Полный текст (2 230 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
مبحث هل تفرض النفقة بحسب حال الزوج أو الزوجة أو حالهما ؟
-في هذا المبحث تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: إذا كان الزوجان موسرين أو معسرين فلا خلاف في أمرهما، فتقدر في حال اليسر بنفقة اليسار، وفي حالة العسر بنفقة الإعسار، أما إذا كان أحدهما موسراً والآخر معسراً، ففيه رأيان مصححان:
الرأي الأول: تقدر النفقة بحسب حالهما معاً، بمعنى أنها تجب لها نفقة الوسط، فإذا كان الزوج موسراً وهي فقيرة، وجبت لها نفقة الوسط بحيث تكون زائدة عن حالها ناقصة عن حاله، وهذا لا إشكال فيه، أما إذا كانت هي غنية وهو فقير، فقد يقال: إن النفقة الزائدة عن حاله يعجز عن أدائها، ويجاب: بأنه تجب عليه نفقة الوسط، ولكن لا يكلف إلا بدفع نفقة الفقير، والباقي يبقى ديناً في ذمته.
الرأي الثاني: اعتبار حال الزوج فقط، فإن كان غنياً وهي فقيرة، فرضت عليه نفقة الموسرين وإذا كان فقيراً وهي غنية، فرضت عليه نفقة المعسرين وكلا القولين مصحح، ولا يخفى أن الثاني هو المنضبط في باب الأحكام، وحيث كان صحيحاً فينبغي الأخذ به، وإن كانت المتون على الأول.
المالكية - قالوا: ينظر في تقدير النفقة إلى حال الزوجين معاً، سواء كانا غنيين، أو فقيرين، أو أحدهما غنياً والآخر فقيراً، فإذا تساويا غنى وفقراً فالأمر ظاهر، وإن اختلفا بأن كان أحدهما غنياً والآخر فقيراً فاللازم حالة وسطى بين الحالتين، فإذا كان فقيراً وهي غنية، قدر لها نفقة أكثر مما لوстр. 1787
مبحث هل تقدر النفقة بالحبوب والقماش أو بقيمتهما نقداً ؟
-في تقدير النفقة بالنقود، أو غيرها تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: ذلك موكول للقاضي، فإنه يجب عليه أن ينظر إلى حال الزوج أو إلى حالهما معاً، على التفصيل المتقدم، ثم ينظر إلى حال الزوجة، فإن كان من مصلحتها أن يفرض لها أصنافاً من حبوب وقماش وآنية ونحو ذلك فعل، وإن كان من مصلحتها النقود فرض لها نقوداً بعد ما ينظر إلى سعر البلد، وينظر إلى ما هما عليه من عادة وعرف، وينظر إلى الأصناف اللازمة لها، ولا يجب في تقدير النفقة نقود معينة، بحيث لا تقل عنها، فإن لكل زمان ما يناسبه من ذلك، ويفرض لها كل يوم، أو كل شهر، أو كل سنة، حسبما يرى المصلحة في الصرف، فإذا كان موظفاً ينقد راتباً شهرياً، فرض لها كل شهر، وإذا كان عاملاً ينقد كل أسبوع فرض لها أسبوعياً، وإذا كان زراعياً يأتيه المحصول سنوياً، فرض لها النفقة عليه سنوياً لتأخذ قوت السنة دفعة واحدة، وهكذا بحسب الحال.
هذا، وإذا اشترط في عقد الزواج أن ينفق عليها تمويناً، وأن يأتي لها في الشتاء بكسوة وفي الصيف بكسوة، فإن هذا الشرط لا يعمل به، ولها بعد ذلك أن تطلب تقدير النفقة لتتقرر وتصير ديناً في ذمته، فلا تسقط بعد ذلك.
المالكية - قالوا: تفرض النفقة أصنافاً من إطعام وكسوة ولوازمها، على الوجه الذي تقدم بيانه، وللزوج أن يعطيها الثمن المناسب لسعر البلد إذا رضيت بذلك، وإلا فلها الحق في الأصناف وتفرضстр. 1788
مبحث وجوب شروط النفقة
-يشترط لوجوب النفقة على الزوج شروط مفصلة في المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: يشترط لوجوب النفقة على الزوج شروط: أحدهما أن يكون العقد صحيحاً، فلو عقد عليها فاسداً أو باطلاً وأنفق عليها، ثم ظهر فساد العقد أو بطلانه فإن له الحق في الرجوع عليها بما أنفقه، وذك لأن النفقة إنما تجب على الرجل في نظير حبس المرأة وقصرها عليه، والمعقود عليها عقداً فاسداً لا حبس له عليها، فإن قلت: إنه إذا وطئها بعقد فاسد فإنها تعتد منه، وتكون - وهي في العدة - محبوسة عليه، فهل تجب لها نفقة العدة في نظير ذلك الحبس؟ الجواب: كلا فإن حبسها في هذه الحالة لم يكن بسبب العقد، وإنما ثبت لتحصين الماء والمحافظة على الولد، فلا تجب لها نفقة على أي حال، ومن ذلك ما إذا غاب عنها زوجها فتزوجت بزوج آخر ودخل بها، ثم حضر زوجها الغائب، فإن نكاحها الثاني يكون فاسداً، ويفرق القاضي بينهما، وتجب عليه العدة بالوطء الفاسد، ولا نفقة لها على الزوج الثاني، وإذا تزوجت برجل، وهي معتدة من غيره، ودخل بها، ثم فرق القاضي بينهما، كان لها نفقة العدة على الزوج الأول.
الشرط الثاني: أن تكون الزوجة مطيقة للوطء منه أو من غيره، ولا يشترط لذلك سن خاص، بل يقدر بحسب حال الزوجة، إذ قد تكون صغيرة بدينة تطيق، وقد تكون كبيرة هزيلة لا تطيق، فإذا كانت صغيرة تطيق الوطء وسلمت نفسها فإن النفقة تجب على الزوج، ولو كان صغيراً لا يعرف الوطء، ثم إن النفقة في هذه الحالة تجب في مال الصغيرة لا في مال الأب، فإن لم يكن للصغير مال، فإن الأب لا يلزم بالإنفاق على زوجته، ولكن يلزم بالاستدانة والإنفاق، ثم عند بلوغ الصغير ويساره يرجع عليه بما أنفق، على أنه لا يصح للأب أن يزوج ابنه الصغير الذي لا يشتهي، إذا كان معروفاً بسوء الاختيار، وقد تقدم في مباحث الولي تحرير هذا. في صحيفة ٣٣، فارجع إليه، ويجب لها النفقة أيضاً إذا كانتстр. 1789
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) تشتهى للمباشرة والتلذذ بها في غير الفرج، ولو لم تطق الجماع في الفرج، كما إذا كانت رتقاء أو قرناء، فإذا لم تطق الوطء ولم تصلح للاستمتاع بها، فإذا كانت تصلح للخدمة والاستئناس بها، وأمسكها في بيته، فإن النفقة تجب لها.
الشرط الثالث: أن تسل نفسها، وإلا كانت ناشزة، فلا تجب لها نفقة.
والناشزة، هي التي تخرج من بيت زوجها بدون إذنه بغير حق، أو تمتنع من تسليم نفسها إليه، فلا تدخل داره، أما إذا لم تطاوعه في الجماع، فإن هذا، وإن كان حراماً عليها، ولكن لا تسقط به نفقتها، لأن الحبس الذي تستحق به النفقة موجود. وإن كانت في منزل مملوك لها ومنعته من الدخول عليها، فإنها تكون ناشزة بذلك، فإذا خرجت بغير إذنه، أو سافرت بغير إذنه، ثم عادت ثانياً، فإن النفقة تعود لها وقولنا: بغير حق خرج به ما إذا خرجت أو منعت نفسها بحق، وذلك فيما إذا لم يقبضها جميع صداقها المقدم. أو خرجت لزيارة أبويها ونحو ذلك، مما هو موضح في مباحث المهر، بصحيفة ١٤٣.
الشرط الرابع: أن لا تكون مرتدة، فإذا ارتدت سقطت نفقتها، كما بيناه في مباحث الردة صحيفة ٢٠٢ وهذا بخلاف ما إذا كانت ذمية تحت مسلم، فإنها تجب لها النفقة، سواء كانت نفقة زوجية أو عدة فإذا تابت المرتدة وأسلمت، وهي في العدة فإن نفقتها لا تعود بخلاف الناشزة، وذلك لأن ردتها ترتب عليها فرقة جاءت من قبلها، فأبطلت نفقتها، ومتى بطلت النفقة بالفرقة فإنها تعود، بخلاف النشوز فإنه أمر عرضي يوقف النفقة ولا يبطلها. فإذا كانت مطلقة وخرجت بدون إذنه وهي في العدة. فإن نفقتها لم تبطل بالنشوز، فإذا عادت إلى الطاعة عادت لها النفقة، وإذا طلق امرأته وارتدت وهي في العدة سقطت نفقة عدتها، ولو عادت وأسلمت فإن نفقتها لا تعود.
الشرط الخامس: أن لا تفعل ما يوجب حرمة المصاهرة فلو طاوعت ابن زوجها، أو أب زوجها، ومكنته من نفسها، أو لمسته بشهوة، فإنها تبين منه ولا نفقة لها عليه، لما علمت بأنها فعلت ما يوجب الفرقة، فكانت فرقة من قبلها مبطلة للنفقة فإن كانت مطلقة وفعلت ذلك في العدة. فإن كانت معتدة عن طلاق رجعي، فإن نفقتها تسقط، أما إذا كانت معتدة عن طلاق بائن، أو عن فسخ بدون طلاق، فإن لها النفقة والسكنى
الشرط السادس: أن لا تكون معتدة عدة وفاة، كما يأتي في نفقة العدة.
الشرط السابع: إذا كانت أمة يشترط فيها أن تكون مبوأة، ومعنى هذا أنه إذا تزوج شخص أمة مملوكة للغير، فإن نفقتها لا تجب على الزوج إلا إذا بوأها السيد بيتاً خاصاً بها وبزوجها بمعنى أنه أعد لها مكاناً خاصاً بها هي وزوجها، ولم يستخدمها فيه، فلو طلقها زوجها فاستولى عليها سيدها، فإن نفقة عدتها تسقط.
والحاصل أنه لا نفقة لإحدى عشرة امرأة:стр. 1790
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الناشزة(٢) المرتدة(٣) مطاوعة ابنه أو أبيه أو مقبلته بشهوة أو نحو ذلك، مما يوجب حرمة المصاهرة(٤) معتدة الوفاة(٥) المعقود عليها عقداً فاسداً، والموطوءة بشبهة(٦) الصغيرة التي لا تطيق الوطء(٧) المسجونة، ولو ظلماً إذا حيل بينه وبينها(٨) المريضة إذا لم تزف، فإذا تزوج امرأة ولم يدخل بها، ثم مرضت مرضاً لا تستطيع منه الانتقال إلى دار زوجها على أي حال لانعدام تسليم نفسها في هذه الحالة، أما إذا مرضت في دار زوجها مرضاً شديداً، فإن عليه نفقتها(٩) المغصوبة، فلو غصب شخص زوجة الآخر لا تجب على الزوج نفقتها على التحقيق(١٠) الحاجة فإذا خرجت لحج الفريضة مع محرم فإن لها ذلك، ولو بدون إذنه، لكن لا نفقة لها عليه لعدم احتباسها، إلا إذا خرج معها حاجاً، فإن عليه نفقة الحضر لا السفر، فيجب عليها أن تنفق أجرة الجمال والبواخر وغير ذلك، ويجب عليه إطعامها وكسوتها وما يتعلق بذلك، ولا يحل لها أن تسافر مع غير محرم(١١) الأمة التي لم تبوأ مكاناً خاصاً بها هي وزوجها.
وبهذا تعلم أن مدار شروط النفقة على حبس المرأة بمنزل زوجها بالفعل أو بالقوة، فلا يشترطون لوجوب النفقة الدخول، كما لا يشترطون مطالبة الزوج بالدخول. إنما الشرط أن لا تمتنع عن تسليم نفسها عند طلبه ما دامت قبضت جميع مقدم صداقها، وأيضاً لا يشترطون تمكينه من الوطء عند طلبه ما دامت محبوسة في داره، فلا تخرج إلا بإذنه، ولا يشترطون أن لا يكون لها مانع يمنع الوطء كرتق ونحوه، كما إذا كانت عجوزاً غير صالحة للوطء، ومثلها المجنونة إذا سلمت له نفسها ومنعته من الوطء، وكذا لا يشترطون كون الزوج بالغاً.
المالكية - قالوا: تنقسم شروط وجوب النفقة للزوجة على زوجها إلى قسمين: شروط لوجوبها قبل الدخول وشروط لوجوبها بعد الدخول، فيشترط لوجوبها قبل الدخول أربعة شروط:
الأول: أن تدعوه الزوجة أو وليها المجبر إلى الدخول فلم يدخل، فإذا لم تدعه إلى الدخول فلا حق لها في النفقة.
الثاني: أن تكون مطيقة للوطء، فإذا كانت صغيرة لا تطيق الوطء فإنه لا تجب عيها نفقتها إلا إذا دخل بها، ولا يجب عليه الدخول إذا دعته ولا يجبر عليه، راجع صحيفة ١٤٢: وما بعدها. الثالث: أن لا تكون مريضة مرضاً شديداً بحيث أصبحت في حالة النزع أو كان هو مريضاً كذلك، وإلا فلا نفقة لها.
الرابع: أن يكون الزوج بالغاً، فلو كان الزوج صغيراً فإن نفقتها لا تجب عليه ولو كان قادراً على وطئها، فهذه الشروط إنما تشترط لوجوب النفقة على الزوج قبل الدخول، أما بعد الدخول فإن النفقة تجب عليه، سواء كانت الزوجة تطيق الوطء أو لا، وسواء كانت مريضة مرض الموت أو لا وسواء كان بالغاً أو لا، وهذا هو الظاهر، وبعضهم يقول: انها شروط لوجوب النفقة مطلقاً، فلا تجب على الصغير ولو دخل بها ووطئها، وكما لا تجب على الكبير إذا كانت صغيرة لا تطيق الوطء، ومثل ذلك المريضة التي بلغت حد النزع، فإنه لا نفقة لها في هذه الحالة، ويشترط لوجوبها بعد الدخول أن تمكنه منстр. 1791
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الوطء، بحيث إذا طلبه منها لا تمتنع، وإلا فلا حق لها في النفقة، وأن تكون سليمة من عيوب النكاح، كالرتق ونحوه، فإذا كانت كذلك فلا حق لها في النفقة، إلا إذا تلذذ بها بغير الوطء وكان عالماً بالعيب، فإن النفقة تجب عليه في هذه الحالة.
الشافعية - قالوا: يشترط لوجوب النفقة على الزوج شروط: أحدها أن تمكنه من نفسها، وذلك بأن تعرض نفسها عليه، كأن تقول: إني مسلمة نفسي إليك. فإن لم يكن حاضراً عندها بعثت إليه تقول: إنني مسلمة نفسي إليك، فاختر وقتاً أجيء فيه إليك أو تجيء إلي أو نحو ذلك، فإن لم يكن حاضراً في البلد أنذرته بواسطة، فإن لم يحضر بعد ذلك كان لها الحق في النفقة.
والحاصل أن عليها أن تخطره بأنها مستعدة لاجتماعها به ودخوله عليها كما يشاء، فإذا لم تخطره بذلك فإنها لا حق لها في النفقة حتى ولو كانت لا تمتنع إذا طلبها، فالشرط في وجوب النفقة أن تخطره بأنها مستعدة لتمكنه من نفسها متى شاء، ويجب أن تمكنه من نفسها في أي وقت يحب، فإذا كان لها عمل بالنهار لا يتمكن منها فيه فإن نفقتها لا تجب عليه، فإذا كانت صغيرة أو مجنونة عرضها لوليها.
ثانيها: أن تكون مطيقة للوطء، فإذا كانت صغيرة لا تطيق الوطء فإنها لا تستحق النفقة سواء كان زوجها بالغاً يريد الوطء أو صغيراً لا يطأ، وإذا كان صغيراً فإن النفقة لا تجب عليه إلا إذا سلمت الزوجة لوليه، وكذا إذا كان مجنوناً، فإن النفقة لا تجب عليه إلا إذا سلمت زوجته للولي فلو استمتع المجنون بها بدون أن يستلمها وليه فلا نفقة عليه بذلك وبعضهم يقول: إذا كان الزوج صغيراً لا يطأ مثله، وكانت الزوجة صغيرة لا تطيق الوطء فإن نفقتها تجب، وذلك لأن المانع منهما معاً لا من الزوجة وحدها، بخلاف ما إذا كان الزوج كبيراً وهي صغيرة لا تطيق الوطء فإن المانع من جهتها وحدها فلا تستحق. ثالثها: أن لا تكون ناشزة أي خارجة عن طاعة زوجها، وله صور: منها أن تمنعه من الاستمتاع بها من لمس وتقبيل ووطء، ونحو ذلك، فإذا منعته سقطت نفقتها في اليوم الذي منعته فيه وذلك لأن النفقة تجب يوماً فيوماً، فإذا منعته في أول اليوم سقطت نفقتها فيه، فإذا عادت ومكنته فإن نفقتها لا تعود ما لم يستمتع بها بالفعل، على أن نشوز يوم واحد يسقط كسوة الفصل كلها، وذلك لأن الكسوة تقدر لكل فصل بحسب ما يناسب، فإذا كانت في فصل الشتاء ونشزت في يوم من الأيام سقطت كسوتها في هذا الفصل ولو عادت للطاعة ولا تكون ناشزة إذا منعته من الوطء لعذر كما إذا كان ضخم الآلة بحيث لا تطيقه، أو كانت مريضة مرضاً يضره الوطء، ومثل ذلك ما إذا كانت حائضاً أو نفساء، ومنها أن تخرج من المسكن بدون إذنه، فإذا خرجت بدون إذنه فلا تجب عليها نفقتها، إلا إذا خرجتстр. 1792
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) لعذر كخوف من انهدام مسكن أو لعيادة أهلها ونحو ذلك، مما لا يغضب أمثاله عرفاً، ومنها أن تسافر لقضاء حاجة لغير زوجها ولو بإذنه، فإن نفقتها تسقط بذلك أما إذا سافرت لقضاء حاجة له بإذنه فإن نفقتها لا تسقط.
ومثل ذلك ما إذا سافرت معه ولو بدون إذنه، لأنها في هذه الحالة تكون في قبضته، ولكن لا يحل لها أن تخرج معه بدون إذنه، فإن منعها من الخروج فأبت وتغلبت عليه سقط حقها في النفقة وإذا أحرمت بحج أو عمرة وهي موجودة معه في داره فإن نفقتها لا تسقط بمجرد الإحرام، لأن له الحق في تحليلها إن لم يأذن لها، فهي في قبضته ما لم تخرج للسفر فإن خرجت سقطت نفقتها لأنها تكون خارجة لحاجتها.
هذا، وللزوج أن يمنع زوجته من صيام النفل، وقضاء الفرض الموسع، وعليها أن تمتثل فإن أبت فإن نفقتها تسقط.
الحنابلة - قالوا: يشترط لوجوب نفقة الزوجية على الزوج شروط:
أحدها: أن تسلم له نفسها تسليماً تاماً في أي بلدة أو مكان يليق بها، فإذا امتنعت عن تسليم نفسها في بلد دون بلد فإن نفقتها تسقط.
ثانيها: أن تكون ممن يوطأ مثلها، أي بأن تكون صالحة للوطء، وقيده بعضهم بشرط أن تكون بنت تسع سنين، فإذا كانت ضخمة تطيق الوطء، وهي دون تسع، فإنها لا نفقة لها على هذا القيد وظاهر كتب الحنابلة أنه لا تجب لها النفقة، وهي دون تسع على أي حال فإن كانت صغير تطيق الوطء فإن على وليها أن يقول لزوجها: تعال استلم زوجتك، فمتى سلمت الزوجة نفسها أو أسلمها وليها، وكانت تطيق الوطء وجبت نفقتها على الزوج، وسواء كان صغيراً أو كبيراً. وسواء كان يمكنه الوطء أو لا، كما إذا كان مجبوباً أو عنيناً، لأن النفقة تجب في مقابل الاستمتاع، فمتى سلمت نفسها وجبت عليه نفقتها، سواء استمتع بالفعل أو لا وإذا تعذر وطؤها لمرض أو حيض أو نفاس أو رتق أو قرن، أو هزال، فإنه لا يمنع نفقتها، وإنما المدار على تسليم نفسها ما دامت بلغت تسع سنين؛ سواء حدث لها ذلك قبل الدخول، أو حدث لها وهي عنده فإذا كانت صحيحة وبذلت نفسها ليستمتع بها بغير الوطء، فإنها لا حق لها في النفقة، فإذا امتنعت عن تسليم نفسها للجماع سقطت نفقتها، فإذا عرض لها عارض يمنع من الوطء سلمت نفسها بعد ذلك فإن نفقتها لا تعود ما دامت مريضة عقوبة لها على منع نفسها وهي صحيحة، وإذا ادعت أن ذكره كبير لا تطيقه، أو ادعت أن بها آلاماً لا تطيق معها الوطء، فإن قولها يقبل إذا عرضت نفسها على امرأة ثقة - طبيبة - وأقرت دعواها، ولا تسقط نفقتها.
وإذا كان الزوج صغيراً فالنفقة تلزمه كالكبير ويجبر وليه على الإنفاق عليها من ماله، الصبي ومثله السفيه والمجنون فإذا كانت الزوجة صغيرة دون تسع، فإنها لا نفقة لها، ولو سلمت نفسها أو سلمها وليها، وإذا اشترطت في العقد أن لا تسلم نفسها إلا في بلد كذا أو مكان كذا فإنه يعمل بهذا الشرط، فإذا عقد شخص على امرأة ولم تبذل له نفسها، فإن النفقة لا تجب عليه ولو مكثت على ذلك سنينстр. 1793
مبحث هل تثبت النفقة قبل المطالبة بها ؟
-إذا سلمت الزوجة نفسها للزوج فتركها بدون نفقة، فهل تلزمه نفقتها من وقت تسليم نفسها أو تلزمه بمجرد العقد؟ وإذا لزمته، فهل تكون ديناً في ذمة الزوج لها المطالبة به؟ أو لا؟ وفي ذلك تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: لا نفقة للزوجة بمضي المدة قبل القضاء، فإذا لم ينفق عليها، بأن كان غائباً عنها أو كان حاضراً وامتنع، فإنه لا يطالب بما مضى، بل تسقط بمضي المدة، إلا إذا كانت مدة قليلة، وهي ما دون الشهر، فإن نفقتها لا تسقط، أما بعد القضاء فإنها تصبح ديناً، ولا تسقط إلا بموت أحدهما أو طلاقها أو نحو ذلك، مما يأتي، وذلك لأن المرأة تملك النفقة بعد القضاء، ولها أن تتصرف فيها بما لا يضر جمالها وصحتها، فإذا لم تأكل ونحفت، فإن له الحق في إجبارها على الإنفاق على نفسها كي لا تهزل، فإذا أنفقت على نفسها بعد القضاء من مالها أو من مال غيرها، ولو بلا أمر قاض، فإن لها أن ترجع على زوجها بما فرضه عليه القاضي، ومثل ذلك ما إذا اصطلحا على نفقة، فإنها تلزمهстр. 1794
مبحث ما تسقط به النفقة
-تسقط النفقة بأمور مفصلة في المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: تسقط النفقة بموت أحد الزوجين، بشرط أن لا يأمرها القاضي بالاستدانة، فإن أمرها القاضي بالاستدانة تقررت بذلك النفقة، كما لو استدان الزوج نفسه، ولا شك أن موته أو موت زوجته لا يسقط دينه، أما إذا لم يأمرها القاضي بالاستدانة فإنها تسقط بالموت، لأنها صلة.
أما سقوط النفقة المتجمدة بالطلاق، ففيه خلاف، والصحيح أنها لا تسقط بالطلاق، فأما الطلاق الرجعي فظاهر، وأما الطلاق البائن، فإن النفقة المتجمدة إذا سقطت به اتخذه الرجال ذريعة لإسقاط حقوق النساء، وظاهر كتب الحنفية أن الطلاق الرجعي لا يسقط النفقة على الصحيح لظهور جعله حيلة لتضييع حق الزوجة، ثم يراجعها بعد ذلك، أما الطلاق البائن فعلى القاضي أن يتأمل في الحالة قبل الحكم بإسقاط المفروض، فإذا ظهر له من قرائن الأحوال أن الغرض من الطلاق إسقاط النفقة وتضييع حق الزوجة، فإنه لا يعتبر، وإلا اعتبره مسقطاً، وتسقط النفقة المتجمدة بالنشوز إذا لم تكن مأمورةстр. 1795
مبحث نفقة العدة
-ليس للمعتدة عدة وفاة نفقة، حاملاً كانت، أو حائلاً، وأما المعتدة بطلاق أو فسخ، ففي عدتها تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: الفرقة الواقعة بين الزوجين إما أن تكون بالطلاق الرجعي أو البائن أو تكون بفسخ العقد الصحيح أو الفاسد، أو تكون بالموت، فإذا كانت بالطلاق الرجعي فقد عرفت أن لهاстр. 1796
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) النفقة بجميع أنواعها، فإذا مات زوجها انتقلت عدتها إلى عدة الوفاة، وسقطت نفقة عدتها المفروضة، إلا إذا كانت مأمورة بالاستدانة واستدانت بالفعل فإنها لا تسقط، وكذا إذا كان الطلاق بائناً ولو بالثلاث، فإن عدتها بجميع أنواعها، سواء كانت حاملاً أو حائلاً، بشرط أن لا تخرج من البيت التي أعده لها لتقضي عدتها.
فإذا خرجت بدون إذنه كانت ناشزة وسقطت عدتها، ومثل الطلاق فسخ العقد الصحيح، كما تقدم في مبحث فرقة الطلاق، أما الفرقة بفسخ العقد الفاسد ووطء الشبهة، كما إذا فرض وتزوجت بغيره وهي في العدة، ودخل بها ثم فرق بينهما لبطلان العقد، إنك قد عرفت أن عليها عدتين تبدأهما من وقت التفريق على أن يدخل فيها ما انقضى قبل وطئه. فإن كانت من ذوات الحيض فعليها انتظار ثلاث حيض عدة الوطء الثاني. ثم إن كان حاضت حيضة مثلاً قبل وطئه إياها حسبت من عدة الزوج الأول. وحسب لها حيضتان من عدة الوطء الثاني. وبذلك تعلم أن العدتين تداخلتا. بمعنى أن الحيضتين حسبتا من عدة الثاني مرة ومن عدة الأول مرة أخرى، كما تقدم، ولكن النفقة تكون على الزوج الأول، لأن الوطء بنكاح فاسد، وإن كان يوجب العدة، ولكن لا يوجب نفقة العدة، ومثله الوطء بشبهة، فإنه لا يوجب نفقة العدة على الواطئ وإنما تجب العدة على الزوج الأول، بشرط أن لا تخرج من البيت الذي اعتدت فيه، وإلا سقطت نفقتها.
ويتفرع على هذا أن الرجل إذا غاب عن زوجته وظنته قد مات، وتزوجت غيره ودخل بها، ثم حضر زوجها يفرق بينها وبين الثاني، واعتدت منه، فلا نفقة لها في عدتها لا من الأول ولا من الثاني، لأن الأول لم يطلقها، فلا عدة له عليها، ونكاح الثاني فاسد يوجب العدة، ولا يوجب النفقة، وأما إذا كانت الفرقة بموت الزوج فإنها لا نفقة لها في العدة، سواء كانت حاملاً أو حائلاً، ولا يستثنى من هذه أم الولد، على المعتمد، فإذا كانت تحته أمة وطئها بملك اليمين فحملت منه ثم مات عنها فإنها لا نفقة لها، لأنه قد وطئها بغير العقد، فهو بمنزلة الوطء بالعقد الفاسد وإذا كانت الحامل بالوطء بصحيح العقد لها فالموطوءة بملك اليمين من باب أولى، وإذا ادعت المطلقة أن طهرها قد امتد ولم تر الحيض، فالقول قولها بيمينها، وتستمر نفقتها إلى أن يثبت أن عدتها قد انقضت، بأن يأتي ببينة تشهد بأنها أقرت بانقضاء عدتها، وإن ادعت أنها حامل فلها النفقة إلى سنتين منذ طلقها، فإذا مضت سنتان، ثم تبين أنها غير حامل، فليس له الرجوع عليها بما أنفقه وتسقط نفقة العدة إذا انقضت، ولم تطالب بها، أما إذا فرضت بالقضاء أو الصلح، فإن المختار أنها لا تسقط ولو انقضت العدة وإذا كانت مستدانة بأمر القاضي، فإنها تتقرر ولا تسقط. بلا خلاف، ويصح الصلح على نفقة العدة، بشرط أن تكون بالأشهر لا بالحيض، بأن يعطيها نفقة ثلاثة أشهر أو أربعة مثلها، لا نفقة ثلاث حيض، لأن الحيض مجهول.
المالكية - قالوا: المطلقة رجعياً تجب لها نفقة العدة حاملاً كانت أو حائلاً ولا تسقط نفقتها إذا خرجت من بيت العدة بدون إذن، سواء قدر على منعها من الخروج أو لم يقدر، فإذا مات زوجهاстр. 1797
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) انتقلت إلى عدة الوفاة وسقطت نفقتها، كما لو مات عنها وهي في عصمته، ولكن يبقى لها حق السكنى حتى تنقضي عدتها، وهي أربعة أشهر وعشراً، بشرط أن يكون المنزل الذي تسكنه مملوكاً له، أما إذا كان بالأجرة فإن حقها في السكنى يسقط أيضاً، أما المطلقة طلاقاً بائناً فإنها لا نفقة لها إلا بالسكنى، فإنها تجب لها حتى تنقضي عدتها.
هذا إذا كانت غير حامل، أو طلقها بائناً وهي حامل، فإن النفقة بأنواعها الثلاثة من طعام وكسوة ومسكن تجب للحمل لا للمطلقة حتى يولد، ولا تسقط بخروجها من بيت العدة، لأنها ليست لها، وتثبت لها الكسوة، سواء أبانها في أول الحمل أو في أثنائه، فإذا طلقها بعد مضي أربعة أشهر حسبت كسوتها التي تستحقها كلها، ثم يخصم منها مدة الأشهر التي انقضت، وتعطى قيمة ما نابها في الأشهر الباقية نقوداً، وإنما تجب لها الكسوة إذا كانت تستحقها، بأن حل موعدها التي تجب فيه، وإلا فلا كسوة لها، وإذا مات زوجها قبل وضع الحمل سقطت نفقتها وبقي لها حق السكنى إلى أن تضع الحمل، سواء كان المنزل ملكه أو بأجرة، وسواء نقد كراءه أو لا، ومثلها البائن الحائل، فإن حق السكنى في المنزل الذي أبانها فيه يستمر إلى انقضاء عدتها، سواء كان ملكه أو لا، وسواء نقد أجرته أو لا، تدفع أجرته من رأس مال التركة.
وبهذا تعلم أن المتوفى عنها زوجها، وهي في عصمته لا نفقة لعدتها. سواء كانت حائلاً أو حاملاً ولكن لها السكنى إذا كانت في منزل مملوك للمتوفى، ومثلها المطلقة طلاقاً رجعياً إذا مات عنها وهي في العدة. أما المطلقة طلاقاً بائناً حاملاً كانت أو حائلاً، فإنه إذا مات عنها وهي في العدة فإن لها حق السكنى مطلقاً. سواء كانت في ملكه أو في منزل مستأجر والفرق بينهما أن المطلقة طلاقاً بائناً قد كسبت حق السكنى قبل موته فهو حق تعلق بذمته. فلا يسقط بالموت أما الإطعام فإنه يجب يوماً فيوماً، وكذلك الكسوة لا تجب قبل حلول فصلها، فلم تتعلق بذمته، ولذا سقطت بالموت، ولا نفقة للمطلقة بائناً بادعاء الحمل، بل لا بد من ظهوره بتحركه، فتجب لها النفقة بظهوره بالحركة، وهو لا يظهر إلا بعد أربعة أشهر، فتحاسب على النفقة من أول ظهور الحمل، وبعضهم يرى أن النفقة لا تؤدى لها إلا بعد وضع الحمل، فتحاسب عليها من أوله بعد الوضع.
وقد عرفت أن المطلقة طلاقاً بائناً لا نفقة لها، فلا معنى لادعائها امتداد الطهر، كما يقول أما الرجعية فقد عرفت ما تنقضي به عدتها في مباحث العدة، ومع ذلك فهي بمنزلة الزوجة فإذا رأى تلاعبها في العدة فله أن يطلقها باتاً ولا ضرر عليه من ادعائها.
الشافعية - قالوا: أن نفقة العدة تجب للزوجة المطلقة رجعياً، حرة كانت أو أمة حائلاً أو حاملاً، فلو أنفق عليها على ظن أنها حامل، ثم بان غير ذلك فإنه يسترد ما أنفقته، أما المطلقة طلاقاً بائناً وهي غير حامل فلا نفقة لها، لأنه لا سلطان للزوج عليها، أما إذا كانت حاملاً فإنها تجب لها النفقة حتى تضع الحمل وتسقط نفقة الحامل إذا خرجت من مسكن العدة لغير حاجة وكذا لا تجب النفقة للمتوفى عنها زوجها ولو حاملاً، ولكن تجب لها السكنى إلا إذا أبانها وهي حامل ثم توفي عنها، فإن عدتهاстр. 1798
مبحث الحكم بالنفقة على الغائب وأخذ كفيل بالنفقة
-١ - هل للزوجة الحق في النفقة من زوجها الغائب؟
- ٢ - وإذا كان، فهل تصرف لها بدون كفيل، أو لا بد من كفيل حتى إذا ظهر أنه قد مات ترد ما أخذته؟
- ٣ - هل للزوجة أن تطلب كفيلاً بالنفقة؟ في الجواب عن هذه الأسئلة تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: إذا غاب الزوج عن زوجته فإن في ذلك رأيين:
الرأي الأول: أنه لا يفرض لها إلا بشروط: الشرط الأول: أن يكون لها مال مودع عند شخص، أو دين عليه، وفي هذه الحالة يفرض لها النفقة في ذلك المال. الشرط الثاني: أن لا يفتقر ذلك المال إلى بيع كأن يكون نقوداً أو طعاماً حبوباً ونحوها، أما إذا افتقر إلى بيع كأن كان عرض تجارة أو عقاراً أو نحوهما، فإنه لا يفرض لها فيه شيء، لأن مال الغائب لا يصح بيعه.
الشرط الثالث: أن يقر الشخص بأن عليه دين للغائب أو عنده وديعة له.стр. 1799
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الشرط الرابع: أن يقر ذلك الشخص بأنها زوجته، فإن أنكر المال أو الزوجية أو هما معاً فإنها لا تقبل لها عليه بينة، لا على المال، لأنها ليست بخصم في إثبات الملك للغائب، ولا على الزوجية، لأن الشخص المنكر ليس بخصم في إثبات النكاح على الغائب، ولا يمين عليهما، لأنه لا يستحلف إلا بالخصم، ولا خصومة.
ولو أقر بأنه كان عنده وديعة للغائب. أو كان عليها دين فأوفاه إياه، فلا يمين عليه لأنها ليست خصماً في ذلك، وكذا إذا ادعى أن عنده وديعة أو دين، ولكن الزوج أعطاها النفقة أو طلقها وانقضت عدتها، قبل قوله في منع ما تحت يده فقط، إلا إذا ادعت ضياع ما دفعه لها. أو أنه لم يكفها وبرهنت،
ويغني عن هذه الشروط علم القاضي بالمال المودع، أو الدين، وعلمه بالزوجية، فإذا علم بأحدهما احتيج إلى الإقرار بالآخر، ولا يمين ولا بينة، ولا يرد أن القاضي لا يقضي بعلمه، لأن هذا ليس من باب القضاء، وإنما هو إعانة وفتوى.
الشرط الخامس: أن تحضر كفيلاً يكفلها بحيث لو ظهر أنه طلقها وانقضت عدتها أو أنها ناشزة رجع عليها هي وكفيلها.
الشرط السادس: أن تحلف على أنه لم يعطها النفقة. وأنها غير ناشزة. وأنه لم يطلقها وتنقضي عدتها، فإذا لم تتحقق هذه الشروط، بأن لم يترك الزوج مالاً يباع ويقر به من عنده المال كما يقر بالزوجية، أو يعلم القاضي بالمال وبالزوجية، فإنه لا يفرض لها عليه نفقة، ومع ذلك فلا بد من أن ينضم ذلك الكفيل والحلف المذكوران.
الرأي الثاني: أنها إذا أقامت بينة على الزوجية فإنها يقضي لها بالنفقة لا بالنكاح، فإن كان له مال حاضر ومودع عند شخص يقر به، أو يعلمه القاضي، فإنها تأخذ منه. وإلا أمرها بالاستدانة وهذا الرأي هو الذي عليه الفتوى، وهو المعمول به، أما الرأي الأول فمعناه القضاء على المرأة وعلى عفافها. فإن كثيراً من الناس يتركون نساءهم بدون نفقة أو منفق انتقاماً منهن ويختفون عن أعينهن في المدن أو في قرية من القرى، فإذا عمل بالرأي الأول مع هؤلاء الأشرار كثر شر الرجال وعذبت النساء عذاباً شديداً، فالحق الذي لا شك فيه ظاهر في الرأي الثاني. وهل للزوجة أن تطالب بكفيل يكفل لها النفقة جبراً عنه؟ والجواب: أن لها أن تطلب كفيلاً بشهر واحد إذا كان زوجها يغيب عنها. وهذا هو المعتمد، إلا إذا أثبتت أنه يغيب أكثر من شهر، فلها المطالبة بكفيل مدة غيبته. أما إذا تراضيا على إحضار كفيل يكفل لها النفقة ما دامت زوجته أو أقل أو أكثر فإنه يصح بشرط أن يحدد مبلغ النفقة الذي يكفل فيه. كأن يتفقا على نفقة شهرية قدرها خمسة جنيهات مثلاً. ثم يكفل فيها ما دامت الزوجية قائمة بينهما أو أبداً فإذا لم يصرح بكلمة أبداً ولا بوقت فقيل: تحمل على شهر واحد. وقيل: بل على التأبيد. وهو الصحيح المفتى به.
والحاصل أنهما إذا تراضيا على نفقة معينة وكفلها شخص فإنه يلزم بها. فإذا لم يتفقا على شيءстр. 1800
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) معين، وأتى الزوج بكفيل فقال: إنه ضمن النفقة. فقيل: يصح وتعتبر الكفالة فيما ثبت على الزوج منها. لأن النفقة إن لم تجب بعد في الحال فإنها تجب بعد. وقيل لا يصح والمفتى به أنه في حال الغيبة تصح. ولكن لا يلزمه إلا المدة التي غاب فيها. وكذا في حال الحضور. المالكية - قالوا: الغائب كالحاضر في وجوب النفقة عليه. بشرط أن تمكنه من نفسها. وذلك بأن تدعوه للدخول هي أو وليها ولو لم يكن بواسطة حاكم، فإن كان حاضراً فالأمر ظاهر وكذا إذا كان غائباً غيبة قريبة، أما إذا كان غائباً غيبة بعيدة فيكفي في وجوب النفقة لها عليه أن لا تمتنع من التمكين بأن يسألها القاضي هل يمكنه من البناء بها إذا حضر؟ فمتى قالت: نعم وجبت لها النفقة. فيعرض لها القاضي على زوجها الغائب نفقة مثلها، ويقوم مقام القاضي في ذلك عند عدمه جماعة المسلمين. وتؤخذ من مال المودع عند أحد من الناس. ومن دينه الذي له على الناس سواء كان حالاً أو مؤجلاً. فإن كان مؤجلاً اقترضت وأنفقت وسدت قرضها من ذلك الدين. وإذا أنكر المدين أن لزوجها ديناً. أو أنكر المودع عنده وديعة زوجها. فلها أن تقيم البينة على إثباته. ولها إثباته بشاهد واحد تحلف معه على دعواها بعد أن تحلف بأنها تستحق على زوجها الغائب النفقة. وأنه لم يترك لها مالاً ولا أقام لها وكيلاً ينفق عليها ولا تطالب بكفيل يصرف ما لها من نفقة، على أن للزوج الحق في إثبات إسقاط نفقتها بعد عودته، فإذا أثبت أنها ناشزة ولا تستحق النفقة فإنه يرجع عليها بما أخذت. ولا يشترط أن يكون المال نقداً أو طعاماً. بل يباع عليه داره وعقاره في نفقتها بعد ثبوت ملكه وأنها لم تخرج عن حوزته. وإن ادعى أنه أرسل لها النفقة أو تركها لها.
فإن كانت قد رفعت أمرها إلى الحاكم وأذن لها في الإنفاق على نفسها كان القول بيمينها من وقت رفع الأمر للحاكم لا من وقت سفره. وللزوجة أن تطالب زوجها بأن يدفع لها النفقة مقدماً عند عزمه على السفر كل مدة غيبته إلى قدومه. هذا إذا ادعى أنه يريد أن يسافر السفر المعتاد. أما إذا اتهم في أنه يريد سفراً طويلاً غير معتاد فإن لها أن تطالبه بأن يدفع لها معجلاً نفقة السفر المعتاد، ويأتيها بكفيل يكفل لها ما زاد على السفر المعتاد ليعطيها ما كان ينفقه عليها زوجها بحسب حالهما، وإن كان كل جمعة أو كل شهر أو كل يوم أو كل سنة، والكفيل في هذه الحالة حق من حقوقها يجيز عليه الزوج، أما إذا تراضيا على كفيل في زمن الحضر يكفل لها النفقة المقررة فإنه يصح ويلزم بها.
الشافعية - قالوا: متى سلمت نفسها إن كانت رشيدة، أو سلمها وليها إن كانت صغيرة فإن نفقتها تجب على زوجها بالشرائط المتقدمة، فإن كان غائباً عن بلدها فإن عليها أن ترفع الأمر إلى القاضي وتظهر له التسليم، يعني استعدادها لتسليمه نفسها في أي وقت يحب، وعلى القاضي أن يعلنه في البلد الذي هو بها، وتنتظر مضي زمن إمكان الوصول إليه، فإن منعه عذر من الحضور أو من التوكيل انتظرت زوال العذر، فإن زال ولم يحضر فرضها عليه القاضي.
ويقوم مقام ذلك في زماننا الإعلان الرسمي. بأن تعلنه بأنها في طاعته ومستعدة للدخول وتسليم نفسها، وتنتظر وصول الإعلان إليه، فإن لم يجبها فرض لها القاضي النفقة، فإن كان له مال أخذتها منстр. 1801
مبحث إذا عجز الزوج عن النفقة على زوجته
-إذا عجز الزوج عن الإنفاق على زوجته فلها الحق في طلب طلاقها منه، على تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: إذا عجز الزوج عن النفقة بأنواعها الثلاثة فإنه لا يفرق بينهما بهذا العجز، وكذا إذا غاب عنها وتركها بدون نفقة، ولم كان موسراً، وإنما يفرض القاضي عليه النفقة ويأمرها بالاستدانة، وفائدة أمرها بالاستدانة أن نفقتها لا تسقط بالموت ولا بغيره، متى استدانت، وأيضاً يكون لها الحق في أن تحيل عليه رب الدين الذي يستدين منه، بمعنى أنها إذا استدانت تقول لرب الدين: إن هذا الدين على زوجي، ثم إذا كان موسراً فإن لها الحق في بيع ماله في نفقتها، فإن لم تجد ماله تحبسه حتى ينفق، ولها الحق في بيع كل شيء يمكنها أن تستوفي منه حقها، سوى ثيابه التي تكفيه لتردده في قضاء حوائجه، فإذا كان معسراً، وله ابن من غيرها موسراً أو عم، أو لها هي أخ موسر أو عم، فنفقتها على زوجها ولكن يؤمر ابنه الموسر أو أخوه الموسر أو عمه أو أخوها أو عمها هي بأداء النفقة، فإن امتنع حبس حتى ينفق، فإذا أيسر الزوج دفع إليه ما أنفقه، ومثل ذلك ما إذا كان له أولاد صغار، وهو معسر، وله ابن موسر أو أخ موسر، فإن على واحد من هؤلاء الموسرين الإنفاق، ثم يرجعстр. 1802
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) على الأب إذا أيسر، وتجبر الأم على إرضاع ولدها إن لم يقبل ثدي غيرها، أو كان أبوه عاجزاً عن مرضعة سواها، ولها أجرة مثلها تأخذها عند يساره.
المالكية - قالوا: إذا لم ينفق الزوج على زوجته، فلها طلب الفسخ، والحاكم يطلق عليه رجعية بشروط:
الشرط الأول: أن يعجز عن النفقة من إطعام أو كسوة في الحال أو في المستقبل، أما العجز عن النفقة المتجمدة الماضية، فإنه لا يجعل لها الحق في طلب الفسخ، لأنه يصبح ديناً في ذمته.
الشرط الثاني: أن لا تعلم عند العقد فقره وعدم قدرته على الإنفاق، فإن علمت ورضيت فلا حق لها في طلب الفسخ. فإذا كان شحاذاً وقبلته على ذلك، ثم ترك مهنة الشحاذة، فإن لها حق طلب الفسخ، لأنها رضيت بمهنة فتركها.
الشرط الثالث: أن يدعي العجز عن النفقة ولم يثبت عجزه فإنه في هذه الحالة يطلق عليه القاضي حالاً على المعتمد. أما إذا أثبت أنه معسر عاجز ضرب له القاضي مدة باجتهاده رجاء أن يزول عسره، فإن مضت المدة ولم ينفق طلق عليه. فإن مرض في أثناء المدة أو سجن زاد له القاضي فيها. فإن ادعى أنه موسر ولكنه امتنع عن الإنفاق فقيل: يحبس حتى ينفق، وقيل يطلق عليه. فإذا لم يجب عليه بشيء طلق القاضي عليه فوراً. وهذا كله إذا لم يكن له مال ظاهر، وإلا أخذ من ماله جبراً، وإن ادعى الفقر، فإذا قدر على ما يمسك الحياة فقط، فإنه لا يكفي ويطلق عليه، أما إذا قدر على القوت كاملاً ولو خشناً وقدر على ما يواري جميع بدنها، فإنه لا يطلق عليه، ولو كانت غنية، أما ما تقدم من مراعاة حالهما، فإنه في تقدير النفقة، وما هنا في فسخ العقد، فإن كان غائباً في محل قريب وعرف محله فإنه يجب أن يعذر إليه أولاً، بأن يرسل له، إما أن ينفق أو يطلق عليه القاضي، أما إذا لم يعرف محله ولم يكن له مال معروف وثبت عسره، فإن القاضي يمهله مدة باجتهاده لعله يحضر فيها وينفق على زوجته، فإن لم يحضر طلق عليه، سواء دخل بها أو لم يدخل على المعتمد، وسواء دعته للدخول بها أو لا.
الشافعية - قالوا: إذا عجز الزوج فلم يستطع الإنفاق على زوجته أقل النفقة المتقدمة بأنواعها الثلاثة، من إطعام، وكسوة، ومسكن، ولو كان المسكن غير لائق بالمرأة، فإن صبرت على ذلك، كأن أنفقت على نفسها من مالها صارت النفقة المقررة لها ديناً في ذمته تأخذها منه متى أيسر، ما عدا المسكن والخادم فإنها يسقطان، لأنهما ليس بتمليك، بل امتاع للمرأة، ويشترط في بقاء النفقة ديناً عليه، أن تمكنه من نفسها، فلم تمنعه عن التمتع بها تمتعاً مباحاً، وإن لم تصبر فلها فسخ الزواج، بشرط أن ترفع الأمر إلى القاضي، وعلى القاضي أن يمهله ثلاثة أيام ليتحقق فيها من إعساره، ثم يفسخ العقد في صبيحة اليوم الرابع، أو يأمرها هي بفسخه، ومثل القاضي المحكم، فإذا لم يكن في جهتها قاض ولا محكم أمهلته ثلاثة أيام، وفسخت العقد في صبيحة الرابع بنفسها. فإن سلمها النفقة قبل مضي المدة فلا فسخ.стр. 1803
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ويشترط للفسخ أن يثبت عجزه عن أقل الطعام، وهو مد، فإن قدر على أن يأتيها كل يوم بمد من الحب وعجز عما عداه من أدم ولحم. أو عجز عن الإتيان بما تقعد عليه أو تنام عليه أو تتغطى به أو عجز عن آنية الأكل والشرب وآلة الطبخ وآلة التنظيف وعجز عن الأخدام فلا فسخ لها بشيء من ذلك. لأن المطلوب في هذه الحالة أن يأتي لها بما يقوم حياتها. ومثل العجز عن مد الطعام العجز عن أقل مسكن يأويها فيه ولو لم يكن لائقاً بها. وكذلك العجز عن أقل كسوة وقد بحث بعضهم في بعض هذه الأمور وقال: إن النوم على البلاط وبدون غطاء مضر بالحياة، فينبغي أن يأتي لها بأقل ما يحفظ لها صحتها، وإلا كان لها حق الفسخ، فإذا لم يثبت عجزه بالبينة أو بإقراره أمام القاضي، فلا فسخ.
فإن كان موسراً أو متوسطاً أو معسراً قادراً على نفقة المعسرين، ولكنه امتنع عن الإنفاق عليها، فلا فسخ، لأنها يمكنها أن تأخذ نفقتها منه جبراً بالقضاء. وإذا كان الزوج غائباً ولم يثبت إعساره ببينة يكون كالحاضر الممتنع، فليس لها طلب فسخ نكاحه، سواء انقطع خبره أو لم ينقطع. على المعتمد، ولو لم يترك لها شيئاً في غيبته ولو غاب مدة طويلة، لأن الشرط ثبوت عجزه عن أقل نفقة، وعلى الوجه الذي ذكرناه، وإلا كان موسراً يمكنه أن تأخذ منه نفقتها جبراً، سواء كان حاضراً أو غائباً، وإذا كان الزوج حاضراً وله مال بعيد عنه، فإن كان المال في جهة تبعد أقل من مسافة القصر فلا حق لها في الفسخ ويؤمر بإحضار نفقتها حالاً، إن سهل إحضارها، وإلا فلها الفسخ، أما إن كان في جهة بعيدة فوق مسافة القصر، فإن لها الفسخ على أي حال لتضررها.
وهذا الكلام إنما هو بالنسبة للزمن الماضي، حيث لم توجد مواصلات سريعة، أما في زماننا فقد يكون للرجل مال في أسوان وهو في مصر ومع ذلك فإنه يمكنه أن يحضره في أقل من مسافة القصر، وعلى هذا يصح أن يقال: إن كان له مال في جهة لا يتمكن فيها من الحصول عليه بسهولة يكون في حكم المعسر وإلا فلا. والحاصل أن شروط الفسخ أربعة، أحدها: أن يعجز عن أقل نفقة، وهي نفقة المعسرين، فإن قدر عليها لم يكن معسراً، وأولى إن قدر على المتوسط، ثانيها: أن يكون عاجزاً، عن النفقة الحاضرة أو المستقبلة، أما العجز عن النفقة المتجمدة فلا فسخ به، ثالثها: أن يكون عاجزاً عن نفقة الزوجة، فإذا عجز عن نفقة خادمها فلا فسخ. رابعها: أن يكون عاجزاً عن الطعام أو الكسوة أو المسكن، أما العجز عن الأدم وتوابعه من آنية وفرش وغطاء ونحو ذلك فلا فسخ به.
هذا، وقد تقدم أن الفسخ في هذه الحالة فرقة لا طلاق في مبحثه، ولا يشترط عدم علمها بفقره عند العقد، فإذا علمت ورضيت به ثم عجز عن الإنفاق كان لها حق الفسخ، لأن النفقة ضرورية للحياة، ورضاها به على أمل أنه يتكسب ويشق له طريقاً في الحياة لا يسقط حقها في النفقة، حتى ولو قالت: رضيت، لأن الوعد في هذه الحالة بالرضا لا يصدر إلا على أمل أن يأتي لها بأقل النفقة.стр. 1804
مبحث نفقة الأولاد
-في نفقة الأولاد على والدهم، صغاراً كانوا أو كباراً، عاطلين ذكوراً، أو إناثاً، تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: لا يخلو إما أن يكون الولد ذكراً أو أنثى، فإن كان ذكراً، فإن نفقته تجب على أبيه بثلاثة شروط، الشرط الأول: أن يكون فقيراً لا مال له، الشرط الثاني: أن لا يبلغ الحلم، فإن بلغ ولم يكن به عاهة تمنعه من التكسب كان عليه أن يتكسب وينفق على نفسه، وإلاстр. 1805
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) استمرت نفقته على أبيه، ومع هذا فللأب أن يؤجر ابنه الذي لم يبلغ في عمل أو حرفة ليكتسب وينفق عليه من كسبه ما دام يمكنه ذلك، إلا إذا كان طالب علم مستقيم، فإن نفقته تجب على أبيه، ولو كبيراً، وليس له منعه من طلب العلم. الشرط الثالث: أن يكون الولد حراً، فإن كان له ولد مملوك للغير، فإن نفقته لا تجب عليه، بل تجب على المالك.
أما إذا كان الولد أنثى، فإن نفقتها تجب على والدها، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، بشرطين:
الشرط الأول: أن تكون فقيرة، لو كان لها مال وجب أن ينفق عليها من مالها، وليس للأب أن يؤجر بنته الفقيرة في عمل لتكتسب بخلاف ما إذا كانت ذكراً. كما عرفت، على أن له أن يدفعها إلى امرأة تعلمها حرفة الخياطة أو التطريز أو النسيج أو نحو ذلك، فإذا تعلمت وكان لها من ذلك كسب فإن نفقتها تكون في كسبها، فالذي يمنع منه الأب تأجير ابنته للخدمة. لأن المستأجر ينفرد بها وذلك لا يجوز شرعاً.
الشرط الثاني: أن تكون حرة، فلو كانت مملوكة كانت نفقتها على مالكها، وتقدر لها نفقة الكفاية، بحيث يرى القاضي ما يكفيهم ويقدره لها، فإذا اصطلحوا على نفقة معينة فإن كانت زائدة عن كفايتهم، فللأب أن يطلب إنقاص الزائد، وإذا نقصت عن الكفاية فلهم طلب الكفاية، وعلى كل حال فيصح أن يصطلحا على ما يدخل تحت التقدير، بأن يقدر بعضهم كفايتهم بعشرة، وبعضهم يقدرها بتسعة فيصطلحا على تسعة، أما إذا اصطلحا على خمسة عشرة فلم يدخل تحت التقدير، فللأب انقاصه، وكذا إذا اصطلحا على سبعة، فلها طلب الزيادة، والصبي الغني، هو الذي له مال حاضر، سواء كان عقاراً أو نقوداً أو ثياباً، فإن للأب أن يبيع ذلك وينفق عليه منه القدر اللازم لسكناه وحاجته الضرورية، فإن كان للصبي مال بعيد عنه لا يمكنه الحصول عليه حالاً كانت النفقة على أبيه إلى أن يحضر ماله.
فإذا كان للصبي استحقاق في وقف لا يأتيه إلا في نهاية العام وجب على أبيه أن ينفق عليه، لأن هذا بمنزلة المال البعيد عنه، ولا يرجع الأب على الصغير بما أنفقه إلا إذا أشهد على أنه ينفق عليه ديناً، ويرجع عليه بعد حضور ماله، أو أذنه القاضي بالإنفاق، فإن لم يشهد ولم يأذنه القاضي، ولكن أنفق عليه بنية الرجوع، فإنه لا يصدق قضاء، وله الرجوع ديانة، فإذا كان الأب موسراً وامتنع عن النفقة على أولاده حبس في نفقتهم، ولا يحبس الوالد في دين ولده إلا دين النفقة، وإن كان معسراً فإنه يكلف بالتكسب والإنفاق، فإن عجز عن التكسب والإنفاق، وجب الإنفاق على أقارب الأولاد، وأقربهم إليهم أمهم، فإن كانت موسرة أمرت بالإنفاق عليهم، على أن يكون ما تنفقه ديناً على الأب، إذا أيسر لها حق الرجوع عليه بما أنفقته، فإن لم تكن لهم أم موسرة وكان لهم جد موسر فإن نفقتهم تجب على جدهم، ثم إن كان أبوهم زمناً - به عاهة تمنعه من التكسب - سقطت عنه النفقة نهائياً فلا يرجع عليها والده بشيء، لأن نفقة الكبير الزمن على أبيه، وكذلك أولاده نفقتهم على جدهم، ولا يرجع بها كما لو كان أبوهم ميتاً، أما إذا لم يكن زمناً، فإن النفقة تكون ديناً عليه، فإن لم يكن لهم جد موسر، وكان لهم عم أو أخ موسر وجبت النفقة على واحد منهما، فللأم أن تطالب أحدهما بالإنفاقстр. 1806
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بدون تقديم لأحدهما على الآخر.
فإذا طالبت أحدهما فرض عليه بالإنفاق، ويحبس إن امتنع، وإلا وجب الإنفاق على الأقرب فالأقرب، وعلى كل حال، فالصحيح أن المنفق يرجع بما أنفقه على الأب إذا أيسر إلا في حالة واحدة، وهي ما إذا كان المنفق الجد، وكان الأب زمناً، فإنه في هذه الحالة يكون كالميت فتسقط عنه النفقة، فإن لم يكن له قريب موسر وكان يستطيع التكفف، فإنه يؤمر بالتكفف لإطعام أولاده الصغار، فإن لم يستطع وجبت نفقتهم في بيت المال، كي لا يضيعوا.
المالكية - قالوا: يجب على الأب نفقة أولاده بشروط:
أحدها: أن يكونوا فقراء لا مال لهم، فلو كان للولد مال، أو صنعة رائجة يمكنه أن يتكسب منها فلا نفقة له على أبيه، وكذا إذا كان له مال ونفد قبل بلوغه فإنه يكون له الحق في النفقة على أبيه ثانيها: أن يكون بالغاً عاقلاً قادراً على الكسب، فإذا بلغ على هذه الحال فإن نفقته تسقط عن أبيه ولا تعود ثانياً إن طرأ عليه جنون أو عجز عن الكسب، أما إذا بلغ مجنوناً أو ذا عاهة تمنعه من الكسب فإن نفقته تستمر على أبيه. ثالثها: أن لا يكون الولد مملوكاً لغير أبيه، فإن كان مملوكاً وجبت نفقته على سيده. رابعها: أن يكون الأب موسراً فإن كان معسراً فإن نفقة الولد تسقط عنه، ولا يجبر الأب المعسر أن يكسب بصنعة أو غيرها لينفق على ولده المعسر ولو كان لذلك الأب صنعة، كما لا يجبر الولد على ذلك للإنفاق على أبيه، كما يأتي.
وإذا كانت أنثى حرة فإن نفقتها تجب على أبيها حتى يدخل بها زوجها، أو يدعى للدخول بها وهي مطيقة، فإن النفقة في هذه الحالة تجب على الزوج، كما تقدم، فإذا كانت زمنة فقيرة واستمرت بها الزمانة، ثم طلقها زوجها أو مات عنها عادت نفقتها على أبيها، ومثل ذلك ما إذا عادت إلى أبيها صغيرة أو بكراً، أما إذا عادت ثيباً بالغة صحيحة فإن نفقتها لا تعود على أبيها. فتحصل أن النفقة لا تعود على أبيها إذا عادت له بالغة صحيحة، أما إذا عادت زمنة فإن نفقتها تلزمه مطلقاً، على التحقيق، سواء كانت بالغة أو لا، وسواء دخل بها الزوج زمنة أو صحيحة ثم زمنت عنده.
وتسقط نفقة الأولاد بمضي المدة، فلو أطعمهم أحد غير أبيهم زمناً، فليس لهم المطالبة بخلاف الزوجة فإن نفقتها لا تسقط بمضي المدة، كما تقدم، نعم إذا خاصم أحد عن الأولاد أمام قاض لا يرى سقوطها بمضي المدة، فقضى بالنفقة الماضية المتجمدة، فإنها تتقرر ولا تسقط، ومثل ذلك ما إذا أنفق على الأولاد شخص غير متبرع، فإن له الحق في الرجوع على أبيهم الموسر بما أنفق، بخلاف ما إذا أنفق شخص غير متبرع على والدي شخص آخر، فإنه لا يرجع عليه إلا بقضاء الحاكم، وتقدر لهما النفقة فيما يفضل عن قوته وقوت زوجته بما فيه كفايتهم.
ولا تلزم الأم بالإنفاق على أولادها، ولو موسرة، وإنما تلزم بالرضاع بدون أجر، إلا إذا كانت عظيمة لا يرضع مثلها، فإنها لا تلزم إلا إذا أبى الطفل أن يقبل غير ثديها، فإنها في هذه الحالة تلزم بإرضاعه.стр. 1807
مبحث النفقة على الآباء والأقارب
-في النفقة على الآباء والأقارب تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: نفقة الآباء واجبة على أبنائهم وإن علوا. فعلى الولد الإنفاق على أبيه، وجده لأبيه، وجده لأمه أيضاً، بشرط الإعسار، ولا يلزم الأب بالتكسب، كما يلزم الابن، ومثل الأب الأم. فإذا كان يقدر على إحضار قوت أحدهما قدمت الأم على الأب، فإذا ادعى الابن أن أباه موسرстр. 1808
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) كان عليه أن يثبت بالبينة، فإن لم تكن له بينة فالقول للأب، فإذا كان للأب ابن وبنت موسرين قسمت نفقته بينهما بالسوية، على المعتمد، وكذا إذا كان له ابنان فإنها تقسم بالسوية بينهما، ولو كان أحدهما أكثر غنى من الآخر، نعم إذا كان التفاوت بينهما كثيراً فإنه ينبغي أن يخص الغني بقسط أوفر من الإنفاق على والده، وعلى الابن الموسر نفقة زوجة أبيه، وعليه تزويجه، ولو له زوجات، وعليه نفقة واحدة فقط يسلمها لأبيه.
أما نفقة الأقارب فإنه لا ينظر فيها إلى الإرث، وإنما ينظر فيها إلى القرب والجزئية، فمن كان جزءاً بسبب الولادة كالبنوة، والأبوة، كان مستحقاً للنفقة إذا كان معسراً، عليه النفقة إذا كان موسراً، ويقدم بعد الجزئية الأقرب فالأقرب، مثلاً إذا كان له ولدان ذكر وأنثى لزمتها نفقته بالسوية، لأنهما جزء منه وأقرب الناس إليه، وإن اختلف نصيبها في الإرث. وإذا كان له ابن وابن ابن قدم الابن على ابنه لكونه أقرب إليه من ابن الابن. وإذا كان له بنت وابن ابن كانت نفقته على البنت لقربها، وإذا كان له بنت وأخت شقيقة كانت نفقته على البنت فقط لقربها وجزئيتها، وإذا كان له ابن نصراني وأخت، فنفقته على ابنه وإن لم يرث، وكذا إذا كان له ابن بنت وأخ شقيق، كانت نفقته على ابن البنت. مع كون ابن البنت لا يرث مع الأخ الشقيق. وإذا كان له أب وابن، وهما مستويان في القرابة والجزئية، رجح الابن بحديث" أنت ومالك لأبيك" ومثلهما أم وابن، وإذا كان له جد وابن قسمت النفقة بينهما أسداساً، فعلى الجد السدس، وعلى ابن الابن الباقي، وذلك لأن نسبتهما إليه في القرابة واحدة، فكلاهما يدلي إليه بواسطة، لأن بينه وبين جده أباه، وبينه وبين ابن ابنه ابنه، ولا مرجح يرجح بينهما، فتقسم النفقة بحسب ما يخص كل واحد منهما من الميراث، فإذا كان له ابن وابن ابن، كانت النفقة على ابنه لكونه أقرب إليه من ابن ابنه.
والحاصل أنه يقدم الأقرب فالأقرب من الأصول والفروع، ثم بعد ذلك ينظر إلى الحواشي، فيقدم الوارث: على أنك قد عرفت أن الموسر يلزم بالإنفاق مع وجود الأقرب المعسر.
والحاصل أنه ينظر أولاً إلى الأصول والفروع، ويعبر الفقهاء عنها بعمود النسب، أو سلسلة النسب، فيقدم الأقرب فالأقرب، على الوجه الذي بيناه، فإن استووا في درجة القرابة، كجد وابن ابن، ولا مرجح، وزعت النفقة عليهما بقدر ما يستحقان من ميراث، وإن وجدا مرجح قدم الأرجح، كما إذا اجتمع للمعسر أب وابن، فإن درجة القرابة واحدة، ولكن يرجح الابن على الأب، بحديث" أنت ومالك لأبيك" فإن كان الأقرب معسراً انتقلت النفقة إلى من يليه، وقد عرفت مما مضى أن الزوجة إذا كان زوجها معسراًن وكان لها أخ أو عم، أو كان لزوجها ابن من غيرها أو أخ، فإن لها أن تأخذ نفقتها من واحد منهما، على أن يرجع الزوج بما أخذته متى أيسر، وكذا إذا كان لها أطفال، ولهم أخ من غيرها أو لهم عم - أخ أب - فإن لها أن تأخذ من أيهما بدون ترتيب، ذلك لأن النفقة في هذه الحالة على الزوج، على المعتمد، وهؤلاء كمقرضين، فللزوجة أن تقترض ممن تراه موافقاً لها بخلاف ما هنا، فإن الكلام فيمن تفرض عليه النفقة، ولا تفرض النفقة للأقارب إلا بشرط أن يكون المنفقстр. 1809
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) موسراً، أما الزوجة والأولاد فتفرض لهم النفقة، ولو كان الأب أو الزوج معسراً، فلا يشترط اليسار في هذه الحالة. وقد اختلفت آراء أئمة الحنفية في حد اليسار الذي تجب به النفقة على الوالدين والأقربين، فقدره بعضهم بأن يكون الولد مالكاً لنصاب الزكاة.
وبعضهم قال: الشرط أن يكون مالكاً لما يحرم عليه به أن يأخذ الزكاة زائداً على حاجته الأصلية فلا يضر النقص عن نصاب الزكاة. وفصل بعضهم فقال: إن كان الولد مزارعاً أو تاجراً يمكنه أن يدخر مالاً، فإن يساره يعتبر بأن يكون مالكاً لنفقة شهر على نفسه وعلى عياله وما زاد يعطى لأهله، وإن كان من أهل الحرف الذين يكسبون يوماً فيوماً فإن يساره يعتبر بأن يكون لديه نفقة يومه وعياله، زائداً عليها ما يعطيه لأقاربه، مثلاً إذا كان يعمل بعشرة ويكفيه هو وعياله يومياً سبعة، وجب عليه أن يعطي الثلاثة لأبويه، وقد رجح المحققون هذا الرأي في الكسوب الذي يحصل على قوته يوماً فيوماً، فإن كان الولد فقيراً وعنده عيال، وله أب قادر على الكسب، فإنه لا يحكم على الولد بنفقة، أما إذا كان الأب عاجزاً، فإنه يحكم عليه بضمه إلى عياله ليأكل معهم، فإنه لا يرهقه في هذه الحالة، والأم حكمها دائماً حكم الأب العاجز عن الكسب.
وكما تجب النفقة للأصول والفروع والأقارب العصب، كذلك تجب لذوي الأرحام، بشرطين:
أحدهما: أن يكون طالب النفقة صغيراً فقيراً، إذا كان ذكراً وفقيراً، إذا كان أنثى ولو كبيرة، فإذا كان ذكراً كبيراً قادراً على الكسب فلا تجب له نفقة، نعم إذا كان عاجزاً عجزاً يمنعه عن الكسب أو كان طالب علم مستقيم فإن له النفقة، وإذا كانت أنثى غنية، أو لها صناعة تتكسب منها، كأن تكون معلمة أو قابلة، أو نحو ذلك فلا نفقة لها، وكذا إذا كان لا يحسن الكسب أصلاً لعدم معرفته حرفة أو عنده عته، قيل: وكذا إذا كان من أسرة شريفة، فلا يستطيع أن يخدم أو يحترف بحرفة دنيئة، وقد رد هذا بعض الفقهاء بأن المرء مكلف بتحصيل قوته، بصرف النظر عن كل اعتبار، وقد رأينا كبار الصحابة ينزلون الأسواق ويبيعون الزبد واللبن ليحصلوا على قوتهم، ولا معنى أن يقال: إن هذا لم يكن عيباً في وقتهم، فإن الواقع أن هذا هو الشرف لا البقاء عالة على الناس، فالصحيح أنه لا يصح الحكم للقوي القادر على الكسب على رحمه، بل يؤمر بالعمل في الحياة كي يحصل على قوته، وربما ظفر بثروة بسبب جده واجتهاده. وحد الفقير المعسر الذي تجب له النفقة أن يكون ممن تحل له الصدقة. ثانيهما: أن يكون المنفق موسراً، فلا تجب نفقة ذوي الأرحام إلا على القادر الموسر، وقد عرفت أن اليسار شرط لوجوب نفقة الأقارب جميعهم إلا الأولاد الصغار والزوجة، ويجبر المنفق على دفع النفقة لأقاربه ويحبس من أجلها على المعتمد.
فإذا كان للفقير أقارب متعددة من أرحامه توزع عليهم نفقته بحسب ميراثهم مثلاً إذا كان له أخت شقيقة وأخت لأب وأخت لأم، كان عليه نفقتهن حسب ميراثهن منه بعد موته، وهو أن الأخت الشقيقة لها النصف، والأخت لأب لها السدس، والأخت لأم لها السدس، فالمسألة من ستة، لأن فيها السدس: لأخته الشقيقة ثلاثة ولأخته لأمه سهم ولأخته لأبيه سهم، وبقي سهم يرد عليهن، فعلى هذاстр. 1810
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) تلزم أخته الشقيقة بثلاثة أخماس والأخت لأم بخمس والأخت لأب بخمس، فإذا كان له أخ شقيق وأخ لأم وأخ أب، فعلى الأخ لأم السدس، والباقي على الأخ الشقيق، ولا شيء على الأخ لأب، لأنه لا يرث، فهو محجوب بالأخ الشقيق، فإذا كان مع إخوته أو أخواته ابن معسر فإنه لا يعتبر مانعاً لهم من الإرث، بل يعتبر كالميت، إلا إذا كان قادراً على الكسب فإنه يؤمر بالتكسب لينفق على نفسه وعلى أبيه، على ما تقدم، فإذا عجز الولد عن الكسب كانت نفقته على عمته الشقيقة، أو عمه الشقيق، وذلك لأن الأب المعسر كالميت، فيعتبر الوارث له عمه، أو عمته، ولو كان مع إخوته أو إخوانه بنت كانت النفقة على الأشقاء فقط، وذلك لأن البنت ترث من عمتها الشقيقة، ومع عمها الشقيق، ويسقط بها غير الشقيق، وإنما لم تعتبر البنت كالميت، لأن الذي يعتبر كالميت هو الذي يأخذ كل الميراث، كالابن، أما البنت فلا تأخذ الكل فتعتبر وارثة مع غيرها. وإذا كان لمستحق النفقة أم موسرة، وأخت شقيقة موسرة، وأخت لأب معسرة، وأخت لأم معسرة، كان ميراثهن كالآتي: للأخت الشقيقة النصف، وللأم السدس، وللأخت لأب السدس، وللأخت لأم السدس، فنصيب الأم، والشقيقة أربعة، فتقسم النفقة بينهما أرباعاً: ربعها على الأم، وثلاثة أرباعها على الأخت الشقيقة، وعلى هذا القياس.
واعلم أن الذي تجب عليه النفقة من ذوي الأرحام يشترط أن يكون رحماً قريباً محرماً، فابن العم لا تجب عليه لأنه وإن كان رحماً لكنه غير محرم، وأرحام الرضاع ليسوا بأقرباء، فلا تجب عليهم ولا لهم نفقة.
هذا، ولا تجب نفقة الأقارب مع الاختلاف في الدين، فلا تجب النفقة على المخالف في الدين إلا لزوجته وأصوله وفروعه، فلو تزوج ذمية وجبت عليه نفقتها، وكذا إذا كان له والد مسلم وهو ذمي وبالعكس، فإن نفقة كل منهما تجب للآخر.
المالكية - قالوا: تجب نفقة الوالدين على أولادهم بشروط: الشرط الأول: أن يكون الولد حراً، فلا تجب على الرقيق. الثاني: أن يكونا معسرين، أي لا يقدرا على كفاية أنفسهما، فإن قدرا على بعضها وجب عليه أن يكمل لهما. الثالث: أن لا يكونا عاجزين عن الكسب، أما إذا كانا قادرين على الكسب فإن نفقتها لا تجب على الولد، وأجبرا على الكسب. الرابع: أن يكون الولد موسراً بالفعل، فإن كان موسراً بالقوة أي قادراً على التكسب فإنه لا يجبر على التكسب لينفق على والديه، كما لا يجبر الوالد على التكسب لينفق على ولده. الخامس: أن يثبت فقرهما بشهادة عدلين، فلا يكفي عدل واحد ويمين، كما لا يكفي عدل وامرأتان، وإذا ادعى الولد الفقر فهل عليه إثباته بالبينة، أو عليهما هما إثباته؟ تردد فبعضهم قال: إن على الولد الإثبات، وبعضهم قال: إن الإثبات عليهما. السادس: أن يفضل من قوته وقوت زوجاته وأولاده ودابته وخادمه المحتاج إليهما، فإن لم يفضل منه شيء فلا تجب عليه نفقتهما، ولا يشترط الإسلام، فتجب نفقة الأب الكافر على ابنه المسلم، وبالعكس.
هذا ويجب على الولد الموسر نفقة خادم والديه وإن لم يحتاجا إليه، بخلاف خادم الولد، فلاстр. 1811
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) تجب على الوالد نفقته، وكذا يجب عليه نفقة خادم زوجة أبيه إن كانت أهلاً للخادم، وكذا يجب على الولد إعفاف أبيه بزوجة أو أكثر، إن لم تعفه الواحدة، والقول في ذلك للأب، ويجب عليه الإنفاق على من يعفه من الزوجات، ولو تعددت، أما إذا كانت تعفه واحدة وتزوج بأكثر فإن الولد لا تجب عليه إلا نفقة واحدة فقط، والقول للأب فيمن ينفق عليها الابن إن لم تكن إحداهما أمة، أما إن كانت أمة فإنها تتعين، ولو كانت غنية، ولا تجب النفقة بالقرابة سوى للوالدين ولا يجب على الولد نفقة جده، ولا جدته، لا من جهة الأب، ولا من جهة الأم، كما لا تجب على الجد نفقة ابن الابن، ولا بنت الابن، وهلم جرا، وإذا تزوجت الأم من فقير فإن نفقتها لا تسقط عن الولد، وإذا تعدد الأولاد الموسرون وزعت النفقة عليهم بحسب حال كل منهم في اليسر.
الشافعية - قالوا: يجب للوالدين على ولدهم النفقة بشروط: الأول أن يكونا معسرين، بحيث لم يملكا قوتاً وأدماً ومسكناً يليق بهما، ولا تجب المبالغة في الإشباع. الثاني: أن يكون الولد موسراً، ولو بكسب يليق به، ذكراً كان أو أنثى. الثالث: أن يكون لدى الولد ما يفضل عن مؤنته ومؤنة زوجته وأولاده يوماً وليلة، وإلا فلا تجبن ولا يشترط أن يكون الوالدان عاجزين عن الكسب، كما لا يشترط الإسلام، فلو كانا كافرين والولد مسلم، أو العكس، فإن النفقة تلزمه، ويجب على الولد إعفاف أبيه بتزويجه والإنفاق على زوجته، ولا يجب على الوالد تزويج ابنه بشرط أن يكون الولد موسراً حراً، وأن يكون الوالد حراً عاجزاً عن إعفاف نفسه، وإن تكون له حاجة إلى الزواج، والقول قول الأب في الحاجة بلا يمين، ولكن لا يحل له أن يطلب التزويج إلا إذا كانت له رغبة صادقة في التزوج، بحيث يضر به تركه، فإذا كان حاله يدل على ضعفه، كأن كان به شلل، أو به استرخاء، فإنه لا يجاب إلى طلبه أو يحلف بأنه في حاجة إلى النساء ويصح للابن أن يعطيه أمة، أو يعطيه ثمنها أو يعطيه مهر حرة، فإن كان له أولاد متعددون يوزع عليهم إعفافه والإنفاق عليه حسب إرثهم منه، على المعتمد، فإذا كانوا ذكوراً وإناثاً كان على الذكر ضعف ما على الأنثى من مؤنته وإعفافه، فإذا استووا في الإرث كانت نفقته عليهم بالسوية، سواء تفاوتوا في اليسار، أو لا، ولو كان أحدهما موسراً بمال، والآخر موسراً بكسب. فإذا غاب أحدهم أخذا ما عليه من ماله، فإن لم يكن له مال اقترض من نصيبه من غيره إن أمكن، فإن لم يمكن اقتراضه، أمر الحاكم أحد الحاضرين بالإنفاق بقصد الرجوع على الغائب، أو على ماله إن وجد، وتجب النفقة على أصله وإن علا، كجده، وجد جده، كما تجب النفقة على ابنه وإن سفل.
الحنابلة - قالوا: تجب النفقة على الولد لوالديه وإن علو كما تجب على الوالد نفقة ولده وإن سفل بحسب ما يليق بهم عرفاً بثلاثة شروط:
الأول: أن يكون المنفق عليهم فقراء لا مال لهم وكسب يستغنون به عن الإنفاق فإن كانوا موسرين بمال أو كسب يكفيهم فلا نفقة لهم، فإن كان لديهم ما يكفيهم بعض حاجتهم وجب عليه تكملة ما يكفيهم.стр. 1812
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الثاني: أن يكون لمن تجب عليه النفقة ما ينفق عليهم منه، بشرط أن يكون زائداً عن نفقة نفسه وزوجته، إما من ماله أو من كسبه فمن لا يفضل عنده شيء لا تجب عليه نفقة.
الثالث: أن يكون المنفق وارثاً للمنفق بفرض أو بعصب، إن كان من غير عمود النسب، أما عمود النسب فإنها تحجب ولو لم يرث، فعلى الولد أن ينفق على أبيه المعسر، وعلى زوجة أبيه وعلى إخوته الصغار وإن تعدد المنفق كانت النفقة عليهم بقدر إرثهم، فإذا كانت له أم وجد لأب، كانت النفقة على الأم الثلث، والباقي على الجد لأن الأم في هذه الحالة ترث الثلث، والباقي لجده لأبيه، وإذا كانت له جدة وأخ شقيق أو لأب كانت نفقته على الجدة السدس، والباقي على الأخ، وإذا كانت له أم وبنت قسمت النفقة عليهما أرباعاً، على الأم الربع، وعلى البنت الباقي، وذلك لأن البنت لها النصف فرضاً، وللأم السدس فرضاً، ثم يرد عليهما الباقي، فيكمل للأم منه الربع، وتأخذ البنت الباقي وعلى هذا القياس، إلا الأب فإنه ينفرد بالنفقة وحده، ولا نفقة لذوي الأرحام، كما لا نفقة عليهم) .стр. 1813
مباحث الحضانة
تعريفها - مستحقها
-الحضانة - بفتح الهاء وكسرها - والفتح أشهر، معناها لغة، مصدر حضنت الصغير حضانة تحملت مؤنته وتربيته، مأخوذة من الحضن - بكسر الحاء - وهو الجنب، لأن الحضانة تضم الطفل إلى جنبها، وفي الشرع حفظ الصغير، والعاجز، والمجنون والمعتوه، مما يضره بقدر المستطاع، والقيام على تربيته ومصالحه، من تنظيف وإطعام، وما يلزم راحته أما مستحق الحضانة، ففيه تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: الحضانة تثبت للأقارب من النساء والرجال، على الترتيب الآتي: فأحق الناس بالحضانة الأم، سواء كانت متزوجة بالأب، أو مطلقة، ثم من بعدها أمها، وأم أمها، وهكذا. ولا بد أن تكون أم الأم صالحة للحضانة، وليس لأم الأم الحق في أن تحتضن ابن بنتها المتزوجة في بيت زوجها، لأنه عدو له، فللأب في هذه الحالة أن يأخذه منها، فإذا ماتت أم الأم، أو تزوجت بغير محرم الصغير انتقل حق الحضانة لأم الأب، وإن علت، أما إذا كانت متزوجة بمحرمه، كما إذا كانت جدة متزوجة بجده، فإن حضانتها لا تسقط، فإن ماتت أو تزوجت انتقل الحق للأخت الشقيقة، فإن ماتت أو تزوجت انتقل إلى الأخت لأب. ثم من بعدها الأخت الشقيقة، ثم من بعدها بنت الأخت لأم.
وهذا الترتيب لا خلاف فيه عند الحنفية، واختلفوا فيما وراءه، كما إذا اجتمعت خالة وأخت لأب، فقيل: الأخت لأب أولى، وقيل: الخالة أولى، أما بنت الأخت لأب مع الخالة، فإن الصحيح أن الخالة أولى، وتقدم الخالة لأب وأم، هي شقيقة الأم ثم من بعدها الخالة لأم، ثم من بعدها الخالة للأب، وبنات الإخوة أولى من العمات، وتقدم العمة الشقيقة، ثم العمة لأب، ثم هؤلاء يدفع إلى خالة الأم الشقيقة، ثم إلى خالتها لأم، ثم لأب، ثم إلى عمة الأم، على هذا الترتيب.
وبالجملة فجهة الأمهات مقدمة على جهة الآباء، أما بنات العم، وبنات الخال، وبنات العمة، وبنات الخالة، فلا حق لهن في الحضانة.
فإذا لم يكن للصغير امرأة من أهله المذكورات تستحق الحضانة، انتقلت الحضانة إلى عصبته من الرجال، فيقدم الأب، ثم أبو الأب، وإن علا، ثم الأخ الشقيق، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، وكذا أبناء أبنائهم، وإن سفلوا، ثم العم الشقيق، ثم العم لأب، ثم ابن العم الشقيق ثم ابن العم لأب، بشرط أن يكون المحضون ذكراً، أما الأنثى فلا تدفع إلى أبناءстр. 1814
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الأعمام، لأنها ليست محرماً بالنسبة لهم، فإذا لم يكن للصغيرة إلا أبناء الأعمام فالنظر في ذلك للقاضي، فإن شاء دفعها إليهم، وإلا دفعها عند امرأة أمينة.
وإذا كان الصغيرة عدة أخوال، فإنها تدفع للأصلح منهم، وإن تساووا في الصلاحية فإنها تدفع للأسن، وكذا إذا كان لها عدة أعمام، فإذا لم يكن لها عصبة، فإن حضانتها تكون للأخ لأم، ثم من بعده ابنه، ثم للعم لأم، ثم للخال لأب وأم، ثم للخال لأب، ثم للخال لأم، وإذا كان لها جد لأم كان أولى من الخال ومن الأخ لأم.
المالكية - قالوا: يستحق الحضانة أقارب الصغيرة من إناث وذكور على الترتيب الآتي ذكره، فأحق الناس به أمه، ثم أمها، يعني جدته لأمه وإن علت، ثم الخالة الشقيقة، ثم الخالة لأم، ثم خالة الأم، ثم عمة الأم، ثم أم الأب، ثم أم أمه، وأم أبيه، والقربى منهن نقدم على البعدى. والتي من جهة أمه تقدم على التي من جهة أبيه، ثم بعد الجدة من جهة الأب تنتقل الحضانة إلى الأب، ثم إلى الأخت، ثم إلى عمة الصغير أخت أبيه، ثم إلى عمة أبيه - أخت جده - ثم إلى خالة أبيه، ثم بنت الأخ الشقيق، ثم لأم، ثم لأب، ثم إلى بنت الأخت كذلك وإذا اجتمع هؤلاء يقدم منهن الأصلح للحضانة، وبعضهم رجح تقديم بنات الأخ على بنات الأخت، ثم بعد هؤلاء تنتقل الحضانة إلى الوصي سواء كان ذكراً أو أنثى ثم الأخ الصغير، ثم أبن الأخ، ويقدم عليه الجد من جهة الأم، ثم العم ثم ابنه، ويقدم الأقرب على الأبعد ثم المعتق أو عصبته نسباً. الشافعية - قالوا: للمستحقين في الحضانة ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يجتمع الأقارب الذكور مع الإناث. الحالة الثانية: أن يجتمع الإناث فقط، الحالة الثالثة: أن يجتمع الذكور فقط. فأما الحالة الأولى: فتقدم الأم على الأب، ثم أم الأم، وإن علت، بشرط أن تكون وارثة، فلا حضانة لأم أبي أم، لأنها غير وارثة، ثم بعدهن الأب، ثم أمه، ثم أم أمه وإن علت، إذا كانت وارثة، فلا حضانة لأم أبي أم أب، لأنها لا ترث، فإذا عدمت هذه الأربعة وهي الأم وأمهاتها والأب وأمهاته.
وإذا اجتمع ذكور وإناث، قدم الأقرب فالأقرب من الإناث ثم الأقرب من الذكور، مثلاً إذا اجتمع إخوة وأخوات، وخالة وعمة، قدمت الأخوات الإناث، لأنهن أقرب وأولى بالتقديم من الذكور، ثم الإخوة الذكور، لأنهم أقرب من الخالة والعمة، ثم العمة، وعند الاستواء في القرابة والذكورة والأنوثة، كأخوات بنات وإخوة ذكور، فإنه يقرع بين البنات، فمن خرجت القرعة عليه قدم على غيره.
وأما الحالة الثانية، وهي اجتماع الإناث فقط، فتقدم الأم، ثم أمهاتها، ثم أمهات الأب، ثم الأخت، ثم الخالة، ثم بنت الأخت، ثم بنت الأخ، ثم العمة، ثم بنت الخالة، ثم بنت العمة، ثم بنت العم، ثم بنت الخال، وتقدم الشقيقات على غير الشقيقات، وتقدم من كانت لأب على من كانت لأم.
أما الحالة الثالثة، وهي ما إذا اجتمع الذكور فقط، فيقدم الأب، ثم الجد ثم الأخ الشقيق ثم الأخ لأب، ثم الأخ لأم، ثم ابن الأخ الشقيق أو لأب، ثم العم لأبوين، ثم العم لأب ثم ابن العمстр. 1815
شروط الحضانة
-يشترط لاستحقاق الحضانة: منها أن يكون عاقلاً، فلا حضانة لمجنون. ولا لمعتوه ومنها أن يكون بالغاً، فلا حضانة لصغير، ومنها غير ذلك. مما هو مفصل في المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: يشترط في الحضانة أمور: أحدها أن لا ترتد، فإن ارتدت سقط حقها في الحضانة، سواء لحقت بدار الحرب أو لا. فإن تابت رجع لها حقها.
ثانيها: أن لا تكون فاسقة غير مأمونة عليه، فإن ثبت فجورها بفسق، أو بسرقة، أو كانت محترفة حرفة دنيئة، كالنائحة، والراقصة، فإن حفها يسقط. ثالثها: أن لا تتزوج غير أبيه، فإن تزوجت سقط حقها، إلا أن يكون زوجها رحماً للصغير، كأن يكون عماً له، فإن تزوجت أجنبياً سقط حقها، فإن طلقها الزوج الثاني عاد لها حقها في الحضانة. رابعها: أن لا تترك الصبي بدون مراقبة، خصوصاً إذا كانت أنثى تحتاج إلى رعاية، فإن كانت أمها من النساء اللاتي يخرجن طول الوقت وتمهل في تربيتها، فإن حقها يسقط بذلك. خامسها: أن لا يكون الأب معسراً، وامتنعت الأم عن حضانة الصغير إلا بأجرة، وقالت عمته: أنا أربيه بغير أجرة، فإن لها ذلك، ويسقط حق أمه في الحضانة. سادسها: أن لا تكون أمة أو أم ولد، فإنه لا حضانة لها. ولا يشترط الإسلام فإن كان متزوجاً بذمية فإن لها أن تحضن ابنها منه، بشرط أن يأمن عليه الكفر والفساد، فإذا لم يأمن، كأن رآها تذهب به إلى الكنيسة، أو رآها تطعمه لحم الخنزير، أو تسقيه الخمر، فإن للأب أن ينزعه منها، فإذا ماتت الأم الحاضنة، أو لم يتوفر فيها شرط من هذه الشروط انتقلت الحضانة إلى من يليها، حسب الترتيب المتقدم، أما العقل فهو شرط مجمع عليه.
الشافعية - قالوا: يشترط للحضانة سبع شروط: أحدها: أن يكون عاقلاً، فلا حضانة لمجنون، إلا إذا كان جنونه قليلاً نادراً، كيوم واحد في السنة كلها. ثانيها: الحرية، فلا حضانة لرقيق. ثالثها: الإسلام، فلا حضانة لكافر على مسلم، أما حضانة الكافر للكافر، والمسلم للكافر، فإنها ثابتة.стр. 1816
مدة الحضانة
-في مدة الحضانة تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: مدة الحضانة للغلام قدرها بعضهم بسبع سنين، وبعضهم بتسع سنين، قالوا: والأول هو المفتى به، ومدتها في الجارية، فيها رأيان: أحدهما: حتى تحيض. ثانيهما: حتى تبلغ حد الشهوة، وقدر بتسع سنين، قالوا: وهذا هو المفتى به، فإذا كان الولد في حضانة أمه فلأبيه أن يأخذه بعد هذا السن، فإذا بلغ الولد عاقلاً رشيداَ كان له أن ينفرد ولا يبقى في حضانة أبيه إلا أن يكونстр. 1817
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فاسد الأخلاق، فلأبيه ضمه وتأديبه، وإذا لم يكن له أب، فلأحد أقاربه أن يضمه إليه ويؤدبه متى كان مؤتمناً، ولا نفقة للبالغ إلا أن يتبرع والده بها، وإلا أن يكون طالب علم، كما تقدم في مباحث النفقة.
أما الأنثى فإن كان بكراً ضمنها الأب إلى نفسه، ومثل الأب الجد، فإن لم يكن لها أب ولا جد، فإن كان لها أخ ضمها إليه بشرط أن لا يكون مفسداً، وإلا فإن كان لها عم غير مفسد ضمها إليه. وإلا فإن كان لها عصبية في رحم محرم ضمها إليه، وإن لم يكن وضعها القاضي عند امرأة ثقة، إلا إذا كانت مسنة عجوز، ولها رأي، فإنها تكون حرة، فتسكن حيث أحبت أما إذا كانت ثيباً فليس له ضمها، إلا إذا لم تكن مأمونة على نفسها، وفي هذه الحالة يكون للأب والجد ضمها جبراً، فإن لم يكن لها أب ولا جد، ولها أخ، أو عم، فله ضمها ما لم يكن مفسداً فإن كان مفسداً ضمها القاضي عند امرأة ثقة.
المالكية - قالوا: مدة حضانة الغلام من حين ولادته إلى أن يبلغ، فإن كان له أم حضنته حتى يبلغ، ثم تسقط حضانتها، ولو بلغ مجنوناً، ولكن تستمر نفقته على الأب إذا بلغ مجنوناً، ومدة حضانة الأنثى حتى تتزوج، ويدخل بها الزوج بالفعل.
الشافعية - قالوا: ليس للحضانة مدة معلومة، فإن الصبي متى ميز بين أبيه وأمه، فإن اختار أحدهما كان له، وكذا يخير بين أم وجد أو غيره، أو بين أب وأخت له من أم أو خالة، وله بعد اختيار أحدهما أن يتحول للآخر وإن تكرر منه ذلك، وللأب إذا اختارته بنته أن يمنعها من زيارة أمها، وليس له أن يمنع أمها من زيارتها على العادة، وإذا زارت لا تطيل المكث، وإذا مرضت كانت أمها أولى بتمريضها في منزله إذا رضي، وإلا مرضتها في منزلها ويعودهما، بشرط أن لا يخلو بها في الحالتين، وإن اختارها ذكر مكث عندها الليل وعند أبيه النهار كي يقوم بتعليمه، أما إذا اختارتها أنثى فتستمر عندها دائماً، وإن اختارهما معاً أقرع بينهما، وإذا سكت ولم يختر أحداً كان للأم.
الحنابلة - قالوا: مدة الحضانة سبع سنين للذكر والأنثى، ولكن إذا بلغ الصبي سبع سنين واتفق أبواه أن يكون عند أحدهما فإنه يصح، وإن تنازعا خير الصبي، فكان مع من اختار منهما، بشرط أن لا يعلم أنه اختار أحدهما لسهولته وعدم التشدد عليه في التربية وإطلاق العنان له فيشب فاسداً، فإذا علم أن رغبة الولد هكذا فإنه يجبر على البقاء عند الأصلح، فإن اختار أباه كان عنده ليلاً ونهاراً، ولا يمنع من زيارة أمه، وإن مرض الغلام كانت أمه أحق بتمريضه في بيتها، أما إذا اختار أمه فإنه يكون عندها ليلاً، ويكون عند أبيه نهاراً ليعلمه الصناعة والكتابة ويؤدبه، فإذا عاد واختار الآخر نقل إليه، وهكذا أبداً، فإن لم يختر أحدهما، أو اختارهما معاً أقرع بينهما، ثم إن اختار غير من أصابته القرعة رد إليه، ولا يخير إلا إذا كان أبواه من أهل الحضانة، فإن كان أحدهما غير أهل وجب أن يحضنه الكفء، وقيل سبع سنين يكون عند صاحب الحق في الحضانة، وعلى الوجه المتقدم، فإذا زال عقل الصبي كان من حق أمه، أما الأنثى فإنها متى بلغت سبع سنين فأكثر كانت من حق أبيها - بلا كلام - إلى البلوغ، ثم إلى الزفاف ولو تبرعت الأم بحضانتها، لأن الغرض من الحضانة الحفظ، والأب أحفظстр. 1818
مبحث هل للحاضن أن يسافر بالمحضون ؟
-في جواز سفر الحاضن بالمحضون وعدمه، تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: لهذه المسألة ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن تكون الحاضنة إما مطلقة وأن يكون الأب موجوداً وتريد الأم أن تنتقل بابنها إلى بلدة أخرى، وفي هذه الحالة لا يجوز لها الانتقال إلا بشرطين:
الشرط الأول: أن تكون مطلقة طلاقاً بائناً، أو طلاقاً رجعياً، وقد انقضت عدتها، أما إذا لم تنقض عدتها فإنها لا يجوز لها الانتقال ولا الخروج حتى تنقضي العدة.
الشرط الثاني: أن لا تكون البلدة التي تريد الانتقال إليها بعيدة ليس بينها وبين البلدة القائم بها أبوه تفاوت، بحيث يمكنه أن يزور ولده ويرجع في يومه، بصرف النظر عن سرعة المواصلات ويجوز لها أن تنتقل إلى بلدة بعيدة بشرطين:
أحدهما: أن يكون قد عقد عليها في هذا البلد.
ثانيهما: أن تكون هذه البلدة وطناً لها.
الصورة الثانية: أن يكون الأب موجوداً، وتكون الحاضنة غير الأم، فالجدة، والخالة، ونحوهما من الحاضنات، وهؤلاء لا يجوز لهن الانتقال بالولد المحضون عن البلدة التي بها أبوه بدون إذنه مطلقاً، لأنك قد عرفت أن الذي برر انتقال الأم إلى وطنها عقد الزوج عليها فيه، لأن رضاه بالعقد فيه، رضا بالإقامة، وكذا يمنع الأب من إخراج الولد من بلدة الأم ما دامت حضانتها قائمة، فإذا تزوجت غيره فللأب أن يسافر بابنه ما دامت متزوجة، فإذا عاد لها حقها رجع، وبعضهم يقول: لا يجوز له الخروج بولده إلا إذا انتهت مدة حضانتها.
الصورة الثالثة: أن يكون أبوه متوفى، وهي في عدة الوفاة، وفي هذه الحالة لا يجوز لها الخروج به إلا بإذن وليه الذي حل محل أبيه، أما بعد انقضاء عدتها فقد توقف المفتون في المسألة، وبعضهم قال: للأولياء منعها، والظاهر أنه ينبغي أن يترك الأمر في هذه الحالة لاجتهاد القاضي ليرى ما فيه مصلحة الصغير، فإن كان من مصلحته عدم الانتقال منعها، وإلا فلا.
المالكية - قالوا: ليس للحاضنة أن تسافر بالمحضون إلى بلدة أخرى ليس فيها أب المحضون أو وليه إلا بشروط:
الأول: أن تكون المسافة أقل من ستة برد، فإن كانت أقل فإنه يصح لها أن تستوطن فيها، ولا يسقط حقها في الحضانة، والبريد: أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال: فالمجموع - ٧٢ ميلاً -стр. 1819
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وقدر الميل: بأربعة آلاف ذراع، بذراع الإنسان المعتدل، فللحاضنة أن تنتقل به إلى بلد دون ذلك، وليس له نزعه منها.
الثاني: أن يكون السفر للإقامة والاستيطان، كما ذكرنا، أما إذا كان للتجارة أو لقضاء حاجة، فإن لها أن تسافر به ولا يسقط حقها في الحضانة، بل تأخذه معها، وللولي أن يحلفها بأنها ما أرادت بالسفر الانتقال والاستيطان، وإنما أرادت سفر التجارة مثلاً، وإنما يصح أن تسافر به مسافة قليلة بشرط أن تكون الطريق مأمونة، وأن يكون المكان الذي تريد السفر إليه مأموناً، أما الولي، فإنه إذا أراد السفر من بلدة إلى بلدة أخرى ليقيم بها وينتقل إليها مستوطناً إياها، فإن له أن يأخذ المحضون من حاضنته، ولو كان طفلاً، متى قبل ثدي مرضعة غير حاضنته، ويسقط حق الحاضنة في الحضانة إلا إذا رضيت أن تسافر معه، فإن حضانتها لا تسقط بانتقاله، وإنما يكون له حق أخذ المحضون منها، ويسقط حقها في الحضانة بشرطين: أحدهما: أن يكون الولي قاصداً السفر إلى بلد تبعد عن بلد الحاضنة مسافة ستة برد فأكثر، أما إذا كانت دون ذلك فليس له أخذه منها، لأنه يمكنه أن يشرف على الصغير في هذه الحالة. الشرط الثاني: أن يكون قاصداً الانتقال والاستيطان، أما إذا كان قاصداً التجارة، ونحوها، فإنه لا يأخذه منها ولا يسقط حقها في الحضانة، ولها أن تحلفه على أنه أراد سفر الانتقال لا سفر التجارة.
الشافعية - قالوا: إذا أراد الحاضن أو الولي سفراً لحاجة أو لتجارة، بقي الولد بيد المقيم حتى يرجع من سفره، ثم إن كان مميزاً يخير في البقاء مع أيهما شاء، على الوجه المتقدم، أما إذا أراد سفر نقلة واستيطان، فإن الولد يتبع العاصب من أب أو غيره، سواء كان مسافراً أو مقيماً، بشرط أن لا يكون ببلدة الحاضن عاصب آخر مقيم، وإلا خير الولد المميز في الإقامة مع أيهما شاء، ولا حق للعاصب المسافر في أخذه، مثلاً إذا انتقل الأب من بلدة الأم الحاضنة إلى بلدة أخرى ليقيم بها، ولكن جده لا يزال مقيماً مع الحاضنة فليس للأب أخذه معه، وكذا إذا كان جد وأخ وسافر الجد وأقام الأخ، أو سافر الأخ، وأقام العم فإنه يبقى مع المقيم، ويشترط للسفر بالصغير أن تكون الطريق مأمونة، وأن يكون المكان المسافر إليه مأموناً، وإلا فأمه أحق به.
الحنابلة - قالوا: إذا أراد أحد الأبوين السفر إلى بلدة أخرى، فإن الولد يبقى مع الأب، سواء كان هو المسافر أو المقيم، بشروط. أحدها: أن تكون المسافة بين البلدين مسافة قصر فأكثر. ثانيها: أن تكون الطريق مأمونة، وتكون البلدة المنقول إليها كذلك. ثالثها: أن يكون السفر سفر نقلة واستيطان، فإن كان لتجارة أو حج كان الولد من حق المقيم. رابعها: أن لا يريد بالسفر مضارة الآخر وانتزاع الولد من يده، فإن أراد ذلك فلا يجاب إلى طلبه، وإذا انتقلا جميعاً إلى بلدة واحدة فالأم باقية على حضانتها، وإذا أخذه الأب لافتراق بلدتين، ثم عادت الأم عادت لها الحضانة) .стр. 1820
مبحث أجرة الحضانة
-في أجرة الحضانة تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) (الحنفية - قالوا: أجرة الحضانة ثابتة للحاضنة، سواء كانت أماً أو غيرها، وهي غير أجرة الرضاع، وغير نفقة الولد، فيجب على الأب، أو من تجب عليه النفقة ثلاثة: أجرة الرضاع، وأجرة الحضانة، ونفقة الولد، فإذا كان للولد المحضون مال أخذه من ماله، وإلا فعلى من تجب عليه نفقته، كما ذكرنا، وهل تشمل أجرة الحضانة النفقة بجميع أنواعها، حتى المسكن أو لا مسكن لها؟ والجواب: أن الحاضنة إذا كان لها مسكن ويسكن الولد تبعاً لها، فلا يقدر لها أجرة مسكن، وإن لم يكن لها مسكن قدر لها أجرة مسكن، لأنها مضطرة إلى إيوائه وهذا هو الذي ينبغي العمل به، وإذا احتاج الصغير إلى خادم، فإنه يقضى له به على أبيه الموسر.
وإنما تثبت أجرة الحضانة للأم إذا لم تكن الزوجية قائمة، أو لم تكن معتدة، فإن كانت زوجة أو معتدة لأب الطفل فإنه لا حق لها في أجرة الرضاع، ولا في أجرة الحضانة، أما حال قيام الزوجية بينهما، فالأمر ظاهر، لأن نفقتها واجبة عليه بطبيعة الحال، وأما حال العدة فكذلك، لأن لها نفقة العدة، فهي في حكم الزوجة، فإذا انقضت عدتها كان لها الحق في طلب أجرة الحضانة، ولا تجب الأجرة على أبيه إلا إذا كان الطفل فقيراً لا مال له، وإلا فمن ماله.
هذا كله إذا لم يوجد متبرع يتبرع بحضانته مجاناً، فإن وجد متبرع، وكان أجنبياً عن الصغير، وكان للصغير مال، فإنه لا يعطى للأجنبي، ولكن يعطى لمن هو أهل للحضانة بأجرة المثل من ماله. أما إن كان المتبرع من أقارب الصغير، كالعمة مثلاً فإن الأم في هذه الحالة تخير بين إمساكه مجاناً، وبين أخذه منها وإعطائه لعمته لتحضنه مجاناً، إلا إذا كان الأب موسراً. ولا مال للصغير فإن الأم أوى بحضانته بالأجرة، أما إذا كان الأب معسراً، والصغير موسر، أو كان الأب موسراً، والصغير موسر، فإنه يعطى لعمته مجاناً، وذلك لأن نفقة أمه في هذه الحالة تكون من مال الصغير، وهو ضرر عليه، كما لا يخفى، وإذا امتنعت الأم عن حضانة الصغير، فهل تجبر على حضانته أو لا؟ والجواب: أنه إذا كان للصغير ذي رحم محرم صالح لحضانته غيرها لا تجبر على الصحيح، وإلا أجبرت، كي لا يضيع الولد، أما الأب فإنه يجبر على ضمه بعد بلوغ مدة الحضانة.
المالكية - قالوا: ليس للحاضن أجرة على الحضانة، سواء كانت أماً أو غيرها، بقطع النظر عن الحاضنة، فإنها إذا كانت فقيرة ولولدها المحضون مال فإنه ينفق عليها من مال ولدها لفقرها إلا للحضانة أما الولد المحضون فله على أبيه النفقة والكسوة والغطاء والفرش، والحاضنة تقبضه منه وتنفقه عليه، وليس له أن يقول لها: أرسليه ليأكل عندي ثم يعود، وتقدر النفقة على والده باجتهاد الحاكم حسب ما يراه مناسباً لحاله، كأن يقدر له شهرياً، أو كل جمعة، أو نحو ذلك، مما تقدم في باب النفقة، وهل للحاضنة السكنى؟ والجواب: أن الصحيح تقدير السكنى باجتهاد الحاكم، فينظر إلىстр. 1821
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) حال الزوجين، فإن كانت موسرة، فلا سكنى لها على الأب، وإن كانت معسرة وجب عليه لها السكنى.
الشافعية - قالوا: أجرة الحضانة ثابتة للحاضن حتى الأم، وهي غير أجرة الرضاع، فإذا كانت الأم هي المرضعة وطلبت الأجرة على الرضاع والحضانة أجيبت، ثم إن كان للصغير مال كانت الأجرة في ماله، وإلا فعلى الأب، أو من تلزمه نفقته، ويقدر لها كفايتها بحسب حاله.
الحنابلة - قالوا: للحاضنة طلب أجرة الحضانة، والأم أحق بحضانته ولو وجدت متبرعة تحضنه مجاناً، ولكن لا تجبر الأم على حضانة طفلها، وإذا استؤجرت امرأة للرضاع والحضانة لزماها بالعقد، وإن ذكر في العقد الرضاع لزمتها الحضانة تبعاً، وإن استؤجرت للحضانة لم يلزمها الرضاع، وإذا امتنعت الأم سقط حقها، وانتقل إلى غيرها، على الوجه المتقدم) .стр. 1822
الجزءُ الخَامِس
تقديم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في آخر الجزء الرابع من موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة، وعد العالم الجليل الموسوعة الشيخ عبد الرحمن الجزيري. ان يقدم إلى القراء الجزء الخامس، وهو "كتاب الحدود".
ولكن الأجل لم يمهله - رحمة اللَّه - فانتقل إلى جوار ربه، راضياً مرضياً، قبل أن يودع المطبعة أصول الكتاب.
ولما كانت "المكتبة التجارية الكبرى" قد اشترت حق طبع الموسوعة كلها، فقد حرصت - خدمة المسلمين - على أن تكملها بطبع الجزء الخامس وتيسير الحصول علبه. فسعت لدى أسرة المغفور له الشيخ الجزيري حتى حصلت على أصول "كتاب الحدود".
ومن توفيق اللَّه أن وجدنا مباحث الكتاب كلها تكاد تكون كاملة: كل مبحث مخطوط في "كراسة" لا ينقصها - إلا التنسيق وبعض الحواشي والتعليقات.
وقد عهدنا بهذه المهمة إلى عالم قدير متبحر في فقه المذاهب، وهو الأستاذ الشيخ علي حسن العريضي، من علماء الأزهر الشريف. وقد رحب العلم الفاضل بالمهمة، ابتغاء مرضاة اللَّه، فتولي تنسيق مباحث الكتاب وفقاً لمنهج المؤلف في الأجزاء السابقة، ثم تفضل - مشكوراً - فأضاف ما اقتضاه السياق من حواش وتعليقات، وأشرف على الكتاب في أثناء الطبع، مرجعة وتصحيحاً، حتى خرج "كتاب الحدود" - بعون اللَّه - مترسماً النهج، وافياً بالغرض.
و"المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة" ترجو - هذا الكتاب الكبير - خدمة لدين اللَّه ونفع المسلمين، ووفاء بعهد عالم من علمائنا الأفاضل وقف حياته لدين اللَّه، وتبيان عباداته ومعاملاته وشرح أحكانه وحدوده، ليعمل المسلمون بمتضاها، ويهتدوا بهديها، فيسعدوا في الدنيا والأخرة.
واللَّه ولي التوفيق.
стр. 1823
كتاب الحدود المقدمة في تعريف الحدود الشرعية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
روي عن السيدة عائشة ﵂ "أن قريشاً أهمهم شأن المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رَسُول اللَّهِ ﷺ ؟ ثم قالوا: من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فكلمه أسامة. فقال رَسُول اللَّهِ ﷺ : "يا أسامة أتشفع في حد من حدود اللَّه! ثم قام فاختطب. فقال: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وايم اللَّه لو أن فاطمة بنت مُحَمَّد سرقت لقطعت يدها".
رواه البخاري ومسلم وغيرهما (١) .
ويتعلق بشرح هذا الحديث أمور:
-١ - بيان معناه.
-٢ - بيان الحدود الشرعية، وما في معناها، وحكمة مشروعيتها.
-٣ - إذا لم يوجد في الشريعة نص على حكم من الأحكام فماذا يكون العمل؟.
- الحواشي
(١) (هذه الرواية لمسلم وفيها زيادة "يا أسامة". وفي رواية للبخاري "فتلون" (أي تغير غيظاً) وجه رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فقال له: (أتشفع في حد من حدود اللَّه تعالى؟) فقال أسامة لما رأى إنكار الْنَّبِيّ ﷺ وغضبه عليه مما أتاه: (استغفر لي يَا رَسُولَ اللَّهِ) أي لتمحي تلك الخطيئة ويغفر لي ربي. (قَالَ: ثم أمر بتلك المرأة فقطعت يدها) . زاد البخاري في رواية عنده عن عائشة ﵂ (ثم تابت بعد وتزوجت) فكانت تأتي لعائشة فترفع حاجتها الْنَّبِيّ ﷺ . وأسم المرأة التي سرقت فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد. وكان هذا الحادث يوم فتح مكة.
والمراد بالذين هلكوا من قبلهم بنو إسرائيل، حيث صرح بذلك الإمام البخاري في روايته فقال: إن بني إسرائيل كانوا إذا سرف فيهم الشريف تركوه محاباة، ومراعاة لشرفه، فأهلكهم اللَّه للمداهنةстр. 1824
المعنى
-معنى هذا الحديث ظاهر، وهو أن امرأة من علية القوم اسمها فاطمة، غلبت عليها رزيلة خلقية، مرة واحدة في حياتها، وهي سرقة شيء يستوجب إقامة الحد عليها بقطع يدها، فعز على قريش أمرها، لما لها من علو المنزلة، ولكنهم كانوا يعلمون شدة استمساك الرسول صلوات اللَّه عليه بإقامة حدود اللَّه، وتنفيذها على العظيم والضعيف، والغني والفقير، بنسبة واحدة. فوقفوا بإذاء ذلك حائرين، ولكنهم ظنوا أن أسامة بن زيد يستطيع أن يشفع لها عند رَسُول اللَّهِ ﷺ ، لأنه كان محبوباً عند الرسول، كما كان أبوه زيد من قبل، ولذا كان يلقب بالحب بن الحب. فأجابهم أسامة إلى طلبهم، ومضى إلى رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وسأله العفو عن السارقة. فأنكر عليه الرسول صلوات اللَّه وسلامه عليه هذه الشفاعة، وقال له: (أتشفع في حد من حدود اللَّه تعالى! أي ما كان يليق بك أن تجرؤ على هذا العمل) .
الحواشي
(١) والنفاق، وترك لإقامة الحدود الشرعية (وإذا سرق فيهم الضعيف) أي الفقير الذي لا جاه له ولا مال معه، ولا حسب يحميه، ينفذون عليه الحكم (وأيم اللَّه) أقسم الْنَّبِيّ ﷺ لتأكيد كلامه، حيث أن المقام يقتضي ذلك. وهو قسم بالنية لا مطلقاً، إذ لا يعرفه إلا الخواص (ولو أن فاطمة بنت محمد ﷺ سرقت) أعذها اللَّه من ذلك.
قَالَ صاحب دليل الفالحين: ففي الحديث ثبوت قطع يد السارق، رجل كان أو امرأة. وفيه جواز الحلف من غير استحلف، وهو مستحب، إذا كان فيه تعظيم الأمر المطلوب كما في الحديث الذي معنا. وفيه المنع من الشفاعة في الحدود، وهو مجمع عليه بعد بلوغه للإمام، أما قبله فجائز عند أكثر العلماء، إذا لم يكن المشفوع فيه ذا شر، وأذى للناس، فإن كان لم يشفع فيه. أما المعاصي التي لا حد فيها فتجوز الشفاعة فيها بشرطه السابق، وإن بلغت الإمام لأنها أهون. وفيه مساواة الشريف وغيره في أحكام اللَّه تعالى وحدوده وعدم مراعاة الأهل، والأقارب في مخالفة الدين، اه.
وذلك كما أمرنا اللَّه تعالى في كتابه العزيز فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء للَّه، ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين، إن كان غنياً أو فقيراً فاللَّه أولى بهما، فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن اللَّه كان بما تعملون خبيراً﴾ فقد أمرنا اللَّه تعالى بالمبالغة في العدل في الأحكام وإقامة القسط في الحدود وفي جميع الأمور مجتهدين في ذلك حق الإجتهاد، ولو كان هذا الحد على غني أو فقير أو قريب أو غريب، فإن اللَّه تعالى أولى بجنس الغني والفقير. ونهانا عن اتباع الهوى والجور في الأحكام والعدول عن الحق لغرض في نفوسنا مجاملة للغني، أو محاباة للقريب. ثم خوفنا اللَّه تعالى من عقابه وعذابه في الدنيا بالهلاك وفي الأخرة بالعذاب الأليم فقال تعالى: ﴿فإن اللَّه كان بما تعملون خبيراً﴾ فيجازيكم لا محالة على الظلم وعدم العدل في إقامة الحدود وغيرها من الأعمال، فهو وعيد محض من اللَّه تعالى للظلمة الجائرين.стр. 1825
ويظهر من هذا أن أسامة بن زيد كان يعلم أنه لا يصح الشفاعة في حدود اللَّه تعالى بعد أن يصل أمر الجريمة إلى ولي الأمر، ولهذا أنكر عليه الْنَّبِيّ ﷺ ، ولو كان يجهل الحكم لعلمه إياه. ولعل اعتقاد أسامة في فاطمة المخزومية، من كون هذه الخلة ليست عادة لها، وأنها زلة، قد لا تعود إليها، هو الذي دفعه إلى الشفاعة فيها.
والواقع أن فطمة المخزومية هذه قد أصبحت بعد تنفيذ الحد عليها من الصالحات التائبات القانتات، فلو تؤثر عنها أية رزيلة خلقية بعد ذلك.
على أن الرسول صلوات اللَّه وسلامه عليه لم يقتصر على الإنكار على أسامة بن زيد، بل جمع الناس وخطب فيهم مبيناً لهم أن الإستهانة بمعاقبة الجناة إذا كانوا من العظماء، والتشدد في معاقبة الضعفاء، لا نتيجة له إلا هلاك الأمة وفنائها، وقد هلك بسببه بعض الأمم الذين خلوا من قبل.
وأقسم رَسُول اللَّهِ ﷺ أنه لا يتأخر عن تنفيذ حدود اللَّه تعالى على بنته نفسها.
الحواشي
(١) ولقد كان المسلمون حديثي عهد بالإسلام فظنوا أن الشفاعة عند الحاكم تنفع وترفع العار عن هذه المرأة وأسرتها ومن ينتمي إليها من جراء قطع يدها. ولكن الرسول صلوات اللَّه وسلامه عليه أهمه هذا الأمر وأراد أن يثبت لهم وللإنسانية كلها أن الإسلام لا يفرق في تنفيذ الحدود بين شريف ووضيع، ولا بين غني وفقير، بل الكل أمام القانون سواء، كلكم لآدم وآدم من تراب، ﴿إن أكرمكم عند اللَّه أتقاكم﴾ .
ولهذا قام فحمد اللَّه تعالى وأثنى عليه ثم خطب فيه هذه الخطبة الجامعة التي وضعت قواعد العدل، وثبتت دعائم الإنصاف، وأقسم الرَسُول ﷺ للمسلمين بهذا القسم القوي حتى لاتشك النفوس بعد ذلك في أن هناك مانعاً يقف أمام تنفيذ حدود اللَّه تعالى، ولو على أعز الناس، وأشرفهم، وأقربهم إلى اللَّه . فضرب المثل بابنته وأحب الناس إلى قلبه، وأشرف مخلوقة في الأمة المحمدية كلها، وهي السيدة فاطمة الزهراء ﵂، وتغير وجه النبي ﷺ ، وظهر عليه الغضب الشديد حين سمع أسامة بن زيد يخاطبه في هذا الشأن، وهوالوساطة في تعطيل حد من حدود الله تعالى، نهره وقال له: (يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله تعالى!)
وأسامة من أحب الناس إلى قلب رَسُول اللَّهِ ﷺ بعد ابنته فاطمة ﵂. عن عبد اللَّه بن عمر ﵄: أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أحب الناس إلي أسامة ما خلا فاطمة، ولا غيرها) . وروي عن هشام بن عروة عَنْ أَبِيِهِ أن رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: (إن أسامة بن زيد لأحب الناس إلي، أو من أحب الناس إلي، وأنا أرجوا أن يكون من صالحيهم فاستوصوا به خيراً) .
بل بلغ من حب الرَسُول اللَّهِ ﷺ لأسامة، وعلو منزلته في نفسه أنه أخر الإفاضة من عرفة في الحج من أجله. فقد روي عن هشام بن عروة عَنْ أَبِيِهِ أن الْنَّبِيّ ﷺ أخر الإفاضة من عرفة من أجل أسامة بنследующие страницы →