. إلا أنه يمهله القاضي سنة، لأنه قابل للعلاج، سواء كان حراً أو عبداً.
وبيان ذلك أن المرأة إذا تزوجت بعنين لا تعلم حاله كان لها الحق في أن ترفع أمرها للقاضي ليؤجله القاضي سنة قمرية، وتحتسب بالأهلة إذا كانت في أول الشهر، أما إذا كانت الدعوى في وسطه فتحتسب الأيام، والسنة القمرية بالأيام ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوماً وثمان ساعات وثمان وأربعون دقيقة، بخلاف السنة الشمسية فإنها تحتسب بالأيام، وهي ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً وخمس ساعات وخمسون دقيقة، فهي تزيد عن السنة القمرية بأحد عشر يوماً ونصف نهار تقريباً، وبخلاف السنة العددية، وهي ثلاثمائة وستون يوماً، وقد جرى الخلاف في ذلك. فبعضهم يرى تأجيله سنة قمرية، وبعضهم يرى تأجيله سنة شمسية، وبعضهم يرى تأجيله سنة عددية، ولكن المعتمد الأول، لأن لسنة إذا أطلقت في لسان الشارع انصرفت إلى السنة القمرية ما لم يصرحوا بغير ذلك.
وتبدأ السنة من وقت الخصومة برفع الأمر إلى القاضي ما لم يكن الزوج صبياً أو مريضاً أو محرماً، فتبدأ السنة من وقت بلوغه إذا كان صبياً، ومن وقت صحته إذا كان مريضاً، ومن وقت تحلله من الإحرام إن كان محرماً.
ولا يسقط حق المرأة بسكوتها بعد علمها زمناً طويلاً، حتى ولو كانت مقيمة معه وتضاجعه، وإذا رفعت أمها إلى القاضي وأحلها سنة، ثم أقامت معه في خلال تلك السنة بعد وضاجعته لا يسقط حقها أيضاً، لأن المفروض في التأجيل أن تخلطه لتجربه، فإذا انتهت السنة بعد ذلك ورفع الأمر للقاضي كي يأمره بالطلاق أو يفرق بينهما إذا امتنع، فضرب القاضي لها موعداً للخيار وخالطته أو ضاجعته بعد ذلك سقط حقها، وكذا إذا خيرها القاضي في المجلس فقامت ولم تقل: اخترت نفسي فإنه يسقط حقها حتى ولو أقامها أحد آخر، كأعوان القاضي، فإن الواجب عليها قبل أن تقوم أن تقول: اخترت عدم معاشرته أو اخترت نفسي.
والحاصل أن حقها يسقط بأمرين: قيامها معه ومضاجعتها له بعد تخيير القاضي. وقيامها من المجلس بعد التخيير في المجلس بدون اختيار. أما قبل ذلك فلا يسقط اختيارها.
ويشترط أن يكون التأجيل صادراً من القاضي، أما التأجيل الصادر منها أو من غيرها فإنه لا يعتبر، وظاهر كلامهم أن التأجيل الصادر من محكم لا ينفع أيضاً، مع أن المعروف أن للمحكم الفصل فيما حكم فيه، كالقاضي، وقد يجاب بأن القاضي هو المرجع في النهاية، إذ هو الذي يطلق إذا امتنع الزوج عن الطلاق، فلا يعتبر التأجيل إلا إذا كان صادراً عنه، فإذا عزل أو انتقل، وجب على القاضي الذي يحل محله أن يبني على تأجيل الأول.стр. 1465
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وإذا ادعى أنه وطئها، وأنكرت، فإن كانت بكراً حكمت امرأة لها خبرة موثوق بعدالتها، فإن قالت: إن بكارتها أزيلت بالوطء حلف الزوج بأنه وطئها، فإن حلف قضي له، وإن نكل خيرت الزوجة بين الإقامة معه وطلاقها منه، على الوجه المتقدم، إذا لم يكن قد أجل له سنة، وإلا أجل له سنة بعد تقرير ذات الخبرة، وإن عرضت على امرأتين لهما خبرة كان أفضل وأوثق، أما إن كانت المرأة ثيباً حين تزوجها، فإنه يحلف بأنه وطئها من غير عرضها على ذات خبرة، ويعمل بقوله لأنه منكر لاستحقاق الفرقة، هذا هو المقرر، وقد يقال: إذا وجدت وسيلة يمكن بها معرفة الرجل إذا كان قد قدر على الوطء كما يقول أو لا، كالكشف الطبي، فلماذا لا يصار إليها دفعاً لتضرر المرأة، والنبي ﷺ يقول: "لا ضرر ولا ضرار" وعندي أنه لا مانع من ذلك لأنه هو الوسيلة الوحيدة للإثبات، خصوصاً أنهم أجازوا عرض المرأة على النساء إذا ادعى أنها رتقاء وأنكرت، ولا فارق بينهما.
ويحتسب للزوج مدة غيابها عنه لحج ونحوه، بمعنى أنه يطرح له من السنة، ويعوض عنها أياماً بعددها، أما مدة غيابه هو فإن كانت باختياره فإنها تحتسب عليه، ولا يعوض عنها، لأنه يمكنه أن يأخذها معه، وإن كانت رغم أنفها، كما إذا حبس في دين ولو كان لها، فإنها تحتسب متى تعذر وصوله إليها، فإذا كان مظاهراً لها ولا يقدر على كفارة الظهار من عتق الرقبة، فإنه يؤجل له شهرين لأجل أن يصومهما وسنة بعد الشهرين، أما رمضان فإنه يحتسب من السنة، وكذا أيام حيضها ومتى ثبت بعد إمهاله السنة أنه باقٍ على مرضه وأنه عاجز عن إتيانها أمره القاضي بطلاقها، فإن أبى طلق عليه، وكان عليها العدة، ولها كل المهر، كما تقدم في المجبوب، إلا أن المرأة إذا جاءت بولد بعد التفريق وثبت نسبه من العنين بطلت الفرقة وعادت زوجة له، وذلك لأن ثبوت النسب يلزمه أن الرجل قد وصل إليها وأنه قد برئ من عنته، فيبطل الحكم المترتب على العنة، وهو الفراق، بخلاف المجبوب فإنه لا يتصور فيه أنه أتاها، وإنما النسب قد بني على الإنزال بالمساحقة فلا يسقط حقها في الفرقة.
هذا، وإذا تراضيا على العودة بعد الفرقة فإنه يصح، أما الخصي - وهو مقطوع الأنثيين - فإن كان ينتصب فلا خيار لها، سواء أنزل أو لم ينزل متى كان قادراً على وطئها، وإلا كان حكمه حكم العنين، خلافاً للمالكية الذين يعدون عدم الإنزال عيباً يفسخ به، والحنابلة الذين يعدون الخصاء من عيوب الفسخ مطلقاً أنزل، أو لم ينزل. ووفاقاً للشافعية.
الشافعية - قالوا: لكل من الزوجين طلب فسخ الزواج بوجود عيب من العيوب المشتركة بينهما، التي يصح وجودها فيهما معاً أو في أحدهما ولو كان أحدهما معيباُ بمثل هذه العيوب، كما قال المالكية، لأن الإنسان قد يعاف من غيره ما لا يعاف من نفسه.
وهذه العيوب هي الجذام والبرص والجنون، أما العذيطة - وهي التغوط عند الجماع - فليست عيباً عندهم، أما الجنون فإنه يجعل لكل منهما الخيار في الفسخ، سواء حدث بعد العقد والدخول أو كان موجوداً قبل العقد، فلا فرق بين الرجل والمرأة، خلافاً للمالكية، ولا فرق أيضاً بين أن يكون جنوناً مطبقاً أو متقطعاً إلا إذا كان قليلاً جداً، بأن يأتي في كل سنة يوماً واحداً، والمرادстр. 1466
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بالجنون ما يشمل فقد الشعور القلبي والصراع والخبل والإغماء الميئوس من شفائه، فإذا جن أحد الزوجين كان للآخر الحق في طلب فسخ النكاح، فإذا كان أحد الزوجين معيباً بالعيب الموجود في صاحبه فإنه لا يسقط حقه. كما علمت، ولكن إذا جن الزوجان معاً فإنه يتعذر منهما الخيار فينتقل حقهما إلى وليهما، واعترض بأن الولي لا خيار له بالعيب المقارن للعقد والجنون إذا كان مقارناً للعقد يبطله رأساً، لأنه يشترط أن يزوج من كفء، والمجنون غير كفء والجواب: أنه يزوج وهو يظن أنه سليم من الجنون أو تأذنه هي قبل أن يجن بأن يزوجها من فلان فزوجها منه وبان جنونه، فإن العقد في هذه الحالة يصح، وله حق الفسخ.
وأما الجذام أو البرص، وهما داءان معروفان، فإنهما الجنون في الحكم المتقدم، وهل يشترط فيهما التفاحش والظهور. أو لا؟ المعتمد أنه لا يشترط، بل يكفي حكم أهل الخبرة، وهو الطبيب الموثوق به في زماننا. ويشترط في الفسخ بوجود عيب من هذه العيوب. أو غيرها مما يأتي أن لا يعلم أحدهما به، فإن علم ورضي لم يكن له حق في الفسخ، إلا العنة فإن العلم بها لا يضر كما يأتي.
فإذا رضيت المرأة بعيب من هذه العيوب ولم يرض وليها كان للولي الحق في طلب الفسخ بشرط أن يكون العيب موجوداً حال العقد، أما إذا حدث بعده فليس له الحق. وذلك لأن حق الولي في هذه الحالة هو حقه في الكفاءة. وهذه العيوب تنافي الكفاءة، فمتى كان الزوج سليماً منها عند العقد. فقد صادف العقد كفاءته، فلا حق للولي في الاعتراض على ما يحدث بعد العقد، وكذا لا حق له في الاعتراض على ما هو من اختصاص المرأة، كما إذا رضيت بالعنين أو المجبوب فإن اللذة خاصة بها لا شأن له فيها.
فإن قلت: إنكم قد اشترطتم في ثبوت حق الفسخ للمرأة أن لا تعلم العيب فإن علمت به فلا فسخ، وهذا لا يمكن تصوره في العيب المقارن لأنها إن علمت به ووليها سقط الخيار، وإن لم تعلم به بطل العقد لأنه وقع من غير كفء، فليس لها الخيار، والجواب هو ما ذكرناه قبل هذا، وهو أنه يتصور فيما إذا أذنت المرأة وليها أن يزوجها من هذا الشخص المعين، فزوجها منه وهو يظن أنه سليم ثم بان أن به عيباً، فإن العقد في هذه الصورة يقع صحيحاً على المعتمد، ويكون للزوجة أو وليها حق الفسخ بعد العلم.
أما العيوب المختصة بالمرأة التي تجعل للرجل الحق في الفسخ، فهما الرتق والقرن، وإن شئت قلت: انسداد محل الجماع بأمر خلقي أو عارض بحيث لا يتأتى معه التمتع المقصود من العقد، وإذا كانت بالغة، وطلب منها الزوج إزالته بعملية جراحية، فإنها لا تجبر، وهو بالخيار، إن شاء قبل وإن شاء فسخ العقد، هذا إذا كانت كبيرة، أما الصغيرة فلوليها أن ينظر إلى مصلحتها فإن كانت الإزالة لا خطر فيها وجبت عليه الإزالة، والفرق واضح، وهو أن البالغة تدرك معنى اللذة، وتعلم أنстр. 1467
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) عصمتها بيد الزوج، فإذا رفضت إزالة ما بها كان معنى هذا أنها زاهدة في الزوج وفي اللذة مفضلة بقائها على حالها، أما الصغيرة فإنها لا تدرك، فوليها مسؤول عنها،
أما العيوب المختصة بالرجل، فهما الجب والعنة، فالمجبوب - هو مقطوع الذكر - كله أو بعضه بحيث لم يبق منه قدر الحشفة التي تصل، أما قطع الحشفة وحدها فإنه لا يضر، خلافاً للمالكية، ولا يشترط في طلب الفسخ بالجب أن تكون هي سليمة من العيب المقابل، فلو كانت رتقاء، وهو مجبوب جاز لها أن تطالب بالفسخ، وفاقاً للمالكية، وخلافاً للحنفية، فلا يشترط لها إلا عدم العلم، فلو علمت به ورضيت سقط حقها في الفسخ، أما عدم الوطء فإنه ليس بشرط، فلو وطئها ثم جب بعد ذلك كان لها الحق في الفسخ، خلافاً للمالكية، والحنفية، وهو قريب من العقل، لأن المقصود من الزواج الاستمتاع، والجب يقطع الأمل منه نهائياً، فكأن المرأة متزوجة بامرأة مثلها فإذا رضيت بالبقاء على هذه الحالة فذاك، وإلا كان لها الحق، ولذا بالغ الشافعية في هذا فقالوا: إن لها الحق في الفسخ، ولو قطعته هي بيدها.
والعنين فقد عرفوه بأنه العاجز عن اتيان امرأته في قبلها، حتى ولو كان قادراً على اتيان غيرها. أو اتيانها هي في دبرها، ويشترط لإثبات العنة شرطان: الأول: أن لا يكون الزوج صبياً أو مجنوناً، فإن كان صبياً أو مجنوناً فإن دعوى العنة فيهما لا تسمع، وذلك لأن العنة لا تثبت إلا بأحد أمرين: الإقرار أو نكوله عن الحلف بعد أن تحلف هي يمين الرد، وذلك لا يتصور من الصبي أو المجنون، على أن لها حق الفسخ بالجنون وعليهما انتظار الصبي حتى يبلغ، فعساه أن يبرأ. الثاني: أن لا تكون العنة قد حدثت بعد الوطء، وإلا فلا حق لها في الفسخ. وذلك لأنها في هذه الحالة ترجو زوالها، ولا يشترط عدم علم الزوجة بالعنة قبل العقد فلو كانت عالمة بها فلها حق الفسخ، وذلك لأن العنة بهذا المعنى يرجى زوالها، كما قال المالكية، وقد اعترض بأن العنة لا يمكن أن تعرفها المرأة إلا بعد العقد ومخالطة الرجل، فكيف يعقل أن تعرفها قبل؟ وقد أجيب بأن هذا يتصور فيما إذا تزوجها وعرفت منه العنة ثم طلقها وأراد أن يجدد نكاحها، فإن الأصل استمرار العنة، ولا أدري لماذا لا يكون علمها عن طريق إقراره بها أمامها؟!
فهذه هي العيوب التي توجب الخيار في الفسخ، أما غيرها من عذيطة - تغوط عند الجماع - أو استحاضة، ولو كانت مستحكمة، خلافاً لمن قال: إنها من العيوب، أو بهق، أو بخر. أو قروح سياله. أو حكة. أو نحو ذلك من الأمراض فإنها لا يثبت بها خيار، وكذا إذا كان أحد الزوجين خنثى واضح الخنوثة، كأن كان فرج المرأة كاملاً، ولكن لها ما يشبه الآلة المائتة الصغيرة. أو كان للرجل ذكر واضح وشق لا قيمة له، أما الخنثى المشكل فلا يصح العقد عليه رأساً. على أنهما قالوا إذا كان بأحدهما مرض دائم لا يمكن معه الجماع، وقد أيس من زواله كان من قبيل العنة وحينئذ يفصل فيه بين كونه قبل الوطء فيثبت به حق الخيار أو بعده فلا يثبت.
والحاصل أن العيوب التي يثبت بها حق الفسخ لأحد الزوجين أو لهما سبعة منها ثلاثة مشتركةстр. 1468
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وهي: الجنون والجذام والبرص، ومنها اثنان يختصان بالمرأة وهما: الرتق والقرن ولم يذكروا العقل لأنه داخل فيهما، واثنان يختصان بالرجل، وهما الجب والعنة وأما الخصاء وهو - قطع الأنثيين، مع بقاء الذكر ينتصب - فإنه ليس بعيب، ولو كان لا يمني خلافاً للمالكية، أما إذا استوجب الخصاء عدم الانتصاب كان ذلك في حكم العنين.
وبذلك تعلم أن المالكية زادوا العذيطة في العيوب المشتركة، وزادوا الخصاء والاعتراض في عيوب الرجل وزادوا العفل، والبخر والافضاء في عيوب المرأة كما يعلم من الاطلاع في مذهبهم.
والفسخ بالعيوب المذكورة على الفور، إلا العنة فإنه يمهل الزوج سنة، لا فرق بين أن يكون حراً أو عبداً، خلافاً للمالكية الذين يجعلون المهلة نصف سنة للعبد ووفاقاً للحنفية والحنابلة، ولا أعرف سبباً للتفرقة هنا لأن الدليل الذي بني عليه التأجيل، وهو أن عمر قد أجل للعنين سنة - لم يفرق بين الحر وغيره ويشترط للفسخ بكل عيب من العيوب زيادة على ما مضى شرطان. أحدهما: رفع الأمر للقاضي فلو تراضيا على الفسخ بالعيب الذي يفسخ به فإنه لا يصح. نعم يصح بالمحكم المستكمل للشروط فإذا أقام الزوجان حكماً وقضى بالفسخ فإنه يصح، خلافاً للحنفية. ثانيهما: إقامة البينة على العيب الذي يمكن إثباته بالبينة، كالجذام والبرص. أما العنة فإنها تثبت بإقراره عند القاضي أو عند شاهدين بها عند القاضي، إذ لا يتصور ثبوتها بالبينة، إذا ليس عندهم ما يفيد عرض الزوج على الطبيب الخبير، فإن لم يعترف حلف هو فإن نكل ردت اليمين عليها فحلفت أنه عنين لجواز اطلاعها بالقرائن.
فإذا ثبت العنة عند القاضي بالإقرار. أو الحلف أجل القاضي له الفسخ سنة تبتدئ من وقت ثبوت العنة، وبعد السنة ترفع المرأة الأمر للقاضي، فإن ادعى الزوج أنه أتاها، فإن كانت ثيباً حلف أنه أتاها، فإن نكل عن اليمين حلف أنه ما وطئها، فإن حلفت أو أقر هو بذلك فسخ القاضي بعد قوله: ثبت عنته، أو ثبتت حق الفسخ، ولو لم يقل حكمت، أما إذا كانت بكراً حلفت هي أولاً، فإن نكلت حلف هو، وذلك لأن الظاهر - وهو البكارة - يؤيدها.
فإذا مرضت المرأة أو منعت عنه طرحت أيام مرضها من السنة، وعوض الزوج أياماً أخرى أما إذا وقع ذلك للزوج فإنه يحتسب عليه.
أما السلامة من العيوب الأخرى، كالسواد ونحوه، فقد مر حكمها في الشروط، فارجع إليها إن شئت.
الحنابلة - قالوا: العيوب في النكاح تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول يختص بالرجل، وهي الجب، والعنة، والخصاء، فأما الجب، فهو - قطع عضو التناسل - كله أو بعضه بحيث لم يبق معه ما يمكن به الوطء، والعنة هي - العجز عن وطء امرأته في قبلها - أما لو قدر على وطئها في دبرها أو وطء امرأة غيرها، فإن العنة لا ترتفع عنه بذلك، كما يقول الشافعية والحنفية فمتى عجز الرجل عن وطء امرأته كان عنيناً ولو اشتهاه، والخصاء هو - قطع الأنثيين - أو سلهما كما يسل الأنثيان من الحيوان مع بقاء جلديهما، ولو كان الذكر باقياً سليماً يمكن الوطء به، لأن الخصاء إما أن يمنع الوطء أو يضعفه،стр. 1469
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وكلاهما عيب، فإذا طلبت امرأة المجبوب، أو المخصي فسخ العقد أجيبت إلى طلبها بدون مهلة، ومثل ذلك ما إذا كان الذكر أشل لا أمل في شفائه إذ لا فائدة من التأجيل، وأما إذا كان عنيناً فإنه يؤجل سنة هلالية رجاء برئه. وتبتدئ من وقت المحاكمة، ولا يحتسب عليه منها الأيام التي تنقطع المرأة عنه فيها بفعلها، أما إذا انقطع عنها هو حسبت عليه، ويشترط في ثبوت العنة إقرار الزوج بها أمام القاضي أو أمام بينة تشهد بذلك الإقرار وإن كان للمرأة بينة من أهل الخبرة والثقة عمل بها، وهذا حسن، لأن معنى هذا عرض المعيب على الطبيب الثقة الخبير، وقراره يفصل في الموضوع. ومثل ذلك ما إذا ادعت أن بذكره شللاً فإنه لا يمكن أن يحكم في الموضوع حكماً صحيحاً إلا الطبيب الخبير.
ويشترط في الفسخ شروط: أحدها أن يرفع الأمر لحاكم فلو رفع لغيره وأجل سنة هلالية لا ينفع التأجيل، وكذا إذا فسخه غير الحاكم، وهذا الشرط في كل العيوب إذ لا بد في الفسخ بكل عيب من الحاكم. ثانيها: أن يكون الزوج بالغاً، فلو كان صغيراً أو عجز عن الوطء فلا حق لها في رفعه للقاضي لإثبات عنته، لأنه يحتمل أن يكون ذلك بسبب الصغر، فإذا بلغ وعجز رفع أمره ليمهله سنة كغيره. ثالثها: أن لا ترضى الزوجة بالعنة، فإن علمت بأنه عنين قبل العقد ورضيت به وثبت ذلك العلم ببينة فإن القاضي لا يؤجل، وفاقاً للحنفية، وخلافاً للمالكية. والشافعية الذين يقولون: إن علم المرأة بالعنة قبل الدخول لا يسقط حقها، وإذا علمت بالعنة بعد الدخول وسكتت بدون أن تصرح بالرضا فإنه لا يسقط حقها، أما إذا قالت: رضيت به عنيناً، فلا خيار لها أبداً.
فإن أمهله القاضي سنة، وادعى أنه وطئها في قبلها وكانت ثيباً فأنكرت، فالقول قولها، لأن الأصل عدم الوطء، وقد تأيد ثبوت العنة، فلذا كان القول قولها، وهذا بخلاف ما إذا ادعى الوطء قبل ثبوت العنة وأنكرته، فالقول له مع يمينه، لأن الأصل السلامة، وقد عرفت أنه إن كان للمدعي بينة من أهل المعرفة والثقة عمل بها، كما صرح به في المبدع، ولا أوثق من الطبيبة الثقة، أما إذا كانت بكراً وادعى أنه وطئها في خلال السنة وشهدت ثقة ببقاء بكارتها، كان القول قولها أما إذا شهدت بزوال البكارة كان القول له، فإن قالت: إنه أزالها بغير الوطء، كان عليه في هذه الحالة اليمين، ولا يخفى أن هذه الحالة تعرف بالخبير الثقة، وهي الطبيبة، فيعمل برأيها بناء على ما ذكر والأحوط أن يؤخذ في ذلك برأي طبيبين.
القسم الثاني: يختص بالمرأة، وهو الرتق، والقرن، والعفل، والفتق، وقد عبر عنه المالكية بالإفضاء، وهو اختلاط مسلكي البول والمني، أو اختلاط الدبر بالقبل، ويقال لها - شريم - كما تقدم، والاستحاضة، ويخرج الفرج نتناً يخرج منه بالوطء، أما بخر الفم فهو عيب مشترك كما يأتي، فإذا وجد عيب في المرأة من هذه العيوب كان للرجل طلب الفسخ بدون مهلة ولا ينتظر وقت إمكان الوطء لأن الأصل بقاء المرض بحاله فإذا كانت الزوجة عقلاء، أو قرناء، أو رتقاء وكانت صغيرة، لا ينتظر كبرها، بل له الفسخ في الحال.
القسم الثالث: عيوب مشتركة بين الزوجين، وهي الجنون والجذام والبرص وسلس البولстр. 1470
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) واستطلاق الغائط، أو بعبارة أخرى الإسهال الدائم، ومن باب أولى العذيطة التي يقول بها المالكية، فإن شر من هذا. لأنها عبارة عن التغوط عند الجماع، وقروح سيالة في فرج المرأة. أو ذكر الرجل، ولا يخفى أن السيلان. أو الزهري من هذا، أو هو شر منه والباسور أو الناسور وقراع رأس له رائحة منكره وبخر فم، وأن يكون أحد الزوجين خنثى واضحاً، فإن الخنوثة الواضحة عيب يفسخ به، أما المشكلة فإن العقد يبطل معها.
فأما البرص والجذام والجنون، فإنها تجعل لأحد الزوجين الحق في طلب الفسخ في الحال سواء كان الزوج صغيراً أو كبيراً، وكذلك الزوجة.
ولا فرق في الفسخ بعيب من العيوب المذكورة جميعاً بين أن تكون موجودة قبل العقد أو حدثت بعده، كما لا فرق فيها بين أن يكون قبل الدخول أو بعده، ولكن يشترط في ثبوت حق الفسخ بها كلها عدم الرضا، فإن رضي أحدهما بالعيب صريحاً بأن قال: رضيت، أو ضمناً بان مكن من نفسه، فلا خيار له، ولا يشترط أن يكون أحدهما خالياً من العيب، كما يقول الشافعية والمالكية خلافاً للحنفية، ثم إن كان الفسخ قبل الدخول، فلا مهر لها، سواء كان الفسخ منه، أو منها. وذلك لأن طلب الفسخ إن كان منها كانت الفرقة منسوبة إليها فلا تستحق مهراً، وإن كان منه كانت الفرقة منسوبة إليها لسبب العيب الذي دلسته عليه فكأنه منها. وقد يقال: إنه إذا كان منها العيب في الرجل أنه دلس عليها العيب فكان منسوباً إليه، مثل ما إذا كان العيب بها ودلسته عليه.
وإن كان الفسخ بعد الدخول أو الخلوة فلها المهر المسمى في العقد سواء كان الفسخ منها أو منه وذلك لأن الصداق عندهم يتقرر بالخلوة. والقبلة، والنظر بشهوة، وغير ذلك فلا يسقط ومثل ذلك ما لو مات أحدهما قبل الدخول، وللزوج الحق في الرجوع بالمهر على من غره فأوقعه في الزواج بالمعيبة إذا كان بعد الدخول، أو الخلوة ونحوها، أما قبل الدخول فلا مهر، وأما بعد موت أحدهما فلا رجوع له.
وإذا زوج الولي الصغيرة، أو المجنونة بمعيب. فإن علم به وقت العقد بطل العقد وإن لم يعلم صح العقد. وله حق الفسخ.
وإذا زوجت الكبيرة بمجنون أو أجذم أو أبرص ورضيت به كان للولي حق الاعتراض وطلب الفسخ، لأن ذلك يرجع إلى الكفاءة خصوصاً أن فيه ضرراً يخشى أن يتعدى إلى الولد وإلى الأسرة، أما إذا رضيت بالعنين. والمجبوب والخصي فلا حق للولي في الاعتراض لأن الوطء من حق المرأة دون غيرها وهي رضيت أن تعيش بدونه فلا إكراه لها كما يقول الشافعية في الحالتين، وإذا حدث العيب بعد العقد فلا حق للولي مطلقاً، لأنه حق للولي في ابتداء العقد لا في دوامه) .стр. 1471
أنكحة غير المسلمين
-أنكحة غير المسلمين، سواء كانوا كتابيين، كاليهود، والنصارى، أو غير كتابيين كالمجوس والبراهمة، ومشركي العرب الذين يعبدون الأوثان وغيرهم - لها حالتان:
الحالة الأولى: أن تقع بين المهاجرين من هؤلاء في دار الإسلام، وهي البلاد التي للمسلمين عليها سلطة كاملة لا فرق بين أن يكونوا ذميين مستوطنين خاضعين لما يفرضه المسلمون من جزية وأحكام، أو يكونوا مستأمنين دخلوا البلاد بأمان لتجارة ونحوها بقصد العودة إلى بلادهم.
الحالة الثانية: أن تقع بينهم في ديارهم، دار الحرب - وهي التي لا سلطة عليها للمسلمين - ثم يهاجرون أو يهاجر أحدهم إلى بلادنا، وعلى كلتا الحالتين إما أن تكون موافقة لعقود المسلمين في الشرائط والأركان بأن يتزوجا بإيجاب وقبول. وشهود. وولي، بشرط أن تكون المرأة خالية من الموانع فلا تكون محرماً. ولا تكون معتدة، أو يكون الرجل كذلك، فلا يكون متزوجاً أربعاً ثم يتزوج خامسة أو غير ذلك من الشرائط المتقدمة، فإن كانت موافقة لعقود المسلمين كانت صحيحة في نظر المسلمين بلا خلاف (١) ، فيترتب عليها ما يترتب على أنكحة المسلمين الصحيحة من إرث ووقوع طلاق. وإظهار وإيلاء. ووجوب مهر. ونفقة. وقسم. وإحصاء إلى غير ذلك. وإن كانت مخالفة لعقود المسلمين، فلا يخلو إما أن تكون مخالفة في اشتراط أهلية المرأة. أو الرجل لقبول العقد، أو لا. الأول تحته صورتان: إحداهما أن يتزوج محرماً من محارمه كأمه. وأخته وبنته، كما يفعل المجوس، أو يتزوج عمته، أو يجمع بين الأختين، كما يفعل اليهود، ثانيتهما: أن يتزوجها، وهي في عدة الغير قبل انقضاء العدة، أو يتزوج هو خامسة ومعه أربع. والثاني تحته صور: منها أن يتزوجها بدون شهود وولي، ومنها أن يتزوجها مدة معينة، كسنة. أو شهرين، أو غير ذلك، وهو نكاح المتعة، ومنها أن يطلقها ثلاثاً (٢) ، ثم يعود إليها بدون محلل - والطلاق معروف الآن عند غير المسلمين - ومنها غير ذلك من الشروط المتقدمة، فإن وقع عقد مخالف لعقود المسلمين في بلاد الإسلام، فإننا لا نتعرض لهم بل نتركهم وشأنهم بثلاثة شروط: الحواشي
(١) (المالكية: - قالوا: ستعرف أن لهم قولين في ذلك أظهرهما الحكم بصحة عقد النكاح بين غير المسلمين إذا كان مستوفياً لشرائطه عند المسلمين فلا خلاف وسيأتي إيضاح ذلك في التفصيل الآتي:)(٢) (قالوا: لا يقع طلاق الكافر لأنه يشترط لصحة الطلاق الإسلام كما ستعرفه) .стр. 1472
الشرط الأول: أن يكون ذلك جائزاً في دينهم، فإن لم يكن جائزاً كان زنا، فلا نتركهم فيه وشانهم، كما لا نتركهم إذا سرقوا.
الشرط الثاني: أن لا يترافعوا إلينا لنقضي بينهم.
الشرط الثالث: أن لا يسلم الزوجان معاً. أو يسلم أحدهما، فإن ترافعوا إلينا. أو أسلم الزوجان أو أسلم أحدهما فإن كان العقد على محرم من المحارم، أو كان على أختين أو كان على خمس نسوة فإنهما لا يقران على الزوجية على أي حال، وإن كان على امرأة معتدة ولم تنقض عدتها وقت الترافع أو عند الإسلام، فكذلك يفرق بينهما (١) ، أما إن كان مخالفاً في غير ذلك، فإنهما يقران عليه وفي كل هذا تفصيل المذاهب (٢) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: لا عدة على الكافرة إلا إذا كانت كتابية متزوجة بمسلم وطلقها فإنها تعتد بلا خلاف) .(٢) (الحنفية - قالوا: النكاح الواقع بين الملل الأخرى من كتابيين. أو مشركين، أو صابئين أو مجوس أو غيرهم إذا كان مستكملاً للأركان والشرائط التي ذكرها المسلمون كان العقد صحيحاً في نظر المسلمين لأن كل صحيح بين المسلمين، فهو صحيح بين غيرهم، مثلاً إذا تزوج المشرك مشركة بإيجاب وقبول صحيحين مستكملين للشروط بحضرة شاهدين. أو رجل وامرأتين وأمهرهما ما يصح أن يكون مهراً فهذا النكاح يعتبر عند المسلمين صحيحاً ومهره صحيح كما لو وقع بين مسلمين بلا فرق. أما المالكية فإنهم لا يقولون بصحته، كما سيأتي، وقد استدل الحنفية بقوله تعالى. ﴿وامرأته حمالة الحطب﴾ فقد اعتبر الله سبحانه النكاح القائم بين أبي لهب وصاحبته ونسبها إليه، فقال: "وامرأته" ولو كان فاسداً لم تكن امرأته بحسب العرف واللغة، واستدلوا بحديث "ولدت من نكاح لا من سفاح" ووجه كون الحديث حجة أنه اعتبر ما وقع في الجاهلية موافقاً لعق نكاح المسلمين نكاحاً صحيحاً إذ لو كان فاسداً لكان سفاحاً كسفاح الجاهلية ولكن هذا الحديث لا يصلح حجة.
وستأتي مناقشتة في مذهب المالكية، فاقرأها هناك بإمعان.
أما إذا وقع النكاح بينهم فاسداً فإن ذلك يكون على أنواع: منها أن يقع بغير شهود، فإذا تزوج الكتابي كتابية بغير شهود، أو الوثني تزوج بغير شهود فلا يخلو إما أن يكون جائزاً في شريعتهم أو لا، فإن كان جائزاً فإنهم عليه حتى إذا أسلما بقيا على نكاحهما الواقع بغير شهود، وإذا لم يسلما وترافعا إلى قاضي المسلمين أو ترافع أحدهما فإنه يقرهما عليه ولا يفرق بينهم، أما إذا كان لا يجوز في ديانتهم فإنهما لا يقران عليه عند المسلمين أيضاً، ومنها أن يتزوج كتابي كتابية وهي في عدة الغير، فإن كانت في عدة مسلم بأن مات عنها زوجها المسلم أو طلقها وهي في عدته، فإن النكاح يقع فاسداً بلا خلاف، ويفرق بينهما، ولو كان ذلك جائزاً في دينهم ويتعرض لهم في ذلك وإن لم يسلما، فلا يلزمстр. 1473
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) في التفرق بينهما أن يترافعا إلى القاضي، أو يترافع أحدهما، إذ لا يتصور في هذه الحالة أن يترافعا، ومثل ذلك ما إذا تزوج ذمي مسلمة فإن التفريق بينهما لا يحتاج إلى مرافعة وطلب أصلاً أما إذا كانت العدة في عدة غير مسلم سواء كان موافقاً لها في دينها أو لا، وكان زواج المعتدة جائزاً في دينهم فإن فيه خلافاً، فأبو حنيفة يقول: إنهما يقران عليه قبل الإسلام وبعده، وإذا ترافعا. أو ترافع أحدهما إلى قاضي المسلمين فإنه لا يفرق بينهما، وأما صاحباه فإنهما يقولان: إنهما لا يقران عليه ما دامت المرأة في العدة، بمعنى أنه يفرق بينهما إذا كانت العدة قائمة، أما إذا تزوجها في العدة، ثم انقضت عدتها وترافعا إلى قاضي المسلمين فإنه لا يفرق بينهما باتفاق. والصحيح قول أبي حنيفة والفرق بين عدة الكافر أن العدة تشتمل على حقين: حق الشرع، وحق الزوج. والزوجان الكتابيان ونحوهما لا يخاطبان بحق الشرع. ولا وجه إلى إيجاب العدة حقاً للزوج لأن الزوج لا يعتقد بإجابها.
كما هو المفروض أما إذا كانت عدة مسلم فإنها تجب على الكتابية حقاً للمسلم لأنه يعتدها.
ومن هنا كان الصحيح الذي لا شك فيه أن المسلم إذا تزوج كتابية تحت زوج كتابي وفارقته لا يصح له أن يعقد عليها قبل انقضاء العدة، خلافاً لقول بعضهم: إن العقد عليها يصح، ولكن لا يطؤها إلا بعد الاستبراء بالحيض. لأن العدة كما عرفت فيها حق الله تعالى ويخاطب به من يعتقده. والمسلم يعتقده فيلزمه العمل به. هذا، وإذا فرضنا أن الكتابيين وغيرهم من أرباب الديانات الأخرى لا عدة عندهم، ففارقها زوجها مثلاً بموت، أو طلاق وتزوجها آخر بعد ذلك بأسبوع مثلاً، ثم جاءت بولد قبل مضي ستة أشهر من تاريخ زواجها بالثاني، وهي أقل مدة الحمل، فهل يكون نسب الولد من الزوج الأول أو لا؟ الذي قالوه: أن النسب لا يثبت من الأول، ولكن بعض المحققين قال: إنه يثبت لأنه لا يلزم من صحة العقد على الثاني عدم ثبوت النسب من الأول إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر، لأن معنى هذا أنه ابن الأول بلا كلام، وإن كان عقد الثاني صحيحاً قي ديانتهم، ومنها أن يتزوج محرماً له، كأن يعقد على بنته، أو أخته، كما هو في شريعة المجوس أو يتزوج عمته، أو يجمع بين الأختين كما هو في شريعة اليهود، أو نحو ذلك، فإذا وقع ذلك فإنها تعتبر صحيحة ما داموا على ديانتهم، فيتركون عليها ولا يتعرض لهم أما إذا أسلما. أو ترافعا إلى القاضي لينظر في صحة هذا النكاح، فإنه يجب أن يفرق بينهما، وإن ترافع إليه أحدهما فقيل: يفرق. وقيل: لا.
والصحيح أنه لا يفرق إلا إذا ترافعا إليه معاً، وإذا تزوج اليهودي أختين في عقد واحد وفارق واحدة منهما وهو على دينه، ثم أسلما بقي عقد الثانية صحيحاً ولا يفرق بينهما باتفاق. ومنها أن يطلقها ثلاثاً، ثم يعود إليها بدون محلل، وفي هذه الحالة إذا أسلما أو ترافعا إلينا فإننا نقرهما عليه.
ثم إن القاعدة أن كل عقد يقرهم عليه القاضي إذا ترافعا إليه وهم على دينهم. أو بعد إسلامهم فإنه يترتب عليه ما يترتب على العقد الصحيح من ثبوت نسب، وعدة، وإحصان للزوج ويتوارثان به،стр. 1474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وكل عقد لا يقرون عليه، كنكاح المحارم، فإنه يثبت به النسب. والإحصان ما داموا على ديانتهم، ولكن لا يتوارثان به. وهذا إذا أسلما معاً، أو بقيا على دينهما، أما إذا أسلم أحدهما فإن كانت الزوجة دون الزوج عرض القاضي عليه الإسلام، فإن أسلم بقيت الزوجية بينهما، وإلا فرق بينهما فإذا عرض عليه القاضي الإسلام وسكت عرضه عليه مرة ثانية، وثالثة، فإن سكت بعد الثالثة، فرق بينهما وإن كان الزوج صغيراً، فإن كان مميزاً عاقلاً عرض عليه الإسلام، كالبالغ بدون فرق أما إذا كان غير مميز فإنه ينتظر تمييزه، وإن كان مجنوناً عرض الإسلام على أبويه، فإن أسلما معاً أو أسلم أحدهما بقيت الزوجية قائمة، وإن امتنعا فرق بينهما، وفي هذه الحالة تكون الفرقة طلاقاً لأن الاباء من قبل الزوج.
وهو يملك الطلاق فيكون اباؤه طلاقاً، ولا فرق بين أن تكون الزوجة كتابية، أو وثنية لا كتاب لها لأنها متى أسلمت لا تحل للزوج الكتابي، أو الوثني على أي حال، قال تعالى: ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ فإذا تزوج ذمي مسلمة ثم أسلم فرق بينهما، لأن العقد الأول وقع باطلاً بالإجماع ومن باب أولى إذا كان وثنياً، وإن أسلم الزوج دون الزوجة، فلا يخلو إما أن تكون الزوجة كتابية أو وثنية لا كتاب لها، فإن كانت كتابية بقي النكاح على حاله بدون أن يعرض عليها الإسلام لأنها تحل للمسلم وهي على دينها، وإن كانت وثنية عرض عليها الإسلام، فإن أبت فرق بينهما، ولم تكن الفرقة في هذه الحالة طلاقاً لأن المرأة لا تملك الطلاق فإباؤها الإسلام لا يترتب عليه الطلاق، وإذا تزوج المسلم مشركة أسلمت وتنازعا فقالت: إن المسلم عقد عليها وهي مشركة، فقال: بل عقدت عليها وهي مسلمة كان القول لها، ويفرق بينهما. هذا إذا وقع العقد بين غير المسلمين الموجودين في دار الإسلام، أما إذا وقع بينهما في دار الحرب، ثم هاجر إلينا أحدهما، فإن فيه تفصيلاً يأتي قريباً. هذا، وقد بقي حكم ما إذا تزوج غير المسلم أكثر من أربع، أو تزوج أختين ثم أسلم، وفيه تفصيل، وهو: أنه إذا كان قد تزوجهن بعقود متفرقة حكم بفساد العقد الأخير، أما إذا تزوجهن في عقد واحد فإن فارق واحدة من الخمس أو فارق إحدى الأختين بموت أو إبانة قبل دخول الإسلام فإنه يقر على الأربع الباقيات معه. أو على الأخت الباقية، وإلا فسد نكاح الجميع، سواء كان ذمياً أو حربياً، على الصحيح، وهذا التفصيل إذا لم يقع سبي للزوج ومعه زوجاته، فإذا سبي وتحته خمس نسوة أو أختان بطل نكاح الجميع، سواء كان بعقود متفرقة أو كان في عقد واحد، وإذا سبي معه ثنتان لم يفسد نكاحهما بل يفسد نكاح الباقيات في دار الحرب.
فيفرق بينهما. ومثل ذلك ما إذا كان تحته أربع، وسبي منهن معه ثنتان. فإنه لا يفسد نكاحهما، بل يفسد نكاح الباقيتين في دار الحرب.
وإذا جمع غير المسلم بين البنت وأمها. فلا يخلو إما أن يكون قد جمع بينهما في عقد واحد أو عقود متفرقة وعلى كل إما أن يدخل الإسلام قبل الدخول أو بعده فإن تزوجهما في عقد واحد فنكاحهما باطل، سواء دخل بهما. أو لا، وإن تزوجهما في عقدين ودخل بهما جميعاً بطل نكاحهما بالإجماع، وإن كان قد دخل بواحدة فقط ثم تزوج الثانية بعد الدخول بالأولى ولم يدخل بها وأسلم فسد نكاحстр. 1475
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الثانية، سواء كانت أماً أو بنتاً، وذلك لأن الثانية إذا كانت أماً، ولم يدخل بها لا يفسد نكاح بنتها الأولى. وإن كانت بنتاً فالعقد عليها لا يفسد نكاح أمها، أما إذا عقد على واحدة منهما أولاً ولم يدخل بها، ودخل بالثانية، فإن كانت الأولى بنتاً والثانية أماً بطل نكاحهما معاً. وذلك لأن العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات. أما إذا كانت الثانية بنتاً ودخل بها دون الأم، ففيها خلاف، فبعضهم قال: أن النكاح باطل ويفسخ، وذلك لأن الدخول بالبنت أبطل عقد أمها، والعقد على أمها أبطل عقدها، فإذا أراد أن يتزوج إحداهما بعد الإسلام فإنه يحل له أن يتزوج البنت دون الأم، لأن الدخول بالبنت جعل التحريم مؤبداً بينه وبين أصولها أما العقد على الأم فإنه لا يوجب تأبيد التحريم.
الشافعية - قالوا: نكاح غير المسلمين في ديار الإسلام يتركون عليه ولا يتعرض لهم ما داموا على دينهم، سواء كان صحيحاً في نظر الإسلام، أو فاسداً وإذا أسلموا عليه بدون بحث لأن الأصل في أنكحتهم الصحة، فإذا تزوجها ودخل بها دون شهود، أو تزوجها لمدة معينة مؤقتة - وهو نكاح المتعة - فإنهم يقرون عليه بشرط أن يعتقدوا في نكاح المتعة أنه نكاح دائم أما إذا اعتقدوا أنه مؤقت فإنهما لا يقران عليه وذلك لأنهما إن أسلما قبل انقضاء الوقت المحدد كان إقراراً لهم على فاسد قبل الإسلام ولم يزل عند الإسلام وهو ممنوع، كما ستعرفه.
وإذا أسلما بعد انقضاء الوقت المحدد بينهما فالأمر ظاهر لأنهما يعتقدان انتهاء النكاح بانتهاء وقته فلا معنى لإقرارهما على الزنا، والمعتبر اعتقاد أهل ملة الزوج لا أهل ملة الزوجة.
وقد يقال: إن مثل هذه الأنكحة قال بصحتها بعض أئمة المسلمين أيضاً والكلام هنا يصح أن يكون في الفاسد المجمع على فساده فإذا تزوجها بنكاح فاسد عند جميع المسلمين فإنهم يتركون عليه ويقرون عليه بعد إسلامهم. أو بعد مرافعتهم إلينا إن لم يكن ظاهراً لنا بقاء فساده عند الإسلام، مثال ذلك أن يتزوجها وهي في عدة الغير ويبني بها وتنقضي عدتها ثم يدخلان الإسلام، فإنهما لا يقران على هذا النكاح، وذلك لأن الشرط في إقرارهم على النكاح الفاسد أن لا يستمر المفسد المعلوم لنا إلى وقت الإسلام، فإذا أسلما قبل انقضاء عدتها من الغير ولم يظهر لنا ذلك، فليس لنا أن نبحث عن المفسد ولا عن كونه مستمراً إلى الدخول في الإسلام، أو لا.
وحاصل هذا أننا لا نتعرض لأنكحة غير المسلمين وهم على دينهم، فإذا ترافعوا إلينا أو أسلموا فإننا نقرهم عليها من غير بحث عن كونها وقعت صحيحة أو فاسدة بحيث لا يجوز لنا البحث، فإن ظهر لنا فسادها ننظر فيما إذا كان المفسد باقياً وقت الإسلام، أو زال. فإن كان باقياً فرقنا بينهما، وإن كان قد زال أقررناهم عليه، كما بيناه فيما إذا عقد عليها وهي في عدة الغير.
فإذا لم نعرف أنه تزوجها وهي معتدة فلا يصح لنا أن نسألهما في ذلك أو نبحث عنه، أما إذا كان المفسد ظاهراً لنا بحيث لا يمكن إخفاؤه، كما إذا تزوج المجوسي محرماً من محارمه، كأخته. وبنته، وعمته. وزوجة أبيه. وابنه، فإن المفسد في هذه الحالة ظاهر ومجمع عليه، فإذا أسلماследующие страницы →