Полный текст (2 230 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ولو داوى المجروح جرحه بسم قاتل في الحال، كأن شربه، أو وضعه على الجرح فلا قصاص، ولا دية على جارحه في لنفس، لأن المجروح قتل نفسه، فصار كما لو جرحه إنسان فذبح هو نفسه، أما الجرح الحادث، على الجارح ضمانه، سواء علم المجروح حال السم، أو لا.
وإن قتل غالباً، وعلم المجروح حاله، فشريك جارح نفسه، في أصح الطريقين، ويكون عليه القود في أظهر المذاهب، تنزيلاً لفعل المجروح منزلة العمد.
وقيل: هو شريك مخطئ، لأنه قصد التداوي فأخطأ، فلا قود على شريكه، أما لو قصد قتل نفسه بالسم ليستريح من الألم مثلاً، فهو شريك قاتل نفسه قطعاً، فلا قصاص، ولا دية، وإذا كان المجروح لا يعلم بالسم، فلا قصاص جزماً، لأنه شريك مخطئ، ولو خاط المجروح جرحه في لحم ولو تداويا خياطة تقتل غالباً ففي القصاص الطريقان، بخلاف ما لو خاطه في لحم ميت فإنه لا اثر له ولا للجلد كما فهم بالأولى، لعدم الإيلام المهلك، فعلى الجارح القصاص أو كمال الدية، ولو خاطه غيره بلا أمر منه، اقتص منه ومن الجارحن وإن كان الذي خاط الجرح حكماً لتعديه مع الجارح فإن خاطه الطبيب لصبي أو مجنون لمصلحة فلا قصاص عليه، ولو قصد المجروح أو غيره الخياطة في لحم ميت فوقع في لحم حي، فالجارح وشريك مخطئ، وكذا لو قصد الخياطة في الجلد فوقع في اللحم، والكي فيما ذكر كالخياطة فيه، ولا أثر لدواء لا يضر، ولا نظر للقروح.
المالكية قالوا: إن تعدد مباشر على ما دون النفس بلا اتفاق منهم، وتميزت الجراحات، وعلم فعل كل واحد منهم، فيقتص من كل بقجر ما فعل، ولا ينظر لتفاوت العضو بالرقة والغلظ، وإذا اتفقوا فيجب أن يقتص من كل بقدر الجميع سواء تميزت الجراحات أم لا، قياساً على قتل النفس، فإن الجميع عند الاتفاق يقتلون بالواحد، أما إذا لم تتميز الجراحات عند عدم الاتفاق، فهل يلزمهم دية الجميع ولا قصاص؟ أو يقتص من كل بقدر الجميع، فإذا كانوا ثلاثة قلغ أحدهم عينه، والثاني قطع يده، والثالث قطع رجله، ولم يعلم من الذي فقأ العين، وقطع الرجل، وقطع اليد، والحال أنه لا تمالؤ بينهم، اقتص من كل بفقء عينه وقطع يده، وقطع رجله، وفيه نظر، فالأظهر الأول. إذا لم يقع الفعل من كل واحد.
وتندرج الأطراف في النفس، كقطع يد الطرف، ثم قتله فقط، أما إن كانت فإنه يندرج في النفس، أن تعمد الجاني قطع النفس، بل يجب عليه الدية للطرف، ثم الجناية على الطرف خطأ، فلا تندرج في يد أو رجل، أو فقء عين من شخص، ثم قتله القصاص.
هذا إذا كان الطرف المقطوع من المقتول.стр. 2102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أما إذا كان الطرف لغير المقتول، كقطع يد شخص، وفقء عين آخر، وقتل رجل ثالث عمداً، فتندرج الأطراف في النفس، ولا تقطع يده، ثم يقتل.
قالوا: ومحل اندراج طرف المقتول في النفس إذا لم يقصد الجاني المثلة بالمجني عليه المقتول، فإن قصد المثلة به، فإنه يقتص منه للطرف، ثم يقتل بعد ذلك. وأما طرف غير المقتول، فإنه يندرج في القتل، ولو قصد الجاني المثلة بهم، على الرأي الراجح من المذهب.
قالوا: وكما تندرج الأطراف في النفس تندرج الأصابع إذا قطعت عمداً في قطع اليد عمداً بعدها، ما لم يقصد المثلة به، سواء كانت من يد من قطعت أصابعه، أو يد غيره، فإذا قطع اصابع شخص عمداً، ثم قطع كفه عمداً بعد ذلك، فقطع الجاني من الكوع.
ولو قطع أصابع رجل، ويد رجل آخر من الكوع، ويد ثالث من المرفق، قطع لهم من المرفق، إن لم يقصد المثيل به، فإن قصد المثلة بفعله السابق، لم يندرج في الصورتين بل تقطع أصابعه أولاً، ثم كفه بعد ذلك في الصورة الأولى.
وفي الصورة الثانية، تقطع أصابعه أولاً، ثم تقطع يده من الكوع للجناية الثانية، ثم تقطع يده من المرفق للجناية الثالثة، حتى يشعر بالألم الذي تسبب فيه لغيره، وتحصل المماثلة في القصاص.
قالوا: ويؤخر القصاص فيما دون النفس لعذر، كبرد، أو حر يخاف منه الموت على الجاني، لئلا يموت فيلزم اخذ نفس بدون نفس، وكذا يؤخر الجاني إذا كان مريضاً حتى يبرأ، ويؤخر القصاص فيما دون النفس حتى يبرأ الجروح، لاحتمال أن يموت بسبب السراية، فيكون الواجب القتل بقسامة، كدية الجرح الخطأ، فيؤخر إلى برء المجروح خوف أن يسري على النفس، فتؤخذ الدية كاملة، فإن برىء الجرح على غير شين، فلا دية، ولا أدب، لأنه لا يعتمد في الشرع، وإن برىء الجرح المقطوع على شين، فتجب حكومة عدلين، لهما معرفة بهذه الأشياء، فيقوم على فرض أنه رقيق، سالماً بعشرة مثلاً، ثم معيباً بتسعة مثلاً، فالتفاوت بين القيمتين هو العشر في المثال، فقد نقصت الجناية العشر، فيلزم الجاني بنسبة ذلك من الدية، كمائة دينار، وقيل: يجتهدان بالفكر فيما يستحقه المجني عليه، من الجاني.
مبحث إذا قطعت المرأة يد الرجل فتزوجها على الأرش
الحنفية قالوا: إذا قطعت المرأة يد رجل فتزوجها على أرش يده، فإما أن يقتصر القطع، أو يسرين فإن كان الأول صحت التسمية، ويصير الأرش وهو خمسة آلاف درهم مهراً لها بالإجماع، سواء كان القطع عمداً أم خطأ، وسواء تزوجها على القطع فقط أو عليه وعلى ما يحدث منه، لأنه لما برأ تبين أن موجبها الأرش دون القصاص لأنه لا يجري في الأطراف، بين الرجل، والمراة، والأرش يصلح صداقاً، وإن كان الثاني، ومات الرجل بسبب السراية، فإما أن يكون القطع خطأ، أو عمداً فإنстр. 2103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) كان الأول فله مهر مثلها، والدية على العاقلة، وإن كان الثاني فلها ذلك، والدية في مالها عند أبي حنيفة حمه الله، لأن العفو عن اليد، إذا لم يكن عفواً عما يحدث منه عنده فالتزوج على اليد لا يكون تزوجاً على ما يحدث منه، فيكون ما لها من المهر غير ما عليها مما يحدث منه، ثم القطع إذا كان عمداً كان التزوج تزوجاً على القصاص في الطرف، وهو ليس بمال فلا يصلح مهراً، لا سيما على تقدير سقوط القصاص، فإنه إذا لم يصلح مهراً على تقدير ثبوته، لا يصلح على تقدير سقوطه بطريق الأولى، والقصاص يسقط ها هنا، إما بقبولها التزوج، لأن سقوطه متعلق بالقبول، فلما قبلت سقط، وإما بتعذر الاستيفاء، فإنه لما جعل القصاص مهراً جعل لها ولاية الاستيفاء ولا يمكن استيفاء القصاص عن نفسها، وإذا لم يصح القصاص ولا بدله مهراً، يجب مهر المثل وعليها الدية في مالها، لأن التزوج وإن كان يتضمن العفو، فتجب الدية، وتجب في مالها لأنه عمد، وإذا وجب لها مهر المثل وعليها الدية تقطع المقاصة إن كانا على السواء، وإن كان في الدية زيادة ترده على الورثةن وإن كان في المهر فضل يرده الورثة عليها، وإذا كان القطع خطأ يكون هذا تزوجا على أرش اليد، وإذا سرعى إلى النفس تبين أنه لا أرش لليد، وأن المسمى معدوم فيجب مهر المثل،
كما إذا تزوجها على ما في اليد، ولا شيء فيها، ولا يتقاصان لأن الدية تجب على العاقلة في الخطأ، والمهر حق لها، ولو تزوجها على اليد وما يحدث منها، أو على الجناية ثم مات من ذلك والقطع عمد، فلها مهر مثلها، لأن هذا تزوج على القصاص وهو لا يصلح مهراً. فيجب مهر المثل، وصار كما إذا تزوجها على خمر، أو خنزير، ولا شيء له عليها، لأنه لما جعل القصاص مهراً فقد رشي بسقوطه بجهة المهر، فيسقط أصلاً، وأن كان القتل خطأ يرفع عن العاقلة مهر المثل من جميع المال، لأنه مريض مرض الموت، والتزوج من الحوائح الأصلية، ولا يصح في حق الزيادة على مهر المثل، لأنه محاباة فيكون وصية، فيرفع عن العاقلة، لانهم يتحملون عنها فمن المحال أن ترجع عليهم بموجب جنايتها.
الشافعية ﵏ قالوا: لو وجب لرجل قصاص على امرأة، فنكحها على هذا القصاص. بأن جعله صداقاً لها صح النكاح، والصداق، أما النكاح فواضح، لأنه تام بأركانه وشروطه، وأما المهر، فلآنه عوض مقصود، وقيل: لا يصح، ويجب لها مهر مثلها.
وسقط القصاص، لتضمن ذلك العفو، لأنها ملكت قصاص نفسهأ فإن فارقها الرجل قبل الدخول بها، رجع عليها بنصف الأرش لتلك الجناية، لأنه بد ل ما وقع العقد به، كما إذا اصدقها تعليم سورة من القرآن الكريم، فعلمها ثم طلقها قبل الدخول بها، فإنه يرجع بنصف أجرة التعليم.
وفي قول نص عليه في كتاب (الأم) يرجع عليها بنصف مهر مثلها، بناء على القول الثاني. هذا في حالة ما إذا وجب عليها القصاص.стр. 2104
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أما إذا اوجبت الجناية مالاً، كالخطأ فنكحها على أرش الجناية التي ارتكبتها، فإن النكاح يصح دون الصداق، للجهل بالدية.
مبحث حكم دم من عليه قصاص
الشافعية، والحنابلة - قالوا: من وجب عليه قصاص فهو معصوم الدم على غير المستحق، كغيره من المسلمين، فإذا اعتدى عليه وقتله غير المستحق اقتص منه، لقوله تعالى في كتابه العزيز ﴿ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل﴾ آية [٣٣ من سورة الإسراء] فخص وليه بقتله، فدل على أن غير وليه لا سلطان له عليه، وذلك فيمن لم يتحتم فقله. أما إذا تحتم قتله لقطع طريق، فإن الصحيح أنه يقتل قصاصاً، ولو قتله المستحق لا يقتل له.
والزاني المسلم المحصن، إن قتله ذمي قتل به، لأنه لا تسلطله على المسلم، وإذا كان الذمي يقتل به، فالمرتد والمعاهد والمستأمن بالأولى، وإذا قتله مسلم غير زان محصن، فلا يقتل به في الأصح، لاستيفائه حد الله تعالى.
والرأي الثاني، أنه يجب عليه القصاص، لأن الاستيفاء للإمام، فأشبه ما لو قتل من عليه القصاص غير مستحقه، وعلى الأول لا فرق بين أن يقتله قبل أمر الإمام بقتله أم لا، ولا بين أن يثبت زناه بالبينة أم لا، ولا بين أن يكون قبل رجوعه عن الإقرار أم لا.
أما المسلم الزاني المحصنن إذا قتله فإنه يقتل بهن وتارك الصلاة عمداً بعد امر الحاكم بها، حكمه كالزاني المحصن.
المالكية ﵏ قالوا: إذا أتلف مكلف معصوماص، فالقصاص واجب لولي الدم عليه، لا لغير ولي الدم، لأن دم القاتل معصوم بالنسبة لغير ولي الدم، فإذا قتل غير ولي الدم قاتلاً لمعصوم، فإنه يقتص منه، لأن القود ثابت للولي فقط.
وليس للولي: تنفيذ القصاص إلا بإذن الإمام أو نائبه، وإن اقتص ولي الدم من القاتل بغير إذن الحاكم أدب لا فتياته على الإمام.
وقال علماء المالكية أيضاً: يجب على القاتل عمداً، إذا كان بالغاً عاقلاً ولم يقتص منه، لنحو فقو، أو صلح، ذكراً، أو أنثى، حراً، عبداً مسلماً، أو غير مسلم، يجب عليه جلد مائة، وحبس سنة كاملة، من غير تغريب واختلف في المقدم منها، فقيل يقدم الجلد، وقيل: الحبس، ولم يشطروها بالرق لعظم الخطر في القتل.
مبحث فيما يثبت موجب القصاص
الحنفية، والشافعية، والحنابلة رحمهم الله تعالى - قالوا: يثبت موجب القصاص من قتل، أوстр. 2105
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) جرح عمد، بإقرار أو شهادة رجلين، قال تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [آية ٢٨٢] من البقرة. وقال تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ آية [٢ من سورة الطلاق] وقال عليه اصلاة والسلام (شاهداك، أو يمينه) ولا تقبل شهادة النساء في الحدود والقصاص، قال الزهري: مضت السنة من لدن رسول الله ﷺ والخليفتين بعده أن لا تقبل شهداة النساء في الحدود والقصاص) .
وألحقوا به علو القاضي، ونكول المدعى عليه، وحلف المجعي فإنه يثبت بهما أيضاً، ويثبت موجب المال من قتل، أو جرح خطأ، أو شبه عمد، بغلإرار، وشهادة عدلين، وعلم القاضي، أو برجل وامرأتين أو برجل ويمين، لا بامرأتين، ويمين لقوله تعالى: ﴿فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾ آية [٢٨٢ من البقرة] .
وإنما يثبت المال برجل وامرأتين إذا اجعى به عيناً، فلوا ادعى القصاص فشهد له رجل، وامرأتان لم يثبت القصا، ولا تثبت الديةن لانها خاصة بالرجالن ولو عفا مستحق القصاص في جناية توجيه عن القصاص ليقبل المال وشهد له رجل وامرأتان، أو رجل ويمين، لم يحكم له بذلك، لأن المال إنما يثبت بعد ثبوت القصاص، ولم يثبت القصاص ليعتبر العفو.
وقيل: يقبل لأن القصد المال، ومحل الخلاف إن أنشأ الرجل الدعوى، والشهادة بعد العفو.
أما لو ادعى العمد، وأقام رجلاً وامرأتين ثم عفا عن القصاص على مال، وقصد الحكم له بتلك الشهادة، لم يحكم له بها قطعاص، لانها غير مقبول حين أقيمت فلم يجز العمل بها، كما لو شهد صبي، أو عبد بشيء، ثم بلغ الصبي، أو عتق العبد.
قالوا: لو شهد رجل وامرأتان بهاشمة قبلها إيضاحها لم يجب أرشها، لأن الهشم المشتمل على الايضاح جناية واحدة، وإذا اشتملت ما يوجب القصاص احتيط لها، فلا يثبت ألا بحجة كاملة، وهي رجلان.
ويجب على الشاهد أن يصرح بالمدعى به (بفتح العين) فلو قال الشاهد: ضرب المجنى عليه بسيف فجرحه فمات، لم يثبت هذا القتل المدعى به، لاحتمال أن يكون ما بسبب لآخر، حتى يقول الشاهد: فمات من جرحه، أو يقول: فقتله أو أنهر دمه، أو نحو ذلك، كضربه فمات مكانه، لينتفي الاحتمال المذكور، ولو قال الشاهد: ضرب الجاني رأس المجنى عليه فأدماه، أو ضرب رأسه مثلاً فأسال الضرب دمه، ثبتت بذلك دامية عملاً بقوله الذي قطعه، بخلاف ما لو قال: فسال دمه لم تثبت لاحتمال حصول السيلان بسبب آخر.
قالوا: ويشترط في الشهادة بالموضحة. أن يقول الشاهد: ضربه فأوضح عظم راسه لأنه لا شيء يحتمل بعده، وقيل: يكفي فأوضح راسه من غير تصريح بإيضاح العظم، ويجب على الشاهد بيان محل الموضحة وقدرها بالمساحة، أو بالإشارة اليها ليمكن فيها القصاص، وذلك إذا كان علىстр. 2106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) رأسه مواضح، فإن لم يكن برأسه إلا موضحة واحدة، وشهد الشاهد بأنه اوضح رأسه لم يثبت القصاص لجواز أنه كان على رأسه موضحة صغيرة، فوسعها غير الجاني.
قالوا: وثبت القتل بالسحر، بالإقرار من الساحر، فإن قال قتلته بسحري وهو يقتل غالباً يكون عمداً وعليه القصاص، وإن قال يقتل نادراً فشبه عمد، وإن قال: أخطأت من اسم غيره إلى اسمه، فيكون خطأ، ويجب في هاتين الصورتين دية في مال الساحر لا على العاقلة، لأن إقراره لا يلزمهم، إلا أن تصدقه العاقلة، فتكون الدية عليهم.
المالكية ﵏ قالوا: يثبت الحق في القصاص، والجرح بالإرار، أو بشهادة رجلين عدلين، لأن كل ما ليس بمال، ولا آيل إلى المال لا يكفي فيه إلا عدلان، كالعتق، والعفة عن القصاص، وكشرب خمر، وقذف، وقتل، وجرح، وغير ذلك.
واشترطوا في صحة الشهدة عند الحاكم العدالة - والعدل، هو الحر، المسلم، البالغ، العاقل، بلا فسق، ولا حجر، ولا بدعة، ولا تأول، وأن يكون صاحب مروءة بترك شيء غير لائق من لعب بحمام، وشطرنج، وترك سماع غناء وترك سفاهة من القول، وترك صغيرة، وإن كان أعمى في القول، أو أصم في العقل، وشرط قبول شهادته، أن يكون فطناً، جازماً في شهادته بما أدى، غير متهم فيها.
فانرحع الشاهدان قبل الحكم، بعد الأداء تبطل الشهادة، ولا يعمل بها، ويؤدبان، أما إذا رجعا بعد الحكم، والاستيفاء في القتل فلا تبطل، بل يغرم الشاهدان دفع الدية، للمشهود عليه ويضمنان الدية، والعقل في القصاص في أموالها.
وقال أشهب: يقتص من الشاهدين إذا رجعا بعد الحكم والاستيفاء في القتل العمد لأنهما تسببا في قتل النفس بلا شبهة فيقتلان.
ويحكم بنقض الحكم بنقض الحكم إن ثبت كذبهم بعد الحكم، وقبل الاستيفاء، في القتل، والقطع، والحد، وإن علم الحاكم كذبهما في شهادتهما، وحكم بما شهدا به، من قتل، أو قصاص، اودية، سواء باشر الدم، أو لا، فإنه يقتص من الحاكم في هذه الحالة، ويجب على الحاكم دفع الدية من ماله خاصة، دون العاقلة.
فإن لم علم كذبهما، فلا ضمان عليه، وإن علم بقادح منهما.
قالوا: وسبب القسامة التي توجب القصاص في العمد، والدية في الخطأ، قتل الحر المسلم، سواء كان بالغاً، أو صبياً، قتل بجرح، أو ضرب، أو سم، بلوث - بفتح اللام، وسكون الواو - الأمر الذي ينشأ عنه غلبة الظن بأنه قتله، وذلك كوجود شاهدين عدلين على قول حر، مسلم، بالغ: قتلني، أو جرحني، أو ضربني فلان، وذكر اسم القاتل، حراً، أو عبداً، بالغاً، أو صبياً، ذكراً أو أنثى، أو قال: دمي عنده، سواء كان قول المسلم قتلني عمداً، أو خطأ، ففي العمد يستحقون بالقسامةстр. 2107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) القصاص وفي الخطأ الدية، ولو كان القائل: قتلني فلان، فاسقاً، على اعدل أهل زمانه، واورعهم، فيقسمون ويقتل فيه.
أو ادعى الولد على أبيه أنه ذبحه، أو شق جوفه، أو رماه بحديد قاصداً قتله، فيقسمون ويأخذون الدية مغلظة.
وإن أطلق المقتول، ولم يبين بعمد ولا خطأ، بين أولياؤه أنه عمد، أو خطأ، وأقسموا على ما بينوا، وتبطل القسامة إن قالوا: لانعلم هنل القتل عمد أو خطأ، أو لانعلم من قتله، أو اختلفوا بأن قال بعض الأولياء قتله عمداً، وقال بعضهم: لا نعلم هل قتله عمداً، أو خطأ، فيبطل الدم، لانهم لم يتفقوا على أن وليهم قتل عمداً حتى يستحقوا القود، ولا على من قتله، فيقسمون عليه.
أو شهد عدلان على معاينة الضرب، أو معاينة الجرح خطأ أو عمداً، وتأخر موت المضروب، أما إذا لم يتأخر، فانهم يستحقون الدم، أو الدية بدون قسامة، لكونها شهادة على معاينة القتل، فيقسم أولياؤه لمن ضربه، أو جرحه، من الضرب مات، أو إنما مات منه، أو بشهادة عدل بمعاينة الضرب أو الجرح، عمداً أو خطأ، تأخر الموت أو لم يتأخر، يقسم الأولياء خمسين يميناً: لقد جرحه، أو ضربه، ومات من الجرح، أو الضرب، أو شهد عدل بإقرار المقتول، الحر، المسلم، البالغ العاقل، أن فلاناً جرحنين أو ضربني عمداً أو خطأ فشهادته لوث، يحلف الأولياء خمسين يميناً، لقد قتله أو شهد عدل برؤية المقتول يتحرك في دمه، والشخص المتهم بالقتل قريب منه، وعليه اثر القتل، ككون الآلة بيده ملطخة بدم أخارجاً من مكان المقتول وليس فيه غيره، فتكون شهادة العدل على ماذكر لوثاً، يحلف الأولياء، ويستحقون القود، أو الدية اهـ.
الشافعية - قالوا: لو أقر بعض الورثة لو كان فاسقاً، بعفو بعض منهم عن القصاص، سواء عينه، املا، سقط القصاص لأنه لا يتبعض، ولو أعترف بسقوط حقه منه، فيسقط حق الباقين، بخلاف الدية فإنها لا تسقط، وإن لم يعين العافي، فللورثة كلهم الدية، وإن عينه فأنكر فكذلك ويصدق بيمينه إنه لم يعف وإن أقر بالعفو مجاناً، أو مطلقا سثط حق من الدية، وللباقين حصتهم منها.
ويشترط لا ثبات العفو من بعض الورثة عن القصاص - لا عن حصته من الدية - شاهدان عدلان، لأن القصاص ليس بمال، وما لا يثبت بحدة ناقصة لا يحكم بسقوطه، اما إثبات العفو عن حصته من الدية، فيثبت بالحجة الناقصة أيضاً، من رجل وأمرأتين، أو رجل ويمين، لأن المال يثبت بذلك، فكذا أسقاطه، وخرج بقوله أقر، ما لو شهد، فإنه إن كان فاسقاً، أو لم يعين العافي فكالإقرار، وإن كان عدلاً، وعين العافي وشهد بأنه عفا عن القصاص والدية جميعاً بعد دعوى الجاني قبلت شهادته في الدية، ويحلف الجاني مع الشاهد الن العافي عفا عن الدية لا عنها وعن القصاص، لأن القصاص سقط بالإقرار فيسقط من الدية حصة العافي، وإن شهد بالعفو عن الدية فقط لم يسقط قصاص الشاهد.
ولو اختلف شاهدان في زمان القتل: كأن قال أحدهما قتله في الليل، وقال الآخر: قتله بالنهار، فاو اختلفا في مكان القتل: كأن قال أحدهما: قتله في المسجد، وقال الآخر: قتله في الدار، أو اختلفا.стр. 2108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) في آلة القتل: كأن قال أحدهما: قتل بالسيف، وقال الآخر: قتله بالرمح، أو اختلفا في هيئة القتل: كأن قال أحدهما: قطع رقبته، وقال الآخر: شقه نصفين، سقطت شهاتهما في هذه الصورن ولا لوث بها، لأن كل واحج ناقض صاحبه.
وقيل: هذه الشهادة - لوث - فيقسم الولي، وتثبت الدية لا تفاقهما على أصل القتل، والاختلاف في الصفة بما يكون غلطاً أو نسياناً.
فإن قيل: لم لم يحلف على الأول مع من وافقه منهما، أو يأخذ البدل كنظيره من السرقة.
أجيب: بأن باب القسامة، أمره أعظم، ولهذا غلظ فيه بتكرير الأيمان.
هذا إذا شهد على الفعل، فلو شهد على الإقرار لم يضر اختلافهما في الزمان ولا في المكان، لأنه لا أختلاف في القتل وصفته: بل الاختلاف في الإقرار.
نعم: إن عينا يوماً، في مكانين متاعدين بحيث لا يصل المسافر من أحدهما إلى الآخر في الزمان الذي عيناه، كأن شهد أحدهما بأنه أقر بالقتل بمكة يوم كذا، والآخر أقر، بأنه قتله بمصر في تاريخ ذلك اليوم، فتلغو الشهادة ولا تقبل.
الحنفية رحمهم الله تعالى - قالوا: من قتل وله ابنان حاضر وغائب، فأقام الحاضر البينة على القتل، ثم قدم الغائب فإنه يجب عليه أن يعيد البينة عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى لأن استيفاء القصاص حق الوارث عنهده، ولأن القصاص طريق الخلافة دون الوراثة ألا ترى أن ملك القصاص يثبت بعد الموت، والميت ليس من أهله، بخلاف الدين، والدية، لأن الميت من أهل الملك في الأموال، كما إذا نصب شبكة في حياته فتعلق بها صيد بعد ممانه فإنه يملكه، وإذا كان طريقه الإثبات ابتداء لا ينتصب أحدهما خصماً عن الباقين، فيعيد البينة بعد حضوره، احتيالاً للدرء.
وقال الصاحبان: إذا حضر الغائب فلا يعيد إقامة البينة، لأن استيفاء القصاص حق المورث، فإن القصاص طريقه طريق الوارثة، كالدين، وهذا لأنه عوض عن نفسه، فيكون الملك فيه لمن له الملك في المعوض، كما في الدية، ولهذا لو انقلب مالاً يكون للميت، ويسقط بعفوه بعد الجرح قبل الموت، فينتصب احد الورثة خصماً عن الباقين، فلا يعيد البينة بعد حضوره. أما إذا كان القتل خطأ، وحضر الغائب فلا يجب عليه إعادة البينة بالاجماع، فإن أقام القاتل البينة أن القائب قد عفا عن القصاص، فالشاهد من اولياء الدم خصم له، ويسقط القصاص، لأنه ادعى على الحاضر سقوط حقه في القصاص، إلى مال، ولا يمكنه إثباته إلا بإثبات العفو من الغئب، فينتصب الحاضر خصماً عن الغائب، وكذلك عبد بين رجلين قتل عمداً، واحد الرجلين غائب فهو على هذا، فإن كان الأولياء ثلاثة، فشهد اثنان منهم على الآخر اه قد فقا، فشهادتهما باطلة، وهو عفو منهما، لانهما يجران بشهادتهما إلى أنفسهما مغنماً، وهو انقلاب القود مالاً، فإن صدقهما القاتل فالدية بينهم أثلاثاً، لأنه لما صدقهما وحده، فقد أقر بثلثي الدية لهما، فصح إقراره إلا أنه يدعي سقوط حق المشهود عليه، وهوстр. 2109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ينكر فلا يصدق، ويغرم نصيبه، وأما إن كذبهما القاتل فلا شيء لهما، وللغائب ثلث الدية، لانهما اقرا على أنفسها بسقوط القصاص فقبل، وادعيا انقلاب يصيبهما مالاً، فلا يقبل إلا بحجة، وينقلب نصيب المشهود عليه مالاً، لأن دعواهما العفو عليه، وهو ينكر بمنزلة ابتداء العفو منهما في حق المشهود عليه، لأن سقوط القود مضاف إليهما، وإن صدقهما المشهود عليه وحده غرم القاتل ثلث الدية للغائب المشهود عليه، لإقراره له ذلك.
قالوا: وإذا شهد الشهود أنه ضربه فلم يزل صاحب فراش حتى مات فيجب عليه القوج إذا كان القتل عمداً، لأن الثابت بالشهادة كالثاب معاينة، وفي ذلك القصاص - إذا شهدوا أنه ضربه بشيء جارح قصداً، - والشهادة على قتل العمد تتحقق على هذا الوجه، لأن الموت بسبب الضرب إنما يعرف إذا صار باضرب صاحب فراش حتى مات.
وإذا اختلف شاههدا القتل في الأيام بأن قال أحجهما: إنه قتله يوم السبت، وقال الآخر بأن القتل كان يوم الخميس.
أو اختلفا في البلد، بأن قال أحدهما: إن القتل كان في مكة، وقال الآخر بأنه ومع في الكوفة، أو اختلفا في الآلة التي كان بها القتل، بأن قال أحدهماك ضربه بسيف، وقال الآخر: ضربه بعصا. فالشهادة باطلة، ولا يعمل بها، لأن القتل لا يعاد ولا يكرر - والقتل في زمان، أو في مكان غير القتل في زمان أو مكان آخر - والقتل بالعصا غير القتل في زمان، أو في مكان غير القتل في زمان أو مكان آخر - والقتل بالعصا غير القتل بالسلاح، لأن الثاني عمد بالاتفاق، والاول شبه عمد، وتختلف أحكامهما، فكان على كل قتل شهادة فرد، وكذا إذا قال أحدهما: فإن المطلق يوجب الدية في ماله، والمقيد بالعصا يوجب الدية على العاقلة.
قالوا: وإن شهدا أنه قتله، وقالا: لا ندري باي شيء قتله، ففيه الدية استحساناً، والقياس أن لا تقبل هذه الشهادة لأن القتل يختلف باختلاف الآلة، فجهل المشهود يسقط الشهادة لأن قولهم: لا ندري بأي شيء قتله، إما صادقون أو كاذبون، لعدم الواسطة بين الصدق والكذب وعلى كلا التقديرين يجب أن لا تقبل شهادتهما، لأنهما إن صجقا امته القضاء بها لاختلاف موجب السيف والعصا، وإن كذبا فكذلك لانهما صرا فسقة.
ووجه الاستحسان، انهم شهدوا بقتل مطلق، والمطلق ليس بمحمل فيجب اقل موجبه وهو الدية، ولأنهم جعلوا عالمين بأنه قتله بالسيف، لكنهم بقولهم: لا ندري، اختاروا حسبة الستر على القتل وأحسنوا إليه بالإحياء، وجعل كذبهم هذا معفواً عند الله لما جاء في الحديث الشريف (ليس كذاباً من يصلح بين اثنين) فبتأويلهم كذبهم بهذا لم يكونوا فسقة، فتقبل شهادتهم، فلا يثبت الاختلاف بالشك، وتجب الدية في مال، لأن الأصل في الفعل العمد، فلا يلزم العاقلة.
وإذا اقر رجلان كل واحد منهما بأنه قتل فلاناً، فقال الولي: قتلتماه جيمعاً، فله أن يقتلهما، وإنстр. 2110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) شهدوا على رجل أنه قتل فلاناً، وشهدوا آخرون على آخر بقتله، وقال الولي: قتلتماه جيمعاً، بطل ذلك كله، والفرق أن الإقرار والشهادة يتناول كل واحد منهما وجوب كل القتل، ووجوب القصاص قد حصل التكذيب فيهما، غير أن تكذيب المقر له في بعض ما أقر به لا يبطل شهادته أصلاً، لأن التكذيب تفسيق، وفسق الشاهد يمنع القبل اهـ.
مبحث شهادة الشهود
اتفق الأئمة رحمهم الله تعالى: على أن الشخص لو شهد لمورثه بجرح قبل الاندمال لم تقبل شهادته للتهمة، لأنه لو ماب مورثه كان الأرش له، فكأنه شهد لنفسه، وهي شهادة غير مقبولة شرعاً، قالوا: إلا أن يكون على المجروح دين يستغرق تركته فتقبل شهادته لأنه لا يجر بذلك لنفسه نفعاً، وفيه نظر لأن الدين لا يمنع الإرث وبما يبرأ منه، ولا حتمال ظهور مال لمورثه، مخفياً.
قال الرافعي: وشهادتهم بتزكية الشهود كشهادتهم بالجرح.
والمراد بالشاهد الوارث غير اصله وفرعه، لأن شهادتهما لا تقبل مطلقاً للبعضية، قالوا: ولو شهد لمورثه بمال في مرض موته تقبل في الأصح موته تقبل في الأصح عند أكثر العلماء.
وقيل: لا تقبل كالجرح، وقد فرق (القارقي) بينهما بأنهما إذا شهدا بالمال لم يحصل لهما نفع حال وجوبه، لأن الملك يحصل للمشهودل له، وينفذ تصرفه فيه، في ملاذه وشهواتهن وإذا شهدا له بالجراحة كان النفع حال الوجوب لهما، لأن الدية قبل الموت لم تجب وبعده تجب لهما.
وفرق غيره، بأن الجرح سبب الموت الناقل للحق، فإذا شهد بالجرح فكأنه شهد بالسبب الذي ثبت به الحق، ههنا بخلافه.
قالوا: ولا تقبل شهادة العاقلة بفسق شهود قتل، أو قطع طرف خطأ، أو شبه عمد يحملونه وقت الشهادة، لأنهم يدفعون عن أنفسهم الغرم، فإن كانوا لا يحملونها وقت الشهادة نظرت، فإن كانوا من فقراء العاقلة فالنص ردها أيضاً، أو من أباعدهم، وفي الأقربين وفاء بالواجب، فالنيص قبولها، والفرق أن المال غاد ورائح، والغنى غير مستبعد، فتحصل التهمة، وموت الغريب كالمستبعد في الاعتقاد، فلا تحقق التهمة لمثله.
بخلاف ما إذا شهدوا بفسق بينة القتل العمد، وبينة الإقرار بالقتل، فإنها تكون مقبولة في هذه الحالة لعدم التهمة، إذ لاتحمل.
قالوا: ويشترط في الشهادة السلامة من التكاذب، فلو شهد اثنان على اثنين بقتل شخص، فشهد المشهود عليهما مبادرة على الأولين، أو غيرهما بقتله، فإن صدق الولي الأولين حكم بهما، لسلامة شهادتهما عن التهمة وسقطت شهادة الآخرين، لانهما يدفعان بشهادتهما عن أنفسهما القتلстр. 2111
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الذي شهد به الأولان، والدافع متهم في شهادته ولو صدق الولي الآخرين، أو صدق الجميع، أو كذب الجميع بطلت الشهادتان في المسائل الثلاثة المذكورة - أما الأول فلآن في تصديق الآخرين تكذيب الأولين، وعداوة الآخرين لهما، وأما في الثانية، فلآن في تصديق كل فريق تذكيباً للآخر، وأما الثالثة فالأمر فيهما ظاهر، حيث كذب الطرفين.
قالوا: ولو أقر بعض الورثة - ول كان فاسقاً - بعفو بعض منهم عن القصاص، سواء عينه أو لا؟ سقط القصاص عن الجاني، لأنه لا يتبعض، ولو اعترف بسوقط حقه منه فيسقط حق الباقي في القصاص، أما الدية فإنها باقية لا تسقط، بل وإن لم يعين العافي، فللورثة كلهم الدية، وإن عينه، فأنكر فكذلك لا تسقط الدية، ويصدق بيمينه أنه لم عف، وإن أقر بالعفو مجاناً، أو مطلقاً سقط حقه من الدية، وثبت للباقين من الورثة حصتهم منها.
ويشترط لإثبات العفو من بعض الورثة عن القصاص، لا عن حصته من الدية شاهدان عدلان من الرجال، لأن القصاص ليس بمال، وما لا يثبت بحجة ناقصة لا يحكم بسقوطه، أما إثبات العفو عن حصته من الدية، فيثبت بالحجة الناقصة أيضاً، من رجل وامرأتين، أو رجل ويمين، لأن المال يثبت بذلك، فكذا إسقاطه.
وإذا شهد بعض الورثة بعفو بعضهم عن القصاص، فإن كان فاسقاً أو لم يعين العافي منهم فهو كالإقرار.
وإن كان عدلاً وعين العافي، وشهد بأنه عفا عن القصاص والدية جميعاً بعد دعوى الجاني قبلت شهادته في العفو عن الديةن ويحلف الجاني مع الشاهد، أن العافي عقا عن الدية لا عنها وعن القصاص، لأن القصاص سقط بالإقرار، فيسقط من الدية حصة العافي، وإن شهد بالعفو عن الدية، فسقط لم يسقط قصاص الشاهد.
قالوا: وإذا رجع شهود القصاص ضمنوا الدية، ولا قصاص عليهم، لأنه لم يوجد منهم القتل مباشرة، والتسبيب لا يوجب القصاص، كحافر البئر، بخلاف الإكراه، لأن المكره فيه مضطر إلى ذلك فإنه يؤثر حياته، وكذلك الولي فإنه مختار، والاختيار يقطع التسبيب، وإذا امتنع القصاص وجبت الدية، لأن القتل بغير حق لا يخلو عن أحد الموجبين، ولو شهدا بالعفو عن القصاص ثم رجعا لم يضمنا، لأن القصاص ليس بمال.
قالوا: وإذا رجع شهود الفرع ضمنوا، لأن التلف اضيف إليهم، فإنهم الذين ألجؤوا القاضي، إلى الحكم، وإن رجع شهود الأصل، وقالوا: لم نشهد شهود الفرع، لم يضمنوا، لانهم أنكروا التسبيب، وهو الاشهاد والقضاء ماض لأنه خبر محتمل.
ولو قالوا: أشهدناهم وغلطنا، فلا ضمان عليهم، لأن القضاء وقع بما عابثه من الحجة وهي شهادة الفروع فيضاف إليهم اهـ.
-стр. 2112
مبحث الجناية على الأطراف .
-أما الجناية على الأطراف من يد، أو عين، أو سن، فقد جعلت الشريعة الإسلامية، عقوبتها القصاص أيضاً، بمعنى أنه يفعل بالجاني مثل ما فعل جزاء وفاقاً، ولكن يشترط المماثلة بين العضوين، فلا تفقأ عين عوراء، في نظير عين سليمة، ولا يقطع لسان أخرس، في لسان متكلم، ولا تقطع يد عاطلة بيد عاملة، ونحو ذلك مما هومبين في محله (١) وهذا هو العدل المطلق، فإن الذي يعتدي على إتلاف عضو إنسان لا جزاء له إلا أن يتلف منه ذلك العضو، كما قال تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ آية [٤٠ من سورة الشورى] . الحواشي
(١) (اتفق الأئمة الأربعة: على أن من أتلف نفساً فعليه دية كاملة، وفي مارن الأنف وهو ما لأن دون العظم، ويسمى أرنبة الأنف تجب دية كاملة، لأن فيه جمالاً ومنفعة، وهو مشتمل على الطرفين المسمييين بالمنخرين، وعلى الحاجز بينهما، وتندرج حكومة قصبته في ديته فلا يزاد على دية واحدة، لأنه عضو واحد، وفي قطع اللسان الدية لفوات منفعة مقصودة، وهو النطق ولو كان اللسان لألكن، وهو من في لسانه لكنة، أو أعجم، ول لسان أرت، ولو لسان ألثغ - بمثلثة - ولو لسان طفل لم ينطق، ولأن فيه جمالاً ومنفعة يتميز بها الإنسان عن البهائم في البيان والعبارة، عما في الضمير، وفيه ثلاث منافع: الكلام، والذوق، والاعتماد في أكل الطعام، وإدارته في اللهوات حتى يستكمل طحنه بلأضراس، فتجب فيه دية كاملة، وفي إبطال الصوت مع إبقاء اللسان دية كاملة.
وقيل: شرط الدية في قطع لسان الطفل الصغير، ظهور أثر نطق بتحريكه لبكاء، أو مص للثدي، لانها أمارات طاهرة على سلامة اللسان، فإن لم يظهر فحكومة، لأن سلامته غير متيقنة، والأصل براءة الذمة، ولو قطع نصف لسانه فذهبب ربع كلامه أو عكس فنصف الدية، وإن شل اللسان فديتان، وقيل: دية.
وإذا كان اللسان المقطوع عديم الذوق، أو كان أخرساً، تجب فيه حكومة عدل، وتجب الدية كاملة إذا قطع بعض اللسان، ومنع الكلام، لتفويت منفعة مقصودة، وإن كانت الآلة قائمة، ولو قدر على التكلم ببعض الحروف. قيل: تقسم على عدد حروف الهجاء، وقيل على عدد حروف تتعلق باللسان فبقدر ما لا يقدر عليه تجب ديته.
وربما يقال: إن ذلك الجزاء تكثير لرباب العاهات بين أفراد الأمة، فبعد أن كان الناقس، هو المعتدي ناقصاً مثله، وذلك ضار بقوة الأمة وبهيبتها.
وقيل: إن قدر على أداء أكثرها تجب حكومة عدل لحصول الإفهام مع الاختلال، وإن عجز عن أداء الأكثر يجب كل الدية، لأن الظاهر أنه لا تحصل منفعة الكلام، وقد روي أن رجلاً قطع طرفстр. 2113
والجواب: أن في هذا القصاص تقليلاً لأرباب العاهات - لا تكثيراً - بل في القصاص قضاء على الجريمة، من أصلها، كما قال تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون﴾ آية [١٧٩ من سورة البقرة] .
لأن الذي يوقن بالجزاء المماثل، ويعلم أنه إذا اعتدى على عضو من أعضاء بدن غيره قطع مثله منه، فإنه يحجم عن ارتكاب الجريمة بتاتاً، وبذلك يرتفع العدوان، فلا يوجد ذو عاهة أصلاً، لا معتد، ولا معتدى عليه.
الحواشي
(١) لسان رجل في زمان الإمام على كرم الله وجهه فأمره أن يقرأ - ا، ب، ت، ث - فكلما قرأ حرفاً أسقط من الدية بقدر ذلك، ومالم يقرأ أوجب من الدية بحسبانه، وحروف اللسان ثمانية عشر حرفاً في لغة العرب، وحروف الحلق وهي ستة، وحروف الحلق وهي ستة، وحروف الشفة وهي أربعة.
وفي قطع الذكر تجب الدية كاملة، وكذلك الحشفة، وهي رأس الذكر إذا قطعها عليه دية كاملة ولو كان الذكر لصغير، وشيخ كبير، وخصي، وعنين، لإطلاق الحديث الوارد في ذلك.
وعند أكثر الفقهاء: أن في ذكر الخصي والعنين حكومة.
والأصل فيه ما روي عن سعيد بن المسيب ﵁ أن النبي صلوات الله وسلامه عليه، قال (في النفسن الدية، وفي اللسان الدية، وفي المارن الدية) وهكذا في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم ﵁ (روى أبو داود في المراسيل عن ابن شهاب قال: قرأت في كتاب رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، رواه النسائي) . ولأن ذكر الخصي سليم وهو قادر على الإيلاج، وإنما الفائت الإيلاد، والعنة عيب في غير الذكر، لأن الشهوة في القلب والمني في الصلب، وليس الذكر بمحل لواحد منهما: فكان سليماً من العيب، والحشفة كالذكر، لأن ما عداها من الذكر كالتابع لها، كالكف مع الأصابع، لأن معظم منافع الذكر وهو لذة المباشرة تتعلق بها، وأحكام الوطء تدور عليها، من قطع بعضها يجب بقسطه منها، لأن الدية تكمل بقطعها فقسطت على أبعاضها.
وقيل: يجب بقسطه مع كل الذكر، لأنه المقصود بكمال الدية، أما الذكر الأشل ففيه حكومة عدل، وذكر الخنصى ففيه نصف دية، ونصف حكومة.
والأصل في الأطراف أنه إذا فوت جنس منفعة على الكمال، أو أزال جمالاً مقصوداً في الآدمي على الكمال، يجب كل الدية، لإتلافهكل النفس من وجه، وهو ملحق بالإتلاف من كل وجه تعظيماً للآدمي، فإن كان جنس المنعفة، أو الكمال قائماً بعضو واحد فعند إتلافه يجب كمال الدية، وإن كان قائماً بعضوين، ففي كل واحد منهما نصف الدية، وإن كان قائماً بأربعة أعضاء ففي كل واحد منها ربع الدية، وإن كان قائماً بعشرة أعضاء، ففي كل واحد منها عشر الدية، وإن كان قائماً بأكثر ففي كل واحد منها نصف عشر الدية، كقطع أنملة إبهام الأصبع مثلاً.стр. 2114
أما الذي يعلم أن نتيجة عدوانه عقوبة بالسجن القليل، فإنه لا يبالي بتكرار فعله مع كثيرين، فيزيد أرباب العاهات والمجرمون معاً، على أن السجن إذا طال أمده فإنه يكون من شر الآفات التي تقضي على حياة المجرم، فإنه يصبح عاطلاً مستهتراً بالجرائم، كما هو مشاهد في كثير من متعودي الإجرام والسجون فمتى أمكن القصاص بالتساوي بين العضوين، كان من العدل أن يقتص من الجاني بمثل جنايته، وإن لم يمكن كان للحاكم أن يعزره بما يراه زاجراً له عن العودة، ورادعاً للأشرار عن ارتكاب الجرائم. على أنك قد عرفت أن القصاص في نظر الشريعة الإسلامية حق المعتدى عليه، فله أن يصطلح مع خصمه على مال أو غيره، أو يعفو عنه.
فإذا رأى الحاكم أن العفو يترتب عليه ضرر بالأمن، فله أن يتخذ الوسائل التي يراها لصيانة الأمن.
الحواشي
(١) وفي قطع الذكر فاتت على الشخص منفعة الوطء، والإيلاد، واستمساك البول، والرمي به عن جسده، وفق الماء، والإيلاج الذي هو طريق الاعلاق عادة، وغير ذلك، وإن شق الذكر طولاً، فأبطل منفعته وجبت فيه دية كاملة، كما لو ضربه على ذكره فأشله، وإن تعذر بضربه الجماع به، لا الانقباض والانبساط فتجب حكومة عد، لأنه ونفعته باقيان والخلل في غيرهما، فلو قطعه قاطع بعد ذلك، فعليه القصاص، أو كمال الدية.
وفي العقل إذا ذهب بالضرب عمداً، أو خطأ دية كاملة، وقد قضى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بذلك، ولفوات منفعة الإدراك إذ به ينتفع بنفسه في معاشه ومعاده، وذلك إذا لم يرج عوده بقول أهل الخبرة في مدة يظن أنه يعيش إليها، كما جاء في خبر عمرو بن حزم.
وقل أبن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم على ذلك، لأن العقل أشرف المعاني، والأعضاء، وبه يتميز الإنسان عن البهائم، ويعقله عن الوقوع في الدنايا، والمراد العقل الغريزي الذي به التكليف دون المكتسب الذي به حسن التصرف، ففيه حكومة، فإن رجي عوده في المدة المذكورة انتظر، فإن عاد فلا ضمان، كما في سن من لم ينفر، وفي إزالة بعضه بعض الدية بالقسط إن ضبط بزمان كأن كان يجن يوماً، ويفيق يوماً، أو بغيره، كأن يقابل صواب قوله، وفعله بالمختل منهما، وتعرف النسبة بينهما، فإن لم ينضبط فحكومة يقدرها الحاكم باجتهاده، فإن ما في أثناء المدة المقدر عوده فيها وجبت ديته كاملة، ولا يجب القصاص فيه للاختلاف في محله، فقيل محله - القلب - وقيل: الدماغ وقيل: مشترك بينهما، والأكثرون على الأول، وقيل: مسكنه الدماغ وتدبيره القلب، ويسمى عقلاً لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك، ولا يراد شيء على دية العقل أن زال بما لا أرش له، كأن ضرب رأسه، أو لطمه لكن يجب تعذيره في الأصح.
فإن زال العقل الغريزي بجرح له أرش مقدر كالموضحة، أو حكومة كالباضعة، وجبت الديةстр. 2115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) والأرش، أو الدية والحكومة معاً، ولا يندرج ذلك في دية العقل لأنها جناية أبطلت منفعة غير حالة في محل الجناية، فكانت كما لو أوضحه فذهب سمعه، أو بصره، وكما لو انفردت الجناية عن زوال العقل، وعلى هذا لو قطع يديه وجليه، فزال عقله بذلك لزمه ثلاث ديات.
ولو ادعى ولي المجنون زوال عقل المجني عليه، وأنكره الجاني، ونسبه إلى التجانن، اختبر في عقله، فإن لم ينتظم قوله، وفعله في خلواته فتجب له دية بلا يمين، وهذا في المجنون المطبق، أما المجنون المنقطع فإنه يحلف في زمن إفاقته، فإن انتظم قوله وفعله حلف الجاني، لاحتمال صدور المنتظم اتفاقاً، أو جرياً على العادة، والاختيار لا يقدر بمدة، بل إلى أن يغلب على الظن صدقه، أو كذبه، ولا بد في سماع دعوى الزوال، من كون الجناية تحتمل زوال العقل. وإلا لم تسمع الدعوى، كحصول الموت بصعقة خفيفة وفي إزالة السمع تجب دية كاملة، لخبر البيهقي (في السمع الدية) ونقل أبن المنذر فيه الإجماع ولأنه من اشرف الحواس، فكان كالبصر، بل هو أشرف منه عند أكثر الفقهاء، لأن به يدرك الفهم، ويدرك من الجهات الست، وفي النور والظلمة، ولا يدرك بالبصر إلا من جهة المقابلة، وبواسطة من ضياء أو شعاع، وقال أكثر المتكلمين بتفضيل البصر عليه، لأن السمع لا يدرك به إلا الأصوات، والبصر يدرك الأجسام والألوان، والهيئات فكان أشرف منه، ولا بد في وجوب الدية من تحقق زوال السمع، فلو قال أهل الخبر: يعدو وقدروا له مدة لا يستبعد أن يعيش إليها انتظرت، فإن استبعد ذلك، أو لم يقدروا مدة أخذت الدية في الحال. وإن قالوا: لطيفة السمع باقية في مقرها، ولكن انسد منفذ السمع، والسمع باق وجبت فيه حكومة.
وقيل: يعتبر في طريق معرفة السمع الدلائل الموصلة إلى ذلك، فإن لم يحصل العلم بذلك يعتبر في الدعوى والإنكار، فطريق معرفة السمع أن يتغافل وينادى عليه، فإن أجاب على أنه يسمع، ولا دية له.
حكى الناطفي عن أبي حازم القاضي أن امرأة تطارشت في مجلس حكمه، فاشتغل بالقضاء عن النظر إليها، ثم قال لها فجأة، غطي عورتك، فاضطربت وتسارعت إلى جمع ثيابها وظهر مكرها، وفي إزالة السمع من أذن واحدة يجب نصف الدية، وفي قطع الأذنين الشاخصتين الدية لأن فيهما تمام الجمال، ولو أزال أذنيه وسمعه فتجب ديتان، لأن محل السمع غير محل القطع فلم يتداخلا، لو ادعى المجني عليه زوال السمع من أذنيه، وكذبه الجاني، وانزعج للصياح في قوم، وغفلة فكاذب، لأن ذلك يدل على التصنع ولا بد من تحليف الجاني، وإن سمعه لباق، لاحتمال أن يكون انزعاجه اتفاقاً من غير سمع، وإن لم ينزعج المجني عليه بالصياح ونحوه، فصادق في دعواه، وتجب له الدية كاملة.
وإن نقص سمع المجني عليه فقسط النقص من الدية إن عرف قدر ما ذهب، بأن كان يسمع من مكان كذا فصار يسمع من قدر نصفه مثلاً، وطريق معرفة ذلك أن يحدثه شخص ويتباعد إلى أن يقول: لا أسمع فيعلي الصوت قليلاً، فإن قال: أسمع عرف صدقه، ثم يعمل كذلك من جهة أخرى، فإن اتفقت المسافتان ظهر صدقه، ثم ينسب ذلك من مسافة سماعه قبل الجناية إن عرف، ويجب بقدره منстр. 2116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الدية، فإن كان التفاوت نصفاً وجبت الدية، وإن لم يعرف قدره بالنسبة، فتجب فيه حكومة عدل، باجتهاد قاض.
ولو قال المجني عليه: أنا أعرف قدر ما ذهب من سمعي، صدق بيمينه، لأنه لا يعرف إلا من جهته، وإن نقص سمع المجني عليه من أذن واحدة سدت هذه الناقصة، وضبط منتهى سماع الآخرين ثم عكس. ويؤخذ قسط التفاوت من الدية، فإن كان بين مسافة السمعية، والأخرى النصف فله ربع الدية، لأنه أذهب رع سمعه، وإن كان الثالث، فيجب عليه سدس الدية، وهكذا.
فإن لم ينضبط فالواجب حكومة عدل.
وفي ذهاب بصر كل عين، صغيرة، أو كبيرة، حادة، أو كحلة، صحيحة أو عليلة، عمشاء أو حولاء، من شاب، أو شيخ أو طفل، حيث البصر سليم يجب نصف الدية، وفي العينين الدية كاملة لأن البصر من المنافع المقصودة في الحياة، وقد روي أن عمر ﵁ قضي بأربع ديات في ضربة واحدة ذهب بها العقل والكلام والسمع والبصر، وإن ادعى المجني عليه زوال بصره، أنكر الجاني، سئل أهل الخبرة بذلك عدلان منهم مطلقاً، أو رجل وامرأتان أن كان خطأ، أو شبه عمد، فانهم إذا أوقفوا الشخص في مقابلة عين الشمس، ونظروا في عينه عرفوا أن الضوء ذاهب أو موجود، بخلاف السمع لا يراجعون فيه، إذ لا طريق لهم إليه، أو يمتحن المجني عليه بتقريب عقرب، أو حديدة محماة، أو نحو ذلك من عينه بغتة، ونظر هل ينزعج أم لا؟ فإن انزعج صدق الجاني بيمينه، وإلا فالمجني عليه بيمينه، وإن نقص ضوء المجني عليه، فحكمه كنقص السمع، فإن عرف قدر النقص بأن كان يرى الشخص من مسافة فصار لا يراه إلا من نصفها مثلاً، فقسطه من الدية، وإلا فحكومة عدل، فإن نقص بعض ضوء عينه عصبت ووفق شخص في موضع يراه، ويؤمر أن يتباعد حتى يقول: لا أراه، فتعرف المسافة ثم تعصب الصحيحة، وتطلق العليلة، ويؤمر الشخص بأن يقرب راجعاً إلى أن يراه، فيضبط ما بين المسافتين، ويجب قسطه من الدية، فإن أبصر بالصحيحة من مائتي ذراع مثلاً، وبالأخرى من مائة فالنسف، نعم لو قال أهل الخبرة، أن المائة الثانية تحتاج إلى مثلي ما تحتاج إليه المائة الأولى لقرب وبعد الثانية، وجب ثلثا دية العليلة، وإن أعشاه لزمه نصف دية، وإن أعمشه، أو أخفشه،، أو أحوله، أو أشخص بصره، فالواجب حكومة، ومن بعينه بياض لا ينقص الضوء ففي قلعها نصف دية.
(حادثة) .
سئل أبن الصلاح عن رجل أرمد أتى امرأة بالبادية تدعي الطب لتداوي عينه، فكحلته فتلفت عينه، فهل يلزمها ضمانها؟ فأجاب: إن ثبت أن ذهاب عينه بتداويها فعلى عاقلتها ضمانها، فإن لم يكن لها عاقلة، فإن تعذر فعليها في مالها، إلا أن يكون الرمد أذن لها في المداواة بهذا الدواء المعين فلا تضمن، ويقاس على هذا حالة المريض مع الأطباء في هذا الزمان.
ومن أزال الشم من المنخرين بجناية على رأسه تجب عليه دية كاملة، كما جاء في خبر عمرو بنстр. 2117
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) حزم، لأنه من الحواس النافعة، فتكمل فيه الدية كالسمع، وفي إزالة شم منخر واحد نصف الدية، ولو نقص الشم وجب بقسطه من الدية، إذا أمكن معرفته، وإن لم يمكن فالحكومة.
ولو أنكر الجاني زوال الشم من المجني عليه، امتحن في غفلاته بالروائح الحادة، فإن هش للطيب، وعبس لغيره حلف الجاني لظهور كذب المجني عليه، ولا يستحق ضماناً، وإن لم يهش للطيب، ولم يتأذ من الكريه، حلف المجني عليه لظهور صدقه مع أنه لا يعرف إلا منه، وفي إبطال حاسة الذوق، الذي هو وقوة في اللسان يدرك بها الطعم، تجب دية كاملة، لأنه أحد الحواس الخمس، فأسبه الشم، واختلف في محله هل هو في طرف الحلقوم، أو في اللسان؟ ذهب أكثر أهل العلم إلى القول الثاني، وقالوا: إنه المشهور وعليه الحكماء، لكنهم يقولون: هو قوة منبثة في العصب المفروش على جرم اللسان يدرك بها الطعوم بمخالطة اللعابية التي في الفم بالمطعوم ووصولها للعصب، وقال أهل السنة: إن الإدراك المذكور بمشيئة الله تعالى - يعني أن الله تعالى يخلق ما ذكر عند المخالطة المذكورة، وعلى هذا القول فينبغي أن يكون كالنطف مع اللسان، فتجب فيه دية واحدة للسان، لأن الذوق يدرك به حلاوة، وحموضة، ومرارة، وملوحة، وعذوبة، وتوزع الدية على هذه الأنواع الخمسة، فإذا أبطل إدراك واحدة منهن وجب فيها خمس الدية، وهكذا.
وإن نقص الإدراك نقصاً لا تقدر، بأن يحس بمذاق الأنواع الخمس لكن لا يدركها على كمالها فتجب في ذلك النقص حكومة عدل. وتختلف بقوة النقصان وضعفه، وإن عرف قدره فقسطه من الدية.
ولو اختلف الجاني والمجني عليه في ذهاب الذوق امتحن بالأشياء المرة ونحوها كالحامض الحاد. الذي لا يصبر عليه عادة. فإن ادعى النقص صدق بيمينه، وإن تألم وعبس صدق الجاني بيمينه.
قالوا: وتجب الدية في إبطال المضغ كأن يجني على أسنانه فتخدر، وتبطل صلاحيتها، للمضغ، وتفسد اللثة، لأنه المنفعة العظمى للأسنان وفيها الدية، فكذا منفعتها كالبصر مع العين، والبطش مع اليد.
وتجب الدية فإبطال قوة الإمناء بكسر صلب، لقوات المقصود، وهو النسل، بخلاف انقطاع اللبن بالجناية على الثدي، فإن فيه حكومة، لأن الرضاع يطرأ ويزول، وقيل فيه الدية كاملة، واستعداد الطبيعة للإمناء صفة لازمة للفحول، ولأن إبطال قوة الامناء موت للرجل أدبياً ومعنوياً. فتجب الدية.
وتجب الدية في إبطال قوة الحبل من المرأة لقوات النسل، فيكمل فيه ديتها لانقاطع النسل، وتجب الدية في إبطال قوة الحبل من الرجل أيضاً بأن يجني على صلبه، فيصير منيه فاسداً لا يحبل، وتجب الدية في ذهاب جماع من المجني عليه، بجناية على صلبه مع بقاء مائه، وسمة ذكره، فيطل التلذذ بالجماع لأن ذلك من المنافع المقصودة. وقد ورد الأثر فيه عن الخلفاء الراشدين، وإن ضربهстр. 2118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ضربة شديدة على صلبه فأبطل إنعاظه فتجب الدية، ولا تندرج فيه دية الصلب وإن كانت قوة الجميع فيه، فلو كسر صلبه، فأبطل إنعاظه فعليه ديتان، لأن كل جناية غير الأخرى، وفي إفضاء المرأة بجناية عمداً أو شبه عمد، أو خطأ بوطء أو بغيره، من الزوج، أو غيره، تجب ديتها كاملة، لفوات المنفعة الجماع أو اختلالها، لأنه يقطع التناسل منها، ويسبب لها العقم، لأن النطفة لا تستقر في محل العلوق لا متزاجها في البول، فأشبه قطع الذكر، والإقضاء حاجز ما بين مدخل ذكر، ودبر، فيصير سبيل جماعها وغائطها واحداً، إذ به تفوت المنفعة الكلية.
وقيل: الإفضاء: رفع ما بين مدخل ذكر، وجبر، فيصير سبيل جماعها وبولها واحداً، لأن ما بين القبل والدبر قوي لا يرفعه الذكر، وبينهما عظم لا يتأتى كسره.
المالكية - قالوا: يجب في الإفضاء حكومة، بأن يقوم ما عليها عند الأزواج بأن يقال: ما صداقها على أنها غير مفضاة، وما صداقها على أنها مفضاة، فيغرم النقص، ثم إن كان الفعل من الزوج فيلحق بالخطأ. لأذن الشارع في الفعل بالجملة، فإن بلغ الثالث على العاقلة، وإلا ففي ماله خاصة ولا يندرج الإفضاء تحت مهر، بل يغرم الحكومة مع الصداق زوجاً، أو أجنبياً غصبها ووطئها، بخلاف إزالة البكرة من الزوج، أو الغاصب فإنه لا يغرم للبكارة شيئاً زائداً على الصداق الذي دفعه، لأنه لا يمكن الوطء إلا بإزالتها، فهي من لواحق الوطء، بخلاف الإفضاء، فإنه منهي عنه، إلا إذا أزال البكارة بإصبعه، فإن الحكومة فيها لا تندرج في المهر، زوجاً، أو أجنبياً، فيجب على الأجنبي حكومة، ولو لم يطأها، وهي مع المهر إن وطئ، أما الزوج فيلزمه أرش البكارة التي أزالها بالإصبعه مع نصف الصداق، إذا طلقها قبل البناء بها، فإن دخل بها وطلقها بعد البناء فتدرج في المهر، فإن أمسكها فلا شيء عليه، وإزالة البكارة بالإصبع جرم فيؤدب الزوج عليه.
قالوا: وتجب الدية إذا فعل فعلاً أحدث في بدنه جذاماً - وهو داء يأكل الأعضاء، أو احدث تبريصة - وهو نوع من البرص - أو تسويد جسده، بعد أن كان غير اسود، أو أحدث به سواداً وبياضاً وهو نوع من البرص يحث في الجلد، فتجب دية كاملة في كل هذه الصور، لأنه فوت عليه منفعة الجمال والكمال، فإن سود جسمه، وجذمه بسبب ضربة واحدة، وجب عليه ديتان، لأن كلاً منهما منفصل عن الآخر.
قطع الأذنين الظاهرتين.
المالكية - قالوا: لا تجب الدية في قطع الأذنين الشاخصتين، إذا بقي اسمع سليماً، بل تجب حكومة عدل.
الأئمة الثلاثة - قالوا: تجب في الأذنين دية كاملة، وفي قطع إحداهما نصف الدية، لقوات منفعة الجمال، وجمع الهواء للسمع.стр. 2119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قطع عين الأعور
المالكية، والحنابلة - قالوا: إن عين العور السليمة إذا قلعت، أو ذهب بصرها يجب فيها دية كاملة، لأن بصر الذاهبة انتقل إليها.
والفرق بين عين العور، والعضو الواحد من كل زوج، أن العين تقوم مقام العينين في معظم الغرض وهي من أعظم الجواهر مكانة.
الحنفية والشافعية - قالوا: إذا قلع عين الأعور، تجب نصف الدية، مثل إحدى اليدين والرجلين، وباقي الأعضاء المزدوجة.
ذهاب شعر الرأس واللحية والحاجب
الحنفية - قالوا: قالوا: إن الجناية على اللحية وشعر الرأس إذا حلقت ولم تنبت تجب في كل منهما الدية لأنه يفوت به منفعة الجمال غير أنه لو حلق رأس إنسان بطريقة لا تجعلها تنبت، أو شعر لحيته لا يطالب بدفع الدية حالاً، بل يؤجل سنة لتصور الإنبات فإن مات المجني عليه قبل مضي سنة، ولم ينبت الشعر فلا دية عليه، لاحتمال ظهورها لو عاش حياً، بل تجب حكومة وشعر الرجل، والمرأة، والصغير، والكبير في ذلك سواء، وذلك لأن شعر اللحية جمال بالنسبة للرجال في وقتها، وفي حلقها تفويث لمنعة الجمال والكمال، فقد ورد أن الملائكة تقول (سبحان من زين الرجال باللحى، والنساء بالذوائب) فتجب الدية، وكذلك شعر الرأس بالنسبة للمرأة من أعظم زينتها وتمام جمالها، وبالنسبة للرجال زينة وجمال أيضاً، ألا ترى أن من عدم الشعر حلقه، أو سقط شعر رأسه، أو كان أقرع، فإنه يتأذى من ذلك ويتكلف ستر رأسه، ويستحي من كشفها أمام الناس، ويعتقد أن ذلك نقص في جماله وكماله وخلقه، وبعض رجال العرب يطلقون شعورهم ضفيرة للزينة، وشعر الشارب فيه حكومة إذا حلق لأنه تابع للحية، فصار كبعض أطرافها، وأما لحية العبد فيجب فيها كمال القيمة، لأن المقصود به المنفعة بالاستعمال، دون الجمال، بخلاف الحر.
قالوا: ولحية الكوسج إن كان على ذقنه شعرات معدودة، فلا شيء في حلقه، لأن وجودها يشينه، ولا يزينه، وإن كان أكثر من ذلك، وكان على الخد والذقن جميعاً لكنه غير متصل ففيه حكومة عدل، لأن فيه بعض الجمال، وإن كان الشعر متصلاً ففيه كمال الدية مثل غيره، لأنه ليس بكوسج وفيه معنى الجمال للرجل، هذا كله إذا فسد المنبت، فإن نبتت حتى استوى الشعر كما كان، فلا يجب شيء من الضمانات، لأنه لم يبق أثر الجناية، ويؤدب على ارتكابه ما لا يحل، وإن نبتت بيضاء فعند أبي حنيفة أنه لا يجب عليه شيء في الحر، لأنه يزيده جمالاً، وفي العبد تجب حكومة عل، لأنه ينقص قيمته، وعندهما تجب حكومة عدل لأنه في غير أوانه يشنه، ولا يزينه، ويستوي العمد والخطأ على هذا، فكما تجب الدية في حلق الرأس واللحية خطأ، فكذلك إذا حلقهما عمداً.стр. 2120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قالوا: وفي الحاجبين الدية، وفي أحدها نصف الدية، لأن بهما يحصل الجمال للإنسان.
الشافعية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: في حلق شعر اللحية، وشعر الرأس تجب فيهما حكومة عدل، لأن ذلك زيادة في الآدمي، ولهذا يحلق شعر الرأس كله، ويحلق شعر اللحية بعضهم في بعض البلاد، وصار كشعر الصدر والساق، ولهذا يجب في شعر العبد نقصان القيمة بالإجماع.
قالوا: وفي إزالة شعر الحاجب تجب حكومة واحداً أو متعدداً، لأن في العشر جمالاً، وسواء كان إزالة العشر عمداً أم خطأ، وكذلك الهدب، وهو الشعر النابت على شفر العين، تجب حكومة إذا لم ينبت، وإلا فإن نبت فف يعمده الأدب والخطأ لا شي فيه.
دية اليدين والرجلين
واتفق الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى: على أن في اليدين تجب الدية كاملة، وفي الرجلين الدية، وفي الشفتين الدية، وفي الأنثيين في قطعهما، أو سلها، أو رضهما دية كاملة، وفي الواحدة من هذه الأشياء نصف الدية، وفي قطع الأنثيين مع الذكر ديتان، كذا روي في حديث سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ ، لأن في تفويت الاثنين من هذه الأشياء تفويت جنس المنفعة، أو كمال الجمال، فيجب كل الدية وفي تفويت أحدهما تفويت النصف، فيجب نصف الدية.
قالوا: وفي ثديي المرأة الدية، لما فهي من تفويت جنس المنفعة، وذلك إذا قطعهما من أصلهما سواء أبطل اللبن، أو لا، شابة أو عجوزاً، بخلاف ثديي الرجل حيث تجب حكومة عدل، لأنه ليس فيه تفويت جنس المنفعة، و (الجمال) وفي قطع الحلمتين إن أبطل اللبن دية كاملة، ومثل إبطال اللبن لإفساده، فالدية القطع اللبن، ولفوات جنس منفعة الإرضاع، وإمساك اللبن، وقيل الدية لقطع اللبن فحكومة عدل، فلو قطع حلمتي صغيرة فينتظر بها لزمن الإياس من اللبن، وتمام سنة، فإن أيس فدية كاملة، وإن حصل اللبن في مدة الإياس ففيهما حكومة، وفي قطع إحدى الحلمتين يجب نصف الدية.
مبحث جناية جفن العين والأهداب
الشافعية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: في قطع كل جفن - بالفتح - من أجفان العين، وهو غطاء العين يجب ربع دية، سواء الأعلى أو الأسفل، ففي الأربعة دبة كاملة، ولو كان لأعمى، وبلا هدب لأن فيها جمالاً ومنفعة، وقد اختصت عن غيرها من الأعضاء بكونها رباعية، وتدخل حكومة الأهداب في دية الأجفان، بخلاف ما إذا انفردت الأهداب ولم تنبت، فإن فيها حكومة إذا فسد منبتها كسائر الشعور، لأن الفائت بقطعها الزينة والجمال، دون المقاصد الأصلية، وإلا فالتعزير، وفي قطع الجفن المستحشف حكومة، وفي أحشاف الجفن الصحيح ربع دية جزماً، وفي بعض الجفن الواحد قسطه منстр. 2121
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الربع، فإن قطع بعضه فتقلص باقيه، فلا تكمل الدية، ول قطع الأجفان الأربعة، والعينين لزمه ديتان، لخبر عمرو بن حزم بذلك ولأن العين من أعظم الجوارح نفعاً.
الحنفية - قالوا: إذا قطع الأشفار العينين، عمداً أو خطأ يجب أن يدفع الدية، وفي قطع أحدهما ربع الدية، والأشفار جمع (شفر) بالشم وهي الأهداب مجازاً.
وقالوا: إن الأشفار هي منابت الشعر، وهي حروف العينين، وأطرافهما، وغطاؤهما، والشعور التي عليها تسمى الأهداب، وهذا لأنه يفوت الجمال على الكمال، وجنس المنفعة، وهي منفعة دفع الأذى عليها تسمى الأهداب، وهذا لأنه يفوت الجمال على الكمال، وجنس المنفعة، وهي منفعة دفع الأذى والقذى عن العين إذ هو يندفع بالهدب، وإذا كان الواجب في الكل كل الدية، وهي أربعة، كن في أحدها ربع الدية، وفي ثلاثة منها ثلاثة أرباعها، وإذا كان المراد بالأشفار منبت الشعر فالحكم فيه هكذا. ولو قطع الجفون بأهدابها ففيه دية واحدة، لأن الكل شيء واحد، وصار كالمارق مع القصية.
مبحث قطع أصابع اليدين أو الرجلين
واتفق الفقهاء: على أنه يجب في قطع أصبع من أصابع اليدين، والرجلين خطأ عشر الدية سواء كان إبهاماً، أو خنصراً من أنثى أو ذكر، صغير أو كبير، مسلم أو كافر، والإبل مخمسة، ومربعة، لقوله ﵊ (في كل اصبع عشر من الإبل) ولأن في قطع الكل تفويت جنس المنعفة، وفيه دية كاملة، وهي مائة من الإبل، فتنقسم الدية عليها، والأصابع كلها سواء، في أصل المنفعة، فلا تعتبر الزيادة فيه كاليمين مع الشمال، وكذا اصابع القدمين حيث يفوت بقطع كلها منفعة المشي، فتجب الدية كاملة، ثم فيهما عشر أصابع فتنقسم الدية عليها أعشاراً، وعشر الدية الواجب بإزاء كل أصبع إنما هو بمقابلة مفاصلها، وفي كل اصبع فيها ثلاثة مفاصل، ففي كل منها ثلث دية الأصبع، وما فيها مفصلان ففي أحدهما نصف دية الأصبع، وهو نظير انقسام دية اليد على الأصابع، ففي كل مفصل من الصبع ثلاثة وثلث بعير من الإبل، إلا في الإبهام من يد أو رجل فتجب في أنملته نصف دية الأصبع، وهو خمس من الإبل أو خمسون ديناراً.
قالوا: وفي كل سن خمس من الإبل، لقوله ﵊ في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ (وفي كل سن خمس من الإبل) والأسنان والأضراس والأنياب كلها سواء لإطلاق الحديث، لأن السن اسم جنس يدخل تحته اثنان وثلاثون سناً، فإذا ضرب رجل رجلاً حتى سقطت أسنانه كلها. وكان الضرب خطأ، فإنه يجب عليه دية وثلاثة أخماس الدية وهي من الدراهم ستة عشر الضرب عمداً، وجب القصاص على الجاني، حيث يمكن المماثلة، وسواء قلعت السن من أصلها، أو لم يبق إلا المغيب في اللحم، وسواء بعد أن كانت السن بيضاء فصار بالجناية عليها سوداء، لأنه اذهب جمالها، ولها إذا اسودت ثم انقلعت، أو تغيرت بحمرة أو صفرة بعد بياضها إن كانت الحمرةстр. 2122
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) والصفرة في العرف كالسوداء في إذهاب جمالها، وفي قلع سن المرأة الحرة المسلمة بعيران ونصف، والذمي بعير وثلثان، ولمجوسي ثلث بغير، ولرقيق نصف عشر قيمته وهكذا، ومن ضرب عضواً فأذهب منفعته ففيه دية كالمة، كاليد إذا شلت، والعين إذا ذهب ضوءها، لأن المتعلق توفيت جنس المنفعة، لا فوات الصورة، فإنه إذا قطع اليد الشلاء فإنه تجب عليه حكومة عدل لا الدية، لأن المقصود باليد كمال المنفعة ولما كانت النفعة غير كاملة لم تتكامل الجناية، من حيث تفويت الجمال، فإن كان بها نفع تام فكالسليمة في وجوب القصاص، أو الدية.
ومن ضرب صلب غيره فأحدبه، وقوص ظهره تجب عليه دية كاملة، لأنه فوت جمالاً على الكمال، وهو استواء القامة، فلو زالت الحدوبة، لا شيء عليه، لزوالها لا عن أثر، وفي شفري المرأة، وهما اللحمان المحيطان بالفرج المغطيان العظم، تجب دية كاملة إن بدا العظم من دية المرأة فإن لم يظهر العظم فحكومة، وفي أحد الشفرين إن بدا العظم نصف دية، لأن فيهما جمالاً ومنفعة إذ بهما يقع الالتذاذ بالجماع وبهما تمسك البول والدم، وهما من كمال جمالها.
وقي قطع قضيب الذكر إلى ليس فيه حشفة لقطعها قبل حكومة، وفي قطع الحشفة وهي رأس الذكر دية كاملة، وفي قطع بعضها بحسابها من الحشفة، فتقاس الحشفة لا الذكر، فإن قطع ربع الحشفة فعليه ربع دية، وإن قطع ثلثها فعليه ثلث دية، وإن قطع نصفها فعليه نصف الدية وهكذا.
قالوا: وتتعدد الدية بتعدد الجناية، فإذا قطع يديه، فزال عقله بسببها تجب عليه ديتان، دية اليدين ودية للعقل، ولو زال من ذلك القطع بصره أيضاً، تجب عليه ثلاث ديات، واحدة لليدين، وثانية للعقل، ودية ثالثة للبصر، لأن كل واحدة منهم منفعة مقصودة، وقد زالت، وهكذا وقد روي أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قضى بأربع ديات في ضربة واحدة، ذهب بها العقل، والكلام، والسمع، والبصر، مع بقاء الرجل حياً، واخذ أربع ديات، وذلك لعظم حرمة أعضاء الآدمي.
قالوا: وفي كسر عظم اللحيين عليه دية. لأن فيهما جمالاً ومنفعة، فوجب فيهما الدية وفي كسر أحدهما نصف الدية كالأذنين، وهما عظمتان تثبت عليهما السنان السفلى وملتقاهما الذقن، أما العليا فمنبتها عظم الرأس.
وقد استشكل بعض العلماء في إيجاب الدية في اللحيين، بأن لم يرد فيهما خبر عن الرسول الله ﷺ : والقياس لا يقتضيه لأنهما من العظام الداخلة، فيشبهان الترقوة، والضلع، وأيضاً فإنه لا دية في عظم الساعد، والعضد، والساق، والفخذ، وهي عظام فيها جمال ومنفعة، فجب فيها حكومة عدل حسب خطورتها.
وأجيب: بأنهما لما كانا من الوجه كانا أشرف من غيرهما، فوجب فيهما الدية.
قالوا: ولا يدخل أرش الأسنان في دية فك اللحيين في الأصح، لأن كلاً منهما مستقل برأسه، وله بدل مقدر، واسم يخصه، فلا يدخل أحدهما في الآخر، كالأسنان واللسان.стр. 2123
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وقيل: يدخل أرش الأسنان في دية الفك كما تدخل حكومة الكف في دية الأصابع، ورد عليه، بأن اسم اليد يشمل الكف والأصابع، ولا يشمل اسم اللحيين والأسنان، وبأن اللحيين كاملا الخلق قبل الأسنان، بدليل الطفل، بخلاف الكف مع الأصابع، لأنهما كالعضو الواحد.
الأئمة الثلاثة قالوا: في الأليتين وهما الناتئان عن البدن عن استواء الظهر والفخذ، إذا قطعا خطأ تجب الدية كاملة، لما فيهما من الجمال والمنفعة، في الركوب والعقود، وفي قطع أحدهما نصف الدية، وفي البعض بقسطه إن عرف قدره، وإلا فالحكومة، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، ولا نطر إلى اختلاف البدن الناتئ، واختلاف الناس فيه كاختلافهم في سائر الأعضاء، ولا يشترط في وجوب الدية بلوغ الحديد إلى عظم الفخذ، ولو نبت ما قطع لم تسقط الدية على الطاهر، أما إذا قطعتا عمداً فيجب القصاص فيهما أو في أحدهما.
المالكية - قالوا: في إحدى روايتهم: في أليتي المرأة إذ قطعا خطأ حكومة قياساً على اليتي الرجل وعمداً القصاص.
الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى - قالوا: في سلخ الجلد تجب دية المسلوخ منه، إن لم ينبت إن في الجلد جمالاً ومنفعة ظاهرة، وذلك إن بقيت فيه حياة مستقرة. لأن إيجاب الدية فيه إنما يظهر إن فرضت الحياة المذكورة بعد سلخ المجني عليه، وإن مات بسبب آخر غير السلخ كأن قطع غير السالخ رقبته بعد حودث السلخ، فيجب على الجاني القصاص لأنه أزهق روحه، ويجب على السالخ الدية، ومثل حز غير السالخ ما لو انهدم عليه حائط، أو دهمه قطار، أو نحو ذلك.
فإن مات المجني عليه بسبب سلخ جلده، أو لم يمت لكن حز السالخ رقبته بعد ذلك فالواجب حينئذ دية النفس إن عفا عن القود، وإلا فيجب القصاص.
قالوا: وفي كسر الترقوة. وهو بفتح التاء: العظم المتصل بين المنكب، وثغرة النحر تجب فيه حكومة، كسائر العظام.
وقيل: الواجب فيها جمل لما روي عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قضى بذلك، ووافقت الصحابة عليه، من غير نكير من واحد منهم وحمله الأول على أن الحكومة كانت في الواقعة قدر جمل، ولكل إنسان ترقوتان يميناً، ويساراً.
قالوا: وفي إبطال البطش من يدي المجني عليه بجناية عليهما فشلتا دية، لزوال منفعتهما، وفي إبطال المشي من الرجلين بجناية على صلب تجب فيه دية كاملة، لفوات المنفعة المقصودة منهما، وفي إبطال بطش، أو مس يد، أو رجل، أو إصبع ديتها.
ولا تؤخذ الدية حتى يندمل الجرح فإن انجبر وعولج وعاد بطشه، أو مسه، أو قدرة المشي على الرجلين فلا تجب الدية، وإن بقي شين بعد البرء، فتجب حكومة عدل، وفي نقص كل من البطش والمشي، إن لم ينضبط حكومة، لما فات من المنفعة والجمال، ويختلف بحسب النقص قلة وكثرة،стр. 2124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وسواء احتاج في مشيه لعصا يتوكأ عليها، أم لا فإن انضبط النقص وجب القسط من الدية، كالسمع، والبصر، والكلام وغيرهما. ولو كسر صلب المجني عليه فذهب مع سلامة الرجل، والذكر، مشيه، وجماعه، أو ذهب عنه مشيه، ومنيه، فتجب له ديتان، واحدة للرجلين والثانية لذهاب منهي، لأن كل واحد منهما مضمون بالدية عند الانفراد، فكذا عند الاجتماع، ومنفعة كل منهما مستقلة.
وقيل: تجب دية واحدة لأن الصلب محل المني، ومنه يبتدي المشي، وينشأ الجماع واتحاد المحمل يقتضي اتحاد الدية، ورد الأول بعدم اتحاد المحل. وهو الراجح.
وعلى الرأي الأول، لو ضربه فشلت رجلاه، وكسر صلبه، وانقطع منيه، وجب عليه ثلاث ديات واحدة للرجلين، وثانية للصلب، وثالثة لانقطاع المني، وإن شل ذكره أيضاً، وجب عليه أربع ديات، الثلاثة السابقة، والرابعة لشلل الذكر وعدم القدرة على الجماع.
قالوا: في الشفتين الدية، وفي قطع إحداهما نصف الدية، لما ورد في كتاب عمرو بن حزم: (وفي الشفتين الدية) ولما فيهما من الجمال والمنفعة، إذ الكلام يتميز بهما، ويمسكان الريق والطعام. ويمنعان الحشرات والأتربة من دخول البطن، والإشلال كالقطع. اهـ.
مبحث القصاص فيما دون النفس.
اتفق الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى: على أن من قطع يد غره من المفصل عمداً قطعت يده من المفصل، وإن كانت يده أكبر من اليد المقطوع،، لقوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ (آية ٤٥ من سورة المائدة) وهو ينبئ عن المماثلة فكل ما أمكن رعايتها فيه يجب فيه القصاص، وما لا يمكن رعاية المماثلة فيه، فلا يجب فيه القصاص، وقد أمكن رعاية المماثلة في القطع من المفصل، فاعتبر، ولا معتبر بكبر اليد وصغرها لأن منفعة اليد لا تختلف بذلك، وكذلك قطع الرجل، وقطع مارن الأنف، وقطع الأذن الظاهرة، لإمكان رعاية المماثلة، فإن قطع الأصابع ثم قطع الكف هو أو غيره، بعد الاندمال أو قبله وجب حكومة في الكف، وكذلك إن قطع فوق الكف، ومن ضرب عين رجل بحديدة عمداً فقلعها لا قصاص عليه لامتناع المماثلة في القلع، أما إن كانت العين قائمة فذهب ضوءها فعليه القصاص، لإمكان المماثلة، بأن تحمى له المرآة ويجعل على وجهه قطن رطب، وتقابل عينه بالمرآة، فيذهب ضوءها، وهو مأثور عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم، ولو كانت عين أحول، أو أعمش أو أعور، أو عين أخفش، أو عين أعشى، لأن المنفعة باقية بأعين من ذكر.
قالوا: وفي السن يجب القصاص لقوله تعالى: ﴿والسن بالسن﴾ (آية ٤٥ من سورة المائدة) وإن كان سن من يقتص منه أكبر من سن الآخر، لأن منفعة السن لا تتفاوت بالصغر والكبر، ولا قصاص في عظم إلا في السنстр. 2125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وهذا للفظ مروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأبن مسعود رضي الله تعالى عنهما وقال رسول الله ﷺ : (لا قصاص في العظم) والمراد غير السن، لأن اعتبار المماثلة في غير السن متعذر، لاحتمال الزيادة والنقصان، بخلاف السن لأنه يبرد بالمبرد، ولو أقلع من أصله بقلع الثاني فيتماثلان، (وقد روي أن الربيع عمة أنس بن مالك ﵁ كسرت ثنية جارية من الأنصار بلطمة فأمر النبي ﷺ بالقصاص) .
قالوا: وليس فيما دون النفس شبه عمد، إنما هو عمد أو خطا، لأن شبه العمد يعود إلى الآلة، والقتل هو الذي يختلف باختلافها دون الأطراف، لأنه لا يختلف إتلافها، باختلاف الآلة فلم يبق إلا العمد والخطأ - ولأن شبه العمد إذا حصل فيما دون النفس وأمكن فيه القصاص جعل عمداً، وإن لم يمكن القصاص جعل خطأ.
قالوا: ومن قطع يد رجل من نصف الساعد، أو جرحه جائفة فبرأ منها، فلا قصاص عليه، لأنه لا يمكن اعتبار المماثلة فيه، إذ الأول كسر العظم، ولا ضابط فيه، وكذا البرء نادر فيفضي الثاني إلى الهلاك ظاهراً، - ولو قطع اليد من وسط الذراع، أو قطعها من وسط العضد، اقتص منه من الكف، فيقطع من الكوع في الصورة الأولى، لأنه أقرب موضع من محل الكسر، وتجب في الباقي حكومة، وهو جزء مقدر من الدية، لتقدر القصاص فيها، وله أن يعفو في المسألتين، أو يعدل إلى المال، ولو طلب أن يقطع من الكوع في المسألة الثانية يمكن.
مبحث قطع اليد الشلاء بالصحيحة
ذكر الأئمة رحمهم الله تعالى: أنه إذا كانت يد المقطوع صحيحة، ويد القاطع شلاء، أو ناقصة الأصابع، فالمقطوع بالخيار إن شاء قطع اليد المعيبة، ولا شيء له غيرها وإن شاء أخذ الأرش كاملاً لأن استيفاء الحق كاملاً متعذر، فله أن يتجوز بدون حقه، وله أن يعدل إلى العض، كالمثلي إذا انصرم عن أيدي الناس بعد الإختلاف، ثم إذا استوفاها ناقصاً فقد رضي به، فيسقط حقه كما إذا رضي بالرديء مكان الجيد.
قالوا: ومن شج رجلاً فاستوعبت الشجة ما بين قرني الشاج، فالمشجوج بالخيار، إن شاء اقتص بمقدار شجته، يبتدئ من أي الجانبين شاء، وإن شاء أخذا الرش لأن الشجة موجبة لكونها مشينة فقطن فيزداد الشين بزيادتها، وفي استيفاء ما بين قرني الشاج زيادة على ما فعلن ولا يلحقه من الشين باستيفائه قدر حقه ما يلحق المشجوج، فينتقص، فيخير، كما في الشلاء والصحيحة، وفي عكسه يخير أيضاً، لأنه يتعذر الاستيفاء كاملاً للتعدي إلى غير حقه، وكذا إذا كانت الشجة في طول الرأس، وهي تأخذ من جبهته، إلى قفاه، ولا تبلغ إلى قفا الشاج، فهو بالخيار لأن المعنى لا يختلف.стр. 2126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قالوا: ولا قصاص في اللسان، ولا في الذكر، لأنه ينقبض، وينبسط فلا يمكن اعتبار المساواة، إلا أن تقطع الحشفة، لأن موضع القطع معلوم كالمفصل، ولو قطع بعض الحشفة أو بعض الذكر، فلا قصاص فيه، لأن البعض لا يعلم مقداره. بخلاف الأذن إذا قطع كله، أو بعضه، لأنه ينقبض ولا ينبسط وله حد يعرف، فيمكن اعتبار المساواة، والشفة إذا استقصاءها بالقطع يجب القصاص، لإمكان اعتبار المساواة فيها، بخلاف ما إذا قطع بعضها، لأنه يتعذر اتبار المساواة فيها، لأنها تنقبض وتنبسط.
الشافعية - قالوا: يقتص من الذكر إذا قطع من أصله، واللسان، ومارن الأنف، والأنثيين وشفرتي الفرج، إذا أمكن استيعاب القصاص في هذه الأعضاء، من غير جيف، بأن لا يزيد على اخذ الواجب، وإن لم يكن القصاص إلا بإجافة الجاني فلا قصاص سواء أجافه الجاني أم لا، نعم إن مات المجني عليه بسبب قطع عضو من هذه الأعضاء، قطع الجاني ثم انتظر حتى يموت بسب السراية، وإذا مضت المدة المحددة ولم يمت تحز رأسه قصاصاً.
قالوا: ولا يؤخذ يمين من يد، أو رجل، أو عين، أو منخر، أو أنثيين، أو شفرتين، أو أليتين، بيسار منها، ولا يؤخذ أعلى من جفن، أو أنملة من إصبع يد، أو رجل، أو سن بأسف من المذكورات، والمساواة في جميع ذلك، لاختلاف المنافع باختلاف المحال ولا يؤخذ صحيح كل من الأعضاء بعضو أشل منها، وإن رضي الجانيين لأن العضو الشل مسلوب المنفعة، وهو الذي لا عمل له مثل الحدقة البصيرة، لا تؤخذ بيسار من هذه الأشياء المذكورة بيمين، ولا أسفل بأعلى لانتفاء الاشتراك، والمماثلة، والمساواة في جميع ذلك، لاختلاف المنافع باختلاف المحال ولا يؤخذ المحال ولا يؤخذ صحيح كل من الأعضاء بعضو البصيرة، لا تؤخذ بالعمياء، وغير ذلك ويستثنى من ذلك الأنف، والأذن، فيؤخذ الصحيح منها بالمستحشف لبقاء منفعتها من جمع الصوت والريح، والزينة - وإن قطع ذكره من أصله، وأنثياه يجب للحر فيه ديتان كاملتان. ويجوز أن يقطع الأضعف من الأعضاء بالأقوى منها، فتقطع العمياء بالصحيحة، لأنها دون حقه بشرط انقطاع الدم، فإن لم ينقطع فلا قصاص، لما فيه من استيفاء النفس بالطرف، وهو إجحاف بالجاني، ولا قصاص في كسر عظم، لعدم الوثوق بالمماثلة فيه، لأنه لا ينضبط، مثل عظام الأضلاع، والظهر، والساعد، والساق، والفخذ، والعضد،
قالوا: ويجب القصاص في كل جرح انتهى ووصل إلى عظم من غير كسر، وذلك مثل الموضحة في الوجه والرأس، وهي التي تصل إلى العظم وتضحه بعد حرف الجلد، حيث أنه يتيسر ضبطها، واستيفاء مثلها من جسم الجاني، وكذلك جرح العضد، وجرح لحم الساق، وجرح الفخذ، فهذه الثلاثة يجب القصاص فيما ينتهي من الجرح إلى عظم، وذلك لتيسر استيفائها، وإن خالفت هذه الجروح في سائر البدن الموضحة، في الوجه والرأس، فإنهما فيهما ارش مقدر من الشارع بخمسة أبعرة. وأما في غيرهما ففيهما حكومة عدل مثل غيرها من باقي الجروح - أما العين العمياء، والأذن الصماء، واللسان الأخرس، واليد المشلولة، والرجل المشلولة، والذكر المشلول، والأنثيان المخصيتان، ففي كل هذه حكومة فقط.стр. 2127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) مبحث سقوط يد الجاني أو قطعها
الحنفية - قالوا: إذا كانت يد المقطوع صحيحة، ويد القاطع شلاء وخيره الحاكم بين قطع اليد الشلاء، ولا أرش له، وبين أن يأخذ الأرش كاملاً، فسقطت اليد المريضة قبل اختيار المجني عليه، أو قطعت ظلماً، في مدة الاختيار، سقط حقه في هذه الحالة، ولا شيء له عند الجاني، وذلك لأن حقه متعين في القصاص، وإنما ينتقل إلى المال باختياره، فيسقط بفواته بخلاف ما إذا قطعت يده بحق عليه من قصاص، أو سرقة، فإنه يجب عليه الأرش وهو نصف الدية، لأنه أوفى به حقاً مستحقاً، فصارت سالمة له معنى. ولو عولج الجاني وزال الشلل من يده قبل أن يستوفي الأرض لم يكن له إلا القصاص، لأن حقه متعين فيه عندهم.
الشافعية - قالوا: إن الواجب أحد الشيئين، أما القصاص، أو الأرش فإذا تعذر أحدهما، لفوات محله - كما في هذه الصورة - تعين الآخر وهو الأرش.
مبحث في اجتماع ديات في شخص واحد
قال الأئمة الأربعة: إذا اجتمعت ديات كثيرة في شخص واحد بجراحات متعددة، بقطع أطراف، وإبطال منافع مختلفة، وهي كثيرة عده بعضهم إلى عشرين أو أكثر، وقيل: أربعة عشر شيئاً، منها - عقل، سمع، بصر، شم، نطف، صوت، ذوق، مضغ، أمناء، إحبال، جماع، إفضاء بطش، مشي، ذهاب شعر، أو جلد، وغير ذلك وتضاف إليها المواضح، وسائر الشجاج، والجوائف، والحكومات، والكسور فيجتمع شيء كثير من الجنايات على الإنسان. قد لا ينحصر.
فإذا أزال الجاني أطرافاً من المجني عليه تقتضي ديات متعددة، كقطع أذنين، ويدين، ورجلين، وكذلك لطائف تقتضي ديات عدة، كإبطال سمع، وإبطال بصر، وإبطال شم، وإبطال ذوق، وتعطيل، نسل، وغير ذلك. فإذا حصل شيء من هذا ومات المجني عليه بسبب السراية منها، أو من بعضها، ولم يندمل البعض، فتجب على الجاني دية واحد، وتتداخل الديات، ويسقط بدل ما ذكر. لأنها صارت نفساً، أما إذا مات المجني عليه بسراية بعضها، بعد اندمال بعض آخر منها لم يدخل ما اندمل في دية النفس قطعاً، وكذا الحكم له جرحه جرحاً خفيفاً لا مدخل للسراية فيه، ثم أجافة فمات بسراية الجائفة، قبل اندمال ذلك الجرح، فلا يدخل أرشه في دية النفس، أما ما لا يقدر بالدية، فيدخل أيضاً، وكذا لو قطع الجاني عنق المجني عليه قبل اندماله من الجراحة يلزمه دية واحدة للنفس في الأصح، لأن دية النفس وجبت قبل استقرار ما عداها - فيدخل فيها بدله كالسراية.
وقيل: تجب ديات ما تقدم من أنواع الجراحة، لأن السراية قد انقطعت بالقتل فأشبه أنقطاعها بالاندمال، لأن الآدمي مضمون مقدر، ولأن الثابت في ضمانه التقيد.стр. 2128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فإن كان الفعل مختلفاً. كأن حز الرقبة عمداً، والجنايات الحاصلة قبل الحز حصلت خطأ، أو شبه عمد، أو عكسه، كأن حزه خطأ، والجنايات وقعت عمداً، أو شبه عمد، فلا تداخل لشيء مما دون النفس، فيها، في الأصح من المذاهب، بل يجب دية الطرف والنفس لاختلافهما، واختلاف من تجب عليه، فلو قطع يديه، ورجليه خطأ، أو شبه عمد، ثم قطع رقبته عمداً، أو قطع هذه الأطراف عمداً، ثم حز الرقبة خطأ أو شبه عمد، وعفا الأول في العمد على ديته، وجبت في الصورة الأولى دية خطأ، أو شبه عمد، ودية عمد: وفي الصورة الثانية ديتا عمد، ودية خطا، وقيل: تسقط الديات فينهما.
ولو حز الرقبة غير الجاني المتقدم تعددت الديات، لأن فعل الإنسان لا يدخل في فعل غيره، فيلزم كل منهما ما أوجبه، فالذي اعتدى بجناية الجراحات يدفع دياتها، والذي قتله يدفع ديته. اهـ.
مبحث ما تجب فيه الحكومة.
اتفق الأئمة رحمهم الله تعالى: على أن الشيء الذي يوجب مالاً. لا مقدر فيه من الدية، ولم تعرف نسبته من مقدر، مثل الضلع، والصدر، والفخذ، والزند، وغيرها، أما إذا عرفت نسبته منه كأن كان بقرب موضحة، أو جائفة، فيجب أكثر من قسطه، وحكومة، وهي جز من الدية، نسبته إلى دية النفس في الأصح، وقيل: نسبته إلى عضو الجناية، نسبة نقص الجناية من قيمة المجني عليه، لو كان رقيقاً بصفاته التي هو عليها، وذلك مثل جرح يده، فيقال: كم قيمة المجني عليهً بصفاته التي هو عليها، بغير جناية لو كان عبداً رقيقاً؟ فإذا قيل: مائة دينار، فيقال: كم قيمته بعد حصول الجناية عليه؟ فإذا قيل: تسعون، فيكون التفاوت العشر، فيجب في هذه الحالة عشر دية النفس وهو عشر من الإبل إذا كان المجني عليه حراً، ذكراً، مسلماً، لأن الجملة مضمونة بالدية المقدرة من الشارع الحكيم، فتضمن الأجزاء بجزء منها، كما في نظيره من عيب المبيع.
والقول الثاني: أن تنسب إلى عضو الجناية، لا إلى دية النفس، فيجب في هذه الصورة عشر دية اليد التي وقعت عليها الجناية، وهو خمس من الإبل، فإن كانت الجناية على إصبع واحد، وجب بعير، أو الجناية وقعت على أنملة من إصبع وجب ثلث بعير في غير الإبهام، ويقاس على ذلك ما أشبهه من القضايا.
وللحاجة في معرفة الحكومة إلى تقدير الرق.
قال الأئمة: العبد اصل الحر في الجنايات التي لا يتقدر أرشها، كما أن الحر أصل العبد، في الجنايات التي قدر الشارع أرشها، وتجب الحكومة إبلاً كالدية، أو تجب نقداً، فطلاً من الأمرين جائز، حسب الظروف المناسبة للمتقاضين، لأنه يوصل إلى الغرض المطلوب، وهو دفع الضمان، وتعويض المجني عليه عما أصابه، ومحل الخلاف إذا كانت الجناية على عضو له ارش مقدر، فإن كانت الجناية على عضو ليس له أرش مقدر مثل الصدر، أو الفخذ، أو نحو ذلك اعتبرت الحكومة منстр. 2129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) دية النفس قطعاً، وتقدر لحية امرأة أزيلت ففسد منبتها، لحية عبد كبير يتزين بها، ومثلها الخنثى ولو قلع سناً، أو قطع إصبعاً زائدة، ولم ينقص بذلك شيء، قدرت زائدة لا أصلية خلفها، ويقوم له المجني عليه منصفاً بذلكن ثم يقوم مقطوع الزائد، فيظهر التفاوت بذلك لأن الزائدة تشد الوجه، ويحصل بها نوع جمال، ويستثنى من اعتبار النسبة لو قطع أنملة لها طرف زائد، فيجب فيها مع دية أنملة حكومة، يقدرها القاضي باجتهاده، ولا يعتبر النسبة لعدم إمكانها فإن كانت الحكومة لأجل طرف له أرش مقدر، كاليد، والرجل مثلاً، اشترط فيها أن لا تبلغ تلك الحكومة مقدر الطرف، لئلا تكون الجناية على العضو مع بقائه مضمونة بما يضمن به العضو نفسه، فينقص حكومة الأنملة بجرحها، أو قطع ظفرها عن يدها، وحكومة جراحة الإصبع بطوله عن ديته، ولا يبلغ بحكومة ما دون الجائفة من الجراحات على البطن، أو نحوه أرش الجائفة، فإن بلغته نقص القاضي منه شيئاً باجتهاده لئلا يلزم المحذور السابع، ولا يكفي أقل متمول كما قاله الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
أو كانت الحكومة لطرف لا تقدير فيه، ولا يتبع مقدراً، كفخذ، وساعد ليد، وظهر، وكف يدن فالشرط أن لا تبلغ حكومته دية نفس، وهو معلوم إنها لا تصل إلى ذلك لأن الكل أكثر من الجزء، بل المراد أن لا يصير بلوغها أرش عضو مقدر، وإن زادت عليه فإن تبع مقدراً، كالكف فإنه يتبع الأصابع، فالشرط فيه أن لا يبلغ ذلك دية المقدر وإن بلغ بحكومة الكف دية إصبع واحد جاز، لأن منفعتها رفعاً، واحتواشاً تزيد على منفعة إصبع، كما أن حكومة اليد الشلاء، لا تبلغ دية اليد السلمية، ويجوز أن تبلغ دية الإصبع، ويجوز أن تزيد عليها، وإنما لم يجعل الساعد كالكف حتى لا يبلغ بحكومة جرحه دية الأصابع، لأن الكف هي التي تتبع الأصابع لقربها، دون الساعد، لبعده عن الأصابع، ولهذا لو قطع من الكوع لزمه ما يلزمه في لفظ الأصابع، ولو قطعت اليد من المرفق لزمه مع نصف الدية حكومة الساعد.
قالوا: ويقوم لمعرفة الحكومة، المجني عليه بغرض رقه، لكن بعد اندمال الجروح لا قبله، لأن الجراحة قد تسري إلى النفس فتزهقها، أو تسري إلى إتلاف ما يكون واجبه مقدراً من الأعضاء، فيكون ذلك هو الواجب لا الحكومة. فإن لم يبق بعد اندمال الجروح نقص في المنفعة، ولا نقص في الجمال، ولا تأثرت به القيمة، اعتبر فيه أقرب نقص، من حالات نقص فيه، إلى الاندمال، وهكذا، وذلك لئلا تحيط الجناية على المعصوم، فإذا لم يظهر النقص إلا حال سيلان الدم، اعتبرنا القيمة حينئذ، واعتبرنا الجراحة دامية.
وأما إذا كانت الجراحة خفيفة لا تؤثر في حال سيلان الدم فإنه يعزر الجاني، إلحاقاً لهما، باللطمة، والضربة التي لم يبق لها أثر للضرورة، لانسداد باب التقويم الذي هو عمدة الحكومة.
وقيل: يقدر النقص المذكور، قاض، باجتهاده، لئلا تكون الجناية إن غير غرم.
وقيل: لا غرم حينئذ، بل الواجب التعزير كالضربة، والصفعة التي لم يبق لها أثر، والجرح المقدر أرشه، كموضحة، يبتعه الشين الكائن حواليه، ولا يفرد بحكومة، والجرح الذي لا يتقدر أرشه كدامية، يقدر الشين حواليه بحكومة عن حكومة الجرح، لضعف الحكومة عن الاستتباع اهـ.стр. 2130
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) المالكية ﵏ قالوا: يشترط في القصاص من جراح الجسد غير الرأس اتحاد
المحل. فلا يجوز أن يقتص من جرح عضو أيمن في عضو أيسر، ولا عكسه، ولا يجوز أن تقطع سباية مثلاً بإبهام، ولو كان المجني عليه طويلاً، وعضو الجاني قصيراً فلا يكمل بقية الجرح من عضوه الثاني.
ويقتص من الطبيب الذي يباشر القصاص من الجاني إذا زاد على المساحة المطلوبة عمداً فيقتص منه بقدر ما زاد، أما لو نقص عن المطلوب عمداً أو خطأ فلا يقتص ثانياً، فإن مات المقتص منه من اثر القصاص لتعديه ما أمر به.
وإذا لم يتحد المحل، أو لم يتعمد الطبيب الزيادة بل أخطأ، تجب الدية على الجاني، فإذا قطع الجاني خنصراً مثلاً، ولا خنصر له، فلا يجب القصاص لعدم اتحاد المحل، وتعين العقل، فإن كانت الجناية عمداً، أو أقل من ثلث الدية وجبت في مال الجاني، وإن كانت الجناية خطأ، ولكنها أكثر من ثلث الدية فتجب الدية على العاقلة، وذلك كحدقة عين أعمى جنى عليها صاحب عين سالمة واقتلعها، فإن السالمة لا تؤخذ بالعين التالفة، لعدم المماثلة، فلا يجب القصاص، ولا تجب نصف الدية، بل يلزمه حكومة عدل بالاجتهاد، في قيمة خسارة العين العمياء.
أما إذا كان الجاني رجلاً اعمى، وفقأ عين رجل سليمة، فلا يجب القصاص، فإنه لا تؤخذ السليمة بالعمياء، بل تجب نصف الدية على الجاني ولو كانت الجناية عمداً، وكذلك لسان الأبكم الذي لا يتكلم لا يقطع بالناطق، ولا عكسه، بل يجب في اللسان الناطق الدية، وتجب في اللسان الأبكم حكومة، كما قيل في العين العمياء، والعين البصيرة.
ولا قصاص في ضربة على الخد إذا لم ينشأ عنها جرح، ولا ذهاب منفعة ولا عقل منها ولا قصاص من ضربة بيد، أو رجل بغير وجه، كصفع بقفا، لم ينشأ عنها جرح ولا ذهاب منفعة كاللطمة، ولا قصاص من إزالة شعر اللحية، ولا من إزالة شفر عين، بضم الشين المعجمة، وسكون الفاء، وهو الهدب، ولا من إزالة شعر حاجب، فعمد هذه المذكورات كالخطأ عدم القصاص والعقل، وإنما يجب الأدب في عمدها دون خطئها، وتجب حكومة في شعر اللحية، وشعر العين، وشعر الحاجب إن لم ينبت كما كان اولاً، لأن الأهداب والحواجب ليست أعضاء لها منفعة ولا فعل بين ضروري في الخلقة، أما إذا نشأ من هذه الضربات جرح، أو ذهاب منفعة، فإنه يجب فيها القصاص. أما الضرب بالسوط فيجب في عمدها القصاص، وإن لم ينشأ عنه جرح، ولا ذهاب منفعة، لأن الضرب بالسوط عهد للأدب والحدود، وليس فيه متألف في العادة.
ولا قصاص أن عظم الخطر في الجراحات التي في الجسد غير المثقلة، والآمة، فإنه لاقصاص فيها من غير قيد بعظم الخطر، لأن شأنهما عظم الخطر، فلا قصاص في كسر عظم الصدر، وكسرстр. 2131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) عظم الصلب، ورض الأنثيين، وفيها العقل كاملاً بعد البرء، وذلك بخلاف ما إذا قطعهما، أو جرحهما فإنه يجب القصاص على الجاني، لأنه ليس من المتالف.
وأن جرحه جرحاً في القصاص كموضحة مثلاً، فذهب بسببه نمو بصره، أو شلت يده، اقتص منه، ويجب أن يفعل بالجاني بعد تمام برء المجني عليه مثل ما فعل من الجناية، فإن حصل للجاني مثل الذاهب من المجني عليه، أو زاد الذاهب من الجاني، بأن ذهب بسبب الموضحة شيء آخر مع الذاهب، بأن أوضح فذهب بصره وسمعه، فلا كلام لذلك الجاني الذي اقتص منه، لأنه ظالم يستحق القصاص بالوجه الذي فعل به، والزيادة أمر من الله تعالى، وإذا لم يحصل للجاني مثل الذاهب من المجني عليه، بأن لم يحصل شيء أصلاً، أو حصل غيره، فيجب عقل ما ذهب من المجني عليه في مال الجاني إذا كان الجرح عمداً، أو العاقلة إن كان خطأ، كأن ضربه بقضيب مما لا قصاص فيه، أو لطمه على خده، أو قفاه، لأن الضرب لا يقتص فيه، إنما يقتص من الجروح لقول تعالى ﴿والجروح قصاص﴾ فذهب بصر المجني عليه من أثر الضرب، فإنه لا يضرب بل يجب عليه العقل، إلا أن يمكن الاذهاب من الجاني بفعل فيه يذهب منه مثل ما أذهب بما لا قصاص فيه، كحيلة تذهب بصره بلا ضرب، فإنه يفعل به.
وإذا قطع بعد الجناية عضو رجل قاطع لعضو غيره عمداً، وسقط بآفة سماوية، أو قطع عضوه بسبب سرقة، أو قطع بقصاص لغير المجني عليه أولاً، فلا شيء للمحني عليه، لا قصاص، ولا دية، لأنه إنما تعلق حقه بالعضو المماثل وقد ذهب، وكذا لو مات القاطع فلا شيء على الورثة' بخلاف مقطوع العضو قبل حدوث الجناية فتجب عليه الدية، وفي القصاص يجوز أن يؤخذ من الجاني عضو قوي بعضو ضعيف جنى عليه، فإذا جنى صاحب عين ضعيفة الأبصار خلقة، أو من كبر صاحبها، فإن السليمة تقلع بالضعيفة، ما لم يكن الضعف جداً، وإلا فإن كان العضو شديد الضعف فإنه تجب الدية، وإن فقأ سالم العينين عين أعور، فإنه يخير المجني عليه بين فقء العين المماثلة من الجاني، وبين اخذ دية، وإن فقأ سالم العينين عين أعور، فإنه يخير المجني عليه بين فقء العين المماثلة من الجاني، وبين أخذ دية كاملة من مال الجاني، أي دية غين نفسه، وإذا كان المشهور في المذهب تحتم القصاص في العمد، وإنما وجب التخيير لعدم مساواة غين الجاني، والمجني عليه في الدية، لأن دية عين المجني عليه ألف دينار، بخلاف عين الجاني فديتها خمسمائة دينار، فلو ألزمناه بالقصاص لكان أخذ الأدنى في الأعلى، وهو ظلم له، فيجب التخيير، وإن فقأ أعور من سالم عيناً مماثلة عين الجاني السالمة، فيجوز للمجني عليه سالم العينين القصاص من الأعور الجاني بفقء عينه السالمة فيصير أعمى، أو ترك القصاص، ويأخذ من الجاني دية عينه، وهي ألف دينار على أهل الذهب، لتعين القصاص بالمماثلة، وصارت الثانية عين أعور فيها دية كاملة، لأنه ينتفع بالواحدة انتفاع صاحب العينين.
وإن فقأ الأعور من السالم غير المماثلة لعينه، بأن فقأ من السالم المماثلة للعوراء، فإنه يجب نصف دية فقط في مال الجاني، ولا يجوز للمجني عليه أن يقتص منه لعدم المحل المماثل، وإن فقأстр. 2132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الأعور عيني السالم عمداً، في مرة، أو في مرتين، وساء فقأ التي ليس له مثلها أولاً، أو ثانيا على الرجح، فيجب القود للمجني عليه، بأن يفقأ من الجاني العين المماثلة فيصير أعمى مثله، ويأخذ من الجاني نصف الدية، بدل العين التي ليس لها ممثلة، ولم يخير سالم العينين في المماثلة، بحيث يكون له القصاص، أو أخذ الدية، لئلا يلزم عليه أخذ دية ونصف، حيث اختار الدية في العينين، وهو خلاف ما ورد عن الشارع صلوات الله وسلامه عليه.
مبحث دية الأصابع والكف
الشافعية، والمالكية، والحنفية - قالوا: في قطع اصابع اليد نصف الدية، لأن في قطعها تفويت جنس منفعة البطش وهو الموجب، فإن قطعها مع الكف ففيه أيضاً نصف الدية، لقوله ﷺ : (وفي اليدين الدية، وفي إحداهما نصف الدية) ، ولأن الكف تبع للأصابع لأن البطش بها، وإن قطعها مع نصف الساعد، ففي الصابع والكف نصف الدية، وفي الزيادة حكومة عدل، لأن الشرع أوجب في اليد الواحدة نصف الدية، واليد اسم لهذه الجارحة إلى المنكب، فلا يزاد على تقدير الشرع، وأن قطع الكف عن المفصل وفيها أصبع واحدة ففيه عشر الدية، وإن كان أصبعان فالخمس، ولا شيء في الكف، لأن الأصابع اصل، والكف تابع حقيقة وشرعاً، لأن البطش يقوم بها ولو كان في الكف ثلاثة أصابع يجب أرش الأصابع، ولا شيء في الكف بالأجماع لأن الصابع أصول في التقوم، وللأكثر حكم الكل، فاستتبعت الكف، كما إذا كانت الأصابع قائمة بأسرها.
قالوا: وفي الصابع الزائدة حكومة عدل، تشريفاً للآدمي، لانها جزء من يده، ولكن لا منفعة فيها، ولا زينة، وكذلك السن الزائدة، فيها حكومة عدل، وإن كانت كف المجني عليه ناقصة الصابع مثلاً، لم تقطع السليمة بها، ولو قطع أصبعاً فتأكل غيرها، أو شل أصبع بجوارها أو كف، فلا قصاص في المتآكل، والمشلول بالسراية، لعدم تحقق العمديية، بل فيه الدية، أو حكومة في مال الجاني، ولو اقتص في أصبع من خمسة فسرى لغيرها لم تقع السراية. قصاصاً، بل يجب على الجاني للأصابع الأربع أربعة أخماس الدية، ولا حكومة لمنابت الصابع، بل تدخل في ديتها، ولو ضرب يده فتورمت، ثم سقطت بعد أيام وجب القصاص، ولا أثر في القصاص في يد لخضرة أظفار وسوادها، لأنه علة ومرض في الظفر، وتقطع ذاهبة الأظفار بسلميتها، لانها دونها، دون العكس، لأن الكامل لا يؤخذ بالناقص. ولو نقصت يده أصبعاً فقطع يداً كاملة قطع وعليه أرش الصبع، ولو قطع كامل اليد ناقصة، فإن شاء المقطوع أخذ دية اصابعه الربع وإن شاء قطعها، ولو قطع كفاً بلا أصابع فلا قصاص إلا أن تكون كفه مثلها، ولقد قطع فاقد الصابع كاملها قطع كفه وأخذ دية الأصابع اهـ.
مبحث في الشجاج
اتفق الأئمة الأربعة - رحمهم الله تعالى: على أن الشجاج في اللغة، والفقه، عشرة.стр. 2133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أولها - الحارصة - وهي التي شقت الجلد، ولاتخرج الدم.
ثانيها - الدامعة - وهي التي تظهر الدم ولا تسيله، كدمع العين.
ثالثها - الدامية - وهي التي تسيل الدم، بأن تضعف الجلد بلا شق له حتى يرشح الدم.
رابعها - الباضعة - وهي التي تبضع الجلد، وتقطعه، أي - تشقه.
خامسها - المتلاحمة - وهي ما غاصت في اللحم في عدة مواضع منه، ولم تقرب للعظم.
سادسها - السمحاق: وهي التي تصل إلى السمحاق، وهي جلدة رقيقة بين اللحم، وعظم الرأس وتسمى (الملطاه) .
سابعها - الموضحة: وهي التي توضح العظم وتبينه، أي - تكشفه.
ثامنها - الهاشمة: وهي التي تهشم العظم وتكسره.
تاسعها - المنقلة: وهي التي تنقل العظم بعد الكسر، وتحوله.
عاشرها - الآمة: وهي التي تصل إلى أم الرأسن وهو الذي فه الدماغ، وتسمى (المأمومة) فقد علم بالاستقراء بحسب الآثار أن الشجاج لا تزيد على ما ذكر من العشر.
أما ما بعدها وهي - الدامغة - وهي التي تخرج الجماغ من موضعه، فإن النفس لا تبقى بعدها عادة، فيكون ذلك قتلاً لا شجاص، وهي مرتبة على الحقيقة اللغوية في الصحيح.
الموضحة
اتفق الفقهاء، على وجوب القصاص في الموضحة إن كانت عمداً، لما روي عن النبي ﷺ أنه قضى بالقصاص في الموضحة، ولأنه يمكن أن ينتهي السكين إلى العظم فيتساويان، فيتحقق القصاص، ولا يشترط فيها ما لوه بال واتساع، بل يثبت القصاص فيها، وإن كان الشج ضيقاً، ولو قدر مغرز إبرة.
واتفقوا: على أن الموضحة، إن كانت خطأ فيجب فيها نصف عشر الدية وهو خمس من الإبل وقد ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ في كتابه لعمرو بن حزم، وثبت من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ قال: (في الموضحة خمس) يعني من الإبل، ولما رواه الترمذي وحسنه (في الموضحة خمس من الإبل) وذلك لحر، ذكر، مسلم، غير جنين، وتراعى هذه النسبة في حق غيره من المرأة، والكتابي وغيرهما، ففي موضحة الكتابي الخطأ، يجب بعير وثلثان، وفي موشحة المجوسي ونحوه، ثلث بعير، وفي موضحة المرأة المسلمة، الحرة، يجب بعيران، ونصف بعير، وهو نصف عشر ديتها.
موضع الموضحة
المالكية - قالوا: المضحة ما أظهرت عظم الرأس، أو عظم الجبهة وهو ما بين الحاجبين وشعرстр. 2134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الرأس، أو عظم الخدين، واللحي الأعلى، ولا تكون في اللحي الأسفل، لأنه في حكم العنق، ولا تكون في عظم النف، وإن وجب القصاص من عمده، وذلك لأن الوجه مشتق من المواجهة، ولا مواجهة للناظر فيهما، فلو وجد في اللحي الأسفل والأنف لا يجب الأرش المقدر.
الحنفية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: الموضحة تكون في جميع الوجه والرأس، والجبهة والوجنتين، والذقن داخل في الوجه.
وأتفق الأئمة الأربع: على أن هذه الشجاج العشر المذكورة تختص بالوجه، والرأس لغة، وما كان في غير الرأس والوجه، يسمى جراحة، والحكم مرتب على الحقيقة في الصحيح، حتى لو تحققت في غيرهما نحو الساق، واليد، لا يكون لها أرش مقدر، وإنما تجب حكومة عدل، لأن التقدير بالتوقيف، وهو إنما ورد فيما يختص بهما، ولأنه إنما ورد الحكم في الموضحة لمعنى الشين الذي يلحقه ببقاء أثر الجراحة، والشين يختص بما يظهر منها في الغالب، وهو هذان العضوان لا سواهما.
بقية الشجاج
الحنفية - قالوا: لا قصاص في بقية الشجاج لأنه لا يمكن اعتبار المساواة فيها لأنه لاحد ينتهي السكين اليهن ولأن فيما قوق الموضحة، وهي الهاشمة، والمنقلة، والآمة، فيها كسر العظم، ولا قصاص فيه وهذا رواية عن أبي حنيفة ﵀.
وقال محمد في الأصل - وهو ظاهر الرواية - يجب القصاص فيما قبل الموضحة، لأنه يمكن اعتبار المساواة فيهن إذ ليس فيه كسر العظم، ولا خوف هلاك غالب، فيسبر غورها بمسبار، ثم تمخذ حديدة بقدر ذلك، فيقطع بها مقدرا ما قطع، فيتحقق استيفاء القصاص.
قالوا: وفيما دون الموضحة، وهي الست المتقدمة عليها، من الحارصة إلى السمحاق، يجب حكومة عدل، لأنه ليس فيها أرش مقدر، ولا يمكن غهداره، فوجب اعتبراه بحكم العد، وهو ماثور عن النخعي، وعمر بن عبد العزيز.
قالوا: وفي الهاشمة عشر الدية، وفي المنقلة عشر الدية، ونسف عشر الدية، وفي الآمة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الديةن فإن نفذت فهما جائفتان ففيهما ثلثا الدية. لما روي في كتاب عمرو بن حزم، رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: (وفي الموضحة خمس من الإبل، وفي الهاشمة غشر، وفي المنقلة خمس عشر، وفي الآمة، ويروى المأمومة ثلث الدية وقال ﵊: (في الجائفة ثلث الجية) وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه حكم في جائفة نفذت إلى الجانب الآخر بثلثي الدية، ولأنها إذا نفذت نزلت منزلة جائفتين، إحداهما من الجانب البطن، والأخرى من جانب الظهر، وفي كل جائفة ثلث الدية. فلهذا وجب في النافذة ثلث الدية.
وقالوا: إن الجائفة تختص بالجوف، جوف الرأس، أو جوف البطن.
وتفسير حكومة العدل على ما قاله الإمام الطحاوي ﵀: إن يقوم مملكوكاً بدون هذا الأثرстр. 2135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ويقوم، وبه هذا الأثر ثم ينظر إلى تفاوت ما بين القميتين، فإن كان نصف عشر القيمة، يجب نصف عشر الدية، وإن كان ربع عشر، فربع عشر.
الشافعية - قالوا: في الهاشمة مع إيضاح، أو احتاج إليه بشق لإخراج عظم، أو تقويمه، عشرة من الإبل، وهي عشر دية الكامل بالحرية، لما روي عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، أنه ﷺ : (اوجب في الهاشمة عشراً من الإبل) رواه الدارقطني والبيهقي وفعل ذلك لا يكون إلا عن توقيت، وهاشمة دون إيضاح خمس من الإبل على الصح، لأن العشرة في مقابلة الإيضاح والهشم، وأرش الموضحة خمسة، فتعين أن الخمسة الباقية في مقابلة الهشم.
وقيل: في الهشم إذا خخلا عن غيضاح العظم تجب حكومة، لأنه كسر عظم بلا إيضاح، فأشبه كسر سائر العظام - ومنقلة - خمسة عشر بعيراَ، روى النسائي ذلك عن النبي ﷺ ، ونقل في كتاب (الأم) فيه الإجماع، وكذا أبن المنذر، ويجب القصاص في الموضحة فقط. وفي مأمونة ثلث الدية لخبر عمرو بن حزم بذلك قال في البحر: وهو إجماع، وفي الدامغة ما في المأمومة على الأصح المنصوص، وقيل: تزاد حكومة لخرق غشاء الدماغ.
قالوا: وإنما يجب في المأمومة، وما قبلها ما ذكر إن اتحد الجاني، وأما لو تعدد فحكمه ما يأتي: لو أوضح واحد، ذكراً، حراً، مسلماً فهشم آخر - بعد الإيضاح، أو قبله - ونقل ثالث. وام رابع، فعلى كل من الثلاثة خمس من الإبل، أما الأول فبسبب الإيضاح وأما الثاني فلأنه الزائد عليها من دية الهاشمة، وأما الثالث فلنه الزائد عليهما من دية المنقلة، وعلى الرابع تمام الثلث وهو ثمانية عشر بعيراً وثلث بعير، وهو مابين المنقلة والمأمومة.
قالوا: والشجاج الخمس التي قبل الموضحة من الحارصة إلى اسمحاق. إن عرفت نسبتها من الموضحة، بأن كان على رأسه موضحة إذا قيس بها الباضعة مثلاً عرف أن المقطوع ثلث، أو نصف في عمق اللحم، وجب قسط من أرشها بالنسبة، فإن شككنا في قدرها من الموضحة، اوجبينا اليقين، وإن لم تعرف نسبته منها فتجب حكومة عدل لا بتلغ أرض موشحة، كجرح سائر البدن، كالإيضاح والهشم، والتنقيلن فإن فيه الحكومة فقط، لأن أدلة ما مر في الإيضاح، والهشم، والتنقيل لم يشمله لاختصاص أسماء الثلاثة بجراحة الرأس، والوجه، وليس غيرهما في معناهما.
قالوا: وفي جائفة وإن صغرت ثلث دية، لثبوت ذلك في حديث عمرو بن حزم رضي الله تعالى عنه.
وهذا كالمستثنى مما قبله إذ لا جرح في البدن يقدر غيرها، وهي جرح يصل إلى جوف فيه قوة تحيل الغذاء، أو الدواء، كداخل بطن، وداخل صدر، وداخل ثغرة نحر، وداخل جبين، وداخل خاصرة، ولا فرق بين أن يجيف بحديدة، أو خشبة، ولا جائفة في الفم، والأنف، والجفن، والعين، وممر البول، إذ لا يعظم فيها الخطر على النفس كالأمور المتقدمة، ولأنها لا تعد من الأجواف، فتجبстр. 2136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فيها حكومة، فلو وصلت الجراحة إلى الفم بإيضاح من الوجه، وجب على الجاني أرش موضحة، وهو خمس من الإبل، ولو وصلت الجراحة داخل النف، بكسر قصبة الأنف فيجب أرش هاشمة، وهة عشر من الإبل مع وجوب حكومة فيهما للفوذ إلى الفم، والأنف، لأنها جناية أخرى، ولزيادة الخطر، والقبح فيهما.
قالوا: وإن حز بسكين من كتف، أو فخذ إلى البطن فأجافه، فيجب على الجاني أرش جائفة، وهو ثلث دية - وحكومة لجراحة الكتف' أو الفخذ، لأنها في غير محل الجائفة، وإن حز بها من الصدر إلى البطن أو النحر، فيجب فيها أش جائفة بلا حكومة، لأن جميعه محل الجائفة، ولو أجافه حتى لذع كبده، أو طحاله لزمه مع دية الجائفة حكومة في ذلك، ولو كسر ضلعه كانت حكومته معتبرة بنفوذ الجائفة، فإن نفذت في غير الضلع لزمه حكومة مع الدية، وإن لم تنفذ إلا بكسره، دخلت حكومة كسره في دية الجائفة.
ولا يختلف أرش موضحة بكبرها، ولا صغرها، لاتباع الاسمن ولا بكونها بارزة، أو مستورة بالشعر، ولا يشترط أن تكون موضحة بل لو غرز فيه غبرة فوصلت إلى الجوف تسمى جائفةن ولذا قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: وهكذا كل ما في ارأس من الشجاج فهو على الأسماء اهـ.
واعلم أن الموضحة تتعدد صورة، وحكماً، ومحلاً، وفاعلاً، فلو أوضح الجاني مع اتحاد الحكم موضعين بينهما لحم، وجلد معاً. قيل: أو بينهما لحم فقط، أو جلد فقط، فموضحتان أما في الأولى فلاختلاف الصورة مع قوة الحادز، وأما في الثانية فلوجود حاجز بين الموضعين، والأصح أنها واحدة، ولو كثرت الموضحات تعدد الأرش بحسبها ولا ضبط، وقيل: لا يجب أكثر من دية النفس.
قالوا: ولو انقسمت موضحة عمداً، وخطأ فموضحتان، أو شملت رأساً ووجهاً فموضحتان، على الصحيح، ولو وسع الجاني موضحته مع اتحاد الحكم فواحدة على الصحيح وقيل: ثنتان. ولو وسع غير الجاني الموضحة، فثنتان، لأن فعل الإنسان لا ينبني على فعل غيره. كما لو قطع يد رجل، وحز آخر رقبته، فإن على كل منهما جنايته. والجائفة كالموضحة في الاتحاد، والتعدد، المتقدم، ولو طعنه بآلة نفذت في بطنه وخرجت من ظهره، أو عكسه أو نفذت من جنب وخرجت من جنب فهما جائفتان في الأصح. اعتباراً للخارجة بالداخلة، وقد ثبت أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قضى في رجل رمى ردلاً بسهم فأنفذه بثلثي الدية، وثبت أيضاً أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قد قضى بهذا الحكم، ولا مخالف لهما فكان لإجماعاً اهـ.
المالكية رحمهم الله تعالى - قالوا: يقتص من الموضحة. ويقتص مما قبلها من كل ما لا يظهر به العظم وهي سنة. ثلاث متعلقة بالجلد، وهي، الدامية، والحارصة والسممحاق، وثلاث متعلقة باللحم، وهي الباضعة، والمتلاحمة، والملطاء، بكسر الميم.
قالوا: والهاشمة، تعتبر في القصاص إن اتحد المحل، بالمساحة حولاً، وعرضاً، وعمقاً، وما بعد الموضحة من الشجاج فلا قصاص فيه، بل يتعين فيه العقل، فيستوي عمده، وخطؤه، وهي:стр. 2137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) المتنقلة (بفتح النون كسر القاف مشددة) وهي لا تكون إلا في الرأس، أو الوجه، هي ما ينقل فيها فراش العظم، وهو العظم الرقيق الكائف فوق العظم كقشر البصل، أي ما يزيل منها الطبيب فراش العظم لأجل الدواء، ليلتئم الجرح. وإنما لم يكن فيها قصاص لشدة خطرها على النفس، وإزهاق الروح.
وآمة. بفتح الهمزة ممدودة، وهي ما أفضت لأم الدماغ، أي الجرح الواصل لأم دماغ، ولم تخرقها. وأم الدماغ جلدة رقيقة مفروشة عليه، متى انكشفت عنه مات، والدماغ اسم للمخ.
قالوا: ولا يجب القصاص إن عظم الخطر، واشتد الخوف في غير الجراحات التي بعد الموضحة. أي جراح الجسد غير المنقلة، والآمة، المتقدمتين. لأنه لا قصاص فيهما من غير قيد بعظم الخطر، لأن شأنهما عظم الخطر، والجراحات التي في الجسد ويخاف منها إزهاق الروح، ككسر عظم الصدر، وكسر عظم الصلب، أو العنق، ورض الأنثيين.
مبحث في بأخير القصاص
الحنفية - قالوا: من جرح رجلاً جراحة عمداً، ووجب القصاص، فلا يقتص منه حتى يبرأ من الجراحة، لقوله صلوات الله وسلامه عليه: (يستأني في الجراحات سنة) ولأن الجراحات يعتبر فيها مآلها لا حالها لأن حكمها في الحال غير معلوم، لأنها ربما تسري إلى النفس فيظهر أنه قتل، وإنما يستقر الأمر بالبرء.
المالكية - قالوا: يجب تأخير القصاص فيما دون النفس لعذر كبرد شديد، أو حر يخاف منه الموت، لئلا يموت فيلزم أخذ نفس بدون نفس، وكذلك يؤخر إقامة القصاص في الأطراف إذا كان الجاني مريضاً حتى يبرأ من مرضه، ويؤخر أيضاً القصاص فيما دون النفس حتى يبرأ المجروح، لاحتمال أن يموت، فيكون الواجب القتل بقسامة، وينتظر برء المجني عليه، ولو تأخر البرء سنة، خوف أن يؤول إلى النفس، أو إلى ما تحمله العاقلة، وتجب الحكومة إذا برئ على شين، وإلا ففيه الأدب في العمد.
الشافعية - قالوا: يجب أن يقتص المستحق على الفور، إن طلب ذلك في النفس جزماً، ويقتص من الجاني فيما دون النفس في الحال، اعتباراً بالقصاص في النفس، لأن الموجب قد تحقق فلا يعطل، ولأن القصاص موجب الإتلاف فيتعجل، كقيم المتلفات، والتأخير أولى لاحتمال العفو، ويجوز للمجني عليه أن يقطع الأطراف متوالية، ولو فرقت من الجاني، لأنها حقوق واجبه في الحال.
تأخير قصاص الحامل
واتفق الأئمة: على أن المرأة الحامل إذا وجب عليها القصاص في النفس أو الأطراف، إذا طلب المجني عليه حبسها، فإنها تحبس حتى تضع حملها، ويؤخر عنها القصاص في النفس والأطراف حتىстр. 2138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) تضع وترضع وليدها وينقضي النفاس، ويستغني عنها ولدها بغيرها من امرأة أخرى، أو بهيمة يحل لبنها، أو فطام حولين، إذا فقد ما يستغني الولد به، وذلك في قصاص النفس. لأنه اجتمع فيها حقان، حق الجنين وحق الولي في التعجيل، ومع الصبر يحصل استيفاء الجنين، فهو أولى من تفويت أحدهما.
أما في قصاص الطرف أو حد القذف، فيؤجل لأن في استيفائه قد يحصل إجهاض الجنين، وهو متلف له غالباً، وهو بريء، فلا يهلك بجريمة غيره، ولا فرق بين أن يكون الجنين من حلال، أو جرام، ولا بين أن يحدث بعد وجوب العقوبة، أو قبلها، حتى أن المرتدة لو حملت من الزنا بعد الردة، لا تقتل حتى تضع حملها، وأما تأخيرها لارضاع اللبأ (هو اللبن الرقيق الذي ينزل من المرأة في الأيام الأولى من الولادة) فلأن الولد لا يعيش إلا به محققاً، أو غالباً مع أن التأخير يسير، وأما تأخيرها للاستغناء بغيرها، فلأ جل حياة الولد أيضاً، فلأنه إذا وجب التأخير لوضعه فوجوبه بعد وجوده وتيقن حياته أولى، ويسن صبر الولي بالاستيفاء بعد وجود مرضعات يتناوبنه، أو لبن شاة، أو نحوه، حتى توجد امرأة فاضلة مرضعة لئلا يفسد خلقه نشؤه بالألبان المختلفة، ولبن البهيمة، وتجبر المرضعة بالأجرة، فلو وجد مراضع وامتنعن أجبر الحاكم من يرى منهن بالأجرة.
قالوا: ولو بادر المستحق وقتلها بعد انفصال الولد قبل وجود ما يغنه فمات الولد، لزمه القود فيه، لأنه تسبب في موته، كما لو حبس رجلاً ببيت ومنعه الطعام والشراب حتى مات. وإن قتلها وهي حامل، ولم ينفصل حملها، أو انفصل سالماً ثم مات بعد ذلك فلا ضمان عليه لأنه لا يعلم أنه مات بسبب الجناية، فإن انفصل ميتاً فالواجب، في غرة، وكفارة، وإن انفصل متألماً؟ ثم مات، فتجب دية وكفارة، لأن الظاهر أن تألمه وموته من موتها، والدية والغرة تجب على العاقلة، لأن الجنين لا يباشر بالجناية، ولا تتيقن حياته فيكون هلاكه خطأ، أو شبه عمد، بخلاف الكفارة، فإنها تجب في ماله خاصة، وإن قتلها الولي بأمر الحاكم - كان الضمان على الإمام علماً بالحمل، أو جهلا، أو علم الإمام وحده. لأن البحث عليه، وهو الآمر به، والمباشر كالآلة، لصدور فعله عن رأيه وبحثه.
قالوا: والصحيح تصديقها في حملها إذا أمكن حملها عادة بغير مخيلة، لقول تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ من آية [٢٢٨ سورة البقرة] أي من حمل أو حيض، ومن حرم عليه كتمان شيء، وجب قبوله إذا أظهره كالشهادة، لأن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قبل قول الغامدية في الحمل، ولم يطلب منها البينة، ولا حلف يمين، أما إذا لم يمكن حملها عادة كآيسة مثلاً، فلا تصدق في ادعاء الحمل، لأن الواقع يكذبها.
وقيل: لا تصدق في اعترافها بالحمل، لأن الأصل عدم الحمل، وهي متهمة بتأخير الواجب، فلا بد من بينة تقوم على ظهور مخايله أو إقرار المستحق.
وعلى القول الأول هل تحلف أو لا؟ قولان، أرجحهما الأول. لأن لها غرضاً في التأخير.стр. 2139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) مبحث موت المجني عليه بعد القصاص.
الحنفية رحمهم الله تعالى - قالوا: إذا قطعت يد رجل عمداً، فاقتص له من يد الجاني، ثم مات المجني عليه، فإنه يقتل المقتص منه، لأنه تبين أن الجناية كانت قتل عمد، وحق المقتص له القود، واستيفاء القطع لا يوجب سقوط القود، إذا استوفى طرف من عليه القود.
وعن أبي يوسف: أنه يسقط حقه في القصاص. أنه لما اقدم على القطع فقد أبرأه عما وراءه، والحنفية: يقولون: إنما أقدم على القطع ظناً منه أن حقه فيه، وبعد السراية تبين أنه في القود، فلم يكن مبرئاً عنه بدون العلم به.
الشافعية - قالوا: لو اقتص مقطوع عضو فيه نصف الدية من قاطعه، ثم المقطوع الأول سراية، فيجب القصاص من القاطع، ويجوز لأولياء الدم العفو عنه بنصف دية فقط لأن اليد المستوفاة قبل الموت مقابلة بالنصف الآخر.
وأن مات الجاني حتف أنفه، أو قتله غير القاتل، تعين نصف الدين في تركة الجاني، ولو قطع ينده فاقتص المقطوع، ثم مات سراية، فلوليه حز رقبة الجاني في مقابلة نفس مورثه؛ فإن عفا عن حزها، فلا شيء له، لأنه استوفى ما يقابل الدية بقصاص اليدين.
مبحث الديات
المالكية، الشافعية، والحنابلة رحمهم الله تعالى - قالوا: الدية: هي المال الواجب بجناية على الحر في نفس، أو فيما دونها، وأصلها ودية مشتقة من الودي، وهو رفع الدية، ولأصل فيها الكتاب، والسنة، والإجماع، قال تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله لا أن يصدقوا﴾ آية ٩٢ من النساء والأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك كثيرة، والإجماع منعقد على وجوبها في الجملة.
قالوا: يجب في قتل الذكر، الحر، المسلم، المحقون الدم، والقاتل له لا رق فيه، مائة بعير، لأن الله تعالى أوجب في الآية المذكورة دية، وبينها النبي ﷺ في كتاب عمرو بن حزم في قوله: (في النفس مائة من الإبل) رواه النسائي.
وأول من سنها مائة عبد المطلب حد النبي صلوات الله وسلامه عليه، وجاءت الشربعة مقررة لها، والبعير يطلق على الذكر والأنثى، ولا تختلف الدية بالفضائل والرذائل، وأن اختلفت بالأديان والذكورة والأنوثة، بخلاف الجناية على الرقيق فإن فيه القيمة المختلفة، أما إذا كان المقتول غير محقون الدم كتارك الصلاة كسلاً، والزاني المحصن، إذا قتل كل منهما وهو مسلم فلا دية فيه، ولا كفارة، وقد يعرض للدية ما يغلظها وهو أحد أسباب خمسة، كون القتل عمداً، أو شبه عمد، أو في الحرم، أو للذي رحم محرم، وقد يعرض لها ما ينقصها وهو أحد أسباب أربعة: الأنوثة، والرق، وقتلстр. 2140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الجنين، والكفر، فالأول يردها إلى الشطر، والثاني إلى القيمة، والثالث إلى الغرة، والرابع إلى الثلث.
وهي مثلثة قي قتل العمد سواء أوجب فيه قصاص وعفي عنه أم لا، كقتل الوالد ولده، والمراد بتثليثها جعلها ثلاثة أقسام. وإن كان بعضها أزيد من بعض، وهي ثلاثون حقه، وهي الناقة التي طعنت في السنة الرابعة، وثلاثون جذعة، وهي الناقة التي طعنت في السنة الخامسة، وأربعون خلفة، أي حاملاً، لخبر الإمام الترمذي بذلك، فهي مغلظة من ثلاثة أوجه، كونها على الجاني، وكونها حالة، ومن جهة السن. وهي في العمد على الجاني مثلثة معجلة، وشبه العمد مثلثة على العاقلة مؤجلة.
وإنما أوجبوا الدية حالة في العمد تعظيماً لحرمة المسلم المجني عليه، وجبراً لخاطر أولياء الدم.
قالوا: وتغلظ الدية في جرح العمد كما تغلظ في النفس من تثليث، وتربيع، لا فرق في الجرح بين ما يقتص في كالموضحة أو لا.
الحنفية رحمهم الله تعالى - قالوا: يجب في قتل العمد، وشبه العمد دية مغلظة على العاقلة والكفارة على وحرمان الميراث، لأنه جزاء القتل، والشبهة تؤثر في سقوط القصاص دون حرمان الميراث، والأصل في وجب الدية المغلظة على عاقلة القاتل في شبه العمد حديث حمل بن مالك رضي الله تعالى عنه، فقد روي عن حمل بن مالك قال: كنت بين ضرتين فضربت إحداهما الأخرى بعمود فسطاط، أو بمسطح خيمة، فألقت جنيناً ميتاً، فاختصم أولياؤها إلى رسول الله ﷺ فقال عليه اللام لأولياء الضاربة (دوه) فقال أخوها: اتدي من لا صاح ولا استهل ولا شرب، ولا أكل، ودم مثله يطل، فقال ﵇: (أسجع كسجع الكهان؟ وفي رواية (دعني وأراجيز العرب، قوموا فدوه) ولا ريب أن قضاء الرسول ﷺ بالدية على العاقلة على ما ذكروا في تفصيل الحديث، إنما كان بجناية شبه العمد، ودون الخطأ، فكأن وجوب الدية على العاقلة في جناية شبه العمد ثابتاً بالنص، دون القياس.
وقالوا: والأصل أن كل دية وجبت بالقتل ابتداء لا بمعنى يحدث من بعد، فهي على العاقلة، اعتباراً وتجب في ثلاث سنين، لقضية عمر بن الخطاب ﵁ وتؤجل تعظيماً لحرمة الجاني، ورحمة به، فإن المجني عليه قد نفذت في الأقدار عند انتهاء أجله المقدر والجاني ترجى توبته، والعفو عنه، إذا أجلت الدية ثلاث سنين.
ودية شبه العمد مائة من الإبل أرباعاً، خمس وعشرون بنت مخاض، وهي الناقة التي طعنت في السنة الثانية من غمرها، وخمس وعشرون بنت لبون، وهي الناقة التي طعنت ففي الثالثة. وخمس وعشرون ناقة، وهي التي طعنت في السنة الرابعة، وخمس وعشرون جذعة، وهي الناقة التي طعنت في السنة الخامسة من سنها، وإنما غلظت الدية لقوله ﷺ (في نفس المؤمن مائة من الإبل) ووجه الاستدلال به، أنه الثابت منه ﵇ وليس فيه دلالة على صفة من التغليظ، ولا بد منه بالإجماع،следующие страницы →