Полный текст (2 230 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ومن ذلك أن ترد الحقوق إلى اصحابها، وهذه هي التوبة الصحيحة المطهرة، المقبولة حاماً كما وعد الله جل شأنه، ووعده لا يخلف، وهذا معنى قولهم: التوبة تنتظم من علم، وحال، وعمل. والعمل يتعلق بالحال، والاستقبال، والماضي.
والإصلاح هو إزالة الخلل، والفساد الطارىء على الشيء، والمراد هنا في الآية إصلاح دات البين التي أفسدها بينه، وبين من قذفه، وذلك بأن يستسمحه مما فرط منه في حقه حتى يسامحه، وذلك شأن التوبة والتخلص من حقوق العباد.
وقال بعض العلماء: غنه من مضى مدة عليه في حسن الحال تقبل شهادته، وتعود ولايته، ثم قدورا تلك المدة بسنة حتى تمر عليه الفصول الأربعة التي تتغير فيها الحوال والطباع، كما يضرب للعنين أجل سنة. وأما قوله تعالى: ﴿من بعد يذلك﴾ فالتوبة لا تكون إلا بعد الذنب، فإن سره التهويل في المر وتفظيع ما وقع فيه وتكبيره.
مبحث قبول توبة القاذف
الحنفية قالوا: لا تقبل شهادة المحدود في قذف وإن تاب توبة صادقة وحسنت توبته لقوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً﴾ ولأن رد شهادته من تمام الحد، لكونه مانعاً فقى بعد التوبة كأصله، بخلاف المردود في غير القذف لأن الرد للفسق، وقد ارتفع بالتوبة.
وأصله: أن الاستثناء إذا تعقب جملاً متعاطفة، هل ينصرف إلى الكل، أو إلى الجملة الأخيرة؟.
فالحنفية قالوا: إن الاستثناء ينصرف إلى الجملة الأخيرة فقط، وقد تقدم في الآية ثلاث جمل هي قوله تعالى: ﴿فاجلدوهم﴾ وقوله ﴿ولاتقبلوا لهم شهادة أبداً﴾ وقوله تعالى ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ والظاهر من عظف، ﴿ولاتقبلوا﴾ أنه داخل في حيز الحد، للعطف مع المناسبة، وقيد التأبيد، أما المناسبة: فإن رد شهادته مؤلم لقلبه، مسبب عن فعل لسانه، كما أن آلم قلب المقذوف بسبب فعل لسانه، وكذا قيد التأبيد لا فائدة له إلا بأبيد الرج، وإلا لقال: ولا تقبلوا لهم شهادة ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ جملة مستأنفة لبيان تعليل عدم القبول، ثم استثنى الذين تابوا، وهذا لأن الرد على ذلك التقدير ليس إلا للفسق، ويرتفع بالتوبة، فلا معنى للتأبيد، على تقدير القبول بالتوبة.
وهو استثناء منقطع، لأن التائبين ليسوا داخلين في الفاسقين، فكأنه قيل: وأولئك هم الفاسقون، لكن الذين تابوا فإن الله غفور رحيم، أي يغفر لهم، ويرحمهم، وإذا كان الرد من تمام الحد، لكونه مانعاص، أي زاجراً يبقى بعد التوبة كأصله، أي كأصل الحد، فإنه لا يسقط بالتوبة فإن من تاب بعد ثبوت الحد عليه، لا يسقط عنه، بل يجب أن يحد مهما حسنت توبته بالإجماع واحتج الحنفية على أن حكم الاستثناء مختص بالجملة الأخيرة بوجوه.стр. 2032
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) (أحدها) أن الاستثناء من الاستثناء يختص بالجملة الآخيرة، فكذا في جميع الصور طرداً للباب.
(ثانيها) أن المقتضى لعموم الجمل المتقدمة قائم، والمعارض وهة الاستثناء يكفي في تصحيحه تعليقه بجملة واحدة، وهي الأخيرة، فقط.
(ثالثها) أن الاستثناء لو رجع إلى كل الجمل المتقدمة لوجب أنه إذا تاب أن لا يجلد، وهذا باطل بالإجماع، فوجب أن يختص الاستثناء بلجملة الأخيرة.
واحتج الأحناف على مذهبهم في المسألة بوجوه من الأخبار والأحاديث الشريفة.
(أحدها) ما روى أبن عباس ﵄ في قصة هلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء فقال رسول الله ﷺ : (يجلد هلال، وتطل شهادته في المسلمين) فأخبر رسول الله ﷺ أن وقوع الجلد به يبطل شهادته عن غير شرط التوبة في قبولها.
(وثانيها) أن قوله ﵇ (المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدود في قذف) ولم يشترط فيه وجود التوبة منه.
(وثالثها) ما روى عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده عن رسول الله ﷺ قال: (لا تجوز شهادة محدود في الإسلام) .
المالكية، والحنابلة، والشافعية - قالوا: تقبل شهادة المحدود في قذف إذا تاب وحسنت توبته، والمراد بتوبته الموجبة لقبول شهادته، أن يكذب نفسه في قذف. وهل يعتبر فيه إصلاح العمل أم لا؟
وقول يتعتبر لقوله تعالى ﴿إلا الذين تابوا﴾ وقيل: لا. لأن عمر بن الخطاب ﵁ قال لابي بكرة: تب أقبل شهادتك.
وقد احتجوا على مذهبهم، بأن شهادة المحدود في قذف مقبولة بوجوه:
(أحدها) قوله ﵊: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) ومن لا ذنب له مقبول الشهادة، فالتائب يجب أن يكون أيضاً مقبول الشهادة.
(وثانيها) أن الكافر يقذف فيتوب عن الكفر، ويدخل الإيمان، فتقبل شهادته بالإجماع، فالقاذف المسلم إذا تاب عن القذف، وجب أن تقبل شهادته، لأن القذف مع الإسلام أهون حالاً من القذف مع الكفر فإن قيل: المسلمون لا يألمون بسبب الكفار، لأنهم شهروا بعداوتهم، والطعن فيهم بالباطل، فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر، من الشين والشنأن، وأيضاً فالتائب من الكفر لا يجب عليه الحد والتائب من القذف لا يسقط عنه الحد.
قلنا: هذا الفرق ملغى بقوله ﵊ (أنبئهم أن لهم ما للمسلمين، عليهم ما على المسلمين) .стр. 2033
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) (وثالثها) أجمعنا على أن التائب عن الكفر، والقتل، والزنا، والشرب، والسرقة، مقبول الشهادة. فكذا التائب عن القذف لأن هذه الكبيرة ليست أكبر من نفس الزنا. (ورابعها) أن ابا حنيفة رحمه الله تعالى يقبل شهادته إذا تاب قبل إقامة الحد عليه، مع أن الحد حق المقذوف، فلا يزول بالتوبة، فلأن تقبل شهادته إذا تاب بعد إقامة الحد عليه. وقد حسنت حالته، وزال اسم الفسق عنه كان أولى.
(وخامسها) أن قوله تعالى ﴿إلا الذين تابوا﴾ استثناء مذكور عقيب جمل، فوجب عوده إليها كلها، ويدل عليه أمور.
(أحدها) أجمعنا على أنه لو قال: عبده حر وامرأته طالق إن شاء الله، فإنه يرجع الاستثناء إلى الجميع فكذا فيما نحن فيه.
(وثانيها) أن الواو للجمع المطلق فقوله تعالى ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة ابداً، وأولئك هم الفاسقون﴾ صار الجمع كأنه ذكر معاً لا تقدم للبعض على البعض، فلما دخل عليه الاستثناء لم يكن رجوع الاستثناء إلى بعضها اولى من رجوعه إلى الباقي، إذ لم يكن لبعضها على بعض تقدم في المعنى البتة، فوجب رجوعه إلى الكل، ونظيره على قول أبي حنيفة ﵀ قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ فإن فاء التعقيب ما دخلت على غسل الوجه، بل على مجموع هذه الأمور من حيث أن الواو لاتفيد الترتيب، فكذا ههنا كلمة إلا ما دخلت على واحد بعينه لأن حرف الواو لا يفيد الترتيبن بل دخلت على المجموع.
(وثالثها) أن قوله تعالى: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ عقيب قوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً يدل على أن العلة في عدم قبول تلك الشهادة كونه فاسقاً، لات ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، لا سيما إذا كان الوصف مناسباً، وكونه فاسقاً يناسب ألا يكون مقبول الشهادة، إذا ثبت أن العلة لرد الشهادة ليست إلا كونه فاسقاً، ودل الاستثناء على زوال الفسق، فقد زالت العلمة فوجب أن يزول الحكم لزوال العلة.
(ورابعها) أن مثل هذا الاستثناء موجود في القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحربون الله ورسوله﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ ولا خلاف أن هذا الاستثناء إلى ما تقدم من أول الاية، وأن التوبة حاصلة لهؤلاء جميعاً.
وكذلك قوله تعالى: ﴿لاتقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فم تجدوا ماء فتيمموا﴾ وصار التيمم لمن وجب عليه الاغتسال، كما أنه مشروع لمن وجب عليه الوضوء. والله تعالى أعلم.
كيفية التوبة عن القذف
الشافعية - قالوا: إن التوبة عن القذف تكون بإكذابه نفسه، واختلف أصحابه في معناه. فقالстр. 2034
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بعضهم: يقول كذبت قيما قلتت فلا أعود لمثله وقال أو إسحاق: لا يقول كذبت لأنه ربما يكون صادقاً فيكون قوله كذبت كذباً، والكذب معصية، والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية اخرى، وإنما يقول القاذف بالملأ ندمتم على ما قلت، ورجعت عنه ولا أعود إليه وأما قوله تعالى: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ فالمعنى أنه لكونه غفوراً رحيماً يقبل التوبة، وهذا يدل على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً، إذ لو كان واجباً لما كان في قبول غفوراً رحيماً، لأنه إذا كان واجباً فإنما يقبله خوفاً وقهراً، لعلمه بأنه لو لم يقبله لصار سفيهاً، ولخرج عن حد الإلهية) .
-стр. 2035
القسم الثاني كتاب القصاص .
-وأما القصاص فهو أن يعاقب الجاني بمثل جنايته على أرواح الناس، أو عضو من أعضائهم فإذا قتل شخص آخر استحق القصاص، هو قتله كما قتل غيره (١) الحواشي
(١) ("تنبيه"
ذكر الشيخ رحمه الله تعالى في كتابه أن (القصاص) من باب الحدود، فعند ذكر كتاب الحدود - ذكر حد الشرب. ثم حد الزنا، ثم حد السرقة، ثم حد القذف، ثم القصاص، ثم حد التعيزر، وبعد أن انتهى من باب الحد ذكر حكم المفسدين في الرض والخوارج، ثم حكم البغاة وقطاع الطرق وهذا نمط لم يدرج عليه الفقهاء الذين سبقوه في التأليفن فإن علماء السلف الصالح اللذي ألفوا في الفقه على اختلاف مذاهبهم لم يذكروا القصاص في كتاب الحدود على الشرب، والزنا، والسرقةن والقذف، والتعزير.
الحنفية قالوا: في كتاب (الاختيار شرح الممختار) تأليف عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي "كتاب الحدود" ثم ذكر حد الزنا والقذف، والشرب، والسرقة، وقطاع الطرق، وفي كتاب السير ذكر حكم المرتد، وحكم الخوارج والبغاة من المسلمين، وبعد ذلك ذكر كتاب الجنايات بفصوله ثم ذكر "كتاب الديات" بفصوله وفروعه. ثم قال في أول كتابه الجناية، كل فعل محظور يتضمن ضرراً ويكون تارة على نفسه، وتارة على غيره، ويقال: جنى على نفسه، وجنى على غيره، فالجناية على غيره تكون على النفس، وعلى الطرفن وعلى العرض، وعلى المال، والجناية على النفس تسمى قتلاً، أو صلباً، أو حرقاً، والجناية على الطرف تسمى قطعاً، أو كسراً، أو شجاً، وهذا الباب لبيان هاتين الجنايتين، وما يجب بهما، والجناية على العرض نوعا قذف وموجبه الحد. وقد بيناه، وغيبة، وموجبها الإثم وهو من أحكام الآخرة، والجناية على المال. تسمى نصباً أو خيانة أو سرقة، وقد بيناها، وموجبها في كتاب السرقة، ثم القصاص مشروع ثبتت شرعيته بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى﴾ الآية ١٧٨ من سورة البقرة.
وقوله تعالى: ﴿ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً﴾ آية ٣٣ من الإسراء والسنة، قوله ﷺ : (من قتل قتلناه) وقوله ﵊ (كتاب اللهстр. 2036
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) القصاص) وعليه الإجماع والعقل، والحكمة تقتضي شرعيته أيضاً. فإن الطباع البشرية، والأنفس الشريرة تميل إلى الطلم والاعتداء، وترغب في استيفاء الزائد علىى الابتداء، سما البوادي، واهل الجهلن العادين عن سنن العقل والعدلن كما نقل عن عاداتهم في الجاهلية، فلو المتشرع الأجزية الزاجرة عن التعدي والقصاص من غير زيادة ولا انتقاص، لتجرأ ذوو الجهل والحمية، والنفس الأبية على القتل والفتك في الابتداء، وإضعاف ما جنى علهم في الاستيفاء، فيؤدي ذلك إلى التفاني، وفيه من الفساد ما لا يخفى، فاقتضت الحكمة شرع العقوبات الزاجرة عن الابتداء في القتل والقصاص المانع من استيفاء الزائد على المثل فورد الشرع ببذلك لهذه الحكمة حسماً عن مادة هذا الباب، قال تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾ .
الشافعية - قالوا: في كتاب (مغنى المحتاج) كتاب البغاة كتاب الرجة، كتاب الزنا، كفارة حد القذف، كتاب قطع السرقة، باب قطع الطريق، كتاب الأشربة، فصل في التعزير. وقبل هذا ذكر كتاب الجراح وفصوله - ثم ذكر كتاب الديات، وفصوله.
وكذلك كتاب (الام) للإمام الشافعي رحمه الله تعالى فذكر أولاً كتاب أهل البغي وأهل الردة. وبعده كتاب الحدود، وصفة النفي ثم ذكر كتاب السرقة، وكتاب الزنا، وكتاب الخمر، وكتاب قاطع الطريقن وكتبا المرتد، وكتاب الأشربة.
وأما كتاب مختصر المزني للإمام الشافعين فقد ذكر في كتاب الحدود، باب حد الزنا، باب حد القذف، كتاب السرقة، باب قطاع الطريق، باب الأشربة، قتال أهل الردة، وقبل ذلك ذكر كتاب القتل، وكتاب القسامة.
المالكية قالوا: في كتاب حاشية الشيخ الصاوي على الشرح الصغير باب في أحكام الجناية على النفس أو على ما دونها، ثم باب (تعريف البغي) ثم بابب تعريف (الردة) باب ذكر حد الزنا، وباب حد القذف، وباب أحكام السرقة، باب ذكر الحزابة، باب حد الشارب ولم يذكر القصاص، في باب الحدود، وذكر أحكام الجنايات أولاً لأنه أوكد الضروريات التي يجب مراعاتها، وأما صاحب كتاب الميزان للشيخ عبد الوهاب الشعراني فذكر كتاب الجنايات، كتاب الجيات. باب القسامة، باب كفارة القتل، كتاب حكم الحر والساحر، كتاب الحدود السبعة المترتبة على الجنايات، باب الردة، باب حكم البغاة، باب الزنا، باب حد القذف، باب السرقة، باب قطاع الطريق، باب حد شرب المكر، باب التعزير.
وكذلك كتاب (رحمة الأمة في اختلاف الأئمة) . للشيخ محمد بن عبد الرحمن الدمشقي الشافعي، الشافعين ومراعاة لأمانة العلم سنأسير في الكتاب على حسب ما سر فضيلة المؤلف رحمه الله تعالى وأذكر كتاب القصاص، والجناياتن في باب الحدود، تحقيقاً لرغبته، وإن كانت طريقته تخالف جميع المؤلفين في علم الفقه.стр. 2037
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وقد أردت التنبيه على ذلك حتى يكون المطلع على علم بسير المؤلف في كتابه، وحتى لا يكون هناك لبس في ذكر الأبواب، وإدخال بعضها في البعض الآخر، وإن كنت أنا أميل الى تنظيم المؤلفين في كتب الفقه، وإخراج القصاص من كتاب الحدود.
مبحث تعريف القصاص
القصاص مأخوذ من قص الأثر، وهو اتباعه، ومنه القاص لأنه يتبع الآثار، والأخبار، وقص الشعر أثره، فكأن القاتلس سلك طريقاً من القتل فقص أثره فيها، ومشى على سبيله في ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿فارتدا على آثارهما قصصاً﴾ .
وقيل: القص القطع، يقال: قصصت ما بينهما، ومنه أخذ القصاص، لأنه يجرحه مثل جرحه، أو بقتله به، يقال: أقص الحاكم فلاناً من فلان، وأباده به فامتثل بهن أي اقتص منه.
حكم القصاص
والقصاص ثابت في الشرع بالكتاب، والسنة، وفعل الرسول ﷺ ، وإجماع الأمة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ركم ورحمة، فمن أعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم، ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون﴾ آيتي ١٧٨، ١٧٩ من سورة البقرة
وقوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعينن والأنف بالأنف، والأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص، فمن تصدق به فهو كفارة له، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ آية ٤٥ من سورة المائدة.
وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد فيه نسخ من الشارع الحكيم، ولم يرد نسخ ذلك وقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ومن قتل مظلموماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل أنه كان منصوراً﴾ آية ٣٣ من سورة الإسراء أي أتينا لوليه سلطنة القتل.
وقوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا﴾ ووجه التمسك به أن الله تعالى ذكر في هذه الآية حكم القتل الخطأ، فتعين أن يكون القصاص واجباً وثابتاً فيما هو ضد الخطأ، وهو العمد، ولم تعين بالعمد لا يعدل عنه لئلا تلزم الزيادة على النص بالرأي، ولأن الله تعالى قال: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ ومعناه، فرض، وأثبت، كما قال تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ وقال: ﴿وكتب عليكم القتال﴾ وقال تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾ ومعناه الفرض الثابت.
وقيل: إن ما (كتب) في الآيات هنا، إخبار عماكتب في اللوح المحفوظ، وسبق به القضاءстр. 2038
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أزلا، وصورته أن القاتل فرض عليه إذا أراد الولي القتل الاستسلام لأمر الله تعالى، والانقياد لقصاصه المشروعن وأن الولي فرض عليه الوقوف عند قاتل وليهن وترك المعتدي على غيره، كما كانت العرب تتعدى فتقتل غير القاتل. وهو معنى قول رسول الله ﷺ (إن من أعتى الناس على الله يوم القيامة، ثلاثة رجل قتل غير قاتله، ورجل قتل في الحرم، ورجل أخذ بذحول الجاهلية) والذحول هو العداوة، والحقد.
قال الشعبي وقتادة وغيرهما، إن اهل الجاهلية كان فيهم بغين وطاعة للشيطان، فكان الحي إذا كان فيه عز ومنعه، فقتل لهم عبد قتله عبد قوم آخرين، قالوا: لا نقتل به إلا شريفاًن ويقولون: القتل أوقى للقتل) بالواو والقاف، ويروى (أبقى) بالباء والقاف، ويروى (أنفى) بالنون والقاء، فنهاهم الله عن البغي فقال: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر، والعبد بالعبد﴾ الآية ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ .
وروى البخاري والنسائي والدارقطني عن ابن عباس رضي الله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيه الدية) فقال الله لهذه الأمة ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر، والعبد، بالعبد، والأنثى بالأنثى، فمن عفي له من أخيه شيء﴾ فالعفو أن يقبل الدية في العمد، ﴿فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ يبتع بالمعروف، ويؤدي بإحسان ﴿ذلك تخفيف من ركم ورحمة﴾ مما كتب على من كان قبلكم ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾ أي قتل بعد قبول الدية، هذا لفظ الإمام البخاري: في سبب نزول الآية.
وظاهر الآية الكريمة يوجب القود بالقصاص أينما يوجد القتل، ولا يفصل بين العمد والخطأ، إلا أنه تقيد بوصف العمدية، بالحديث النبوي المشهور، الذي تلقته الأمة بالقبلو، وهو قوله عليه الصلاة ولاسلام (العمد قود) أي موجبة قود. لأن الحديث لو لم يكن يوجب تقييد الآية لم يكن القود موجب العمد فقط، فلا يكون لذكر لفظ العمد فقط، فلا يكون لذكر لفظ العمد فائدة.
قالوا: ولن الجناية بالعمدية تتكامل، وحكمة الزجر عليها تتوفر، والعقوبة المتناهية لا شرع لها دون ذلك.
وأما السنة فقوله صلوات الله وسلامه عليه: (من قتل قتلناه) وقوله لعيه الصلاة والسلام: (كتاب الله القصاص) وقوله ﵊: (لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث، الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) واتفق عليه.
وروي عن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل قتل مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال، زان فيرجم، ورجل قتل مسلماً متعمداً فيقتل، وجل يخرج عن الإسلام، فيحاربстр. 2039
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الله ورسوله، فيقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض) رواه أبو داود، والنسائي، وصححه الحاكم، والأحاديث في ذلك كثيرة.
وعليه إجماع الأمة من غير مخالف منه، ويؤيده العقل السليم، لأن المال لا يصلح موجباً في القتل العمد، لعدم المماثلة، لأن الآدمي مالك مبتذل، والمال مملوك مبتذل، فأنا يتماثلان، بخلاف القصاص، فإنه يصلح موجباً للتماثلن وفيه زيادة حكمة وهي مصلحة الحياء زجراً للغير إن وقوعه فيه، وجبرأً للورثة فيتعين، وإنما جب المال في الخطأ أولاً، ضرورة صون الدم عن الهدار فإنه لما لم يكن الاقتصاص فيه، هدر الدم لو لم يجب المان والآدمي مكرم لا يجب إهدار دمه، على أن ذلك ثابت بنص القرآن الكريم.
والقصاص شرع لمعنى النظر للولي على وجه خاص، وهو الانتقام، وتشفي الصدر، فإنه شرع زجراً عما كان عليه أهل الجاهلية من إفناء قبيلة بواحد، لا لأنهم كانوا يأخذون أموالاً كثيرة عند قتل واحدا منهم، بل القاتل وأهله لو بذلوا ما ملكوه وأمثاله، ما رضي به أولياء المقتول، فكان إيجاب المال في مقابلة القتل العمد تضييع حمة القصاص، وإذا ثبت أن الصل هو القصاص لم يجز المصير إلى غيره بغير ضرورة مثل أن يفقد احد الاولياء. فإنه تعذر الاستيفاء حينئذ، أو أن يكون محل القصاص. ناقصاً بأن تكون يد قاطع اليد أقل اصبعاً، وأمثال ذلك.
من يقيم القصاص
لا خلاف بين الأئمة في أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر، الذين فرض عليهم النهوض بالقصاصن وإقامة الحدود. وغير ذلك، لأن الله خاطب الجميع المؤمنين بالقصاص قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب علكم القصاص في القتلى﴾ ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعاً، أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا مالسلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود، وليس القصاص بلازم، إنما اللازم إلا يتجاوز القصاص وغيره من الحدودالى الاعتداءن فأما إذا وقع الرضا بدون القصاص من دية، أو عفو فذلك مباح، فلا يجوز لأحد أن يقتص من أحد حقه دون السلطان الذي أعطاه الله هيذه السلطة، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض، وإنما يكون ذلك للسلطان، أو من نصبه السلطان لذلك، ولهذا جعل الله السلطان ليقبض أيدي الناس بعضهم عن بعض.
السلطان يقتص من نفسه
واجمعم العلماء على أن على السطان أن يقتص من نفسه أن تعدى على احد من رعيته ظلماً، غذ هو واحد منهم، وإنما له مزية النظر لهم كالوصي والوكيل، وذلك لا يمنع القصاص منه، وليس بين السلطان وبين العامة فرق في أحكام الله ، لقوله جل ذكره: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ وثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، أنه قال لرجل شكا إليه أن عاملاً "أي حاكماً" قطع يده بغير حق: لئن كنت صادقاً لأقيدنك منه.стр. 2040
مبحث عناية الشريعة بدماء الناس
-وقد عنيت الشرعة الإسلامية بالمحافظة على دماء الناس عناية تامة، فددت الجناة الذين يعتدون على دماء الناس تهديداً شديداً (١)
ويكفي في زجر المسلم الذي يؤمن بالله واليوم الآخر، قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعدّ له عذاباً عظيماً﴾ فإن في هذه الآية من الشدة ما تقشعر له جلود العتادة، إن كانوا مسلمين. الحواشي
(١) (لقد جعل الله عقوبة قتل النفس من أفظع العقوبات، وجعل القضاء بها من أعظم المظالم فيما يرجع إلى العباد، وجعل الحساب عليها أول القضاء يوم القيامة. فعن أبي مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) ، رواه البخاري ومسلم، أي في الأمر المتعلق بالدماء.
وقتل النفس من الموبقات المهلكات، ومن أكبر الكبائر، فقد روى أبو هريرة الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات: قيل يا رسول الله: وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسمحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
واعتبر الشارع أن للمسلم لا يزال في سعة منشرح الصدر، فإذا أراق دم امرىء مسلم صار منحصراً ضيقاً لما أوعد الله عليه مالم يوعد على غيره من دينه، فيضيق عليه دينه بسبب الوعيد لقاتل النفس عمداً بغير حق.
عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يصب دماً حراماً) ، وقال ابن عمر ﵄: إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها، سفك الدم الحرام بغير حله) رواه البخاري ﵀.стр. 2041
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وقد ثبت في الشرع النهي عن قتل البهيمة بغير حق، والعيد في ذلك، فكيف بقتل الآدمي، فكيف بالمسلم، فكيف بقتل المرء الصالح، عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق) رواه ابن ماجه.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: (ما أطيبك وما أطيب ريحك، ما أعظمك وما أعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتك: ماله، ودمه) رواه ابن ماجة واللفظ له.
وعن أبي سعيد وابي هريرة ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: (لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار) . رواه الترمذي
بل جعل الشارع الذنب على من أعان على قتل مؤمن بمال، أو سلاح، أو ساعده ولو بكلمة، أو بنصف كلمة.
روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة، لقي الله مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله) رواه ابن ماجة.
وقد جعل الله تعالى جناية قتل النفس بعد الشرك والعياذ بالله تعالى وقرنه به حتى تدرك النفوس فظاعة هذه الجريمة، وعظم خطرها، وشدة عقابها يوم القيامة، فقال تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاماً، يضاعف له العذاب يوم القيامة، ويخلد فيه مهاناً﴾ الآية ١٩ من سورة الفرقان.
وقال تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً، ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيراً﴾ آية ٢٩، ٣٠ من سورة النساء.
وقد جعل الله تعالى وزر من قتل نفساً بغير حق حرمها الله تعالى، مثل من قتل الناس جميعاً، لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس، ومن حرم قتلها واعتقد ذلك، فكأنما حرم دماء الناس جميعاً، وكأنه أحيا الناس جميعاً، فقد سلم الناس منه بهذا الاعتبارن قال تعالى: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس، أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعاً. ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً﴾ .
قال قتادة في قوله: ﴿من قتل نفساً بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعاً﴾ هذا تعظيم لتعاطي القتل. ثم قال: عظيم والله وزرها، وعظيم والله أجرها، وقال الحسن البصري، فكأنما قتل الناس جميعاً، قال: وزراً ﴿ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً﴾ ، قال: أجراً
وقال الله تعالى فيما أوصى به نبيه محمداً ﷺ ، وفي ذكر الأمور التي حرمها الله تعالى على عباده في الأرض، ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً، وبالوالدين إحساناً، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفسстр. 2042
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون﴾ آية ١٥١ من الأنعام. فقد نص الله تعالى على النهي عن قتل النفس التي حرمها تأكيداً واهتماماً بشأنها وتعظيماً لحرمتها، وإلا فهو ذكر حرمتها في أول المنهيات. بالنهي عن قتل الأولاد، فهو نهى عن قتل النفس كلها، ثم النهي عن قتل النفس داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فكأن الله تعالى نهى عن قتل النفس التي حرمها في هذه الآية ثلاث مرات متوالية.
روي عن أمير المؤمنين سيدنا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه أنه قال وهو محصور في داره بالمدينة. سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً بغير نفس، فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا تمنيت أن لي بديني بدلاً منه، بعد أن هداني الله، ولا قتلت نفساً فبم تقتلونني) رواه الإمام أحمد والترمذي، وابن ماجة.
وقد بين الله تعالى حكم القتل العمد، فذكر تهديداً شديداً، ووعيداً أكيداً لمن أقدم على هذا الذنب العظيم، الذي هو مقرون بالشرك بالله في الآية؟؟ من كتاب الله ، والآيات والأحاديث في تحريم القتل كثرة جداً، ونكتفي بما ذكرناه سابقاً.
وقد قال الله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالد فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعد له عذاباً عظيماً﴾ آية ٩٣ من النساء.
قال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا المغيرة بن النعمان، قال سمعت ابن جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت إلى ابن عباسن فسألته عنها فقال: نزلت هذه الآية ﴿ومن يقتل مؤمناً، متعمداً فجزاؤه جهنم﴾ هي آخر ما نزل وما نسخها شيء وكذا رواه هو أيضاً ومسلم والنسائي من طرق عن شعبة به.
قالوا: إن لقاتل العمد أحكاماً في الدنيا، وأحكاماً في الآخرةن فأما في الدنيا فتسلط اولياء المقتول عليه قال تعالى: ﴿ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لولنه سلطاناً﴾ الآية ثم هم مخيرون بين أن يقتلوا، أو يعفوان أو ياخذوا دية مغلظة أثلاثاً ثلاثون حقه، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وأما في الآخرة فهو العذاب في نار جهنم، والخلود فيها، وغضب الله تعالى عليه، والطرد من رحمته ولعنه، والعذاب العظيم المضاعف، كما ذكرت الآية الشريفة التي معنا.
ومعنى هذه الصيغة أن هذا جزاؤه أن جوزي عليه، وكذا كل وعيد على ذنب، لكن قد يكون ذلك معارض من أعمال صالحة، تمنع وصول ذلك الجزاء إليه، وبتقدير دخول القاتل النار إن مات ولم يتب، ولم تكن له أعمال صالحة، فعلى قول ابن عباس ﵄ أنه لا توبة له. أي لا يقبل الله توبته، وأما على قول جمهور العلماء، حيث لا عمل له صالحاً ينجو به، فليس بمخلد فيها ابداً، بل المراد بالخلود المذكور في الآية الكريمة، هو المكث الطويل، وقد تواترت الأحاديث عنстр. 2043
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ (أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثال ذرة من إيمان) وأما حديث معاوية (كل ذنب عسى الله أن يغفر إلا الرجل يموت كافراً، أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً) فعسى للترجي، فإذا انتفى الترجي في هاتين الصورتين انتفى وقوع ذلك في أحدهما وهو القتل، لما ذكرنا من الأدلة، وأما من مات وهو كافر، فالنص أن الله تعالى لا يغفر له البتة، وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة، فإنه حق من حقوق الآدميين، وهي لا تسقط بالتوبة، ولكن لا بد من رده إليهم، ولا فرق بين المقتول والمسروق منه، والمغصوب منه، والمقذوف، وسائر حقوق الآدميين، فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة، ولكنه لا بد من ردها إليهم في صحة التوبة.
فإن تعذر ذلك فلا بد من المطالبة يوم القيامة، لكن لا يلزم من وقوع المطالبة وقوع المجازاة، إذ قد يكون للقاتل أعمال صالحة تنقل إلى المقتول أو بعضهان ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة، أو يعض الله المقتول بما شاء من فضله من قصور الجنة ونعيمها، ورفع درجته فيها، ونحو ذلك حتى يرضى عن القاتل وقيل: إن الخلود في النار يحمل على أنه جزاء القتل العمد بطريق الاستحلال والعياذ بالله، وهو مستلزم للردة، وقيل يؤول الخلود في الآية على أنه لو عامله بعدله، أو على معنى تطويل المدة مجازاً، فالمراد به المكث الطويل والله أعلم.
توبة القاتل
ذهبت طائفة من علماء السلف إلى أنه لا توبة للقاتل منهم عبد الله بن عباس، وزيد بن ثابت وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد بن عمير، والحسن البصري، وقتادة، والضحالك بن مزاحم ﵃. نقله ابن أبي حاتم.
حدثنا ابن حميد، وابن وكيع، قالا: حدّثنا جرير عن يحيى الجابري، عن سالم بن أبي الجعد قال: كنا عند ابن عباس بعد ما كف بصره، فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس، ماترى في رجل قتل مؤمناً متعمداً؟ فقال جزاؤه جهنم خالداً فيها، وغضب الله عليه ولعنه، واحد له عذاباً عظيماً. قال: أفرأيت إن تابن وعمل صالحاً ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمه قاتل مؤمن متعمداً جاء يوم القيامة أخذه بيمنه أو بشماله، تشجب اوداجه من قبل عرش الرحمن، يلزم قاتله بشماله، وبيده الأخرى رأسه يقول: يارب سل هذا فيم قتلني، وأيم الذي نفس بيده لقد أنزلت هذه الآية فما نسختها من آية حتى قبض نبيكم ﷺ ، وما نزل بعدها من برهان) .
وفي الباب أحاديث كثرة، منه ما رواه الإمام أحمد حدّثنا صقر بن عيسى، حدّثنا ثور بن يزيد، عن أبي عون عن أبي إدريس، قال: سمعت معاوية ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً، أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً) .
وذهب الجمهور من سلف الأمة وخلفها إلى أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله . فإن تاب، وأتاب، وخشع، وخضع، وعمل عملاً صالحاً، بدل الله سيائته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته، وأرضاه عن ظلامته، قال تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر إلى قوله إلا من تابстр. 2044
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وآمن وعمل عملاً صالحاً﴾ الآية وهذا خبر لا يجوز نسخه، وحمله على المشركين، وحمل هذه الآية على المؤمنين خلاف الظاهر، وقال تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ الآية. وهذا عام في جميع الذنوب، من كفر وشرك، وشك ونفاق، وقتل وفسق وغير ذلك، كل من تاب، أي من أي ذلك تاب الله عليهن وقال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك بالله، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية، وفيها لتقوية الرجاء في رحمة الله، والله أعلم.
وثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، ثم سأل عالماً هل لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم ارشده إلى بلد يتعبد الله فيه فهاجر إليه. فمات في الطريق فقبضته ملائكة الرحمة وهذه الأمة أولى بالتوبة من بني إسرائيل.
الكفارة في قتل العمد
الحنفية، والمالكية، والحنابلة في إحدى روايتيهم قالوا: لا تجب الكفارة في قتل العمد، لأن الشارع شدد في أمر القاتل عمداً، بالقتل أو الدية إذا عفا الأولياء عن قتله إلى الدية، فلا يزاد على ذلك حيث ورج به النص، ولن قتل العمد كبيرة محضة، وفي الكفارة معنى العبادة فلا تناط بمثلها، والكبائر لا تكون سبباً لما فيه معنى العبادة، والكفارة فيها ذلك فلا تجب، وموضوعه في أصول الفقه، وهو أن الكفارة لاتناط بماهو كبيرة محضة، ولأن الكفارة من المقادير وتعينها في الشرع لدفع الأدنى، وهو الخطأ، لا يدل لدفع الذنب الأعلى وهو العمد، فكم من شيء يتحمل الأدنى للقدرة عليه، ولا يتحمل الأعلى للعجز عنه.
قال صاحب العناية: فإن قال الشافعي قد دل الدليل على عد صفة العمدية وهو حديث وائلة بن الأسقع، قال أتينا رسول الله ﷺ بصاحب لنا قد استوجب النار بالقتل فقال: اعتقوا عنه رقبة، يتق الله كل عضو منها عضو منه، من النار، وإيجاب النار إنما يكون بالقتل العمد قلنا: لا نسلم لجواز أن يكون استوجب النار بشبه العمد كالقتل بالحجر، أو العصا الكبيرين سلمناه لكنه لا يعارض إشارة قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها﴾ فإن الفاء تقتضي أن يكون المذكور كل الجزاء، فلو اوجبنا الكفارة لكان المذكور بعضه وهو خلف. اهـ.
ولأن الله تعالى ذكر الجزاء الدنيوي على القتل العمد وهو القصاص بقول تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ وذكر الجزاء الأخروي بقوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها﴾ الآية. فلو قلنا: بوجوب الكفارة على القاتل عمداً، لزدنا على النص، وهو باطل ولأن القتل العمد أعظم من أن يكفر عنه، مثل الصلاة المتروكة عمداً، فإنهم اتفقوا على وجوب قضائها من غير كفارة.
الشافعية والحنابلة في روايتهم الثانية قالوا: أن الكفارة تجب في قتل العمد لأن العامد أغلظстр. 2045
مبحث عقاب قاتل النفس ظلماً .
-وقد قال بعض الأئمة المجتهدين: إن قاتل النفس خالد في النار كالكافر، بدون قرف، كما هو ظاهر هذه الآية: ﴿ومن قتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها﴾ .
وساء صح هذا القول، أو لم يصح، فإنه يكفي أن يمكث القاتل معذباً في نار جهنم زمناً طويلا، ويكفيه غضب الله عليه، ولعنته إياه، ويكفيه أن الله أعد له عذاباً عظيماً، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولا شك أن من كان عنده مثقال ذرة من إيمان وسمع هذه الآية، فانهيفر من العدوان على دماء الناسن كما تفر الشاة من الذئبن فلو فرض، وقتل شخص آخر في جنح الظلام، وأفلت من القصاص في هذه الحياة الدنيا، فإن ذلك شر له، لا خير فيهن لأن العقوبة الأخروية الشديدة تنتظره، وغضب الله عليه، في هذه الحياة الدنيا ينتظرهن أما من اقتص منه في حياته الدنيا، فإنه يكون كفارة له في الآخرة على التحقيق، لأن الله أكرم من أن يعذب مرتينن وقد فعل به ما فعله بغيره جزاء وفاقاً (١) الحواشي
(١) (اتفق الأئمة رحمهم الله تعالى على أن قاتل النفس المؤمنة متعمداً، يجب عليه ثلاثة أمور، الأول الإثم العظيم، لقوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، واعد له عذاباً عظيماً﴾ وقد وردت به أحاديث كثيرةن وانعقد عليه غجماع المة، الثاني يجب عليه القود ت لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ إلا انهتقيد بوسف العمدية لقول ﷺ (العمد قود) أي موجب له.
الثالث يوجب حرمان القاتل من الميراث، لقوله ﷺ : (لا ميراث لقاتل) ولكن العلماء اشترطوا أموراً في القاتل الذي يقاد منه، وفي المقتول، وفي صفة القتل.
فقالوا: إن القاتل الذي يقتص منه في القتل العمد يشترط فيه أن يكون عاقلاً، فلا قصاص علىстр. 2046
مبحث جواز العفو في القصاص
-وقد عرفت أن القصاص يسقط بالعفو أو الصلح، بخلاف الحد فإنه لا يسقط بالعفو، لأنه حق الله تعالى، ولكن هذا هو رأي الحنفية.
أما غيرهم فإنهم يقولون: إن الذي لا يسقط بالعفو هو حد الزنا، وحد السرقة، بعد رفع الأمر إلى الحاكم، وأما حد القذف، فإنه يسقط بالعفو مطلقاً، وإذا كنت على ذكر مما بيناه لك سابقاً، من أن حد الزنا لا يقع إلا إذا شهد بالجريمة اربعة شهود، رأوا بأعينهم الفعل نفسه وذلكمتعذرن لا يمن تحقيقه عملياً، فإن تنفيذه يكون منوطاً بإقرار الجاني وحده.
أما حد الشرب فبعضهم يرى أنه من بابب التعزير.
وعلى هذا يمكن أن يقال: إن الحد الذي يتصور وقوعه، ولا يسقط بالعفو هو حد السرقة بعد رفعه إلى الحاكم على الوجه الذي بيناه سابقاً (١) الحواشي
(١) (اختلف العلماء في هل القصاص يكفر ذنب الجاني أم لا؟
فقال بعضهم: إن إقامة الحد على القاتل، والقصاص منه إذا رضي به وتاب، فإنه يكفر عنهстр. 2047
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ثم القتل لقول ﷺ : (الحدود كفارات لأهلها) فعمم ولم يخصص فعلاً عن غيره، ولأن الله تعالى أكرم، وأرحم بعبده أن يعذبه مرتين، مرة في الدنيا بالقود، ومرة في الآخرة بالنار، وهو الراجح.
وقال بعضهم: إن القصاص لا يكفر الذنب، ولا يرفع عنه الإصم في الآخرة، لأن المقتول ظلماً، لا منفعة له في القصاص البتة، وإنما القصاص منفعته للأحياء فقط، لينتهني الناس عن القتل.
قال تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ ولما روي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: (يجيء المقتول متعلقاً بقاتله يوم القيامة، آخذاً رأسه بيده الأخرى، فيقول: يارب سل هذا فيم قتلني؟ قال: فيقول: قتلته لكتون العزة لك، فيقول: فإنها لي، قال: ويجيء آخر متعلقاً بقاتله، يقول: رب سل هذا فيم قتلني؟ قال: فيقول: قتلته لتكون العزة لفلان، قال: فإنها ليست له، بؤ بإثمه، فيهوي في النار سبعين خريفاً) وفي الباب أحاديث كثيرة، وأما الحديث الذي ورد في أن الحدود تكفر الذنوب، فإنه يختص بالحدود التي فيها حق الله تعالى.
المالكية، والحنابلة، والشافعية - قالوا: العمد إما يوجب القصاص جزاماً مثل قتل المرتد مرتداً، فإن الواجب فيه القود جزماً.
وإما أن يوجب الدية جزماً، كما أذا قتل الوالد ولده، أو إذا قتل المسلم الذمي فإن موجبه الدية قطعاً. أو التخيير بين القصاص والدية، فيجوز للولي العفو عن القود، على الدية بغير رضا الجاني، لما روى البيهقي عن مجاهد وغيره (كان في شرع موسى ﷺ تحتم القصاص جزماً، وفي شرع عيسى ﷺ الدية فقط، فخفف الله تعالى عن هذه الأمة، وخيرها بين الأمرين) لما في الإلزام بأحدهما من المشقة، ولأن الجاني محكوم عليه فلا يعتبر رضاه كالمحال عليه والمضمون عنه، ولو عفا عن عضو من أعضاء الجاني سقط كلهن كما أن تطليق بعض المرأة تطليق لكلها، ولو عفا بعض المتستحقين سقط أيضاً، وإن لم يرض البعض الآخر وانتقل الأمر إلى الدية، لأن القصاص لا يتجزأ، ويغلب فيه جانب السقوط لحقن الدماء، ولا يؤثر فيه الجهل، فلو قطع عضو رقيق فعفا عنه سيده قبل معرفته بالعضو المعفو عنه، صح العفو لأن العفو مستحب، فقد رغب الشارع فيه وجعا إليه، قال تعالى: ﴿فمن عفا واصلح فأجره على الله أنه لا يحب الظالمين﴾ آية ٤٠ من الشورى وقول الرسول: (من قتل له قتيل فأهله لين خيرتين: إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا اخذوا الدية) .
وروى البيهقي وغيره عن أنس رضي الله تعالىعنه (أن النبي ﷺ كان ما رفعاليه قصاص قط إلا أمر فيه بالعفو) .
وعن عدي بن ثابت قال: هشم رجل فم رجل على عهد معاوية، فأعطى دينه، فأبى أن يقبل حتى أعطى ثلاثاً) ، فقال رجل: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من تصدق بدم أو دونه، كان كفارة له من يوم ولد إلى يوم تصدق) رواه أبو يعلى.
وعن عبادة بن الصامت رضي الله ﵎ عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما منстр. 2048
محاسن التشريع الإسلامي
-وها هنا سؤال معروف وهو أن الشريعقة الإسلامية جعلت عقوبة القتل من باب القصاص الذي يصح سقوطه بالعفو، لكونه من أفظع الجرائم، وأشدها ضرراً بالمجتمع الإنساني، ومقتضى ذلك أن تجعله من باب الحدود التي لا تقبل السقوط بحال من الأحوال. كي يعلم الجاني أنه مقتول لا محالة، فلا يقدم على الجريمة.
والجواب: أن ذلك من محاسن التشريع السلامي وجقتع، وذلك لأن الغرض من العقوبة قد بينه الله تعالى في كتابه العزيز بقول: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألبابن لعلكم تتقون﴾ آية [١٧٩ من البقرة] .
الحواشي
(١) رجل يجرح في جسده جراحة، فيتصدق بها إلا كفر الله ﵎ عنه مثل ما تصدقه) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
ولو أطلق الولي العفو عن القود، ولم يتعرض للدية بنفي ولا إثبات فالمذهب لا دية عليه، لأن القتل لم يوجب الدية على هذا القول والعفو إسقاط ثابت، لا إثبات معدوم.
وفي قول آخر، إن الدية تجب على القاتل في ماله لقوله تعالى: ﴿فمن عفي له عن أخيه شيء فاتباع بالمعروف﴾ أي اتباع المال وذلك يشعر بوجوبه بالعفو، ولأن الدية بدل عن القود عند سقوطه بعفو، أو غيره كموت الجاني مثلاصن فقد خير الشارع الولي بين أخذ المال، وبين القصاص.
الحنفية، والمالكية في روايتهم الثانية، والشافعية في أرجح روايتهم والحنابلة في القول الآخر: - قالوا: إن الواجب بالقتل العمد معين، وهو القود وليس للولي أخذ الدية إلا برضا القاتل لما ورد في الكتاب والسنة، ولأن المال لا يصلح موجباً في العمد، لعدم المماصلة والقصاص يصلح للتماصل، وفيه زيادة حكمة وهي ممصلحة الأحياء، زجراً للغير عن وقوعه فيه، وجبراً للورثة فيتعين، وقد شرع القصاص لمعنى النظر للولي على وجه خاص، وهو الانتقام وتشفى الصدورن فإنه شرع في الصل زجراً عما كان عليه أهل الجاهلية من إفناء قبيلة بواحد، لا لأنهم كانوا يأخذون أموالاً كثرة عند قتل واحد منهم، بل إن القاتل وأهله لو بذلوا كل ما ملكوه من الدنيا وأمثال ما رضي به أولياء المقتول، فكان إيجاب المال في مقالبلة القتل العمد تضييع حكمة القصاص، وإذا ثبت أن الأصل في العمد هو القصاص، لم يجز المصير إلى غيره بغير ضرورة، مثل أن يعفو أحد الأولياء، فإنه تعذر الاستيفاء حينئذ أو أن يكون محل القصاص ناقصاً، بأن تكون يد قاطع اليد أقل إصبعاً، أو أن يكون القاتل أباً أو أماً للمقتول فإنه يتعذر القصاص في أمثال هذه الحلات، فيعل عنها إلى الدية صوناً للدم من الهدر اهـ.
الشافعية، والحنفية، والحنابلة ﵏ قالوا: إذا عفت المرأة سقط القصاص عن القاتل.стр. 2049
وإذا كان الغرض من القصاص هو حقن الدماء، والكف عن العدوان على الأرواح، ليعيش الناس آمنين، فإن من الضروري أن ينظر الشرع في كل النواحي التي يترتب عليها حفظ الأرواح وصيانتها، فإذا كانت العقوبة تزجر فاسد الأخلاق الذي تميل نفسه إلى الجريمة فتمنعه عن قتل نفسه، وقتل غيره.
ولكن يجب النظر إلى ما يرفع الأحقاد، والضغائن من نفوس الأسرة، حقناً للدماء ومحافظة على الأرواح.
مبحث سلطان أولياء الدم على القاتل
-ولما كان من البدهي الذي لا ريب فيه أن القتل يحدث عند أولياء الدم حقداً شديداً، ويترك في أنفسهم لوعة لا تنطفىء إلا بالتشفي من القاتل، وتحكمهم فيه، فقد جعل الشارع
الحواشي
(١) المالكية قالوا: لا مدخل للنساء في الدم، مع قولهم في رواية أخرى: إن للنساء مدخلاً في الدم كالرجال إذا لم يكن في درجتهن عصبة، ومعنى أن لهن مدخلاً، أي في درجة الوقد والدية معاً وقيل: في القود جون العفو، وقيل: الاستيفاء للنساء بثلاثة شروط. إن كن وارثات ولم يساوهن عاصب في الدرجة، وكن عصبة لو كن ذكوراً.
الحنفية، والمالكية رحمهم الله تعالى قالوا: إن الولي إذا عفا عن القصاص، عاد إلى الدية بغير رضا الجاني، وليس له العدول إلى المال إلا برضا الجاني، وإن عفا ولم يقيد عفوه بديته، ولا غيرها فيقتضي العفو مجرداً عن الدية.
الشافعية، والحنابلة - قالوا: إن الولي مخير بين القود والدية والعفو بغير مال فللولي العدول إلى الدية مطلقاً، سواء رضي القاتل أم لم يرض، لأن الدية بدل عن القود، وقيل: إن الدية بدل عن النفس لا عن القود بدليل أن المرأة لو قتلت رجلاً، وجب عليها دية الرجل، فلو كانت بدلاً عن القود وجب عليها دية المرأة، وقال المتولي من علماء الشافعية: الواجب عند العفو دية المقتول لا دية القاتل، وجمع بعضهم بين الطلامين، بأن القود بد عن نفس المجني عليه وبدل البدل بدل.
قالوا: ولو عقا الولي عن القود على غير جنس الدية، الصالح غيره عليه، ثبت ذلك الغير أو المصالح عليه، وإن كان أكثر من الدية، إن قبل الجاني أن المصالح ذلك نسقط عنه القصاص، وإذا لم يقبل الجاني أو المصالح ذلك فلا يثبت لأنه اعتياض فاشترط رضاهما كعوض الخلغ، ولا يسقط عنه القود في الأصح إن امتنع عن دفعها لأنه رضي به على عوض، ولم يحصل له.
قالوا: ولو عفا عن القود على نصف الدية، فإنه يسقط عن القود الدية معاً اهـ.) .
-стр. 2050
لأولياء الدم سلطاناً، على القاتل الذي يثبت عليه القتل، فإن شاؤوا عقوا عنه في نظير مال أو غيرهن وإن شاؤوا اقتصوا منه بالقتل بدون تمثيل أو تعذيب، وفي ذلك سلوى تذهب بها أحقادهم، فلا يمعنون في العدوان، ولا يسرفون في الانتقام بقتل الأبرياء من أسرة القاتل، فتصور ضغائن خصومهم فيقابلونهم بالمثل، ويترتب على ذلك إراقة الدماء البريئة باقبح معانيها.
فإن الحوادث قد جلت على أن كثيراً من جنايات القتل قد نشأت من إثمال رأي ولاة الدم، وحرصهم على أن ينتقموا بأنفسهم من القاتل، فهم يعمدون إلى اتهام غيره من أقاربه الأبرياء، ويكتمون أمره، كي يقتلوه عند سنوح الفرصة بأيديهم تشفياً، وبذلك تسود الفوضى بين الأسر، وتكثر فيهم حوادث القتل، بدون أن يكون للقانون أدنى بأثير على أنفسهم، أما لو كان لولي الدم رأي في القصاص من أول الأمر، فإنه يرى في تسلطه على القاتل، ما يطفىء لوعته ويرفع عنه المهانة، فتهدأ نفسهن فإن عفا عنه فذاك، وإلا اقتص منه وحده، ووقفت الفتنة عند هذا الحد (١) الحواشي
(١) (قال تعالى: ﴿ومن قتل مظلوماً﴾ بغير سبب يوجب القتل ﴿فقد جعلنا لوليه﴾ أي لمستحق دمه.
المالكية قالوا: الولي يجب أن يكون ذكراً لأنه أفرده بالولاية بلفظ التذكيرن فالآية تدل على خروج المرأة عن مطلق لفظ الولي، فلا جرم ليس للنساء حق في القصاص لذلك، ولا أثر لعفوها، وليس لها الاستيفاء.
الحنيفية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: إن المراد بالولي في الآية الوارث قال تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليا بعض﴾ آية [٧١ سورة التوبة] ، فاقتضى ذلك إثبا القود لسائر الورثة، قال رسول الله ﷺ : (وعلى المقتتلين أن ينجزوا الول فلأول وإن كان امرأة (سلطاناً) أي تسليطاً إن شاء قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء اخذ الدية) وقال الإمام مالك: السلطان أمر الله تعالى، ابن عباس قال: السلطان، الحجة.
قالوا: وقوله عالى: ﴿ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً﴾ تفسير لقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ وطاهر الآية أنه لاسبب لحل القتل إلا قتل المظلوم، ولكن الأحاديث تقتضي ضم شيئين آخرين إليه، وهما: الكفر بعد الإيمان، والزنا بعد الإحصان، ودلت آية اخرى على حصول سبب رابع وهو قطع الطريق، قال تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا، أو يصلبوا﴾ ودلت الآية على حصول خامس وهو الكفر، قال تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله، ولا باليوم الآخر﴾ واختلف الفقهاء في أشياء اخرى منها ترك الصلاة واللواط، والقتل بالسحر، ﴿فلا يسرف في القتل﴾ إنه لما حصلت عليه استيفاء القصاص أوстр. 2051
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الدية، فلا يقدم على استيفاء القتل. بلك يكتفي بأخذ الدية، أو يميل إلى العفو، أي فلا يصير مسرفاً بسبب إقدامه على القتل.
وصير معنى الآية، والترغيب في العفو، والاكتفاء بالدية، كما قال تعالى: ﴿وإن تعفوا أقرب للتقوى﴾ .
وقيل: الإسراف في القتل هو أن الولي يقتل القاتل وغير القاتل، وذلك لأن الواحد منهم إذا قتل واحداً من قبيلة شريفة، فأولياء ذلك المقتول كان يقتلون خلقاً من القبيلة الدنيئة، ولا يكتفون بقتل القاتل، فنهى الله تعالى عنه وامر بالاقتصار على قتل القاتل وحده من غير تعد، وقيل الإسراف في القتل، هو أن لا يرضى بقتل القاتل، فإن أهل الجاهلية كانوا يقصدون أشراف قبيلة القاتل، ثم كانوا يقتلون منهم قوماً معينين، ويتركون القاتل الساقط.
وقيل الإسراف: هوان لا يكتفي بقتل القاتل. بل يمثل به ويقطع أعضاءه، ويمزق جسده، قرأ الأكثرون (فلا يسرف) بالياء، ويكون الضمير للقاتل الظالم ابتداء أي فلا ينبغي أن يسرف ذلك الظالم.
وقال الطبري: هو على معنى الخطاب للنبي ﷺ والأئمة من بعده أي لا تقتلوا غير القاتل: ﴿أنه كان منصوراً﴾ فيه ثلاثة أوجه.
الأول: كأنه قيل للظالم المبتدىء بذلك القتل على سبيل الظلم، لا تفعل ذلك، فإن ذلك المقتول يكون منصوراً في الدنيا والآخرة. أما نصرته في الدنيا فيقتل قالتله، وأما نصرته في الآخرة، فبكثرة الثواب له، وكثرة العقاب لقالتله.
الثاني: أن هذا الولي يكون منصوراً في قتل ذلك القاتل الظالم، فليكتف بهذا القدر فإنه يكون منصوراً فيه، ولا ينبغي أن يطمع في الزيادة منهن لأن من يكون منصوراً من عند الله يحرم عليه طلب الزيادة وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: قلت لعلي كرم الله وجهه، (وايم الله ليظهرن عليكم ابن أبي سفيان) ، لأن الله تعالى يقول: ﴿ومن قتل مظلوماً فقد جعلانا لوليه سلطاناً﴾ .
الثالث: أن هذا القاتل الظالم، ينبغي أن يكتفي باستيفاء القصاص، وأن لا يطلب الزيادة عنه.
فإن قيل: وكم من ولي مخذول لا يصل إلى حقه؟.
قلنا: المعونة تكون بظهور الحجة تارة، وباستيفائها أخرى وبمجموعها ثالثة، فأيها كان فهو نصر من الله ، فالله نصره بوليه من بعده.
قال الضحاك: هذا اول ما نزل من القرآن في شأن القتل، وهي مكية، اهـ.
ويشترط لوجوب القصاصن أو الدية في نفس القتيل باو بدنه، أن يقصد القتل أو الشخص بما يقتل غالباً، أو قصدهما بما لا يقتل غالباً، أو تسبب فب قتله بفعل منه. ويشترط في القتيل كونه معصوماً، ويشترط في القاتل كونه مكلفاً.)
-стр. 2052
مبحث حق السلطان على القاتل
-ولا يقال: إذا عفا أولياء الدم عن القاتل كان إطلاقه خطراً على الأمن؟ لأنا نقول: إن ولي الدم في الغلب مصر على القصاص، وإذا فرض وعفا عنه ولكن رأي الحاكم أن إطلاقه يهدد الامن العام، له أن يعزره بما شاء، وله أن يجعله تحت المراقبة، التي تحول بينه وبين العدوان حتى يتحقق، من حسن سلوكه.
فإن من محاسن الشريعة الإسلامية ودقتها، انها جعلت عقوبة القتل قصاصاً يقبل فيه الحاكم الصلح، أو العفو عن أولياء الدم بشروط وتفاصيل تطلب في في كتب الفقه، ولا يسعها المقام (١) الحواشي
(١) (اختلف العلماء في القاتل عمداً إذا عفا عنه أولياء الدم هل يبقى للسلطان فيه حق أو لا؟
المالكية، والحنيفية ﵏ قالوا: إن للحاكم حقاً على القاتل إذا عفا عنه اولياء الدم وله أن يجلده مائة جلدة، ويسجنه سنة كاملة، وبه قال أهل المدينة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام، وروي ذلك عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
الشافعية، والحنابلة ﵏ قالوا: لا يجب على الحاكم شيء من ذلك إلا أن يكون القاتل معروفاً بالشر والأذى، فيجوز للإمام أن يؤدبه على حب ما يرى بالحبس، أو الضرب، أو التأنيب، وحجتهم في ذلك طاهر الشرع.
قالوا: وليس لمحجور فلس عقو عن مال إن أوجبنا أحدهما لا بعينه، لأنه ممنوه من التبرع به، وإن أوجبنا القود عيناً فإن عفا عن الدية ثبتت كثيره، وإن اطلق العقو فلا يدة أيضاً، وإن عفا المحدور أو المفلس على أن لا مال أصلاً، فلا يجب شيء لأن القتل لم يوجب المال.
وقيل: إن المفلس يصح اقتصاصه. وإساطه، واحترز بمحجور عن المفلس قبل الحجر عليه فإنه كموسر، وبمفلس عن المحجور عليه بسلب عبارته كصبي ومجنون فعفوهما لغو المبذر حكمه بعد الحجر عليه بالتبذير في إساقط القود واستيفائه كرشيد، لأن الحجر عليه لحق نفسه لا لغيره فلا تجب الجية في صورتي عفو.
موت القاتل
الحنفية، والمالكية قالوا: من قتل آخر متعمداً، ووجب عليه القصاص ثم مات بعد ذلك بأجله من غير تعد، سقط حق ولي الدم عن القصاص والدية جميعاً، ولا شيء على ورثة القاتل لفوات محل الاستيفاء.
الشافعية، والحنابلة - قالوا: إذا مات القاتل عمداً بعد جنايتع، لا يسقط الحق عنه بل تبقى الديةстр. 2053
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) في تركته، وترد إلى ورثة المقتول، ولهم الحق في أخذها أو العفو عنها، وذلك لأن الوجاب احدهما عنهم، فإذا استحال تحقيق القود وجبت الدية، حتى لا يهدر دمه، كالوالد إذا قتل ولده أو عبده، وتعذر الاستيفاء بالقصاص، فإنه ينتقل إلى الدية. في تركته، وترد إلى المقتول، ولهم الحق في أخذها أو العفو عنها، وذلك لأن الواجب احدهما عندهم، فإذا استحال تحقيق القود وجبت الدية، حتى لا يهدر دمه، كالوالد إذا إذا قتل ولده أو عبده، وتعذر الاستيفاء بالقصاص، فإنه ينتقل إلى الدية.
اختلاف ورثة الدم في العفو
اتفق الفقهاء على أن المقتول عمداً، إذا كان مسلماً معصوم الدم، وكان القاتل مكلفاً عاقلاً، ولم يكن أباً ولا جداً للمقتول، وكان له أولاد ذكور كبار عقلاء، وحضروا مجلس القضاء وطالبوا بالقصاص، فإنه يجب على الحاكم تنفيذ الحكم من غير تأخير، إلا إذا كان الجاني امرأة حاملاص، فإنه يؤجل القود، حتى تضع حملها، وترضع مولودها.
وإن تنازلوا عن القصاص، وطلبوا الدية، وجبت لهم الدية، ولو بغير رضا الجاني، أما إذا اختلفوا في العفو فطلب بعضهم القصاص. وعفا البعض الآخر عن الجاني، فإنه يسقط القصاص، وتجب الدية في مال القاتل، وتقسم على الورثة، وإن لم يرض باقي الورثة، لأن القصاص لا يتجزأ، ويغلب فيه جانب السقوط لحقن الدماء، لحرمة دم الآدمي. لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهذه شبهة في إقامة القصاص على القاتل، أما إذا كان الورثة نساء ورجالاً. واختلفوا في العفو، أو إقامة الحد والقصاص، أو أخذ الدية فقد اختلف فيه الأئمة رحمهم الله تعالى.
المالكية رحمهم الله تعالى قالوا: يسقط القصاص إن عفا رجل من المستحقين حيث كان العافي مساوياً في درجة الباقي من الورثة، والاستحقاق، كابنين، أو عمين، أو أخوين، وأولى، إن كان العافي أعلى درجة كعفو ابن مع اخ، فإن كان العافي انزل درجة من الباقين، لم يعتبر عفوه، كعفو أخ مع ابن للمقتول. وكذا، إن كان العافي لم يساو الباقي، في الاستحقاق كإخوة لام، مع إخوة لاب، لان الاستيفاء حق للغاصب الذكر، فلا دخل فيه لزوج ولا لأخ لأم، اوجد لها، ويقدم الأقرب فالأقرب، فيتقدم ابن فاينه، إلا الجد الأدنى، والاخوة فسيان في القتل والعفو، ولا كلام للجد الأعلى مع الإخوة.
أما إذا كان القائم بالدم نساء فقط، وذلك لعدم مساواة عاصب لهن في الدرجة، بأن لم يوجد أصلاً أو وجد، وكان أنزل. فالبنت، وبنت الابن، احق من الخت قي عفو وضده، فمتى طلبت القصاص الثابت ببينة أو اعتراف، أو العفو عن القتل فيها، ولا كلام للأخت، وإن كانت مساوية في الإرث ولا شيء لها من الدية، أما لو احتاج القصاص لقسامة، فليس لهما أن يقسما، لأن النساء لا يقسمن في العمد، بل العصبة فقط، فحيث اقسموا وأرادوا القتل، وعفت البنت فلا عفو لها، والقول للعصبة في القصاص، وإن عفوا، وأرادت القتل، فلا عفو لهم هم، والقول لها في طلب القصاص، فلا عفو بإجماع الجميع، أو بعض البنات، وبعض منهم.
وإن عفت واحدة من البنات، أو بنات ابن أو أخوات ولم يكن عاصب أو كان، ولا كلام،стр. 2054
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) لكون البنت أعلى درجة منه والقتل ثابت بالبينة أو الإقرار، نظر الحاكم العد في الصواب، من إمضاء لعفو بعض البنات، أو رد لعفوهن لأنه بمنزلة العاصب، إذ يرث الباقي من التركة لبيت المال.
وفي اجتماع رجال ونساء أعلى درجه منهن ولم يحزن الميراث، لم يسقط القصاص إلا بعفو الفريقين، فمن أراد القصاص من الفريقين. فالقول قوله، أو ببعض من كل من الفريقين، ومهما عفا البعض من المستحقين للدمن، مع تساوي درجاتهم، بعد ثبوت الدم مطلقاً ببينة أو غيرها، فإنه يسقط القصاص، وإذا سقط فلمن بقي من الورثة ممن لم يعف، وله التكلم، في نصيبه من دية عمد، وكذا لو عقا جميع من له التكلم مرتباً سقط حقه من الدم، ومن الدية، وما بقي منها يكون لمن بقي ممن له التكلم، ولغيره من بقية الورثة، كالزوج أو الزوجة، أو الاخوة، وما بقي ممن لا تكلم له بأخذ نصيبه من الدية. كولدين، لأنه مال ثبت بعفو الأول، بخلاف لو عفا في فور واحد، فلا شيء لمن تكلم له، كما إذا اكان من له التكلم واحداً، وعفا، كإرثه للدم، كما لو قتل احد ولديه اباه، ثم مات غير القاتل، ولا وارث له سوى القاتل، فقد ورث القاتل دم نفسه كله، وكذا لو ورث القاتل بعض الدم، كما لو كان غير القاتل أكثر من واحد، مات أحدهم عن القاتل وغيره، فقد ورث القاتل بعض الدم، فيسقط القصاص. ولمن بقي من الورثة نصيبه من الدية، هذا إن استقل الباقي بالعفو، أما لو عفا من يستقل بالعفو فلا يسقط القود عمن ورث قسطاً، إلا بعفو الجميع, أو بعض من كل، كما لو قتل شقيق أخاه وترك المقتول بتات ثلاثة اخوة أشقاء غير القاتل فمات أحد الثلاثة، فقد ورث القاتل قسطاً، ولا يسقط القوج إلا بعفو الجميع، أبو بعض من كل.
الأئمة الثلاثة قاولا: كل وارث يعتبر قوله في اسقاط القصاص وغسقاط حقه من الدية، وفي أخذ حقه، والتمسك به.
وقال الشافعي: الغائب منهم والحاضر، والصغير والكبير، والذكر والأنثى سواء في الاستحقاق ولاية الدم عن المقتول عمداً، لأن الدم كالدية.
عفو المقتول عمداً المقتول عمداً عن دمه قبل موته
المالكية قالوا: إذا قال البالغ، العاقل، المعصوم الدم، لإنسان: إن قتلتني أبرأتك من دمي فقتله، فإنه لا يسقط القود عن قالتله، وكذا لو قال له بعد أن جرحه، ولم ينفذ مقتله: أبرأتك من دمي. فلا يسقط القصاص، لأنه أسقط حقاً قبل وجبوبه، بخلاف ما إذا أبرأه من دمه بعد إنفاذ مقتله، أو قال له: إن مت فقد أبرأتك، فإنه يبرأ، ولو كان قبل إنفاذ مقتله، ولكن لابد من كون البراءة بعد الجمرح، وللولي حق القصاص، أو العفو مجاباً، أو على الدية إن رضي الجاني بها، فإن لم يرض الجاني بالدية، خير الولي بين أن يقتص من القاتل، أو يعفو عنه بغير عوض، وإن عفا عن الجاني ولم يقيد عفوه بدية ولا غيرها، فيقضى بالعفو مجرداً عن الدية، إلا أن تظهر بقرائن الأحوال إرادتها مع الديةстр. 2055
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) حال العفو، ويقول: إنما عفوت لأخذ المدية، فيصدق يمينه، ويبقى الولي بعد حلفه، على حقه في القصاص إن امتنع الجاني عن دفع الدية. وإلا دفعها، وتم العفو كما طلب الولي.
الشافعية قالوا: إن قال حر مكلف، رشيد، أو سفيه، لوجل آخر: اقطع يدي مثلاً ففعل الآجنبي فهو هدر، لا قصاص فيه ولا دية، للإذن فيه لأنه اسقط حقه باختياره، فإن سرى الجرح للنفس فمان أو قال له ابتداء: اقتلني، فقتله فهو هدر في الأظهر من المذهب للإذن في ذلك الفعل.
وقبل تجب الدية على القاتل، والخلاف مبني على أن الدية ثبتت لميت ابتداء في آخر جزء من حياته ثم يتلقاها الوارث، أو على أن الدية ثبتت للوارث ابتداء عقب هلاك المقتول؟ إن قلنا بالأول وهو الأصح لم تجب الدية في حال السراية، لأنه أذن فيما بملك وإلا وجبت، ففي صورة القطع تجب نصف الدية، لأنه الحادث بالسراية، وفي حالة الأمر بالقتل ابتداء تجب الدية، وعلى القول الأول تسقط الدية ولكن تجب الكفارة، فإن الكفارة تجب على الصح لحق الله تعالى والإذن لا يؤثر فيها، تجب على كل حال، ولو قال له: اقتلني وإلا قتلتك، فقتله، فلا قصاص ولا دية في الأظهر.
ولو قطع عضو من شخص يجب فيه القود، فعفا المقطوع عن قوده وإريه، فإن لم يسر القطع بأن اندمل فلا شيء من قصاص، أو أرش، لاسقاط الحق بعد ثبوته.
وإن سرى القطع للنفس، فلا قصاص في نفس ولا طرف، لأن السراية تولدت من معفو عنه، فصارت شبهة واقعة للقصاص. أما إذا سرى إلى عضو آخر فلا قصاص فيه وإن لم يعف عن الأول. وأما أرش العضو في صورة سراية القطع للنفس، فإن جرى من المقطوع في لفظ العفة عن الجاني، لفظ وصيته، كأن قال بعد عفوه عن القود، اوصيت له بأرش هذه الجناية فوصيته للقاتل، أو جرى لفظ إبراء أو إسقاطن أو جرى عفو عن القود، اوصيت له بأرش هذه الجناية فوصيته للقاتل، أو جرى لفظ إبراء أو إساقط، أو جرى عفو عن الجناية، سقط الأرش قطعاً، وقيل: ما جرى من هذه الثلاثة وصيته، لاعباره من الثاث، وتجب الزيادة على ارش العضو المعفو عنه أن كان إلى تمام الجية للسراية، سواء تعرض في عفوه لما يحدص منها، أم لا، وفي قول: إن تعرض في عفوه عن الجناية لما يحدث منها سقطت تلك الزيادة، والظهر عدم اسقوط، لأن إسقاط الشيء قبل ثبوته غير منتظم، فلمو سرى قطع العضو المعفو عن قوده وارشه كأصبع، إلى عضو آخر، كباقي الكف، فاندمل القطع، ضمن دية السراية فقط، لأنه إنما عفا عن موجب جناية موجودة فلا يتناول غيرها، ومن له قصاص نفس بسراية قطع طرف، كأن قطع يده فمات بسراية، لو عفا وليه عن النفس، فلا قطع له، لأن المستحق القتل، والقطع طريقه، وقد عفا عنه، أو عفا وليه عن الطرف، فله جز الرقبة في الأصح لأن كلاً منهما حقه، والثاني المنع، لأنه استحق القتل بالقطع الساري، وقد عفا عنه.
ولو قطعه الولي ثم عفا عن النفس مجاناً أو بعوض، فإن سرى القطع إلى النفس، ظهر بطلان العفو ووقعت السراية قصاصاً، لأن السبب وجد قبل العفو، وترتب عليه مقتضاه فلم يؤثر فيه العفو، وإن الم يسرق قطع الولي، بل وقت، فيصح عفوه، لأنه أثر في سقوط القصاص، ويستقر العفو المعفو عليه، إذ لم يستوف بالقطع تمام الدية، ولا يلزم الولي بقطع اليد شيء.стр. 2056
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ولو وكل الولي غيره في استيفاء القصاص ثم عفا، فاقتص الوكيل جاهلاً بذلك، فلا قصاص عليه لعذره والأظهر وجوب الدية، لأنه بأن أنه قتله بغير حق، فتجب على الوكيل دية مغلظة، لورثة الجاني، لا للموكل، والأصح أن الوكيل لا يرجع بالدية على الثاني أمكن الموكل إعلام الوكيل بالعفو أم لا لأنه محسن بالعفو، ولو وجب قصاص عليها فنكحها عليه جاز وسقط، فإن فارق قبل الوطء، رجع بنصف الأرش، اهـ.
الحنفية، والحنابلة رحمهم الله تعالى قالوا: إذا عفا المقتول عن دمهن في القتل العمد جاز ذلك على الأولياء، وسقط القصاص عن القاتل، ولا يجب شيء لورثته من بعده. لأن الحق الذي جعل للولي إنما هو حق المقتول أولاً، فناب فيه الوارث منابه، وأقيم مقامه، فكان المقتول أحق بالخيار من الذي أقيم مقامه بعد موته.
وقد أجمع العلماء على قوله تعالى: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ أن المراذ في الآية الكريمة هة المقتولن يتصدق بدمه، وذلك في حالة إصابته قبل موته، وإنما اختلفوا على من يعود الضمير في قول تعالى: ﴿فهو كفارة له﴾ فقيل: يعود الضمير على القاتل لمن رأى به توبة.
وقيل: يعود الضمير على المقتول الذي تصدق على قالتله بدمه، أو القود من أطرافه في الجراحة، فيكون هذا التصدق كفارة لذنوبه وخطاياه، إذا فعا عن قاتله، أو عن جرحه.
فقد روي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فمن تصدق به﴾ يقول: فمن عفا عنه وتصدق عليهن فهو كفارة للمطلوب، وأجر للطالب.
وروي عن جابر بن عبد الله في قوله تعالى: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ للمجروح، فيهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به وهكذا، وروي عن الشعبي عن رجل من النصار عن النبي ﷺ في قوله: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ قالك (هو الذي تكسر سنه، أو تقطع يده، أو يقطع الشيء منه، أو بجرح في بدنه فيعفو عن ذلك) قال: (فيحط عنه خطاياه، فإن كان ربع الدية فربع خطاياه، وإن كان الثلث، فثلث خطاياه، وإن كانت الدية، حطت عنه الخطايا كذلك) .
وروى الإمام أحمد قال: حدّثنا وكيع، حدّثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر قال: كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار، فاستعدى عليه معاوية، فقال معاوية: انا سنرضيه، فألح الأنصاري فقال معاوية: شأنك بصاحبك، وأبو الدرداء جالس، فقال أو الدرداء: سمعت رسول الله يقول: (ما من مسلم يصاب بشيء من جسده، فيتصدق به، إلا رفعه الله به درجة، وحط به عنه خطية) فقال الأنصاري. فإني قد عفوت.
وروي عن عدي بن ثابت: أن رجلاً اهتم فمه رجل على عهد معاوية ﵁، فأعطي دية، فأبى إلا أن يقتص، فأعطي ديتين فأبى فأعطي ثلاثة، فأبى، فحدث رجل من أصحابстр. 2057
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ قال: (من تصدق بدم فما دونه، فهو كفارة له، من يوم أن ولد، إلى يوم يموت) والأحاديث في ذلك كثيرة.
الحنفية قالوا: من قطع يد رجل عفا المقطوعة يده عن القطع. ثم مات بعد ذلك، فعلى القاطع الدية في ماله، وإن عفا عن القطع وما يحدث منه، ثم مات من ذلك فهو عفو عن النفس، ثم إن كان خطأ فهو من الثلث، وإن كان عمداً فهو من جميع المال.
لأن العفو عن القطع والشجة والجراحة ليس لعفو عما يحدث منه، فإذا وقع شيء من ذلك وعفا المجني عليه عنه بعد الجرح، ثم سرى ومات بسببه، فعلى الجاني الدية في ماله خاصة. لأن سبب الضمان قد تحقق وهو قتل نفس معصومة مقومة، والعفو لم يتناوله بصريحه، لأنه عفا عن القطع، وهو غير القتل لا محالة، وبالسراية تبين أن الواقع قتل، لا قطع وحقه فيه، فما هو حقه لم يفع عنه، وما عفا عنه فليس بحقه، فلا يكون معتبراص، ألا ترى أن الولي لو قال بعد السراية: عفوتك عن اليدن لم يكن عفواً، ولو قال المجني عليه: عفوتك عن القتل، وأقتصد القطع لم يكن عفواً، فكذا إذا عفا عن اليد ثم سرى القطع، وإذا لم يكن معتبراً وجب الضمان.
والقياس يقتضي القصاص لأنه هو الموجب للعمد، إلا أنا تركناه لأن صورة العفو اورثت شبهة، وهي دارئة للقود، فتجب الدية في ماله.
وقال الصاحبان رحمهما الله تعالى: من قطع يد رجل فعفا المقطوعة يده عن القطع، ثم مات من ذلك القطع بسبب السراية، فهو عفو عن النفس أيضاًن فلا شيء على القاطع، لأن العفو عن القطع عفو عن موجبه، لأن الفعل عرض لا يبقى، فلا يتصور العفو عنه، فيكون العفو عنه عفواً عن موجبه، وموجبه أما القطع إذا اقتصر، ولم يسر، وإما القتل، إن سرى القطع ومات بسببه، فكان العفو، عفواً عنهما جميعاص، ولأن اسم القطع يتناول الساري والمقتصر فإن الاذن بالقطع به، وبما حدث منه، حتى إذا قال شخص لآخر: اقطع يدي فقطعه، ثم سرى إلى النفس، فإنه لم يضمن، والعفو إذن انتهاء، فيعتبر بإذن ابتداء، فصار كما إذا عفا عن الجناية، فإنه يتناول الجناية السارية، والمقتصرة.
وقال الإمام: لا نسلم أن الساري نوع من القطع، وإن السراية صفة له، بل السراية قتل من الابتداء، لأن القتل فعل مزهق للروح، ولما انزهق الروح به عرفنا أنه كان قتلاً، ولأن القتل ليس بموجب للقطع من حيث كونه قطعاً، فلا يتناوله العفو، بخلاف العفوعن الجناية لأنه اسم جنس، وبخلاف العفو عن الشجة وما يحدث منها، لأنه صريح في العفو عن السراية والقتل، ولو كان القطع خطاً فقد أجراه مجرى العمد، في العفو عن القطع مطلقاً، والعفو عن القطع وما يحدث منه، والعفو عن الشجة، والعفو عن الجناية، ولأن العفو عن القطع وما يحدث منه، والعفو عن الجناية عفو عن الدية بالاتفاق، والعفو عن القطع مطلقاً عفو عن الدية عن القطع مطلقاً عفو عن الدية عندهما إذا كان خطأ، وعند أبي حنيفة يكون عفواً عن أرش اليد لاغير، والعفو عن الشجة عفو عن الدية إذا سرت عندهما، وعنده عن أرش الشجةстр. 2058
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) لا غير، والقطع إن كان خطأ وجبت الدية من ثلث المال، وإن كان عمداً فهو جميع المال عند أبي حنيفة ﵀ اهـ.
الصلح في القتل عمداً على مال
اتفق الأئمة على أنه إذا اصطلح القاتل وأولياء القتيل على مال سقط القصاص، ووجب المال، قليلاً كان أو كثيراً، زائداً على مقدار الدية، لقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان﴾ على ماقيل: إن الآية نزلت في الصلح وهو قول ابن عباس والحسن، والضحاك، ومجاهد وهو موافق للام، فإن لفظ (عفا) إذا استعمل باللام كان معناه البدل، أي فمن أعطى من جهة أخيه في الدين المقتول شيئاً من المال، بطريق الصلح، عن مجاملة وحسن معاملة.
ولأن القصاص حق ثابت للورثة يجري فيه الإسقاط عفواً، فكذا تعويضاً، لاشتماله على إحسان الأولياء، وإحياء القاتل، فيجوز بالتراضي، والقليل والكثيرفيه سواء، لأنه ليس فيه نص مقدر فيفوض إلى اصطلاحهما كالخلع وغيره، وإن لم يذكروا خالاً، ولا مؤجلاً فهو حال، لأنه مال واجب بالعقد، والأصل في أمثاله الحلول، مثل المهر، والثمن، بخلاف الدية، لانها ما وجبت بالعقد.
المالكية قالوا: يجوز صلح الجاني مع ولي الدم في القتل العمد، ومع المجني عليه في الجرح العمد، بأقل من الدية، أو أكثر منها، حالاً ومؤجلاً، بذهب أو فضة أو عرض.
عفو احد الشركاء في الدم
الحنفية قالوا: إذا عفا احد الشركاء في الجم، أو صالح عن حقه على عوض، سقط حق الباقين في القصاصن وكان لهم نصيبهم من الدية، لان الدية متجزئة، لكونها من قبيل الأموال في الجملة، بالاتفاق، فيجب أن يكونا للجميع حتى للزوجين، لأن وجوبهما اولاً للميت، ثم يثبت للورثة. ولا يقع للميت إلا بأن يسند الوجوب إلى سببه وهو الجرح، فكانا كسائر الأموال في ثبوتهما قبل الموت، ألا ترى أنه إذا أوصى بثلث ماله دخلت دينه فهيا، وتعضى منه ديونه، وكان الإمام على ﵁ يقسم الدية على من أحرز الميراثن وكفى به قدوة، وإذا ثبت ذلك، فكل من الورثة يتمكن من الاستيفاء، والعفو، والزوجية تبقى بعد الموت حكماً في حق الإرث، أو يثبت للورثة بعد الموت مستنداً إلى سببه وهو الجرح، وإذا سقط القصاص ينقلب نصيب الباقين مالاً، لأنه امتنع بمعنى راجع إلى القاتل، وليس للعافي شيء من المال، لأنه أسقط حقه بفعله ورضاه.
الشافعية، والمالكية - قالوا: إنه لا حظ للزوجين في القصاص والدية، ولاحق لهما فيهما،стр. 2059
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وذلك لأن الوراثة فيما يجب بعد الموت خلافة، وهي فيه بالنسب، لا السبب، لانقطاعه بعد الموت. والزوجية تنقطع بالموت ولأن المالكية يقولون: لاحظ للنساء في القصاص، والدية معاً.
والشافعية يقولون: لاحظ للناء في استيفاء القصاص، ولهن حق العفو فقط اه.
إذا اقتص من الجاني فمات
الشافعية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: لو اقتص المجني عليه من الجاني، بالعطع مثلاً فمات من أثر القصاص، بسبب السراية، من العضو المقطوع، فلا شيء على المجني عليه، لأنه استوفى حقه وهو القطع، ولا يمكن التقيد بوصف السلامة لما فيه من سد باب القصاص، إذ الاحتراس عن السراية ليس في وسعه، فصار كالإمام، والبزاغ، والحجام، والمأمور قطع اليج، ولقوله تعالى: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه﴾
الحنفية قالوا: إذا اقتص المجني عليه من الجاني، فسرى القطع إلى الجسد، ومات بسببه تجب الدية للورثة على عاقلة المقتص له، لأنه قتل بغير حق، لأن حقه القطع، وهذا وقط قتلاً، ولهذا لو وقع ظلماً لكان قتلا ووجب فيه القصاص، ولأنه جرح أفضى إلى فوات الحياة في مجرى العادة، وهو مسمى القتل، إلا أن القصاص سقط للشبهةن فوجب المال، بخلاف الإمام وغيرهن لأنه ملكف فيها بالفعل إما تقلداً كالإمام، أو عقداً كما في غيره منها. فالقاضي إذا تقلد القضاء يجب عليه أن يحكم، فإذا قطع يد السارق فمات من ذلك فإنه لا شيء عليه، والواجبات لا تتقيد بوصف السلامة كالرمي إلى الحربي، وفيما نحن فيه من الاستيفاء لا وجوب، ولا التزام إذ هو مندوب إلى العفو، فيكون من باب الإطلاق والإباحة، قال تعالى: ﴿وإن تعفوا اقرب للتقوى﴾ ولو رمى صيداً فأصاب إنساناً ضمن، كذا هذا.
مبحث تأخير القصاص للولد الصغير
الحنفية، والمالكية قالوا: من قتل وله أولياء صغار وكبار، فللكبار أن يقتلوا القاتل. ولا ينتظرون حتى يدرك الصغار، لأن القصاص حق لا يتجزأ لثبوته بسبب لا يتجزأ، وهو القرابة يثبت لكل واحد كملاً كالولاية في النكاح. ولثبوت التفرقة بين الصغار، والكبار الغيب من حيث احتمال العفو في الحال وعدمه، فإن العفو من الغائب موهوم حال استيفاء القصاص، لجواز أن يكون الغائب عفا عن حقه في القصاص، والحاضر لا يشعر به، فلو استوفى كان استيفاء مع الشبهة وهو لا يجوز، وأما العفو في الصغير فميئوس منه حال استيفاء القصاص، لأنه ليس من أهل العفو، وإنما يتوهم العفو منه بعد بلوغه سن الرشد، والشبهة في المال لا تعتبر لأن ذلك يؤدي إلى سد باب القصاص، لاحتمال أن يقدم ولي المقتول على قتله، وكذلك إذا كان احد الاولياء مجنوناً يجب على القاضي تعجل القصاص، ولا ينتظر شفاءه من الجنون المطبع، وهو الذي لا يفيق.стр. 2060
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الشافعية، والحنابلة في أظهر روايتهم والصاحبان من الحنفية قالوا: إذا كان أولياء الدم فيهم صغار وكبار فليس للكبار تعجيل القصاص بل ينتظر ويحبس القاتل ولا يخلى سبيله بكفيل، حتى يدرك الصغار، ويبرأ المجنون منهم، فيكون له الخيار بين القصاص وأخذ الديةن أو العفو عن الجاني، أو الصلح على مال. ذلك لأن القصاص مشترك بينهم، ولا يمكن استيفاء البعض لعدم التجزي، وفي استيفائهم الكل إبطال حق الصغير والمجنون، فيجب أن يؤخر القصاص إلى ادراكه، أو يفيق المجنون، كما إذا كان بين الكبيرينن وكان أحدهما غائباً، أو كان بين الموليين وليتفقوا على مستوف وإلا فقرعة يدخلها العاجز، وهذا الخلاف إذا لم يكن في الورثة اب للقتيل، أما إذا كان فيهم الب فلهم الاستيفاء بالاتفاق، ولا ينتظرون حتى يدرك الصغار، لأن الأب له الولاية على النفس.
ولو سبق أحدهم فقتله فالأظهر لا قصاص، وللباقين قسط الدية في تركته، وقيل: من المستوفى، وإن بادر بعد عفو غيره لزمه القصاص، وقيل: لا.
استيفاء الأب لولده الصغير
الحنفية، والمالكية قالوا: إذا قتل ولي الصغيرن أو المعتةه، فللأب وهو حد المقتول استيفاء القصاص، من القاتل نيابة عن المعتوه، والصغير، لأنه من الولاية على النفس، لأن القصاص شرع للتشفين وللأب شفقة كاملة، فيعد ضرر الولد ضرر نفسه، فجعل ما يحصل له من التشفي كالحاصل للابن، فالأب يلي القصاص كما يلي الإنكاح، سواء كان شريكه أم لا، وللأب أن يصالح لأنه أنظر في حق المعتوه والصغير، وليس له أن ينقص عن قدر الدية، فإن نقص المال المصالح عليه عن عدر الدية يجب كمال الدية، وليس له أن يعفو عن القاتل بغير مال، لأن فيه إبطال حقهن وكذلك إن قطعت يد المعتوه عمداً أو يد الصغير، فللأب أن يستوفي القصاص.
قتل الوالد بولده
الحنفية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: لا يقتل الرجل بابنه لقول ﷺ : (لا يقاد الوالد بولده) وهو حديث مشهور تلقته الأمة بالقبول، فيصلح مخصصاً لعموم الآية الدالة على وجب القصاص في القتلى، وذلك مثل إخراج قتل المولى عبده أو عبد ولده، ولأن عمر قضى بالدية في قاتل ابنه ولم ينكر عليه أحد.
ولأن الأب لإحياء الولد، فمن المحال أن يستحق له إفناؤه، ولهذا لا يجوز له قتله، وإن وجده في صف الأعداء مقاتلاً، أو زانياً وهو محصن، ويجب على الأب الدية للورثة، ويحرم منها.
المالكية قالوا: لا يقاد الأب بالابن إلا أن يضجعه ويذبحه، أو يحبسه حتى يموت، مما لا عذر له فيه ولا شبهة فإن حذفه بالسيف، أو بالعصا، أو بالحجر الكبير غير قاصد لقلته، فلا يقتل فيه، والجدстр. 2061
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) في ذلك عندهم مثل الأب، وحجتهم في ذلك عموم القصاص بين المسلمين، لا فرق بين الأب وغيره وقاسوه على الرجل إذا زنا بابنته وهو محصن، فإنه يرجم بالاتفاق، ولأن الآية في القصاص عممتن فلا تخصص بخبر الآحاد، فإذا ثبت العمد وجب عليه القصاص، ومن ورث قصاصاً على أبيه سقط لحرمة الأبوة اهـ.
مبحث شبه العمد
الحنفية قالوا: القتل على خمسة اوجه، عمد، وشبه عمد، وخطأ وما أجري مجرى الخطأ، والقتل بسبب فالعمد، ما تعمد ضربه بسلاح، أو ما أجري مجرى السلاح كالمحدد من الخشب، وليطة القصب، والمروة المحددة، والنار.
وشبه العمد: أن يتعمد الضرب بما ليس بسلاح، ولا ما أجري محرى السلاح، سواء كان الهلاك به غالباً كالحجر والعصا الكبيرين، ومدقة القصار، أو لم يكن كالسوط والعصا الصغير، وذلك لقوله ﷺ : (ألا إن قتيل خطأ العمد، قتيل السوط، والعصا) رواه النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه، ووجه الاستدلال به، أنه ﵊ جعل قتيل السوط والعصا مطلقاً شبه عمد، فتخصصه بالصغيرة إبطال للإطلاق، وهو غير جائز.
ولأن العصا الكبيرة، والصغيرة تساويا في كونهما غير موضوعتين للقتل، ولا مستعملتين له غالباً، إذ لا يمكن الاستعمال على غرة من المقصود قتله، وبالاستعمال على غرة يحصل القتل غالباص، وإذا تساويا، والقتل بالعصا الصغيرة شبه عمد بالاتفاق فكذا الكبيرة، فقصرت العمدية نظراً إلى الألة، فكان شبه عمد.
الشافعية، والحنابلة، والصاحبان من الحنفية - قالوا: شبه العمد، هو أن يتعمد الضرب بما لا يحصل الهلاك به غالباً، كالعصا الصغيرة، إذا لم يوال في الضربات، أما إذا والى فيها فهو عمد، وقيل: شبه عمد، وسمي هذا النوع شبه عمد، لاقتصار معنى العمد فيه، وإلا لكان عمداً، واقتصاره إنما يتصور في استعمال آلة لا يقتل بها غالباً كالعصا الصغيرة، فإن القصد باستعمالها غير القتل كالتأديب، ونحوه، فتجب الدية لا القصاص، أما إذا استعمل آلة يقتل بها، كالضرب بحجر عظيم، أو حشبة عظيمة، أو مدق القصار أو نحوه، فإنه لا يقصد باستعمال هذه الأشياء إلا القتل كالحديدة، والسيف، فكان قتلاً عمداً موجباً للقود، قالوا: وقد واققنا أو حنيفة بأن القتل بالعمود الحديد موجب للقود.
وموجب شبه العمد على القولين، الإثم لأنه قتل وهو قاصد الضرب، والكفارة لأنه خطأ نظراً إلى أن الآلة تدخل تحت قوله تعالى ﴿ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة﴾ الآية، ولأنه شبيه بالخطأ، ويجب فيه الدية مغلظة على العاقلة. وهي مائة من الإبلن اربعون منها في بطونها أولادها، وتجب فيстр. 2062
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ثلاث سنين لقضية عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فقد روي عنه أنه قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين، ووافقه الصحابة من غير نكير من واحد منهم، فكان كالمروي عن الرسول ﷺ لأنه مما لا يعرف بالرأي، ويتعلق به حرمان الميراث لأنه جزاء القتل، والشبهة تؤثر في إسقاط القصاص، دون حرمان الميراث، فقد روي عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد، قتيل السوط، أو العصا، فيه مائة من الإبل منها اربعون في بطونها أولادها) رواه الخمسة.
وروى الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: (عقل شبه العمد مغلظ، مثل عقل العمد، ولايقتل صاحبه، وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس، فتكون جماء في غير ضغينة، ولا حمل سلاح) .
المالكية قالوا: إن الضرب بالعصا، والحجر الصغيرين عمد، فإنهم قالوا: إننا لانعرف ماهو قتل شبه العمد، وإنما القتل عندهم نوعان فقط، عمد وخطأ، ما وقع بسبب من السباب أو من غير مكلف. أو غير قاصد للمقتول، أو القتل بما مثله لا يقتل في العادة به، كالسوط. وهذا لا قود فيه، وإنما تجب فيه الدية، وقتل العمد ما سواه: إذ لا واسطة بين العمد، والخطأ في سائر الأفعال، فكذا في هذا الفعل، وشبه الخطأ أن يتعمد القتل، ويخطىء القصد، أو يضربه بسوط لا يقتل مثله غالباً، أو يلكزه بيده، أو يلطمه لطماً بليغاً، فيجب القصاص في كل ذلك، فإن تعمد الجاني الضرب بقضيب أو سوط لا يقتل به غالباً أو مثقل، كحجر، أو خنق، ومنع من طعام حتى ماب، أو منع من شرب محتى مات فالقود أن قصد بذلك موته، فإن قصد مجرد التعذيب فالدية.
الشافعية قالوا: الفعل المزحق ثلاثة: عمد وخطأ، وشبه عمد، ولا قصاص إلا في العمد، وهو قصد مالفعل والشخص بما يقتل غالباً، جارح، أو مثقل.
فالأول وهو الواجب: قتل المرتد إذا لم يتب، والحربي إذا لم يسلم، أو يعط الدية.
والثاني وهو الحرام: قتل المعصوم بغير حق.
والثالث وهو المكروه: قتل الغازي قريبه الكافر إذا لم يسب الله، أو رسول ﷺ .
والرابع وهو المندوب: قتل الغازي قريبه الكافر إذا حدث منه سب لله، أو الرسول ﷺ .
والخامس وهو المباح: قتل الإمام الأسير، وهو مخير فيه.
وأما قتل الخطأ، فلا يوصف بحرام ولا حلال، لأنه غير مكلف فيما أخطأ فهو كفعل المجنون والبهيمة، فإن فقد قصد أحدهما بأن وقع عليه فمات، أو رمى شجرة فأصابه فخطأ، وإن قصدهما بما لا يقتل غالباً فشبه عمد، ومنه الضرب بسوط، أو عصا، فلو غرز إبرة بمقتل فعمد، ولو غرز فيما لا يؤلم كجلدة عقب، فلا شيء بحال، ولو حبسه ومنعه الطعان والشراب والطلب حتى مات، فإنстр. 2063
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) مضت مدة يموت مثله فيها غالباً جوعاً، أو عطشاً فعمد، وإلا فإن لم يكن به جوع، وعطش سابق فشبه عمد، وإن كان به بعض جوع أو عطش، وعلم الحابس الحال، وكانت مدة حبسه بحيث لو أضيفت لمدة جوعه، أو عطشه السابق بلغت المدة القاتلة فعمد، لظهور الإهلاك من الرجل الحابس، وأما إذا لم يبلغ مجموع المدنين ذلك فهو كما لو لم يكن به شيء سابق، وإن لم يعلم الحال فهو شبه العمد.
مبحث القال بمثقل، والإغراق، أو الإحراق بالنار
المالكية قالوا: إن حبس شخص آخر ومنعه الطعام، أو الشراب حتى مات بسبب ذلك أو خنقه بيده، فيجب عليه القود في كل ذلك إن قصد بذلك موتهن أو علم أنه يموت من ذلك.
ومن سقى غيره سماً في طعام، أو شراب فمات فعليه القود، فقد وري عنهم أن منع فضل مائه، مسافراص، عالماً بأنه لا يحل له منعه، وأنه يموت إن لم سقه قتل به، وإن لم يل قتله بيده، ومن ضرب غيره بمثقل كحجر، إن نفذ الضارب مقتله، أو لم ينفذه، ممات مغموراً مما ذكر، بأن ضربه فرفع مغموراً من الضربن أو الجرح حتى مات فيقتص منه بلا قسامة، كما لو رفع ميتاً مما ذكر، فإن لم ينقذ له مقتل، وأفاق بعد الضرب أو الجرح، ثم مات لمقتص إلا بالقسامة، وكذلك من طرح معصوماً غمر محسن للعوم في نهرن لعداوة، أو غيرها، أو طرح من يحسن العوم عداوة، فغرق في الحالين يجب القصاص وإلا لم يكن لعداوة، والدية في اللعب.
ومن تسبب في الإتلاف كحفر بئر، بأن حفرها ببينة فوقع فيها المقصود، أو وضع شيئاً مزلقاً، أو اتخذ كلباً عقوراً لمعين، وهلك المقصود بالبئر وما بعده فيجب القود من المتسبب، وإن هلك غير المقصود، أو قصد مطلق الضرر فهلك بها إنسان فتجب الدية في الحر المعصوم، والقيمة في غيره، وإن لم يقصد ضرراً بالحفر وما بعده، فلا شيء عليه، ويكون هدراً، وتقديم مسموم لمعصوم عالماً بأنه مسموم فتناوله غير عالم فمات يجب القصاص، فإن تناوله عالماً بسمه، فهو القاتل لنفسهن وإن لم يعلم المقدم فهو من الخطأ، ومن رمى على غيره حية، وهي حية فمات، وإن لم تلدغه فمات من الخوف فعليه القود، وإن كانت ميتة فتجب الدية، وكذا إن كان شأنها عدم اللدغ لصغرها، فإن كان على وجه اللعب فالديةن وإن كان على وجه العداوة فالقود.
ومن أشار على غيره بسلاح كسيف، ومدفع، وبندقة، وخنجر، فهرب المشار إليه خوفاً منه، وطلبه المشير في هروبه، لعداوة بينهما، فمات بلا سقوط، فيجب القود بلا قسامة، وإن لم يضربه بالقتل، وإن سقط حال هروبه فبقسامة، لا حتمال موته من سقوطه، واشارته فقط بلا عداوة ولا هرب يكون خطأ، فتجب الدية مخمسة على العاقلة، وكذا إن هرب ولا عداوة ومات فدية خطأ.
الشافعية، والحنابلة قالوا: يجب القصاص بالسبب، فلو شهدا بقصاص فقتل ثم رجعا وقالا:стр. 2064
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) تعمدنا الكذب فيها، وعلمنا أنه يقتل، أو يقطع بشهادتنا لزمهما حينئذ القصاص، لآنهما تسبببا في إهلاكه، بما قتل غالباً، فأشبه ذلك الإكراه الحسي، إلا أن يعترف الولي بعلمه بكذبهما، فلا قصاص عليهما.
لأنهما لم يلجأ إلى قتله حساً ولا شرعاً، فصار قولهم شرطاً محصناً، فيجب على الولي القصاص، أما لو قال الولي عرفت كذبهما بعد القتل، فلا يسقط القصاص عنهما.
ولو ضيف بمسموم يقتل غالباً، أو ناوله صبياً غير مميز، أو مجنوناً فأكله فمات منه، وجب القصاص عليه أو ضيف به بالغاً عاقلاً، ولم يعلم الضيف بالسم حال الطعام، فدية ولا قصاص، لأنه تناوله باختياره من غير إلجاء، وقيل: يجب القصاص. واستدلوا بأن النبي ﷺ امر بقتل المرأة اليهودية التي سمت له الشاة بخيبر، فمات منها بشر بن وائل بن معرور، أما إذا علم الضيف حال الطعام، فلا شيء على المضيف قطعاً لأنه المهلك نفسه، ولا يجب على المجني عليه معالجة الجناية بما يدفعها، فلو ترك المجروح علاج جرح مهلك له، فمات منه وجب القصاص، جزمماً على الجارح، لأن البرء غير موثوق به لو عولج، والجراحة في نفسها مهلكة، ولو ألقاه في ماء لا يعد مغرقاً كمنبسط فمكث فيه مضطجعاً حتى هلك فهدر أو ماء مغرق لا يخلص منه إلا بسباحة، فإن لم يحسنها، أو كان مكتوفاً، أو زمناً تعمد، وإن أمكنه التخلص بسباحة مثلاً، ولكن منع منها عارض، كريح، وموج، فهلك بسبب ذلك، فشبه عمد تجب دينه، وإن أمكنه التخلص بسباحة مثلاً، ولكن منع منها عارض، كريح، وموج، فهلك بسبب ذلك، فشبه عمد تجب دينه، وإن أمكنه التخلص من الغرق فتركها، فلا دية في الأظهر.
وإن ألقاه في نار يمكن معها الخلاص منها فمكث فيها حتى مات ففي الدية قولان، وقيل: تجب الدية في الإلقاء في النار، بخلاف الماء، لأن النار تحرق بأول ملاقاتها، وتؤثر قروحاً قاتلة، بخلاف الماء، ولو حفر بئراً فرداه فيها آخر، والتردية تقتل غالباً، أو ألقاه من شاهق، فتلقاه آخر فقده، فالقصاص على القاتل في الأول، والمردي في الثاني، والقاد في الثالث، ولو ألقاه في ماء مغرف لا يمكنه الخلاص منه كلجة البحر، فالتقمه حوت وجب القصاص في الأظهر، لأنه هلك بسببه، ولا نظر إلى جهة الهلاك، كما لو ألقاه في بئر مهلكة في أسفلها سكين لم يعلم بها الملقي فهلك بها.
قالوا: ومحل الخلاف ما لم يرفع الحوت رأسه ويلقمه، وإلا وجب القصاص قطعاً، ومحله أيضاً إذا كان لا يعلم بالحوت الذي في اللجة، فإن علم به وجب القود قطعاً. كما لو ألقاه على أسد في ريببته، أو أما قطار سريق.
أما إذا ألقاه في ماء غير مغرق، فالتقمه حوت وهو لا يعلم به الملقي فلا قصاً قطعاً، لأنه لم يقصد إهلالكه، ولم يشعر بسبب الإهلاك كما لو دفعه دفعاً خفيفاً، فوقع على سكين فمات ولم يعلم بها الدافع، فتجب في الحالتين دية شبه العمد، وإن شهر المجنون سلاحاً على غيره فقتله ذلك الغير فلا ضمان عليه لانع قتله دفاعاً عن نفسه، وكذلك لو شهر الصبي سلاحاً على غيره فقتله فلا ضمان، لأنه يصير محمولاً على قتله بفعله فأشبه المكره، وكذلك فعل الدابة لو هجمت على لإنسان فقتلها فلا ضمان لأنه دفاع عن النفس.стр. 2065
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الحنفية قالوا: من شهر على رجل سلاحاً ليلاً أو نهاراً، أو شهر عليه عصاً في المصر ليلاً، أو شهر عليه عصاً نهاراً في طريق غير المصر فتله المشهور عليه عمداً، وكان الشاهر عاقلاً مكلفاً، فلا شيء عليهن لقوله ﵊ (من شهر على المسلمين سيفاً فقد أطل دمه) ولأنه يعد في نظر الشرع باغ، فتسقط عصمته ببغيه، ولأنه تعين طريقاً لدفع القتل عن نفسهن فجاز له قتله، لدفع الشر عن نفسه، وجعف الشر مباح أو واجب، ولأن السراح لا يلبث فيحتاج إلى دفعه بالقتل، والعصا الصغيرة، وإن كانت تلبث، وكن في الليل لا يلحقه الغوث، فيضطر إلى جفعه بالقتل، وكذلك في النهار في غير المصرن في طريق لا يلحقه الغوث، وفي الصحراء فإذا قتله كان دمه هدراً، ولا ضمان على قاتله.
وإن شهر المجنون على غيره سلاحاً فقتله المشهور عليه عمداً، فعليه الدية في مالهن لأنه قتل شخصاً معصوماً، أو أتلف مالاً معصوماً حقاً للمالك، وفعل الدابة لا يصلح مسقطاً وكذا فعلهما، وإن كانت عصمتهما حقهما لعدم اختيار صحيح، ولهذا لا يجب القصاص لتحقق الفعل منهما بخلاف البالغ العاقل، لأن له أختياراً صحيحاً، وإنما لا يجب القصاص مع القتل العمد بسلاح، لوجود المبيحن وهو دفع الشر عن نفسه، فتجب الجية حتى لا يهدر دم المسلم المعصوم.
ومن شهر على غيره سلاحاً في المصر، فضربه ثم قتله الآخر، فعلى القاتل القصاص لأنه ضربه فانصرف عنه، لأنه خرج من أن يكون محارباً بالانصراف، فعادت عصمته إليه، ومن دخل عليه غيره ليلاً، واخرج السرقة، فاتبعه صاحب الدار، وقتله ليخلص المتاع فلا شيء عليه، ودمه هدر، لقول ﷺ : (قاتل دون مالك) ولأنه يباح له القتل دفاعاً للابتداء، فكذا استرداداً في الانتهاء، وذلك إذا كان لا يتمكن من استرداد ماله، إلا بالقتل.
ومن حفر بئراً في طريق المسلمين، أو وضع حجراً فتلف بذلك إنسان، فديته على عاقلته، وإن تلف به بهيمة، فضمانه في مالهن لأنه متعد فيه فيضمن ما يتولد منه، غير أن العاقلة تتحمل النفس دون المال، فكان ضمان البهيمة في ماله خاصة، وإلقاء التراب، واتخاذ الطين في الطريق بمنزلة إلقاء الحجر، والخشبة.
وإذا كنس الطريق أو رشها، فعطب احد بموضع كنسه أو رشه لا ضمان عليه، لأنه ليس بمتعد فإنه ما أحدث شيئاً فيه، وإنما قصد رفع الأذى عن الطريقن حتى لو جمع الكناسة في الطريق، وتعلق بها إنسان فإنه يضمن دينه، لتعديه بشغله الطريق بالكناسة.
ولو وضع حجراً، فنحاه غيره عن موضعه، فعطب به إنسان، فالضمان على لاذي نحاه، لأن حكم فعله قد انتسخ، والبالوعة يحفرها الرجل في الطريق، فإن امره السلطان بذلك، أو آخرجه عليه لم يضمن ما تلف به، لأنه غير متعد حيث فعل ذلك بأمر من له الولاية في حقوق العامة. وإن كان حفرстр. 2066
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) البالوعة، أو رفع غطاءها بغير امره فهو متعد، فيضم ما تلف به، إما بالتصرف في حق غيره، أو بالافتيات على رأي الإمام، أو هو مباح مقيد بشرط السلامة، وكذا كل ما فعل في طريق العامة، وإذا فر البئر في ملكه فلا يضمن لأنه غير متعد، وكذا إذا حفرها في فناء جارهن لأن له ذلك لمصلحة داره والفناء في تصرفه، ولو حفرها في الطريق ومات الواقع فيها جوعاً، أو غماً، لا ضمان على الحافر، لأنه مات لمعنى في نفسه، فلا يضاف إلى الحفر، والضمان إنما يجب إذا مات من الوقوع.
وقال أبو يوسف ﵀: إن مات جوعاً فكذلك، وإن ماتغماً فاحافر ضامن له، لأنه لا سبب للغم سوى الوقوع، أما الجوع فلا يختص بالبئر.
وقال محمد: هو ضامن في الوجوه كلها، لأنه إنما حدث بسبب الوقوع إذ لولاه لكان الطعام قريباً منه، وإن استأجر أجراء فحفروها له في غير ملكه، فذلك على المستأجر فقط وإن علموا ذلك، فالضمان على الاجراء، لأنه لا يصح امره بما ليس بمملوك له، ولا غرس.
قالوا: ومن غرق صبياً، أو بالغاً في البحر فلا قصاص عليه لقول الرسول ﷺ : (إلا أن قتيل خطأ العمد قتيل السوط، والعصا) وفيه، وفي كل خطأ أرش، ولأن الآلة غير مستعملة في القتل، ولا معدة له لتعذر استعماله، فتمكنت شبهة عدم العمدية، ولأن القصاص ينبىء عن المماثلة، ومنه يقال: اقتص أثره.
أما إذا بالنار حتى مات، فيجب فيه القصاص بالسيف، وكذلك الضرب بحديدة مدببة، أو خشبة محددة: أو حجر محدد، فإنه يجب فيه القصاص بالسيف، لأنه عمد.
قالوا: من شج نفسه، وشجه رجل، وعقره أسد، وأصابته حية، فمات من ذلك كله، فإنه يجب على الجنبي ثاث الدية، لأن فعل الأسد والحية جنس واحد لكونه هدر في الدنيا والآخرة، وفعله بنفسه هدر في الدنيا، معتر في الآخرة حتى يأثم عليه، فعند أبي حنيفة ومحمد يغسل ويصلى عليه، وعند أبي يوسف يغسل، ولا يصلى عليه، لأنه تعدى على نفسه بشجها، وفعل الأجنبي معتبر في الدنيا والآخرة، فصارت ثلاثة أجناس، فكأن النفس تلفت بثلاثة أفعال، فيكون الثالث بفعل كل واحد ثلثه، فيجب عليه ثلث الدية.
مبحث من مات متاثرا بجراحه
اتفق الأئمة: على أن من جرح رجلاً عمداً، فلم يزل صاحب الجرح ملازماً لفراشه حتى مات من أثر الجراح، فإنه يجب عليه القصاص، لوجود السبب، وهو سفك دم محقون على التأبيد عمداً، وعدم وجود ما يبطل حكمه من عفو، أو شبهة تدرأه، فأضيف إليه.
واتفقوا: على أنه إذا تكافأت الدماء، أن ينفذ القصاص في القتل العمد، فيقتل الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، والرجل بالرجل، والذمي بالذمي، والمستأمن بالمستأمن.стр. 2067
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) لقوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى، الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى﴾ فقد جاءت الآية الكريمة مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه، ولم تتعرض لاحد النوعين إذا قبل الآخر، فالآية محكمة، وفيها إجمال بينه قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ .
وبينه النبي ﷺ حين قتل الرجل اليهودي بالمراة، في المدينة، وحين أمر بقتل المرأة اليهودية التي وضعت السم في الطعام في غزوة خيبر فمات بسببه صحابي من أصحابه رضوان الله عليهم.
مبحث قتل المؤمن بالكافر
المالكية قالوا: يقتل الأدنى صفة بالأعلى، كذمي قتل مسلماً، أو كحر كتابي يقتل بعبد مسلم، لأن الإسلام أعلى من الحرية.
ولا يقتل الأعلى بالأدنى، كمسلم بكافر، وكمسلم رقيق، بحر كتابي، ويقتل الذكر بالأنثى، حيث لم يكن القاتل زائداً حرية، أو إسلاماً، ويقتل الصحيح بالمرض، ولو كان مشرفاً على الهلاك أو محتضراً للموت. وقتل كامل الأعضاء والحواس بالناقص عضواص، كيد ورجل، أو الناقص حاسة كسمع وبصر، واحتجوا على مذهبهم بما روي من حديث الإمام على كرم الله وجهه، أنه سأله قيس بن عبادة والأشقر، هل عهد إليه رسول الله ﷺ عهداً لم يعهده إلى الناس؟ قال: لا. إلا ما في كتابي هذا، وأخرج كتاباً من قراب سيفه، فإذا فيه (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده، لو أحدث حدثاً، أو آوى محدثاث فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين) خرجه أبو دادو.
وما روي أيضاً عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ قال: (لا يقتل مؤمن بكافر) . وما روي عن أبي جحيفة أنه قال: قلت لعلي ﵁: (هل عندكم شيء من الوحي غير القرآن؟ قال: لا. والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا فهم يعطيه الله تعالى رجلاً في القرآن الكريم، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك ألأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر) رواه البخاري ﵀ وأخرجه أبو داود، والنسائي. رحمهما الله تعالى.
واحتجوا أيضاً على مذهبهم، بإجماع العلماء على أنه لا يقتل مسلم بالحربي الذي أمن أي اخذ الامان.
قالوا: فلا يقتل المؤمن بالذمي إلا أن يضجعه فيذبحه، أو يقتله غيلة ويأخذ ماله، فلا يشترط فيه الشوط المتقدمة، بل يقتل ولا صلح ولا عفو.
الشافعية والحنابلة قالوا: يشترط عندهم في القاتل مكافأته، ومساواته للقتيل في الصفة بأن لم يفضله بإسلام أو أمان، أو حرية، أو أصلية، أو سيادة، ويعتبر حال الجناية، حينئذ، فلا يقتل مسلم،стр. 2068
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ولو كان زانياً محصناً، أو تاركاً للصلا' متعمداً، بذمي، ولا كتابي، لخبر البخاري رحمه الله تعالى عن الرسول ﷺ أنه قال: (لا يقتل مسلم بذمي) .
قال ابن المنذر: لم يصح عن النبي ﷺ خبر يعارضه. ولأنه لا يقاد المسلم بالكافر فيما دون النفس بالإجماع، كما قال ابن عبد البر، فالنفس بذلك أولى، والحديث المذكور يقتضي عموم الكافر، فلا يجوز تخصص بإضمار (الحربي) ولأنه لو كان لامعنى كما قال الأحناف، لخلا عن الفائدة، لأنه يصير التقديرن لا يقتل المسلم إذا قتل كافراً حربياص، ومعلوم أن قتله عبادة، فكيف يعقل أنه يقتل به؟.
ويقتل ذمي بالمسلم لشرفه، وبالذمي وإن اختلفت ملتهما، كاليهوجي، بالمسيحي، فلو اسلم الذميي القاتل كافراً مكافئاً له، لم سقط القصاص. لتكافئهما حال الجناية. لأن الاعتبار بالعقوبات حال الجناية، ولا نظر لما يحدث بعدها.
قالوا: ويقتل رجل بامرأة وخنثى، كعكسه، وعالم بجاهل، وشريف بخسيس، وشيخ بشاب كعكسهما، لأنه ﷺ كتب في كتابه إلى أهل اليمن (إن الذكر يقتل بالأنثى) رواه النسائي وقوله صلوات الله وسلامه عليه (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم) خرجه أبو داود.
ولو جرح ذمي، ذمياً، وأسلم الجارح، ثم مات المجروح بالسراية، فلا يسقط القصاص بالنفس للتطافؤ حالة الجرح المفضي إلى الهلاك، وذا أسلم المقتول عند إشرافه على القتل، أو بعد جرحه لا يقتص له وارثه الكافر، بل إنما يقتص له الحاكم بعد طلب الوارث، وإذا لم يطلب، فليس للإمان أن يقتص.
ولا يقتل حر بمن فيه رق، ويقتل قن، وعبد، ومكاتب، وأم ولد بعضهم ببعض.
لو قتل عبد عبداً، ثم عتق القاتل، أو عتق بعد الجرح، فكحدوث الإسلام، وهو عدم سقوط القصاص في القتل جزماص، ولا قصاص بين عبد مسلم، وحر وذمي لعلو الإسلام وشرفه.
الحنفية قالوا: يقتل المسلم بالذمي، لأن الله تعالى قال: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالانثى﴾ فهو تخصيص بالذكر، وهو لا ينافي ما عده، كما في قوله، (والأنثى بالأنثى) فإنه لا ينافي الذكر بالأنثى، ولا العكس بافجماع، وفائدة التخصيص الرد على من اراد قتل غير القاتل بالمقتول، وذلك أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ري أن قبيلتين من العرب تدعي إحداهما فضلاً عن الأخرى، اقتتلتا فقالت: مدعية الفضل لا نرضى إلا بقتل الذكر منهم بالأنثى منا، والحر منهم بقتل العبد منا، فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة، رداً عليهم فجاءت الآية مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه، فبينت حكم الحر إذا قتل حراً، وحكم العبد إذا قتل الآخر، فالآية محكمة، وفيها إجمال بينة قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفسстр. 2069
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بالنفس﴾ وقتل المسلم بالذمي نفس بنفس، وبينه النبي ﷺ بسنته لما قتل اليهودي بالمرأة، قاله مجاهد.
قالوا: والذمي مع المسلم متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاصن وهي حرمة الدم الثابتة على التأييد والمسلم كذل:، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام، والذي يقق ذلك: أن المسلم تقطع يده بسرقة مال الذمي، وهذا يدل على أن مال الذمي قد ساوى مال المسلم، فدل على مساواتع لدمه، إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه، وأجمع العلماء على أن العور والأشل إذا قتل رجلاً سالم الأعضاء، أنه ليس لوليه أن يقتل الأعور، ويأخذ منه نصف الدية، من أجل أنه قتل إذا عينين وهو أعور، وقت ل ذا يدين وهو أشل، فهذا يدل لى أن النفس مكافئة للنفس، ويكافىء الطفل فيها الكبير.
واحتجوا بما روى محمد بن الحسن عن إبراهيم رحمهما الله تعالى (أن رجلاً من المسلمين قتل رجلاً من أهل الذمة، فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: (انا أحق من وفى بذمته، ثم أمر به فقتل) .
ولأن القصاص يعتمد المساواة في العصمة، وهي ثابتة، نظراً إلى التكليف أو الدرا، ولأن المبيح للدم إنما هو كفر المحارب، قال تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ آية ٢٩ من التوبة.
ولأن قتل الذمي بالذمي، دليل على أن كفر الذمي لا يورث الشبهة، إذ لو أورثها لما جرى القصاص بينهما، كما لا يجري بين الحربيين، ولأن الأسلام أعلى من حرية الذمي والأعلى لا يقتل بالأدنى، ولا يقتل المسلم بالمستأمن، لأنه غير محقون الدم على التأبيد، وكذلك كفره باعث على الحرب لأنه على قصد الرجوع إلى داره، فصار كالحربي، ولا يقتل الذمي بالمستأمن، ويقتل المستأمن بالمستأمن، ويقتل الرجل بالمرأة، والكبير بالصغير، والصحيح بالعمى والزمن، وبناقص الطراف وبالمجنون، للآيات الدالة بعمومها على وجوب القصاص، ولأن في اعتبار التفاوت فيما وراء العصمة، امتنعاع القصاص، وظهر التقاتل، والتفاني بين أفراد المجتمع.
مبحث قتل الحر بالعبد
الحنفية قالوا: يقتل الحر بالحر، والحر بالعبدن لعموم الآيات الواردة في القصاص، ولآن القصاص يعتمد المساواة في العصمة، وهي بالدين، أو بالدار، والعبد والحر يستويان فيهما، فيجري القصاص بينهما، وحقيقة الكفر لا تمنع ممن جريان القصاص، لأنه لو صلح لما جرى بين العبدين، كما لا يجري بين المستأمنين وليس كذلك، ونص الآية فيه تخصيص بالذكر، وهو لا ينفي ما عداه، كما في قوله تعالى ﴿والأنثى بالأنثى﴾ فإنه لا ينفي أن يقتل الأنثى بالذكر، ولا العكس بالإجماع، وفائدة التخصيص الرد على من اراد قتل غير القاتل، أو الاسراف في القصاص، كأن يقتل العشرة بالواحد.стр. 2070
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وإذا قتل الحر العبد، فإن أراد سيد العبد قتل القاتل، وأعطى دية الحر إلا قيمة العبد وإن شاء استحيا، واخذ قيمة العبد، هذا مذكور عن الإمام علي، والحسن.
واحتجوا على مذهبهم بما روي عن النبي ﷺ : (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم) .
وما روي عن سمرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعنا) رواه أحمد والاربعة، وحسنه الترمذي، وهو من رواية الحسن البصري. فالحديث دليل على أن الحر يقاد بالعبد في النفس والكراف، والجدع قطع الأنف، واو الأذن، أو اليد، أو الشفة في القاموس.
ومن طريق المعنى قالوا: ولما كان قتل العبد محرماً كقتل الحر، وجب أن يكون القصاص فيه كالقصاص في الحر، وقال النخعي وجماعة: يقتل الحر بالعبد سواء كان عبد القاتل، أو عبد غير القاتل، واحتجوا، على هذا بعموم قوله تعالى ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ وهو ضعيف.
المالكية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: لا يقتل حر بعبد، ولأن مبنى القصاص على المساواة، وهي منتفية بين المالك، والمملوك، ولهذا لا يقطع طرف الحر بطرف العبد، بخلاف العبد بالعبد، لأنهما يستويان، وبخلاف العبد حيث يقتل بالحر لأنه تفاوت إلى نقصان، وهم يقتلون الادنى بالأعلى، دون العكس.
قال أبو ثور: لما اتفق جميعهم على أنه لا قصاص بين العبيد، والحرار، فيما دون النفوس، كانت النفوس أحرى بذلك، ومن فرق منهم بين ذلك فقد ناقض.
وأيضاً: فالإجماع فيمن قتل عبداً خطأ أنه ليس عليه إلا القيمة، فكما لم يشبه الحر في الخطأ، لم شبهه في العمد.
وأيضاً: فإن العبد سلعة من السلع، يباع ويشترى، ويتصرف في الحر كما يشاء، فلا مساواة بينه، وبين الحر، ولا مقاومة.
واحتجوا بما رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالىعن النبي ﷺ أنه قال: (لايقتل مسلم بكافر) .
مبحث قتل الرجل بالمرأة
اتفقت كلمة فقهاء المسلمين على أنه يجوزقتل الرجل بالمرأة، والكبير بالصغير، والصحيح بالمريض لعموم الآيات الواردة في وجوب القصاص، وفعل الرسول ﷺ فقد ورد أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه امر بقتل الرجل اليهودي الذي اعترف بقتل المرأة المسلمة في المدينة، وبما روي عن على كرم الله وجهه، وعبد الله قالا: إذا قتل الرجل المرأة متعمداً، فهو بهاقود، كما تقتل المرأةследующие страницы →