Полный текст (2 230 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فيها حكومة، فلو وصلت الجراحة إلى الفم بإيضاح من الوجه، وجب على الجاني أرش موضحة، وهو خمس من الإبل، ولو وصلت الجراحة داخل النف، بكسر قصبة الأنف فيجب أرش هاشمة، وهة عشر من الإبل مع وجوب حكومة فيهما للفوذ إلى الفم، والأنف، لأنها جناية أخرى، ولزيادة الخطر، والقبح فيهما.
قالوا: وإن حز بسكين من كتف، أو فخذ إلى البطن فأجافه، فيجب على الجاني أرش جائفة، وهو ثلث دية - وحكومة لجراحة الكتف' أو الفخذ، لأنها في غير محل الجائفة، وإن حز بها من الصدر إلى البطن أو النحر، فيجب فيها أش جائفة بلا حكومة، لأن جميعه محل الجائفة، ولو أجافه حتى لذع كبده، أو طحاله لزمه مع دية الجائفة حكومة في ذلك، ولو كسر ضلعه كانت حكومته معتبرة بنفوذ الجائفة، فإن نفذت في غير الضلع لزمه حكومة مع الدية، وإن لم تنفذ إلا بكسره، دخلت حكومة كسره في دية الجائفة.
ولا يختلف أرش موضحة بكبرها، ولا صغرها، لاتباع الاسمن ولا بكونها بارزة، أو مستورة بالشعر، ولا يشترط أن تكون موضحة بل لو غرز فيه غبرة فوصلت إلى الجوف تسمى جائفةن ولذا قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: وهكذا كل ما في ارأس من الشجاج فهو على الأسماء اهـ.
واعلم أن الموضحة تتعدد صورة، وحكماً، ومحلاً، وفاعلاً، فلو أوضح الجاني مع اتحاد الحكم موضعين بينهما لحم، وجلد معاً. قيل: أو بينهما لحم فقط، أو جلد فقط، فموضحتان أما في الأولى فلاختلاف الصورة مع قوة الحادز، وأما في الثانية فلوجود حاجز بين الموضعين، والأصح أنها واحدة، ولو كثرت الموضحات تعدد الأرش بحسبها ولا ضبط، وقيل: لا يجب أكثر من دية النفس.
قالوا: ولو انقسمت موضحة عمداً، وخطأ فموضحتان، أو شملت رأساً ووجهاً فموضحتان، على الصحيح، ولو وسع الجاني موضحته مع اتحاد الحكم فواحدة على الصحيح وقيل: ثنتان. ولو وسع غير الجاني الموضحة، فثنتان، لأن فعل الإنسان لا ينبني على فعل غيره. كما لو قطع يد رجل، وحز آخر رقبته، فإن على كل منهما جنايته. والجائفة كالموضحة في الاتحاد، والتعدد، المتقدم، ولو طعنه بآلة نفذت في بطنه وخرجت من ظهره، أو عكسه أو نفذت من جنب وخرجت من جنب فهما جائفتان في الأصح. اعتباراً للخارجة بالداخلة، وقد ثبت أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قضى في رجل رمى ردلاً بسهم فأنفذه بثلثي الدية، وثبت أيضاً أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قد قضى بهذا الحكم، ولا مخالف لهما فكان لإجماعاً اهـ.
المالكية رحمهم الله تعالى - قالوا: يقتص من الموضحة. ويقتص مما قبلها من كل ما لا يظهر به العظم وهي سنة. ثلاث متعلقة بالجلد، وهي، الدامية، والحارصة والسممحاق، وثلاث متعلقة باللحم، وهي الباضعة، والمتلاحمة، والملطاء، بكسر الميم.
قالوا: والهاشمة، تعتبر في القصاص إن اتحد المحل، بالمساحة حولاً، وعرضاً، وعمقاً، وما بعد الموضحة من الشجاج فلا قصاص فيه، بل يتعين فيه العقل، فيستوي عمده، وخطؤه، وهي:стр. 2137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) المتنقلة (بفتح النون كسر القاف مشددة) وهي لا تكون إلا في الرأس، أو الوجه، هي ما ينقل فيها فراش العظم، وهو العظم الرقيق الكائف فوق العظم كقشر البصل، أي ما يزيل منها الطبيب فراش العظم لأجل الدواء، ليلتئم الجرح. وإنما لم يكن فيها قصاص لشدة خطرها على النفس، وإزهاق الروح.
وآمة. بفتح الهمزة ممدودة، وهي ما أفضت لأم الدماغ، أي الجرح الواصل لأم دماغ، ولم تخرقها. وأم الدماغ جلدة رقيقة مفروشة عليه، متى انكشفت عنه مات، والدماغ اسم للمخ.
قالوا: ولا يجب القصاص إن عظم الخطر، واشتد الخوف في غير الجراحات التي بعد الموضحة. أي جراح الجسد غير المنقلة، والآمة، المتقدمتين. لأنه لا قصاص فيهما من غير قيد بعظم الخطر، لأن شأنهما عظم الخطر، والجراحات التي في الجسد ويخاف منها إزهاق الروح، ككسر عظم الصدر، وكسر عظم الصلب، أو العنق، ورض الأنثيين.
مبحث في بأخير القصاص
الحنفية - قالوا: من جرح رجلاً جراحة عمداً، ووجب القصاص، فلا يقتص منه حتى يبرأ من الجراحة، لقوله صلوات الله وسلامه عليه: (يستأني في الجراحات سنة) ولأن الجراحات يعتبر فيها مآلها لا حالها لأن حكمها في الحال غير معلوم، لأنها ربما تسري إلى النفس فيظهر أنه قتل، وإنما يستقر الأمر بالبرء.
المالكية - قالوا: يجب تأخير القصاص فيما دون النفس لعذر كبرد شديد، أو حر يخاف منه الموت، لئلا يموت فيلزم أخذ نفس بدون نفس، وكذلك يؤخر إقامة القصاص في الأطراف إذا كان الجاني مريضاً حتى يبرأ من مرضه، ويؤخر أيضاً القصاص فيما دون النفس حتى يبرأ المجروح، لاحتمال أن يموت، فيكون الواجب القتل بقسامة، وينتظر برء المجني عليه، ولو تأخر البرء سنة، خوف أن يؤول إلى النفس، أو إلى ما تحمله العاقلة، وتجب الحكومة إذا برئ على شين، وإلا ففيه الأدب في العمد.
الشافعية - قالوا: يجب أن يقتص المستحق على الفور، إن طلب ذلك في النفس جزماً، ويقتص من الجاني فيما دون النفس في الحال، اعتباراً بالقصاص في النفس، لأن الموجب قد تحقق فلا يعطل، ولأن القصاص موجب الإتلاف فيتعجل، كقيم المتلفات، والتأخير أولى لاحتمال العفو، ويجوز للمجني عليه أن يقطع الأطراف متوالية، ولو فرقت من الجاني، لأنها حقوق واجبه في الحال.
تأخير قصاص الحامل
واتفق الأئمة: على أن المرأة الحامل إذا وجب عليها القصاص في النفس أو الأطراف، إذا طلب المجني عليه حبسها، فإنها تحبس حتى تضع حملها، ويؤخر عنها القصاص في النفس والأطراف حتىстр. 2138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) تضع وترضع وليدها وينقضي النفاس، ويستغني عنها ولدها بغيرها من امرأة أخرى، أو بهيمة يحل لبنها، أو فطام حولين، إذا فقد ما يستغني الولد به، وذلك في قصاص النفس. لأنه اجتمع فيها حقان، حق الجنين وحق الولي في التعجيل، ومع الصبر يحصل استيفاء الجنين، فهو أولى من تفويت أحدهما.
أما في قصاص الطرف أو حد القذف، فيؤجل لأن في استيفائه قد يحصل إجهاض الجنين، وهو متلف له غالباً، وهو بريء، فلا يهلك بجريمة غيره، ولا فرق بين أن يكون الجنين من حلال، أو جرام، ولا بين أن يحدث بعد وجوب العقوبة، أو قبلها، حتى أن المرتدة لو حملت من الزنا بعد الردة، لا تقتل حتى تضع حملها، وأما تأخيرها لارضاع اللبأ (هو اللبن الرقيق الذي ينزل من المرأة في الأيام الأولى من الولادة) فلأن الولد لا يعيش إلا به محققاً، أو غالباً مع أن التأخير يسير، وأما تأخيرها للاستغناء بغيرها، فلأ جل حياة الولد أيضاً، فلأنه إذا وجب التأخير لوضعه فوجوبه بعد وجوده وتيقن حياته أولى، ويسن صبر الولي بالاستيفاء بعد وجود مرضعات يتناوبنه، أو لبن شاة، أو نحوه، حتى توجد امرأة فاضلة مرضعة لئلا يفسد خلقه نشؤه بالألبان المختلفة، ولبن البهيمة، وتجبر المرضعة بالأجرة، فلو وجد مراضع وامتنعن أجبر الحاكم من يرى منهن بالأجرة.
قالوا: ولو بادر المستحق وقتلها بعد انفصال الولد قبل وجود ما يغنه فمات الولد، لزمه القود فيه، لأنه تسبب في موته، كما لو حبس رجلاً ببيت ومنعه الطعام والشراب حتى مات. وإن قتلها وهي حامل، ولم ينفصل حملها، أو انفصل سالماً ثم مات بعد ذلك فلا ضمان عليه لأنه لا يعلم أنه مات بسبب الجناية، فإن انفصل ميتاً فالواجب، في غرة، وكفارة، وإن انفصل متألماً؟ ثم مات، فتجب دية وكفارة، لأن الظاهر أن تألمه وموته من موتها، والدية والغرة تجب على العاقلة، لأن الجنين لا يباشر بالجناية، ولا تتيقن حياته فيكون هلاكه خطأ، أو شبه عمد، بخلاف الكفارة، فإنها تجب في ماله خاصة، وإن قتلها الولي بأمر الحاكم - كان الضمان على الإمام علماً بالحمل، أو جهلا، أو علم الإمام وحده. لأن البحث عليه، وهو الآمر به، والمباشر كالآلة، لصدور فعله عن رأيه وبحثه.
قالوا: والصحيح تصديقها في حملها إذا أمكن حملها عادة بغير مخيلة، لقول تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ من آية [٢٢٨ سورة البقرة] أي من حمل أو حيض، ومن حرم عليه كتمان شيء، وجب قبوله إذا أظهره كالشهادة، لأن الرسول صلوات الله وسلامه عليه قبل قول الغامدية في الحمل، ولم يطلب منها البينة، ولا حلف يمين، أما إذا لم يمكن حملها عادة كآيسة مثلاً، فلا تصدق في ادعاء الحمل، لأن الواقع يكذبها.
وقيل: لا تصدق في اعترافها بالحمل، لأن الأصل عدم الحمل، وهي متهمة بتأخير الواجب، فلا بد من بينة تقوم على ظهور مخايله أو إقرار المستحق.
وعلى القول الأول هل تحلف أو لا؟ قولان، أرجحهما الأول. لأن لها غرضاً في التأخير.стр. 2139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) مبحث موت المجني عليه بعد القصاص.
الحنفية رحمهم الله تعالى - قالوا: إذا قطعت يد رجل عمداً، فاقتص له من يد الجاني، ثم مات المجني عليه، فإنه يقتل المقتص منه، لأنه تبين أن الجناية كانت قتل عمد، وحق المقتص له القود، واستيفاء القطع لا يوجب سقوط القود، إذا استوفى طرف من عليه القود.
وعن أبي يوسف: أنه يسقط حقه في القصاص. أنه لما اقدم على القطع فقد أبرأه عما وراءه، والحنفية: يقولون: إنما أقدم على القطع ظناً منه أن حقه فيه، وبعد السراية تبين أنه في القود، فلم يكن مبرئاً عنه بدون العلم به.
الشافعية - قالوا: لو اقتص مقطوع عضو فيه نصف الدية من قاطعه، ثم المقطوع الأول سراية، فيجب القصاص من القاطع، ويجوز لأولياء الدم العفو عنه بنصف دية فقط لأن اليد المستوفاة قبل الموت مقابلة بالنصف الآخر.
وأن مات الجاني حتف أنفه، أو قتله غير القاتل، تعين نصف الدين في تركة الجاني، ولو قطع ينده فاقتص المقطوع، ثم مات سراية، فلوليه حز رقبة الجاني في مقابلة نفس مورثه؛ فإن عفا عن حزها، فلا شيء له، لأنه استوفى ما يقابل الدية بقصاص اليدين.
مبحث الديات
المالكية، الشافعية، والحنابلة رحمهم الله تعالى - قالوا: الدية: هي المال الواجب بجناية على الحر في نفس، أو فيما دونها، وأصلها ودية مشتقة من الودي، وهو رفع الدية، ولأصل فيها الكتاب، والسنة، والإجماع، قال تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله لا أن يصدقوا﴾ آية ٩٢ من النساء والأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك كثيرة، والإجماع منعقد على وجوبها في الجملة.
قالوا: يجب في قتل الذكر، الحر، المسلم، المحقون الدم، والقاتل له لا رق فيه، مائة بعير، لأن الله تعالى أوجب في الآية المذكورة دية، وبينها النبي ﷺ في كتاب عمرو بن حزم في قوله: (في النفس مائة من الإبل) رواه النسائي.
وأول من سنها مائة عبد المطلب حد النبي صلوات الله وسلامه عليه، وجاءت الشربعة مقررة لها، والبعير يطلق على الذكر والأنثى، ولا تختلف الدية بالفضائل والرذائل، وأن اختلفت بالأديان والذكورة والأنوثة، بخلاف الجناية على الرقيق فإن فيه القيمة المختلفة، أما إذا كان المقتول غير محقون الدم كتارك الصلاة كسلاً، والزاني المحصن، إذا قتل كل منهما وهو مسلم فلا دية فيه، ولا كفارة، وقد يعرض للدية ما يغلظها وهو أحد أسباب خمسة، كون القتل عمداً، أو شبه عمد، أو في الحرم، أو للذي رحم محرم، وقد يعرض لها ما ينقصها وهو أحد أسباب أربعة: الأنوثة، والرق، وقتلстр. 2140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الجنين، والكفر، فالأول يردها إلى الشطر، والثاني إلى القيمة، والثالث إلى الغرة، والرابع إلى الثلث.
وهي مثلثة قي قتل العمد سواء أوجب فيه قصاص وعفي عنه أم لا، كقتل الوالد ولده، والمراد بتثليثها جعلها ثلاثة أقسام. وإن كان بعضها أزيد من بعض، وهي ثلاثون حقه، وهي الناقة التي طعنت في السنة الرابعة، وثلاثون جذعة، وهي الناقة التي طعنت في السنة الخامسة، وأربعون خلفة، أي حاملاً، لخبر الإمام الترمذي بذلك، فهي مغلظة من ثلاثة أوجه، كونها على الجاني، وكونها حالة، ومن جهة السن. وهي في العمد على الجاني مثلثة معجلة، وشبه العمد مثلثة على العاقلة مؤجلة.
وإنما أوجبوا الدية حالة في العمد تعظيماً لحرمة المسلم المجني عليه، وجبراً لخاطر أولياء الدم.
قالوا: وتغلظ الدية في جرح العمد كما تغلظ في النفس من تثليث، وتربيع، لا فرق في الجرح بين ما يقتص في كالموضحة أو لا.
الحنفية رحمهم الله تعالى - قالوا: يجب في قتل العمد، وشبه العمد دية مغلظة على العاقلة والكفارة على وحرمان الميراث، لأنه جزاء القتل، والشبهة تؤثر في سقوط القصاص دون حرمان الميراث، والأصل في وجب الدية المغلظة على عاقلة القاتل في شبه العمد حديث حمل بن مالك رضي الله تعالى عنه، فقد روي عن حمل بن مالك قال: كنت بين ضرتين فضربت إحداهما الأخرى بعمود فسطاط، أو بمسطح خيمة، فألقت جنيناً ميتاً، فاختصم أولياؤها إلى رسول الله ﷺ فقال عليه اللام لأولياء الضاربة (دوه) فقال أخوها: اتدي من لا صاح ولا استهل ولا شرب، ولا أكل، ودم مثله يطل، فقال ﵇: (أسجع كسجع الكهان؟ وفي رواية (دعني وأراجيز العرب، قوموا فدوه) ولا ريب أن قضاء الرسول ﷺ بالدية على العاقلة على ما ذكروا في تفصيل الحديث، إنما كان بجناية شبه العمد، ودون الخطأ، فكأن وجوب الدية على العاقلة في جناية شبه العمد ثابتاً بالنص، دون القياس.
وقالوا: والأصل أن كل دية وجبت بالقتل ابتداء لا بمعنى يحدث من بعد، فهي على العاقلة، اعتباراً وتجب في ثلاث سنين، لقضية عمر بن الخطاب ﵁ وتؤجل تعظيماً لحرمة الجاني، ورحمة به، فإن المجني عليه قد نفذت في الأقدار عند انتهاء أجله المقدر والجاني ترجى توبته، والعفو عنه، إذا أجلت الدية ثلاث سنين.
ودية شبه العمد مائة من الإبل أرباعاً، خمس وعشرون بنت مخاض، وهي الناقة التي طعنت في السنة الثانية من غمرها، وخمس وعشرون بنت لبون، وهي الناقة التي طعنت ففي الثالثة. وخمس وعشرون ناقة، وهي التي طعنت في السنة الرابعة، وخمس وعشرون جذعة، وهي الناقة التي طعنت في السنة الخامسة من سنها، وإنما غلظت الدية لقوله ﷺ (في نفس المؤمن مائة من الإبل) ووجه الاستدلال به، أنه الثابت منه ﵇ وليس فيه دلالة على صفة من التغليظ، ولا بد منه بالإجماع،стр. 2141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وما رواه غير ثابت لاختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في صفة التغليظ، فإن عمر، وزيداً وغيرهما قالوا: مثل ما قالوا.
وقال على ﵁ تجب ًثلاثاً، ثلاث وثلاثون ناقة، وثلاث وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون خلفة، وقال أبن مسعود بمثل ما قال الحنفية أرباعاُ والرأي لا مدخل له في التقارير، فكان كالمرفوع، ويصير معارضاً لما رووه، وإذا تعارضا، كان الأخذ بالمتيقن أولى، ودية شبه العمد مثل دية العمد المحض.
قالوا: ولا يثبت التغليظ إلا في الإبل خاصة. فلا يزاد في الدراهم على عشرة آلاف درهم، ولا يزاد في الدنانير عن ألف دينار.
دية الخطأ
الحنفية - والحنابلة - قالوا: إن الدية في الخطأ مائة من الإبل على العاقلة، وتجب الكفارة في مال القاتل، والدية تكون أخماساً، عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون أبن مخاض، وعشرون ناقة، وعشرون جذعة، وهذا قول أبن مسعود رضي الله تعالى عنه أخذوا به، ولأنه أخف فكان أليف بحالة الخطأ، لأن الخاطئ معذور.
الشافعية، والمالكية - قالوا: قي قتل الخطأ تجب الدية أخماساً مؤجلة على العاقلة إلا أنهم جعلوا عشرين أبن لبون، مكان عشرين أبن مخاض، لخبر الترمذي وغيره بذلك، فهي مخففة في الخطأ من ثلاثة اوجه من كونها على العاقلة من السن في الإبل، ومن التأجيل في دفعها، ودية شبه العمد مثلثة على العاقلة، مؤجلة، فهي مخففة من وجهين، مغلظة من وجه.
أنواع الدية
الحنفية، والحنابلة - قالوا: يجوز أخذ الدراهم، والدنانير مع وجود الإبل، ولا تثبت الدية إلا من هذه الأنواع الثلاثة، الإبل، والذهب، والفضة. فمن الإبل مائة، ومن الفضة عشرة آلاف درهم، ومن الذهب ألف دينار، لأن التقدير إنما يستقيم بشيء معلوم المالية، وغير هذه الأنواع الثلاثة مجهولة المالية، ولهذا لا يقدر بها ضمان شيء مما وجب ضمانه بالإتلاف، والتقدير الإبل عرف بالآثار المشهورة.
وقال أبو يوسف، ومحمد - تثبت الدية من الإبل، والذهب، والفضة، ومن البقر مائتا بقرة، ومن الغنم ألفا شاة، ومن الحلل مائتا حلة، كل حلة ثوباً، لأن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه هكذا جعل على أهل كل مال منها.
الشافعية، والمالكية - قالوا: لا يؤخذ في الدية بقر، ولا غنم، ولا حلل - ولا غرض، ومن لزمته دية، وله أبل فتؤخذ الدية منها، ولا يكلف غيرها، لأنها تؤخذ على سبيل المواساة.стр. 2142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وقيل: تؤخذ من غالب إبل قبيلته، إن كانت إبله من غير ذلك، وإن لم يكن له إبل فتؤخذ من غالب إبل قبيلة بدوي، لأنها بدل متلف، وإلا فتؤخذ من غالب إبل أقرب بلاد إلى موضع المؤدي، ما لم تبلغ مؤنة نقلها مع قيمتها أكثر من ثمن المثل بقبيلة العدم، فإنه لا يجب حينئذ نقلها، وإذا وجب نوع من الإبل لا يعدل عنه إلى نوع من غير ذلك الواجب، ولا يعدل إلى قيمة عنه إلا بتراض من المؤدي، والمستحق، لأن المقصود بها تعظيم حرمة المجني عليه.
ولو عدمت إبل الدية، فالقديم الواجب ألف دينار على أهل الذهب، أو اثنا عشر ألف درهم فضة على أهل الدراهم، للحديث الوارد عن النبي ﷺ : (على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم) صححه أبن حبان والحاكم من حديث عمرو بن حزم، والقول الجديد، الواجب قيمة الإبل وقت وجوب تسليمها بالغة ما بلغت لأنها بدل متلف، فيرجع إلى قيمتها عند أعواز أصله، وتقوم بنقد غالب بلده، لأنه أقرب من غيره، وأضبط، وإن وجد بعض الإبل الواجبة أخذ الموجود منها، وقيمة الباقي.
المالكية - قالوا: لا يشترط في الإبل حد السن، وإنما المدار على أن تكون الإبل حاملاً، سواء كانت حقة، أو كانت جذعة، أو غيرهما.
واتفقوا على أنه لا تؤخذ في الدية الإبل المريضة، ولا المعيبة إلا برضى المستحق بذلك إذا كان أهلاً للتبرع، لأن الحق له، فله إسقاطه، ويثبت حمل الخلفة المأخوذة من الدية، بأهل خبرة بذلك. بأن يشهد عدلان منهم عند إنكار المستحق حملها إلحاقاً لها بالتقويم، وإن أخذها المستحق. بقولهما، أو بتصديق المستحق على حملها، ثم ماتت عند المستحق وشق جوفها فبانت حائلاً، غرمها وأخذ بدلها حاملاً، والأصح أجزاؤها قبل خمس سنين لصدق الاسم عليها.
مبحث دية المرأة، والمسيحي، واليهودي
الشافعية - قالوا: دية المرأة، والخنثى المشكل، الحران، دية كل منهما في نفس أو جرح، كنصف دية رجل حر، ممن هما على ديته. لما روى البيهقي خبر (دية المرأة نصف دية الرجل) وألحق بنفسها جرحها، وألحق بها الخنثى، لأن زيادته عليها مشكوك فيها، ففي قتل المرأة والخنثى خطأ يجب: عشر بنات مخاض، وعشر بنات لبون، وهكذا وفي قتلهما عمداً، أو شبه عمد، خمس عشرة حقة، وخمس عشرة جذعة، وعشرون خلفة.
ودية اليهودي، والنصراني، والمعاهد، والمستأمن، إذا كان معصوماً تحل مناكحته، ثلث دية مسلم نفساً، وغيرها، أما في النفس فروي مرفوعاً وقال الشافعي في الأم (قضى بذلك عمرو، وعثمان ﵄ ، ولأنه اقل ما أجمع عليه، وهذا التقدير لا يعقل بلا توقيف، ففي قتله عمداً، عشر حقائق، وعشر جذعات، وثلاث عشة خلفة وثلث، وكذلك في شبه العمد، وفي قتله الخطأ لم تغلظ.стр. 2143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فتجب ستة وثلثان من كل من بنات المخاض، وبنات اللبون، وبني اللبون، والحقاق، والجذاع والسامرة، كاليهود والصابئة كالنصارى إن لم يكفرهما أهل ملتهما، ومجوسي له أمان ديته أخس الديات وهي ثلثا عشرة دية مسلم، كما قال به عمر، وعثمان، وأبن مسعود رضي الله تعالى عنهم ففيه عند تغليظ الدية، حقتان، وجدعتان، وخلفتان وثلثا خلفة، وعند تخفيف الدية. تجب بعير وثلث من كل سن، والمعنى في ذلك إن في اليهودي، والنصراني خمس فضائل وهي حصول كتاب، ودين كان حقاً بالإجماع، وتحل مناكحتهم وذبائحهم، وقرون بالجزية، وليس للمجوسي من هذه الخصال إلا التقرير بالجزية، فكانت ديته من الخمس من دية اليهودي والنصراني، وكذلك الوثني، كعابد شمس، وقمر، وزنديق، ومن لا ينتحل ديناً، ممن له أمان عندنا، كدخوله لنا رسولاً من قبلهم، أما الوثني الذي لا أمان له، فدمه هدر، ودية نساء من ذكر على النصف من دية رجالهم.
والمذهب عندهم أن من قتل معصوماً، ولم تبلغه دعوة نبينا محمد ﷺ ، أن تمسك بدين لم يبدل، فدية أهل ديته ديته، فإن كان كتابياً فدية كتابي، وإن كان مجوسياً فدية مجوسي، وإن تمسك بدين بدل، ولم يبلغه ما يخالفه، أو لم تبلغه دعوة نبي أصلاً، فديته كدية المجوسي.
وقيل: تجب دية أهل ديته، وقيل: لا يجب شيء لأنه ليس على دين حق، ولا عهد له ولا ذمة، وقال الزركشي: وعلى المذهب يجب فيمن تمسك الآن باليهودية، أو النصرانية دية مجوسي، لأنه لحقه التبديل - آي إذا لم تحل مناكحتم.
قالوا: ولا يجوز قتل من لم تبلغه الدعوة المحمدية، بل يعذر، ويقتص لمن أسلم بدار الحرب، ولم يهاجر منها بعد إسلامه، وإن تمكن من الهجرة، لأن العصمة بالإسلام اهـ.
الحنفية - قالوا: دية المرأة على النصف من دية الرجل، وقد ورد بهذا اللفظ موقوفاً عن الإمام على كرم الله وجهه، ومرفوعاً إلى النبي ﷺ .
وقال زيد بن ثابت ﵁، ثلث الدية وما فوقها ينتصف، وما دونه لا يتنصف وبه أخذ الإمام الشافعي. وبما روي أن النبي ﷺ قال: (تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث الدية) وبما حكي عن ربيعة قال: قلت لسعيد بن المسيب: ما تقول فيمن قطع أصبع امرأة؟ قال: عليه عشر من الإبل، قلت: فإن قطع أصبعين منها؟ قال عليه عشرون من الإبل، قلت: فإن قطع ثلاث أصابع؟ قال: عليه ثلاثون من الإبل. قلت: فإن قطع أربع أصابع؟ قال: عليه عشرون من الإبل، قلت: سبحان الله! لما كثر ألمها، واشتد مصابها قل أرشها، قال: أعراقي أنت؟ فقلت: لا. بل جاهل مسترشد، أو عالم مستثبت، قال: إنه السنة، وبه أخذ الإمام الشافعي ﵀، والحجة عليه، ما رواه الحنفية بعمومه، وأن حالها انقص من حال الرجل، ومنفعتها أقل.
وقد ظهر أثر النقصان بالتنصيف في النفس، فكذا في أطرافها، وأجزائها، اعتباراً بها وبالثلث وما فوقه، لئلا يلزم مخالفة التبع للأصل، والحديث المروي نادر، ولو كان هذا الحكم سنة الرسول ﵊ لما خالفوها.стр. 2144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وقالوا: ودية المسلم والذمي سواء، لما روي عن النبس صلوات الصلاة وسلامه عليه أنه قال: (دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار) وكذلك قضى أبو بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما. وما رواه الشافعي ﵀ لم يعرف راويه، ولم يذكر في كتب الحديث، وما رووه اشهر مما رواه الإمام مالك ﵀، فإنه ظهر به عمل الصاحبة رضوان الله تعالى عليهم.
وذلك في العمد والخطأ من غير فرق بينهما، لعموم الآية الكريمة، إن ﴿النفس بالنفس﴾ ولم تنسخ بآية أخرى.
المالكية - قالوا: إن دية المرأة، ودية اليهودي، والنصراني، على النصف من دية الرجل المسلم، في العمد، والخطأ من غير فرق، وهي ستة آلاف درهم، وخمسمائة دينار، لقوله ﵊: (عقل المسلم) والكل عنده اثنا عشر ألفاً من الدراهم.
أما المجوسي المعاهد، والمرتد فدية كل منهما ثلث خمس دية المسلم خطأ وعمداً، فتكون من الذهب ستة وستين ديناراً، وثلثي دينار، ومن الورق ثمانمائة درهم، ومن الإبل ستة أبعرة وثلثا بعير، ودية أنثى كل من ذلك نصفه. فدية الحرة المسلمة من الإبل خمسون وهكذا، ودية المجوسية المرتدة أربعمائة درهم وهكذا.
الحنابلة - قالوا: إن كان للنصراني، ولليهودي عهد وقتله مسلم عمداً، فديته كدية المسلم، وإن قتله خطأ فنصف دية المسلم، أما غير المعصوم من المرتدين، ومن لا أمان لهم فإنه مقتول بكل حال، وأما من لا تحل مناكحته فهو كالمجوسي، وأما الأطراف والجراح فبالقياس على النفس اهـ.
مبحث الجناية على الجنين
الحنفية - قالوا: إن الجنين إذا كان محققاً في بطن الأم فليس له ذمة صالحة لكونه في حكم جزء من الآدمي، لكنه منفرد بالحياة معد لأن يكون نفساً له ذمة، فباعتبار هذا الوجه يكون أهلاً لوجوب الحق له من عتق، أو إرث، أو نسب، أو وصية، وباعتبار الوجه الأول لا يكون أهلاً لوجوب الحق عليه، فإما بعدما يولد فله ذمة صالحة. ولهذا لو انقلب على مال إنسان فأتلفه يكون ضامناً له، ويلزمه مهر امرأنه بعقد الولي.
فإذا ضرب رجل بطن امرأة حامل فألقت من بطنها جنيناً ميتاً، فيجب فيه غرة، وهي نصف عشر دية الرجل، إذا كان ذكراً، وفي الأنثى عشر دية المرأة، وكل منهما خمسمائة درهم، لأن نصف العشر من عشرة آلاف درهم، هو العشر من خمسة آلاف درهم. والدليل على ذلك ما روي أن النبي ﷺ قال: (في الجنين غرة، عبد أو أمة، قيمته خمسمائة) ويروى (أو خمسمائة) والغرة على العاقلة إذا كانت خمسمائة درهم، لأن النبي صلوات الله وسلامه عليه قضى بالغرة على العاقلة، ولأنه بدل النفس، ولهذا سماه رسول الله ﷺ دية، حيث قال: (دوه) وقالوا له: أندي من لا صاح ولا أستهل - الحديث.стр. 2145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) إلا أن العواقل لا تتحمل ما دون خمسمائة درهم. وتجب في سنة، لما روي عن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى أنه قال: (بلغنا أن رسول الله ﷺ جعله على العاقلة في سنة) ولأنه إن كان بدل النفس من حيث أنه نفس على حجة، فهو بدل العضو من حيث الاتصال بالأم فعملنا بالشبه الأول قي حق التوريث، وبالثاني في حق التأجيل إلى سنة.
ويستوي فيه الذكر والأنثى، لإطلاق الحديث، ولأن في الحيين إنما ظهر التفاوت، لتفاوت معاني الآدمية، ولا تفاوت في الجنين، فيقدر بمقدار واحد، وهو خمسمائة.
فإن ألقته حياً ثم مات. فتجب في دية كاملة، لأنه أتلف حياً بالضرب السابق.
وإن ألقته ميتاً ثم ماتت ألم بعده، فعليه دية بقتل ألم، وعليه غرة بإلقائها الجنين، وقد صح أن النبي ﷺ قضى في هذا بالدية، والغرة.
وإن ماتت الأم من الضربة ثم خرج الجنين بعد ذلك حياً، ثم مات، فتجب عليه دية في الأم، ودية في الجنين، لأن موت الأم أحد سببي موته، لأنه يختنق بموتها، إذ تنفسه بتنفسها، فلا يجب الضمان بالشك، وما يجب في الجنين موروث عنه، لأنه بدل نفسه فيرثه، ورثته، ولا يرثه الضارب، حتى لو ضرب بطن امرأنه فألقت ابنه ميتاً، فعلى عاقلة الأب غرة ولا يرث منها، لأنه قالت بغير حق مباشرة، ولا ميراث للقال، هذا في جنين المرأة الحرة، وأما جنين الامة إذا كان ذكرا فيجب نصف عشر قمته لو كان حياً، وعشر قمته لو كان أنثى، لأنه بدل نفسه، لأن ضمان الطرف لا يجب إلا عند ظهور النقصان، ولا معتبر به في ضمان الجنين فكان بدل نفسه فيقدر بها، ويجب في مال الضارب مطلقاً من غير تقييد بالبلوغ إلى خمسمائة درهم.
وقال أبو يوسف: يجب ضمان النقصان لو انتقصت الأم اعتباراً بجنين البهائم، ولأن الضمان في قتل الرقيق ضمان ماله عنده. فصح الاعتبار على اصله.
فإن ضربت الأمة، فاعتق المولى ما في بطنها، ثم ألقته حياً، ثم مات، ففيه قيمته حياً، ولا تجب الدية، وإن ما بعد العتق، لأنه قتله بالضرب السابق، وقد كان في حالة الرق فلهذا تجب القيمة دون الدية، وتجب قيمته حياً، لأنه بالضرب صار قاتلاً إياه وهو حي فنظرنا إلى حالتي السبب، والتلف.
قالوا: ولا كفارة في الجنين، لأن الكفارة فيها معنى العقوبة، قود عرفت في النفوس المطلقة، فلا تتعداها، ولهذا لم يجب كل البدل، إلا أن يشاء لأنه ارتكب محظوراً، فإذا تقرب إلى الله تعال كان أفضل له، ويستغفر مما صنع.
قالوا: والجنين الذي استبان بعض خلقه بمنزلة الجنين التام في جميع هذه الأحكام، لإطلاق الأحاديث، ولأنه ولد في حق أمومية الولد، وانقضاء العدة والنفاس وغير ذلك، فكذا في حق هذا الحكم، ولأنه بهذا القدر يتميز من العلقة والدم، فكان نفساً، والله تعال أعلم.
الشافعية - رحمهم الله تعالى - قالوا: يجب في الجنين غرة إن انفصل ميتاً بجناية في حياتها، أوстр. 2146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) انفصل بعد موتها بجناية في حياتها، وكذا إذا انفصل بعض الجنين بلا انفصال من أمه كخورج رأسه ميتاً.
وقيل: لا بد من أنفصاله، لأن ما لم ينفصل يصير كالعضو منها، سواء أكانت الدناية بالقول كالتهديد، أو بالفعل، أو بالترك.
وإذا لم يكن معصوماً عند الجناية، كجنين حربية من حربين وإن أسلم أحدهما بعد الجناية، أو لم يكن الجنين مضموناً كأن كان الجاني مالكاً للجنين ولأمه، بأن جنى السيد على أمته الحامل، وجنينها من غيره، وهو مالك له فعتقت ثم القت الدنين، أو كانت أمه ميتة، أو لم ينفصل ولا ظهر بالجناية على أمه، فلا يجب شيء في هذه الصور، لعدم احترامه في الولى، وعدم ضمان الجاني في الثانية، ولظهر موته بموتها في الثالثة، ولعدم تحقق وجوده في الأخيرين.
وإن انفصل حياً، وبقي بعد انفصاله زماناً بلا ألم فيه ثم مات فلا ضمان على الجاني. وإن مات حين خرج بعد انفصاله، أو تحرك تحركاً شديداً كقبض يد وبسطها، ولو كانت حركة مذبوح، أو دام ألمه ومات منه، فتجب دية نفس كاملة على الجاني، ولو انفصل الجنين لدون ستة أشهر. ولو ألقت امرأة بجناية عليها جنينين ميتين فغرتان تجبان فيهما، أو ثلاثاً فثلاث وهكذا.
ولو ألقت يداً أو رجلاً وماتت فغرة، لأن العلم قد حضل بوجود الجنين والغالب أن اليد بانت بالجناية، أما إذا عاشت ولم تلق جنيناً، فلا يجب على الجاني إلا نصف غرة، كما أن الحي لا يجب فيها إلا نصف دية، ولا يضمن باقيه، لأنا لم نتحقق ثلثه، وإن ماتت ثم ألقت ميتاً فعليه دية في الأم، وغرة في الجنين لأنه مات بالضرب. ولو ألقت يداً، ثم جنيناً ميتاً بلا يد قبل الاندمال، وزال الألم من الم فغرة، لأن الظاهر أن اليد مبانة منه بالجناية، أو حياً فمات من الجناية، فتجب دية، وحل فيها أرش اليد، فإن عاش وشهد القوابل، أو علم أنها يد من خلقت فيه الحياة، فتجب نصف دية لليد، وإن لم تشهد القوابل بذلك ولم يعلم فنصف غرة لليد عملاً باليقين، وتجب على العاقلة في ثلاث سيني لأنه بدل النفس، ولهذا يكون موروثاً بين ورثته، وإذا ألقت امرأة لحماً بسبب جناية عليها فيجب فيه غرة إذا قال القوابل فيه صورة خفية على غيرهن. وتجب الغرة أيضاً إذا القت امرأة لحماً لا صورة فيه أصلاً، تعرفها القوافل، ولكن قلن إنه لو بقي ذلك اللح، لتصور، وتخلق، كما تنقضي به العدة، وذلك إذا كانت مضغة.
أما لو ألقت علقة لم يجب فيها شيء قطعاً كما لا تنقضي به العدة.
قالوا: والغرة الواجبة عبد، أو أمة، كما نطق به الخبر، والخبرة في ذلك إلى الغارم، ويجبر المستحق على قبولها من أي نوع كانت، ويشترط أن يكون مميزاً سليماً من عيب مبيع لأن المعيب ليس من الخيار، والأصح قبول رقيق كبير من عبد أو أمة، لم يعجز بهرم، لأنه من الخيار، مالم تنقص منافعه، ويشترط في الغرة بلوغها في القيمة نصف عشر دية الأب المسلم، وهو عشر دية الأم المسلمة.стр. 2147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ففي الحر المسلم رقيق قيمته خمسة أبعرة، كما روي عنعلي، وعمر، وزيد بن ثابت، رضي الله تعالى عنهم، ولأنها دية فصارت مقدرة كسائر الديات (ولأن الجنين على أقل أحوال الإنسان، فاعتبر فيه أقل ما قدره الشرع من الديات، وهو دية الموضحة والسن، فإن فقدت ثلث الغرة حساً بأن لن توجد أو شرعاً، بأن وجدت بأكثر من ثمن مثلها، فتجب خمسة أبعرة بدلاً عنها، لأنها مقدرة بها عند وجودها، فعند عدمها يؤخذ ما كانت مقدرة به، ولأن الإبل هي الأصل في الديات فوجب الرجوع إليها عند فقد المنصوص عليه، فإن فقدت الإبل الدية، فإن فقد بعضها وجبت قيمته مع الموجود.
وقيل: لا يشترط بلوغها ما ذكر: بل متى وجدت سليمة مميزة وجب قبولها، وإن قلت قيمتها لإطلاق لقظ العبد، والأمة في الخبر، وسواء كان الجنين ذكراً، أم أنثى، لإطلاق الخبر.
والغرة لورثة الجنين على فرائض الله تعالى، لأنها دية نفس، ويقدر انفاصله حياً ثم موته، وهي واجبة على عاقلة الجاني، لخبر الصحيحين أنه ﷺ : (قضى في الجنين بغرة عبد، أو أمة) .
وقيل: إن تعمد الجناية بأن قصدها بما يلقى غالباص، فالغرة عليه، والجناية عليه خطأ أو شبه عمد، سواء أكانت الجناية على أم خطأ، أو عمداً، أو شبه عمد، لأنه لا يتحقق وجوده وحياته حتى يقصد، ولهذا للا يجب القصا في الجنين إذا خرج حياً وما، لأن القصا إنما يجب في القتل العمد، ولا يتصور العمد فيه.
قالوا: والجنين اليهودي، أو النصراني بالبع لابويه قيل: كمسلم في الغرة، وقيل: هو هدر، وهذان القولان مبنيان على أن الغرة غير مقدرة بالقيمة، والأصح غرة كثلث غرة مسلم، كما في ديته، وهو بعير وثلثا بعير. كما هو الحكم على الكبير منهم.
قالوا: والجنين الرقيق، ذكراً كان أو غيره فيه عشر قيمة امه، قنة كانت أو مديرة، أم مكاتبه، أو مستولدة، قياساً على الجنين الحر، فإن الغرة في الجنين معتبرة بعشر ما تضمن به الم، وإنما لم يعتبروا قيمته في نفسه لعدم ثبوت استقلاله بانفصاله ميتاص، واستثنى ما إذا كانت الأم هي الجانية على نفسها، فإنه لا يجب في جنينها المملوك للسيد شيء، إذ لا يجب للسيد على رقيقه شيء، وتعتبر قيمة الم يوم الجناية عليها، لأنه وقت الوجوب، وقيل: يوم الإجهاض للجنين، لأنه وقت استقرار الجناية. هذا إذا انفصل الجنين ميتاً كما علم سابقاً، فإن انفصل حياً، ومات من أثر الجناية، فإنه يجب فيه قيمته يوم الانفصال قطعاص، وإن نقصت عن عشر قيمة امه، وتصرف الغرة في الجنين لسيده، فإن كانت الأم مقطوعة أطرافها والجنين سليم أطرافه قومت بتقديرها سلمية في الأصح لسلامته، كما لو كانت كافرة، والجنين مسلم، فإنه يقدر فيها الإسلام، وتقوم مسلمة، وكذا لو كانت حرة والجنين رقيق، فإنها تقدر رقيقة. وهكذا.
قالوا: وتحمل العشر المذكورة عاقلة الجاني في الأظهر من المذهب كما مر في الغرة، وإذاстр. 2148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) سقط جنين ميت فادعى وارثه على إنسان أنه سقط بجنايته فأنكر صدق بيمينه، وعلى المدعي البينة، ولا يقبل إلا شهادة رجلين، فإن أقر بالجناية، وانكر الاسقاط بجنايته فأنكر صدق بيمينه، وعلى المدعي البينة، ولا يقبل إلا شهادة رجلين، فإن أقر بالجناية، وأنكر الاسقاط، وقال: السقط ملتقط، فهو المصدق أيضاً، وعلى المدعي البينة، ويقبل فيها شهداة النساء، لأن الإسقاط ولادة.
المالكية - قالوا: في إلقاء الجنين سبب ضرب، أو تخويف لغير وجه شرعي - أما إذا كان بسبب ضرب للتأديب فلا شيء فيه - أو بسبب شم ريح عفنة، أو فتح كنيف، إن كان علقة - دم لا يذوب من صب الماء الحار عليه - سواء أكانت الجناية خطأ، أو عمداً من أجنبي، أو أم، كشر بها ما يسقط به الحمل. فأسقطته ذكراص، أو أنثى، كان من زوج، أو زنا، فيجب فيه عشر واجب أمه، فإن كانت الم حرة وجب عشر ديتهان وإن كانت الم أمة وجب فيه عشر قيمتها، وتعتبر قيمتها يوم الضرب، وقيل: يوم الإلقاء، وإن جنى أب فعليه عشر دية أم الجنين لغيرهن ولا يرث منه، ويكن العشر الواجب نقداً معجلاً حالاً في مال الجاني عمداً، أو خطأ، ما لم تبلغ الغرة ثلث ديته، فتكون على العاقلة كما لو ضرب مجوسي حرة مسلمة فألقت جنيناً، أو تجب غرة في جنين الحرة، والتخيير يكون للجاني لا للمستحق. أما جنين الأمة فيتعين فيه النقد عبداً ووليدة بدل من غرة الأمة الصغيرة بلغت سبع الستين لتحرز التفرقة. وإنما يجب العشر، أو الغرة إذا نفصل عنها كله ميتاً وهي حية، فإن ماتت قبل انفصاله فلا شيء فيه لاندراجه في جية الم، وإن استهل، أو نزل ضارخاً، أو رضع، أو فعل شيئاً من كل ما يدل على أنه حي حياة مستقرة، فالدية لازمة فيه إن أقسم أولياؤه أنه مات من فعل الجاني، وإن مات عاجلاً ببعد تحقق حياته فإن لم يقسموا فلا غرة ولا دية، لأنه يحتمل موته، بغير فعل الجاني، فإن ماتت امه وهو مستهل ومات فتجب على الجاني ديتان، وإن تعمد الجاني بضرب بطن الأم فنزل مستهلاً ومات فالقصاص بالقسامة وهذا هو الراجح من الخلاف.
وأما إذا تعمد الجاني قتل الجنين بضرب رأس أمه، فالراجح أنه تجب الدية عليه، كتعمده بضرب يدها، أو رجلها.
والحاصل أن في ضرب البطن، والظهر، والرأس خلافاً، فقال أبن القاسم يجب القصاص بقسامة، وقال أشهب: لا قود فيه، بل يجب الدية في مال الجاني بقسامة أيضا، وأما تعمده الضرب في غير هذه المواضع فتجب الدية في ماله بقسمة، ومحل القصاص في تلك المسائل إن لم يكن الجاني الب، أما إذا كان الجني هو الب فلا يقتص منه إلا إذا قصد قتل الجنين بضرب بطن الأم خاصة.
ويجب تعدد الواجب من عشر أو غرة إن لم ستهل، ودية إن استهل بتعدد الجنين، ثم إن كان القتل خطأ، وبلغ الثلث فتحمله العاقلة، وأما إن كان عمداً، أو كانت الغرة أقل من الثلث فلا تتحمله العاقلة، بل يجب في مال الجاني حالاً معجلاً.
وورث الواجب في الجنين من عشر، أو غيره على الفرائض المعلومة شرعاً، الشاملة للفرض، والتعصب، فللأب الثلثان، وللأم الثلث ما لم يكن له اخوة، وإن كان له اخوة فللأم السدس وهيذا هو الراجح من المذهب، خلافاً لمن قال: تختص به الم، إذا لم تكن هي الجانية، والقائل به ربيعة،стр. 2149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وذلك لأنها كالفرض عن جزء منها، وخلافاً لقول أبن هرمز حيث قال: للم والب على الثلث والثلثين، ولو كان له اخوة، وكان له اخوة، وكان الإمام مالك يقول بهذا الرأي اولاً، ثم رجع إلى القول الول لأنه الراجح.
واعلم بأنه إذا كان المسقط للجنين احد الآبوين كان هو القاتل، فلا يرث من الواجب المذكور شيئاً، لأن القاتل لا يرث.
مبحث في العاقلة، وكيفية تأجيل ما تحمله
الحنفية - قالوا: الدية في شبه العمد، وفي الخطأ، وكل دية تجب بنفس القتل على العاقلة، والعاقلة هم الذين يؤدون الدية، والأصل في وجوبها على العاقلة قول النبي ﷺ في حديث حمل بن مالك رضي الله تعالى عنه للأولياء (قوموا فدوه) .
ولأن النفس محترمة لا وجه إلى الإهدار، والخاطئ معذور، وكذا الذي تولى شبه العمد نظر إلى الآلة فلا وجه إلى إيجاب العقوبة عليه، وفي إيجاب مال عظيم اجحافة، واستئصاله، فيصيل عقوبة، فضم عليه العاقلة، فكانوا هم المقصرون في تركهم مراقبته، فخصوا به.
والعقلة هم أهل الديوان إن كان القاتل من اهل الديوان يؤخذ من عطاياهم في ثلاث سيني، واهل الديوان هم اهل الريات والألوية، وهم الجيش الذين كتبت أسماءهم في الديوان والجريدة، لأن سيدنا عمر بن الخكاب رضي الله تعالى عنه هو أول من دون الدواوين، وجعل العقل كان على أهل النصرة، وقد كانت بأنواع بالقرابة، والحلف، والولاء، والعد، وفي عهد عمر ﵁ قد صارت بالديوان فجعلها على أهله اتباعاً للمعنى، ولهذا قالوا: لو كان اليوم قوم تناصرهم بالحرف فعاقلتهم أهل الحرفة، وإن كان بالحلف فأهله، والدية صلة، ولكن إيجابها فيما هو صلة وهو العطاء اولى منه في اصول أموالهم، والتقدير بثلاث سيني مروي عن النبي ﷺ ، ومحكي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعال عنه، ولأن الأخذ من العطاء للتخفيف، والعطاء يخرج في كل سنة مرة، فإن خرجت العطاء في أكثر من ثلاث سنين أو أقل اخذ منها، لحصول المقصود، ولو خرج للقاتل ثلاث عطايا في سنة واحدة في المستقبل يؤخذ منها كل الدية لأن الوجوب بالقضاء.
وإذا كان جميع الدية في ثلاث سنين فكل ثلث منها في سنة، وإن كان الواجب بالفعل ثلث دية النفس أو أقل كان في سنة واحدة. وما زاد عن الثاث إلى تمام الثلثين في السنة الثانية، وما زاد علىстр. 2150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ذلك إلى تمام الدية في السنة الثالثة، وما وجب على العاقلة من الدية أو على القاتل بأن قتل الأب ابنه عمداً، فهو في ماله في ثلاث سنين، لأن الشرع ورد به مؤجلاً فلا يتعمداه.
ولو قتل عشرة رجلاً خطأ فعلى كل واحد عشر الدية في ثلاث سنين اعتباراً للجزء بالكل إذ هو بدل النفس، وإنما يعتبر في مدة ثلاث سنين من وقت القضاء بالدية لأن الواجب الأصلي المثل، والتحول إلى القيمة بالقضاء، فيعتبر ابتداؤها من وقته كما في ولد المغرور، ومن لم يكن من أهل الديوان، فعاقلته قبيلته، لأن نصرته بهم، وهي المعتبرة في التعاقل، وتقسم عليهم في ثلاث سنين لا يزاد الواحد على اربعة دراهم في كل سنة ويجوز أن ينقص منها، فلا يؤخذ منها، فلا يؤخذ من كل واحد في كل سنة إلا درهم، أو درهم وثلث درهم، وإن لم يكن تتسع القبيلة لذلك ضم إليهم أقرب القبائل نسباً، ويضم الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات. الاخوة ثم بنوهم، ثم الأعمام، ثم بنوهم والآباء والأبناء فقيل يدخلون مع العاقلة لقربهم وقيل: لا يدخلون لأن الضم لنفي الحرج حتى لا يصيب كل واحد أكثر من ثلاثة أو أربعة، وهذا إنما يتحقق عند الكثرة، والآباء والأبناء لا يكثرون.
ولو كانت عاقلة الرجل أصحاب الرزق يقضى بالدية في أرزاقهم في ثلاث سنين في كل سنة الثلث.
قالوا: ويدخل القاتل مع العاقلة إذا كان من أهل الديوان، أما إذا لم يكن فلا شيء عليه من الدية، ولأنه هو الفاعل فلا معنى لإخراجه ومؤاخذة غيره، فيكون فيما يؤدي كواحد منهم.
قالوا: وليس على النساء والذرية ممن كان له حظ في الديوان عقل لقول عمر رضي الله تعالى عنه: (لا يعقل مع العاقلة صبي، ولا امرأة) . ولأن القتل إنما يجب على أهل النصرة لتركهم مراقبته والناس لا يتناصرون بالصبيان والنساء، ولهذا لا يوضع عليهم، وعلى هذا لو كان القاتل صبياً أو امرأة لا شيء عليهما من الدية بخلاف الرجل، لأن وجوب جزء من الدية على القاتل باعتبار أنه احد العواقل لأنه ينصر نفسه، وهذا لا يوجد فيهما، ولا يعقل أهل مصر عن مصر آخر، ويعقل أهل كل مصر من أهل سوادهم، لانهم أتباع لأهل المصر. ومن جنىجناية من أهل المصر وليس له في الديوان عطاء، وأهل البادية أقرب إليه، ومسكنه المصر عقل عنه أهل الديوان من ذلك المصر، ولا يشترط أن يكون بينه وبين أهل الديوان قرابة، ولو كان البدوي نازلاً في المصر لا مسكن له فيه، يعقله أهل المصر، لأن أهل العطاء لا ينصرون من لا مسكن له فيه، كما أن أهل البادية لا يعقلون عن أهل المصر النازلين فيهم، لأنه لا يستنصر بهم.
قز إن كان لأهل الذمة عواقل معروفة يتعاقلون بها، فإذا قتل أحدهم خطأ فديتهعلى عاقلته بمنزلة المسلم، لانهم التزموا أحكام الإسلام في المعاملات لاسيما في المعاني العاصمة عن الأضرار، ومعنى التناصير موجود في حقهم، وإن تكن لهم عاقلة معروفة فالدية في ماله في ثلاث سنين، من يوم يقضى بها عليه كما في حق المسلم، ولا يقل كافر عن مسلم، ولا مسلم عن كافر لعدم التناصر.стр. 2151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) والكفار يتعاقلون فيما بينهم وإن اختلفت مللهم، لأن الكفر كله ملة واحدة، وذلك إذا لم تكن المعاداة فيما بينهم ظاهرة، أما إذا كانت ظاهرة، كاليهود، والنصارى فينبغي أن لا يتعاقلون بعضهم عن بعض.
قالوا: وعاقلة المعتق قبيلة مولاه لأن النصرة بهم لقوله ﵊ (مولى القوم منهم) ومولى الموالاة يعقل عنه مولاه وقبيلته، لأنه يتناصر به، فأشبه ولاء العتاقة.
قالوا: ولا تعقل العاقلة اقل من نصف عشر الدية، وتتحمل نصف العشر فصاعداً، لحديث أبن عباس ﵄ الموقوف عليه، والمرفوع إلى النبي ﷺ (لا تعقل العواقل عمداً، ولاعبداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً، ولا ما دون أرش الموضحة) وارش لموضحة نصف عشر بدل النفس ولأن التحمل للتحرز عن الاجحاف، ولا اجحاف في القليل، وإنما وفي الكثير، والتقدير الفاصل عرف بالسمع، وما نقص عن ذلك يكون في مال الجاني، والقياس فيه، التسوية بين القليل والكثير، فيجب الكل على العاقلة كما ذهب إليه الشافعي أو التسوية في أن لا يجب على العاقلة شيء، إلا أن الاحناف تركوه بما روي عن النبي ﷺ أنه أوجب أرش الجنين على العاقلة وهو نصف عشر بدل الرجل، فما دونه يسلك به مسلك الأموال، لأنه يجب بالتحكيم كما يجب ضمان المال بالتقويمن فلهذا كان في مال الجاني أخذاً بالقياس.
قالوا: ولا تعقل العاقلة جناية العبد، ولا مالزم بالصلح، أو باعتراف الجاني، لأنه لا تناصر بالعبد والإقرار والصلح لا يلزمان العاقلة لقصور الولاية عنهم، إلا أن يصدقوه. لأنه ثبت بتصادقهم. والامتناع كان لحقهم، ولهم ولاية على أنفسهم، ومن أقر بقتل خطأ ولم يرفع إلى القاضي إلا بعد سنين قضى عليه بالدية في ماله، في ثلاث سنين، من يوم يقضي عليه، لأن التأجيل من وقت القضاء في الثابت بالبينة، ففي الثابت بالإقرار اولى، ولو تصادق القاتل وولي الجناية على أن قاضي بلج كذا قضى بالدية على عاقلته بالكوفة بالبية وكذبهما العاقلة، فلا شيء على العاقلة، لأن تصادقهما ليس بحجة عليهم، ولم يكن عليه شيء في ماله إلا أن يكون له عطاء معهم فحينئذ يلزمه بقدر حصته، لأنه تبين أن الدية واجبة عليهم.
الشافعية، والحنابلة - قالوا: دية الخطأ وشبه العمد في الكراف ونحوها، وكذا في نفس غير القاتل نفسه، وكذا الحكومات والغرة تلزم العاقلة، لا الجاني، لأن الجاهلية كانوا يمنعون من جنى منهم من اولياء القتيل أن يدهوا منه، وياخذوا بثأرهم - فجعل الشارع بدل تلك النصرة بذل المال. وخص ذلك بالخطاً وشبه العمد لكثرتهما، سيما في حق من يتعاطى حمل السلاح، فأعين كيلا ينتصرстр. 2152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بالسبب الذي هو معذور فيه، وإنما يلزمهم ذلك إذا كانت بينة بالخطا أو شبه العمد أو اعترف به فصدقوه.
وقالوا: وجهات تحمل الدية ثلاثة: قرابة، وولاء، وبيت مال، لا غيرها كوزوجته ومحالفة، وقرابة ليست بعصبة، لأن المر كان كذلك على عهد رسول الله ﷺ ، ولا نسخ بعده، ولأنه صلة والأولى بها الأقرباء، وعصبة الجاني هم الذين يرثون بالنسب أو الولاء، إذا كانوا ذكوراً مكلفين، وهم القرابة من قبل الأبن والمرأة والصبي وإن أيسرا لا يحملان شيئاً، وكذا المعتوه، ويخرج من العصبة أصل الجاني من اب وإن علا، وفرعه من أبن وإن سفل لانهم أبعاضه، فكما لا يتحمل الجاني في الدية، اعتباراً للجزء بالكل في النفي عنه، والجامع كونه معذوراًً فلا يتحمل أبعاضه وقد روى النسائي (لا يوخذ الرجل بجريرة، أي جريرة ابنه) وفي رواية لابي داود في خبر المرأتين السابق (وبرأ الولد) أي من العقل، وقيس به غيره من الأبعاض، وتتجب الدية على العاقلة سواء أكانت الدية قليلة أم كثيرة.
ويقدم في تحمل الدية من العصبة الأقرب، فالأقرب على البعد منهم، فإن لم يوف القرب بالواجب بأن بقي منه شيء فيوزع الباقي على من يليه، ويقدم ممن ذكر مدل بأبوين على مدل باب كالأرث، ويجب التسوية بينهما، لأن النوثة لا مجخل لها في تحل العاقلة فلا تصلح للترجيح، ثم بعد عصبة النسب إن فقدوا، أو لم يوف ما عليهم بالواجب يقدم معتق للخبر الوارد عن النبي ﷺ (الولاء لحمة كلحمة النسب) فإن فقد المعتق أو لم يف ما عليهم بالواجب، تقدم عصبته من نسب غير أصلهوغن علا، وفرعه وإن سفل يقدم الأقرب فالأقرب، لما رواه الشافعين والبهقي (أن عمر قضى على علي رضي الله تعالى عنهما بأن يعقل عن موالي صفية بنت عبد المطلب) لأنه أبن أخيها دون ابنها الزبير ثم ممعتق المعتق، ثم عصبته كذلك، ثم معتق معتق الأب وعصبته، فإن لم يوجد يتحمل معتق الجد ثم عثبته كذلك إلى حيث ينتهي الأرث.
قالوا - وعتيق المرأة - الجاني - تعقله عاقلتها ولا يضرب عليها، ومعتقون كمعتق واحد، فيما عليه كل سنة وكل شخص من عصبة كل معتق بتحمل ما كان يحمله ذلك المعتق في حياته من نصف أو ربع.
قالوا: ولا يقل عتيق عن معتقه في الظهر، كما لا يرث - وقيل: يعقل لأن العقل للنصرة والإعانة، فإن فقد العاقل ممن ذكر أو وجد ولم يعرف ما عليه الواجب عقل ذوو الأرحام إن قلنا بثوريتهم. ثم يعقل بيت مال المسلمين عن الجاني المسلم، كما يرثه وللحديث الوارد عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه: (انا وارث من لا وارث له، اعقل عنه وأرثه) اخرجه أبو داود والنسائي، فإن فقد بيت المال بأن لم يوجد فيه شيء، أو لم ينتظم امره بحيلولة الظلمة دونه، اولم يعرف بيت المال فتجب الدية كلها، أو الباقي منها على الجاني في ماله في الأصح. بناء على أنها تلزمه ابتداء ثمстр. 2153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) تتحملها العاقلة. فتجب عليه الدية صيانة للحق من الضياع، فلا يسقط كيلا يضيع دم المسلم هدراً، وتؤجل على الجاني إذا وجبت عليه، فيؤخذ منه ثلث الدية عند الحول، ولو مات في أثناء الحول يحل الأجل على الأصح.
قالوا: وتؤجل على العاقلة جية نفس كاملة بإسلام وحريةن وذكورية، ثلاث سنين، في آخر كل سنة ثلث من الدية، لما رواه البيهقي من قضاء عمر، وعلي ﵄ وعزاه الشافعي إلى قضاء النبي ﷺ ، وإنما تؤخذ في آخر كل سنة، لأن المنافع كالزرع والثمار، ونتاج الأبل تتكرر كل سنة، فاعتبر مضها وليجتمع عنجهم ما يتوقعونه، فيواسون عن تمكن.
وتؤجل دية الذمي على الصح سنة، لأنها قدر ثلث دية المسلم، وقيل: تؤجل ثلاثاً لأنها بدل نفس محترمة، وتؤجل دية امرأة مسلمة سنتين في آخر الأولى منهما ثلث من دية نفس كاملة، والباقي آخر السنة الثانية، وقيل: تؤجل جيتها ثلاث سنين، وتحمل العاقلة الجناية على العبد من الحر في الأظهر، ففي آخر كل سنة يؤخذ من قيمته قدر ثلث دية، وقيل: تؤخذ كلها في ثلاث سنين لأنها بدل نفس محترمة.
ولو قتل شخص رجلين فتؤجل ديتهما على عاقلته في ثلاث سنين، لأن الواجب ديتان مختلفتا، وقيل: تؤجل ديتهما في ست سنين، في كل سنة قدر سدس دية، لأن بدل النفس الواحدة يضرب في ثلاث سنين فيزاد للأخرى مثلها.
ولو قتل شخص امخرأتين أحلت ديتهما على عاقلته في سنتين، والأطراف كقطع اليدين، والحكومات، وأروش الجنايات تؤجل في كل سنة قدر ثلث دية كاملة، فإن زاد الواجب على دية نفس كقطع اليدين والرجلين ففي ست سنين، وقيل: تؤخذ كلها في سنة بالغة ما بلغت لأنها ليست بدل النفس حتى تؤجل.
قالوا: وتؤجل دية النفس من الزهوق، لأنه وقت استقرار الوجوب. واجل دية غير النفس، كقطع يد اندملت من ابتداء الجناية، لأنها حالة الوجوب، أما إذا لم يندمل، بأن سرى من عضو إلى عضو، كان قطع أصبعه فسرت إلى كتفه، فأجل أرش الأصبع من قطعها، والكف من سقوطها.
ومن مات من العاقل في أثناء سنة سقط من واجب تلك السنة، ولا يؤخذ من تركته لأنها مواساة.
ويشترط فيمن يعقل - الذكورة، وعدم الفقر، والحرية والتكليف، واتفاق الدين، فلا يعقل فقير ولا رقيق، ولا صبي، ولا محنون، ولا أنثى، ولا مسلم عن كافر، وعكسه، ويعقل يهودي عن نصراني، وعكسه في الأصح، ويجب على الغني نصف دينار على أهل الذهب، أو قدره دراهم على أهل الفضة، وهو سنة منها، لأن ذلك اول درجة المىاساة في زكاة النقد، والزيادة عليه لا ضابط لها، ويجب على المتوسط من العاقلة، ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، لأنه واسطة بين الفقير الذي لا شيء عليه وبين الغني الذي عليه نصف دينار كل سنة من الثلاثن لأنها مواساة تتعلق بالحول فتكرر بتكررهстр. 2154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) كالزكاة، فجيمع ما يلزم الغني في الثلاث سنين دينار ونصف، والمتوسط نصف ربع، وقيل: هو واجب الثلاث، والمعتبر مقدار نصف الدينار، وربعه لا عينهما، والغني والمتوسط يعتبران آخر الحول. لأنه حق مالي متعلق بالحول. ومن أعسر في الحول سقط، فلا يلزمه شيء، لأنه ليس أهلاً للمواسة بخلاف الجزية، لأنها كالأجرة لسكنى جار الإسلام. ولو ادعى الفقر بعد الغنى حلف ولا يكلف البينة، والغني هو من يملك فاضلاً عما يبقى له في الكفارة عشرين ديناراً أو قدرها اهـ.
المالكية - قالوا: العاقلة عدة أمور وهم أهل ديوانه إن كان الجاني من الجند ولو كانوا من قبائل شتى فإن نقص أهل الديوان عن سبعمائة - بناء على أن أقل العاقلة سبعمائة - ضم إليهم عصبة الجاني الذين ليسوا معه في الديوان، فإن لم يكن ديوان، أو كان وليس الجاني منهم، أو لم يعطوا أرزاقهم المعينة، فتجب الدية على العصبة الأقر فالأقرب، على ترتيب النكاح، فإذا كمل من البناء سبعمائة فلا يجفع أولادهم شيئاً، وإن نقص كمل من أبناء الأبناء، وهكذا، والحد يؤخر عن بني الاخوة هنا، فإن لم توجد عصبة، أو وجدت ولم توف بالواجب، فالعاقلة هم الموالي الأعلون، وهم المعتقون - بكسر التاء - لانهم عصبة سبب وهم كعصبة النسب لقوله ﷺ في الحديث: (الولاء لحمة كلحمة النسب) ولقولهم: الولاء عصوبة سببها نعمة العتق. ويقدم الأقرب فالأسفلون حيث لم يوجد من الأعلين، فإن لم يوجدن فعاقلته بيت الما. إن كان الجاني مسلماً، لأن بيت المال لا يعقل عن كافر، فانلم يكن بيت المال فتقسط على الجاني، إن كان ممن يعقل، بأن كان ذكراً، بالغاً، عاقلاً، مليئاً.
وعاقلة الذمي ذو جيته، وهو من يحمل معه الجزية، إذ لو كانت عليه، وإن لم يكونوا منأقرباه، فالنصراني يعقل عنه النصارى الذين في بلده، لا اليهود، وعكسه، ويضرب على كل من تلزمه الدية من أهل دوان، أو عصبة، وموالي، وذمي، إن تحالكموا إلينا. كل على عدر طاقته، وعقل عن صبي، مجنون، وامرأة، وفقير، وغارم، إذا جنوا، فتغرم عاقلتهم عنهم، والعبرة في الصبا، والجنون، وضدهما، والعسر، واليسر، والغيبة، والحضور، وقت التوزيع على العاقلة، فما وجدت فيه الاصناف، وقت التوزيع وزع عليه.
وما لا فلا، فإن قدم غائب غيبة انقطاع وقت التوزيع، فلا تضرب عليه بعد قدومه المتأخر عن التوزيع. فإن أيسر فقير، أو بلغ صبي، أو عقل مجنون، أو اتضحت ذكورة خنثى بعد التوزيع فلا شيء على واحد منهم، وتحل الدية بالموت والإفلاس، فإذا ماتت العاقلة، أو واحد منها، أو أفلس فيحل ما كان منجماً عليهم أو عليه، ولا دخول لبدوي من عصبة الجاني مع حضري، ولا شماي مع مصري، وكذا الحجاز واليمن، أما أهل أقليم واحد حضر مثلاً فيضمنون، فإذا لم تكل العاقلة من أهل بلد ضم إليهم ما قرب منها العصبة.
قالوا: وتقسم الدية الكاملة لمسلم، أو غيره، ذكراً، أو أنثى عن نفس أو طرف في ثلاث سنين من يوم الحكم. والثلث كدية الجائفة في سنة، والثلثان كجائفتين في سنتين، والنصف في سنتين في كل سنة ربع، وثلاثة الرباع تنجم في ثلاث سنين، في كل سنة ربع، والعاقلة الذي يضم إليه ماстр. 2155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بعده سبعمائة رجل. فإذا وحج من العصبة هذا العدد فلا يضم إليهم الموالي، وإن نقصوا عن هذا العدد لو كانوا اغنياء ضم إليهم ما يكملهم من الموالي، وهكذا.
قالوا: إن الجاي لا يدخل مع العاقل' لأن العاقلة هي سبب تجرئه على الجناية.
الحنفية، والحنابلة، والشافعية في أحد قوليهم - قالوا: إن الغائب والحاضر من العاقلة سواء في تحمل الدية.
الشافعية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: لا مدخل لأهل الصنعة، والسوق في التحمل إلا إذا كانوا أقارب.
الحنفية - قالوا: إذا كان الجاني من أهل الديوان فديوانه عاقلته، وعاقلة السوقي أهل سوقه ثم قرابته فأهل محلته اهـ.
مبحث القسامة
اتفق الأئمة على أن القسامة مشوعة، إذا وجدقتيل في مكان ولم يعلم قاتله.
الحنفية - قالوا: القسامة في اللغة اسم وضع موضع الأقسام، وفي الشرع أيمان يقسم بها أهل محلة، أو جار وجد فيها قتليل به اثر القتل، يقول كل واحد منهم: والله ما قتلته، ولا علمت له قاتلاً) . ويلزم المدعي عليه اليمين بالله أنه ما قتل، ويبرأ.
والسبب الموجب للقسامة، وجود قتيل في موضع هو في حفظ قوم وحمايتهم، كالمحلة، والدار، ومسجد المحلة، والغرية، والقتيل الذي تشرع فيه القسامة اسم ليت به أثر جراحة، أو ضرب أو خنق، فإن كان الدم يخرج من أنفه، أو دبره فليس بقتيل، بخلاف ما لو خرج الدم من أذنه، أو عينه، فهو قتيل تشرع فيه القسامة، لقوله ﷺ : (الينة على المدعي واليمين على من أنكر) وفي رواية (على المدعي عليه) وروى سعيد بن المسيب ﵁ (أن النبي ﷺ بدأ باليهود بالقسامة، وجعل الدية عليهم لوجود القتيل بين أظهرهم) ، وشرط القسامة. بلوغ المقسم، وعقله، وحريته، وتكيمل اليمين خمسين يميناً.
وحكمها القضاء بوجوب الدية لأولياء الدم، إن حلفوا، والحبس إلى الحلفغن أبوا، ويتخير الولي من القوم من يحلفهم، لأن اليمين حقه، والظاهر أنه يختار من يتهمه بالقتل، أو يختار صالحي أهل المحلة، لما أن تحرزهم عن اليمين الكاذبة، أبلغ التحرز، فيظهر القاتل. وفائدة اليمين النكول، فا كانوا لا يباشرون ويعملون، يقيد يمين الصالح على العلم بأبلغ مما يقيد يمين الطالح، ولو اختاروا أعمى أو محدوداصفي قذف جاز لأنه يمين ليس بشهادة، ومراعاة لحق الميت وحرمته، وإذا حلفوا قضى على أهل المحلة بالدية، ولا يستحلف الولي لأن النبي ﷺ جمع بين الدية والقسامة في حديث أبن سهل، وفي حديث زياد بن أبي مريم، وكذا جمع عمر رضي الله تعالى عنه بينهما على وادعه.стр. 2156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وقد روي: أن عبد الله بن سهل، وعبد الرحمن بن سهل، وحويصة ومحيصة، خرجوا في التجارة إلى خيبر وتفرقوا لحوائجهم فوجدوا عبد الله بن سهل قتيلاً في قليب من خيبر يتشحط في دمه، فجاؤوا إلى رسول الله ﷺ ليروه فأراد عبد الرحمن، وهو أخ القتيل أن يتكلم فقال ﷺ اكبر الكبر فتكلم أحد عميه حويصة، أو أو محيصة، وهو الأكبر منهما وأخيره بذلك قال: ومن قتله؟ قالوا: ومن يقتله سوى اليهود، قال ﵊: (تبرئكم اليهود بإيمانها) فقالوا: لا نرضى بأيمان قوم كفار، لا يبالون ما حلفوا عليه. فقال ﵊ أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ فقالوا: كيف نحلف على أمر لم نعاينه ولم نشاهد، فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه فوداه بمكائة من إبل الصدقة) فقول النبي ﷺ تبرئكم اليهود محمول على الإبراء عن القصاص والحبس، وكذا اليمين مبرئة عما وجب له اليمين، والقاسمة ما شرعت لتجب الدية إذا نكلوا، بل شرعت ليظهر القصاص بتحرزهم. عن اليمين الكاذبة، فيقروا بالقتل، فإذا حلفوا حصلت البراءة عن القصاص. ثم الدية تجب بالقتل الموجود منهم ظاهراً، لوجود القتيل بين أظهرهم لا بنكولهم، أو تقول: إنها وجبت بتقصيرهم في المحافظة كما في القتل الخطأ، ومن أبى منهم اليمين حبس حتى يحلف، لأن اليمين فيه مستحقة لذاتها تعظيماً لأمر الدم، ولهذا يجمع بينه وبين الدية، بخلاف النكول في الموال، لأن اليمن بدل عن أصل حقه، ولهذايسقط ببدل المدعى، وفيما نحن فيه لا يسقط ببدل الدية:
قالوا: وإن لم يكمل أهل المحلة كررت اليمان عليهم حتى تتم خمسين، لما روي أن عمر ﵁ لما قضى في القسامة دانى إليه تسعة واربعون رجلاً، فكرر اليمين على رجل منهم حتى تمت خمسين، ثم قضى بالدية. ولا قسامة على صبي، ولا مجنون، لأنهما ليسا من أهل القول الصيح، واليمين قول صحيح ولا قسامة على امرأة، ولا عبد، لأنهما ليسا من أهل النصرة
وإن وجد ميتا لا أثر به، فلا قسامة ولا دية له، لأنه ليس بقتيل، ولو وجد بدن القتيل، أو أكثر من نصف البدن، أو النصف ومعه الرأس في محلة. فعلى أهلها القسامة والدية، وإن وجد نصف مشقوقاً بالطول، أو وجد اقل من النصف، ومعه الرأس، أو وجدت يده، أو رجله، أو رأسه، فلا شيء عليهم، لأن هذا حكم عرفناه بالنص وقد ورد في البدن، إلا أن للأكثر حكم الكل تعظيماً للآدمي، بخلاف الأقل، لأنه ليس ببدن ولا ملحق به، فلا تجري فيه القسامة.
ولو وجد فيهم جنين أو سقط ليس به أثر الضرب فلا شيء على أهل المحلة، لأنه لا يقوق الكبير حالاً وإن كان به اثر الضرب وهو تام الخلق وجبت القسامة والدية عليهم، لأن الظاهر أن تام الخلق ينفصل حياً، وإن كان ناقص الخلق فلا شيء عليهم، لأن ينفصل ميتاً لا حياً.
قالوا: وإذا وجد القتيل على دابة يسوقها رجل فالدية على عاقلته دون أهل المحلة، لأنه في يده، فصار كما إذا كان في جاره، وكذا إذا كان قائدها أو راكبها، فا اجتمعوا فعليهم لأن القتيل في أيديهم فصاروا كما إذا وجد في دارهم.стр. 2157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قالوا: وإذا مرت دابة بين قريتين وعليها قتيل، فهو على أقربهما، لما روي أن النبي ﷺ أتي بقتيل وجد بين قريتين، فأمر أن ذرع بينهما، وعن عمر رضي الله عةنه أنه لما كتب إليه في القتيل الذي وجد بين وادعة، وأرحب، وكتب بأن يقيس بين القريتين، فوجد القتيل إلى اجعة أقرب فقضى عليهم بالقسامة.
وإذا وجد القتيل في دار لإنسان فالقسامة عليه، والدية على العاقلة ولا يدخل السكان في القسامة مع الملاك عند أبي حنيفة، وقال اوب يوسف هي عليهم جميعاً، وإذا وجد قتيل في دار فالقسامة على رب الدار، وعلى قومه، وتدخل العاقلة في القسامة إن كانوا حضروا، وإن كانوا غائبين فالقسامة على رب الدار يكرر عليهم الإيمان، وإن ووجد القتيل في ار مشتركة فهي على رؤوس الرجال.
ومن اشترى داراً ولم يقبضها حتى وجد فيها قتيل فهو على عاقلة البائع.
وإن وجد قتيل في سفينة فالقسامة على من فيها من الركاب والملاحين.
وإن وجد في مسج محلة، فالقسامة على أهلها لأن التدبير فيه إليهم، وغنوجد في المسجد الجامع، أو الشارع العظم فلا قسامة فيه والدية على بيت المال، لأنه للعامة لا يختص به واحد منهم وكذلك الجسور العامة.
ولو وجد في السوق إن كان مملوكاً فعند أبي يوسف تجب على السكان، وعندهما على المالك. وإن لم يكن مملوكاً كالشوارع العامة التي بنيت فيها فعلى بيت المال لأنه لجماعة المسلمين.
ولو وجد في السجن فالدية على بيت المال، وعلى قول أبي يوسف الدية والقسامة على أهل السجن. لأنهم محتبساً بالشاطئ فهو على أقرب القرى من ذلك المكان.
وإن ادعى الولي على واحد من أهل المحلة بعينه لم تسقط القسامة عنهم، وإن اجعى على واحد من غيرهم سقطت عنهم، وإذا التقى قوم بالسيوف فأجلوا عن قتيل فهو على أهل المحلة إلا أن يدعي الأولياء على اولئك، أو على رجل متهم بعينه، فلم يكن على أهل المحلة شيء، ولا على اولئك حتى يقيموا البينة.
ولو وجد قتيل في معسكر أقاموا بفلاة من الأرض لا ملك لاحد فيها، فإن وجد في خباء، أو فسطاط فعلى من سكنها الدية والقسامة، وإن كان حارجاً من الفسطاط فعلى أقرب الأخبية، اعتباراً
وإن كان القوم لقوا قتالاً ووجد قتيل بين أظهرهم فلا قسامة، ولا دية، لأن الظاهر أن العدو قتله، وإن كان للأرض مالك فالعسكر كالسكان، وإذا قال المستحلف قتله فلان استحلف بالله ما قتلت، ولاстр. 2158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) عرفت له قاتلاً غير فلان، لأنه يريد إسقاط الخصونة عن نفسه بقوله فلا يقبل، وإذا شهد اثنان من اهمل المحلة على رجل من غيرهم أنه قتل لم تقبل شهادتهما.
ولو ادعى على واحد من أهل المحلة بعينه فشهد شاهدان من أهلها عليه لم تقبل الشهادة، لأن الخصومة قائمة، ومن جرح من قبيلة فنقل إلى أهله فمات من تلك الجراحة، فإن كان صاحب فراش حتى مات فالقسامة والدية على القبيلة، ولو جد رجل قتيلاً في دار نفسه فديته على عاقلته، لورثته.
وقالوا: إن الأولياء إذا كانوا جماعة تكرر عليهم الأيمان بالإدارة بع أن يبدأ أحدهم بالقرعة.
وقالوا: إن القسامة تثبت في العبيد مراعاة لحرمة الآدمي المسلم من حيث هب من غير تفرقة.
وقالوا: إن أيمان النساء لاتقبل في القسامة مطلقاً، لا في عمد، ولا في خطأ، لعدم النصرة بهن.
وقالوا: لاتشرع الأيمان في القسامة إلا على المدعى عليهم، لكونهم متهمين بالقتل فيحلفون لتبرأ ساحتهم.
الشافعية - قالوا: يشترط لك دعوى بدم، أو غيره كغصب، وسرقة، وإتلاف ستة شروط، أحدها: أن تكون معلومة غالباً، بأن يفصل ما يدعنه من عمد أو خطأ، أو شبه عمد، ومن انفراد، وشركة، وعدد الشركاء في قتل يوجب الدية، فإن أطلق المدعي في دعواه، كقوله: هذا قتل أبي استفصله القاضي ندباص، فيقول له: كيف قتله، عمداً، أم خطأ، أم شبه عمد؟
وقيل: لا يستفصل القاضي المدعي، بل يعرض عنه، لأنه ضرب من التلقين.
وثانيها: أن تكون ملزمة، فلا تسمع دعوى هبة شيء، أو بيعه، أو إقراره به حتى يقول المدعي: وقبضته بإذن الواهب، ويلزم البائع، أو المقر التسليم.
وثالثها: أن يعين المد عي في دعواه المدعى عليه، واحداً كان أو جمعاً معيناً، كثلاثة حاضرين، فلو قال: قتله أحدهم، فأنكروا، وطلب تحليفهم، لا يحلفهم القاضي في الأصح للإبهام.
ورابعها: أن تكون الدعوى على مدعى عليه مكلفاً، فلا تصح الدعوى على صبي، ومجنون، بل إن توجه على الصبي أو المجنون ما لى ادعى مستحقه على وليهما، فإن لم يكن ولي حاضر، فالدعوى عليهما كالدعوى على الغائب.
وسادسها: أن لا تتناقض دعوى المدعي، وحينئذ لو ادعى على شخص انفراده بالقتل، ثم ادعى على آخر أنه شريكه، أو منفر لم تسمع الدعوى الثانية، لما فيه من تكذيب الأول ومناقضتها، وسواء أقسم على الول، ومضى الحكم فيه أم لا.стр. 2159
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وقالوا: وتثبت القسامة في قتل النفس لا في غيرها من جرح، أو إتلاف مال. وعتبر كون القتل بمكان لوث - وهو قرينة حالية، أو مثالية تدل على صدق المدعي، بأن يغلب على الظن صدقه ت بأن وجد قتيل، أو بعضه كرأسه في محلة منفصلة عن بلد كبير، ولا يعرف قاتلهن ولا بينة بقتله، أو في قرية صغيرة لأعدائه دينياً أو دنيوياً،، إذا كانت العدوة تبعث على الانتقام بالقتل، ولم يساكنهم في القرية غيرهم فتجب القسامة، أو وجد قتيل تفرق عنه جمع كأن ازدحموا على بئر، أو باب الكعبة، ثم تفرقوا عن قتيل، لقوة الطن انهم قتلوه.
ويشترط أن يكونوا محصورين، بحيث يتصور غجتماعهم على القتيل، وإلا لم تسمع الدعوى، ولم يقسم.
قالوا: ولا يشترط في اللوث والقسامة ظهور دم، ولا جرح، لأن القتل يحصل بالخنق، وعصر البيضة ونحوهما، فإذا ظهر أثره قام مقام الدم فلو لم يوجد اثر أصلاً، فلا قسامة على الصحيح وقيل: تثبت القسامة.
قالوا: وشهادة العدل الواحد لوث لحصول الظن بصدقه. وذلك في القتل العمد الموجب للقصاص. فإن كان في خطأ، أو شبه عمد، لم يكن لوثاً، بل يحلف معه يميناً واحدة، ويستحق الدية، والعبيد والنساء شهادتهم لوث، لأن ذلك يفيد غلبة الطن، سواء جاؤوا متفرقين، أو مجتمعين، وقيل: يشترط تفرقهم لاحتمال التواطؤ.
وأخبار فسقة، أو صبيان، أو كفار لوث في الأصح، وكذلك لهج ألسنة الخاص والعام بأن فلاناً قتل فلاناً ومن اللوث وجود تلطخه بالدم، أو بسلاح عند القتيل، ومن اللوث أيضاً إذا تقاتل صبيان والتحم الحرب بينهم، وانكشوف عن قتيل فهو لوث في حق الصف الآخر، وإلا فلوث في حق صفة.
فاذ وجد المقتضى للقسامة حلف المدعون على قاتله خمسين يميناً، واستحقوا دية مغلظة إذا كان القتل عمداً، ويبدأ بأيمان المدعين للقسامة، لا بأيمان المدعى عليهم، فإن نكل المدعوة ولا بينة، حلف المدعى عليه خمسين يميناً وبرئ، وإنما بدئ بأيمان المدعين للقسامة، لأنهم هم الذين يطلبون أخذ الهأر من المتهم بالقتل.
وقالوا: إن الأولياء إذا كانوا جماعة قسمت الايمان بينهم بالحساب على حسب الارث، ولو ظهر لوث في قتيل فقال أحد ابنيه: قتله فلان، وظهر عليه لوث، وقال الابن الآخر: لم يقتله بطل اللوث، لأن الله تعالى أجرى العادة بحرص القريب على التشفي من قاتل قريبه، وأنه لا يبرئه تعائض هذا اللوث فسقطا، فلا يحلف المدعي، لانخرام ظن القتل بالتكذيب الدال على أنه لم يقتله - وقيل: لا يبطل حقه من اللوث وقيل: لا يبطل اللوث بتكذيب فاسق. وإذا لم يتكاذب ابنا القتيل، بل قال أحدهما: قتله زيد، ومجهول عندي. وقال الآخر: قتله عمرو ومجهول عندي، حلف كل منهما على من يعينه منهما، إذ لاتكاذب بينهما، لاحعمال أن الذي أبهم ذكره هة الذي عينه الآخر وكذلك العكس، ولكل منهما ربع الدية، لاعترافه بأن الواجب عليه نصفها، وحصته منه نصفه.стр. 2160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ولو أنكر المدعى عليه اللوث في حقه، فقال: لم أكن مع القوم المتفرقين عن القتيل، صدق بيمينه، لأن الأصل براءة ذمته من القتل، وعلى المدعي البينة على الامارة التي يدعيها، وهي عدلان.
قالوا: لو ظهر لوث في قتيل لكن بمطلق قتل دون تقييده بصفة عمد، وخطأ، وشبه عمد، فلا قسامة حينئذ في الأصحن لأن مطلق القتل لا يفيد مطالبته القاتل، بل لابد من ثبوت العمد، ولا مطالبة العاقلة، بل لابد أن يثبت كونه خكا، أو شبه عمد - وقيل: تثبت القسامة صيانة للدم عن الهدر قالوا: ولا قسامة في الجراحات وقطع الأطراف والأموال. إلا في قتل عبد، أو أمة، مع لوث، فيقسم السيد على من قتله من حر، أو رقيق في الأظهر، بناء على أن بدل الرقيق تحمله العاقلة.
وقيل: لا قسامة في العبد بناءعلى أن بدله لا تحمله العاقلة، فهو ملحق بالبهائم.
والقسامة أن يحلف المدعي الوارث على قتل النفس ولو ناقصه كامرأة، وذمي، مع وجود اللوث خمسين يميناً، والحلف يتوجه إلى الصفة التي أحلف الحاكم عليهان فيقول: والله لقد قتل هذان ويشير إليه إن كان حاضراً، ويرفع في نسبه إن كان غائباً، أو يعرفه بما يمتاز به من قبيلة، أو حرفةن أو لقب، ولا يشترط موالاة الأيمان، ولو تخلل الايمان جنون من الحالف، أو إغماء بني إذا أفاق على ما مضى، ولو مات الولي المقسم في أثناء الايمان لم يبن وارثه، بل يستأنف، ولو نكل عن الايمان أحد الورثة حلف الوارث الآخر خمسين يمينا، ولو غاب حلف الآخر خمسين واخذ حصته وإلا صبر للغائب.
والمذهب، أن يمين المدعي عليه بلا لوث، واليمين المردودة منه على المدعي، وعلى المدعى عليه واليمين مع شاهد خمسون للجميع.
المالكية - قالوا: سبب القسامة التي توجب القصاص في العمد، وتوجب الدية في قتل الخطأ، قتل الحر المسلم، دون الرقيق، والكافر، وسواء أكان الحر بالغاً، أو صبياً قتل بجرح أو ضرب، أو سم، بلوث، - وهو الأمر الذي ينشأ عنه غلبة الطن بأنه قتله، كشاهدين على قول حر مسلم، بالغ قتلني أو جرحني، أو ضربني فلان، أو شهادة عدلين على معاينة الضرب أو الجرح، أو أثر الضرب، أو شهادة واحد علد على معاينة الجرح، أو الضرب، أو شهادة واحد على معاينة القتل، أو يوجد القتيل ويضربه شخص عله أثر القتل، كان لوثاً، أما إذا قال: فلان، بل فلان، أو إذا تردد، أو لم يكن أثر الجرح به بطل اللوث، ولا قسامة - وقلك يقبل قوله ويكون لوثاً تحلف الولاة معه أيمان القسامة. ولكن الظاهر الأول.
وإنما قالوا: إن قول المقتول: دمي عند فلان واستمر على إقراره حتى مات لوث، وتثبت به القسامة. مع قول العلماء: إن الناس لا لا يعطون بدعواهم، والأيمان لا تثبت الدعاوى - وذلك لأن الشخص عند موته لا يتجاسر على الكذب في سفك دم غيره، كيف؟ وهو الوقت الذي يحق في الندم، ويقلع فيه الظالم، ويرد المظالم إلى أصحابها، ومدار الأحكام على غلبة الظن، وقد تأيد ذلك بالقسامة، وهي أيمان مغلظة احتياطياً في الدماء لأن الغالب على القاتل إخفاء القتل عن البينات، فاقتضى الاستحسان ذلك.стр. 2161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قالوا: وسواء كان قول الحر المسلم، البالغ، قتلني عمداص، أو خطأ، ففي العمد يستحقون بالقسامة القصاص، وفي الخطأ يستحقون الدية، ولو كان القائل هذا القول رجلاً فاسقاً، وادعى على عدول، ولو اعدل وأورع أهل زمانه، أنه قتله، أو ادعى الولد على أبيه أنه ذبحه، أو شق جوفه، أو رماه بحديدة قاصداً قتله، فيقسم الولياء يمين القسامة، ويقتل فيه المدعى عليه قتل العمد، أو يقسمون ويأخذون الدية مغلظة.
وإن أطلق القائل ولم يقيد بعمد أو خطأ بين أولياؤه أنه عمد أو خطأ، واقسموا على ما بينوا، وإن قالوا: لا نعلم هل القتل عمد، أم خطان أو قالوا: لا نعلم من قتله، أو أختلفوا، بأن قال بعض الولياء قتله عمد، أو قال بعضهم: لا نعمل، هل قتله خطأ أم عمد، بطل الدم، لانهم لم يتفقوا على أن وليهم قتل عمداً حتى يستحقوا القود، ولم يتفقوا على أنه خطأ حتى يستحقوا الدية. ولم يتفقوا على من قتله فيقسموا عليه.
أما لو قال بعضهم قتله خطان وقال البعض لا نعلم خطأ أو عمداً، فللمجعي الخطأ الحلف لجميع أيمان القسامة ويأخذ نصيبه من الدية لأن الثابت في الخطأ مال أمكن توزيعه، ولا شيء لغيرهن ومثله لو قالوا جميعاً خطأ، ونكل البعض، فلو قال بعضهم: خطأ وبعضهم عمداً فإن استووا في الدرجة كالبنين، أو الاخوة فيحلف الجميع على كل طبق دعواه على قدر ارثه، ويقضى للجميع بدية الخطأ، فو نكل مجعي الخطأ عن الحلف فلا شيء للجميع، وإن نكل مدعي الخطأ فلمدعي العمد الدخول في حصته من حلف.
قالوا: ولو شهد عدلان على معاينة الضرب، أو الجرح خطأ أو عمداً، وكان حراً مسلماً، وتأخر الموت.
فيقسم أولياؤه - والله منه مات - أو - إنما مات منه.
أما إذا لم يتأخر الموت فيستحعون الدم لدية بدون قسامة، لكونها شهادة على معاينة القتل. أو شهادة عدل بمعاينة الضرب، أو الجرح عمداً أو خطأ، تأخر الموت أو لم يتأخر فيقسم الاولياء خمسين يميناً - لقد جرحه، أو ضربه ومات من الجرح والضرب، وقيل: يحلف واحد من الأولياء يميناً مكملة لشهادة العدل اه ضربه أو جرخه، ثم يحلفون الخمسين يميناً.
ولو شهد علد بإقرار المقتول بعمد أو خطأ - اي شهد بالغ أن فلاناً جرحني، أو ضربني عمداً، أو خطأ، وشهد عدل على قوله، فشادته لوث، يحف عليها الأولياء خمسين يميناً بالصيغة المشتملة على اليمين لملكملة للنصاب، فلا يحتاجون ليمين منفردة على العتمد من الذهب.
ولو شهد عدل برؤية المقتول حال كونه يتشحط في دمه، والشخص المتهم بالقتل عليه اثر القتل بالفعل، ككون الآلة بيده ملطخة بدم، أو كان خارجاً من مكان المقتول ولي فيه غيره، فتكون شهادة العدل على ما ذكر لوثاً، يحلف الاولياء يمين القسامة، ويستحقون القود في العمد والدية في الخطأ.стр. 2162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) واعلم أنه تلزمه القسامة ولو تعدد اللوث كشهادة عدل بمعاينة القتل مع عدلين على قول المقتول: قتلني فلان، فلا يقتصون، ولا يأخذون الدية إلا بعد القسامة.
قالوا: وليس من اللوث وجود المقتول بقرية قوم ولو مسلماً بقرية كفار. وهذا إذا كان يخالطهم غيرهم في القرية، وإلا كان لوثاً يوجب القسامة، كما جعل رسول الله ﷺ القسامة لا بني عم عبد الله بن سهل حيث وجد مقتولاً بخيبر، لأن خيبر مكان لا يخالط اليهود فيا غيرهم، أو وجد مقتولاً بدارهم لجواز أن يكون قتله غير أهل القرية والدار، ورماه عندهم حيث كان يخالطهم غيرهم في الدار أيضاً،
قالوا: والقسامة خمسون يميناً متوالية بدون تفريق بزمان أو مكان، يحلفون على البت والجزم يحصل لهما العمل بالخبر، كما يحصل بالمعاينة. وجبرت اليمين إذا وزعت على حدود وحصل كسران أو أكثر، فإنها تكمل على ذي أكثر كسرها، ولو كان صاحب أكثر الكسر أقل نصيباً، وإن تساوت الكسور فعلى كل من الجميع تكميل ما انكسر عليه للتساوي.
ويحلف في أيمان القسامة في الخطأ من يرث المقتول من المكلفين، وتوزع هذه الايمان على قدر الميراث. وإن إلا واحد من الأخوة للام، فإنه يحلف خمسين يميناً ويأخذ حظه من الدية، أو إذا لم يوجد إلا امرأة واحدة، ولا يأخذ أحد من الأولياء الحاضرين البالغين إذا غاب بعضهم أو كان صغيراً. شيئاً من الدية من العاقلة إلا بعد حلف جميع الايمان، ويأخذ حصته من الدية، لأن العاقلة لا يخاطبون بالدية إلا بعد ثبوت الدم، ثم بعد حلف الحاضر جميع الأيمان حف من حضر من الغيبة أو بلغ الصبي حصته من أيمان القسامة، ويأخذ نصيبه من الدية، ولا يحلف أيمان القسامة في العمد اقل من رجلين لأن النساء لا يحلفن في العمد، لعدم شهادتهن فيه، فإن انفردن عن رجلين صار المقتول كمن لا وارث له فترة اليمان على المدعى عليه عصبة ولا يقسم في العمد إلا على واحد من الجماعة الملوثين بالقتل يعينه المدعي للقسامة يقولون في الأيمان:
من ضربه ما، لا من ضربهم، ولا يقتل بها أكثر من واحد، فإن استووا في قتل العمد كحمل صخرة ورموها عليه فمات، فيقسمون على الجميع، ويقتل الجميع حيث رفع حياً وأكل ثم مات، فلو مات مكانه أو انفذت مقاتله قتل الجميع بدون قسامة.
ويجوز للولي أن يستعين في القسامة بعاصبه، وإن لم يكن عاصب المقتول كامرأة مقتولة ليس لها عاصب غير ابنها وله اخوة من أبيه، فيستعين بهم، أو ببعضهم أو بعمه مثلاً.
قالوا: وتوزع الايمان على مستحق الدم على الرؤوس في العمد، وأما في الخطأ فتوزع على قدر الإرث، فإن زادوا على خمسين اجتزئ منهم بخميسين، وكفى في حلف جميعها اثنان من الأولياء، إذا كان الأولياء أكثر من اثنين وطاع منهم اثنان، فيكفى حيث كان الباقي غير ناكلين، ونكول المعينстр. 2163
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) من عصبة الولي لا يعتبر، بخلاف نكول غير المعين فإنه معتبر، فترد الايمان على المدعى عليهم بالقتل، فيحلف كل واحد منهم خمسين يميناً، إن تعددوا، لأن كل واحد م نهم متهم بالقتل، وإن كان لا يقتل بالقسامة إلا واحد، فإذا كان المتهم واحداً، حلف الخمسين يميناً.
ومن نكل من المدعى عليهم بالقتل حبس حتى يحلف خمسين أو يموت في السجن حيث كان متمرداً، وإلا فبعد سنة يضرب مائة ويطلق، والراجح الأول.
قالوا: إن الحاكم يبدأ بأيمان المدعين للقسامة، لا بأيمان المدعى عليهم. فإن نكل المدعوة ولا بينة معهم عليه خمسين حلف المدعي يميناً وبرئ من دمه.
الحابلة - قالوا: إن القسامة مشروعة إذا وجد قتيل في محله، ولم يعلم قاتله، وهي ثابتة بالسنة واجماع الأمة، ولكن لا يحكم بالقسامة إلا أن يكون بين المقتول، وبين المدعى عليه لوث، وهي العداوة في حق الصف الآخر، والعصبة خاصة، كما هو حاصل بين القبائل من المطالبة بالدماء وأخذ الثأر، وكما بين أهل البغي، وأهل البغي، وأهل العدل، وأما قول المقتول المسلم البالغ: إن فلاناً قتلني، فلا يكون لوثاً، فإذا وجد المقتضي للقسامة حلف المدعون على قاتله خمسين يميناً، واستحقوا دمه إذا كان القتل عمداً.
ويجب أن تبدأ بأيمان المدعين للقسامة، لا بأيمان المدعى عليهم، فإن نكل المدعون ولا بينة على القتل. حلف المدعى عليه خمسين يميناً، ما قتله ولا يعلم له قاتلاً، وبرئ من دمه، فإذا كان أولياء الدم جماعة قسمت الأيمان بينهم بالحساب، على حسب الإرث الذي يستحقونه من القتيل، حتى يكون الغرم على قدر الغنم.
وقالوا: إن القسامة تثبت في العبيد. وذلك لحرمة الآدمي المسلم من حيث هو، حيث إن الله تعالى كرمه، وقالوا: إن أيمان النساء لا تقبل في القسامة مطلقاً، لا في عمد ولا في خطأ تخفيفاً عن النساء، لأنه لا نصرة عليهن، والقسامة تبنى على النصرة من أفراد العاقلة، وأهل المحلة، لأن القاتل يعتز بهم، ويحتمي بقوتهم.
مبحث كفارة القتل.
اتفق الأئمة رحمهم الله تعالى على وجوب الكفارة في قتل الخطأ إذا لم يكن المقتول ذمياً ولا عبداً واتفقوا على أن كفارة قتل الخطأ عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، وذلك لقوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا، فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة، وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة. فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله، وكان الله عليماً حكيماً﴾ [آية: ٩٢ من النساء] .стр. 2164
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) والمالكية، والحنفية، والشافعية في أصح قوليهم، والحنابلة في إحدى روايتهم - قالوا: أنه لا يجزئ الاطعام في كفارة قتل الخطأ، نظراً إلى عظم حرمة المؤمن، فخص الكفارة بما هو أعلى قيمة غالباً من الإطعام، ولأنه لم يرد به النص القرآني، والمقادير تعرف بالتوقيت، ولأن الله تعالى جعل المذكور في الآية كل الواجب بحرف الفاء أو لكونه كل المذكور على ما عرف، ويجزئه رضيع أحد أبويه مسلم، لأن شرط هذا الإعتاق الإسلام وسلامة الأطراف والأول يحصل بإسلام أحد أبويه، والثاني بالظهور، إذ الظاهر سلامة أطرافه، ولايجزئه ما في البطن لأنه لم تعرف حياته ولا سلامته.
الشافعية، والحنابلة في الروايتين الأخريين، - قالوا: إن الإطعام حين العجز عن الصوم يجزئ، مثل كفارة الظهار.
الحنفية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: تتجب الكفارة في قتل الذمي على الاطلاق، وفي قتل العبد المسلم وذلك للعمل بوصية رسول الله ﷺ على الذمي، في وعد من ظلمه بأن يكون ﷺ حجيجه يوم القيامة، في نحو قوله: (من ظلم ذمياً كنت حجيجه يوم القيامة) فإذا كان هذا فيمن ظلمه ولو بأخذ درهم من ماله أو بكلمة في عرضه مثلاً فكيف بمن قتله بغير حق.
وأما وجوب الكفارة في قتل العبد المسلم فلدخولها في وصيته ﷺ في حال احتضاره، بقوله ﷺ : (الصلاة وما ملكت أيمانم) وقد ورد أن الوصية على الأرقاء من أواخر ما تكلم به رسول الله ﷺ وهو محتضر، فصار يقول ذلك بتكلف لا يكاد لسانه يبينها، فوجب احترامه كل الاحترام، ومن جملة احترامه وجوب الكفارة في قتله.
المالكية - قالوا: لا تجب الكفارة في قتل الذمي، لأن وصية رسول الله ﷺ على أهل الذمة محمولة على فعل أمور مخصوصة، كأخذ ماله بغير حق، وكالوفاء بذمته، وبغير الكفارة كتكفينه، ودفنه، إذا مات ونحو ذلك دون وجوب الكفارة في قتله، فإنه مراق الدم في الجملة من حيث كفره بالله، وتكذيبه لرسوله ﷺ .
الحنفية، والمالكية، والحنابلة في إحدى روايتهم - قالوا: لا تجب الكفارة في قتل العمد، لأن الشارع شدد في أمر القاتل عمداً بالقتل، أو الدية إذا عفا الأولياء عن قتله إلى الدية، فلا يزاد على ذلك، لأنه كبيرةة محضة وفي الكفارة معنى العبادة فلا تناط بمثلها، ولأن الكفارة من المقادير وتعينها في الشرع لدفع الأدنى، لا يعينها لدفع الأعلى.
الشافعية - قالوا: تجب الكفارة في قتل العمد، لأن الحاجة إلى التكفير في العمد أمس منها إليه في الخطأ، فكان أدعى إلى إيجابها، لأن العامد أغلظ إثماً ممن كان قتله خطأ فكانت الكفارة به اليق من الخطأ.
قالوا: وتجب على كل واحد من الشركاء في القتل كفارة في الأصح، لأنه حق يتعلق بالقتل فلا يتبعض كالقصاص. ولأن الكفارة لتكفير جناية القتل، وكل واحد قاتل، ولأن فيها معنى العبادة، والعبادة الواجبة على الجماعة لا تتبعض.стр. 2165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وقيل: تجب الجميع كفارة واحدة، كقتل الصيد.
الشافعية، والحنابلة - قالوا: تجب الكفارة على الكافر إذا قتل مسلماً خطأ. للتغليظ على الكافر بالتغريم من حيث عدم تحفظه في حق المسلم، حتى لا يعود إلى مثلها، وليكون عبرة لغيره من دينه، بل قالوا: تجب الكفارة بالقتل، وإن كان القاتل عبداً، كما يتعلق بقتله القصاص والضمان، دينه، بل قالوا: تجب الكفارة بالقتل ذمياً، لا لتزامه الأحكام، ولو كان القاتل عامداً، أو مخطئاً، أو متسبباً، بقتل مسلم ولو بدار الحرب، وذمي، وجنين، وعبد نفسه، ونفسه ولا تجب الكفارة بقتل امرأة وصبي حربيين. ولا بقتل باغ، لأنه مباح الدم، وصائل، لأنه لا يضمن، ومرتد، وزان محصن، ومقتص منه بقتل المستحق له، لأنه مباح الدم بالنسبة إليه.
الحنفية، والمالكية - قالوا: إن الكفارة لا تجب على الكافر، لأن الكفارة طهرة للقاتل من الأثم دافعة عنه وقوع العذاب به يوم القيامة، والكافر ليس أهلا لذلك، لأنه لا يظهر إلا بحرقه بالنار يوم القيامة، فكيف يظهر بالكفارة؟
المالكية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: تجب الكفارة على الصبي، والمجنون إذا قتلا، وذلك لنسبتهما إلى قلة التحفظ في الجملة، فلو خوف الولي الصبي من القتل، أو ضبط المجنون بالقيد، والغل، لما كانا قدرا على قتل أحد عادة، مع كون المجنون ربما تعاطى أسباب الجنون بأكله طعاماً لا يناسب مزاجه مثلاص، فكان تغريمه الكفارة من باب المؤاخذة بالسبب عند من يقول به من الأئمة.
الحنفية - قالوا: لا تجب على الصبي، ولا على المجنون كفارة، لأن المجنون خرج عن التكليف ولأن الصبي لم يبلغ سن التكليف فلم يؤاخذا بفعليهما، ولأن أفعالهما من قسم المباح وهو أحد الحكام الخمسة.
المالكية، والشافعية، والحنابلة - قالوا: تجب الكفارة على القاتل بالسبب كمن تعدى بحفر بئر عدواناص، ووضع حجراً في الطريق وكالمكره والآمر به لمن لا يميز، وشاهد الزور، ولو حصل التردي في البئر بعد موت الحافر، لأن اسم القاتل يشمل الآمرين فشملتهما الآية، وبالقياس على وجوب الدية.
الحنفية - قالوا: إن الكفارة لا تجب على القاتل بالسبب مطلقاً، وإن كانوا قد اجمعوا على وجوب الدية، في القتل بالسبب، وذلك لعدم إلحاق السبب بالمباشر، لأنه أخف حالاً منه حيث إنه لم يباشر القتل.
الحنفية - قالوا: إذا قتلت أم الولد سيدها فعليها قيمة نفسها، لأنه قد زال عنها ملك سيدها بقتله، فصارة حرة، كما لو قتلت غيره، وذلك إذ لم يجب القصاص عليها.
الشافعية - قالوا: يجب عليها الدية لأنها تصير حرة لزوال موجب جنايتها، والواجب في قتل الحر دية.стр. 2166
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: إن الجناية من أم الولد لا يجب فينها أكثر من قيمتها كما لو جنت على أجنبي، ولأن اعتبار الخيانة قي الجاني بحال الجناية - وهي في حال الجناية آمة. ولأنها ناقصة بالرق لأشبهت القن. وإذا لم يكن لها منه ولد فعليها القصاص لورثة سيدها، وإن كان لها منه ولد وهو الراث وحده فلا قصاص عليها، لأنه لو جب لوجب لولجها، ولا يجب للولد على امه قصاص.
الحنابلة - توقفوا في هذه المسألة) .
-стр. 2167
القسم الثالث
باب التعزير
-أما التعزير فهو التأديب بما يراه الحاكم زاجراً لمن يفعل فعلاً محرماً عن العودة إلى هذا الفعل، فكل من أتى فعلاً محرماً لا حد فيه، ولا قصاص، ولا كفارة، فإن على الحاكم أن يعزره بما يراه زاجراً له عن العودة، من ضرب، أو سجن، أو توتبيخ.
وقد اشترط بعض الأئمة أن لا يزيد التعزير بالضرب على ثلاثين سوطاً، وقال بعضهم وهم المالكية: إن للإمام أن يضربه بما يراه زاجراً، ولو زاد عن مائة، بشرط أن لا يفضي ضربه إلى الموت (١) .
وبعضهم وهم الحنابلة - قالوا: إنه لا يزيد في الضرب عن عشرة أسواط. ولكن أبن القيم الحنبلي لم يوافق على هذا، فقد ذكر (في أعلام الموقعين) أن التعزير بالضرب قد وصل إلى مائة سوط عند الحنابلة، كما إذا وطئ شخص جارية امرأته بإذنها - فإنه يعزر بضرب مائة. وقال: إن عمر بن الخطاب زاد في حد شرب الخمر أربعين فأوصله إلى ثمانين، ولا يعقل أن تكون هذه الزيادة من أصل الحد الي ورد عن رسول الله ﷺ ، وهو أربعون.
على أنك قد عرفت أن بعض العلماء يقول: إن عقوبة الشرب كلها من باب التعزير لا من باب الحد. الحواشي
(١) (تعريفه: التعزير مصدر عزر من العزر وهو الرد والمنع ومنه قوله تعالى: ﴿وتعزروه﴾ أي تدفعوا العدو عنه وتمنعوه، وفي الشرع تأديب على ذنب لا حد فيه، ولا كفارة، وهو مخالف للحدود من ثلاثة أوجه.
الأول: أنه يختلف باختلاف الناس، فتعزير ذوي الهيئات أخف من تعزير عامة الناس مع انهم يستوون في الحدود مع الناس، لا فرق بين عربي وقرشين فالكل امام الحدود سواء.
الثاني: أنه تجوز فيه الشفاعة والعفو، ولو بعد وصوله إلى الحاكمن بخلاف الحدود فإنه لا تجوز فيها الشفاعةز إذا ما وصل الأمر إلى الحاكم.
الحنفية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: إن التالف بالتعزير غير مضمون مثل الحدود، لأنه مأمور به.стр. 2168
وظاهر عبارة أبن القيم في كتابه (أعلام الموقعين) تفيد أن للحاكم أن يعزر بما يشاء من سجن، أو ضربن كما هو رأي المالكية، فكل عقوبة تناسب حال البيئة، وتخيف المجرمين يجب أن تنفذ ...
الحواشي
(١) الشافعية - قالوا: إن التالف بالتعزير مضمون بخلاف الحدود فإنها غير مضمونة.
قال العلماء: والتأديب للأولاد، أو للزوجة عندهم تعزيراً، لدفعه ورده عن فعل القبائح، ويكون التعذير بالقول، والتأنيب، ويكون بالضرب، والحبس، ويكون بالغرامة المالية، حسب ما يقتضيه حال الفاعل، وما يراه الحاكم من المصلحة للجاني، اهـ.
حكمه في الشريعة
الحنفية، والمالكية - قالوا: إن غلب على ظن الحاكم أن الجاني لا يصلحه إلا الضرب أصبح واجباً وإن غلب على ظن الحاكم أن الجاني لا يصلحه إلا الضرب أصبح واجباً وإن غلب على ظنه إصلاحه بغيره لم يجب. تعظيماً لحضرة الله تعالى إن يعصي العبد ربه فيها وهو ينظر إليه سبحانه فكان الضرب المؤلم له واجباً ليتنبه لقبح فعله في المستقبل، ويصير يتذكر الألم الذي حصل له في الماضي فيستغفر ربه منه.
الشافعية - قالوا: لا يجب التعزير على الحاكم لأنه لا يحصل به كبير زجرن ولا ردع عن المعاصي المستقبلة، إن كانت معلقة على حصول الألم الواقع لذلك العبد.
الحنابلة - قالوا: إن استحق بفعله التعزير كان واجباً، وإن لم يستحق فلا يجب.
ضرب الأب ولده تأديباً
المالكية، والحنابلة - قالوا: إن الأب إذا ضرب الصبي للتعليم، فمات الولد، أو الصبي من أثر الضرب، فلا ضمان عليه، لأن الأب والمعلم لا يضربان للإصلاح والتأديب.
الحنفية، والشافعية - قالوا: إن الاب إذا ضرب ابنه فمات يجب عليه الدية في ماله ولا يرث منها، وكذل المعلم لحفظ القرآن والكتابة، أو الصنعة إذا ضرب الصبي لاجل التعليم فمات من الضرب وجب عليه الضمان وذلك حتى يتحفظ الأب في ضربه لولده، فإنه ربما قامت نفسه من ولده فضربه لا لمصلحة كالأجينب فوجب الضمان احتياطاً.
ضرب الحاكم للتعزير
الحنفية، والمالكية، والحنابلة - قالوا: إن الإمام إذا ضرب رجلا للتعزير فمات بسبب الضرب فلا يجب عليه الضمان، لأن منصب الإمام يجل عن أن يعزر احداً بغير المصلحة، بخلاف غير الإمام فإنه قد يعزر غيره وعنده شائبة تشف منه لعداوة سابقة مثلاً، وما سمعنا أن حاكماً قتل بقتله احداً في تعزير، ولا غرم دية.стр. 2169
على أن الحنفية الذين قالوا: إنه لا يجوز للحاكم أن يزيد في التعذير بالضرب على ثلاثين سوطاً، وقالوا: إن للحاكم أن يعزر بالقتل، فإن عقوبة اللواكة عندهم من باب التعزير، ومع ذلك فإنهم يقولون: إذا تكررت هذه الفاحشة من شخص فإنه يعزر بالإعدام. إذ لا يليق أن يوجد بين النوع الإنساني من تنقلب طبيعته إلى هذا الحد، ولا يخفى ما في هذا من سلطة واسعة يتصرف فيها الحاكم بما يرى فيه المصلحة.
جواب وسؤال
-فإن قلت: كيف يصل التعزير إلى هذا القدر من العقوبة، مع أن النبي ﷺ قال: (لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله) ؟
فإن ظاهر هذا الحديث يدل على أن عقوبة غير الحد لا يجوز أن تزيد على عشرة أسواط كما يقول الحنابلة (١) . الحواشي
(١) (الحنفية، والشافعية، والحنابلة ﵏ قالوا: لا يجوز أن يبلغ بالتعزير أعلى الحدود، لأن الإمام ونائبه إنما يحكمان على وفق الشريعة الغراء، وليس لهما أن يزيدا على ما قدرته الشريعة ذرة واحدة.
المالكية قالوا: إن التعزير راجع إلى رأي الإمام، فإن أن يزيد على الحدود فعل، لاجل المصلحة، لأن الشارع أمن الإمام الأعظم على أمته من بنعده، وأمر الأمة بالسمع والطاعة في كل ما لا معصية فيه لله عزوجل، بل ضرب بعض العتاة والفسقة الحد المقدر بما لا يردعه، فجاز للإمام الزيادة بالاجتهاد، مصلحة ذلك المعزر.
الحنفية، والشافعية قالوا: إن التعزير لا يختلف أسبابه، كأن يزاج في التعزير حتى يبلغ أجنى الحدود ولو في الجملة، وأدناها عند أبي حنيفة أربعون في الخمر، وعند الشافعيةن والحنابلة، عشرون فيكون أكثر التعزير عند الحنفية تسعة وثلاثون، وعد الشافعية والحنابلة تسعة عشر.
المالكية قالوا: يجوز للإمام الأعظم أن يضرب في التعزير أي عدد أدى إليه اجتهاده، ولو زاد عن الحد.стр. 2170
وقد أجاب أبن القيم نفسه عن هذا: بأن الحدود التي تطلق على العقوبات، تطلق أيضا على نفس الجناية والمعصية كما ذكرناه في بحوثنا السابقة.
والمراد بها في الحديث، المعصية، لا العقوبة، فمعنى الحديث لا تجوز العقوبة بالضرب زيادة على عشرة أسواط إلا في الجنايات أن يختلي بامرأة محرمة، أو يشهد زوراً، أو يغش شخصاً، أو يخدعه، أو يحتال عليه، أو يقامر، أو يبذر ماله فيما يؤذي الناس. أو يسعى بالنميمة بين الناس. أو يطفف الكيل والميزان، أو يصرف وقته في الملاهي أو غير ذلك مما لا يمكن حصره هنا. فكل جناية لم يضع لها الشارع حداً، ولاكفارة فإن للحاكم فإن يعاقب عليها بالسجنن أو الضرب بحسب ما يراه زاجراً للمجرم.
أما غير الجنايات من المخالفات، كمخالفة الابن لأبيه، ونحو ذلك مما يقع من اصبيان فإنه يصح التأديب عليها باضرب بشرط أن لا يزيد عن عشرة أسواط.
فهذا هو معنى الحديث. وهو حسن.
وبالجملة فإن التعزير باب واسع يمكن للحاكم أن يقضي به على كل الجرائم التي لم يضع الشارع لها حداً أو كفارة، على أن يضع العقوبة المناسبة لكل بيئة، ولكل جريمة من سجن أو ضرب، أو نفي، أو توبيخ، أو غير ذلك (١) . الحواشي
(١) (لقد أجاز الإسلام التعزير بكل أنواعه للحاكم فقط، وليس له أن يفوضه إلى مستحقه ولا إلى غيره، ولم يجز الشرع التعزير لغير الإمام إلا لثلاثة فقط.
الأول. الأب: فإنه يجوز له أن يعزر ولده الغير للتعليم والتربية، والتأديب، والزجر عن ارتكاب الأمور المشينة، وعن فعل سيء الأخلاق، والظاهر أن الأم تلحق بالأب فيما إذا كان في زمن الصبا في كفالتها للصبي أو البنت فيجوز لها التعزير، وكذلك يجوز الأمر بالصلاة، والضرب عليها ولا يجوز للأب تعزير الابن البالغ، وإن كان فعل شيئاً سفيهاً، لأنه لا ينفع فيه الضرب بعد الكبر.
الثاني السيدك لقد أباح له الشرع أن ينبه رقيقه في حق نفسه، وفي حق الله تعالى، وفي تأديبه.
الثالث الزوج: فلقد أجاز الشرع له تزير زوجته في أمر النشوز، والخروج عن أمره، وفي عدم طاعته، كما صرح به القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن، واهجروهنстр. 2171
وأجاز بعض الحنفية التعزير بالمال، على أنه إذا تاب يرد له، فإذا استثنينا من العقوبات حد السرقة، وحد القذف، واستثنينا القصاص، وبعض الأشياء التي جعل الشارع لها كفارة كالحلف بأقسامه، واتيان الزوجة وهي حائض فإن عقوبات الجرائم الخلقية، والمالية، وسائر المعاصي منوط بتقدير الحاكم، واجتهاده، فعليه أن يضع جميع العقوبات التي تقضي على الرذائل، وتزجر المجرمين.
مبحث دقة التشريع الإسلامي .
-وفي هذا من دقة التشريع الإسلامي وجماله، ما يدل على أنه من لدن عليم خبير، فإن مما لا ريب فيه أن أحوال الناس تختلف باختلاف الأزمنة، والأمكنة، فالعقوبة التي تناسب جماعة لهم حالة خاصة، لا تناسب جماعة أخرى تخالفها في عاداتها وأطوارها، فلا يمكن
الحواشي
(١) في المضاجع، واضربوهن﴾ آية ٣٤ من النساء وهل له ضربها على ترك الصلاة وعمل الصالحات الظاهر أن له ذلك إن لم يكف الزجر والتأنيب، لأنه من باب إنكار المنكر، والزوج من جملة من يكلف بنهي زوجته عن فعل القبيح، وقد ينتفي التعزير مع انتفاء الحدود والكفارة كما في قطع شخص أطراف نفسه، وقد يجتمع التعزير مع الحد، كما في تكرر الردة، وقد يجتمع مع الكفارة كما في قطع شخص أطراف نفسه، وقد يجتمع العزير مع الحد، كما في تكرر الردة، وقد يجتمع مع الكفارة كما في الظهار، واليمين الغموس، وإفساد الصائم يوماً من رمضان بجماع حليلته، وغير ذلك.
واتفق الأئمة على حد الزنا، والسرق' وشرب المسكر، والحرابة، والقذف بالزنا والقتل، والقصاص في النفس والأطراف، والقتل في الارتداد، واختلف في تسمية الخيرين حداً. واختلف في أشياء كثيرة، يستحق مرتكبها العقوبة، هل تسمى عقوبته حداً أم لا؟ ومنها جحد العارية، واللواط، وإتيان البهيمة، وتحميل المرأة الفحل من البهائم عليها، والسحاق، وأكل الدم، وأكل الميتة في حال الاختيار، وأكل لحم الخنزير، والاشتغال بالسحر، والقذف بشرب الخمر، وترك الصلاة كسلاً، والفطر متعمداً في شهر رمضان، والتعريض بالزنا، ومنع الزكاة، والخلوة بالمرأة الأجنبية، والاستمتاع بها من غير زنا، والاستمتاع بالأمرد من غير لواط به، ونحو ذلك اهـ.
كيفية إقامة الحد
الحنفية، والشافعية قالوا: إنه يضرب في حد التعزير قائماً، لأنه أبلغ في الزجر، وآلم للجاني.
الحنفية، والشافعية قالوا: إنه لا يجر من ثيابه في حد القذف خاصة، ويجرد فيما عداه.стр. 2172
وضع عقوبة منضبطة يمكن تطبيقها على سائر الناس، فالله العليم بأحوال عباده، الخبير بما تقبضيه طبائعهم ناط أم تقدير العقوبات بأولي الأمر، ثم كلفهم السهر على مصالح رعاياهم، والاستمساك بكل الوسائل المفضية إلى تربيتهم تربية صالحة، والقيام بتأديب المجرمين، بالعقوبات المناسبة، كي يعيش الناس في أمن، ودعة، وراحة، واطمئنان.
سؤال وجوابه .
-وها هنا سؤال ظاهر - وهو أن عقوبة التعزير لم ينص عليها في الشريعة الإسلامية، بخصوصها، فهل عمل الحاكم في هذا الباب يقال له: حكم شرعي، أو وضعي؟
وهذا هو السؤال الأخير، فإليك الجواب.
والجواب: أنه لا يخرج حكم من الأحكام عن نصوص الشريعة الإسلامية. ما دامت السموات والأرض، وليس معنى هذا أن كل حادثة منصوص عليها بخصوصها، فإن هذا مما لا معنى له، لأن الحوادث تتجدد بتجدد الزمان والمكان، ولكن الغرض أن كل حادثة من الحوادث المتجددة لا بد أن تدخل تحت قاعدة كلية من قواعد الشريعة الإسلامية (١) . الحواشي
(١) (فما من حادثة تحدث في المجتمع إلا ويجد الحاكم لها حكماً في الشرع تحت قادعة من قواعد الشريعة الإسلامية، خصوصاً حد التعزير الذي أعطى للحاكم سلطة سن العقاب الزاجر الذي يراه مناسباً للمجرم المنحرف. فقد روي أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رأى في طرقات المجينة رجلاً يتبختر في مشيته ولمه فيه مظاهر العبث والاستهتار التي لا تليق بالرجال الكمل فزجره وأمره بترك مسلكه هذا، فتعلل بالرجل بأن هذا في طبيعته ولا يطيق تركه، فأمر سيدنا عمرстр. 2173
مبحث دليل ثبوته .
-فالتعزير قد ثبت عن رسول الله ﷺ ، ويكفي في ذلك الحديث الذي ذكرناه آنفاً، وهو: "لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله" متفق عليه فإنه نص على أن للحاكم إن يعزر بالضرب في الأمور التأديبية، وفي الأمور الجنائية حسبما يراه زاجراً، إلا أنه لا يزيد في غير الجنايات على عشرة أسواطا، كما بينا، وقد عزر كبار الصاحبة ﷺ من بعده بالضرب والسجن، والقتل، فقد ثبت أن عمر ﵁ جمع كبار علماء الصحابة رضوان الله عليهم واستشارهم في عقوبة اللائط، فأفتوا بإعامه حرقاً، وهذا من أشد ما يتصور في باب التعزير، وثبت أن عليا وجد رجلاً مع امرأة يستمتع بها بغير جماع، فجلده مائة سوط (١) الحواشي
(١) (وكذلك في حالة نشوز المرأة، وفي حالة منع الزوج من حقه مع القدرة لقوله تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن، واهجروهن في المضاجع، واضربوهن﴾ الآية ٣٤ من سورة النساء.
فقد أباح الشارع الضرب عند المخالفة، فكان فيه تنبيه من الشارع الحكيم إلى التعزير، وكذلك قول الرسول صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الشريف في سرقة التمر: (إذا كان دون نصاب غرم مثله، وجلدات نكال) رواه أو داود واللفظ له ورواه النسائي.
وروى الإمام البيهقي رحمه الله تعالى فيه صحيحه (أن الإمام علياً كرم الله وجهه، ورضي الله عنه سئل عمن قال لرجل: يا فاسق، يا خبيث، فقال: يعزر)
وما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يجلد فوق عشرة اسواط إلا في حد من حدود الله تعالى) .стр. 2174
ولا خلاف أن للإمام أن يسجن الجاني بما يراه زاجراً له، ولا معنى لهذا كله إلا أن لإمام المسلمين، أو من ينوب عنه، الحق في التعزير بحسب ما يراه زاجراً للمجرمين، بل يجب عليه أن ييضع العقوبات المناسبة التي يترتب عليها تاديب رعيته، وإصلاح حالهم، لأن كل راع مسؤول عن رعيته، بنص حديث رسول الله ﷺ ، فكل عقوبة من العقوبات التي يراها الحاكم زاجرة توصف بما توصف به الأحكام الشرعية بلا نزاع.
وبعد فإن الذي يطلغ على الشريعة الإسلامية، ويمعن النظر فيها، ويقف على حكمها وأسرارها، ويتأمل في نظمها وقواعدها، لا يسعه إلا أن ينحني أمام عظمتها، ويجزم بأنها من لدن حكيم، عليم، فلقد جاءت بكل قانون فيه مصلحة الجميع وسعادتهم، وبنت كل أحكامها بما فيه مصلحة النوع الإنسانين وذفع المفاسد عنهم في كل شأن من شؤونهم فلم تترك مصلحة حقيقة من مصالح الأمم والشعوب إلا إذا حثت عليها وأمرت بها، ولم تترك مفسدة من المفاسد الخلقية، أو المادية إلا نهت عنها، وحذرت الناس من شرها.
نظام الأسرة في الإسلام .
-لقد وضعت الشربعة نظام الأسرة التي هي أساس بناء العمران على قواعد ثابتة، لا يعتريها وهن مدى الدهور والأعوام، فقد جعلت لكل فرد من أفراجها حقاً يناسبه ويليق به: من تعظيم، ونفقة، وميراث، ووصية، وغير ذلك.
الحواشي
(١) متفق عليه، كما روي عن بريدة النصار رضي الله تعالى عنه، وقد فعله النبي ﷺ ، وفعله الصحابة رضوان الله عليهم من بعده من غير نكير منهم، وأجمعت عليه المة، وروي إن الإمام علي كرم الله وجهه، جلد من وجده مع إمراة يتمتع بها بغير زنى (مائة سوط إلا سوطين) وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أنه ضرب من نقش على خاتمع مائة سوط، وكذلك روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، فهو ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
الحنفية قالوا: إن ضرب التعزير يكون أشد من ضرب حد الزنا، وضرب حد الزنا، يكون أشد من ضرب حد شارب الخمر، وضرب شارب الخمر يكون اشد من حد القذف، وحد القذف أخف من جميع الحدود، لأن جريمة حد القذف غير متيقن بها، لأن القذف خبر يحتمل الصدق والكذب، وقد يعجز عن إقامة أربعة من الشهداء مع صدقة في قوله، وإنما كان ضرب التعزير أشد من جميع الحدود، لأن المقصود به الزجر، وقد دخله التخفيف، من حيث نقصان العدد، فلو قلنا: يخفف الضرب أيضاً لفات ما هو المقصود من إقامة الحد لأن الألم يخلص إليه لا ينزجر، ولهذا قالوا: يجرد في التعزير عن ثيابه إلا ما يستر عورته، مثل الإزار الواحد.стр. 2175
فأمر الأبناء أن يطيعوا آباءهم في غير معصية أو إثم، وامرت الآباء أن يربوا أبناءهم تربية حسنة، كما قال رسول الله ﷺ : "الزموا أبناءكم وعلموهم الأدب".
ثم جعلت لكل من الآباء والأبناء حقوقاً في الميراث، تناسب حالهم، وكذلك جعلت للأزواج حقوقاً تناسب كل واحد من الزوجين بحسب العرف والعادة. قال تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ آية [٢٢٨ من سورة البقرة] .
وجعلت للإخوة والأخوات حقوقاً على بعضهم بعضاً، وحثت بعد ذلك على صلة الأرحام وبرهم. وجعلت لهم حقوقاً تليق بهم، ثم من بعدهم الجيران، ثم أهل البلدة، ثم بينت حقوق الحاكم والمحكوم خير بيان.
وقد ذكرنا سابقاً، أنها قضت الوطر، من قوانين المعاملات، والأخلاق.
مبحث أساس القوانين الشرعية .
-وبالجملة، فالشريعة الإسلامية لم تترك شيئاً إلا وضعت له قانوناً أساسه المصلحة، المادية والأدبية، وقوامها الفضائل الإنسانية، حتى العادات فقد علمت الناس كيف يأكلون، ويشربون، وكيف يعامل بعضهم بعضاً في الحديث والمجلس والزيارة والصحبة. وكل ما يتعلق
الحواشي
(١) المالكية قالوا: إن الضرب لا يتفاوت في الحدود بل كلها سواء.
الشافعية - قالوا: إن حد الزنا الزنا أشد من حد القذف، والقذف اشد من الخمر، لأن الزنا ثبت بدليل مقطوع به اهـ.
فائدة
ذكر العلماء، أنه يستثنى من إقامة التعزير مسائل (اولاً) يترك التعزير إذا صدر الفعل من رجل صالح فإنه يعفو عنه. لقوله ﷺ : (أقيلوا من ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود) رواه أو داود.
الشافعية - قالوا: المراد بذوي الهيئات الذين لا يعرفون بالشر، فيقع أحدهم في زلة ثم يتوب منها ويندم عليها، أما إذا تكرر منه فإنه يعزر.
ثانياً: إذا قطع شخص أطراف نفسه، أو شوه جسده، أو أحرقه بالنار فلا يعزر، لأنه عذب نفسه.
ثالثاً: إذا وطئ الرجل زوجته أو أمته في دبرها فلا يعزر بأول مرة، بل ينهى عن العودة، فإن عاد عزر، والأصل لا يعزر لحق الفروع كالأب، والجد مع الأبناء.следующие страницы →