Полный текст (2 230 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) تاريخ الزواج الثاني أو ولدته لستة أشهر فأكثر من ذلك التاريخ؟ فإن كان الأول فإن الولد يلحق بالمطلق أو المتوفى، مثلاً إذا طلقها في شهر المحرم، ومضت عليها سنة ونصف لم تحض فيهما مع كونها من ذوات الحيض، ثم تزوجت بغيره وجاءت بولد بعد خمسة أشهر فإنه يكون للأول، لأنها جاءت به لأقل من سنتين من تاريخ طلاقها، ولأقل من ستة أشهر من تاريخ زواجها الثاني، أما إذا جاءت به لستة أشهر من تاريخ الزواج فأكثر فإنه يكون للثاني، لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر، فيحتمل أنها علقت من الثاني، وأن أكثر مدة الحمل سنتان، وقد مضى في هذه الحالة أكثر منها من تاريخ طلاقها من الأول، فلا يمكن نسبة الولد إليه، ويكون النكاح صحيحاً في هذه الحالة، لأنه يتبين أن عدتها قد انقضت بحملها من الثاني فإذا ولدته لأكثر من سنتين منذ طلقها الأول، ولأقل من ستة أشهر منذ تزوجها الثاني، كما إذا تزوجت بعد سنة وثمانية أشهر من تاريخ طلاقها، ثم ولدت لأربعة أشهر من تاريخ زواجها، فتكون قد ولدت لسنتين وشهرين من تاريخ طلاقها ولأربعة أشهر من تاريخ زواجها، فإن الولد لا ينسب لا للأول ولا للثاني، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الزوج الثاني يعلم بأنها في العدة أو لا، لأنه متى أمكن نسبة الولد إلى واحد منهما على الوجه الذي ذكرناه فإنه ينسب إليه، سواء كان العقد صحيحاً أو فاسداً، لأن نسبة الولد إلى أحدهما أولى من ضياعه ونسبته إلى الزنا، على أنه إذا كان الثاني لا يعلم بأنها في العدة فإن نكاحه يكون صحيحاً، وسيأتي إيضاح ذلك في مباحث النسب.
المالكية - قالوا: يشترط لانقضاء العدة بالحمل أربعة شروط: الشرط الأول: أن يلحق الولد بالزوج، بأن يثبت نسبه منه ولو نفاه بسبب اللعان الآتي بيانه، متى ثبتت خلوته بها، لأنه وإن نفاه في الظاهر، ولكن يحتمل أنه منه في الواقع، فتنقضي عدتها بوضعه، فإذا لم يلحق نسب الولد بالزوج المتوفى، فإن العدة لا تنقضي بالوضع، مثلاً إذا تزوج امرأة وهي حائض، ثم طهرت من الحيض ولم يقربها، ثم حملت سفاحاً وظهر حملها ومات زوجها عنها، فلا تنقضي عدتها بوضع الحمل، بل لا بد من مضي أربعة أشهر وعشرة أيام، وهي عدة الوفاة فإن وضعت بعد ثلاثة أشهر من وفاته مثلاً فإن عدتها لا تنقضي، بل لا بد من أن تنتظر شهراً وعشرة أيام بعد الوضع حتى تكمل أربعة أشهر وعشراً، وإذا انقضت أربعة أشهر وعشر قبل أن تضع فلا تنقضي عدتها إلا بالوضع.
هذا في المتوفى عنها زوجها، أما المطلقة فإنها إذا حملت من زنا وهي تحته فإن عدتها لا تنقضي إلا بثلاثة أطهار تحسب لها بعد وضع الحمل، بحيث تحيض بعد الوضع ثلاث حيض وتطهر منها، ولا تنقضي عدتها إلا إذا رأت دم الرابعة.
الشرط الثاني: أن تثبت خلوته بها زمناً يمكنه أن يطأها فيه، وليس معه نساء متصفات بالعدالة والعفة، ولو واحدة، فإذا خلا بها لحظة صغيرة، أو كان معهما واحدة متصفة بالعدالة والعفة فلا تعتبر الخلوة، أما إذا كان معها نساء متهتكات معروفات بالسقوط فإنهن لا يمنعن صحة الخلوة فإذا لم تثبت الخلوة وظهر بها حمل فإنها تعتد بوضعه ما لم ينفه الزوج بلعان، فإن نفاه فإن وضعه لا يكون عدة لها،стр. 1752
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ولكن يكون استبراء ولا نفقة لها عليه ولا يتوارثان. أما إذا ثبتت الخلوة ونفاه بلعان فإنها تعتد بوضعه. لأن نفيه إياه في الظاهر لا يرفع احتمال أن يكون منه في الواقع.
الشرط الثالث: أن ينفصل الولد كله منها بعد الطلاق فلو نزل بعضه فإن عدتها لا تنقضي. وفي انقضاء العدة بنزول ثلثيه الخلاف المتقدم في عدة المتوفى عنها زوج وهي حامل.
الشرط الرابع: أن يكون حملاً ولو قطعة لحم. وقد عرفت أنه يعرف بصب الماء الحار عليه فإن لم يذب كان حملاً.
ثم إن المالكية قالوا: إن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وأكثرها خمس سنين، وهذا هو المشهور الذي درج عليه القضاء عندهم، فإذا طلق امرأته واعتدت بالحيض أو بالأشهر في حال ما إذا مات عنها زوجها، وانقضت عدتها بثلاث حيض في الحالة الأولى، أو بأربعة أشهر وعشرة في الحالة الثانية ثم جاءت بولد لأقل من خمس سنين تحسب من زمن انقطاع وطئه عنها، فإن الولد يلحق نسبه بالزوج إن كان ميتاً بلا كلام، ويلحق بالمطلق إن كان حياً ما لم ينفه بلعان، بأن يدعي أنه ابن زنا ويلاعن بالكيفية الواردة في القرآن، كما يأتي في مباحث اللعان.
هذا إذا لم تتزوج حتى انقضت عدتها بالأشهر إذا كانت متوفى عنها زوجها أو بالحيض إن كانت مطلقة، وليس الحيض دليلاً على انقضاء العدة عند ظهور الحمل، لأن الحامل قد تحيض عند المالكية، أما إذا تزوجت غيره قبل الحيض، أو بعد الحيض، ثم جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من الزواج الثاني، فإن الولد ينسب إلى الزوج الأول، ويفسد نكاح الزوج الثاني، لأنه يتبين في هذه الحالة أنه نكحها وهي في العدة، وتنقضي عدتها في الاثنين بوضع الحمل، أما إذا ولدته لستة أشهر فأكثر من وطء الثاني فإنه يلحق بالثاني، ولو ولدته قبل انقضاء أقصى مدة المحل من انقطاع وطء الثاني، وهي الخمس سنين، ولا يفسخ النكاح.
وإذا ارتابت المرأة في وجود الحمل بعد انقضاء عدتها، فإنه لا يحل لها أن تتزوج حتى تزول الريبة، ولو مكثت أقصى مدة الحمل، وهي خمس سنين، فإن تزوجت وهي مرتابة، فإن تزوجت قبل مضي الخمس سنين بأربعة أشهر، وولدت لخمسة أشهر من وطء الثاني، فإن الولد لا ينسب لواحد منهما، أما الأول فلأنها ولدته بعد الخمس سنين بشهر، وأما الثاني فلأنها ولدته لأقل مدة الحمل، وهي ستة أشهر، وتحد المرأة لأنها تكون زانية، وقد استشكل بعض العلماء هذا فقال: إن الخمس سنين ليست محددة بكتاب الله، خصوصاً أن بعضهم قال: إن مدة الحمل قد تكون سبع سنين، وعلى هذا فينسب الولد الأول، ولا تحد المرأة.
الشافعية - قالوا: يشترط لانقضاء العدة بوضع الحمل ثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يكون الحمل منسوباً إلى رجل له حق في العدة، ولو احتمالاً، فدخل بذلك الوطء بالعقد الصحيح والفاسد والوطء بشبهة الحمل الحاصل بسبب واحد من هذه الأشياء ينسب إلى الواطئ فيوجب العدة، أما وطء الزنا فإنه لا عدة فيه، ويحل التزوج بالحامل من الزنا ووطؤها وهي حامل على الأصح، فلو جهل حالهاстр. 1753
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) هل هو من الزنا، أو من وطء الشبهة، عوملت بوطء الشبهة بالنسبة للحد، فلا تحد، عوملت بوطء الزنا بالنسبة للعدة عليها، وقوله: ولو احتمالاً لإدخال وضع الحمل المنفي بلعان، فإنه وإن كان الولد لا ينسب إلى الواطئ لأنه زعم أنه تولد من الزنا، ولكن يحتمل أنه كاذب في الباطن فتنقضي العدة بوضعه، ولذا لو استلحقه بعد نفيه، يلحقه وينسب إليه، فإن حملت بزنا أو بوطء وهي تحت زوجها، ثم مات عنها فإنها تعتد عدة وفاة فلا تنقضي عدتها إلا بمضي أربعة أشهر وعشرة أيام، مثلاً إذا كانت متزوجة صبياً لا يولد لمثله، بأن كان دون تسع سنين، أو متزوجة برجل ممسوح، أي مقطوع الذكر والأنثيين، ثم مات فوجدت حاملاً، فإن عدتها لا تنقضي إلا بمضي أربعة أشهر وعشرة، بحيث لو وضعت قبلها فإن عدتها لا تنقضي، وذلك لأن الولد في هذه الحالة لا يمكن نسبته إلى الزوج لا حقيقة ولا احتمالاً. وهذا بخلاف ما إذا كان مقطوع الانثيين دون الذكر، أو العكس، فإنه في الحالة الأولى يحتمل أن ينزل ماءً تحمل منه، وفي الحالة الثانية يحتمل أن يساحقها فينزل المني بواسطة الانثيين. وعلى كل حال فلا تنقضي عدتها إلا بوضع الحمل، لأن الولد ينسب إلى الميت.
أما إذا طلقها فوطئها شخص آخر، وهي في عدتها بعقد فاسد، أو وطئها بشبهة فحملت منه فإنها في هذه الحالة تعتد عدتين: عدة وطء الشبهة وعدة الطلاق. وتبدأ بالعدة الأولى، فإذا وضعت الحمل انقضت عدة الوطء الفاسد، ثم تعتد بعد انقضاء النفاس عدة كاملة بثلاثة أطهار، فإذا لم تحمل بالوطء الفاسد فإنها تبدأ بعد الطلاق، فتقضي ثلاثة قروء كاملة من وقت طلاقها بحيث لو كانت طاهرة بعد انقضاء نطقه بالطلاق، ثم حاضت يحسب لها ذلك طهراً كاملاً. وبعد أن تنتهي من عدة الطلاق تعتد عدة أخرى للوطء الفاسد بثلاثة قروء أخرى.
وبهذا تعلم أن عدة الوطء الفاسد تقدم في حالة ما إذا حملت به، أما إذا لم تحمل فإن عدة الطلاق تقدم حتى ولو كان الوطء الفاسد قبل الطلاق، مثلاً إذا وطئها شخص بشبهة، وهي في عصمته، ولم تحمل من وطئه، ثم طلقها زوجها فإنها تعتد لطلاقه أولاً.
هذا إذا وطئها شخص غير زوجها، أما إذا طلقها زوجها طلاقاً رجعياً قبل أن يراجعها فقد تقدم حكم ذلك في مبحث الرجعة، وهو إن كانت من ذوات الحيض تبتدئ عدتها من بعد الفراغ من الوطء وما مضى من العدة يسقط، أما ما بقي فإنه يدخل في العدة الجديدة لا فرق في ذلك بين أن تحمل من هذا الوطء أو لا، مثلاً إذا طلقها وهي غير حامل، ثم وطئها بعد مضي قرء من عدتها، فأحبلها بذلك الوطء، فإن عدتها تنقضي بوضع الحمل ويدخل فيها ما بقي لها من قرأين فلا تطالب بهما بعد انقضاء الوضع، وكذا إذا طلقها وهي حامل ثم وطئها قبل الوضع فإن عدتها تنقضي بوضع الحمل، ولا تطالب بعدة الاقراء بعد الوضع لأن الغرض من العدة معرفة براءة الرحم وهو مشغول، فلا حاجة لعدة أخرى، بل تدخل في عدة الحمل، لأنه هو صاحب العدة، وإذا كانت مكن ذوات الأشهر، فكذلك تبدأ عدتها من وقت الوطء، ويدخل فيها ما بقي من الأشهر وقولهم: إذا طلقها طلاقاً رجعياًстр. 1754
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) احترز به عما إذا طلقها طلاقاً بائناً، ثم وطئها وهو عامل بالتحريم، فإن ذلك يكون زنا لا عدة له عندهم.
وحاصل ذلك أنه إذا طلقها طلاقاً رجعياً، ثم وطئها قبل الرجعة كان ذلك الوطء وطء شبهة تعتد له، لأن بعض الأئمة يقول بجوازه، فلا فرق فيه بين أن يكون عالماً بالتحريم أو جاهلاً أما إذا طلقها طلاقاً بائناً ثم وطئها، فإن كان عالماً بالتحريم فإن وطأه يكون زنا، وإلا بأن كان قريب عهد بالإسلام ويجهل، أو يعلم التحريم، ولكنه ظنها امرأته الأخرى، فإنه يكون وطء شبهة يجب فيه العدة.
هذا، وليس له أن يطأ حاملاً بوطء الشبهة، حتى ولو راجعها قبل وضع الحمل.
الشرط الثاني: أن ينفصل منها الولد، فلو مات في بطنها ومكث سنين كثيرة ولم تلد، فإن عدتها لا تنقضي، ولو كانت حاملاً باثنين، فإن عدتها لا تنقضي إلا بانفصال الولد الثاني.
الشرط الثالث: أن يكون الولد مخلقاً، بأن أخبر القوابل أنه حمل لظهور يد أو أصبع، أو ظفر بخلاف ما إذا وجد شك في أنه لحم إنسان، فإنها لا تنقضي به العدة، وكذا إذا أسقطت علقة غير مخلقة، فإنها لا تنقضي بها العدة.
واعلم أن أقل مدة الحمل عند الشافعية ستة أشهر كغيرهم، وأكثرها أربع سنين فإذا فارق امرأته بطلاق بائن، أو رجعي، أو فسخ فجاءت بولد بعد أربع سنين، وتحسب من ابتداء فراقها ناقصة لحظة الوطء التي أحبلها بها قبل طلاقها لأن المعقول أن مدة الحمل تحسب من وقت علوق الولد لا من وقت طلاق المرأة، وأكثرها أربع سنين، فإذا حسبت من تاريخ فراق المرأة بطلاق ونحوه كانت أكثر من أربع سنين، فلا بد إذاً من أن يقال أربع سنين من وقت علوق الولد أو يقال: أربع سنين من وقت الفرقا ناقصة لحظة الوطء التي حملت فيها قبل الفراق، وعلى كل حال فإذا جاءت المرأة بولد بعد أربع سنين كان الولد ابناً للمطلق، إلا إذا تزوجت بغيره وكان الزوج الثاني قادراً على الوطء، أما إذا تزوجت ممن لا يمكنه الوطء لصغر أو غيره وجاءت بولد فإنه ينسب للمطلق أيضاً، لأن الزوج الثاني لعدمه، فإذا تزوجت المطلقة وهي في العدة، وكان الزوج الثاني يجهل كونها في العدة فولدت له لأكثر من أربع سنين من طلاق الزوج الأول كان الولد للزوج الثاني بشرط أن تلده لستة أشهر فأكثر من تاريخ وطئها، مثلاً إذا طلقت وهي من ذوات الحيض ومضت عليها ثلاث سنين وأربعة أشهر ولم تحض، ثم تزوجت بآخر ووطئها ثم ولدت بعد ثمانية أشهر.
فإن الولد يكون للثاني، لأن أقصى مدة الحمل، وهي أربع سنين فقد انقضت وجاءت به لأكثر من ستة أشهر، ولو كان طلاق الأول رجعياً، على المعتمد، أما إذا جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر من وقت وطء الثاني أو لأقل من أربع سنين من وقت طلاق الأول، فإن الولد يلحق بالأول، ثم إن المرأة تنقضي عدتها بوضع الحمل بالنسبة للزوج الأول، وتعتد ثانية للوطء الثاني المبني على نكاح الشبهة.
هذا، وإذا أمكن نسبته لهما معاً بأن جاءت به لستة أشهر فأكثر من وطء الثاني، ولأقل من أربع سنين من طلاق الأول، فإن الولد في هذه الحالة يعرض على القائف، أي الذي يعرف الشبه، فيقول:стр. 1755
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وجه هذا الولد كوجه فلان، أو يده، أو رجله، أو أصابعه، أو نحو ذلك، وما يحكم به القائف يعمل به، فإذا لم يوجد قائف، أو اختلفت القافة في أمره، فإن الولد يترك للبلوغ، وبعد البلوغ يختار أيهما شاء، وينسب إليه.
وقولهم: ولو كان الزوج الثاني يجهل كونها في العدة خرج به ما إذا كان يعلم أنها في العدة، فإنه يكون زانياً لا يترتب على وطئه نسب ولا عدة، كما تقدم.
الحنابلة - قالوا: يشترط في انقضاء العدة بوضع الحمل ثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يلحق الولد الزوج، فإن لم يلحقه، كما إذا كان الزوج صغيراً دون عشر سنين أو كان ممسوحاً، وهو مقطوع الذكر والأنثيين أو مقطوع الأنثيين فقط، لأنه لا يلد، ثم توفي وتبين أن امرأته حامل، فإن عدتها لا تنقضي بوضع الحمل، لظهور أن الولد ليس ابنه، فلا يلحق نسبه به، ومثل ذلك ما إذا تزوجها، ثم مات عقب العقد بدون أن يمضي وقت يتمكن فيه من وطئها. أو دخل بها ثم مات عنها، وجاءت بولد لأقل من ستة أشهر من وقت العقد، فإنها في كل هذه الأحوال لا تنقضي عدتها بالوضع، بل لا بد من مضي أربعة أشهر وعشراً إذا كانت حرة، ونصفها إذا كانت أمة، وتبدأ عدتها بعد وضع الحمل، فعليها عدتان: عدة الوطء الفاسد، وتنقضي بوضع الحمل، وعدة الزوج المتوفى، وتنقضي بأربعة أشهر وعشرة أيام، تبدأ فيها عقب الوضع، وإذا عقد عليها عقداً فاسداً، كما تزوجها بغير ولي أو شهود، ثم وطئها فحملت، وتوفي عنها، فإن عدتها تنقضي بوضع الحمل، وإذا لم تحمل فإنها تعتد بأربعة أشهر وعشرة أيام، كالمتوفى عنها زوجها بالعقد الصحيح، وهذا بخلاف ما إذا عقد عليها عقداً مجمعاً على بطلانه، كما إذا عقد على امرأة وهي في عدة غيره ووطئها، فإنه إذا توفي عنها وهي غير حامل، فإن عدتها تنقضي بثلاث حيض، لأن هذا العقد كالعدم، فالغرض من العدة ثبوت براءة الرحم بالحيض كما إذا زنا شخص بامرأة، فإنها يجب عليها أن تعتد بثلاث حيض، ولا تجب العدة بالخلوة في العقد الباطل المجمع على بطلانه، وإنما تجب بالخلوة في العقد الفاسد.
والحاصل أن العدة تجب بالوطء، سواء كان بعقد صحيح أو فاسد أو زنا، وسواء كانت المرأة مكرهة أو مطاوعة، ولكن إذا توفي الزوج ولم تكن حاملاً، فإنها تعتد بأربعة أشهر وعشراً في العقد الصحيح، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، مدخولاً بها أو غير مدخول بها، فإن كانت حاملاً، وكان زوجها كبيراً يولد لمثله، فإن عدتها تنقضي بوضع الحمل، وإن كان صغيراً لا يولد لمثله، أو ثبت أن الحمل ليس من زوجها المتوفى، فإن عدتها لا تنقضي بوضع الحمل، بل لا بد من أربعة أشهر وعشر تحسب لها عقب الولادة، ومثل العقد الصحيح العقد الفاسد، وهو الذي لم يصح عند الحنابلة، ولكن قال به غيرهم من الأئمة، كالعقد بغير ولي، أو شهود، أما العقد الباطل المجمع على بطلانه، فإنه إن وطئها ولم يحبلها، ومات عنها، فإن عدتها تنقضي بثلاث حيض، ومثل ذلك ما إذا زنى بها، وقد عرفت حكم ما إذا أحبلها، أما إذا طلقها وهو حي فسيأتي حكمه بعد، ولكن بفارق حكمه حكم المتوفى عنها زوجها فيما إذا طلقها وهو صغير لا يولد لمثله، فإنها لا عدة عليها أصلاً.стр. 1756
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الشرط الثاني: أن تضع كل الحمل، فإذا وضعت بعضه كثيراً كان أو قليلاً، فإن عدتها لا تنقضي وإذا كانت حاملاً باثنين فإن عدتها لاتنقضي إلا بوضع الثاني كله، ويصح العقد عليها بمجرد الوضع، ولكن يحرم وطؤها حتى تطهر من النفاس، ولو انقطع الدم. وإن وضعت ولداً وشكت في وجود آخر، فإن عدتها لا تنقضي حتى يزول الشك.
الشرط الثالث: أن يكون الولد مخلقاً. فإن أسقطت مضغة فإن العدة لا تنقضي بها إلا إذا أخبر النساء الخبيرات بأن هذه المضغة إنسان فإن العدة تنقضي به. بخلاف ما إذا قالت الخبيرات إنه مبدأ خلق آدمي. فإنه لا تنقضي به العدة، بل لا بد أن تشهد بأن به صورة إنسان خفية. ومن باب أولى ما إذا وضعت علقة. أو دماً فإنه لا تنقضي به العدة.
ثم اعلم أن أقل مدة الحمل عند الحنابلة ستة أشهر. كغيرهم. أما أكثرها فهي أربع سنين. وفاقاً للشافعية، وخلافاً للحنفية القائلين: إنها سنتان. والمالكية القائلين: إنها خمس سنين.
فإذا تزوجت المطلقة. أو المتوفى عنها زوجها وهي في العدة فإن النكاح يقع باطلاً على كل حال ولا تنقطع عدتها حتى يطأها الزوج الثاني. سواء علم بالتحريم أو لم يعلم. فإذا فارقها الثاني بنت على عدتها من الأول. مثلاً إذا طلقها فحاضت حيضة وتزوجت بغيره زواجاً باطلاً كانت عدتها الأولى ما لم يطأها الثاني، فإذا وطئها انقضت العدة من الأول، فإذا فارقها الثاني بنت على عدة الأول، واستأنفت العدة من الثاني، فلا تتداخل العدتان، فعليها لزوجها الأول عدة قضت منها حيضة، وبقي عليها حيضتان، وعليها من الوطء الحرام عدة أيضاً تقضيها بعد عدة الزوج الأول ولا فرق في عدة الأول بين أن تكون حيضاً أو شهراً، فإذا جاءت بولد، فإن كان لأقل من ستة أشهر من تاريخ وطء الثاني فإنه يكون للأول، بشرط أن لا يكون سقطاً، بل يعيش كالأولاد، كما تقدم، وبه تنقضي عدة الزوج الأول، ويكون عليها عدة للوطء الثاني بثلاثة قروء، أما إذا ولدته لستة أشهر فأكثر، فإنه ينسب للثاني وبه تنقضي عدة الوطء الثاني، وتبقى عليها عدة كاملة للزوج الأول، فتعتد به بثلاثة قروء بعد ولادتها أيضاً.
هذا إذا أمكن نسبته إلى الثاني فقط، بأن جاءت به لستة أشهر فأكثر من تاريخ وطئه، ولأربع سنين فأكثر من تاريخ طلاقها من زوجها الأول، كأن كانت تحيض كل ثلاث سنين ونصف مرة. أو تأخر حيضها بسبب من الأسباب، ثم حاضت بعد هذه المدة، وتزوجت بآخر قبل أن تحيض الحيضتين الباقيتين، فوطئها وولدت لستة أشهر فأكثر من تاريخ وطئه، فإن الولد في هذه الحالة ينسب للثاني بلا كلام، لأنها ولدته بعد انقضاء أكثر من مدة الحمل من تاريخ الفراق، وأقل مدة الحمل من تاريخ الوطء، فلا شبهة في كون الولد للثاني، أما إذا أمكن نسبة الولد لهما معاً بأن جاءت به لستة أشهر فأكثر من وطء الثاني، ولأقل من أربع سنين من تاريخ طلاقها من الأول، فإن الولد يبحث بمعرفة القافة، بأن ينظر القائف في الواطئين وفي الولد، فإذا ألحقوه بواحد منهما كان ابنه وانقضت به عدتها، وبقيت عليها عدة الآخر ثلاثة قروء، والمراد بالقافة من لهم خبرة بشبه الولد بأبيه.стр. 1757
دليل عدة الحامل، وحكمة مشروعيتها
-اتفق الأئمة على أن وضع الحمل تنقضي به عدة المتوفى عنها زوجها، ولو بعد وفاته بلحظة، بحيث يحل لها بعد نزول ما في بطنها جميعه وانفصاله منها أن تتزوج، ولو قبل دفن زوجها المتوفى، ودليلهم على هذا قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ إذ هو عام يشمل المتوفى عنها زوجها، وغيرها، وهذا هو رأي ابن مسعود ومن تبعه من الأئمة الأربعة وخالف علي، وابن عباس، ومن تبعهما، فقالوا: إن المتوفى عنها زوجها وهي حامل إذا وضعت حملها قبل انقضاء أربعة أشهر وعشرة أيام، فإن عدتها لا تنقضي بوضع الحمل بل لا بد من انتظار مضي المدة بتمامها، أما إذا انقضت مدة أربعة أشهر وعشرة أيام قبل الوضع فإن عدتها لا تنقضي إلا بوضع الحمل، لأنه حمل الزوج المتوفى فتجب صيانته، ودليلهم على ذلك قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ فإنها عامة تشمل الحامل والحائل، وقد يقال في وجهة نظر علي، وابن عباس ﵄: إن عدة المتوفى زوجها لوحظ فيها أمران: براءة الرحم، وحرمة الزوج المتوفى، ورعاية خاطر أهله الأحياء، فحظر الله علي المرأة المتوفى عنها زوجها أن تبادر بمفاجأة أهله المكلومين بالتزوج بغير المتوفى، حرصاً على نفوسهم من التألم بآلام الغيرة، فقدر لها أقل مدة يسهل فيها على نفوس أهل الميت أن تتزوج امرأته بغيره، ويرشد لذلك ما كان عليه أهل الجاهلية بإزاء ذلك فإنهم كانوا يحبسون المرأة التي مات زوجها فيحرمونها من الزينة، ومن التزوج، ومن كل شؤون الحياة طول حياتها، فأنزلهم الله عن عادتهم هذه تدريجاً،
الحواشي
(١) هذا ما قاله الفقهاء، ولعله يقوم مقامه في زماننا تحليل الدم، فإذا أمكن معرفة كون دم الطفل من دم والده يكون حسناً، وإذا لم يمكن معرفة شبهه بواحد منهما، أو اختلف القافة في أمره، فإن عليها أن تعتد بثلاث حيض بعد وضعه على أي حال، سواء كانت العدة للأول أو للثاني أو يتزوجها بعد انقضاء الثلاث حيض بعقد صحيح.
واعلم أنه إذا تزوج معتدة، وهما عالمان بالعدة وعالمان بتحريم النكاح فيها، ووطئها كانا زانيين عليهما حد الزنا، ولا مهر لها لأنها زانية مطاوعة. ولا نظر لشبهة العقد لأنه باطل مجمع على بطلانه إلا إذا كانت معتدة من الزنا. فإنها تعتد عند الحنابلة بثلاثة قروء وإن كانت من ذوات الحيض وبثلاثة أشهر إن كانت آيسة، كما تقدم، فإذا زنى رجل بامرأة واعتدت من الزنا، وتزوجها آخر، وهي في العدة، ووطئها لم يكونا زانيينن بل يكون وطء شبهة، لن نكاحهما في هذه الحالة قال بجوازه الحنفية، والشافعية، إلا أن الشافعية يقولون بجواز وطئها ولو حاملاً أما إذا جهلا انقضاء العدة، فإن النسب يثبت وينتفي الحد ويجب المهر، وإن علم هو دونها فعليه الحد وعليه المهر دونها بالعكس إذا علمت هي دونه، فإن عليها الحد ولا مهر لها) .стр. 1758
كما هو الشأن في أحكام الشريعة الإسلامية، ففرض على المرأة أن تنتظر سنة بعد وفاة زوجها، فلما استقر ذلك الحكم في أنفسهم أنزل العدة إلى أربعة أشهر وعشراً وهي أقل مدة ممكنة، وجعلها حكماً مستمراً، وإنما قدرت بهذا العدد بخصوصه، لأنك قد عرفت أن الغرض من مشروعية العدة براءة الرحم من جهة، وحقوق الزوجية من جهة أخرى، ولما كان الولد في أول خلقه يمكث في الرحم أربعين يوماً نطفة، وأربعين بوماً علقة، وأربعين يوماً مضغة، ثم ينفخ فيه الروح التي بها الحياة، والحس، والحركة، فقد قدر لبراءة الرحم هذه الأشهر الأربعة مضافاً إليها عشرة أيام تظهر فيها حركته، فتتحقق المرأة من شغل الرحم وعدمه بعد هذه العدة، وتؤدي حقوق الزوج وأهله، ولا يقال: إن هذا التعليل إنما يصح إذا كانت المرأة من ذوات الحيض المستعدات للحمل، أما إذا كانت صغيرة لا تحيض، أو آيسة، أو كانت غير مدخول بها، فإن هذا التعليل لا ينطبق عليها، لأنا نقول: إن هذه المدة وإن كانت لذوات الحيض، ولكن جعلت مقياساً عاماً للجميع، طرداً للباب على وتيرة واحدة.
ولا يخفى حسن التعليل ونفاسته، ومنه يتضح أن الظاهر المعقول يؤيد رأي علي، وابن عباس ﵄، فإن المرأة إذا وضعت حملها في الأسبوع الأول مثلاً من وفاة زوجها وتزوجت بغيره لم يكن لضرب مدة الأربعة أشهر وعشر للمتوفى عنها زوجها فائدة مع أن فائدته ظاهرة، وهي احترام علاقة الزوجية وتعظيمها بين الناس، والحرص على قلوب أهل الزوج المتوفى من التصدع، ولا يقال: إنه قد توجد ظروف قاسية توجب الرحمة بالزوجة والشفقة عليها، وتجعل زواجها سريعاً أمراً ضرورياً لحياتها، خصوصاً إذا وجدت الزوج الكفء الذي لا يصبر، وقد يضيع منها، ولكنا نقول: إن هذا الكلام يأتي في غير الحامل أيضاً إذ ربما تكون في حالة تحتاج معها للزواج. ومع ذلك فإنه لا يحل لها أن تتزوج إلا بعد انقضاء أربعة شهور وعشرة أيام مهما وجد الكفء أو ذهب، ومهما توقفت حياتها عليه، ولكن الأئمة الأربعة لم ينظروا إلى هذه العلل فلذا قالوا: إن العدة أمر تعبدي ليست له حكمة ظاهرة ولكني أعتقد أن قضايا الشريعة السمحة قسمان: قسم يتعلق بالعبادات، وهذه يصح أن يقال فيها: إنها أمور تعبدية، لأنها جميعها أمارات للخضوع والخشوع، والسلطان له أن يضع منها ما يريد بدون أن يقال له: لم فعلت هذه الرسوم دون تلك، وقسم يتعلق بمعاملات الناس بعضهم بعضاً من بيع وشراء وأحوال شخصية، وهذه لا بد لها من حكمة معقولة تناسب أحوال الناس ومصالحهم على أن العبادات في الشريعة الإسلامية قد اشتملت على كثير من الحكم الظاهرة والأسرار البديعة، كما هو ظاهر لمن يتتبع أسرار الطهارة، والصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، فإن منافعها المادية والأدبية ظاهرة في المجتمع الإنساني ظهور الشمس في رابعة النهار.
стр. 1759
هذا ما يتعلق بحكمة التشريع، أما ما يتعلق بفهم ذلك من الآيتين الكريمتين، فحاصله أن آية ﴿والذين يتوفون منكم﴾ عامة من وجه فرض انتظار مدة أربعة شهور وعشراً عن المتوفى عنها زوجها، سواء كانت حاملاً أو حائلاً، وخاصة من وجه، وهو كون الكلام في خصوص المتوفى عنها زوجها، لأنه قال: ﴿والذين يتوفون منكم﴾ أما الآية الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ فكذلك عامة من وجه، وهو أن وضع الحمل تنتهي به عدة المرأة مطلقاً سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها زوجها، وخاصة من وجه، وهو كون الكلام في عدة الحامل بخصوصها، لا في عدة المتوفى عنها زوجها، فكان الاجتهاد في مثل هذا لازماً لا بد منه لدفع ما ظاهره التضارب بين الآيتين، فيمكن أن يقال في بيان اجتهاد علي وابن عباس أنهما قد فهما الآية الأولى على ما هي عليه من كونها خاصة بالمتوفى عنها زوجها، سواء كانت حاملاً أو حائلاً، وجعلا انقضاء مدة أربعة أشهر لازماً للحامل وغيرها، وفهما الآية الثانية على حالها أيضاً، فوافقا على أن وضع الحمل تنقضي به عدة المفارقة حال الحياة وبعد الموت، إلا أنهما قيداه في المفارقة بعد الموت بأربعة أشهر وعشرة أيام، فإذا وضعت قبلها تنتظرها، فخصا الآية الثانية في المتوفى عنها زوجها بانقضاء أربعة أشهر وعشرة أيام المنصوص عنها في الآية الأولى، عملاً بحكمة التشريع التي ذكرناها. أما ابن مسعود ومن تبعه من الأئمة الأربعة فإنهم قالوا: إن الآية الثانية نسخت الآية الأولى بالنسبة للحامل، فمتى وضعت الحمل فإنها لا تنتظر لحظة واحدة، بل تحل للأزواج ولو لم يدفن زوجها، وعلى هذا تكون مدة الأربعة أشهر وعشراً، كان حكماً مؤقتاً للحامل المتوفى عنها زوجها، ثم نسخ.
وقد روى صاحب أعلام الموقعين: أن الصحابة قد اتفقوا بعد ذلك على أن وضع الحمل تنقضي به العدة على أي حال تيسيراً للنساء، فقال ما نصه: وقد كان بين السلف نزاع في المتوفى عنها زوجها أنها تتربص أبعد الأجلين، ثم حصل الاتفاق على انقضائها بوضع الحمل اهـ. على أنه لم يذكر لدعوى الاتفاق هذه سنداً، والمفسرون لم يذكروا هذا الاتفاق، ومع هذا فإنني لا أدري كيف يوفق بين هذا وبين قوله بعد هذا بأسطر قليلة ما نصه: وليس المقصود بالعدة ههنا مجرد استبراء الرحم، كما ظنه بعض الفقهاء لوجوبها قبل الدخول، ولحصول الاستبراء بحيضة واحدة ولاستواء الصغيرة والآيسة وذوات الحيض في مدتها، فلما كان الأمر كذلك قالت طائفة هي تعبد محض لا يعقل معناها وهذا باطل لوجوه: منها أنه ليس في الشريعة حكم واحد إلا وله معنى وحكمة، يعقله من عقله، ويخفى على من خفي عليه، ومنها أن العدة ليست من باب العبادات المحضة، فإنها تجب في حق الصغيرة والكبيرة والعاقلة والمجنونة والمسلمة والذمية ولا تفتقر إلى نية، ومنها أن رعاية حق الزوج والولد والزوج الثاني ظاهرة
стр. 1760
فيها.
فالصواب أن يقال: هي حرام لانقضاء آثار النكاح، ولهذا تجد فيها رعاية لحق الزوج وحرمة له الخ ما قال.
فأنت ترى من عبارته هذه أنه لا يوافق بعض الفقهاء الذين يقولون: إن العدة شرعت لبراءة الرحم في ذوات الحيض، وما زاد على حيضة واحدة فهو للاحتياط، أما غير ذوات الحيض فالعدة فيهن أمر تعبدي، وأنه يرى ما قررناه من أن الأحكام الشرعية المتعلقة بالحقوق لا بد فيها من مراعاة الحكم الموافقة لمصلحة الناس، على أن ظاهر عبارته تفيد أن الحكمة لا بد منها حتى في العبادات وقد عرفت أنه ليس بضروري، لأن العبادات هي أمارات الخضوع، فلا يسأل السلطان عن حكمتها. وإذا كان كذلك فأين رعاية حق الزوج المتوفى إذا وضعت الحمل بعد موته بيوم، ثم تزوجت بغيره. وما حكمة مدة أربعة أشهر وعشرة أيام التي ضربها الله للمتوفى عنها زوجها إذا لم يكن ذلك لمراعاة حق الزوج المتوفى وحق أهله؟!، ولماذا لم يجعل الله عدة المتوفى عنها زوجها كغيرها، فإن كانت حاملاً كانت عدتها وضع الحمل، وإذا كانت من ذوات الحيض كانت عدتها ثلاث حيض. أو ثلاثة أطهار، وإذا كانت آيسة لم تكن لها عدة، كما إذا كانت غير مدخول بها، لأن براءة رحمها محققة؟ لا شك أن هذا واضح، وأن القائلين بتعليل العدة لا يسعهم إلا اتباع علي، وابن عباس، أما الأئمة الأربعة الذين قالوا: إن عدة الحامل تنقضي بمجرد انفصال الجنين منها، ولها أن تتزوج ولو لم يدفن زوجها المتوفى، فإنهم قالوا: إن قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ نسخ عموم قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم﴾ الخ، وأن العدة إما لبراءة الرحم. وإما أمر تعبدي تعبدنا الله به من غير حكمة، فلا يرد عليهم ما ورد على صاحب اعلام الموقعين.
انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وهي حامل
-قد عرفت مما تقدم أن عدة المتوفى عنها زوجها وهي حامل تنقضي بوضع الحمل، ولو بعد وفاته بلحظة باتفاق المذاهب، وعرفت شروط انقضاء العدة بوضع الحمل، وعرفت رأي المخالفين في بعض الصور، ودليل كل، والآن نذكر لك في عدة المتوفى عنها زوجها، وهي حائل، أي غير حامل، وهي أربعة أشهر وعشر للحرة، ونصفها، وهي شهران وخمسة أيام للأمة، لا فرق في ذلك بين أن تكون الزوجة صغيرة أو كبيرة، مدخولاً بها. أو لا، آيسة من المحيض. أو من ذوات الحيض، ولانقضاء العدة المذكورة شروط مفصلة في المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: يشترط لانقضاء العدة بمضي أربعة أشهر وعشر من وقت وفاة الزوج شروط:стр. 1761
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أحدها: أن الوفاة إذا وقعت في غرة الشهر، أي وقت شروق هلاله فلا بد من انقضاء أربعة شهور هلالية وعشرة أيام بلياليها، فلو مات بعد الفجر يحسب اليوم الذي مات فيه وتسعة أيام بعده، فيكون عشرة أيام وتسع ليال، فلا بد حينئذ من انقضاء الليلة العاشرة على المعتمد أما إذا توفي في أثناء الشهر فتحسب العدة بالأيام، فلا تنقضي إلا بمرور مائة وثلاثين يوماً بلياليها وقيل: إذا توفي في أثناء الشهر يحسب لها ما بقي من الشهر الذي مات فيه بالأيام، أما الشهر الذي يليه فيحسب بالأهلة، وكذا ما بعده، ثم تكمل الأيام الناقصة من الشهر الخامس مضافة إلى العشرة أيام، وقد تقدم لذلك إيضاح في مباحث الإيلاء، ومبحث العنين.
ثانيها: أن يكون الزواج بصحيح العقد، فإذا عقد عليها عقداً فاسداً ووطئها ثم مات عنها، تعتد بثلاث حيض إن كانت من ذوات الحيض وإن كانت آيسة أو حاملاً فإن عدتها تنقضي بثلاثة أشهر أو وضع الحمل، فعدة الموطوءة بعقد فاسد أو بشبهة إن كانت حرة ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر إن كانت آيسة أو وضع الحمل، سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها زوجها فإن كانت أمة فعدتها حيضتان. أو شهر ونصف، أو وضع الحمل.
ثالثها: أن يستمر النكاح صحيحياً إلى الموت، فإذا فسد قبل الموت وجبت عليها عدة النكاح الفاسد، مثلاً إذا كان المكاتب متزوجاً أمة مملوكة للغير، ثم اشتراها ومات عنها فإن ترك ما لا يفي ما عليه من دين الكتابة وثمنها فإن العقد يفسد لأنه يكون كالحر في هذه الحالة، والحر لا يصح له أن ينكح أمة بعقد الزواج، وفي هذه الحالة تعتد عدة النكاح الفاسد، وهو حيضتان إن كان قد وطئها، وإلا فلا عدة لها أصلاً، لأن الفاسد لا عدة له، أما إذا مات ولم يترك ما يفي بدينه، فإن العقد يظل صحيحياً، لأن الاثنين يكونان مملوكين فتعتد عدة الوفاة، وهي شهران وخمسة أيام في حق الأمة.
رابعها: أن لا يطلقها طلاقاً بائناً في المرض الذي مات فيه، ويقال لهذا الطلاق: طلاق الفار وهو أن يطلق زوجته طلاقاً بائناً في المرض الذي يموت فيه بدون رضاها، ثم يموت قبل انقضاء عدتها وحكم هذا أن المرأة تعتد عدتين: عدة طلاق وعدة وفاة، على أن تحسب لها ما يدخل في إحداهما، مثلاً إذا كانت من ذوات الحيض وحاضت بعد طلاقها، ثم توفي، فإن عدتها تبتدئ من وقت الوفاة بأربعة أشهر وعشر. بشرط أن تحيض ثلاث حيض من وقت الطلاق، فتحسب لها الحيضة التي حاضتها قبل وفاته، ولا بد لها من حيضتين في عدة الوفاة، فإذا لم تحض في المدة فلا تنقضي عدتها حتى تحيض الحيضتين الباقيتين، فإذا لم تحض لا تنقضي عدتها حتى تبلغ سن الإياس، فإذا طلقها، وهي من ذوات الحيض، ولم تحض قبل وفاته ثم توفي اعتدت عدة وفاة، فإذا رأت فيها ثلاث حيض، فذاك، وإلا كان عليها أن تنتظر حتى تحيض ثلاث حيض.
والحاصل أن عدتها تنقضي بأربعة أشهر وعشرة من وقت الوفاة. وثلاث حيض من وقت الطلاق، فإن حاضت بعضها خارج المدة، وبعضها في المدة حسبت لها، كما إذا حاضتها كلها في المدة وإذاстр. 1762
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) لم تحضها كلها في المدة ولا بعضها، فإنه يلزمها أن تنتظر ثلاث حيض بعدها، فإذا لم تحض فإن عدته لا تنقضي.
هذا ما يختص بالعدة. أما الميراث فإن حقها لا يسقط فيه، فالزوجية باقية حكماً في حق الإرث.
وقولنا: طلاقاً بائناً خرج به ما إذا طلقها طلاقاً رجعياً، فإنه إن مات بعد انقضاء عدتها، فقد انقطعت الزوجية بينهما وسقط حقها في الميراث، ولا تعتد عدة وفاة، وإن مات وهي في العدة فإنها تعتد عدة وفاة بلا كلام، كما لو كانت زوجته. ولا فرق في هذه الحالة بين أن يطلقها في مرض الموت أو في حالة صحته، ثم يموت قبل انقضاء عدتها، لأنها زوجته وترث منه، وقولنا: بدون رضاها خرج به ما إذا طلقها طلاقاً بائناَ برضاها، فإنها تعتد عدة طلاق، ولا يكون لها حق في الميراث وقولنا: في المرض الذي يموت فيه خرج به ما إذا طلقها في حال صحته طلاقاً بائناً، فإنها لا ترث، ولا تنتقل عدتها إلى عدة الوفاة.
واعلم أن عدة الوفاة تنقضي بأربعة أشهر وعشرة أيام في غير عدة الفار مطلقاً، سواء كانت المتوفى عنها من ذوات الحيض أو لا، كما ذكرنا، وسواء حاضت في العدة المذكورة أو لا. كما إذا كانت مرضعة وتأخر حيضها أو حاضت مرة في حياتها. وامتد طهرها إذ لا دخل للحيض في عدة الوفاة، إلا إذا كانت حاملاً فإنها لا تنقضي عدتها إلا بوضع الحمل كما تقدم.
المالكية - قالوا: يشترط لانقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، وهي غير حامل - بانقضاء أربعة أشهر وعشر - شروط:
أحدها: أن يكون العقد صحيحاً مجمعاً على صحته، أو مختلفاً في صحته عند الأئمة، كما إذا عقد عليها وهي محرمة بالنسك، فإن العقد مختلف في صحته، إذ الحنفية يقولون أنه صحيح، أما إذا كان فاسداً فساداً مجمعاً عليه. كنكاح الخامسة، والمحرم، فإن عدتها تكون كعدة المطلقة وهي ثلاثة أطهار إن كانت من ذوات الحيض، وثلاثة أشهر إن كانت آيسة من المحيض، فمن عقد على امرأة عقداً مجمعاً على فساده ووطئها ثم مات عنها فإن عدتها تكون كعدة المطلقة، وقد تقدم بيان الفاسد المجمع على فساده، وغيره في صحيفة ١٢٠ إذا لم يدخل بها فإنه لا عدة عليها. ثانيها: أن يكون مسلماً، فإذا كان ذمياً تحته ذمية مات عنها، وأراد مسلم أن يتزوجها فإن عدتها تكون ثلاثة أشهر إن كانت آيسة من المحيض، وثلاثة أطهار إن لم تكن، وكذا إذا أراد أن يتزوج بها غير مسلم، وترافعا إلينا لنقضي بينهما في ذلك. هذا إذا كانت مدخولاً بها، وإلا فلا عدة عليها أصلاً.
ثالثها: أن تتم أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليها.
رابعها: أن لا يطلقها طلاقاً بائناً ثم يموت عنها وهي في العدة، فإن حدث ذلك فإنها لا تنتقل عدتها إلى الوفاة، بل تعتد عدة الطلاق وتستمر على عدتها، وهذا بخلاف المطلقة رجعياً، فإنه إذاстр. 1763
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) مات عنها وهي في العدة فإن عدتها تنتقل إلى عدة الوفاة، بحيث يلزمها أن تتربص أربعة شهور وعشراً من وقت وفاته، ولو حصلت الوفاة قبل تمام الطهر الثالث بيوم، وإن كانت أمة تنتقل عدتها إلى الوفاة على النصف من الحرة.
خامسها: يشترط في المدخول بها أن تنتقضي مدة أربعة أشهر وعشر قبل أن يأتيها زمن حيضها، وأن تقول النساء: إنه لا ريبة في براءة رحمها من الحمل. ومعنى ذلك أنها إذا كانت مرضعة مثلاً وتوفي عنها زوجها، ومن عادتها أن لا تحيض في مدة الرضاع وانقضت أربعة أشهر وعشرة أيام قبل حلول موعد حيضها، فإن عدتها تنقضي إذا قالت النساء: إنها لا ريبة حمل بها، ومثل ذلك ما إذا كانت تحيض كل خمسة أشهر مرة، وتوفي في أول طهرها، فإنها تمكث أربعة أشهر وعشرة أيام طاهرة قبل أن يأتي زمن حيضها، وفي هذه الحالة تنقضي عدتها إذا قالت النساء أنه لا ريبة بها، أما إذا ارتابت في حملها النساء أو ارتابت هي، فإنها يجب عليها أن تنتظر تسعة أشهر، فإن زالت ريبة الحمل فذاك، وإلا انتظر حتى تحيض أو يمضي عليها أقصى مدة الحمل وهي خمس سنين على الراجح. وقيل: أربع سنين وقيل غير ذلك، فإن كانت تحيض في أثناء المدة وحاضت فإن عدتها تنقضي بالمدة، وإن لم تحض فإن تأخرت عادتها فإن عدتها لا تنقضي حتى تحيض فإذا حاضت انقضت عدتها، وإن لم تحض تنتظر الحيض إلى تسعة أشهر فإن انقضت تسعة أشهر وارتابت في حملها، أو ارتاب النساء فيه فإنها تنتظر حتى تزول الريبة، أو يمضي أقصى زمن الحمل المذكور.
ولا يخفى أن نظرية المالكية في اعتمادهم على قرار النساء خصوصاً الخبيرات يرفع الإشكال في زماننا بتاتاً، لأن الطبيبات المتعلمات يمكنهن الحكم بوجود الحمل وعدمه جزماً بدون انتظار زائد على أربعة أشهر وعشر.
والحاصل أن المدخول بها إن توفي عنها زوجها، فإنه ينظر أولاً لعادتها في الحيض، فإن كانت لا تأتيها الحيضة في مدة أربعة أشهر وعشرة أيام بأن كانت تحيض كل خمسة أشهر مرة وتوفي زوجها، وهي في أول طهر انقضت عدتها بأربعة أشهر وعشرة أيام، بشرط أن لا ترتاب في براءة رحمها، بأن تشعر بحمل، أو ترتاب النساء التي تراها، فإن ارتابت فإن عدتها لا تنقضي، بل تنتظر على الوجه الذي تقدم، أما إن كانت تأتيها الحيضة في أثناء أربعة أشهر وعشرة أيام، فإن حاضت فيها ولو مرة فإن عدتها تنقضي بانقضاء مدة أربعة أشهر وعشراً، وإن لم تحض لسبب مجهول، أو لمرض على الراجح، فإن عدتها لا تنقضي حتى تحيض، وإلا انتظرت تسعة أشهر، فإن لم تحض وارتابت في الحمل، أو ارتاب النساء انتظرت حتى تزول الريبة. أو تمضي خمس سنين، وهي أقصى مدة الحمل.
الشافعية - قالوا: يشترط لانقضاء عدة المتوفى عنها غير الحامل بالأشهر المذكورة شروط:
أحدها: أن لا يطلقها طلاقاً بائناً. فإن طلقها طلاقاً بائناً وتوفي عنها، وهي في العدة، فإنها تستمر على عدتها للطلاق، ولا تنتقل إلى عدة الوفاة، فإذا كانت حاملاً وكان طلاقها بائناً استمرت نفقة عدتها إلى أن تضع الحمل، بخلاف ما إذا طلقها طلاقاً رجعياً. وتوفي عنها، وهي في العدة، فإنстр. 1764
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) عدتها تنتقل من الطلاق إلى عدة الوفاة، وتسقط بقية عدة الطلاق، كما تسقط نفقتها، وذلك لأن العدة التي استحقت عليها النفقة بطلت وانتقلت إلى عدة جديدة، ولذا يجب عليها الإحداد، وهو ترك الزينة، بخلاف المطلقة طلاقاً بائناً، فإنه لا يجب عليها، لما علمت أنها باقية على عدتها الأولى، فلم تنتقل إلى عدة الوفاة.
ثانيها: أن لا ترتاب في براءة رحمها من الحمل، فإن ارتابت، أي شكت في وجود حمل لثقل أو لحركة في بطنها، فلا يخلو إما أن تحدث لها الريبة قبل انقضاء العدة، أو بعدها، فإذا حدثت لها قبل انقضائها، فإنه يجب عليها أن تنتظر حتى تزول الريبة، بحيث لو انقضت عدتها وتزوجت غير زوجها المتوفى وقع النكاح باطلاً، حتى ولو تبين أنها غير حامل في الواقع، فعليها تجديد عقد، وبعضهم يقول: إن النكاح الأول يبقى على حاله، لأن الواقع دل على أنه صحيح، فإذا استمرت مع الزوج الثاني على النكاح الباطل، فولدت لأكثر من ستة أشهر لحق الولد به، وإن أمكن كونه من الأول، بأن ولدته لأقل من أربع سنين من تاريخ طلاقها، لأنها في هذه الحالة تكون قد ولدته لأقل مدة الحمل، فيمكن نسبته للأول، أما إن ولدت لأقل من ستة أشهر، فإن الولد يلحق بالأول، وإن أمكن نسبته إلى الثاني، بأن ولدته لأكثر من أربع سنين، أما إذا حدثت لها الريبة بعد انقضاء عدتها، فإنه يسن لها أن تصبر على الزواج، حتى تزول الريبة، فإذا خالفت السنة وتزوجت بآخر لم يبطل النكاح لانقضاء العدة ظاهراً، إلا إذا قامت قرينة قاطعة على بطلانه، بأن تلد لأقل من ستة أشهر من إمكان علوق الولد بعد العقد، بأن يتمكن الزوج الأول من وطئها وإحبالها، فإذا ولدت لأقل من ستة أشهر من ذلك التاريخ، فإنه يتبين بذلك بطلان العقد الثاني، وأن عدتها من الأول لم تنقض، ويلحق نسب الولد للأول، إذا أمكن نسبته إليه بحيث لا تلده لأقل من أربع سنين، وهي أكثر مدة الحمل، أما إذا ولدته لأكثر من أربع سنين، فإنه لا يمكن إلحاقه به، كما تقدم، أما إذا ولدت لأكثر من ستة أشهر، فإن العقد الثاني يكون صحيحاً، ويكون الولد للثاني، ولم يذكر الشافعية هنا ما إذا أمكن إزالة الريبة بالوسائل الطبية، ومعرفة النساء الخبيرات، ولكنهم قالوا:
إنه يعمل برأي القابلة في الاخبار عن السقط، بأنه لحم إنسان، فقالوا: إذا أخبرت بذلك أربع قابلات - أي مولدا - فإن لها أن تتزوج ظاهراً وباطناً، ويقوم مقام القوابل الأربع رجلان خبيران، وإذا أخبرت قابلة واحدة فإنها يصح لها أن تتزوج باطناً، وعلى هذا فمبدأ الاعتماد على المرأة الخبيرة معتبر عند الشافعية، والغرض واحد، وهو التحقق من براءة الرحم، فيصح حينئذ أن تعرض المرأة المرتابة نفسها على الطبيبات الخبيرات عند الريبة لتتحقق من عدم الحمل، وتستريح من هذا العناء.
واعلم أن هذا الشرط ليس خاصاً بانقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، بل يتناول عدة المطلقة أيضاً، والمفسوخ نكاحها.
وقد عرفت من مبحث - انقضاء العدة بوضع الحمل - أن الصبي. والممسوح، وهو مقطوع الذكر والأنثيين، إذا ماتا عن زوجة فإن عدتها أربعة أشهر وعشر من تاريخ الوفاة، ولو ظهر بها حمل، فقدстр. 1765
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) عرفت أنه إن كان حملها من الوطء بشبهة فعليها عدتان: بأن تنتظر حتى تضع وتنقضي به عدة الوطء بشبهة ثم تشرع في عدة الوفاة بعد الوضع، وتنتظر أربعة أشهر وعشرة أيام، وإن مات عنها زوجها وهي غير حامل، ثم في أثناء عدتها وطئت بشبهة وحملت من هذا الوطء، فإن عدة الوطء بشبهة تنقضي بوضع الحمل، ويحسب لها ما انقضى قبل الوطء من عدة الوفاة، فتبني عليه بعد الوضع، أما إذا كان حملها من زنا، كأن زنى بها شخص وهي تحته، فأحبلها الزاني ومات عنها الزوج فإن عليها أن تعتد عدة وفاة، وهي أربعة أشهر وعشرة أيام، وبذلك تنقضي عدتها، سواء وضعت الحمل. أو لا. ويحل للأزواج تزوجها ووطؤها. وهي حامل على الأصح. لأن المتولد من ماء الزنا لا حرمة له. فإذا أراد شخص أن يتزوج بها. وهي حامل. وجهل حالها. فلا يدري إن كان حملها من زنا. أو من وطء بشبهة. ففيه قولان مصححان: أحدهما أنه يحمل على الزنا فله العقد عليها ووطؤها. ثانيهما: يحمل على وطء الشبهة، فيتركها حتى تنقضي عدتها، والصحيح أنه يحمل على الوطء بشبهة ليندفع عنها الحد، ويحمل على الزنا في جواز العقد عليها ووطئها، فيحل تزوجها ووطؤها بدون عدة.
وبهذا تعلم أنها إذا حملت بعد وفاته، وهي في العدة، من الزنا، فإن حملها لا يقطع عدة الوفاة.
الشرط الثالث: أن تنقضي أربعة أشهر هلالية وعشرة أيام بلياليها، والشرط اعتبار الهلال بقدر الإمكان، فإذا مات في غرة الشهر، أي في أول رؤية هلاله، فلا بد من انقضاء أربعة أشهر هلالية وعشرة أيام بلياليها، كما ذكرنا، أما إذا مات أثناء الشهر فإنها تحسب الباقي من الشهر الذي مات فيه بالأيام، وتكمل الناقص من أيام الشهر الخامس، وما بينهما تحسبه بالأهلة، مثلاً إذا مات في نصف شهر شعبان فإنها تحسب خمسة عشر يوماً من شعبان، وتحسب ثلاثة أشهر بالأهلة، وهي رمضان. وشوال. وذو القعدة. وتأخذ من ذي الحجة، وهو الشهر الخامس لوفاته خمسة عشر يوماً تكمل بها شعبان. لتتم أربعة أشهر كاملة، ثم تأخذ منه عشرة أيام بلياليها فتنقضي عدتها في ست وعشرين ذي الحجة، وعلى هذا القياس، وإذا تعذرت عليها رؤية الهلال. وعدم معرفة الشهر الناقص والكامل، فإنها تحسبه كاملاً دائماً.
الحنابلة - قالوا: يشترط لانقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، وهي غير حامل. بالمدة المذكورة شروط: الأول أن لا يرتاب في براءة رحمها. فإن وجد شك في أنها حامل قبل انقضاء أربعة شهور وعشرة أيام. كأن أحست بحركة أو انتفاخ بطن. أو انقطع دم حيضها. أو نزل اللبن في ثديها. أو نحو ذلك. فإن عدتها لا تنقضي حتى تزول الريبة. فإن ظهر أنها حامل انقضت عدتها بالحمل. وإن ظهر أنها خالية من الحمل انقضت عدتها بعد ذلك وحلت للأزواج فإذا تزوجت مع وجود هذا الشك غير المتوفى فإنه يقع باطلاً، ولو تبين عدم الحمل. وكذا إذا حصلت الريبة بعد انقضاء أربعة أشهر وعشرة أيام فإنه يجب عليها الانتظار حتى تزول الريبة. ولو تزوجت يقع الزواج باطلاً. لأنها في هذه الحالة تكون معتدة. أما إذا لم تحصل ريبة بعد انقضاء العدة ثم عقد عليها ودخل بها. وارتابت. فإن النكاح لم يفسد. لأنه وجد بعدстр. 1766
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) انقضاء العدة ظاهراً. ولكن يحرم عليه أن يطأها حتى تزول الريبة ويتبين عدم حملها. فإن تبين أنها حامل بأن جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من وقت عقده عليها. فإن النكاح يبطل حينئذ. لأنه ظهر أن العقد عليها وقع في العدة. ومثل ذلك ما إذا عقد عليها ولم يدخل بها. ثم وجدت الريبة. فإنه يحرم عليه أن يطأها حتى تزول الريبة. فإن وضعت ولداً لأقل من ستة أشهر من وقت العقد عليها. فإنه يتبين بطلان العقد، كما ذكرنا، لكن يشترط أن يكون الولد الذي جاءت به غير سقط، بحيث يعيش كغيره، وإلا فلا يبطل به العقد، لاحتمال أن يكون سقطاً علقت به بعد وفاة زوجها.
الشرط الثاني: أن لا يموت عنها وهي حامل من غيره، كما إذا كان صغيراً لا يولد لمثله، أو كان خصياً - وهو مقطوع الأنثيين - أو كان مجبوباً - وهو مقطوع الذكر - فإن كليهما لا يلد، أو مات عنها عقب العقد ولم يدخل بها، فإنها في هذه الحالة تلزمها عدتان: عدة تنقضي بوضع الحمل، وعدة الوفاة، وتبتدئ بعد وضع حملها، فيجب عليها أن تنتظر بعد الوضع أربعة أشهر وعشرة أيام.
الشرط الثالث: أن لا يطلقها طلاقاً بائناً في حال صحته، فإذا فعل ومات عنها وهي في العدة، فإن عدتها لا تنتقل إلى عدة الوفاة، بل تستمر على عدتها الأولى، لأنها أجنبية منه في هذه الحالة، بخلاف ما إذا طلقها طلاقاً بائناً وهو مريض مرضاً مخوفاً ومات عنها في عدتها، فإن عدتها تنتقل إلى عدة الوفاة، إلا أن تكون عدة الطلاق أطول فتعتد بها، مثلاً إذا كانت ممن يحضن كل ثلاثة أشهر مرة وطلقها بائنة فحاضت واحدة بعد طلاقها، ومات عنها، فإن عليها أن تنتظر أربعة أشهر وعشرة أيام عدة الوفاة، وهي لا تكفي للحيضتين الباقيتين، فيلزمها الانتظار بعد انقضاء المدة التي تحيض ما بقي لها، فهي تعتد بأبد الأجلين، من عدة الطلاق، أو عدة الوفاة، لأنها في هذه الحالة ترثه، أما إذا طلقها طلاقاً رجعياً، ثم مات عنها وهي في العدة، انتقلت عدتها إلى عدة الوفاة، فعليها أن تنتظر أربعة أشهر وعشرة أيا م من وقت وفاته، وسقطت عدة الطلاق، لأنها في هذه الحالة زوجة له، لها أحكام الزوجية من ميراث وغيره، فإن طلق امرأته في مرض وهي لا ترثه، كما إذا طلق العبد زوجته الحرة، أو الأمة وهو في مرض الموت. ثم مات عنها وهي في العدة فإنها تعتد عدة طلاق، لأنها لا ترث منه، ومثل ذلك ما إذا كانت ذمية تحت مسلم وطلقها في مرض موته فإنها تعتد عدة طلاق لأنها لا ترث منه، وكذا إذا كانت مسلمة ولكن طلقها في مرض الموت طلاقاً بائناً برضاها، كأن سألته الطلاق فأجابها. فإنها تعتد عدة طلاق، لأنها لا ترث في هذه الحالة فإن طلق شخص زوجته وانقضت عدتها بالحيض أو بغيرها ثم مات عقب انقضائها، فلا عدة له عليها، سواء كان الطلاق رجعياً، أو بائناً.
هذا، ولا يعتبر الحيض في عدة الوفاة إلا إذا وجدت ريبة) .стр. 1767
مبحث عدة المطلقة إذا كانت من ذوات الحيض وفيه معنى الحيض وشروطه
-إذا فارق زوجته حال الحياة بطلاق، أو فسخ، وكانت من ذوات الحيض، فإنها تعتد بثلاثة قروء، لقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ ، والمراد بالمطلقات في الآية غير الحوامل طبعاً، بدليل قوله تعالى: ﴿وأولات الحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ فإنها عامة تشمل المطلقات، والمتوفى عنهن أزواجهن، فخصصت قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن﴾ بغير الحوامل، وهذه عدة الحرة، أما عدة الأمة فعلى النصف من عدة الحرة ولكن لم كان القرء لا ينتصف كانت عدة الأمة قرأين كاملين، ويتعلق بهذا المبحث مسائل: أحدها: ما المراد بالقرء؟ ثانيها: هل المرضعة التي يتأخر حيضها بسبب الرضاع تعتد بالحيض بعد فطام الطفل، أو تهتد بالأشهر؟. ثالثها: ما عدة المريضة التي انقطع حيضها بسبب المرض؟. رابعها: ما عدة المرأة الني يستمر بها الدم، ويقال لها: المستحاضة؟ خامسها: ما عدة المرأة التي تأتيها الحيضة كل سنة، أو سنتين إلى خمس سنين مرة، أو كل عشر سنين مرة؟.
سادسها: ما عدة المرأة التي تبلغ بغير الحيض، ولم تر الحيض بعد ذلك؟ في الجواب عن هذه المسائل تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (المالكية - قالوا: أما الجواب عن السؤال الأول، فهو أنه قد اختلف في معنى القرء، فالمشهور أن معناه الطهر من الحيض، فإذا طلقها في أخر لحظة من طهرها، ثم حاضت بعد فراغه من لفظ الطلاق بلحظة حسب لها هذا طهراً، فإذا حاضت مرة أخرى وطهرت، حسب لها طهراً ثانياً، فإذا حاضت وطهرت، حسب لها طهراً ثالثاً، وتنقضي عدتها بنهاية الطهر الثالث بالدخول في الحيضة الرابعة، وقال بعضهم: بل معنى الطهر الحيض، كما يقول الحنفية، والحنابلة، وأن الذي يتتبع مذهب المالكية يجدهم لا يطلقون القرء إلا على الحيض، ولذا رجح أن القرء هو الحيض لا الطهر، وقد أيد بعضهم القول الأول بأن إطلاق القرء على الحيض مجاز، وعلى الطهر حقيقة، ومتى أمكن العمل بالحقيقة فإنه لا يصح العمل بالمجاز، وهذا التأييد غير سديد، لأن التحقيق أن القرء مشترك بين الحيض والطهر، فهو مستعمل فيهما على السواء وليس استعماله في أحد المعنيين أولى في اللغة وإذا كان كذلك فالذي تحصل به براءة الرحم حقيقة إنما هو الحيض لا الطهر، هذا ما قرره بعض محققي المالكية، ولم يرده أحد، فالطاهر أنه يرجحون إطلاق القرء على الحيض، ولكن لم يذكروا ما إذا طلقها أثناء الحيض، فهل تحسب لها الحيضة الناقصة. أو لا؟ وقواعد مذهبهم تقتضي أنها تحسب كماстр. 1768
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) حسب الطهر، أما الحيض المعتبر في العدة، فهو دم خرج تنفسه لا بسبب ولادة، ولا افتضاض بكارة، ولا غير ذلك، من قبل امرأة تحمل عادة، ولا تنقضي به العدة إلا بشروط.
أحدها: أن يستمر يوماً أو بعض يوم على الأقل، أما إذا نزل مدة يسيرة، كاللحظة، فإنه لا يعتبر حيضاً يترتب عليه الطهر الذي تنقضي به العدة، وإن كان يعتبر حيضاً في باب العبادة، فلا يحل لها أن تصلي إلا إذا اغتسلت منه، وإن كانت صائمة يفسد صيامها، على أن الحيض في باب العدة إذا انقطع لأقل من يومين، فإنه تسأل عنه الخبيرات من النساء، فإذا قالت واحدة ظاهرة العدالة، إنه حيض فذاك، وإلا فلا، وسيأتي،
ثانيها: أن لا تكون صغيرة دون تسع سنين، فإن رأت الدم وهي في هذا السن، فإنها لا تكون حائضاً، ومثلها ما إذا بلغت سن الإياس من الحيض، وهو سبعون سنة، وتسأل النساء عن حيض بنت تسع إلى ثلاثة عشر، فإن قلن: إنه حيض فذاك، وإن شككن فيه، أو جزء منه بأنه ليس حيضاً فإنه يعمل برأيهن، وكذا عن حيض بنت الخمسين إلى السبعين، فإنه تسأل فيه النساء كذلك.
ثالثها: أن يكون أحمر، أو أصفر، أو أكدر، والكدرة لون بين السواد، والبياض، وهذا هو المشهور، وقيل: إن لم يكن أحمر فلا يكون حيضاً.
رابعها: أن لا يخرج بعلاج، فإذا عالجت نفسها بدواء لتستعجل الحيض قبل وقته المعتاد فرأت الدم، فإنه لا تنقضي به العدة، وإذا كان كذلك فلا يكون حيضاً يمنع الصلاة والصيام، والاحتياط أن يقضى الصيام، لجواز أن يكون حيضاً، وإذا عالجت نفسها بدواء لتقطع الحيض فانقطع، فإنه يحكم لها بالطهر، وأكثر الحيض لمن لم تر الحيض، ويقال لها: مبتدأة، خمسة عشر يوماً، ولمن لها عادة تحسب لها عادتها، فإن لم ينقطع انتظرت ثلاثة أيام وهكذا في كل مرة تزيد ثلاثة أيام حتى تصل إلى خمسة عشر يوماً ولا تنتظر بعدها، ومحل كونها تستطهر بثلاثة أيام ما لم تكن عادتها خمسة عشر يوماً، فإن كانت فإنها لا تكون حائضاً بعدها، ولو نزل الدم، وأقل الطهر خمسة عشر يوماً، ثم إن المالكية يقولون: إن الحامل قد تحيض.
وأما الجواب عن السؤال الثاني، فهو أن المرضعة تعتد باقراء سواء كان حيضاً، أو كان طهراً من حيض، ولو مكثت ترضع سنين، فعليها أن تنتظر بعد انقطاع الرضاع حتى تحيض ثلاث حيض، فإن انتظرت ولم تحض حتى انقضت سنة بعد فطام الطفل، فإنها تحل للأزواج، ولا فرق في ذلك بين الحرة والأمة، فالأمة المرضعة لا تنقضي عدتها إلا بالحيض، وانقطاعه في زمن الرضاع لا ينقل عدتها إلى الاعتداد بمرور الزمن، وللزوج أن ينتزع الولد منها ويسلمه لمرضعة أخرى لتنقضي عدتها إذا كان في ذلك مصلحة له، كما إذا خاف على نفسه أن يموت وهي في العدة فترثه، إن لم يكن مريضاً، لأن الموت قد يحصل مفاجأة، أو كان يريد التزوج بأختها، وهي تطيل العدة لتحول بينه وبينها، أو كان يريد التزوج برابعة، أو كان يريد قطع نفقة عدتها، ولكن يشترط لذلك ثلاثة شروط:стр. 1769
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الأول: أن يقبل الولد ثدي غيرها، بحيث توجد مرضعة غيرها يقبل ثديها، ولا يضره فراق ثدي أمه.
الشرط الثاني: أن تكون عادتها في الحيض قد تأخرت بسبب الرضاع، أما إذا كانت لا تحيض إلا كل سنتين مرة بحيث لو قطعت الرضاع لا تحيض، فإنه ليس له أن ينزع الولد.
الشرط الثالث: أن ترضعه المرضعة، وهو في حضانتها بأن ترضعه وهو عندها، فإن الحضانة لا تسقط بذلك.
أما الجواب عن السؤال الثالث، وهو ما إذا تأخر حيضها بسبب المرض فإنها تنتظر تسعة أشهر استبراء، أي للتحقق من براءة رحمها، لأن هذه المدة هي مدة الحمل غالباً، وهل تعتبر من وقت الطلاق، أو من وقت انقطاع حيضها؟ قولان: فإذا انقضت الأشهر التسعة التي للاستبراء تعتد بعد ثلاثة أشهر، سواء كانت حرة، أو أمة، وبعضهم يجعل السنة كلها عدة، والأمر في ذلك سهل لأنها على كل حال لا بد لها من انتظار سنة كاملة حتى تنقضي عدتها، فإذا حاضت قبل مضي السنة انتظرت حتى تحيض حيضتين، فإن لم تحض حتى انقضت السنة، فإنها تحل للأزواج، وإلا فإن حاضت، ولو في آخر يوم منها انتظرت الحيضة الثالثة، فإن جاءتها فذاك، وإلا انتظرت حتى تنقضي السنة الثالثة، فإما أن تحيض، وإما أن تحل للأزواج بدون حيض.
هذا إذا كانت حرة أما إذا كانت أمة فإنها تحل بالحيضة الثانية، أو بتمام سنة لم تحض فيها، فإن تزوجت بعد انقضاء السنة الني لم تر فيها الحيض بزوج آخر، ثم طلقت ولم تحض، فإنها تعتد بثلاثة أشهر، لأنها تكون في هذه الحال آيسة من الحيض سواء كانت حرة، أو أمة.
وأما الجواب عن السؤال الرابع، فهو كالجواب عن السؤال الثالث، وهو أن المستحاضة تنتظر تسعة أشهر استبراء لرحمها، لأنها مدة الحمل غالباً، ثم تعتد بثلاثة أشهر، فتنقضي عدتها بسنة كاملة.
أما الجواب عن السؤال الخامس، فهو أن المرأة التي اعتادت أن تحيض كل سنة مرة كالمرأة التي اعتادت أن تحيض كل خمس سنين مرة تعتد بالحيض، بمعنى أنها تنتظر عادتها، فإن جاءتها في آخر يوم من أيام السنة، أو السنتين أو الخمس، فإنها تنتظر الحيضة الثانية، وإن لم تأتها فإنها تحل للأزواج، أما التي تأتيها عادتها بعد خمس سنين، كما إذا كانت تحيض كل ست سنين أو سبع سنين إلى عشر سنين، فقيل: بل تعتد بالاقراء، بأن تنتظر عادتها، فإن لم تأتها حلت، وإلا انتظرت الحيضة الثانية، وهكذا، وقيل: بل تعتد بانقضاء سنة بيضاء، أي لم تر فيها الحيض، فإذا انقضت سنة ولم تحض، فإنها تحل للأزواج، وهذا هو الصواب، وبعضهم يقول: إنها تكون آيسة من المحيض، فتعتد بثلاثة أشهر، ولكنهم استبعدوا هذا الرأي.
وأما الجواب عن السؤال السادس: فهو أن عدة التي تبلغ ولم تر الحيض، أصلاً ثلاثة أشهر، كعدة الآيسة من المحيض، وكعدة الصغيرة التي لم تحض لصغرها، والكبيرة التي يئست من المحيض.стр. 1770
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: في الجواب عن السؤال الأول: إن المراد بالقراء الحيض عندهم بلا خلاف لأنه هو الذي به تعرف براءة الرحم، كما تقدم في عبارة المالكية، فلا تنقضي عدة الحرة إلا بثلاث حيض كوامل، بحيث إذا طلقها قبل الحيض بلحظة ثم حاضت حسبت لها حيضة أما إذا حاضت قبل طلاقه بلحظة ثم طلقها فإنها لا تحسب لها، وتنقضي عدة الأمة بحيضتين كاملتين، ثم إن الحيض الذي تنقضي به العدة، هو دم يخرج من رحم الولادة، بشرائط مخصوصة، فلو خرج من الدبر لا يكون دم حيض، ويتوقف كونه حيضاً على أمور: أولاً: أن ينزل من بنت يسع سنين إلى أن تبلغ سن خمس وخمسين سنة على المختار، فإن رأت الدم وهي أقل من تسع سنين فإنه لا يكون دم حيض وكذا إذا رأته وهي أكثر من خمس وخمسين سنة، وهو سن اليأس على المفتى به. ثانياً: أن يخرج الدم إلى الفرج الخارج ولو بسقوط القطنة أو الحفاض، فإذا حاضت ولكن حبسته بقطنة ونحوها بحيث لم يخرج إلى الفرج الخارج فإنه لا يعتبر حيضاً، ولا يشترط في الحيض السيلان، ثالثاً: أن يكون على لون من ألوان الدم الستة، وهي: السواد، والحمرة، والصفرة، والكدرة، والخضرة، والترابية، يعني يكون كلون التراب. رابعاً: أن ينزل ثلاثة أيام وثلاث ليال، فإذا نزل الدم يوماً أو بعض يوم، أو أقل من ثلاثة أيام بلياليها، فإنه لا يكون حيضاً، وأكثره عشرة أيام ولياليها. خامساً: أن يتقدمه أقل أيام الطهر، وهي خمسة عشر يوماً فإذا رأت ثلاثة أيام دماً، ثم مكثت أربعة عشر يوماً طاهرة، ثم رأت الدم ثانياً فإنه لا يكون حيضاً ولو استمر ثلاثة أيام فأكثر. سادسها: أن يكون الرحم خالياً من الحمل، فإذا رأت الحامل دماً فإنه لا يكون حيضاً.
ومن هذا تعلم أن الحيض الذي تراه الصغيرة جداً والحامل لا يسمى حيضاً، وإنما يسمى استحاضة ومثله الحيض الذي لا يستمر ثلاثة أيام بلياليها، والحيض الذي يأتي قبل أن تنتهي مدة الطهر، وكذلك الدم الذي ينزل بسبب الولادة، فإنه ليس بحيض، وإنما هو دم نفاس، وأما الدم الذي ينزل بسبب افتضاض البكر، فهو غير خارج من رحم الولادة، كما لا يخفى.
وأما الجواب عن السؤال الثاني: فهو أن الحنفية يقولون: إن المرأة إذا حاضت مرة واحدة أقل الحيض، وهو ثلاثة أيام وثلاث ليال، فإنها تكون من ذوات الحيض، فإذا انقطع عنها الحيض بسبب رضاع، أو بسبب آخر، فإن عدتها لا تنقضي حتى تبلغ سن اليأس المتقدم ذكره، وقولهم: إذا حاضت ثلاثة أيام خرج به ما إذا بلغت بغير حيض، أو رأت الحيض يوماً واحداً أو يومين، ثم انقطع عنها، ومكثت سنة لم تحض ولم تلد وطلقها زوجها، فإنها تعتد بثلاثة أشهر وإذا بلغ سنها ثلاثين سنة حكم بإياسها من المحيض.
وأما الجواب عن السؤال الثالث: فهو كالجواب عن السؤال الثاني، فإنها ما دامت من ذوات الحيض وهي التي حاضت مرة ولو أقل الحيض، فإنها لا تعتد إلا بالحيض، فإن لم تحض ثلاث مراتстр. 1771
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) لا تنقضي عدتها حتى تبلغ سن اليأس، وقد عرفت أن لها أن تعالج نفسها بدواء ونحوه لإنزال الحيض، ولو في غير وقته، فإن نزل انقضت عدتها.
واعلم أن الحنفية اختلفوا في جواز تقليد المالكية في هذه المسألة، فقال بعضهم: إنه يجوز الإفتاء بمذهب المالكية، بحيث تنقضي عدة المرأة التي تحيض، ثم يمتد طهرها بعد انقضاء سنة بيضاء لا ترى فيها حيضاً وبعضهم يقول: لا يجوز للمفتي أن يفتي بهذا، وإنما يجوز له أن يقلده لخاصة نفسه، نعم إذا قضى به قاض مالكي فإنه يصح للحنفي تنفيذه بدون كلام، والذي أظنه معقولاً هو الرأي الأول، لأني لم أفهم معنى لقولهم: يجوز للمفتي أن يعمل بهذا الرأي ولا يجوز له أن يفتي به، لأنه لا يخلو إما أن يكون ضعيفاً فليس من الدين في شيء أن يعمل المفتي بالضعيف أو الفاسد ويكون ذلك جائزاً بالنسبة له وممتنعاً بالنسبة لغيره، وإما أن يكون قوياً وحينئذ لا معنى لانفراد المفتي به دون غيره، والظاهر المناسب جواز الافتاء به.
وأما الجواب عن السؤال الرابع: فهو أن المستحاضة التي استمر بها الدم إن كانت لها عادة قبل استمرار الدم ترد إلى عادتها. مثلاً إذا كانت تحيض في أول الشهر أو في وسطه ستة أيام ثم حاضت واستمر الدم فإن حيضها يعتبر ستة أيام من أول كل شهر أو وسطه، وما بقي طهر فتنقضي عدتها بثلاثة أشهر، وعلى هذا القياس، أما إذا لم تعرف عادتها فإن عدتها تنقضي بسبعة أشهر على المفتى به، وذلك بأن يقدر لحيضها عشرة أيام، وهي أكثر الحيض، ويقدر لطهرها شهران بحيث نفرض أنها تحيض كل شهرين مرة أكثر الحيض، فيكون مجموع الحيض الثلاث شهراً، ومجموع الأطهار الثلاثة ستة أشهر. وأما الجواب عن الخامس فظاهر، لأن المرأة إذا كانت من ذوات الحيض ولو لم تحض إلا كل خمس عشرة سنة مرة فإن عدتها لا تنقضي عند الحنفية إلا بالحيض، فإذا لم تحض فإن عدتها لا تنقضي حتى تبلغ سن اليأس، وقد عرفت أنه يجوز تقليد المالكية في انقضاء عدتها.
وأما الجواب عن السؤال السادس، فهو أن المرأة التي تبلغ ولم تر الحيض أصلاً، ومكثت سنة مع زوجها لم تحمل ثم طلقها فإن عدتها تنقضي بثلاثة أشهر، لأنها تكون في حكم اليائسة من المحيض لصغر أو كبر، فإذا بلغت ثلاثين سنة حكم بإياسها، كما تقدم، أما إذا حملت ووضعت الحمل، ثم طلقها وانقضت سبعة أشهر من غير أن ترى الدم، فإن عدتها لا تنقضي بالأشهر، لأن التي تحمل لا يحكم بإياسها، ولو لم تر الدم، لا قبل الولادة، ولا بعدها، وهذه ينبغي أن يقلد فيها المالكية أيضاً، رفعاً للحرج عن عباد الله.
الشافعية - قالوا: في الجواب عن السؤال الأول: إن المراد بالقرء الطهر قولاً واحداً، فلا تنقضي عدة الحرة إلا بانقضاء ثلاثة أطهار، ويحسب لها الطهر الذي طلقها فيه ولو بقيت منه لحظة واحدة، بحيث لو قال لها: أنت طالق، وهي طاهرة ثم حاضت بعد فراغه من النطق بطالق فإن ذلك يحسب طهراً لها وتنقضي عدتها بطهرين بينهما حيضتان بعد ذلك، على أن تدخل في الحيضة الثالثة تحيضстр. 1772
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أن يكون الحيض على لون من ألوان الدم، وهي خمسة: السواد، وهو أقواها، ثم الحمرة، ثم الشقرة، ثم الصفرة، ثم الكدرة.
-(٢) وأن يستمر يوماً وليلة، أعني أربعاً وعشرين ساعة، وهي أقل مدة الحيض، فإن مكث أقل من هذه المدة فلا يكون حيضاً.
-(٣) أن يفصل أقل الطهر بين الحيضتين، وأقل الطهر خمسة عشر يوماً، لأن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً، فإذا فرضنا امرأة عادتها خمسة عشر يوماً حيضاً كان الباقي من الشهر طهراً، وهو أقل الطهر، ولا حد لأكثره.
ثم إن الحامل تحيض على المعتمد، فإذا رأت الدم، وهي حامل ثم انقطع وولدت بعد عشرة أيام من تاريخ انقطاع الدم اعتبرت هذه العشرة طهراً فاصلاً بين الحيض والنفاس، ولا يقال: إن أقل الطهر الفاصل خمسة عشر يوماً، لأن مرادهم به الفاصل بين الحيضتين، أما الفاصل بين حيض الحبلى ونفاسها فلا يلزم أن يكون خمسة عشر يوماً، ومثل ذلك ما إذا تقدم النفاس على الحيض كما إذا ولدت، ثم نفست وانقطع دم النفاس، لأكثر مدته مثلاً، ثم طهرت يوماً أو يومين وحاضت بعد ذلك، فإن هذا يعتبر طهراً فاصلاً بين حيض ونفاس، وإن لم يكن خمسة عشر يوماً فإذا طلقها وهي نفساء، ثم طهرت من نفاسها يوماً أو يومين مثلاً، ثم حاضت فإن ذلك يحسب طهراً لها، وإذا حاضت وهي حبلى فسد صيامها وحرم عليها ما يحرم على الحائض الخ.
أما الجواب عن السؤال الثاني: فإن الشافعية، كالحنفية يقولون: إن المرأة إذا كانت من الحيض فإن حاضت ولو مرة واحدة فإن عدتها لا تنقضي إلا بثلاثة أطهار بحيث إن انقطع عنها الحيض، فلاстр. 1773
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) تنقضي عدتها إلا إذا بلغت سن اليأس، فمن تأخر حيضها برضاع، أو بمرض فإن عليها أن تصبر حتى تفطم الرضيع وتشفى من المرض، ثم تحيض، ولها أن تعالج الحيض بدواء ونحوه فإذا حاضت ولو قبل ميعاد حيضتها فإنه يعتبر، ولا حق للزوج في قطع النفقة والسكنى مهما تضرر على المعتمد.
وهذا جواب عن السؤال الثالث أيضاً، إذ لا فرق بين المرضعة والمريضة.
وأما الجواب عن السؤال الرابع: فهو أن التي يستمر بها الدم ولو كان متقطعاً، فإن كانت لها عادة معروفة، كأن كانت تحيض في أول كل شهر سبعة أيام مثلاً، فإنها ترد إلى عادتها، كما يقول الحنفية، وإن لم تكن لها عادة فإن عدتها تنقضي بثلاثة أشهر هلالية، إن طلقت في أول الشهر، لأن كل شهر يشتمل على طهر وحيض لا محالة، لما علمت من أن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً، فما بقي منه أقل الطهر، وهو خمسة عشر يوماً، أما إن طلقت في أثناء الشهر فإن كان قد بقي منه أكثر من خمسة عشر يوماً حسب لها طهراً لاشتماله على الطهر لا محالة، وإن بقي منه خمسة عشر يوماً فأقل، فإنه لا يحسب لها، فلا بد لها من ثلاثة أشهر هلالية بعده. وقد قال بعض الحنفية: إن عدة المستحاضة ثلاثة أشهر، فيكون موافقاً للشافعية في الموضوع. وأما الجواب عن السؤال الخامس، فهو كالجواب عن السؤال الثالث، لأنك قد عرفت أن المرأة التي تحيض، ولو مرة في حياتها تكون من ذوات الحيض، سواء حاضت كل عشر سنين مرة أو كل خمس سنين مرة، أو لم تحض أصلاً بعد، فإن عدتها لا تنقضي إلا ببلوغ سن اليأس.
وأما الجواب عن السؤال السادس، فهو أن التي تبلغ ولم تر دماً فإنها تكون في حكم الآيسة من المحيض، عدتها ثلاثة أشهر، فإن شرعت في العدة بالأشهر ثم حاضت انتقلت عدتها للحيض كما تقدم.
الحنابلة - قالوا: في الجواب عن السؤال الأول: إن القرء هو الحيض قولاً واحداً، كما يقول الحنفية، وقد استدلوا على ذلك بأن هذا المعنى منقول عن كبار الصحابة، ومنهم عمر وعلي وابن عباس، وأبو بكر وعثمان، وأبو موسى، وعبادة، وأبو الدرداء، فهؤلاء كلهم قالوا: إن القرء معناه الحيض، ثم إن الحيض المعتبر في العدة هو دم يخرج من داخل الرحم لا لمرض ولا بسبب الولادة، يعتاد أنثى إذا بلغت في أوقات معلومة، ويتحقق الحيض بأمور: منها أن يكون لون دم الحيض، وهو الحمرة والصفرة، والكدرة، ومنها أن يستمر يوماً وليلة، وهو أقل الحيض، فإن انقطع لأقل من ذلك فإنه لا يكون حيضاً، بل دم فساد وأكثره خمسة عشر يوماً ومنها أن يفصل بين الحيضتين أقل الطهر، وهو ثلاثة عشر يوماً، ومنها أن تكون بنت تسع سنين على الأقل، فلو كانت أقل من ذلك ورأت دماً فإنه لا يكون حيضاً ولا يعتبر، ومنها أن تكون آيسة من المحيض، وهي من بلغت سن خمسين سنة فهذه تعتد بالأشهر ولا عبرة بالدم الذي تراه بعد ذلك.
والحامل لا تحيض عند الحنابلة، كالحنفية، فإذا رأت الدم وهي حامل كان دم فساد لا يمنعстр. 1774
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الصلاة، والصوم، والوطء عند الحاجة، فلا توطأ إلا عند الحاجة، وإذا رأت الحامل الدم ثم انقطع، فإنها تغتسل منه استحباباً، كما تقدم في مباحث الحيض.
فالحرة التي تحيض ولو مرة لا تنقضي عدتها إلا بثلاث حيض كاملة، بحيث لو طلقها وهي حائض فلا تحسب لها الحيضة، أما إذا طلقها قبل الحيضة ولو بلحظة، فإنها تحسب لها، كما يقول الحنفية، أما الأمة التي تحيض، فإن عدتها تنقضي بحيضتين على الوجه المذكور، وإذا انقضت عدة الحرة بانقطاع دم الحيضة الثالثة فإنها لا تحل للأزواج إلا إذا اغتسلت، فإن لم تغتسل لا تحل، ولو مكثت زمناً طويلاً، ومثلها الأمة عند انقضاء عدتها.
أما الجواب عن السؤال الثاني، فإن من حاضت ولو في عمرها مرة، ثم انقطع حيضها بسبب معروف من رضاع أو مرض فإن عدتها لا تنقضي حتى يعود الحيض، فتعتد بثلاث حيض، فإن لم يأتها الحيض فلا تنقضي عدتها حتى تبلغ سن اليأس، وبعضهم يقول: إذا لم يأتها الحيض فإنها تعتد بسنة، والأول موافق للشافعية، والحنفية، والثاني موافق للمالكية، وقد استدلوا على ذلك بما رواه الشافعي عن سعيد بن سالم عن ابن جريج عن عبد الله بن أبي بكر أنه أخبره أن حبان بن منقذ طلق امرأته - وهو صحيح - وهي مرضعة. فمكثت سبعة أشهر لا تحيض، يمنعها الرضاع ثم مرض حبان، فقيل له: إن مت ورثتك، فجاء إلى عثمان وأخبره بشأن امرأته، وعنده علي، وزيد، فقال لهما عثمان: ما تريان؟ فقالا: نرى أنها ترثه إن مات ويرثها إن ماتت، فإنها ليست من القواعد اللائي يئسن من المحيض، وليست من اللائي لم يحضن، ثم هي على عدة حيضها ما كان من قليل أو كثير، فرجع حبان إلى أهله فانتزع البنت منها، فلما فقدت الرضاع حاضت حيضة، ثم أخرى، ثم مات حبان قبل أن تحيض الثالثة، فاعتدت عدة الوفاة وورثته اهـ.
وفي هذا جواب عن السؤال الثالث، إذ لا فرق بين المرضعة والمريضة عند الحنابلة، كالشافعية والحنفية، والذي فرق بينهما هم المالكية، وذلك لأن الرضاع سبب يمكن إزالته بخلاف المرض.
وأما الجواب عن السؤال الرابع، فهو أن المستحاضة التي يستمر بها نزول الدم إن كانت لها عادة أو يمكنها أن تميز بين الدم الصحيح والدم الفاسد، فإنها تعمل بذلك، بحيث لو كانت تحيض قبل استمرار الدم خمسة أيام في وسط كل شهر، فإنها تعتبر هذه المدة حيضاً، وإن لم تكن لها عادة، بل ابتدأها الحيض في أول بلوغها واستمر، فإنها إن كانت حرة فإن عدتها تنقضي بثلاثة أشهر، وإن كانت أمة فإن عدتها تنقضي بشهرين.
وأما الجواب عن السؤال الخامس، فهو أن الحنابلة يقولون: إن المرأة إذا حاضت مرة وارتفع عنها الحيض بدون سبب معروف من مرض أو رضاع، فإن عدتها تنقضي بسنة عند انقطاعه بعد الطلاق. فإن انقطع قبل الطلاق فإنها تصبر سنة أيضاً، ولكن منها تسعة أشهر للعلم ببراءة الرحم من الحمل، وثلاثة أشهر عدة.
هذا إذا كانت حرة، أما إذا كانت أمة فإن عدتها تنقضي بأحد عشر شهراً، منها تسعة أشهرстр. 1775
مبحث عدة المطلقة الآيسة من المحيض
دليلها
-تعتد المطلقة الآيسة من المحيض بثلاثة أشهر من تاريخ طلاقها وقد عرفت أن الآيسات من المحيض نوعان: إحداهما الصغيرة التي دون تسع سنين، فإنها إذا رأت الدم كان دم فساد. وفي بيان الصغيرة التي تجب عليها العدة تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (المالكية - قالوا: لا تجب العدة على الصغيرة إلا إذا كانت لا تطيق الوطء، ولو كانت دون تسع سنين، أما إذا لم تطق الوطء فإنها لا تجب عليها العدة، ولو كانت تزيد على تسع، وعلى كل حال فعدتها بالأشهر ما لم تحض.
الحنابلة - قالوا: إذا طلق الزوج صغيرة لا يوطأ مثلها، وهي التي دون تسع سنين، فإنها لا تعتد، ولو دخل بها وأولج فيها، وقد عرفت أنه لا عدة عليها أيضاً إذا وطئها صغير دون عشر سنين أما بنت تسع فإن عليها العدة إذا وطئها ابن عشر، لاحتمال التلذذ والإمناء.
الشافعية - قالوا: الصغيرة التي لا تطيق الوطء لا تجب عليها العدة. وكذا إذا كان طفلاً، فإنه لا يعتد بوطئه، كابن سنة مثلاً.
الحنفية - قالوا: العدة تجب على الصغيرة، ولو طفلة، ثم إنه إن طلق الصغيرة التي لم تحض وكانت دون تسع سنين، فإن عدتها تنقضي بالأشهر قولاً واحداً، ولو رأت الدم فيها على المعتمد لأنه لا يكون دم حيض، أما إذا كانت بنت تسع سنين فأكثر ولم تحض - ويقال لها المراهقة - ففيها قولان: أحدهما أن عدتها تنقضي بثلاثة أشهر دون غيرها، وإذا حاضت في أثنائها انتقلت عدتها إلى حيض، وإلا فلا. القول الثاني: أن عدتها لا تنقضي بالأشهر الثلاثة، بل ينبغي أن توقف حتى يتحقق من براءة رحمها بانقضاء أربعة أشهر وعشرة أيام لأنها هي المدة التي يظهر فيها الحمل ويتحرك، فتنتظر زيادة على عدتها شهراً وعشرة أيام. فإذا لم يظهر الحمل بعد ذلك فإنه يعلم أن العدة قد انقضت بانقضاء ثلاثة أشهر. فإذا ادعت أنها بلغت خمس عشرة سنة فإنه يؤخذ بقولها، وإذا ادعت أنها بلغت بالاحتلام والإنزال، وهي دون خمس عشرة سنة فإنها تصدق أيضاً، وكذلك إذا ادعت الكبيرة أنها بلغت سن اليأس فإنه يؤخذ بقولها، على القول المختار من تحديده بالمدة، وقد عرفت أن الصغيرстр. 1776
ثانيتهما: الكبيرة، وفي سن إياسها التفصيل المتقدم في عدة الحائضات، ويلحق بهاتين، النساء اللائي بلغن بغير الحيض، ولم يحضن بعد، قال تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾ ، فهذه الآية خصت عموم قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ لأن - المطلقات - تشمل الآيات، ثم إن الكبيرة الآيسة إذا اعتدت بالأشهر وانقضت عدتها، ثم حاضت بعد انقضاء العدة حيضاً صحيحاً، فإنها لا شيء عليها بعد ذلك، سواء تزوجت بعد انقضاء عدتها. أو لم تتزوج. وإذا تزوجت بعد انقضاء عدة الأشهر فإن الزواج يكون صحيحاً، ولو حاضت بعده، أمل إذا شرعت في العدة بالأشهر، ثم حاضت أثناء عدتها حيضاً صحيحاً لا دم علة وفساد، فإن عدتها تنتقل من الأشهر إلى الحيض (١) ، فيجب عليها أن تستأنف عدة أخرى، وكذلك الصغيرة بنت تسع سنين إذا حاضت أثناء عدتها بالأشهر، تنتقل إلى عدة الحيض، ولا تنقضي عدتها إلا بثلاث حيض، أما إذا حاضت بعد انقضاء العدة فإنها لا شيء عليها. الحواشي
(١) (الشافعية - قالوا: إذا حاضت الآيسة أثناء عدة الأشهر انتقلت عدتها إلى الحيض وبطلت عدة الأشهر بلا كلام. أما إذا حاضت بعد انقضاء عدة الأشهر، ففيه تفصيل، وهو أنه إذا تزوجت بعد انقضاء عدة الأشهر، ثم حاضت بعد ذلك فلا شيء عليها، لأن العقد صحيح وقع بعد انقضاء عدة مشروعة، وللزوج الثاني الحق فيها، أما إذا لم تتزوج، ثم حاضت مرة، فإنها لا تعتبر أيضاً، ولها أن تتزوج بعدها، أما إذا حاضت مرة ثانية قبل أن تتزوج انتقلت عدتها إلى الحيض، فلا يحل لها أن تتزوج إلا إذا حاضت الثالثة، فإذا انقطع الدم بعد الثانية ولم يأتها، وجب عليها أن تستأنف عدة إياس أخرى بثلاثة أشهر، ومثلها في هذا التفصيل الصغيرة بنت تسع إذا حاضت أثناء العدة أو بعدها.
المالكية - قالوا: إذا بلغت المرأة سن اليأس، وهو سبعون سنة بالتحقيق، وشرعت في العدة بالأشهر بعد الطلاق، ونزل عليها دم، فإنه لا يعتبر حيضاً، وتستمر في العدة بالأشهر، ويكون ما رأته دمстр. 1777
وإذا شرعت التي تحيض في العدة بالحيض، فحاضت مرة، أو اثنتين، ثم انقطع الدم لبلوغها سن اليأس، انتقلت عدتها إلى الأشهر، وبطلت عدة الحيض فلا تحسب لها.
واعلم أن الثلاثة أشهر عدة الآيسات من الحرائر، أما الأمة فعدتها نصف عدة الحرة، وهي شهر ونصف (١) ، لأن الزمن يتنصف، وتعتبر الأشهر بالأهلة إن طلقها في أول الشهر، فإن طلقها أثناء الشهر حسب الشهر الذي طلقها فيه بالأيام، وما بعده بالأهلة، ثم تؤخذ الأيام الباقية من الشهر الرابع. الحواشي
(١) (المالكية - قالوا: في عدة الأمة الآيسة من المحيض أقوال ثلاثة: أحدها أن عدتها مساوية لعدة الحرة، فتعتد بثلاثة أشهر، وهذا هو المشهور، ووجهه أنها إذا كانت حاملاً لا يظهر حملها غالباً إلا بعد ثلاثة أشهر.
ثانيها: أنها تعتد بشهرين كما يقول الحنابلة.
ثالثها: أنها تعتد بشهر ونصف كما يقول الحنفية، والشافعية، وهو المذكور أعلى الصحيفة.
الحنابلة - قالوا: عدة الأمة الآيسة شهران كاملان، وذلك لأن عدتها إذا كانت من ذوات الحيض قرءان، فينبغي أن يجعل بإزاء كل حيضة شهر) .стр. 1778
مباحث النفقات
تعريفها - حكمها - أسبابها - مستحقوها دليلها
-النفقة في اللغة: الإخراج والذهاب، يقال: نفقت الدابة، إذا خرجت من ملك صاحبها بالبيع أو الهلاك كما يقال: نفقة السلعة، إذا راجت بالبيع، وبابه دخل، فمصدره النفوق كالدخول والنفقة اسم المصدر، وجمعها نفقات، ونفاق - بكسر النون - كثمرة وثمار.
أما في اصطلاح الفقهاء، فهو إخراج الشخص مؤنة من تجب عليه نفقته من خبز، وأدم، وكسوة، ومسكن، وما يتبع ذلك من ثمن ماء، ودهن، ومصباح. ونحو ذلك، مما يأتي.
أما حكمها التي توصف به، فهو الواجب، فتقول: نفقة واجبة على الزوج، أو الأب، أو السيد.
وأما أسباب وجوبها، فثلاثة: الزوجية، والقرابة، والملك، وقد ثبتت النفقة لهؤلاء بالكتاب، والسنة، والإجماع، قال تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله به بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾ ، وقال: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن﴾ ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وجوب النفقة على الزوجة، والأولاد، والوالدين، والأقارب وأما السنة فهي مملوءة بالحث على الإنفاق على الأهل، والأقارب، والمماليك، ومن ذلك ما رواه البخاري من حديث: " وابدأ بمن تعول"، تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تطلقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني، إلا من تدعني. وفي رواية" أنفق علي" بدل" أطعمني"، ولا يخفى ما في الحديث من الحث على الإنفاق على مستحقيه، وقد أجمع العلماء على وجوب النفقة لهؤلاء، وكما أن الزوجية سبب في وجوب النفقة على الزوج، فكذلك الفرقة قد تكون سبباً في وجوب النفقة، كالمطلقة رجعياً ونحوها، مما سيأتي بيانه في مبحث - نفقة العدة -.
مبحث نفقة الزوجة وتتعلق بها مسائل
-تتعلق بنفقة الزوجية مسائل
أحدها: بيان أنواعها
ثانيها: هل تفرض النفقة بحسب حال الزوج، أو بحسب حال الزوجة، أو بحسب حالهما معاً؟.
ثالثها: هل تقدر النفقة بالنقود أو
стр. 1779
تقدر بالطعام والقماش ونحوهما؟.
رابعها: ما شرط وجوب نفقة الزوجية؟.
خامسها: هل تثبت النفقة قبل المطالبة بها وفرضها؟.
سادسها: إذا تجمدت النفقة بعد فرضها فهل يمكن اسقاطها وبماذا تسقط؟
أنواع نفقة الزوجية
-تشمل نفقة الزوجية ثلاثة أنواع:
-١ - إطعام الزوجة من خبز وأدم، وما يلزم لهما من عجن وطبخ وشرب.
-٢ - كسوة الزوجة.
-٣ - إسكانها، وفي كل هذه الأمور تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: أما الإطعام، فهو واجب على الزوج لزوجته، وسيأتي إنه يقدر لها على حسب حالهما، وهل الواجب اعطاؤها الحبوب والخضر واللحم، وعليها هي الخبز والطهي، أو الواجب اعطاؤها خبزاً مهيئاً وطعاماً ناضجاً؟ والجواب: أن ذلك يتبع حال الزوجة، فإن كانت من الأسر التي لا تخدم نفسها، فعليه أن يأتيها بطعام مهيأ، وكذا إذا كانت بها علة تمنعها من الخدمة، أما إذا كانت قادرة على الطحن والعجن والطبخ بنفسها، فإنه يجب عليها أن تفعل ولا يحل لها أن تأخذ على ذلك أجره، فالفصل في هذا للعرف، فمتى كان العرف جارياً على أن مثل هذه الزوجة ممن لا تخدم وامتنعت عن الخبز والطهي والخدمة كان لها ذلك، وإلا فلا، بل يجب عليها أن تفعل من الخدمة ما هو متعارف بين أمثالها من الناس، قال تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ ، أي عليهن من الواجبات والحقوق مثل الذي لهن بحسب المتعارف بين الناس ويؤيد هذا أن رسول الله ﷺ قسم أمال الحياة بين علي وفاطمة، فجعل على علي كرم الله وجهه أعمال الخارج، وجعل على فاطمة أعمال الداخل، وقد كانت يومئذ أعمال المنزل شاقة، لأنهم كانوا يطحنون على الرحى.
وقولهم: إن هذا لا يصلح حجة، لأن بيت النبوة كان المثل الأعلى في الزهد والتواضع، فلا يقاس عليه غيره، مردود بأن النبي ﷺ هو وأهل بيته قدوة للناس جميعاً، وأعماله وأقواله شريعة خالدة، يجب على الناس الاقتداء بها، فعمل النبي ﷺ دستور عام يبين للناس أن المرأة التي تعودت خدمة منزلها يجب عليها أن تخدم في دار زوجها، وينظر في ذلك للبينة، فمتى كانت أمثالها تخدم وجب عليها أن تخدم، بصرف النظر عن قدرتها وجاهها.
وعندي أن هذه النظرية يجب أن تعم جميع نساء زماننا، لما فيها من تمرين السيدة على مباشرة منزلها، وتدريبها على تربية أبنائها وبناتها وصرفها عن التبرج في الطرق. والتنقل من منزل إلى منزل ومن ملهى إلى آخر، واحتكاكها بالفاسدات ونقلها إلى ذريتها أسوأ العادات وأقبح أنواع السرفстр. 1780
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) والمجون، إن المرأة التي تباشر خدمة منزلها وتدبير شأنه ومراقبة أبنائها وبناتها مراقبة فعلية تقوم بوظيفتها خير قيام وتؤدي للمجتمع خير خدمة، وإن للمسلمات المؤمنات أسوة حسنة في السيدة فاطمة سيدة نساء العالمين وبنت سيد خلق الله أجمعين ﵊، وليس معنى هذا أن تكلف المرأة بما فوق طاقتها ولا تستعين بخادم وطاه إذا كانت موسرة، كلا، بل الغرض أن تدير الأعمال المنزلية النافعة واستعداد لما عساه أن يطرأ من الظروف والأحوال، وقد يختفي الخادم فجأة، وقد تكون الأسرة في مكان لا طعام به، فليس من الحسن أن تظل الأسرة جائعة لجهل السيدة بالأعمال المنزلية، فضلاً عما في التدريب على الأعمال من سلوى للسيدة تحول بينها وبين التسكع في الطرق والتنقل في دور الملاهي كما قلنا.
ثم إنه إذا وجب على المرأة الخبز والطهي وخدمة المنزل، كما ذكرنا، فإنه يجب على الزوج أن يحضر لها الآلات اللازمة لذلك بحسب البيئة فإذا كانت في بلاد لا تطحن إلا على الرحى وجب عليه أن يستحضر لها الرحى، وإذا كانت في جهات تطحن بغير الرحى كالآلات البخارية والطواحين، فإنه يجب عليه أن يحضر لها الغربال والمنخل، والماعون الذي تعجن فيه وكذا يجب عليه أن يحضر لها آلة الطبخ من كانون ومغرفة وملاعق، ونحو ذلك، على حسب حالها، وعليه أيضاً الماء، فغن كانت في بلد اعتادت نساؤها أن تحضر الماء بنفسها كان عليها احضاره كما في القرى الصغيرة التي تنقل فيها النساء الماء بأنفسهن، وإذا أذن لها في استحضاره، وإلا وجب عليه أن يحضر لها الماء بالوسائل المعتادة من سقاء، أو من شركات المياه - الحنفيات - وعليه أن يحضر لها الماء الكافي للغسل والوضوء والنظافة، وعليه أن يحضر لها الآلات اللازمة لذلك، بما في ذلك الزير والكوز، أما الكسوة فإنها تفرض لها في كل نصف حول مرة، إلا إذا تزوج وبنى بها، ولم يبعث لها كسوة، فإن لها أن تطالبه بها قبل نصف الحول، ويجب أن يلاحظ الفصول في تقدير الكسوة فينبغي أن يزاد لها في فصل الشتاء ما يدفع أذى البرد، وفي فصل الصيف ما يدفع أذى الحر، ويجب أن يلاحظ أيضاً ما جرى عليه العرف بين أمثالها في تقدير الكسوة، وتشمل الكسوة أيضاً ما تلبسه في رجلها من حذاء، وعلى رأسها من مزر ونحوه، وأما السكنى فإنه يجب عليه إسكانها في منزل لائق بحالهما، خال عن أهله وولده. إلا إذا كان طفلاً صغيراً لا يفهم معنى الجماع، فإنه لا يضر وجوده، وهل له أن يسكن مع أمته؟ خلاف، والراجح أن له إسكانها معها بشرط أن لا يطأها أمامها، أما إذا كانت له أم ولد، فالصحيح أنه ليس له إسكانها معها، لأن الأمة بعد أن تلد تكون كالضرة أو أشد.
هذا كله إذا لم ترض، أما إذا رضيت فسكنت مع أهله فإنه يصح، وله منع أهلها من السكنى معها، ولو سكنى ولدها من غيره. ولو كان صغيراً لا يفهم معنى الجماع، وكذا له منعها من إرضاعه وتربيته.стр. 1781
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) هذا إذا كان في بيته، سواء كان ملكه أو مستأجره، أما إذا كان في بيتها هي، فليس له منعها من إسكانهم، وإنما له منعها من إرضاع ابنها وتربيته، لأنه يشغلها عنه ويضر بجمالها ونظافتها، وذلك حقه وحده، ويشترط في المسكن أن يكون مشتملاً على جميع المنافع اللازمة من دورة مياه، ومطبخ ومنشر تنشر عليه غسيلها، ونحو ذلك مما تقدم في صحيفة ٢٢١ ويجب عليه أن يحضر في المسكن جميع الأدوات اللازمة له بحسب الحالة الأتي بيانها من فقر وغنى، فعليه أن يستحضر الفرش والغطاء والمقاعد، وما يلزم لذلك حسب العرف وعليه أن يستحضر أيضاً ما تتنظف به من صابون ونحوه، وما تزيل به الأوساخ التي تعلق بالشعر، كالمشط والدهن وغير ذلك، مما يستعمل عادة في النظافة، ومن ذلك الروائح العطرية التي تقطع رائحة العرق والصنان، فإنها تجب عليه، وكذا لا يلزمه دواء ولا فاكهة، واعترض بعضهم بأن الدواء من الأمور الضرورية لحياة الإنسان، والفاكهة قد تكون ضرورية لمن اعتاد عليها من الموسرين، والجواب: أن الدواء والفاكهة لا تجبان في حالة التنازع ورفع الأمر للقاضي، فالواجب على الزوج في هذه الحالة، هو الحاجيات التي تقوم عليها الحياة غالباً. أما في حالة الرضا فهو مكلف بينه وبين الله بمعاملة زوجته أحسن معاملة، هذا ما قرره الحنفية.
وقد يقال: إن هذا يكون ظاهراً فيما إذا كانا غنيين أو فقيرين، أو كانت الزوجة غنية والزوج فقيراً، فإنهما إن كانا غنيين، أو الزوجة غنية، فإنها يمكنها أن تعالج نفسها وتتفكه بدون ضرر، وإذا كانا فقيرين فالأمر ظاهر، إذ ليس من المعقول أن يكلف الفقير بالدواء والفاكهة وهو لا يقدر على القوت الضروري إلا بجهد ومشقة أما إذا كانت الزوجة فقيرة والزوج غني فإن قواعد الإسلام تقضي بإلزامه بمعالجتها، فإنه يجب على الأغنياء أن يغيثوا المكروب ويعينوا المريض، فالزوجة المريضة إذا لم يعالجها زوجها الغني وينقذها من كربها، فمن يعالجها غيره من الأغنياء؟ أليس من المعقول الظاهر أن يعالجها زوجها ويدفع لها ثمن الدواء إلزاماً؟ وهذا الكلام تستريح له النفس، ولكن فقهاء الحنفية أجمعوا على ما ذكرنا طرداً للأحكام لأن حق الزوجة على الزوج من حيث هي زوجة يوجب عليه أن ينفق ما به قوام الحياة العامة، وهي حياة الصحيحة لا المريضة، فلا يجب عليه الدواء على أي حال بل إن بعض المذاهب يرى أن النفقة لا تجب إلا في نظير الاستمتاع، والزوجة المريضة لا تصلح للاستمتاع فلا تجب لها نفقة، ولكن الحنفية قالوا: إن النفقة تجب في نظير حبس الزوجة في منزل زوجها، ولم لم تكن صالحة للاستمتاع كما ستعرفه في الشروط.
وإذا كان الدواء وأجرة الطبيب لا يجبان عليه، فكذلك لا يجب عليه ثمن الدخان والقهوة والشاي ونحوهما، ولو تضررت من تركها، وقد اختلف في أجرة القابلة - الداية - فقيل: عليها، وقيل: عليه، وقيل: على من استدعاها منهما، واستظهر بعضهم أنها على الرجل، لأن منفعتها راجعة إلى الولد ونفقته على والده، وهو المعقول.
المالكية - قالوا: يفرض على الزوج لزوجته النفقة بأنواعها الثلاثة، فأما الإطعام وما يلزم له فإنهстр. 1782
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ينظر في تقديره للعادة سواء كان خبزاً، أو أدماً، أو لحماً، فإن كان موسراً وكان من عادتهم أكل اللحم يومياً فرض لها ذلك. ومع ما يلزم لطهيه الناسب لها، وإن لم يكن من عادتهم ذلك فرض لها في الأسبوع مرة على زوجها متوسط الحال، ويرض لها باقي الأسبوع الأدم الذي يأتدم به أمثالها، ويفرض لها الخبز بحسب ما جرت به العادة من قمح أو غيره. وعليه كفايتها من ذلك ولو كانت كثيرة الأكل، إلا إذا اشترط عند زواجها كونها غير أكولة فإن له ردها ما لم ترض بالوسط. وإن كانت ضعيفة الأكل فرض لها بقدر كفايتها فقط على المعتمد. ويزاد للمرضع ما تقوى به على الرضاع.
ويفرض عليه الماء الكافي لشربها وغسلها للنظافة وللجنابة وغير ذلك. وغسل ثيابها وآنيتها، ورش أرضها ونحو ذلك، وكذا يفرض لها جميع الآنية والأدوات اللازمة للطبخ والخبز والشرب، من وقود وكانون وفرن وملح وسمن لإصلاح الطعام، أما ما عدا ذلك فإنه لا يفترض عليه، فلا يفترض عليه السمن للحلوى كما لا تفترض عليه الحلوى ولا الفاكهة أما ثمن الدواء وأجرة الطبيب، ففي وجوبهما عليه قولان، والذي في المتون أنهما لا يجبان عليه ولعل التفصيل الذي ذكرته في مذهب الحنفية يؤيده القول بالوجوب، لأن المفروض أنه قادر على الدواء.
وبعض علماء المالكية يقول: إنه يفترض عليه أن يعالجها بقيمة النفقة التي تفترض لها وهي سليمة من المرض، ومثل الطبيب القابلة - الداية - فإن في وجوب أجرتها على الزوج خلاف والظاهر أن عليه أجرتها ولو مطلقته، وأما الكسوة فتفرض مرتين في السنة بحسب حالهما كما يأتي بيانه، على أن تكسى في الشتاء بما يناسب فصل الشتاء، والصيف بما يناسب فصل الصيف، ويشترط أن تبلى الكسوة، أما إذا ظلت قريبة من جدتها صالحة للاستعمال فإنها لا تفرض لها كسوة أخرى حتى تخلق، ولا يفرض عليه ثياب الخروج لزيارة أهلها أو للعرس من ثوب حرير - بدلة الفرح -، كما لا يلزمه الحبرة - والبالطو - أو نحو ذلك، وقيل: إن كان غنياً يلزمه ويفرض عليه ما تتزين به النساء عادة وتتضرر بتركه كالكحل والدهن المعتادين، والحناء والمشط، وقد اختلف في الطيب ونحوه، والذي يظهر من كلامهم أنه لا يجب عليه من زينتها إلا ما اعتادته بحيث تتضرر بتركه، كالكحل ونحوه، وعلى أن هذه النظرية تنتج أن المرأة إذا اعتادت مساواة الحواجب وتزيين وجهها بالأبيض - التواليت - بحيث لو تركته تنقص زينتها وتتضرر بتركه فإنه يجب عليه احضاره، هذا ما يفهم من كلام السادة المالكية على التحقيق، أما أنا فأعتقد أن الكحل وما يتبعه من أنواع الزينة يرجع في الواقع للزوج، لأنه هو الذي يستمتع بها وحده دون سواه فإن كان في ذلك رضاً له ومحبة فيه بحيث لو تركته تقل رغبته فيها فإنه يلزم به، أما إذا كانت رغبته تنبعث إليها بدونه أو كان يكره فعله منها، فإنه لا يلزمه به، بل يجب عليها تركه لأن الشريعة الإسلامية تحث دائماً على توطيد علائق المحبة بين الزوجين، فكل ما يوجب النفرة بينهما لا يحل فعله، وأظن أن هذه النظرية لا يخالف فيها أحد من أئمة المذاهب، ولعل من أوجب على الزوج بعض أدوات الزينة التي تتضرر المرأة
يتركها لاحظ أن تركها ينقص جمالها في نظر زوجها فتقل رغبته فيها.стр. 1783
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) هذا، وإذا كانت المرأة موسرة لا تخدم نفسها أو كان الزوج ذا جاه وقدر بحيث لا يصح لامرأته أن تخدم نفسها، فإنه يفرض عليه خادم لها إذا كان ذا سعة يستطيع ذلك، وإلا فإنها تلزم بخدمة المنزل من طبخ وعجن وكنس وغير ذلك، وعليه أن يساعدها بنفسه في أوقات فراغه من عمله، ولا تلزم بخدمة غير منزلية كخياطة وتطريز ونحوها، وإذا كان للزوج خادم وكان لها خادم، وأبت إلا استخدامه قضي لها بخادمها، إلا إذا وجدت ريبة ثابتة بشهود.
أما المسكن فإنه يشترط فيه أن يكون مشتملاً على المنافع اللازمة، ثم إن الزوجة إذا كانت وضيعة لا قدر لها، أي ذات صداق قليل لها الامتناع عن السكنى مع أقاربه ومثلها الشريفة ذات الصداق الكثير إذا اشترط عليها السكنى معهم عند الزواج، فإنها تعامل به بشرطين: الأول أن يكون للزوجة محل خاص بها بحيث لا يمكن أحد من أقاربه الاطلاع على عورتها التي تريد إخفاءها عنهم. الثاني: أن لا يثبت ضررها بإساءتهم إياها، ولو لم يطلعوا على عوراتها، فإذا تخلف أحد هذين الشرطين، فإن لكل من الوضيعة والشريفة التي اشترط عليها أن تسكن معهم الامتناع من السكنى، أما الشريفة ذات المهر الكثير التي لم يشترط عليها السكنى مع أهله، فإن لها أن تمتنع عن السكنى معهم بدون شروط حتى ولو رضيت أن تسكن معهم في أول أمرها، ولو لم يثبت تضررها بمشاجرة ونحوها.
وإذا كان مع أحد الزوجين ولد صغير فإن الآخر أن يمتنع من إسكانه معه، إلا إذا دخل بعد علمه بالصغير، فإذا علم به قيل البناء ثم بنى، فلا حق له في الامتناع، سواء كان للولد حاضن آخر أو لا، أما إذا لم يعلم به قبل الدخول فإن له الامتناع من اسكانه معه بشرط أن يكون له حاضن آخر، وإلا فلا.
هذا، وقد تقدم في صحيفة ١٥٩ أن المالكية يقولون: إن الزوجة ملزمة بأن تجهز نفسها من المهر المقبوض جهازاً يناسب مثلها لمثل زوجها، وعلى هذا إذا قبضت المرأة صداقها بالشروط المفصلة هناك، فإنها ملزمة بأثاث المنزل وحاجاته وللزوج الحق في الانتفاع بهذه الأشياء من فرش وغطاء ولباس وآنية، فيستعمل من ذلك ما يجوز له أن يستعمله، وإذا امتنعت قضي له بذلك وليس لها بيع جهازها إلا بعد مضي أربع سنين وهو بين زوجها يستمتع به فإذا خلق الجهاز فإن الزوج لا يلزمه ببدله، إلا الغطاء والفرش، فإنه يلزمه لأنه ضروري، فإذا جدد شيئاً من جهازها وطلقها فإنها لا يقضى لها بأخذه.
هذا إذا قبضت الصداق، أما إذا لم تقبضه وتجهزت من مالها فله الانتفاع به حتى يبلى ولكن ليس له منعها من بيعه، نعم له الحجر عليها في التبرع بما زاد على الثلث.
الشافعية - قالوا: يفرض على الزوج المعسر لزوجته في فجر كل يوم مد من الطعام والمد عند الشافعية بالوزن مائة وأحد وسبعون درهماً وثلاثة أسباع درهم، أما منزلة المد من القدح المصري، فهو نصف قدح إلا عشرة دراهم وخمسة أسداس درهم، لأن القدح المصري مدان إلا ثمن، فالمد نصف قدح إلا قليلاً، ومن أراد الاحتياط فليقل: نصف قدح.. والقدح ثمن كيلة مصرية.стр. 1784
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فزوجة المصري لها نصف قدح من غالب قوت أهل بلدها وحد العسر هو من لا مال له أصلاً أو له مال ولكن لا يكفيه لو وزع على عمره الذي يعيش إليه غالباً، فإن وصل إلى السن الذي يعيش فيه أمثاله غالباً، فإنه يكون معسراً إذا لم يكفه سنة، مثلاً يوزع ما يملكه عليه هو ومن تلزمه نفقاته كل يوم، فإن زاد عنده مد ونصف لم يكن معسراً بل متوسطاً، فيقضى لها بمد ونصف، وكذا إذا زاد عنده بعد التكاليف مدان، فإنه يكون موسراً.
والحاصل أن المعسر عندهم من لا يقدر إلا على مد واحد بعد توزيع ماله عليه وعلى من تجب عليه نفقته العمر الغالب، إن كان عنده مال، فإن لم يكن عنده مال فكذلك، فالمد أقل نفقة تجب على الزوج المعسر، فإن زاد الفاضل عنده على مد ولكنه لم يبلغ مدين فإنه يكون متوسطاً فيقضى عليه بمد ونصف، فإن بلغت الزيادة مدين فإنه يكون موسراً، ويقضى عليه بمدين، أي قدح مصري إلا ثمن تقريباً.
الشافعية - يعتبرون تقدير النفقة بهذا الاعتبار، ولا يعتبرونها بكفاية الزوجة، لأن الزوجة قد تكون مريضة أو لا تستطيع أن تأكل لأمر ما، فلها هذا القدر وهي تتصرف فيه كما تحب، إلا إذا اتفقت على أن تأكل معه، فإن نفقتها تسقط في هذه الحالة، ولا بد أن يدفع لها الحب، فلا يجزءه أن يدفع الدقيق أو القيمة أو الخبز، ولا بد أن يكون الحب سليماً من السوس ونحوه، فإذا بذل غير الحب فإنها لا تلزم بقبوله، فإذا تجمد لها نفقة ماضية، فإن لها أن تأخذ من الزوج ومن غيره، ممن ينيبه عنه عوضاً نقوداً وثياباً ونحو ذلك، أما النفقة المستقبلة فليس لها أن تأخذ عوضاً نقوداً لا من الزوج ولا من غيره أما النفقة الحاضرة، وهي نفقة اليوم، فإنه يجوز لها أن تأخذ عوضها نقوداً إلا من الزوج خاصة، بحيث لو فعله فيها غيره فإنه لا يصح، إلا إذا كان العوض رباً فإنه لا يجوز على أي حال، كخبز عن بر، أو دقيق عن حب.
ويجب عليه الطحن والعجن والخبز، ولو اعتادته بنفسها فإنه لا يلزمها، ثم يفرض عليه بعد ذلك اللحم المناسب لحاله، والأدم المعتاد من خضر وخبز وسمن وعسل ونحوها، ثم إن كان اللحم يكفي فذاك، وإلا وجب عليه أن يكمل لها الأدم، وتجب الفاكهة لمن اعتادتها زيادة على الأدم ومثل الفاكهة ما اعتيد فعله في أيام الموسم من كعك ونقل وسمك وحلوى في عاشوراء ونحو ذلك، وكذا يجب عليه ثمن القهوة والدخان إن اعتادتهما الزوجة، وكذا ما يلزمها وهي وحمى، كما إذا وحمت على ملوحة ونحوه ويجب أن يملكها إياه بحيث لو فاتها ترجع عليه به، ويجب عليه، الماء اللازم للشرب والنظافة والاغتسال منه، أما الاغتسال بسبب غيره، كالحيض والاحتلام فلا يجب عليه، وتجب عليه الآلات اللازمة للطبخ والشرب بحسب ما يناسب حال كل زمان، وكذا يجب عليه آلة تنظيف، كمشط ودهن وصابون ونحو ذلك، وعليه أجرة الحمام المعتاد لأمثالها في كل شهر أو في كل جمعة حسب العادة، أما الخضاب والزينة" التولت" فإنها لا تجب عليه، لأن ذلك تابع له، فما يراه زينة لها فإنها تلزم به، ولا يلزمه دواء مرض ولا أجرة طبيب وحاجم وفاصد ونحو ذلك.стр. 1785
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) هذا ما يتعلق بالطعام والشراب وما يتبع ذلك، أما الكسوة فتقدر لها منها كفايتها في كل فصل من فصول السنة، وهي تختلف باختلاف طولها وقصرها، واختلاف حال الزوج من اعسار ويسر، واختلاف عادة الناس، واختلاف الحر والبرد وهكذا، ويتبع الكسوة فرش المسكن بما هو معتاد من حصر وبساط وغطاء، وكل ذلك يتبع القاضي في تقديره عادة المحل، حتى ولو كانت ممن لا تفرش دارها لا يفرش لها، وتعطى الكسوة كل ستة أشهر مرة، فإن تلفت، ولو بلا تقصير، فلا حق لها في غيرها.
ويجب لها مسكن يليق بحالها لا بحاله هو، ولو كان معدماً، سواء كان مملوكاً أو مكترى، ويجب عليه أن يأتيها بخادم ولو كان معسراً، بشرط أن يكون مثلها ممن يخدم وإن لم يخدم بالفعل، وأن تكون حرة، وإلا فلا يجب عليه الخادم إلا إذا كانت مريضة أو هرمة، فإنه يجب لها خادم وإن لم تكن ممن يخدم عادة، ويشترط أن يكون الخادم ممن يحل نظره للزوجة من أمة أو صبي أو ممسوح، وعليه إطعام الخادم مما يليق به، فله مد وثلث على الموسر. ومد واحد على متوسط ومعسر.
الحنابلة - قالوا: أما الطعام والشراب وما يتعلق بهما فإنه يجب عليه أن يدفع لها الخبز والأدم الكافي لمثلها، فلا تلزم بالحبوب ولا بالبدل، فإذا تراضيا على شيء فإنه يصح، ويجب عليه عند طلوع شمس كل يوم، وإن اتفقا على تعجيله أو تأجيله مدة خاصة، فإنه يصح، وإذا أكلت الزوجة معه عادة سقطت نفقتها.
وإن رضيت بالحبوب لزمته أجرة طحنها وخبزها، وعليه أدم الخبز المناسب لها وجرت عادة أمثاله بأكله من أرز ولبن وغيرهما، وإن سئمت أدماً خاصاً عليه أن ينقلها إلى غيره، وعليه أدوات الطبخ والوقود. ويفرض لها اللحم في كل أسبوع مرتين. في كل مرة رطل عراقي، وهو ١٢٩ درهماً تقريباً، فهو أقل من الرطل المصري. لأن الرطل المصري ١٤٤ درهماً، وعليه تبييض النحاس عند الحاجة. ويجب عليه أن يجلب لها الماء اللازم لنظافتها وغسلها ووضوئها وشربها، وما تحتاج إليه من إنارة ودهن أو سمن أو زيت للطبخ حسب عادة قومها. وإذا طلبت مكان الخبز حباً أو نقوداً فإنه لا يلزمه ذلك، وكذا إذا أعطاها بدله فلا يلزمها أخذه إلا إذا تراضيا على أخذه، ومع هذا فلكل منهما الرجوع بعد التراضي.
وعليه مؤنة نظافتها من صابون ودهن لرأسها ومشط، ولا تجب عليه أدوات الزينة، كالحناء والخضاب وشراء الحلي" التواليت" ونحو ذلك، وكذا لا يجب عليه ثمن الدواء وأجرة الطبيب، وإذا أراد منها الزينة وجب عليه أن يحضر لها ما تتزين به، وكذا إذا كره منها شيئاً كرائحة ونحوها فإنه يجب عليه أن يحضر لها الدواء الذي يزيلها.
وإن كانت الزوجة ممن لا يخدم مثلها نفسه فإنه يجب عليه أن يحضر لها خادماً يخدمها بكراء أو شراء، بشرط أن تكون حرة، فلا خادم للأمة، ولا يصح أن يكون الخادم ممن يحرم نظره إليها، فلاстр. 1786
مبحث هل تفرض النفقة بحسب حال الزوج أو الزوجة أو حالهما ؟
-في هذا المبحث تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: إذا كان الزوجان موسرين أو معسرين فلا خلاف في أمرهما، فتقدر في حال اليسر بنفقة اليسار، وفي حالة العسر بنفقة الإعسار، أما إذا كان أحدهما موسراً والآخر معسراً، ففيه رأيان مصححان:
الرأي الأول: تقدر النفقة بحسب حالهما معاً، بمعنى أنها تجب لها نفقة الوسط، فإذا كان الزوج موسراً وهي فقيرة، وجبت لها نفقة الوسط بحيث تكون زائدة عن حالها ناقصة عن حاله، وهذا لا إشكال فيه، أما إذا كانت هي غنية وهو فقير، فقد يقال: إن النفقة الزائدة عن حاله يعجز عن أدائها، ويجاب: بأنه تجب عليه نفقة الوسط، ولكن لا يكلف إلا بدفع نفقة الفقير، والباقي يبقى ديناً في ذمته.
الرأي الثاني: اعتبار حال الزوج فقط، فإن كان غنياً وهي فقيرة، فرضت عليه نفقة الموسرين وإذا كان فقيراً وهي غنية، فرضت عليه نفقة المعسرين وكلا القولين مصحح، ولا يخفى أن الثاني هو المنضبط في باب الأحكام، وحيث كان صحيحاً فينبغي الأخذ به، وإن كانت المتون على الأول.
المالكية - قالوا: ينظر في تقدير النفقة إلى حال الزوجين معاً، سواء كانا غنيين، أو فقيرين، أو أحدهما غنياً والآخر فقيراً، فإذا تساويا غنى وفقراً فالأمر ظاهر، وإن اختلفا بأن كان أحدهما غنياً والآخر فقيراً فاللازم حالة وسطى بين الحالتين، فإذا كان فقيراً وهي غنية، قدر لها نفقة أكثر مما لوстр. 1787
مبحث هل تقدر النفقة بالحبوب والقماش أو بقيمتهما نقداً ؟
-في تقدير النفقة بالنقود، أو غيرها تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: ذلك موكول للقاضي، فإنه يجب عليه أن ينظر إلى حال الزوج أو إلى حالهما معاً، على التفصيل المتقدم، ثم ينظر إلى حال الزوجة، فإن كان من مصلحتها أن يفرض لها أصنافاً من حبوب وقماش وآنية ونحو ذلك فعل، وإن كان من مصلحتها النقود فرض لها نقوداً بعد ما ينظر إلى سعر البلد، وينظر إلى ما هما عليه من عادة وعرف، وينظر إلى الأصناف اللازمة لها، ولا يجب في تقدير النفقة نقود معينة، بحيث لا تقل عنها، فإن لكل زمان ما يناسبه من ذلك، ويفرض لها كل يوم، أو كل شهر، أو كل سنة، حسبما يرى المصلحة في الصرف، فإذا كان موظفاً ينقد راتباً شهرياً، فرض لها كل شهر، وإذا كان عاملاً ينقد كل أسبوع فرض لها أسبوعياً، وإذا كان زراعياً يأتيه المحصول سنوياً، فرض لها النفقة عليه سنوياً لتأخذ قوت السنة دفعة واحدة، وهكذا بحسب الحال.
هذا، وإذا اشترط في عقد الزواج أن ينفق عليها تمويناً، وأن يأتي لها في الشتاء بكسوة وفي الصيف بكسوة، فإن هذا الشرط لا يعمل به، ولها بعد ذلك أن تطلب تقدير النفقة لتتقرر وتصير ديناً في ذمته، فلا تسقط بعد ذلك.
المالكية - قالوا: تفرض النفقة أصنافاً من إطعام وكسوة ولوازمها، على الوجه الذي تقدم بيانه، وللزوج أن يعطيها الثمن المناسب لسعر البلد إذا رضيت بذلك، وإلا فلها الحق في الأصناف وتفرضстр. 1788
مبحث وجوب شروط النفقة
-يشترط لوجوب النفقة على الزوج شروط مفصلة في المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: يشترط لوجوب النفقة على الزوج شروط: أحدهما أن يكون العقد صحيحاً، فلو عقد عليها فاسداً أو باطلاً وأنفق عليها، ثم ظهر فساد العقد أو بطلانه فإن له الحق في الرجوع عليها بما أنفقه، وذك لأن النفقة إنما تجب على الرجل في نظير حبس المرأة وقصرها عليه، والمعقود عليها عقداً فاسداً لا حبس له عليها، فإن قلت: إنه إذا وطئها بعقد فاسد فإنها تعتد منه، وتكون - وهي في العدة - محبوسة عليه، فهل تجب لها نفقة العدة في نظير ذلك الحبس؟ الجواب: كلا فإن حبسها في هذه الحالة لم يكن بسبب العقد، وإنما ثبت لتحصين الماء والمحافظة على الولد، فلا تجب لها نفقة على أي حال، ومن ذلك ما إذا غاب عنها زوجها فتزوجت بزوج آخر ودخل بها، ثم حضر زوجها الغائب، فإن نكاحها الثاني يكون فاسداً، ويفرق القاضي بينهما، وتجب عليه العدة بالوطء الفاسد، ولا نفقة لها على الزوج الثاني، وإذا تزوجت برجل، وهي معتدة من غيره، ودخل بها، ثم فرق القاضي بينهما، كان لها نفقة العدة على الزوج الأول.
الشرط الثاني: أن تكون الزوجة مطيقة للوطء منه أو من غيره، ولا يشترط لذلك سن خاص، بل يقدر بحسب حال الزوجة، إذ قد تكون صغيرة بدينة تطيق، وقد تكون كبيرة هزيلة لا تطيق، فإذا كانت صغيرة تطيق الوطء وسلمت نفسها فإن النفقة تجب على الزوج، ولو كان صغيراً لا يعرف الوطء، ثم إن النفقة في هذه الحالة تجب في مال الصغيرة لا في مال الأب، فإن لم يكن للصغير مال، فإن الأب لا يلزم بالإنفاق على زوجته، ولكن يلزم بالاستدانة والإنفاق، ثم عند بلوغ الصغير ويساره يرجع عليه بما أنفق، على أنه لا يصح للأب أن يزوج ابنه الصغير الذي لا يشتهي، إذا كان معروفاً بسوء الاختيار، وقد تقدم في مباحث الولي تحرير هذا. في صحيفة ٣٣، فارجع إليه، ويجب لها النفقة أيضاً إذا كانتстр. 1789
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) تشتهى للمباشرة والتلذذ بها في غير الفرج، ولو لم تطق الجماع في الفرج، كما إذا كانت رتقاء أو قرناء، فإذا لم تطق الوطء ولم تصلح للاستمتاع بها، فإذا كانت تصلح للخدمة والاستئناس بها، وأمسكها في بيته، فإن النفقة تجب لها.
الشرط الثالث: أن تسل نفسها، وإلا كانت ناشزة، فلا تجب لها نفقة.
والناشزة، هي التي تخرج من بيت زوجها بدون إذنه بغير حق، أو تمتنع من تسليم نفسها إليه، فلا تدخل داره، أما إذا لم تطاوعه في الجماع، فإن هذا، وإن كان حراماً عليها، ولكن لا تسقط به نفقتها، لأن الحبس الذي تستحق به النفقة موجود. وإن كانت في منزل مملوك لها ومنعته من الدخول عليها، فإنها تكون ناشزة بذلك، فإذا خرجت بغير إذنه، أو سافرت بغير إذنه، ثم عادت ثانياً، فإن النفقة تعود لها وقولنا: بغير حق خرج به ما إذا خرجت أو منعت نفسها بحق، وذلك فيما إذا لم يقبضها جميع صداقها المقدم. أو خرجت لزيارة أبويها ونحو ذلك، مما هو موضح في مباحث المهر، بصحيفة ١٤٣.
الشرط الرابع: أن لا تكون مرتدة، فإذا ارتدت سقطت نفقتها، كما بيناه في مباحث الردة صحيفة ٢٠٢ وهذا بخلاف ما إذا كانت ذمية تحت مسلم، فإنها تجب لها النفقة، سواء كانت نفقة زوجية أو عدة فإذا تابت المرتدة وأسلمت، وهي في العدة فإن نفقتها لا تعود بخلاف الناشزة، وذلك لأن ردتها ترتب عليها فرقة جاءت من قبلها، فأبطلت نفقتها، ومتى بطلت النفقة بالفرقة فإنها تعود، بخلاف النشوز فإنه أمر عرضي يوقف النفقة ولا يبطلها. فإذا كانت مطلقة وخرجت بدون إذنه وهي في العدة. فإن نفقتها لم تبطل بالنشوز، فإذا عادت إلى الطاعة عادت لها النفقة، وإذا طلق امرأته وارتدت وهي في العدة سقطت نفقة عدتها، ولو عادت وأسلمت فإن نفقتها لا تعود.
الشرط الخامس: أن لا تفعل ما يوجب حرمة المصاهرة فلو طاوعت ابن زوجها، أو أب زوجها، ومكنته من نفسها، أو لمسته بشهوة، فإنها تبين منه ولا نفقة لها عليه، لما علمت بأنها فعلت ما يوجب الفرقة، فكانت فرقة من قبلها مبطلة للنفقة فإن كانت مطلقة وفعلت ذلك في العدة. فإن كانت معتدة عن طلاق رجعي، فإن نفقتها تسقط، أما إذا كانت معتدة عن طلاق بائن، أو عن فسخ بدون طلاق، فإن لها النفقة والسكنى
الشرط السادس: أن لا تكون معتدة عدة وفاة، كما يأتي في نفقة العدة.
الشرط السابع: إذا كانت أمة يشترط فيها أن تكون مبوأة، ومعنى هذا أنه إذا تزوج شخص أمة مملوكة للغير، فإن نفقتها لا تجب على الزوج إلا إذا بوأها السيد بيتاً خاصاً بها وبزوجها بمعنى أنه أعد لها مكاناً خاصاً بها هي وزوجها، ولم يستخدمها فيه، فلو طلقها زوجها فاستولى عليها سيدها، فإن نفقة عدتها تسقط.
والحاصل أنه لا نفقة لإحدى عشرة امرأة:стр. 1790
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الناشزة(٢) المرتدة(٣) مطاوعة ابنه أو أبيه أو مقبلته بشهوة أو نحو ذلك، مما يوجب حرمة المصاهرة(٤) معتدة الوفاة(٥) المعقود عليها عقداً فاسداً، والموطوءة بشبهة(٦) الصغيرة التي لا تطيق الوطء(٧) المسجونة، ولو ظلماً إذا حيل بينه وبينها(٨) المريضة إذا لم تزف، فإذا تزوج امرأة ولم يدخل بها، ثم مرضت مرضاً لا تستطيع منه الانتقال إلى دار زوجها على أي حال لانعدام تسليم نفسها في هذه الحالة، أما إذا مرضت في دار زوجها مرضاً شديداً، فإن عليه نفقتها(٩) المغصوبة، فلو غصب شخص زوجة الآخر لا تجب على الزوج نفقتها على التحقيق(١٠) الحاجة فإذا خرجت لحج الفريضة مع محرم فإن لها ذلك، ولو بدون إذنه، لكن لا نفقة لها عليه لعدم احتباسها، إلا إذا خرج معها حاجاً، فإن عليه نفقة الحضر لا السفر، فيجب عليها أن تنفق أجرة الجمال والبواخر وغير ذلك، ويجب عليه إطعامها وكسوتها وما يتعلق بذلك، ولا يحل لها أن تسافر مع غير محرم(١١) الأمة التي لم تبوأ مكاناً خاصاً بها هي وزوجها.
وبهذا تعلم أن مدار شروط النفقة على حبس المرأة بمنزل زوجها بالفعل أو بالقوة، فلا يشترطون لوجوب النفقة الدخول، كما لا يشترطون مطالبة الزوج بالدخول. إنما الشرط أن لا تمتنع عن تسليم نفسها عند طلبه ما دامت قبضت جميع مقدم صداقها، وأيضاً لا يشترطون تمكينه من الوطء عند طلبه ما دامت محبوسة في داره، فلا تخرج إلا بإذنه، ولا يشترطون أن لا يكون لها مانع يمنع الوطء كرتق ونحوه، كما إذا كانت عجوزاً غير صالحة للوطء، ومثلها المجنونة إذا سلمت له نفسها ومنعته من الوطء، وكذا لا يشترطون كون الزوج بالغاً.
المالكية - قالوا: تنقسم شروط وجوب النفقة للزوجة على زوجها إلى قسمين: شروط لوجوبها قبل الدخول وشروط لوجوبها بعد الدخول، فيشترط لوجوبها قبل الدخول أربعة شروط:
الأول: أن تدعوه الزوجة أو وليها المجبر إلى الدخول فلم يدخل، فإذا لم تدعه إلى الدخول فلا حق لها في النفقة.
الثاني: أن تكون مطيقة للوطء، فإذا كانت صغيرة لا تطيق الوطء فإنه لا تجب عيها نفقتها إلا إذا دخل بها، ولا يجب عليه الدخول إذا دعته ولا يجبر عليه، راجع صحيفة ١٤٢: وما بعدها. الثالث: أن لا تكون مريضة مرضاً شديداً بحيث أصبحت في حالة النزع أو كان هو مريضاً كذلك، وإلا فلا نفقة لها.
الرابع: أن يكون الزوج بالغاً، فلو كان الزوج صغيراً فإن نفقتها لا تجب عليه ولو كان قادراً على وطئها، فهذه الشروط إنما تشترط لوجوب النفقة على الزوج قبل الدخول، أما بعد الدخول فإن النفقة تجب عليه، سواء كانت الزوجة تطيق الوطء أو لا، وسواء كانت مريضة مرض الموت أو لا وسواء كان بالغاً أو لا، وهذا هو الظاهر، وبعضهم يقول: انها شروط لوجوب النفقة مطلقاً، فلا تجب على الصغير ولو دخل بها ووطئها، وكما لا تجب على الكبير إذا كانت صغيرة لا تطيق الوطء، ومثل ذلك المريضة التي بلغت حد النزع، فإنه لا نفقة لها في هذه الحالة، ويشترط لوجوبها بعد الدخول أن تمكنه منследующие страницы →