Полный текст (2 230 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
أمثلة على ردع المجرمين
-ولنا على ذلك أمثلة ملموسة عملية، مثلاً: الكوكايين، والحشيش قد وضعت لهما الحكومة. في أول الأمر عقوبة خفيفة، فكانت مغرية لضعاف النفوس والأشرار على ارتكاب
الحواشي
(١) مال له فيه شركة، بأن يسرق أحد الشريكين من حرز الآخر مالاً مشتراكً بينهما، لأن للسارق فيه حقاً، وهو شبهة تدرأ الحد عن السارق، فلا يقطع. ومن له على رجل آخر دراهم، فسرق مثلها لم يقطع، لأن ما فعله استيفاء لحقه الثابت، والدين الحال والمؤجل في عدم القطع سواء استحساناً. لأن التأجيل لتأخير المطالبة، والقياس أن يقطع لأنه لا يباح له لاخذه قبل الأجل لأن ثبوت الحق، وإن تأخرت المطالبة يصير شبهة، ولا يقطع لو سرق أكثر من حقه لأن بالزيادة يصير شريكاً في ذلك المال بمقدار حقه، ولا فرق بين كون المديون المسروق منه مماطلاُ أو غير مماطل ولو اخذ من غير جنس حقه. فإن كان حقه دراهم، أو دنانير فأخذ عروضاً قطع لأنه ليس له أخذها. وإن كان دراهم فأخذ دراهم فأخذ دنانير، أو على العكس قيل: يقطع لأنها لا تصير قصاصاً بحقه، وإنما يقع بيعاً فلا يصح إلا بالتراضي فليس له أخذها، وقيل: لا يقطع للمجانسة بينهما من حيث الثمنية، ويقطع لو سرق حلياً من فضة ودينه دراهم.
ولو سرق من غريم أبيه، أو غريم ولده الكبير قطع لأن حق الأخذ لغيره، ولو سرق من غريم ابنه الصغير لا يقطع، لأن له حق الأخذ بالنيابة عن الصغير؟
الشافعية قالوا: إذا كان المديون المسروق منه مماطلاُ فلا يقطع به، وإن كان غير مماطل يقطع إذا سرق منه، أما إذا أخذه بقصد الاستيفاء لم يقطع، لأنه حينئذ مأذون له في أخذه، وغير جنس حقه كجنس حقه في ذلك.
إذا عاد فسرق المسروق
الحنفية قالوا: من سرق عيناً فردها، با، كانت قائمةن ثم عاد فسرقها وهي بحالها لم يقطع، وذلك لن القطع أوجب سقوط عصمة بقيت شبهة أنها ساقطة، نظراً إلى اتحاد الملك والمحل، وقيام الموجب للسقوط، وهو وانتفى السقوط بعد تحققه كان مع شبهة عدمه، فيسقط بها الحد، بخلاف ما لو سرقه غيره.
ولأن تكرر الجنابة بعد القطع نادر، والنادر وجوده لا يشرع فيه عقوبة دنيوية زارجة فأنها حينئذ تعرى عن المقصود، وهو تقليل الجناية. إذ هي قليلة بالفعل فلم تقع في محل الحاجة.
المالكية، والحنابلة، والشافعية - قالوا: من سرق شيئاً فقطع فيه ثم عاد فسرقه وهو بحاله فإنه يقطع فيه مرة ثانية، لما رواه الدارقطني من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بطريق الواقدي عنстр. 1997
الفعل، لا زاجرة لهم، فلم سنت قوانين صارمة، وأدرك هؤلاء الاشرار خطورتها، كفوا عن تعاطي هذه السموم، وهذه القوانين تقرها الشريعة الإسلامية، وتحبذها، لأن للحاكم أن يعزر بما يراه قاطعاً للجرائم، سواء كانت مقصورة على الشخص، أو تتقداه إلى المجتمع.
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ : (إذا سرق السارق فاقطعوا يده، ثم إن عاد فاقطعوا رجله اليسرى) الحديث، ولأن السرقة الثانية مثل الآولى في سببية القطع، بل أفحش لأن العود بعد الزاجر اقبح، وصار كما لو باعه المالك للسارق ثم اشتراه منه، ثم كانت السرقة فإنه يقطع اتفاقاً من غير خلاف، ولأن المتاع بعد رده على المسروق منه في حق السارق كعين أخرى في حكم الضمان، حتى لو غصبها السارق أو أتلفها كان ضامناً، فكذلك في حكم القطع، وعموم القرآن يوجب عليه القطع، ولأنه مال معصوم كامل المقدار اخذ من حرز لا شبهة فيه. وبهذه الوصاف لزمه القطع في المرة الولى، بكذلك في المرة الثانية.
هل يجتمع الغرم مع القطع
الحنفية، والحنابلة قالوا: إذا ثبتت الجناية على السارق فلا يجتمع عليه وجوب الغرم مع القطع، وإن تلف المسروق هلاكاً أو استهلاكاً فلا يضمن، فإن غرم فلا قطع، وإن قطع فلا غرم، أما إذا قطع السارق والعين قائمة في يده ردت على صاحبها، لبقائها على ملكهن من غير خلاف وللمسروق منه الخيار، فإن فاختار الغرم لم يقطع السارق، وإن اختارم القطع فلا غرامة عليه، لما رواه النسائي من حديث المسور بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (لا يغرم السارق إذا أقيم عليه الحد) ففي الحديث دليل على أن العين المسروقة إذا تلفت في د السارق لم يغرمها بعد أن وجب عليه القطع سواء أتلفها قبل القطع أو بعده، ولأن هذا القطع جزاء، والجزاء هو الكافي، فدل ذلك على أن هذا القطع كان في جناية السرقة، ولأن اجتماع حقين في حق واحد مخالف للأصول، فصار القطع بدلاً من الغرم، ولذلك إذا تكرر من السارق، سرقة ما قطع به، لم يقطع فيه مرة ثانية، لشبهة اتحا المحل، والسبب.
ولأن وجوب الضمان ينافي القطع، لأن يتملكه بعد أداء الضمان مستنداً إلى وقت الأخذ فتبين أنه أخذ ملكه، ولا قطع في ملكه، لكن القطع ثاب قطعاً، فما يؤدي إلى انتفائه فهو المنتفي والمؤدي إليه الضمان فينتفي الضمان.
المالكية قالوا: إن كان السارق موسراً وجب عليه القطع والغرم، وإن كان معسراً لم يجب عليه الضمان بل يقطع فقط. لأن له رائحة عذر لما ظهر عنده من الفاقة والحاجة، و ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾
الشافعية رحمهم الله تعالى قالوا: يجب القطع والغرم على السارق على أي حال موسراً أو معسراً لقول رسول الله ﷺ : (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) ولقوله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكمстр. 1998
رحمة الشريعة بالمفسدين
-وايضاً فقد رأينا في زمن من الأزمنة اضطراب حبل الأمن في البلاد المقدسة اضطراباً شديداً، فلما نفذ فيهم حكم الله تعالى وقطعت ايدي بعض السارقينن لم تلبث الجريمة أن اختفت، وحل محالها الأمن والطمأنينة.
على أن الذي يتأمل في المثالين المذكورين، يدرك أن شدة العقوبة، إنما هي في ظاهر المر، أما في الواقع فهي رحمة بالسارقين فاسدي الأخلاق، فإنهال قد زجرتهم فعلاً، وأوقفتهم عند حدهم، فتركوا هذه الجريمة المؤذية للمجتمع شر إيذاء.
الحواشي
(١) بالباطل﴾ وقوله ﷺ : (ولا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيبة من نفسه) ولأنه اجتمع في السرقة حقان، حق الله تعالى، وحق للآدمي فاقتضى كل من حق موجبه، ولأنه اتفقت آراء العلماء على أنه إذا كان الشيء المسروق موجوداً بعينه رد إلى صاحبه، فيكون إذا لم يوجد في ضمانه، قياساً على سائر الأموال الواجبة. ولآنه أتلف مالاً مملوكاً عدواناً فيضمن مثل الغصب ولا منافاة هنا بين هذين الحقين لنهما بسببين مختلفين أحدهما حق الله، وهو النهي عن هذه الناية الخاصة، والآخر حق الفرد فيقطع حقاً لله، ويضمن حقاً للعبد، وصار كاستهلاك صيد مملوك في الحرم، فيجب الجزاء حقاً لله تعالى، ويضمن حقاً للعبد، وكشرب خمر الذمي، فإنه يحد حقاً لله، ويغرم قيمتها حقاً للذمي، ولما روي ان النبي ﷺ سئل عن التمر المعلق فقال: (من أصاب بغية من ذي حاجة غير متخذ خبنة، فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه الغرامة والعقوبة) الحديث اهـ.
من وجد رجلاً داخل الدار
الحنفية ﵏ قالوا: لو وجد في داره أجينباً فقتله، ثم قال: إن هذا لص دخل على داري ليأخذ مالي، ولم أستطع رده إلا بقتله، ينظر في الرجل المقتول فإن كان معروفاً بالفساد واللصوصية فلا قود عليه، وكان على القاتل دفع الدية إلى اهله، وان لم يكن معروفاً بالفساد واللصوصية، فعلى القاتل القود، ولا يقبل دعولاه إلا ببينة.
المالكية، والشافعية والحنابلة ﵏ قالوا: أنه يجب على القاتل القصاص، إلا أن يأتي ببينة على صدق دعواه، ولا ينظر إلى حالة الرجل المقتول وسلوكه، وذلك حتى نقفل باب الفساد من هذا الطريق، فإنها ثغرة يلجأ إليها ضعاف الايمان لإزهاق النقوس، فربما يطلب الشخص رجلاً لعمل شيء في داره، أو لضيافته ثم يعتدي عليه ويغتالهن لودو ضغينة في نفسه، ويدعي عليه أنه دخل الدار للسرقة فقتله. وقتل المؤمن من أكبر الكبائر عند الله تعالى فيجب أن يسد كل باب يكون سبباً في إزهاق روحه.
إذا ملك المسروق قبل القطع
الحنفية قالوا: إذا قضى الحاكم على رجل بالقطع في سرقة، فوهبها له المالك، وسلمها إليه،стр. 1999
مبحث فائدة تحديد النصاب في القطع
ولعل قائلاً يقول: إن النظر إلى الجريمة في هذا الوجه يقتضي أن يد السارق تقطه، ولو سرق درهماً واحداً، فما فائدة تخصيص القطع بعشرة دراهم؟
والجواب: ان الشارع أراد أن يجعل سبب القطع مالاً له قيمة في الجملة، وهو ما يتضرر به صاحبه، فالعشرة دراهم قد تكون قوت أسرة فقيرة يومين، فاذاسرقت منها تضررت، أما ما دون ذلك، فإنه لا يودب القطع لهوانه غالباً، فإذا أفلت من القطع في هذه الحالة، فإنه لا يفلت من التعزير بالسجي، أو الضرب حتى لا يتعود.
ومثل ذلك ما إذا أراد ان يسرق فثقب المدار، أو تسور الجار، ثم منعه من السرقة مانع، فإنه يستحق في هذه الحالة عقوبة العتزير الرادعة عن العودة.
الحواشي
(١) أو باعها آياه، أو آلت إليه بإرث أو غيره، فإنه يدرأ الحد عنه ولا يقطع. وذلك لأن استيفاء الحد بالفعل من القضاء في باب الحدود، فما قبل الاستيفاء كما قبل الفضاء، ولو ملك المال المسروق قبل القضاء فلا يقطع اتفاقاً، فكذا قبل الاستيفاء، ولن المقصود من القضاء باللفظ ليس إلا إظهار الحق للمستحق، والمستحق هنا هو الله ، والحق ظاهر عنده غير مفترقر إلى الإظهار فلا حاجة إلى القضاء لفظاً، ولا يقيده سقوط الواجب عنه، إلا بالاستيفاء، وإذا كان كذلك والخصومة شرط، يشترط قيامها عند الاستيفاء كما عند القضاي، وهي منتفية بالهبة، أو البيع.
والشافعية، والحنابلة، المالكية، - قالوا: يجب القطع في هذه الحالة، لأن السرقة قد تمت انعقاداً بلا شبهة، وظهوراً عند الحاكم، وقضي عليه بالقطع، ولا شبهة في السرقة إلا لو صح اعتبار عارض الملك المتأخر متقدماً ليثبت اعتباره وقت السرقة، ولا موجب لذلك فلا يصح، فلا شبهة فيقطع ومما ينفي صحة ذلك الاعتبار ما ورد في حديث صفوان، أنه قال: يا رسول الله لم أرد هذا، ردائي عليه صدقة، فقال ﵊: (فهل قبل أن تأتي به) رواه أبو داود وأبن ماجة، زاد النسائي في روايته: (فقطع رسول الله ﷺ ، وهذا بخلاف ما لو أقر له بالسرقة بعد القضاء، فإنه لا يقطع، لأن بالإقرار يظهر الملك السابق، فينتفي القطع.
إذا نقصت قيمة السرقة قبل القطع
الحنفية قالوا: في ظاهر المذهب إذا نقصت قيمة السرقة بعد القضاء، قبل الاستيفاء، عن العشرة لا يقطع لأن كمال النصاب لما كان شرطاً، يشترط كماله عند الإمضاء والقطع، لأنه من القضاء، وهو منتف في نقصان القيمة، بخلاف نقصان العين عند الاستيفاء، لأن ما استهله مضمون عليه، فكان الثابت عتد القطع نصاباً كاملاً بعضه دين، وبعضه عين، بخلاف نقصان السعر، فإنهстр. 2000
وكذا من أقدم على السرقة، ولم تتوفر فيه الشروط التي ذكرها الفقهاء، فإن اشارع يوجب تعزيره كي لا يعود. ولعل فيما ذكرناه ما يقنع هؤلاء الذين يتخيلون شدة هذه العقوبة فيدركوا انها هي عين الرحمة للسارقين، وللمجتمع كله.
الحواشي
(١) لا يضمنه، لأنه يكون لفتور الرغبات، وذا لا يكون مضموناً على احد، فلم تكن العين قائمة حقيقة ومعنى، فلم يقطع والحديث يقول: (اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك) .
الشافعية، والمالكية، والحنابلة، - قالوا: إذا نقصت قيمة العين المسروقة بعد القضاء عن قيمة النصاب فإنه يجب القطع، اعبتاراً بالنقصان في العين، فإنه إذا كانت ذات العين ناقصة وقت الاستيفاء والباقي منها لا يساوي عشرة دراهم يقطع بالاتفاق. فكذا إذا كانت قيمتها وقت الاستيفاء كانت قيمتها وقت الاستيفاء كذلك، يجب القطع أيضاً، والله أعلم.
-
طعن الملاحدة
لقد أثار الملاحدة شبهة على حد الشرقة، وطعنوا في أحكام القرآن الكريم، وقالوا: لونفذنا حد السرقة لشوهنا نسف المجتمع، وقضينا على عدد كبير من أبناء البشرية الذين تشل حركتهم، ولرأينا جيشاً جراراًمن العاطلين والمشوهين الذين قطعت أطرافهم بحد السرقة، والرد على هذه الشبهة يسير جداً، وهو أن تقول لهم: انظروا إلى المجتمع الذي كان في عهد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وعهد الخلفاء الراشدين، والأمن الذي كان ينتشر فيه، والسعادة التي كانت ترفرف عليه حين كانوا ينفذون أحكام الشرعة بدقة من غير إهمال.
وقارنوا بينه وبين المجتمع الذي نحن فيه مع وجود المال، وانتشار الحضارة والمدنية في كل مكان. ولكن الأمن غير مستتب، والناس غير آمنين على أموالهم وأنفسهم، والفاسد قط عم كل مكان، والسرقات من الأفراد والجماعات والحكومات سراً وعلانية، بل إن العصابات تسطو على الناس في الشوارع والطرقات في الليل، ورابعة النهار، وفي الممحلات والسيارات والمركبات وذلك كله لعدم تنفيذ حدود الإسلام، والتمسك بأحكام الشريعة الغراء.
فتنفيذ حد السرقة هو العلاج الوحيد لهذه الفوضى التي نعيش فيها في هذا الزمان. كما أنهم طعنوا في أحكام الشريعة وقالوا جهلاً منهم إن اليد إذا اعتدي عليها تقوم في الدية بخمسمائة دينار من الذهب الخالص. فكيف تقطع في ثلاثة دراهم وهو مال حقير، وقد ذكروا أن ابا العلاء المعري لما قدم بغداد اشتهر عنه أنه اورد إشكالاً على الفقهاء، في جعلهم نصاب السرقة ربع دينار، ونظم في ذلك شعراً دل على جهله، وقلة عقله فقال:
يد بخمس مئين عسجد وديت * ما بالها قطعت في ربع دينار
تناقض حالنا إلا السكوت له * وأن نعوذ بمولانا من النارстр. 2001
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ولما قال ذلك واشتهر عنه تطلبه الفقهاء، فهرب منهم، وقد أجابه الناس في ذلك بأجوبة كثيرة، وكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي رحمه الله تعالى أن قال: (لما كانت أمينة كانت ثمينة، ولما خانت هانت) ومنهم من قال: هذا مت تمام الحكمة والمصلحة وأسرار السريعة العظيمة، فإن باب الجنايات ناسب أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار، لئلا يجنى عليها، إكراماً لبني آدم، وتعظيماً لمكانته، ورفعة لحرمته، وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع فيه ربع دينار، لئلا يسارع الناس في سرقة الأموال، فهذا هو عين كالحكمة عند ذوي العقول والألباب، ولهذا قال تعالى: ﴿جزاء بما كسبا نكالاً من الله، والله عزيز حكيم﴾ . أي مجازاة على صنيعهما السيء في أخذهما أموال الناس بأيديهم، فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك ﴿نكالاً من الله﴾ أي تنكيلاً من الله بهما على ارتكاب هذا الجرم الشنيع الذي لا يلجأ إليه إلا النفوس الخبيثة التي رق دينها، ونسيت مراقبة الله لها، وباعت آخرتها بدنياها، فتعدت حدود الله من غير خوف ولا وجل، وتجرأت على أكل أموال الناس بالباطل. فكان من الحكمة، أن يقسو عليها الشرع في أحكامه حتى تردع عن غيها، وترجع عن إجرامها.
﴿والله عزيز﴾ في انتقامه، لا يغالب، بل يقهر الجبارين المعتدين، ﴿حكيم﴾ في أمره' ونهيه وشرعه وقدره، وفيما يشرعه منأحكام لعباده، صيانة لمصالحهم، وحفظاً لأموالهم ,ارواحهم، وجلباً لسعادتهم في هذه الحياة وتطهيراً للمجتمع من المفسدين والعابثين، ولأن الأموال خلقت مهيأة للانتفاع بها للخلق أجمعين، ثم الحكمة الأولية حكمة فيها الاختصاص الذي هو الملك المك شرعاً، وبقيت الطماع متعلغة بها، والمال والحرز عن أكثرهم، فاذا أحرزها مالكها، فقد اجتمع فيها الصون والحرز الذي هو غاية الإمكان للإنسان، فإذا هنكا فشت الجريمة، فعظمت العقوبة، وإذا عنك احد الصورتين وهو المك. وجب الضمان والأدب، حتى يرتدع المعتدون، الذين لا يخافون الله واليوم الآخر، فلعنة الله على السارق الخائن، الذي يبذل الغالية الثمينة، في الأشياء المهينة.
قالوا: وقد بدأ الله بالسارق في هذه الآية قبل ذكر السارقة، وبدأ بذكر الزانية في آية الزنى قبل ذكر الزاني. لأن حب المال في قلوب الرجال أغلب منه في قلوب النساء فقد ذكر الرجال في السرقة، ولأن شهوة الاستمتاع باللذة على النساء أغلب منها على الرجال، فقد ذكر النساء في آية الزنى. والله أعلم.
وقد جعل الله تعالى حد السرقة قطع اليد لتناول المال بها، ولم يجعل حد الزنى قطع الذكر، مع واقعة الفاحشة به، لثلاثة معان، أحدهما: أن للسارق مثل يده التي قطعت، فإن انزجر بها اعتاض بالثانية، وقضى بها مآربه، ولكن ليس للزاني مثل ذكره، إذا قطع فلم يعتض بغيره لو انزجر بقطعه، الثاني: أن الحد زجر للمحدود وغيره، وقطع اليد في السرقة ظاهر يراه الناس بالعيان فيعتببرون به، أما قطع الذكر في الزنى، فهو باطن، فلا يراه أحد للعبرة.
الثالث: أن قطع الذكر فيه إبطال للنسل، وليس في قطع اليد إبطاله، ثم قال الله تعالى: ﴿ألمстр. 2002
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) تعلم أن الله له ملك السموات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء واللًه على كل شيء قدير﴾ فالآية خطاب للنبي ﷺ وغيره أي لا قرابة بين الله ولين أحد من خلقه توجب المحاباة، والحدود تقام على كل من يقارف موجب الحد، وله أن يحكم بما يريد، ويفعل ما يشاء، لنه مالك الملك، فيعذب من يشاء بعدله، ويغفر لمن يشاء بجوده وكرمه، وهو على كل شيء قدير، والله اعلم.
توبة السارق
اتفق الأئمة على أن السارق إذا تاب عن السرقة توبة صالحة، وظهرت أماراتها، وندم على ما سقط منه، وعزم على عدم العود إلى السرقة مرة ثانية، فإن الله تعالى يقبل توبته لقوله تعالى في الآية الثانية بعد آية السرقة: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فأن الله يتوب عليه أن الله غفور رحيم﴾ فإن الله تعالى يتجاوز عنه، ويغفر له خطيئته.
وقد روي عن الرسول ﷺ أنه قال: (التوبة تجب ما قبلها) وقال صلوات الله وسلامه عليه. (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) وإذا أقيم عليه الحد في الدنيا فإنه يكون كفارة له، ولا يعذب بهذا الذنب يوم القيامة، إذا رضي بالحد وقبله وتاب إلى ربه. قال رسول الله ﷺ : (الله أعدل أن يثني على عبده العقوبة في الآخرة) ولكن القطع لا يسقط عنه بالتوبة، وصيرورته عدلاً، ولو طال زمن التوبة والعدالة. بعد السرقة الثابتة عليه. ومحل عدم سقوط القطع عنه إذا بلغ الأمر إلى الإمام بدليل ما روى أبو داود عن صفوان بن أمية قال: كنت نائماً في المسجد على خميصة لم ثمنها ثلاثون درهماً، فجاء رجل فاختلسها مني) فأخذ الرجل فأتي به النبي ﷺ فأمر به ليقطع قال: فأتيته فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهماً؟ أنا أبيعه وأنسئه ثمنها، قال: (فهلا كان هذا قبل أن تأتي به) . فإذا لم يصل الأمر إلى الإمام، فيسقط القطع بالعفو والشفاعة، وهيئة الشيء للسارق وذلك إذا لم يكن الرجل معروفاً بالفساد، وإلا فلا تقبل الشفاعة فيه، حتى يرتدع، ويشترط في التوبة أن تكون بينة صادقة، وعزيمة صحيحة خالية من سائر الأغراض الدنيوية. حتى لا يسرق المجرمون أتكالاً على الشفاعة عند القبض عليهم.
كما قال تعالى: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح﴾ قبلها الله فيما بينه وبينه، فأما أموال الناس فلا بد من ردها اليهم كما قالل جمهور العلماء. وقد وقعت حوادث في عهد رسول الله ﷺ وتاب أصحابها توبة نصوحاً، روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ أتي بسارق قد سرق شملة، فقال: ما أخاله. سرق، فقال السارق. بلى يا رسول الله قال: (اذهبوا به فاقطعوه، ثم أحسموه، ثم أئتوني به) فقطع فأتي به فقال (تب إلى الله) فقال: (تاب الله عليك) .
وقد روى أبن ماجة من حديث أبن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن ثعلبة النصاري عن ابيه عن عمر بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس جاء إلى النبي ﷺ فقال: يارسول الله إنتي سرقت جملاً لبني فلان فطهرني، فأرسل إليهم النبي ﷺ فقالوا: إنا افتقدنا جملاً لنا فأمر بهстр. 2003
باب حد القذف
-فأما حد القذف فقد بينه اله بقوله في كتابه العزيز ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً، وأولئك هم الفاسقون﴾ آية ٤ من سورة النور (١) . الحواشي
(١) (تعريفه
الحد شرعاً، عقوبة مقدرة وجبت حقاً لله تعالى كما في عقوبة الزنا، أو وجبت حقاً لآدمي كما في حد القذف، وسميت العقوبات الشرعية حدوداً، لأن الله تعالى حدها، وقدرها، فلا يجوز لأحد أن يتجاوزها، قال تعالى: ﴿ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ .
وقيل: سميت بذلك لأن الحد في اللغة كالمنع، والحدود تمنع عن الإقدام على الفواحش،стр. 2004
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) والحكمة في وجوب حد القذف دون التساب بالكفر، لأن المسبوب بالكفر قادر على أن ينفي عنه ذلك بالنطق بالشهادتين، بخلاف المتهم بالزنان فإنه لا يقدر على نفي التهمة عنه، والرمي، وهو الإلقاء بحجر أو سهم، أو نحوهما مما يؤذي ويضر، استعير للسب، وتوجيه العيوب لما في كل من الأذى والإضرار بالناس، فخرج اللسان مخرج اليد بالسنان، بل:
جراحات السهام لها التئام * ولا يلتام ما جرح اللسان
وقد اختار الله تعالى التعبير بالرمي فذكرها ثلاث مرات في ثلاث آيات خاصة بحد القذف، فقال تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ وقال تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ وقال تعالى: روالذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات﴾ وهو من بلاغة القرآن الكريم، فإن الكلمة متى أفلتت من لسان قائلها لم يتمالك زمامها، وانطلقت لا تلوي على شيء حتى تصيب من وجهت إليه بالضرر والأذى، فهي كالسهم يرمى به فلا تعود اليد قادرة على رده، فليحتفظ من يهم بالرمي والأمر في يده، حتى لا يندم حيث لا ينفع الندم.
مبحث حكمة التشريع
إن الله لما بين في أول سورة ﴿النور﴾ ما في جريمة الزنا من عظيم الفحشن وكبير الشناعة مما لم يجتمع في جريمة أخرى، من كبير الإجرام، وتشتنيع الفعل، وأمر هذا شأنه يلحق العرض، من الرمي به ما ينكس الرأس، ويهدم الشرف، وكان من مقاصد الشرع الكريم، حفظ الأعراض، وصون الشرف لصاحبه، والاحتفاظ بالكرامة وعزة النفس، كان من متقضى حكمته جل شأنه هذا التشريع الزاجر للنفوس الجامحة، التي قد يدفها الغضب والحقد إلى أن تصيب الناس في كرامتهم، وتخدش شرفهم، وهو أعز عزيز لديهم، مستهينة بما اقترفت كما قال تعالى: ﴿إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم، وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم﴾ آية النور: ١٥.
ففرض الله لنا فيما فرض من أحكام (حد القذف) الزاجر الرادع، الكفيل بصيانة الأعراض، وحفظ الكرامة والشرف، حتى تنزجر النفوس عن الإقدام على هذا الجرم الفظيع، وليتأدب عامة المؤمنين بطلب ظن الخير بالآخرين، وعدم المسارعة إلى سوء الظن بالناس، والدعوة إلى تطهير اللسان، وصون الآداب والتحرز عن الخوض في كبريات التهم بلا علم، وتقرير بينات التهمة بحسب فظاعتها حتى لا يتخذ الناس الكيد بالاتهام الكاذب ذريعة للخدش والنكاية بلا حق. وإنك لا تجد من أنواع الجرم، ما يقدم عليه صاحبه غافلاً عن عظيم خطره إلا جرم اللسان، وكأنه سهولة حركته بطبعه. ولذة التحدث بالأمور المستغربة، وحسبان أن الطلام لا ينقص من المتكلم فيه شيئاً محسوساً يذكر، مع اعتياد الناس التساهل في القول والسماع، كل ذلك جعل الناس يستهينون به، ويحسبونه هيناً وهو ذنب عند الله عظيم، لذلك اهتم الشارع بحد القذف أعظم اهتمام، فأنزل في حد السرقة آية واحدة، وفي حد الزنا آيتين، وفي حد قطاع الطريق آية، أما حد القذف فقد أنزل فيه آيتين ثم أتبعه بنوع آخرстр. 2005
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) منه وهو (اللعان) فأنزل فيه خمس آيات، ثم أردفه بذكر حديث الافك فأنزل فيه تسع آيات، ثم أتبع ذلك كله، فأنزل أربع آيات في النهي عن قذف المحصنات الغافلات المؤمنات، إلى أن قال: (أولئك مبرؤون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم﴾ فكأن الله تعالى أنزل في حد (القذف) وأحكامه وأنواعه وبيان عقابه، وشرح الأضرار المترتبة عليه في المجتمع، والنهي عنه، والتحذير من الوقوع يه، وفظاعة الإقدام عليه، أنزل في ذلك (عشرين) آية في سورة النور.
ثم ذكر الله تعالى في ذكر هذه الآيات عقاب المجرم الذي يقذف الناسن ويهتك أعراضهم بأنه لم يستطيع إثبا البينة على قوله بأمور: أولاً: أن يجلد ثمانين جلدة. ثانياً: ترد شهادته طول حياته. ثالثاُ: يصبح من أهل الفسوق والإجرام وأصحاب الكبائر. رابعاً: يكون عند الله من الكاذبين، خامساً: أنه ملعون في الدنيا، ملعون في الآخرة، سادساً: ان له عذاباً عظيماً عند الله قد ادخره له يوم القيامة، سابعاً: تشهد عليه جوارحه زيادة في الخزي والعار على رؤوس الأشهاد. ثامناً: ان الله تعالى يوفيهم جزاء فعلهم، ويجزيهم حساب عملهم، من القدر المستحق من أنواع العذاب في نار جهنم، وقد أجمعت المة على أن القذف من أكبر الكبائر وأن حد القذف من أكبر الكبائر وأن حد القذف ثابت بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، أما الكاب فقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة ابداً. وأولئك هم الفاسقون﴾ وقوله تعالى: ﴿فإذا لم يأتوا باشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ .
والمعنى: أن من قذف مسلماً أو مسلمة، ولم ستطع إقامة البينة المطلوبة لإثبات قوله، فهو كاذب عند الله، أي حكمه في شريعة الله تعالى حكم الكاذب يقيناً، فيقام عليه حد الكاذب، وقوله تعالى: ﴿إن الذين يرمون الممحصنات الغافلات المؤمنات، لعنوا في الدنيا والآخرة، ولهم عذا بعظيم، يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانو ايعملون، يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق، ويعلمون أن الله هو الحق المبين﴾ آيات: ٢٣، ٢٤، ٢٥ من سورة النور فقد بين الله ﵎ في هذه الآيات فظاعة تلك الجريمة، وعظيم أمرها، فشنع على من وقع فيها، وشرح عظم خطرها، وبين عقوبة مرتكبها، ونهاية أمر فاعلها، ووضح شديد وعيدها، وأي وعيد أشد من اللعنة في الدنيا من الناس والملائكة، والطرد من رحمة الله تعالى ورضوانه يوم القيامة، واستحقاق العذب العظيم، وتقرير ذنبه بشهادة جوارحه عليه في الآخرة أن القاذف مطالب في الجنيا لتصديق دعواه بأربعة شهداءن، فالقاذف يوم القيامة يقوم في وجهه لتكذيبه خمسة شهود من أعضائه وجوارحه: لسانه، ويداه، ورجلاه، تنكيلاً لهن وفضيحة لشأنه، جزاء وفاقاً على محاولته فضيحة المحصنات، الغلافلات المؤمنات.
وحسبك بختم الآية الكريمة بأن الله سيوفيه جزاءه الحق، ويعلم المفتري على الناس الكذب إن لم يكن قد علم أن قوله هوة الحق المبين، وقال تعالى: ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، والله يعلم وأنتمстр. 2006
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ولا تعلمون﴾ والعذاب المتوعد به في الدنيا شامل لحد القذف وما يصيب المتعرض للأعراض غالباً، من مصائب الدهر، ولحوق المخزيات، وتسليط الألسنة على شرفه وعرضه تثير منه ما كمن، بالباطل وبالصحيح، ومن فتش عن عوراتهم فضحوه، ومن تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في قعر بيته، وكما تجين تدانن وكما تفعل تجارى، والجزاء من جنس العمل، ومن زرع الحسرة حصد الندامة.
وأما عذاب الآخرة، فهو أشد وأبقى، وإذا كان هذا من شأن الذين يحبون بقلوبهم أن تنتشر الفاحشة، وتشيع في المؤمنين، فما بالك بمن يفترها، ويروجها بنفسه؟ وأما السنة فما رواه الإمام البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى عن أبي هريرة رشي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات، الغافلات، المؤمنات) .
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من قذف مملوكه يقام عليه الحج يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال) متفق عليه. ففي الحديث دليل على أنه لا يحد المالك في الدنيا أذا قذف مملوكه، وإن كان جاخلاً تحت عموم آية القذف بناء على أنه لم يرد بالإحصان الحرية وكذلك فعل الرسول صلوات مالله وسلامه عليه، فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لما نزل عذري قام رسول الله ﷺ على المنبر، فذكر ذلك، وتلا القرآن، من قوله (ن الذين جاؤوا بالإفك) إلى آخر ثماني عشرة آية (فما نزل برجلين، وامراة فضربوا الحد) أخرجه أحمد والأربعة، وأشار أليه الإمام البخاري، والرجلان هما حان، ومسطح، وأما المرأة فهي حمنة بنت جحش فالحديث يدل على ثبوت حد القذف.
ما يبيح القذف
قال العلماء: إن القذف ينقسم الى لا محظور، ومباح، وواجب، فإذا لم يكن هناك ولد يريد نفيه فلا يجب وهل يباح أم لا؟ ينظر، وإن رآها بعينه تزني، أو أقرت هي على نفسها ووقع في قلبه صدقها، أو سمع ممن يثق بقوله أو لم يسمع، ولكنه استفاض فيما بين الناس ان فلاناً يزني بفلانة، وقد شاهده الزوح يخرج من بينها، أو رآها معه في بيت، فإنه يباح له القذف في مثل هذه الحالات لتأكد التهمة، ويجوز أن يمسكها، ويستر عليها إن تابت، أما إذا سمع الخبر ممن لا يوثق بقوله، أو استفاض من بين الناس، ولكن الزوج لم يره معها في خلوة، أو بالعكس لم يحل له قذفها، ولكن يجب عليه مراقبتها والتجسس عليها حتى يثبت له صدق الخبر، أو كذبه، حتى لا يكون (ديوثا) يقر الزنا في أهل بيته.
أما إذا كان ثم ولد يرد نفيه، نظر: فإن تيقن أنه ليس منه، بأن لم يكن وطئها الزوج، أو وطئهاстр. 2007
والقذف هو عبارة عن أن يتهم شخص آخر بالزنا صريحاً، كأن يقول: أنت زان، أو دلالة، كأن ينسب شخص آخر إلى غير أبيه، فمن صدر منه ذلك كان جزاءه أن يجلد ثمانين جلدة، ما لم يأت بأربعة شهداء يشهدون بأنهم رأوا، بأعينهم المتهم يزني في امرأة لا تحل له (١) . الحواشي
(١) (تعريفه شرعاً
القذف في اللغة الرمي، وفي اصطلاح الفقهاء: نسبة من أحصن إلى الزنا صريحاً أو دلالة وإنما سمي اتهام المسلم المحصن قذفاً، لأن الناطق بهذه الكلمة كالفاحشة (الزنا) يقذفها كما يقذف الحجر في حالة غضب لا يدري من أصابته في طريقها من محصنة بريئة، وأبيها، وأمها، وأختها، وأخيها، وزوجها، وبينها، وعشيرتها، وذويها، كل أولئك قد نالهم ضرر من قذيفته الطائشة، وهو ضاحك مسرور غافل لا يدري من آلام هؤلاء شيئاً، ويسمى (فرية) لأنه من الافتراء والكذب.
وقد وصف الله تعالى النساء بهذه الأوصاف الحميدة التي تناسب هذا المقام، فالمحصنات هن المصونات كأنه جعل عليهن حصن منيع، والغافلات: أي الخاليات الذهن عن التفكير في المنكر فضلاً عن التوجه إليه والمؤمنات اللاتي آمن بالقران الكريم، وأحكامه، والتزمن حدود الإمان.
واسم الإحصان يقع على المتزوجة، وعلى العفيفة وإن لم تتزوج لقوله تعالى في مريم: ﴿والتي أحصنت فرجها﴾ وهو مأخوذ منع الفرج، فإذا تزوجت منعته إلا من زوجها، وغير المتزوجة تمنعه على كل أحد.
وقد أتفق الأئمة ﵏: على أن الحر البالغ، العاقل، المسلم، المختار، إذا قذف حراً عاقلاً، بالغاً، مسلماً، عفيفاً، لم يحمد في زنا، في سالف الزمان، أو قذف حرة، بالغة، عاقلة، مسلمة، عفيفة، غير متلاعنة، لم تحد في زنا، مطيقة للوطء، قذفها بصريح الزنا، أو كنايته، في غير دار الحرب، وطلب المقذوف بنفسه إقامة حد القذف لزمه ثمانون جلدة، إذا لم يستطع، إقامة البينة، لإثبات ما قاله، بأربعة شهداء عدول.стр. 2008
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وإنما اعتبروا الإسلام شرطاً في الإحصان لقوله ﷺ : (من أشرك بالله فليس بمحصن) ، واعتبروا العقل، والبلوغ، لقوله ﷺ : (رفع القلم عن ثلاث) واعتبروا الحرية، لأن العبد ناقص الدرجة، فلا يعظم عليه التعيير بالزنا، واعتبروا العفة عن الزنا، لأن الحد مشروع لتكذيب القاذف، فإذا كان المقذوف زانياً، فالقاذف صاق في القذف، وكذلك إن كان المقذوف وطىء امرأة بشبهة، أو نكاح فاسد، لآن فيه شبهة الزنا، كما فيه شبهة الحل، فكما إن احجى الشبهتين اسقطتت الحد عن الواطىء، فكذا الأخرى تسقطه عن قاذفه أيضاً، واعتبروا الاختيار، لأن المكره، لا يقام عليه الحد، بل يرفع عنه العقاب واعتبروا بها، من شروط المحصن، ان لا يحد في زنا في سالف الزمان، حتى يكون محصناً ظاهراً.
فلو زنا في عنفوان شبابه مرة، ثم تاب، وحسن حاله، وشاخ في الصلاح لا يحد قاذفه، وكذلك لو زنا كافر، أو رقيق، ثم أسلم، وعتق، وصلح حاله فقذفه قاذف لاحد عليه، بخلاف ما لوزنا في حال صغره، أو جنونه، ثم بلغ، أو أفاق فقذفه يحد، لأن فعل الصبي والمجنون لا يكون زنا، ولو قذف عنيناً أو مجبوباً، أو رتقاء أو صغيرة لا تطيق فلا حد عليه، ولو قذف محصناً فقبل ان يحد القاذف زنا المقذوف، سقط الحد عن قاذفه، لأن صدور الزنا يورث ريبة في حاله فيما مضى، لأن الله تعالى كريم لا يهتك ستر عبده في أول ما يرتكب المعصية. فبظهوره يعلم أنه كان متصفاً به من قبل روي أن رجلاً زنا في عهد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فقال الرجل: والله ما زنيت إلا هذه، فقال له عمر: كذبت إن الله لا يفضح عبده في أول مرة.
واتفق الأئمة على أن القذف الذي يجب به الحد هو أن يرمي القاذف المقذوف بالزنا أو اللواط، أو ينفيه عن نسبه، إذا كانت أمه حرة مسلمة، بصريح القول دون سائر المعاصي. وذلك لأن القذف بالزنا فيه من العار بدناءة النفس، وهتك الستر، وافتضاح السوءات، وانتهاك الحرمات، والدلالة على عدم الغيرة، الذي هو من سمات أخس الحيوانات، ما قرف به كل الموبقات، فإن كان المرمي به امرأة كان فيه من جلب العار على قومها، ما يؤدي إلى سفك الدماء. وقلما يغسل ذلك العار إلا بسفك الدماء، وإن كان المرمي به رجلاً، كان فيه الدلالة على أنه ليس للعرض في نظره كرامة، ولا للغيرة على نفسه سلطان، وكان أمارة على أنه لو أصيب بما أصاب به الناس لاعتبره أمراً عادياً، لاتثور للغيرة له نفسه، ولا يغلي له دمه، ولذلك قيل: لا يزني الغيور وكفى بهذا عاراً، وعيباً يلحق الأبناء، والأحفاد، وتبقى سيرته طوال الحقاب.
وقد أجمع الفقهاء على أن المراد بالرمي هنا في الآية الكريمة إنما هو الرمي بالزنا خاصة دون الرمي بالجرائم الأخرى. لعدة قرائن منها مجيء الآية بعد آية الزنا، ومنها التعبير بالمحصنات وهن العفائف، فدل ذلك على أن المراد بالرمي، ورميهن بضد الفقاف. ونها قوله: ﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ يعني على صحة ما رموهن به، ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا فيстр. 2009
لا فرق بين أن يكون القاذف والمقذوف، رجلاً أو امرأة، وإنما خص الله المقذوف من النساء بالذكر، حيث عبر المحصنات، لأن ضرر الزنا يتعدى المرأة إلى أسرتها فقذفها يصيبهم به معرة شديدة، بخلاف الرجل.
وكذلك خص الله القاذف من الرجال بالذكر حيث قال تعالى: ﴿والذين يرمون﴾ لأن النساء يغلب عليهن الحياء عادة، فلا يقذفن الرجال بالزنا.
وقد بينت السنة أنه لا فرق بين الرجال، والنساء في القذف، كما بينت الشروط اللازمة الاقامة حد القذف، من عقل، وحرية إلى آخر ما هو مبين في كتب الفقه.
الحواشي
(١) الزنا، ومنها انعقاد الإجماع على أنه لا يجب الجلد بالرمي بغير الزنان فيجب أن يكون المراد بالرمي، في الآية، هو الرمي بالزنا خاصة، من بين سائر العيوب.
واتفق الفقهاء: على أنه لا يقام حد القذف على القاذف إلا إذا طلب المقذوف بنفسه إقامة حد القذف على قاذه. لآنه حقه من حيث دفع العار الذي لحقه، فلو عفا عنه وتركه، ولم يطلب إقامة الحد عليه، فلا يقام الحد عليه.
ألفاظ القذف
ألفاظ القذف تنقسم إلى ثلاثة أقسام، صريح، وكناية، وتعريض.
واتفق الفقهاء على أن الحد يقام بالقذف باللفظ الصريح، كأن يقول: يا زانية، أو زنيت، أو زنى قبلك، أو دبرك، ولو قال: زنى بدنك فيه وجهان، أحدهما كناية كقوله: زنت يدك، لأن حقيقة الزنا من الفرج، فلا يكون من سائر البدن إلا المعونة، والثاني: وهو الأصح أنه صريح لأن الفعل إنما يصدر من جملة البدن، والفرج آلة في الفعل وأما الكنايات فمثل أن يقول: يا فاسقة، يا فاجرة، يا خبيثة، يا مؤاجرة، يا ابنة الحرام، أو امرأتي لا ترد يد لامس، وبالعكس فهذا لا يكون قذفاً فلا يحد إلا أن يريده. فإن قال: لم أقصد به القذف بالزنا، وكذبه المقذوف، فالقول قوله مع يمينه، ويجب على الأمام أن يعزره بما يراه، لأنه قد آذاه بذلك وألحق به الشينن ولأن الحدود لا تثبت بالقياس أما التعريض فقد اختلف فيه الفقهاء رحمهم الله تعالى.
الحنفية، والشافعية في أحد آرائهم قالوا: لا يجب الحد في التعريض وإن نوى القذف، وذلك مثل أن يقول: يا أبن الحلال، أما فما زنيت أنا معروف النسب ليست أمي زانية ابحث عن أصلك، أنا عفيف الفرج لأن التعريض بالقذف محتمل للقذف وغيره فرجب أن لا يحد لأن الصل براءة الذمة فلا يرجع عنه بالشك وإنما يجب عليه التعزير فقط، لأن قذف غير المعين لا يحصل به كبير أذى للناس، لأن كل واحد يقول المراد بذل غيري، ولأن الاحتمال الذي في الاسم المستعار شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.стр. 2010
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) المالكية قالوا: يجب إقامة الحد في التعريض مطلقاً، نوى به القذف، أو لم يقو، وذلك لأنه لا يخلو من قصد احد بذلك في نفسه، فنأخذ له حقه منه، وإن كنا لانعلم ذاته. تطهيراً لذلك القاذف من هذه العادة وتربية لنفسه الخبيثة، وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ يضرب الحد في التعريض روي أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال أحدهما للآخر: والله ما أنا بزان، ولا أمي بزانية، فاستشار عمر الناس في ذلك فقال قائل مدح أباه وأمه، وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا، فجلده ثمانين جلدة. ولأن الكناية قد تقوم بعرف العادة مقام النص الصريح، وإن كان اللفظ فيها مستعملاً في غير موضعه، والتعريض خاص بالأكابر من أهل الدنيا، الذين يراعون ناموسهم عند الخلق.
الشافعية في الرأي الثاني، والحنابلة في إحدى روايتهم قالوا: إن نوى بالتعويض القذف، وفسره به وجب إقامة حد القذف عليه، وإن لم ينو لا حد عليه، والقول قوله مع يمينه.
الحنابلة، في روايتهم الثانية قالوا: يجب الحد على الإطلاق، نوى أو لم ينون خصوصاً إذا كان في حالة غضب وثورة، لنها قرينة تفيد أنه يقصد إهانته، وإلحاق العار بالمقذوف.
عدم قبول شهادته
اتفق الأئمة على أن القاذف لا تقبل شهادته بعد إقامة الحد عليه، لأن الشارع قد رتب على قذف المحصن أو المحصنة ثلاثة أشياء، الجلد ثمانين جلدة، ورد الشهادة أبداً، والحكم عليه بالفسق، حيث قال تعالى: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً، وأولئك هم الفاسقون﴾ أما الجلد فللزجر، ولمقابلة الإيذاء بالإيذاء، وأما رد الهشادة فهي عقوبة لسانية تشبه قطع يد السارق، فكأنه روعي أن جزاء هذا اللسان الذي اقترف ذلك الإثم العظيم، أن يهدر ويقطع أثره، فلا يعتد بما يقوله، ويشهد به فيما بين الناس، فهو العدم سواء، وأما تفسيقه فهو مبالغة في الزجر، وإشارة إلى أن ما لقي من جزاء في الدنيا من الحد ورد الشهادة لم يعفه من اعتباره فاسقاً خارا"ً عن أمر ربه وطاعته ﵎، وناهيك بهذه الجزاءات دلالة على عظم الخطب، وشدة الخطر، وإذا كان هذا في الرمي بالزنا والاتهام به، فكيف يكون حال مقترف هذا الجرم الفاحش الشنيع؟ فهذا الحكم مع دلالته على ما سبق له، يدل دلالة بالغة على تفظيع جرم تلك الفاحشة، وتشنيع أمرها، وعناية الشارع بالتنزيه عنها، والتنفير منها، حتى يتطهر المجتمتع من آثامها، وإذا حد الكافر في قذف لم تجز شهادته على أهل الذمة، فترد تتمة لحده.
إذا كانت أم المقذوف كافرة أو أمة
المالكية قالوا: يجب إقامة الحمد على القاذف، سواء كانت أم المقذوف حرة، أو أمة، مسلمة أو كافرة، لعموم لفظ الآية أو كان أبو المقذوف الحر المسلم عبداً، أو كافراً، على الراجح من المذهب.стр. 2011
على أن الآية الكريمة قد أشارت إلى أهم شرط من هذه الشوط، وهو أن يكون المقذوف محصناً، ذكراً كان، أو أنثى، ومعنى إحصانه هنا، أن لا يكون قد ارتكب جريمة الزنا قبل قذفه، أو بعده قبل إقامة الحد، فإن ثبت عليه ذلك، فإنه لا يكون محصناً، ويسقط الحد عن القاذف.
الحواشي
(١) الحنفية، والشافعية قالوا: لا يجب إقامة الحد على القاذف إذا كانت أم المقذوف أمة، أو كانت كتابية، ويحد إذا كان أبو المقذوف الحر المسلم عبداً، أو كافراً، أو كان القاذف كافراً والعياذ بالله تعالى.
قبول شهادته قبل إقامة الحد عليه
الشافعية والليث بن سعد قالوا: إذا وجب الحد على شخص بطلب شهادته ولزمه صفة الفسق قبل إقامة الحد عليه، لأن الله تعالى رتب على القذف مع عدم الإتيان بالشهداء الأربعة اموراً ثلاثة معظوفاً بعضها على بعض بحرف الواو، وهو لا يقتضي الترتيب، فوجب أن لا يكون بعضها مرتباً على البعض، فوجب أن لا يكون رد الشهادة مرتباً على إقامة الحد، بل يجب أن يثبت رد الشهادة سواء أقيم الحد عليه أم لا اهـ.
الحنفية، والمالكية قالوا: إذا ثبت حد القذف على شخص، فإن شهادته تكون مقبول ما لم يحد، فلا يتسم بسمة الفسق ما لم يقع به الحد، لأنه لو لزمته سمة الفسق لما جازت شهادته، إذ كانت سمة الفسق مبطلة لشهادة من وسم بها.
وذلك لأن ظاهر الاية يقتضي ترتب وجوب الحد على مجموع القذف، والعجز عن إقامة الشهادة، فلو علقنا هذا الاحكم على القذف وحده، قدح ذلك في كونه معلقاً على الأمرين. ويذلك بخلاف زاهر الآية، وايضاً فوجوب الجلد حكم مرتب على مجموع أمرين فوجب أن لا يحصل بمجرد حصول أحدهما.
واتفق الأئمة على أن الحر لا يجلد في قذف عبده، لآنه ملك يمينه، فلا يعاقب بقذفه.
إذا قذف العبد حراً
اتفق الأئمة على أن العبد إذا قذف حراً يجلد اربعين جلدة نصف حد الحر، ذكراً، أو أنثى. وذلك لما رواه الثوري عن جعفر بن محمد عن ابيه أن علياً ﵇ قال: (يجلد العبد في القذف أربعين) وعن عبد الله بن عمر ﵁ أنه قال: (أدركت أبا بكر وعمر، وعثمان، ومن بعدهم من الخلفاء وكلهم يضربون المملوك في القذف أربعين) ولان جميع حدود الأحرار تنشطر بالرق.
ولأن الله قال: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ فنص على أن حد الأمة في الزنا نصف حد الحرة، ثم قاسوا العبد على الأمة، في تنصيف حد الزنا، ثم قاسوا تنصيف حد قذف العبد على تنصيف حد الزنا، في حقه، فرجع حاصل الأمر إلىстр. 2012
ومن أتى امرأة بعقد فاسد، كأن تزوجها بغير شهود. أو أتى امرأة وهي نائمة ظناً منه أنها زوجته، وهي ليست كذلك، فإن حد الزنا يسقط عنه بهذه الشبهة، ولكن هل يرفع عنه فعله الاحصان، بحيث لو قذفه شخص بالزنا لا يجلد ثمانين جلدة؟ أو لا يزال محصناً يُحَدُّ قاذفه؟ خلاف بين العلماء.
فبعضهم يرى أن اقدام على هذا الفعل بدون حيطة يرفع الإحصان.
وبعضهم يقول: لا يرفع عن الإحصان إلا الزنا الموجب للحد، فهذا هو حد القذف.
الحواشي
(١) تخصيص عموم الكتاب، بهذا القياس، والعبرة بحال القذف ولو تحرر بعد القذف وقبل إقامة الحد عليه، لأنه كان رقيقاً في حال القذف.
لو قال له: يا فارسي
المالكية قالوا: لو قال لعربي، يا نبطي، أو يا رومي، أو يا بربري أو قال لفارسي: يا رومي، أو قال لرومي: يا فارسي ولم يكن في آبائه من هذه صفته فعليه الحد لأنه قذف في حقفه. ويلحقه به العار، لما فيه من رائحة الطعن في نسبه، وذلك لسد باب الأذى جملة، أو قال له أنا عفيف الفرج.
الحنفية والشافعية، والحنابة رحمهم الله تعالى قالوا: أنه لو قال له هذه الألفاظ فلا يجب عليه الحد، لندرة فهم القذف بالزنا من مثل ذلك اللفظ، والنادر لا حكم له غالباً، ولأنه يراج به التشبيه في الخلاق.
ولو قال لامرأة زنيت بحمار، أو ببعير، أو بثور فلا حد عليه، لأن الزنا ايلاج رجل ذكره في فرج الأنثى وما ذكره لا يعقل، ولو قال لها زنيت بناقة أو بقرة، أو ثوب، أو جرهم فإنه يقام عليه الحد إذا لم يأت بالبينة.
وذلك لأن معناه أنها زنت واخذت البدل، أو الجر من الزاني، ولو قال هذا الرجل فاسق، أو مخنث لا يحد، ولو قال لها: زنيت وأنت صغيرة أو جامعك فلان جماعاً حراماً، لا يجب عليه الحد، لعدم الصراحة في القول، إذ الجماع الحرام يكون بنكاح فاسد، ولا بقوله: أشهد في رجل بأنك زان، لأنه حال لقذف غيره، ومن قال لآخر يا زاني فقالك لاب أنت، فإنهما يحدان أذا طالب كل منهما الآخر، وأثبت ما طالب به عند الحاكم، لزمه حيئذ حق الله تعالى، وهو الحد، فلا يتمكن واحد منهما من إسقاطه فيحد كل واحد منهما، بخلاف ما إذا قا له مثلاً: يا خبيثن فقال له: بل أنت الخبيث تكافآ ولا يعزر كل منهما للآخر، لأن التعزير لحق الآدمي، وقد وجب له عليه ما وجب للآخر، فتساقطا.
ومن قال لمسلم: يا فاسق، أو يا خبيث، أو يا كافر، أو يا سارق، أو يا مخنث أو يا قاتل النفس، أو يا فاجرن أو يا تارك الصلاة، وغير ذلك من قذفه بعيوب غير الزنان فلا يقام عليه الحد في كل هذهстр. 2013
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الألفاظ، وإنما يعزره الحاكم، بما يراه تأديباً له وزجراً، من الضرب، والسجن، والتأنيب، وخلافه. لأن هذه اللفاظ لا تلحق من العار والمهانة كما يلحقه من القذف بالزنا، أو بنفي النسب.
الإقرار بالقذف
اتفق الأئمة على أنه لو أقر بالقذف، قبل قوله، ويقام عليه الحد، فإن رجع في إقراره قبل إقامة الحد عليه، فلا يقبل رجوعة، لأن للمقذوف حقاَ فيكذبه في الرجوع، بخلاف ماهو خاص بحق الله تعالى لأنه لا مكذب له فيه، فيقبل رجوعة.
وقيل لا يقبل رجوعه، لأنه ألحق الشين والعار بالغيرن وشوه سمعته، ويريد أن يبطل حق الغير في إقامة الحق ورد شرفه أما المجتمع ورفع العار عنه.
إذا أتى القاذف بالشهود
اتفق العلماء على القاذف إذا أتى بأربعة من الشهود العدول من الرجال العقلاء، يشهدون عليها بمارماها، لا يقام عليه الحدن ولا يعتبر قاذفاً ويثبت الزنا، لأنه صادق في قوله ويقام الحد على الزانيةن إذا تمت الشهادة عليها بشروطها كما سبق ذلك فيعتبر شاهداً.
مبحث كيفية الشهادة
اتفق الأئمة على أن الشهادة على الزنا لا تثبت إلا بأربعة شهداء بقوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ وقال تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ وقوله تعالى: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء﴾ وبما روي عن سعد بن عبادة ﵁ أنه قال: (يا رسول الله أرايت إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة شهداء. قال: نعم) وإنما اشترطوا أربعة شهود لأنه فعل يغمض الاطلاع عليه، فاحتيط فيه باشتراط الأربعة ولأنه يمس الكرامة والشرف فوجب الاحتياط والقة في إثباته بخلاف الباقي فإذا شهدوا على فعل الزنا أمام القضي يجب عليهم أن يذكروا الزاني ومن زنا بها؟ فأنه قدر يراه على جارية فيظن أنها أجنبية ويجب أن يشهدوا أنا رأينا ذكره يدخل في فرجها دخول الميل في المكحلة، فلو شهدوا مطلقاً أنه زنى لا يثبت، لأنهم ريما يرون المفاخذة زنا بخلاف ما لو قذف إنساناً فاعترف وقال: زنيت يجب الحد ولا يستفسر عن ذلك، ولو أقر على نفسه بالزنا هل يشترط أن يستفسر؟ فيه وجهان (أحدهما) نعم كالشهود (والثاني) لا يجب كما في الإقرار بالقذف.
الشافعية قالوا: لا فرق بين أن يجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين، لأن الإتيان بأربعة شهداء قدر مشترك بين الإتيان بهم مجتمعين أو متفرقين، واللفظ الدال على ما به الاشتراك لا إشعار له بما به الامتيازن فالآتي بهم متفرقين يكون عاملاً بالنص، فوجب أن يخرج عن العهدة ولأن كل حكم يثبت بشهادة الشهود إذا جاؤوا مجتمعين يثبت إذا جاؤوا متفرقين كسائر الأحكام، بل هنا أولى لأنهم إذاстр. 2014
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) جاؤوا متفرقين كان أبعد عن التهمة، وعن أن يتلقن بعضهم من بعض، فلذلك قلنا إذا وقعت ريبة للقاضي في شهادة الشهود فرقهم ليظهر على عورة إن كانت في شهادتهم ولآنه لا يشترط أن يشهدوا معاً في حالة واحدة، بل إذا اجتمعوا عند القاضي وكان يقدم واحداً بعد لآخر ويشهد فإنه تقبل شهادتهم، فكذا إذا اجتمعوا على بابه ثم كان يدخل واحد بعد واحد.
الحنفية قالوا: إذا شهد الشهداء متفرقين فلا تقبل شهادتهم ويجب عليهم حد القذف، لأن الشاهد الواحد لما شهد فقد قذفه ولم يأت بأربعة شهداء فوجب عليه الحد لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا برابعة شهداء فاجلودهم ثماني جلدة﴾ وأقصى ما في الباب أنهم عبروا عن ذلك القذف بلفظ الشهادة وذلك لا عبرة به لأنه يؤدي إلى إسقاط حد القذف رأساً، لأن كل قاذف لا يعجزه لقظ الشهادة، فيجعل ذلك وسلة إلى إساقط الحد عن نفسه وحصل مقصوده من قذف الأبرياءء الغافلين.
مبحث إذا قل الشهود عن أربعة
المالكية قالوا: إذا كان الشهداء أقل من أربعة أعتبروا قذفة، ويقام عليهم حد القذف، ويجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة، كما ورد في الآية الكريمة: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ .
الحنفية، والحنابلة، والشافعية في بعض أقوالهم قالوا: إذا كان الشهود أقل من أربعة فلا يعتبرون قذفة، ولا يقم عليهم حد القذف، لآنهم جاؤوا شاهدين، لا قاذفين، فلا ذنب لهم، ويسد باب الشهادة على الزنا.
الشافعية في قولهم الثاني قالوا: لو شهد في مجلس الحالكم دون أربعة من الرجال بزنا أحد الناس يقام عليهم الحد في الأظهر منمن المذهب. وذلك لآن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أقام الحد على الثلاثة الذي شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا ﵁، كما ذكره البخاري ﵀ في صحيحه. ولم يخالفة أحد من الصحابة رضوان الله عليهم، ولئلا يتخذ الناس صورة الشهادة ذريعة إلى الوقيعة في اعراض الناس، ولا يقام عليهم الحد، فهو من باب سد الذرائع.
ومحل الخلاف إذا شهدوا في مجلس القاضي، أما لو شهدوا في غير مجلسه فهم قاذفون جزماً وإن كانوا بلفظ الشهادة، لأنه تبين أنهم لا يقصدون أداء الشهادة، بل القذف والتشهير.
مبحث إذا جاء القاذف بشهود فسقة
الحنفية قالوا: إذا قذف رجلاً آخر، فجاء بأربعة فساق شهداء على المقذوف بالزنا فإنه يسقط الحد عن القاذف، ولا يقام الحد على الشهداء، وذلك لقوله تعالى: ﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ وهذا قد أتى بأربعة شهداء، فلا يلزمه الحد، بالآية. ولأن الفاسق من أهل الشهادة، وقدстр. 2015
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وجدت شرائط شهادة الزنا، من اجتماعهم عند القاضي، إلا أنهم لم تقبل شهادتهم لجل التهمة، فكما اعتبرنا التهمة في نفي الحد عن المشهود عليه، فكذلك وجب أعبتارها في نفي الحد عنهم.
الشافعية في أحد اقوالهم قالوا: يقام الحد على لاشهود لأنهم غير موصوفين، بالشرائط المعتبرة في قبول الشهادة، فخرجوا عن أن يكونوا شاهدين، فبقوا محض قاذفين، وقيل في قول آخر: إنه لا يقام عليهم الحد كمذهب الحنفية.
واتفق الأئمة: على أن حد القذف يثبت بإقراره مرة واحدة، وبشهادة رجلين، وقيل: بامرأة مرتين.
واتفقوا: على أن حد القذف لا يبطل بالتقادم والرجوع لتعلق حق العبد به فيكذبه في الرجوع.
صيغة المبالغة
الحنفية قالوا: من قال لرجل يا زانية، بتار التأنيث فلا يعد قاذفاً ولا يقام عليه الحد، لأنه رماه بمايستحيل منه، كما لو قذف مقطوع الذكر، أو اماة رتقاء فإنه لا يحد. ولا يحد في قذف الأخرس لاحتمال أن يصدقه في قوله لو نطق، وفي الولين كذبه ثابت بيقين فانتفى إلحاق الشين إلا بنفسه وكذا لو قال له: أنت أزنى من فلان، أو أنت أزنى الناس، أو أزنى الزناة، لأن أفعل في مثل يستعمل للترجيح في العلم، فكأنه قا: أنت أعلم به، فلا حد عليه لهذه الشبهة. ولو قال لامرأة، يا زاني وجب عليه الحدن لأن الترجيح شائع.
الشافعية قالوا: لو قال لرجل: يا زانية يحد، لأن قذفه على المبالغةن فإن التاء تزاد له، كما في لفظ علامة، ونسابة، ولا يحد إذا قذف المجبوب، أو الرتقاء، أو الخنثى المشكل إلا إذا رماه بأنه أتي من دبرهن فإنه يعد قاذفاً، ويقام عليه الحد، لأنه يلحقه شين مثل الزنا.
المالكية قالوا: لا يحد من رمى مقطوع الذكر، أو العنين، أو التي في فرجها عظم، لأنه ظهر كذبه في الواقع، ولا يلحقهم شين بهذا القول، لاستحالة الزنا من هؤلاءن ويقام الحد عليه إذا رمى واحداً من هؤلاء بأنه أتي في دبره، وكذلك المخنث والمشكل. لآن المالكية قالو: يزاد في شروط المقذوف السابقة المتفق عليها في القذف بالزنا، أربعة:
-١ - البلوغ في الذكر الفاعل.
-٢ - والإطاقة في الأنثى، والذكر المفعول به.
-٣ - والعقل، والعفة.
-٤ - والآلة، ولو قال له: أنا عفيف الفرج فعليه الحد، أما إذا لم يرد (الفرج) فلا حد عليه بل يؤدب، لأن العفة تكون في الفرج وغيره كالمطعم، ولو قال لها: يا محبة، أو يافاجرة، أو ياعاهرة، أو يا صبية، لأنه يدل عرفاً على الزنا فيحد، ولو قال له: يا علق بكسر العين، أو يا مخنث وجب إقامةстр. 2016
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الحد عليه، لأنهما يدلان على أنه مفعول به، فيحد قائل ذلك، حيث كان المقذوف مطيقاً للجماع، وطالب المقذوف بإقامة حد القذف على قاذفه.
مبحث إذا قذف شخصاً مراراً
اتفق الأئمة رحمهم الله تعالى على أنه إن قذف شخصاً واحداً مراراً كثيرة، في ملجس واحد، أو في مجالس مختلفة، وسواء كان القذف بكلمة واحدة، أو بكلمات، لواحد أو لجماعة. فلا يتكرر الجلد بتكرر القذف، بل يجب عليه حد واحد، ولو قذف قذفين لواحد فحد واحد أيضاً إلا أن يكرر القذف بعد إقامة الحد فإنه يعاد عليه الحد، ولو لم يصرح باللفظ، بأن قال بعد الحد، والله ما كذبت، أو لقد صدقت فيما قلت أو غير ذلك من الألفاظ التي تدل على الاتهما بجريمة الزنا، لأنه تعتبر حداً جديداً بعد الحد الول.
واتقوا على أنه إن - قذف واحداً، حد، ثم إن قذفه ثانية حد حداً ثانياً، وإن عاد وقذفه ثالثة حد أيضاً مرة ثالثة وهكذا.
مبحث إذا قذف جماعة
الحنفية، والمالكية قالوا: إن قذف جماعة في مجلس، أو مجالس مختلفة، بكلمة أو كلمات، مجتمعين أو متفرقين فعليه حد واحد، فإن قام بأحدهم وضرب له كان ذلك بكل قذف كان عليه ولا حد لمن قام منهم بعد ذلك، فإن الحد يجري في التداخل.
واحتجوا على ذلك بالقرآن الكريم فإن الله تعالى قال: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ والمعنى أن كل واحد يرمي المحصنات وجب عليه الجلد، وذلك يقتضي أن قاذف الجماهة من المحصنات لا يجلد أكثر من ثمانين جلدة، فمن أوجب على قاذف جماعة المحصنات أكثر من حد واحد فقد خالف الآية الكريمة.
وأما السنة، فما روى عكرمة عن أبن عباس ﵄: (أن هلال بن امية قذف امرأته عند النبي ﷺ ، بشريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ : (إما البينة أو حد في ظهرك) لم يوجب النبي ﷺ على هلال إلا حداً واحداً مع قذفه لامرأته وقذفه لشريك بن سحماء إلى أن نزلت آية اللعان، فأقيم اللعان على الزوجات مقام الحد في الأجنبيات، وأما القياس،، فهو أن سائر ما يوجب الحد إذا وجد فيه مراراً لم يجب إلا حد كحد واحد كمن زنى مراراً، أو شرب الخمر مراراً أو سرق مراراً قبل إقامة الحد عليه، فيكفي حد واحد، والمعنى الجامع من إقامة الحد هو دفع الضرر، وقد حصل فإن قام بأحدهم وضرب له كان ذلك بكل قذف كان عليه، ولا حد لمن قام منهم بعد ذلك. ولو قال كلكم زان إلا واحداً يجب عليه الحد لأن القذف فيه موجب للحد، فكان لكل واحد أن يدعي.
الشافعية في أحد آرائهم قالوا: إنه يحد لكل واحد حداً على انفراد لاختلاف المقذوف. ولأن قوله تعالى في الآية الكريمة ﴿والذين﴾ صيغة جمع وقوله: ﴿المحصنات﴾ صيغة الجمع أيضاً،стр. 2017
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) والجمع إذا قوبل بالجمع يقابل (الفرد بالفرد) فيصير المعنى، كل من رمى محصناً واحداً، وجب عليه الحد وتمسك أيضاً بقول تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ فإن الآية تدل على ترتيب الجلد على رمي المحصن من حيث أن هذا المسمى يوجب الجلد، وإذا ثبت هذا فنقول: إذا قذف واحداً صار ذلك القذف موجباً للجلد، فإذا قذف الثاني وجب أن يكون القذف موجباً للحد أيضاً ثم موجب القذف الثاني لا يجوز أن يكون هو الموجب للحد الأول. لأن ذلك قد وجب بالقذف الول، وإيجاب الواجب محال فوجب أن يكون بالقذف الثاني حداً ثانياً، وأما القياس فإن حد القذف حق الآدمي، بدليل أنه لا حد إلا بمطالبة المقذوف.
وقوق الآدمي لا تتداخل بخلاف حد الزنا، فإنه حق لله تعالى، هذا كله إذا قذف جماعة كل واحد منهم بكلمة على حدة. أما إذا قذفهم بكلمة على حدة. أما إذا قذفهم بكلمة واحدة فقال: أنتم زناة، أو زنيتم ففيه قولان: (أصحهما) وهو قوله في الجديد يجب لكل واحد حد كالم لأنه من حقوق العباد فلا يتداخل، ولأنه أدخل على كل واحد منهم معرة فصار كما لو قذفهم بكلمات، وفي القديم لا يجب للكل إلا حد واحد، اعتباراً باللفظ، فإن اللفظ واحد والأول أصح لأنه أوفق لمفهوم الآية فعلى هذا لو قال لرجل: يا أبن الزانيين يكون قذفاً لأبويه بكلو واحدة فيجب عليه حدان.
الحنابلة في أظهر روايتهم قالوا: إن قازفهم بكلمة واحدة يتم عليه حد واحد وإن قذفهم بكلمات فيجعل لكل واحد حد.
والثاني من روايتهم: أنهم قالوا: إن طلبوه متفرقين حد لكل واحد منهم حداً، وإن لم يطلبوه فيجب حد واحد للجميع.
المالكية قالوا: إن قذف شخصاً كان هو المقذوف الأول أو غيره، في اثناء الحد، ألغى ما مضى وابتدأ للمقذوفين حداً حداً، إلا أن يبقى من الأول اليسير وهو ماجون النصف، أو خمسة عشر فيكمل الأول، ثم يستأنف للثاني فيستوي له الحد، فالحد يجري فيه التداخل عندهم.
الحنفية قالوا: إن الحدود تتداخل فلو ضرب القاذف تسعة وسبعين سوطاً ثم قذف قذفاً آخر فلا يضرب إلا ذلك السوط الواحد للتداخلن لأنه اجتمع الحدان، لأن كما الحد الأول بالسوط الذي بقي وحكي أن أبن أبي ليلى سمع من يقول لشخص: يا ابن الزانيين، فحده حدين في المسجد في وقت واحد، فبلغ الإمام أبا حنيفة، فقال: "يا للعجب لقاضي بلدنا، أخطأ في مسألة واحدة في خمسة مواضع. الأول: أخذه بدون طلب المقذوف، والثاني: أنه لو خاصم وجب حد واحد، والثالث: أنه إن كان الواجب عنده حدين ينبغي أن يتربص بينهما يوماً، أو أكثر حتى يخف أثر الضر بالأول عن القاذف، والرابع: ضربه في المسجد، والخامس: ينبغي أن يتعرف أن والديه في الأحياء، أو لا؟ فإن كان حيين فالخصومة لهما، وإلا فالخصومة للابن".
وإذا قذف عبداً حراً فأعتق فقذف آخر فاجتمعا ضرب ثمانين سوطاً، ولو جاء الأول فضربстр. 2018
إجماع الشرائع على أن القذف اعتداء على الأعراض
-وقد اجمعت الشرائع والعقول، على أن القذف بهذا المعنى اعتداء على الأعراض التي، يقتضي النظام العام صيانتها خصوصاً إذا لوحظ، ما يترتب عليه من شر، وفاسدن لأن قذف المحصنات بالزنا يوجب لا محالة العداوة، والبغضاء بين الأسر، ويولد الضغائن والأحقاد، في نفوس الناس، وربما أفضى إلى الانتقام بقل النفس وذلك شر وبيل، يجب أن توضع له عقوبة تحذر الناس عنه، فلا يطلقون لألسنتهم العنان فيه، حذراً مما يترتب عليه من شر وفساد.
الحواشي
(١) أربعين ثم جاء به الآخر تمم له الثمانين، لأن الرعين وقع لهما، يبقى الباقي أربعين، ولو قذف آخر قبل أن يأتي به الثاني، تكون الثمانون لهما جيمعاً، ولا يضرب ثمانين مسأنفاً لأن ما بقي تمامه حد الأحرار، فجاز أن يدخل فيه الأحرار، وذلك لتداخل حد القذف.
الشافعية قالوا: إن اختلف المقذوف، أو المقذوف به وهو الزنا لا يتداخل لأن الغلب في حد القذف حق العبد عندهم، فإن قذف جماعة بكلمات، أو قذف واحداً مرات بزنا آخر يجب لكل قذف حد.
مبحث إذا قذف الصبي أو المجنون زوجته
إذا قذف الصبي أو المجنون امرأته، أو أجنبياً، فلا حد عليهما ولا لعان، لا في الاحال ولا بعد البلوغ، لسقوط التكليف عنهما لقوله ﷺ : (رفع القلم عن ثلاث) ولكن يعزران للتأديب إن كان لهما تمييز، فلو لم تتفق إقامة التعزير على الصبي حتى بلغ يسقط عنه التعزير.
قذف الأخرس
الحنفية قالوا: لا يصح قذف الأخرس، ولا لعانه. ولا يقام عليه الحد، لأن إشارته غير مفهومة، وفيها شك وشبهة والحدود تدرأ بالشبهات.
الشافعية قالوا: إن الأخرس إذا كانت له إشارة مفهومة، أو كتابة معلومة وقذف محصناً أو محصنة بالإشارة، أو بالكتابة لزمه الحد، وكذا يصح لعانه، وهو قول أقرب إلى ظاهر الآية الكريمة، لأن من كتب، أو أشار إلى القذف وفهم منه ذلك، فقد رمى المحصنة، وألحق العار بها، فوجب اندراجه تحت الظاهر، ولأنا نقيس قذفه ولعانه على سائر الأحكام.
قذف الكافر
اتفق الأئمة ﵏ على دخول الكافر تحت عموم الآية في قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ لأن الاسم يتناوله ولا مانع، فللمسيحي واليهودي إذا قذف المسلم يجلد ثمانين سوطاً مثل المسلم.стр. 2019
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وإذا دخل الحربي دارنا بامان فقذف مسلماً حداً، لأن فيه حق العبدن وقد التزم إيفاء حقوق العباد، ولأنه طمع في أن لا يؤذى، فيكون ملتزماً بالضرورة أن لا يؤذي.
قذف المجوسي بعد إسلامه
الحنفية قالوا: إذا قذف رجل مجوسياً تزوج بأمه، أو أخته، أو بنته، ثم أسلم ففسخ نكاحهما فقذفه مسلم في حال إسلامه يقام عليه الحد، بناء على أن انكحتهم لها حكم الصحة عندهم.
الشافعية، والمالكية، والحنابلة، رحمهم الله تعالى قالوا: إذا قذف مسلم مجوسياً بعد إسلامه فلا يحد، لأن أنكحتهم ليس لها حكم الصحة عندهم، فلا يكون المجوسي محصناً.
الحكم إذا مات المقذوف
الحنفية قالوا: إن حد القذف لا يورث، بل يسقط بموت المقذوف قبل إقامة الحد على قاذفه، وإذا مات بعد ما اقيم عليه بعض الحد سقط الباقي لأنه حق لله تعالى ولم يثبت جليل من الكتاب والسنة علىلا أن الشرع جعل الوارث له حق المطالبة بحد القذف على الميتم المقذوف أو وصيه ولن حد القذف لو كان مورثاً لكان للزوج أو الزوجة فيه نصيب ولأنه حق ليس فيه معنى المال والوثيقة فلا يورث كالوكالة والمضاربة، ولا ينقلب مالاً عند سقوطه، ولا ستحلف عليه القاذف، ويتصف بالرق.
الشافعية والحنابلة قالوا: إن حد القذف يورث فإذا مات المقذوف قبل استيفاء الحد فيقام الباقي، والعفو يثبت للوارث في حد القذف، وكذلك إذا كان الواجب بحقه التعزير فإنه يوؤث عنه، وكذا لو أنشأ القذف بعد المورث ثبت لوارثه طلبه الحد وذلك لأن حد القذف هو حق الآدمي لأنه يسقط بعفوه ولا يستوفى إلا بطلبه، ويحلف فيه المدعي إذا أنكر، وإذا كان حق الآدمي وجب أن يورث لقوله ﵊: (ومن ترك حقاً فلورثته) ولا تبطل الشهادة بالتقادم ويجب على المأمن ولا يصح الرجوع عنه بعد الإقرار به.
وفيمن يرث ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعية:
الأول: وهو الأصح عند الشافعية أنه يرثه جميع الورثة كالمال لا فرق بين النساء والرجال.
الثاني: يرثه ذوو الأنساب فيخرج منه الزوجان لأن الزوجين يصح افتراقهما أو غبدال كل واحد بغير صاحبة، ولن الزوجية ترتفع بالموت، ولآن المقصود من الحد دفع العار عن النسب، وذلك لا يلحق الزوج والزوجة، لبعد القرابة بينهما.
الثالث: إنه يرثه العصبات فقط دون النساء، لشدة ارتباط العصبة بعضهم ببعض، فكانوا أشد تعلقاً وارتباطاً بالمقذوف من مطلق الوثة وذلك مرجوح.
المالكية قالوا: للمقذوف حق المطالبة بحق قاذفه، وإن علم المقذوف على أن مارمي به منصف به، لأنه أفسد عليه عرضه، وليس للقاذف تحليف المقذوف على أنه بريء مما رماه به،стр. 2020
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وللوارث الحق بالقيام، والمطالبة بحق مورثه المقذوف قبل الموت، أو بعده، لأن المعرة تلحق الواث بقذف مورثهن خصوصاً، إذا كان الميت أوصاه بغقامة الحد فليس للوارث في هذه الحالة العفو، ولا المماطلة، بل يجب على الحاكم تنفيذه، وللأبعد من المورثة كابن الابن القيام بطلب حق مورثه من إقامة حد القذف، فيتقدم الابن، ثم ابنه الخ.. إن سكت الأب وقيل: يجوز للأب القيام بالمطالبة بحد القذف مع وجود الأقرب، وإن لم يسكت الأقرب، لأن المعرة تلحق الجميع لا فرق بين الأقرب، والبعد.
أما الزوجان، فليس لحدهما حق المطالبة بإقامة الحد للآخر، لأن أحدهما ليس ولياً للآخر، ولا تلحقه به معرة بعد موته، ما لم يكن أحدهما قد أوصى الآخر بالمطالبة بحقه في إقامة الحد على القاذف قبل وفاته، في أن يطالب بالحد لأنه يصبح ولياً مثل الوارث.
الحنفية قالوا: لو قال له: يا أبن الزانية، وأمه ميتة، محصنة، فطلب الابن بحده حد القاذف، لأنه قذف محصنة بعد موتها، ولا يصح أن يطالب بحق الميت في حد القذف إلا من يقع القدح في نسبه بقذفه، ويلحقه العار به، وهو الوالد، وإن علا، والولد وإن سفل، لأن العار يلتصق بهما لمطانة الجزئية، فيكون القذف متناولاً لهم معنى، فلذلك يثبت لهم حق المطالبة.
مبحث من قذف ميتاً
وإذا كان المقذوف محصناً جاز لابنه الكافر، والعبد المطالبة بحد القذف، لأنه عيره بقذف محصن، فيأخذه بالحد، وذلك لأن الإحصان في الذي ينسب إلى الزنا شرط ليقع تعبيراً، عن الكمال.
مطالبة العبد لسيده والولد لوالده
الحنفية، والشافعية، والحنابلة قالوا: ليس للعبد أن يطالب مولاه بقذف أمه الحرة التي قذفها في حال موتها، بأن قال السيد لعبده: يا أبن الزانية وأمه ميتة وليس للابن أن يطالب أباه بقذف امه الحرة المسلمة التي قذفها في حال موتها، بأن قال له: با أبن الزانية لأن الب لا يعقاقب بسبب فرعه، ولهذا لا يقاد الوالد بولده، ولا يقطع بسرقته، لقوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أفٍ﴾ وقوله ﵊ (لا يقاد الوالد بولده، ولا السيد بعبده) وللإجماع على كونه، لا يقاد به، فإن غهدار جنايته على نفس الولد توجب إهدارها في عرضه بطريق أولى، مع أن القصاص متيقن بسببه، والغالب فيه حق العبد، ولأن المولى لا يعاقب بسبب عبده وذلك، لأن حق عبده حقه، فلا يجوز أن يعاقب بسبب حق نفسه، ولقثول صلوات الله وسلامه عليه (لا يقاد الوالد بولده ولا السيد بعبده) ولان العبد من أموال السيد وملك له فلا حق له عليه.
المالكية في المشهور من المذهب قالوا: إذا قذف الوالد ابنه فقال له: يا أبن الزانية، بعد موت أمه الحرة المسلمة المحصنة، فإنه يجوز للابن أن يطالب أباه، بقذف أمه، ويقيم عليه الحد القذف كغيره من الجانب، وذلك لإطلاق الآية الكريمة ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداءстр. 2021
مبحث اعتراض الجهلة على حد القذف .
-إن بعض الناس يتخيل أن عقوبة الجلد شديدة، ولا تناسب المدنية الحاضرة. والجواب عن مثل هذا هو أن يقال: ينبغي لمن يتكلم بهذا أن يدرك اولاً معنى الجريمة، ومعنى ما يترتب عليها من الآثار التي تؤذي المجتمع الإنسانين ثم يقارن بينها وبين
الحواشي
(١) فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ فالآية لم تفرق بين فرد وآخر، ولا بين قريب وبعيد، ولآنه حد هو حق الله تعالى، فلا يمنع من إقامته قرابة الأولاد.
وقال المالكية: إذا حد الب سقطت عدالة الابن لمبائرته سبب عقوبة أبيه، مع قول الله تعالى: ﴿ولا تقل لهم أفٍ، ولا تنهرهما، وقل لهما قولاً كريماً﴾ .
وأجمع الأئمة على أنه إذا كان لزوجته الميتة التي قال لولدها، بعد موتها: يا أبن الزانية ولد آخر من غيره، كان له حق المطالبة، بحد القذف. لأن لكل منهما حق الخصومة، وظهر في حق أحدهما مانع، دون الآخر، فيعمل المقتضى عمله في الآخر، ولذا لو كان جماعة يستحقون المطالبة، فعفا ا؛ دهم، كان للآخر المطالبة به، بخلاف عقو أحد مستحقي القصاص فإنه يمنع استيفاء الآخر، لأن القصاص حق واحد للميت، موروث للوارثين فباسقاط أحدهما بالعفو لا يتصور بقاؤه، لأن القتل الواحد لا يتصور تجزئته، أما هنا فالحق في الحد لله تعالى.
قالوا: ومن قال لغيره: يا زاني، فقال: لا، بل أنت، فإنهما يحدان، لأن معناه، لا بل أنت زان، إذ هي كلمة عطف يستدرك بها الغلط فيصير الخبر المذكور في الأول، مذكوراً في الثاني.
قال لامرأته: يا زانية، فقالت: لا بل أنت، حدت المرأة خاصة، إذا ترافعا، ولا لعان، لنهما قاذفان، وقذف الرجل زوجته يوجب اللعان، وقذفها إياه يوجب الحد عليهما والأصل أن الحدين إذا اجتمعا، وفي تقديم أحدهما اسقاط للآخر، وجب تقديمه احتيالاً للدرء، واللعان قائم مقام الحد فهو في معناه، وبتقديم حد المرأة يبطل اللعان، لأنها تصير محدودة في قذف. واللعان لا يجري بين المحدودة في القذف، وبين زوجها لأنه شهادة، ولا شهادة للمحدود في القذف.
قالوا: ولو كانت قالت في جواب قوله: يا زانية زنيت بك فلا حد، ولا لعان، لوقوع الشك في كل منهما، لأنه يحتمل أنها أرادت الزنا قبل النكاح، فتكون قد صدقت في نسبتها إلى الزنان فيسقط اللعان، وقذفته حيث نسبته إلى الزنا، ولم سصدقها عليه، فيجب الحد دون اللعان، ويحتمل أنها ارادت زناء مان معك بعد النكاح، لآني ما مكنت أحداً غيرك. وهو المراد، في مثل هذن الحالة، وعلى هذا الاعتبار يجب اللعان دون الحد على المرأة، لوجود القذف منه، وعدمه منها، فعلى تقدير يجب الحد دون اللعان، وعلىم تقدير يجب اللعان دون الحد، والحكم بتعين أحد التقديرين فوقع الشك في كل من وجب اللعان والحد، فلا يجب واحد منهما بالشك) .
-стр. 2022
العقوبة، ليعلم أن الغرض من العقوبة إنما هو زجر الناس عن كل فعل، أو قول يضر بالمجتمع، ويؤذي أفراده، وجماعته، فإذا فشت الجرائم بين الناس، وأصبح كل واحد غير آمن على عرضه، أو نفسه، أو ماله، فإنه لا يكون لهذا معنى الإ أن الإنسان الذي ميزه الله تعالى بالعقل مساوٍ للحيوان المفترس، الذي يعتدي فويه على ضعيفة، وذلك هو الهلاك، والفناء للأفراد والجماعات، فلا بد من زاجر يزجر المجرمين، فاسدي الخلاق، ويوقفهم عند الحد الذي يصلح للبقاي، ولا بد أن يكون ذلك الزاجر قاطعاً للدابر الجريمة، كي لا يكون لها أثر بين الناس، فمن مصلحة المجتمع، ومصلحة المجرمين أنفسهم، أن تكون العقوبة زاجرة، بصرف النظر عن تفاوت حال المجرمين في الرقة والخشونة، أو الذكورة والنوثة، فإن ذات الجريمة واحدن، وآثارها الضارة واحدة ولا يليق بعاقل مشرع أن يقول: إن المحرم الذي يهاجم أعراض الناس فيثلمها بلسانه كذباً وافتراء، لا يستحق عقوبة الضرب الموجعة.
بل الواجب أن يقول: إن هذه الجريمة لها اسوأ الأثر بين الأفراد والجماعات، فيجب أن توضع لها عقوبة تقلعها من أساسها، فالعقوبة التي وصفها الله تعالى لازمة ضرورية.
فعلى المؤمنين الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، أن ينزهوا ألسنتهم عن قذف الناس بهذه الفاحشة إن لم يكن خوفاً من العقوبة الدنيوية، فخوفاً من الله الذي وصفهم بأنهم (فاسقون) .
أما المستهترون الذين لا يبالون أمر الله ، ولا يخشونه، فإن هؤلاء أحط من الأنعام، فلا زاجر لهم إلا بما يؤذيهم، وإلاتمادوا في نهش أعراض الناس بدون حساب (١)
مبحث العفو عن القاذف
-الشافعية، والحنابلة قالوا: إن للمقذوف الحق في أن يقفو عن قاذفه، ويسقط بذلك العفو حد القذف، وفي ذلك سعة، فإذا سبق لسان أحد إلى قذف شخص بهذه الفاحشة، فإنه الحواشي
(١) (إن لله تعالى في طي كل مصيبة نعمة، وفي كل بلية رحمة، وإن لم يطلع على ذلك صاحبها، ففي إقامة الحدود تأديب للمؤمنين، وتربية لنفوسهم على الخير، والبعد عن مواطن الشر، وتطهير لألسنتهم، والتحفظ بها عن الخوض في أعراض الناس وحفظاً لهم من أن يقعوا في معصية الله تعالى، ويصبحوا من الفاسقين، وفي تشريع الحدود تطهير للمجتمع من الشرور والمفاسد، التي تهلكهم وتفرق بين صفوفهم، وإذا قارنا بين المجتمع الذي نعيش فيه، وبين المجتمع الذي كان في عهد الرسول الله ﷺ أدركنا الفرق الكبير والبون الشاسع بينهما. وذلك لإقامة الحدود في عهده وعهد الخلفاء الراشدين من بعده)
-стр. 2023
يصح له أن يسترضيه، ويزيل ذلك الأثر من نفسه، فاذ عقفا عنه، فإن عفوه يصح، سواء كان قبل رفع الأمر للحاكم، أو بعده.
المالكية يوافقون على هذا الرأي إذا كان العفو قبل أن يرف الآمر للحاكم، أما بعد رفع الآمر للحاكم، فإن العفو يصح إذا كان المقذوغ يخاف على نفسه سوء السمعة، أما بعد رفع الأمر للحاكمن فإن العفو يصح إذا كان المقذوف يخاف على نفسه سوء السمعة، أما إذا كان مشهوراً، بالفعة، ولا تؤذيه إذاعة التهمة، فإن العفو لا يصح.
وعلى أي حال، فإن القول بصحة عقو المقذوف معقول، لأنه هو الذي وقع عليه ضرر القذف، ومتى عفا ذهب أثر الجريمة الضار، فإذا قذفه ثانياً بعد العفو، فإنه لا يحد، ولكن يعزر كي لا يعود إلى شتمه.
ويمكنك أن تقول: إن العفو يسقط حد القاذف عند الأئمة الثلاثة خلافاً للحنفية، ومع ذلك فإن الحنفية يقولون: أنه لا يقام إلا إذا رفع المقذوف الأمر للحاكم (١) الحواشي
(١) (الشافعية والحنابلة في أظهر روايتهم قالوا: إن حد القذف حق للمقذوف، وإن كان فيه حق الشرع، تقديماً لحق العبد باعتبار حاجته، وغنى الشرع، ولأن أكثر الأحكام تبنى عليه، والمعقول يشهد له وهة أن العبد ينتفع بحد القذف على الخصوص، مثل القصاص فلا يستوفى إلا بمطالبته، وله أن يسقطه عن القاذف معفو عنه، وله أن يبرىء منه، وهو يورث عن المذوف، وذلك لأن حق العبد في حد القذف غالب على حق الشرع، وظاهر عليه، لأن فيه صيانة أعراض الناس.
الحنفية قالوا: ليس للمقذول أن يسقط حد القذف عن القاذف، ولا أن يعفو عنه، ولا يمكنه أن يبرىء القاذف منه، لأن الغالب فيه حق الله تعالى، ولا خلاف أن فيه حق للعبد، وحق الشرع، ولأنه شرع لدفع العار عن المقذوف، وهو الذي ينتفع به على الخصوص فمن هذا الوجه حق العبد، وفيه معنى الزجر، ولذلك يسمى حداً، والمراد بالزجر إخلاء المجامتع من الفساد وتطهيره من المنكر، وهذا علامة حق الشرع، إذا لم يختص به إنسان دون غيره، ولأن ما للعبد من الحق يتولاه مولاه فيصير حق العبد شرعياً له، ولا كذلك عكسه، لأنه لا ولاية للعبد في استيفاء حقوق الشرع إلا نيابة، وهذا هو الصل المشهور الذي يتخرج عليه الفروع المختلف فيها، كالإرث، لأنه يجري في حقوق العباد، لا في حقوق الشرع، فإن العبد يرث حق العبد بشرط كونه مالاً، والحد ليس شيئاً من أنواع الأموال، فيبل بالموت، إذا لم يثبت دليل سمعي على استخلاف الشرع وإرث جعل له حق المطالبة، أو وصية المطالبة التي جعلها شرطاً لظهور حقه، ومنها العفو، فإنه بعدما ثبت عند الحاكم القذف والاحصان، لو عفا المقذوف عن القاذف لا يصح منه، ويحد، فإن الحد لا يسقط بعد ثبوته عندهم إلا أن يقول المقذوف. لم يقذفني، أو كذب شهودي، وحينئذ يظهر أن القذف لم ينعقد موجباً للحد، بخلاف العفو عن القصاص فإنه يسقط بعد وجوبه، لأن القالب فيه حق العبد، ومنها أنه لا يجوز الاعتياض عنه،стр. 2024
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ويجري فيه التداخل، حتى لو قذف شخصاً مرات، أو قذف جماعة كان فيه حد واحد، إذا لم يتخلل حد بين القذفين، ولو ادعى بعضهم فحدن ففي أثناء الحد ادعى آخرون، كما ذلك الحد فقط.
قالوا: وإنما لا يصح عفوه، لأنه عقو عما هو مولى عليه فيه، وهو الإقامة، ولأنه متعنت في العفو، لأنه رضي بالعار الذي لحقه من القذف، والرضا بالعار عار، وذلك هو الأظهر من جهة الدليل، والأشهر عند عامة المشايخ، ومن أصحابهم من قال: إن الغالب في حد القذف حق العبد.
المالكية قالوا: إن حد القذف الغالب فيه حق العبد، فلا يستوفى إلا بمطالبته، وإن له اسقاطه إذا لم يرفع الأمر إلى الحاكم، أما إذا رفع الأمر إلى الحاكم، ووصل إليه، فليس لأحد اسقاطه في هذه الحالة، لأن العلماء اجمعوا على أن الحد إذا رفع إلى الحاكم وجب الحكم بإقامة الحد عليه، وتحريم قبول الشفاعة في أسقاطه، إلا أن يريد بذلك المقذوف الستر على نفسه من كثرة اللغط فيه، وهو المشهور عندهم.
وقالوا: إن حد القذف لا يجوز الاعتياض عنه، وإنه يجري فيه التداخل، فلو قذف
قذفين أو أكثر لواحد، وجب حد واحد، ولو قذف جماعة في مجلس، أو مجالس بكلمة، أو كلمات فعليه حد واحد، ولو قذق جماعة في مجلس، أو مجالس بكلمة، أو كلمات فعليه حد.
واحد للجميع، فإن طالب أحدهم، وضرب له، كان ذلك بكل قذف كان عليه، ولا حد لمن طالب منهم بعد ذلك. فلا يتكرر الجلد بتكرر القذف، ولا بتعدد المقذوف، إلا أن يكرر القذف بعد إقامة الحد، فإنه يعاد عليه، ولو لم يصرح به.
مبحث من نسبه إلى عمه أو خاله
الحنفية قالوا: ومن نسب إنساناً إلى عمه أو خاله، أو إلى زوج أمه، فليس بقاذف لأن كل واحد من هؤلاء يسمى أباً، فلأول وهو تسمية العم أباً لقول تعالى: ﴿وإله آبائك إبراهيم واسماعيل وإسحاق﴾ وإسماعيل كان عماً ليعقوب عليهم الصلاة والسلام، والثاني لقوله ﵊ (الخال والد من لا والد له) والثالث للتربية، وقيل في قوله تعالى: ﴿إن ابني من أهلي﴾ أنه كان أبن امرأته، ومن قال لآخر: يازاني، فقال له الآخر: لا بل أنت، فإنهما يحدان إذا طالب كل منهما الآخر لأنهما قاذفان، وإذا طالب كل الآخر، واثبت ما طالب به عند الحاكم لزمه حينئذ حق الله تعالى وهو إقامة الحد، فلا يتمكن واحد منهما من ساقاطه، فيحد كل منهما، بخلاف ما لو قال له مثلا: يا خبيث، فقال له: بل أنت تكافآ، ولا يعزر كل منهما للآخر لأنه حق للآدمي فتساقطا.
مبحث إذا ظهر أن الشهود كفار أو عبيد
الشافعية قالوا: لو الزوج بزنا زوجته كان قاذفاً لها فيحد حد القذف، لأن شهادته بزناها غير مقبول عند القاضي للتهمة، وعلى هذا لو شهد عليها دون أربعة حدوا جميعاً لأنهم قذفة، وكذا لو كان شهد أربع نسوة، أو عبيد، أو كفرة، أو أهل ذمة، أو مستأمنين فإنهم في كل هذه المسائل يحدون حد القذف على المذهب، لأنهم ليسوا من أهل الشهادة. فلم يقصدوا بقوله إلا القذف.стр. 2025
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) والطريق الثاني في حدهم إننا نزلنا نقص الصفة في هؤلاء الشهداء منزلة نقص العدد فيحدون، ومحل الخلاف إذا كانوا في مظاهر الحال بصفة الشهود، ثم باتوا كفاراً، أو عبيداً، وذلك لأن القاضي إذا علم حالهم من أول الأمر ردهم، ولا يصغي إليهم، فيكون قولهم قذفاً محصناً، قطعاً، من غير شك (لأنه ليس في تعرضه شهادة) ,
قالوا: لو شهد أربعة بالزنا، وردت شهادتهم بفسق، ولو مقطوعاً به كالزنا، وشرب الخمر، لم يحدوا، لعدم تمام شرائط الشهادة، وفارق ما مر في المسائل الأولى في نقص العدد، بأن نقص العدد متيقن، وفسقهم إنما يعرف بالظن والاجتهاد وهو شبهة، والحد يدرأ بالشبهات.
ولو شهد دون اربعة بالزنا فحدوا، وعادوا مع رابع لم تقبل شهادتهم كالفاسق ترد شهادته، ثم يتوب ويعيدها لم تقبل.
ولو شهد بالزنا عبيد فحدوا، ثم عادوا بعد العتق قبلت شهادتهم لعدم اتهمامهم، ولو شهد به خمسة، فرجع واحد منهم عن شهادته، لم يحد هو ولا غيره، لقاء النساب ولو رجع اثنان من الخمسة حدا، لأنهما ألحقا به العار، دون الباقينن لتمام النصاب عند الشهادة، مع عدم تقصيرهم، ولو رجع واحد من أربعة، حد وحده دون الباقين لما ذكر.
مسألة
قالوا: إذا قذف إنسان إنساناً آخر بين يدي الحاكم، أو قذف امرأته برجل يعينه والرجل غائب عن المجلس، فعلى الحاكم أن يبعث إلى المقذوف، ويخبره بأن فلاناً قذفه، وثبت لك حد القذف عليه، كما لو ثبت له مال على آخر، وهو لا يعلمه، يلزمه إعلامه بذلك وقد بعث النبي ﷺ أنيساً ليخبرها بأن فلاناً قذفها بابنه، ولم يبعثه الرسول ليبحث عن زناه، ويتحققه.
الشافعي ﵀ قال: ليس للإمام اذارمي رجل بزنا، أن يبعث إليه فيسأله عن ذلك. لأن اللع تعالى قال: ﴿ولا تجسسوا﴾ وأراد به إذا لم يكن القاذف معيناً مثل أن قال رجل: الناس يقولون إن فلاناً زنى.
من قذف زوجته برجل
الحنفية، والشافعية، والحنابلة ت قالوا: يجب اللعان بممجرد أن يقذف الرجل زوجته بالزنا إن طالبته بذلك لعموم قول تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم اربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين﴾ الخ الآيات ولم تخص الآية في الزنا صفة دون صفة، ويشترط أن يكون الزوج من اهل الشهادة، وأن تكون الزوجة ممن يحد قاذفها، وطالبته بذلك.
المالكية قالوا: لا يجوز اللعان بمجرد القذف، بل لابد أني يدعي رؤية الزنا.
وحجتهم في ذلك، ظاهر الأحاديث الواردة في ذلك عن النبي ﷺ : منها قوله في حديثстр. 2026
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) سعد بن عبادة "أرأيت لو أن رجلاً وحد مع امرأته رجلاً) وحديث أبن عباس ﵄ وفيه: (فجاء رسول الله ﷺ فقال: والله يا رسول لقد رأيت بعيني، وسمعت بأذني، فكره رسول الله ﷺ ما جاء به، واشتد عليه، فنزلت الآية الكريمة: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ الآية وايضاً فإن الدعوى يجب أن تكون مبينة كالشهادة سواء بسواء.
واتفق الأئمة: على أن من قذف زوجته بالزنا، واجعى الرؤية يجب أن يجرى اللعان بينهما.
مبحث نفي الولد
ومن أقر بولد ثم نفاه، فإنه يلاعن لأن النسب لزمه بإقراره، وبالنفي بعده صار قاذفاً لزوجته، فيلاعن، وغن نفاه ثم أقر به حد، لأنه قد أكذب نفسه وأبطل اللعان الذي كان وجب بنفيه الولد، لأن اللعان حد ضروري صير إليه ضرورة التكاذب بين الزوجين في زنا الزوجة، والأصل في اللعان أنه حد القاذف، لأنه قذفها بلزنا، فإذا بطل الصل، وهو بطلان التطاذب صير إلى الأصل فيحد الرجل. والولد ولده في حالة ما إذا أقر بالولد ثم نفاه، وما إذا نفاه أولاً ثم اقر به، لإقراره به سابقاً، فيثبت ولا ينفى بما بعده، أو لاحقاً فيثبت به بعد النفي.
وإن قال الزوج الذي جاءت زوجته بولد: ليس بابني، ولا بابنك، فلا حد ولا لعان، لأنه إذا أنكر أنه ابنها، أنكر الولاجة، فكما نفى كونه ابنه لنفي ولادتها إياه، وبنفي ولاتها لا يصير قاذفاً لأنه إنكار الزنا منه.
الحنفية قالوا: ومن وطىء وطأ حراماً في غير ملكة لم يحد قاذفه، لفوات شرط العفة في حقه، وهو من شروط الإحصان، ولأن القاذف صادق فيما قاله، فلا يقام عليه الحد لأنه غير قاذف.
الشافعية - قالوا: اذاسب إنسان إنساناً جاز للمسبوب أن يسب الساب بقدر ما سبه لقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ ولكن لا يجوز أن يسب أباه، وأمه، وإنما يجوز السب بما ليس كذباً، ولا قذفاً، كقوله: يا ظالم، يا أحمق، يا بليد، يا مغفل، لأن أحداً لا يكاد ينفك عن ذلك، وإذا انتصر بسبب خصمه، فقد استوفى ظلامتهن وبرىء الأول من حقه.
مبحث إذا نفى الزوج الحمل
التفق الفهاء على أن الزوج غاذ نفى الحمل ت بأن ادعى أنه استبرأها، ولم يطأها بعد الاستبراء اتفقوا على جواز الحمل وإقامة اللعان.
وأما إن نفى الحمل مطلقاً أختلف العلماء فيه.
المالكية في المشهور عندهم قالوا: إنه لا يجب اللعان بذلك.
الشافعية، والحنابلة قالوا: لا معنى لهذا، لأن المرأة قد تحمل برؤية الدم.стр. 2027
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وقت نفي الحمل
المالكية - قالوا: اشترطوا أنه إذا لم ينفه وهو حمل، لم يجز له أن ينفيه بعد الولادة بلعان وحجتهم في ذلك الآثار المتواترة عن حديث أبن عباس، وأبن مسعودن وأنس، وسهيل بن سعد أن النبي ﷺ حين حكم باللعان بين المتلاعنين قال: (إن جاءت به على صفة كذا فما أراه إلا قد صدق عليها) . فهذا يدل على أنها كانت حاملاً وقت اللعان.
الشافعية قالوا: إذا علم الزوج بالحمل فأمكنه الحاكم من اللعان فلم يتلاعن لم يكن له حق أن ينفيه بعد الولادة.
الحنفية قالوا: لا ينفى الولد حتى تضع الزوجة وحجتهم في ذلك أن الحمل قد ينفش وقد يضمحل، فلا وجه للعان إلا علىلا يقينن ولا يأتي اليقين إلا بعد الوضع.
من قذف الملاعنة
الحنفية قالوا: من قذف امرأة وعنها أولاد لم يعرف لهم أب، أو قذف الملاعنة بولد، والولد حي أو قذفها بعد موت الولد، لا حد عليه لقيام امارة الزنا منها وهي ولادة ولد لا أب له، ففاتت العفة نظراً إليها وهي شرط الإحصان: أما لو قذف ولد الملاعنة نفسه، أو ولد الزنا فإنه يحدن لما رواه اما أحمد في حديث هلال بن أمية من قوله: وقضى رسول الله ﷺ أن لا يدعى ولدها لأب ولا يرمى ولدها ومن رماها ورمى ولدها فعليه الحد.
ولو قذف امرأة لاعنت بغير ولد فعليه الحد لعدم ثبوت الزنا وثبوت اماراته، ولو أنه بعد اللعان ادعى الولد فحد أو لم يحد حتى مات فثبت نسب الولد منه، فقذفها بعد ذلك قاذف غيره أو هو قبل موته حد، ولا يحد الذي قذفها قبل تكذيب نفسه.
وكذا لو قامت البينة على الزوج أنه ادعاه وهو ينكر، يثبت النسب منه ويحد، ومن قذفها بعد ذلك يحد لأنها خرجت عن صورة الزواني.
الشافعية قالوا: في أحد آرائهم، إن الملاعنة إذا قذفها أجنبي بذلك الزنا الذي لا عنت فيه، لا يحد.
واعترض عليهم: بأن مقتضاه أن لا يحد الزوج لو قذفها أجنبي بعد اللعان، ولكن المنصوص في الأصل أنه يحد، بل الحق أنها لم يسقط إحصانها يوجه وقولهم اللعان قائم مقام حد الزنا في حقها. إنما يقتضي، أن لا يحد قاذفها، ولو كان معناه أنه وجب عليها الحد، وجعل اللعان بدله، وليس كذلك، لأنه لا يجب الحد بمجرد دعوى الزنا عليه، مع العجز إن إثباته يسقط احصانها. وإنما هو ليتبين الصادق منهما.стр. 2028
مبحث مراعاة الشريعة لحال المجرم .
-ومما ينبغي ملا حظته أن إقامة الحد بالجلد يجب أن يراعى فيها حال المجرم، واحتماله للعقوبة، فإذا كان جسمه ضعيفاً لا يحتمل، أو كان مريضاً، فإنه يؤخر إلى أن يقوى على احتمال العقوبة، فإذا كان ضعفه طبيعياً بحيث لا يرجى له قوة، فإنه يجمع له أعواد بقدر العقوبة، ويضرب بها مرة واحدة. وهذا هو رأي جماهير العلماء. ومن هذا كله يتضح لك أن الشدة في العقوبة إنما هي بالنسبة للفجار الأقوياء، الذين يؤذون الناس، بما يوجب حقدهم عليهم، وعدم الصفح عنهم، وهؤلاء شرهم على أنفسهم، وعلى المجتمع شديد، فلا ينبغي لأحد أن يرحمهم في أي زمان ومكان (١) الحواشي
(١) (الحنفية، والشافعية، والحنابلة قالوا: إن حد القذف اخف من جميع الحدوده، لأن سببهстр. 2029
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وهو النسبة إلى الزنا غير مقطوع به، لجواز كونه صادقاً غير أنه عاجز عن البيان، بخلاف حد الزنا، لأن سببه معاين للشهود، أو للفرية، والمعلوم لهما هنا نفس القذفن وإيجابه الحد ليس بذاته بل باعتبار كونه كاذباً حقيقة أو حكماً بعد إقامة البينة قال تعالى: ﴿فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ فالله تعالى منع من النسبة إلى الزنا إلا عند القدرة على الإثبات بالشهداء، لأن قائدة النسبة هناك تحصل، أما عند العجز فانما هو تشنيع، ولقلقة تقابل بمثلها بلا فائدة، ولذلك قالوا: إن القاذف لا يجر من ثيابه عند الجلد، ولا ينزع عنه إلا الفرو، والثياب المحشوة، لأنه يمنع من وصول الألم إليه، فلو كان عليه ثوب ذو بطانة غير محشو فلا ينزع، والظاهر أنه إن كان فوق قميص ينزع لأنه يصير مع القميص إما محشواً، أو قريباً منه، ويمنع إيصال الألم الذي يصلح زاجراً.
المالكية قالوا: إن حد القذف مثل سائر الحدود، فيجب أن يجرد القاذف من ثيابه عند الجلد، ولا يبقى على حسده إلا ما يستر عورته فقط، ويجلد ثمانين جلدة، والعبد يضرب أربعين فقط.
قالوا: ويتعين الضرب بالسوط المصنوع من الجلد، وذلك للسليم القوي، أما نحيف الجسم والمريض فلا يصح ضربه بالسوط، لأنه يؤدي إلى إتلافه وهلاكه، ويفرق الشرب على جميع الأعضاء، لأن جمع الجلدات في عضو واحد ربما يؤدي إلى الإتلاف، وهو غير مستحق، ويتقى في الضرب المقاتل كثمرة التمر، والفرج، والوجه لأنه يجمع المحاسن ولقول الرسول ﷺ (إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه) وروي أن سيدنا عمر ﵁ قال للجلاد: إياك أن تضرب الرأس والفرج، ويضرب الرجل قائماً، والمرأة جالسة مستورة، وكشف العورة حرام إلا أنه ينزع عنها الحشو، والفرو، ليخلص اللم إليها. فإن كان القاذف شديد الهزال، أو مريضاً مرضاً لا يرجى برؤه كالمسلول والمجذوم جلد (بعثكل) وبه ثمانون غصناً يضرب به مرة واحدة، ولا يقام الحد في الأيام الشديد ة الحر ولا الشديدة البرد، ولا يقام الحد على النفساء والحامل حتى تضع وتبرأ من مرضها.
مبحث التوبة النصوح
لقد عبر الله تعالى في الأية الكريمة في جانب ﴿الذين يرمون المحصنات﴾ بصيغة المذكر (الذين) وعبر في جانب المرمي بصيغة المؤنث (المحصنات) ولا فرق بين الذكور والإناث عند جميع الفقهاء في الرامي، والمرمي فمن رمى غيره بالزنا، واستوفى شروط الحد وجب على الحاكم حده سواء أكان كل من الرامي والمرمي رجلاً أم امرأة، وإنما اختير هذا التعبير أما في الأول فمن باب تغليب الذكور على الإناث فإنهما متى اجامعا في حكم شرعي عبر بصيغة كالذكور تغليباً لهم عليهن قال تعالى: ﴿وكانت من القانتين﴾ وأيضاً في الغالب، أو المفروض إن الرمي في هذه الفاحشة بعيد لأن ألسنة النساء اللاتي ينبغي أن يحوطهن الحياء والأدب، فلا يكاد يقع منهن هذا البذاء. وأن الغالب في الرمي يكون من جانب الذكور.стр. 2030
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وأما الثاني وهو اختيار صيغة المؤنث في جانب المرمي (المقذوف) فلأن أكثر ما توجه هذه التهمة الشنعية للنساء، فهي لهن آلم، وأوجع، ولا يرمي بها الرامي إلا للنيل من المرمي بآلم ما يستطيع وهذا لا ينافي مساواة الرجال لهن في لحوق العار، وإصابة الشرف، وتنكيس العزة، وضياع الكرامة، وعلى ذلك يكون قيد التأنيث في الآية المستفاد من صيغة الجمع بالألف والتاء لا مفهوم له، بل مثلهن في ذلك الذكور، وليس هذا من باب قياس الرجال على النساء، بل من باب إلغاء الفارق بين الفريقين. على أن الآية وردت في واقعة هي أن هلال بن أمية قد رمى زوجته بالزنا بشريك بن سحماء، فجاء التقييد على وفق سبب النزول، فإنها نزلت قي قصة هلال بن أمية، حثنما شكا للرسول ﷺ زوجته فقال الرسول ﷺ : (البينة أو حد في ظهرك) .
وقد رتب الشارع على قذف المحصن أو المحصنة ثلاثة أشياء، الجلد ثمانين جلدة، ورد الشهادة، والحكم عليه بالفسق.
وقد أردف جل شأنه ذلك الجزاء باستثناء التائبين فقال تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من بعد ذلك واصلحوا فإن الله غفور رحيم﴾ .
والتوبة هي الرجوع إلى الله بعد الاعراض عنه تعالى، والإقبال عليه بعد الإدبار، وكفى بالمعصية إعراضاً وإدباراً بل فراراً من حظيرة قدسه، وساحة رحمته.
والتوبة الصادقة النصوح تنتظم في معان ثلاثة تؤدي إلى تطهير القلب، بل والجوارح أيضاً، من أدران الذنوب، وأوساخ الخطايا، وهذه المعاني الثلاثة هي معرفة ما في الذنب من الإضرار بالنفس، والابتعاد عن ساحة الرحمة، ومنزلة الرضوان، وإنه لا يقدم عليه إلا عدو نفسه، الذي غلبت عليه شهوته، فلا تحصل التوبة دون أن يتحقق هذا المعنى تحققاً يقيناً، وعلماً حضورياً يشبه علمك أن في هذا الطعام الذي اشتهيته سماً مهلكاً، قاتلاً يخبرك به الطبيب الثقة، فماذا يكون حالك وقد تورطت فأكلت الطعام اشتهاء أليس يدركك من الندم والحسرة ما ترتبك معه، وتخور له قواك، ألست تشعر حينئذ بحالة اكتئاب وحسرة على ما فرط منك، تغلب عليك لذتك ابتئاساً - وفرحتك حزناً، فهذا هو المعنى الثاني وهو الندم على ما وقع منك، وليس مجرد الندم والحسرة ويقف الشخص مبهوتاً غير مفكر إذا كان من أهل الصيرة كلا بل لا يسمى نادماً حقيقة، ويصدق في دعواه أنه ندم حتى يترتب على ندمه أثره الصحيح، وذلك فعل يتعلق بما مضى، وبما هو حاصل، وبما يستقبل من الزمان، فيقلغ عن الاستمرار في تناول ذلك الطعام الشهي حالاً، ويعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل، وعمل على تخليص معدته مما سبق منه إليها في الماضي، حتى يستريح باطنه من هذا السم القاتل، هكذا شأن التوبة من الذنوب والخطايا، ومقياس النندم أن يؤتي هذه الثمار الثلاث وهي:
اولاً الإقلاع فوراً عن الاستمرار في الذنب الحالي، ثانياًـ العزم على أن لا يعود في المستقبل أبداً، ثالثاً المبادرة إلى التخلص مما فرط منه في الماضي.стр. 2031
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ومن ذلك أن ترد الحقوق إلى اصحابها، وهذه هي التوبة الصحيحة المطهرة، المقبولة حاماً كما وعد الله جل شأنه، ووعده لا يخلف، وهذا معنى قولهم: التوبة تنتظم من علم، وحال، وعمل. والعمل يتعلق بالحال، والاستقبال، والماضي.
والإصلاح هو إزالة الخلل، والفساد الطارىء على الشيء، والمراد هنا في الآية إصلاح دات البين التي أفسدها بينه، وبين من قذفه، وذلك بأن يستسمحه مما فرط منه في حقه حتى يسامحه، وذلك شأن التوبة والتخلص من حقوق العباد.
وقال بعض العلماء: غنه من مضى مدة عليه في حسن الحال تقبل شهادته، وتعود ولايته، ثم قدورا تلك المدة بسنة حتى تمر عليه الفصول الأربعة التي تتغير فيها الحوال والطباع، كما يضرب للعنين أجل سنة. وأما قوله تعالى: ﴿من بعد يذلك﴾ فالتوبة لا تكون إلا بعد الذنب، فإن سره التهويل في المر وتفظيع ما وقع فيه وتكبيره.
مبحث قبول توبة القاذف
الحنفية قالوا: لا تقبل شهادة المحدود في قذف وإن تاب توبة صادقة وحسنت توبته لقوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً﴾ ولأن رد شهادته من تمام الحد، لكونه مانعاً فقى بعد التوبة كأصله، بخلاف المردود في غير القذف لأن الرد للفسق، وقد ارتفع بالتوبة.
وأصله: أن الاستثناء إذا تعقب جملاً متعاطفة، هل ينصرف إلى الكل، أو إلى الجملة الأخيرة؟.
فالحنفية قالوا: إن الاستثناء ينصرف إلى الجملة الأخيرة فقط، وقد تقدم في الآية ثلاث جمل هي قوله تعالى: ﴿فاجلدوهم﴾ وقوله ﴿ولاتقبلوا لهم شهادة أبداً﴾ وقوله تعالى ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ والظاهر من عظف، ﴿ولاتقبلوا﴾ أنه داخل في حيز الحد، للعطف مع المناسبة، وقيد التأبيد، أما المناسبة: فإن رد شهادته مؤلم لقلبه، مسبب عن فعل لسانه، كما أن آلم قلب المقذوف بسبب فعل لسانه، وكذا قيد التأبيد لا فائدة له إلا بأبيد الرج، وإلا لقال: ولا تقبلوا لهم شهادة ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ جملة مستأنفة لبيان تعليل عدم القبول، ثم استثنى الذين تابوا، وهذا لأن الرد على ذلك التقدير ليس إلا للفسق، ويرتفع بالتوبة، فلا معنى للتأبيد، على تقدير القبول بالتوبة.
وهو استثناء منقطع، لأن التائبين ليسوا داخلين في الفاسقين، فكأنه قيل: وأولئك هم الفاسقون، لكن الذين تابوا فإن الله غفور رحيم، أي يغفر لهم، ويرحمهم، وإذا كان الرد من تمام الحد، لكونه مانعاص، أي زاجراً يبقى بعد التوبة كأصله، أي كأصل الحد، فإنه لا يسقط بالتوبة فإن من تاب بعد ثبوت الحد عليه، لا يسقط عنه، بل يجب أن يحد مهما حسنت توبته بالإجماع واحتج الحنفية على أن حكم الاستثناء مختص بالجملة الأخيرة بوجوه.стр. 2032
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) (أحدها) أن الاستثناء من الاستثناء يختص بالجملة الآخيرة، فكذا في جميع الصور طرداً للباب.
(ثانيها) أن المقتضى لعموم الجمل المتقدمة قائم، والمعارض وهة الاستثناء يكفي في تصحيحه تعليقه بجملة واحدة، وهي الأخيرة، فقط.
(ثالثها) أن الاستثناء لو رجع إلى كل الجمل المتقدمة لوجب أنه إذا تاب أن لا يجلد، وهذا باطل بالإجماع، فوجب أن يختص الاستثناء بلجملة الأخيرة.
واحتج الأحناف على مذهبهم في المسألة بوجوه من الأخبار والأحاديث الشريفة.
(أحدها) ما روى أبن عباس ﵄ في قصة هلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء فقال رسول الله ﷺ : (يجلد هلال، وتطل شهادته في المسلمين) فأخبر رسول الله ﷺ أن وقوع الجلد به يبطل شهادته عن غير شرط التوبة في قبولها.
(وثانيها) أن قوله ﵇ (المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدود في قذف) ولم يشترط فيه وجود التوبة منه.
(وثالثها) ما روى عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده عن رسول الله ﷺ قال: (لا تجوز شهادة محدود في الإسلام) .
المالكية، والحنابلة، والشافعية - قالوا: تقبل شهادة المحدود في قذف إذا تاب وحسنت توبته، والمراد بتوبته الموجبة لقبول شهادته، أن يكذب نفسه في قذف. وهل يعتبر فيه إصلاح العمل أم لا؟
وقول يتعتبر لقوله تعالى ﴿إلا الذين تابوا﴾ وقيل: لا. لأن عمر بن الخطاب ﵁ قال لابي بكرة: تب أقبل شهادتك.
وقد احتجوا على مذهبهم، بأن شهادة المحدود في قذف مقبولة بوجوه:
(أحدها) قوله ﵊: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) ومن لا ذنب له مقبول الشهادة، فالتائب يجب أن يكون أيضاً مقبول الشهادة.
(وثانيها) أن الكافر يقذف فيتوب عن الكفر، ويدخل الإيمان، فتقبل شهادته بالإجماع، فالقاذف المسلم إذا تاب عن القذف، وجب أن تقبل شهادته، لأن القذف مع الإسلام أهون حالاً من القذف مع الكفر فإن قيل: المسلمون لا يألمون بسبب الكفار، لأنهم شهروا بعداوتهم، والطعن فيهم بالباطل، فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر، من الشين والشنأن، وأيضاً فالتائب من الكفر لا يجب عليه الحد والتائب من القذف لا يسقط عنه الحد.
قلنا: هذا الفرق ملغى بقوله ﵊ (أنبئهم أن لهم ما للمسلمين، عليهم ما على المسلمين) .стр. 2033
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) (وثالثها) أجمعنا على أن التائب عن الكفر، والقتل، والزنا، والشرب، والسرقة، مقبول الشهادة. فكذا التائب عن القذف لأن هذه الكبيرة ليست أكبر من نفس الزنا. (ورابعها) أن ابا حنيفة رحمه الله تعالى يقبل شهادته إذا تاب قبل إقامة الحد عليه، مع أن الحد حق المقذوف، فلا يزول بالتوبة، فلأن تقبل شهادته إذا تاب بعد إقامة الحد عليه. وقد حسنت حالته، وزال اسم الفسق عنه كان أولى.
(وخامسها) أن قوله تعالى ﴿إلا الذين تابوا﴾ استثناء مذكور عقيب جمل، فوجب عوده إليها كلها، ويدل عليه أمور.
(أحدها) أجمعنا على أنه لو قال: عبده حر وامرأته طالق إن شاء الله، فإنه يرجع الاستثناء إلى الجميع فكذا فيما نحن فيه.
(وثانيها) أن الواو للجمع المطلق فقوله تعالى ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة ابداً، وأولئك هم الفاسقون﴾ صار الجمع كأنه ذكر معاً لا تقدم للبعض على البعض، فلما دخل عليه الاستثناء لم يكن رجوع الاستثناء إلى بعضها اولى من رجوعه إلى الباقي، إذ لم يكن لبعضها على بعض تقدم في المعنى البتة، فوجب رجوعه إلى الكل، ونظيره على قول أبي حنيفة ﵀ قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ فإن فاء التعقيب ما دخلت على غسل الوجه، بل على مجموع هذه الأمور من حيث أن الواو لاتفيد الترتيب، فكذا ههنا كلمة إلا ما دخلت على واحد بعينه لأن حرف الواو لا يفيد الترتيبن بل دخلت على المجموع.
(وثالثها) أن قوله تعالى: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ عقيب قوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً يدل على أن العلة في عدم قبول تلك الشهادة كونه فاسقاً، لات ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، لا سيما إذا كان الوصف مناسباً، وكونه فاسقاً يناسب ألا يكون مقبول الشهادة، إذا ثبت أن العلة لرد الشهادة ليست إلا كونه فاسقاً، ودل الاستثناء على زوال الفسق، فقد زالت العلمة فوجب أن يزول الحكم لزوال العلة.
(ورابعها) أن مثل هذا الاستثناء موجود في القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحربون الله ورسوله﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ ولا خلاف أن هذا الاستثناء إلى ما تقدم من أول الاية، وأن التوبة حاصلة لهؤلاء جميعاً.
وكذلك قوله تعالى: ﴿لاتقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فم تجدوا ماء فتيمموا﴾ وصار التيمم لمن وجب عليه الاغتسال، كما أنه مشروع لمن وجب عليه الوضوء. والله تعالى أعلم.
كيفية التوبة عن القذف
الشافعية - قالوا: إن التوبة عن القذف تكون بإكذابه نفسه، واختلف أصحابه في معناه. فقالстр. 2034
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بعضهم: يقول كذبت قيما قلتت فلا أعود لمثله وقال أو إسحاق: لا يقول كذبت لأنه ربما يكون صادقاً فيكون قوله كذبت كذباً، والكذب معصية، والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية اخرى، وإنما يقول القاذف بالملأ ندمتم على ما قلت، ورجعت عنه ولا أعود إليه وأما قوله تعالى: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ فالمعنى أنه لكونه غفوراً رحيماً يقبل التوبة، وهذا يدل على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً، إذ لو كان واجباً لما كان في قبول غفوراً رحيماً، لأنه إذا كان واجباً فإنما يقبله خوفاً وقهراً، لعلمه بأنه لو لم يقبله لصار سفيهاً، ولخرج عن حد الإلهية) .
-стр. 2035
القسم الثاني كتاب القصاص .
-وأما القصاص فهو أن يعاقب الجاني بمثل جنايته على أرواح الناس، أو عضو من أعضائهم فإذا قتل شخص آخر استحق القصاص، هو قتله كما قتل غيره (١) الحواشي
(١) ("تنبيه"
ذكر الشيخ رحمه الله تعالى في كتابه أن (القصاص) من باب الحدود، فعند ذكر كتاب الحدود - ذكر حد الشرب. ثم حد الزنا، ثم حد السرقة، ثم حد القذف، ثم القصاص، ثم حد التعيزر، وبعد أن انتهى من باب الحد ذكر حكم المفسدين في الرض والخوارج، ثم حكم البغاة وقطاع الطرق وهذا نمط لم يدرج عليه الفقهاء الذين سبقوه في التأليفن فإن علماء السلف الصالح اللذي ألفوا في الفقه على اختلاف مذاهبهم لم يذكروا القصاص في كتاب الحدود على الشرب، والزنا، والسرقةن والقذف، والتعزير.
الحنفية قالوا: في كتاب (الاختيار شرح الممختار) تأليف عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي "كتاب الحدود" ثم ذكر حد الزنا والقذف، والشرب، والسرقة، وقطاع الطرق، وفي كتاب السير ذكر حكم المرتد، وحكم الخوارج والبغاة من المسلمين، وبعد ذلك ذكر كتاب الجنايات بفصوله ثم ذكر "كتاب الديات" بفصوله وفروعه. ثم قال في أول كتابه الجناية، كل فعل محظور يتضمن ضرراً ويكون تارة على نفسه، وتارة على غيره، ويقال: جنى على نفسه، وجنى على غيره، فالجناية على غيره تكون على النفس، وعلى الطرفن وعلى العرض، وعلى المال، والجناية على النفس تسمى قتلاً، أو صلباً، أو حرقاً، والجناية على الطرف تسمى قطعاً، أو كسراً، أو شجاً، وهذا الباب لبيان هاتين الجنايتين، وما يجب بهما، والجناية على العرض نوعا قذف وموجبه الحد. وقد بيناه، وغيبة، وموجبها الإثم وهو من أحكام الآخرة، والجناية على المال. تسمى نصباً أو خيانة أو سرقة، وقد بيناها، وموجبها في كتاب السرقة، ثم القصاص مشروع ثبتت شرعيته بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى﴾ الآية ١٧٨ من سورة البقرة.
وقوله تعالى: ﴿ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً﴾ آية ٣٣ من الإسراء والسنة، قوله ﷺ : (من قتل قتلناه) وقوله ﵊ (كتاب اللهследующие страницы →