Полный текст (2 230 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) والعثور، فيأخذ بقدر ما عمل، و"الرقاب": هم الأرقاء المكاتبون، و"الغارم": هو الذي عليه دين ولا يملك نصاباً كاملاً بعد دينه، والدفع إليه لسداد دينه أفضل من الدفع للفقير، "وفي سبيل الله" هم الفقراء المنقطعون للغزو في سبيل الله على الأصح، "وابن السبيل" هو الغريب المنقطع عن ماله، فيجوز صرف الزكاة له بقدر الزكاة لقدر الحاجة فقط؛ والأفضل له أن يستدين، وأما المؤلفة قلوبهم، فإنهم منعوا من الزكاة في خلافة الصديق، ويشترط لصحة أداء الزكاة النية المقارنة لإخراجها، أو لعزل ما وجب إخراجه.
هذا، وللمالك أن يصرف الزكاة لجميع الأصناف المذكورة في الآية الكريمة، أو لبغضهم، ولو واحداً من أي صنف كان، والأفضل أن يقتصر على واحد إذا كان المدفوع أقل من نصاب، فإن دفع لواحد نصاباً كاملاً فأكثر، أجزأه مع الكراهة. إلا إذا كان مستحق الزكاة مديناً، فإنه يجوز للممالك أن يسدد له دينه بالزكاة، ولو كانت أكثر من نصاب؛ وكذا لو كان ذا عيال. فإنه يجوز أن يصرف له من الزكاة أكثر من نصاب، ولكن بحيث لو زرع على عياله يصيب كل واحد منهم أقل من نصاب، ويشترط في سداد الدين بالزكاة أن يأمره مستحقها بذلك، فلو سدد المالك دين من يستحق الزكاة بدون أمره لم يجزئه الزكاة، وسقط الدين، ولا يجوز للممالك أن يصرف الزكاة لأصله: كأبيه وجده، وإن علا، ولا لفرعه كابنه وابن ابنه وإن سفل. وكذا لا يجوز له أن يصرفها لزوجته، ولو كانت مبانة في العدة، كما لا يجوز لها أن تصرفها لزوجها عند أبي حنيفة. أما باقي الأقارب، فإن صرف الزكاة لهم أفضل، والأفضل أن يكون على هذا الترتيب، الإخوة، والأخوات، ثم أولادهم، ثم الأخوال، والخالات، ثم أولادهم، ثم باقي ذوي الأرحام، ويجوز أن يصرف الزكاة لمن تجب عليه نفقته من الأقارب، بشرط أن لا يحبسها من النفقة، ولا يجوز أن يصرف الزكاة في بناء مسجد، أو مدرسة، أو في حج، أو جهاد، أو في إصلاح طرق، أو سقاية، أو قنطرة، أو نحو ذلك من تكفين ميت، وكل ما ليس فيه تمليك لمستحق الزكاة، وقد تقدم أن التمليك ركن للزكاة. ويجوز صرف الزكاة لمن يملك أقل من النصاب، وإن كان صحيحاً ذا كسب.
أما من يملك نصاباً من أي مال كان، فاضلاً عن حاجته الأصلية، وهي مسنكة، وأثاثه، وثيابه، وخادمه، ومركبه وسلاحه، فلا يجوز صرف الزكاة له، ويجوز دفع الزكاة إلى ولد الغني الفقيرة، والى الأب المعسر، وإن كان ابنه موسراً، ويكره نقل الزكاة من بلد إلى بلد، إلا أن ينقلها إلى قرابته، أو إلى قوم هم أحوج إليها من أهل بلده، ولو نقل إلى غيرهم أجزأه مع الكراهة، وإنما يكره النقل إذا أخرجها في حينها، أما إذا عجلها قبل حينها، فلا بأس بالنقل. والمعتبر في الزكاة مكان المال حتى لو كان المالك في بلد وماله في بلد أخرى تفرق الزكاة في مكان المال. وإذا نوى الزكاة بما يعطيه لصبيان أقاربه أو لمن يأتيه ببشارة ونحوها أجزأه. وكذا ما يدفعه للفقراء من الرجال والنساء في المواسم والأعياد. ويجوز التصدق على الذمي بغير مال الزكاة ولا تحل لبني هاشم بخلاف صدقات التطوع والوقف.стр. 562
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) المالكية قالوا: "الفقير" هو من يملك من المال أقل من كفاية العام. فيعطي منها. ولو ملك نصاباً وتجب عليه زكاة هذا النصاب. وليس من الفقير من وجبت عليه نفقته على غيره متى كان ذلك الغير غنياً قادراً على دفع النفقة. فلا يجوز أن يعطي الزكاة لوالده الفقير ولو لم ينفق عليه بالفعل، لأنه قادر على أخذ نفقته منه برفع الأمر للحاكم. وأما إذا كان شخص ينفق على فقير تطوعاً بدون أن تجب عليه نفقته فإنه يجوز له أن يصرف الزكاة له. ومتى كانت له حرفة يتحصل منها على ما يكفيه، أو له مرتب كذلك، فلا يجوز إعطاؤه من الزكاة فإن كان المرتب لا يكفيه أعطي من الزكاة بقدر كفايته؛ و"المسكين" من لا يملك شيئاً أصلاً، فهو أحوج من الفقير؛ ويشترط في الفقير والمسكين ثلاثة شروط: الحرية؛ والإسلام؛ وأن لا يكون كل منهما من نسل هاشم بن عبد مناف، إذا أعطوا ما يكفيهم من بيت المال، وإلا صح إعطاؤهم، حتى لا يضر بهم الفقر، وأما بنو المطلب أخي هاشم فليسوا من آل النبي ﷺ ، فتحل لهم الزكاة؛ وأما صدقى التطوع، فتحل لبني هاشم، وغيرهم، "والمؤلفة قلوبهم" هم كفار، يعطون منها ليتمكن الإيمان في قلوبهم، وعلى القول الثاني، فحكمهم باق لم ينسخ، فيعطون من الزكاة الآن.
وأما على التفسير الأول ففي بقاء حكمهم وعدمه خلاف، والتحقيق أنه إذا دعت حاجة الإسلام إلى استئلاف الكفار أعطوا من الزكاة وإلا فلا، و"العامل على الزكاة": كالساعي، والكاتب، والمفرق والذي يجمع أرباب المواشي لتحصيل الزكاة منهم، ويعطي العامل منها ولو غنياً، لأنه يستحقها بوصف العمل، لا الفقر، فإن كان فقيراً استحق بالوصفين، ويشترط في أخذه منها أن يكون حراً مسلماً غير هاشمي، ويشترط في صحة توليته عليها أن يكون عدلاً عارفاً بأحكامها، فلا يولى كافر، ولا فاسق، ولا جاهل بأحكامها، وإذا ولى السلطان عاملاً عبداً، أو هاشمياً، نفذت توليته، ويعطى الأجرة من بيت المال لا من الزكاة، و"في الرقاب" الرقبة رقيق مسلم يشتري من الزكاة ويعتق، ويكون ولاؤه للمسلمين، فإذا مات ولا وارث له، وله مال فهو في بيت مال المسلمين، و"الغارم" هو المدين الذي لا يملك ما يوفي به دينه، فيوفى دينه من الزكاة، ولو بعد موته وشرطه الحرية، والإسلام، وكونه غير هاشمي، وأن يكون تداينه لغير فساد: كشرب خمر، وإلا فلا يعطى منها إلا أن يتوب، والمجاهد يعطى من الزكاة إن كان حراً مسلماً غير هاشمي، ولو غنياً، ويلحق به الجاسوس، ولو كافراً، فإن كان مسلماً، فشرطه أنه يكون حراً غير هاشمي، ولو غنياً، ويلحق به الجاسوس، ولو كافراً، فإن كان مسلماً، فشرطه أنه يكون حراً غير هاشمي، وإن كان كافراً، فشرطه الحرية فقط، ويصح أن يشتري من الزكاة سلاح، وخيل للجهاد، ولتكن نفقة الخيل من بيت المال، وابن السبيل هو الغريب المحتاج لمن يوصله لوطنه فيعطي من الزكاة إن كان حراً مسلماً غير هاشمي، ولا عاصياً بسفره: كقاطع الطريق، ومتى استوفى الشروط أخذ، ولو غنياً ببلده، إن لم يجد من يسلفه ما يوصله إليها، وإلا فلا يعطى، كمن فقد أحد الشروط، ويجب في الزكاة أن ينوي مخرجها أن
هذا القدر المعطى زكاة، وتكون النية عند تفريقها إن لم ينو عند العزل، فإن نوى عند عزل مقدار الزكاة أنه زكاة،стр. 563
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) كفاه ذلك، فإن تركت النية أصلاً، فلا يعتد بما أخرجه من الزكاة، ولا يلزم إعلان الأخذ بأن ما أخذه هو من الزكاة، بل يكره، لما فيه من كسر قلب الفقير، ويتعين تفرقة الزكاة بموضع الوجوب أو قربه، ولا يجوز نقله إلى مسافة قصر فأكثر، إلا أن يكون أهل ذلك الموضع أشد حاجة من أهل محل الوجوب، فيجب نقل الأكثر لهم؛ وتفرقة الأقل على أهله وأجرة نقلها من بيت مال المسلمين، فإن لم يوجد بيت مال بيعت واشتري مثلها بالمحل الذي يراد النقل إليه، أو فرق ثمنها بذلك المحل على حسب المصلحة، وموضع الوجوب هو مكان الزروع والثمار، ولو لم تكن في بلد المالك، ومحل المالك.
هذا في العين، وأما الماشية فموضع وجوبها محل وجودها إن كان هناك ساع، وإلا فمحل المالك، ولا يجب تعميم الأصناف الثمانية في الإعطاء، بل يجوز دفعها، ولو لواحد من صنف واحد، وإلا العامل، فلا يجوز دفعها كلها إليه إذا كانت زائدة على أجرة عمله.
الحنابلة قالوا: الفقير هو من لم يجد شيئاً، أو لم يجد نصف كفايته: و"المسكين" هو من يجد نصفها أو أكثر، فيعطي كل واحد منهما من الزكاة تمام كفايته مع عائلته سنة، و"العامل عليها" هو كل ما يحتاج إليه في تحصيل الزكاة، فيعطى منها بقدر أجرته. ولو غنياً و"المؤلف" هو السيد المطاع في عشيرته ممن يرجى إسلامه أو يخشى شره، أو يرجى قوة إيمانه أو إسلام نظيره من الكفار أو يحتاج إليه في جبايتها ممن لا يعطيها، فيعطى منها ما يحصل التأليف، و"الرقاب" هو المكاتب ولو قبل حلول شيء من دين الكتابة، ويعطى ما يقضي به دين الكتابة، و"الغارم" قسمان: أحدهما: من استدان للإصلاح بين الناس.
ثانيهما: من استدان لإصلاح نفسه في أمر مباح أو محرم وتاب، ويعطى ما يفي به دينه، ﴿وفي سبيل الله﴾ هو الغازي إن لم يكن هناك ديوان يتفق منه عليه، ويعطى ما يحتاج إليه من سلاح، أو فرس، أو طعام، أو شراب، وما يفي بعودته، ﴿وابن السبيل﴾ وهو الغريب الذي فرغت منه النفقة في غير بلده في سفر مباح، أو محرم، وتاب، ويعطى ما يبلغه لبلده ولو وجد مقرضاً، سواء كان غنياً أو فقيراً، ويكفي الدفع لواحد من هذه الأصناف الثمانية، ويجوز أن يدفع الجماعة زكاتهم لواحد كما يجوز للواحد أن يدفع زكاته لجماعة، ولا يجوز إخراج الزكاة بقيمة الواجب، وإنما الواجب إخراج عين ما وجب، ولا يجوز دفع الزكاة للكافر، ولا لرقيق، ولا لغني بمال أو كسب، ولا لمن تلزمه نفقته ما لم يكن عاملاً، أو غازياً، أو مؤلفاً، أو مكاتباً، أو ابن سبيل، أو غارماً لإصلاح ذات بين، ولا يجوز أيضاً أن تدفع الزوجة زكاتها لزوجها، وكذا العكس، ولا يجوز دفعها لهاشمي، فإن دفعها لغير مستحقها جهلاً، ثم علم عدم استحقاقه لم تجزئه، ويستردها ممن أخذها، وإن دفعها لغير مستحقها جهلاً، ثم علم عدم استحقاقه لم تجزئه، ويستردها ممن أخذها، وإن دفعها لمن يظنه فقيراً أجزأه كما يجزئه تفرقتها للأقارب إن لم تلزمه نفقتهم، والأفضل تفرقتها جميعاً لفقراء بلده؛ ويجوز نقلها لأقل من مسافة القصر من البلد الذي فيه المال والأفضل تفرقتها جميعاً لفقراء بلده؛ ويجوز نقلها لأقل من مسافة القصر من البلد الذي فيه المال ويحرم نقلها إلى مسافة القصر، وتجزئه.
الشافعية قالوا: "الفقير" هو من لا مال له أصلاً، ولا كسب من حلال، أو له مال، أو كسب من حلال لا يكفيه، بأن كان أقل من نصف الكفاية، ولم يكن له منفق يعطيه ما يكفيه: كالزوج بالنسبةстр. 564
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) للزوجة؛ والكفاية تعتبر بالنسبة لعمره الغالب، وهو اثنان وستون سنة. إلا إذا كان له مال يتجر فيه، فيعتبر ربحه في كل يوم على حدة، فإن كان ربحه في كل يوم أقل من نصف الكفاية في ذلك اليوم، فهو فقير، وكذا إذا جاوز العمر الغالب، فالعبرة بكل يوم على حدة، فإن كان عنده من المال أو الكسب ما لا يكفيه في نصف اليوم، فهو فقير؛ و"المسكين" من قدر على مال، أو كسب حلال، يساوي نصف ما يكفيه في العمر الغالب المتقدم، أو أكثر من النصف، فلا يمنع من الفقر والمسكنة وجود مسكن لائق به، أو وجود ثياب كذلك، ولو كانت للتجمل، وكذا لا يمنع من وصف المرأة بالفقر والمسكنة وجود حلي لها تحتاج للتزين به عادة. وكذا وجود كتب العلم التي يحتاج لها للمذاكرة، أو المراجعة، كما أنه إذا كان له كسب من حرام، أو مال غائب عنه بمرحلتين، أو أكثر، أو دين له مؤجل.
فإن ذلك كله لا يمنعه من الأخذ من الزكاة بوصف الفقر أو المسكنة؛ و"العامل على الزكاة" هو من له دخل في جميع الزكاة: كالساعي، والحافظ، والكاتب، وإنما يأخذ العامل منها إذا فرقها الإمام، ولم يكن له أجرة مقدرة من قبله، فيعطى بقدر أجر مثله و"المؤلفة قلوبهم" هم أربعة أنواع: الأول: ضعيف الإيمان الذي أسلم حديثاً؛ فيعطي منها ليقوى إسلامه؛ الثاني: من أسلم، وله شرف في قومه، ويتوقع بإعطائه من الزكاة إسلام غيره من الكفار؛ الثالث: مسلم قوي الإيمان: يتوقع بإعطائه أن يكفينا شر من وراءه من الكفار، الرابع؛ من يكفينا شر مانع الزكاة؛ و"الرقاب" هو المكاتب، يعطى من الزكاة ما يتسعين به على أداء نجوم الكتابة، ليخلص من الرق، وإنما يعطى بشروط: أن تكون كتابته صحيحة؛ وأن يكون مسلماً؛ وأن لا يكون عنده وفاء بما عليه من دين الكتابة؛ وأن لا يكون مكاتباً لنفس المزكي؛ و"الغارم" هو المدين، وأقسامه ثلاثة: الأول: مدين للإصلاح بين المتخاصمين، فيعطى منها، ولو غنياً؛ الثاني: من استدان في مصلحة نفسه ليصرف في مباح؛ أو غير مباح، بشرط أن يتوب، الثالث: من عليه دين بسبب ضمان لغيره؛ وكان معسراً هو المضمون إذا كان الضمان بإذنه، فإن تبرع هو بالضمان بدون إذن المضمون يعطى متى أعسر هو، ولو أيسر المضمون؛ ويعطى الغارم في القسمين الأخيرين ما عجز عنه من الدين، بخلاف القسم الأول، فيعطى منها، ولو غنياً، و"في سبيل الله" هو المجاهد المتطوع للغزو، وليس له نصيب من المخصصات للغزاة في الديوان، ويعطى منها ما يحتاج إليه ذهاباً وإياباً وإقامة، ولو غنياً، كما تعطى له نفقة من يمونه وكسوته، وقيمة سلاح وفرص، ويهيأ له ما يحمل متاعه وزاده إن لم يعتد حملها و"ابن السبيل" هو المسافر من بلدة الزكاة، أو المار بها فيعطى منها ما يوصله لمقصده، أو لماله إن
كان له مال، بشرط أن يكون محتاجاً حين السفر، أو المرور، وأن لا يكون عاصياً بسفره، وأن يكون سفره لغرض صحيح شرعاً؛ ويشترط في أخذ الزكاة من هذه الأصناف الثمانية زيادة على الشروط الخاصة لكل صنف شروط خمسة: الأول: الإسلام؛ الثاني كمال الحرية، إلا إذا كان مكاتباً؛ الثالث: أن لا يكون من بني هاسم، ولا بني المطلب، ولا عتيقاً لواحد منهم، ولو منع حقه من بيت المال، ويستثنى من ذلك الحمال والكيال، والحافظ للزكاة، فيأخذون منها ولو كفاراً أو عبيداً، أو من آل البيت، لأن ذلك أجرة على العمل؛ الرابع؛ أن لا تكون نفقته واجبة على المزكي، الخامس:стр. 565
صدقة الفطر
صدقة الفطر واجبة على كل حر مسلم قادر، أمرنا بها النبي ﷺ في السنة التي فرض فيها رمضان قبل الزكاة، وقد كان ﷺ يخطب قبل يوم الفطر، ويأمر بإخراجها، فقد أخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن عبد بن ثعلبة، قال: خطب رسول الله ﷺ قبل يوم الفطر بيوم أو يومين، فقال: "أدّوا صاعاً من بر أو قمح؛ أو صاعاً من تمر أو شعير عن كل حر أو عبد، صغير أو كبير" وفي بيان حكمها ومقاديرها تفصيل المذاهب، فانظره تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: حكم صدقة الفطر الوجوب بالشرائط الآتية، فليست فرضاً، ويشترط لوجوبها أمور ثلاثة: الإسلام، والحرية، وملك النصاب الفاضل عن حاجته الأصلية، ولا يشترط نماء النصاب ولا بقاؤه، فلو ملك نصاباً بعد وجوبها، ثم هلك قبل أدائها لا تسقط عنه بخلاف الزكاة، فإنه يشترط فيها ذلك، كما تقدم، وكذا لا يشترط فيها العقل، ولا البلوغ، فتجب في مال الصبي والمجنون، حتى إذا لم يخرجها وليهما كان آثماً، ويجب عليهما دفعها للفقراء بعد البلوغ والإفاقة ووقت وجوبها من طلوع فجر عيد الفطر، ويصح أداؤها مقدماً ومؤخراً، لأن وقت أدائها العمر فلو أخرجها في أي وقت شاء كان مؤدياً لا قاضيا، كما في سائر الواجبات الموسعة، إلا أنها تستحب قبل الخروج إلى المصلى، لقوله ﷺ : "أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم"؛ ويجب أن يخرجها عن نفسه، وولده الصغير الفقير، وخادمه، وولده الكبير إذا كان مجنوناً؛ أما إذا كان عاقلاً، فلا يجب على أبيه، وإن كان الولد فقيراً، إلا أن يتبرع، ولا يجب على الرجل أن يخرج زكاة زوجته، فإن تبرع بها أجزأت، ولو بغير إذنها، وتخرج من أربعة أشياء: الحنطة، والشعير، والتمر والزبيب، فيجب من الحنطة نصف صاع عن الفرد الواحد، والصاع أربعة أمداد. والمدر رطلان، والرطل مائة وثلاثون درهماً، ويقدّر الصاع بالكيل المصري بقدحين وثلث.
فالواجب من القمح وسدس مصري عن كل فرد، والكيلة المصرية تكفي سبعة أفراد إذا زيد عليها سدس قدح، ويجب من التمر والشعير والزبيب صاع كامل، فالكيلةстр. 566
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) المصرية منها تجزئ عن ثلاثة، ويبقى منها قدح مصري، ويجوز له أن يخرج قيمة الزكاة الواجبة من النقود، بل هذا أفضل؛ لأنه أكثر نفعاً للفقراء، ويجوز دفع زكاة جماعة إلى مسكين واحد، كما يجوز دفع زكاة الفرد إلى مساكين، ومصرف زكاة الفطر هو مصرف الزكاة العامة الذي ورد في آية: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ الآية.
الحنابلة قالوا: زكاة الفطر واجبة بغروب شمس ليلة عيد الفطر على كل مسلم يجد ما يفضل عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته، بعد ما يحتاجه من مسكن وخادم ودابة وثياب بذلته وكتب علم، وتلزمه عن نفسه وعمن تلزمه مؤنته من المسلمين، فإن لم يجد ما يخرجه لجميعهم بدأ بنفسه، فزوجته، فرفيقه، فأمه؛ فأبيه، فولده، فالأقرب، فالأقرب، باعتبار ترتيب الميراث، وسن إخراجها عن الجنين، والأفضل إخراجها في يوم العيد قبل الصلاة، ويكره إخراجها بعدها، ويحرم تأخيرها عن يوم العيد إذا كان قادراً على الإخراج فيه، ويجب قضاؤها، وتجزئ قبل العيد بيومين؛ ولا تجزئ قبلهما، ومن وجب عليه زكاة فطره أخرجها في المكان الذي أفطر فيه آخر يوم من رمضان، وكذا يخرج من وجب عليه زكاة فطره أخرجها في المكان الذي أفطر فيه آخر يوم من رمضان، وكذا يخرج من وجبت عليه فطرته في هذا المكان، والذي يجب على كل شخص: صاع من بر أو شعير، أو تمر، أو زبيب، أو أقط، وهو طعام يعمل من اللبن المخيض ويجزئ الدقيق إن كان يساوي الحب في الوزن، فإن لم يوجد أحد هذه الأشياء أخرج ما يقوم مقامه من كل ما يصلح قوتاً من ذرة، أو أرز، أو عدس، أو نح ذلك؛ ويجوز أن يعطي الجماعة فطرتهم لواحد، كما لا يجوز للشخص شراء زكاته، ولو من غير من أخذها منه، ومصرفها مصرف الزكاة المفروضة.
الشافعية قالوا: زكاة الفطر واجبة على كل حر مسلم ويجب على الكافر إخراج زكاة خادمه وقريبه المسلمين إذا كان قادراً على قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته بعدما يحتاج إليه من كل ما جرت به العادة، من حو سمك وغيره، من الطعام الذي يصنع للعيد. ومن الثياب اللائقة به وبمن يمونه. ومن مسكن وخادم يحتاج إليهما يليقان به، ومن آنية وكتب يحتاجهما ولو تعددت من نوع واحد؛ ومن دابة أو غيرها مما يحتاجه لركوبه وركوب من يمونه مما يليق بهما، وتجب ولو كان المزكي مديناً، ويجب أن يخرجها عنه وعمن تلزمه نفقته وقت وجوبها، وهم أربعة أصناف: الأول: الزوجة غير الناشز ولو موسرة أو مطلقة رجعياً أو بائناً حاملاً إذا لم تكن لها نفقة مقدرة وإلا فلا تجب. ومثل المرأة العبد والخادم. الثاني: أصله وإن علا. الثالث: فرعه وإن سفل: ذكراً أو أنثى صغيراً أو كبيراً، والأصل والفرع لا تجب الزكاة عنهما إلا إذا كانوا فقراء أو مساكين ولو بسبب الاشتغال بطلب العلم.
ويشترط في الفرع الكبير الذي لم يكن مشتغلاً بطلب العلم أن يكون غير قادر على الكسب، الرابع: المملوك وإن كان آبقاً أو مأسوراً، ووقت وجوبها آخر جزء من رمضان، وأول جزء من شوال، ويسن إخراجها أول يوم من أيام عيد الفطر بعد صلاة الفجر، وقيل صلاة العيد، ويكره إخراجها بعد صلاة العيد إلى الغروب إلا لعذر، كانتظار فقير قريب، ونحوه، ويحرم إخراجها بعد غروب اليوم الأول إلا لعذر،стр. 567
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) كغياب المستحقين لها وليس من العذر في هذه الحالة انتظار نحو قريب، ويجوز إخراجهما من أول شهر رمضان في أول يوم شاء، ويجب إخراجها في البلد التي غربت عليه فيها شمس آخر أيام رمضان ما لم يكن قد أخرجها في رمضان قبل ذلك في بلده، والقدر الواجب عن كل فرد صاع، - وهو قد حان بالكيل المصري - من غالب قوت المخرج عنه، وأفضل الأقوات: البر، فالسلت - الشعير النبوي -، فالذرة، فالأرز فالحمص، فالعدس، فالفول، فالتمر، فالزبيب، فالأقط، فاللبن، فالجبن، ويجزئ الأعلى من هذه الأقوات، وإن لم يكن غالباً عن الأدنى، وإن كان هو الغالب بدون عكس، ولا يجزئ نصف من هذا ونصف من ذاك، وإن كان غالب القوت مخلوطاً، ولا تجزئ القيمة، ومن لزمه زكاة جماعة، ولم يجد ما يفي بها بدأ بنفسه فزوجته، فخادمها، فولده الصغير، فأبيه، فأمه، فابنه الكبير فرفيقه، فإن استوى جماعة في درجة واحدة، كالأولاد الصغار اختار منهم من شاء، وزكى عنه.
المالكية قالوا: زكاة الفطر واجبة على كل حر مسلم قادر عليها في وقت وجوبها، سواء كانت موجودة عنده، أو يمكنه اقتراضها، فالقادر على التسلف يعد قادراً إذا كان يرجو الوفاء، ويشترط أن تكون زائدة عن قوته وقوت جميع من تلزمه نفقته في يوم العيد، فإذا احتاج إليها في النفقة فلا تجب عليه، ويجب أن يخرجها الشخص عن نفسه وعن كل من تلزمه نفقته من الأقارب، وهم الوالدان الفقيران. والأولاد الذكور الذين لا مال لهم إلى أن يبلغوا قادرين على الكسب، والإناث الفقراء أيضاً إلى أن يدخل الزوج بهن أو يدعى للدخول، بشرط أن يكن مطيقات للوطء، والمماليك ذكوراً وإناثاً والزوجة والزوجات. وإن كن ذات مال. وكذا زوجة والده الفقير؛ وقدرها صاع عن كل شخص. وهو قدح وثلث بالكيل المصري فتجزئ الكيلة عن ستة أشخاص، ويجب إخراج الصاع للقادر عليه، فإن قدر على بعضه أخرجه فقط، ويجب إخراجها من غالب قوت البلد من الأصناف التسعة الآتية وهي: القمح، والشعير، والسلت والذرة، والدخن والأرز، والتمر، والزبيب. والأقط - لبن يابس أخرج زبده - فإن اقتات أهل البلد صنفين منها، ولم يغلب أحدهما، خير المزكي في الإخراج من أيهما، ولا يصح إخراجها من غير الغالب، إلا إذا كان أفضل، كأن اقتاتوا شعيراً فأخرج براً فيجزئ، وما عدا هذه الأصناف التسعة.
كالفول، والعدس، لا يجزئ الإخراج منه إلا إذا اقتاته الناس وتركوا الأصناف التسعة، فيتعين الإخراج من المقتات، فإن كان فيه غالب وغير غالب أخرج من الغالب وإن استوى صنفان في الاقتيات: كالفول، والعدس خير في الإخراج من أيهما، وإذا أخرجها من اللحم اعتبر الشبع، مثلاً إذا كان الصاع من القمح يشبع اثنين لو خبز، فيجب أن يخرج من اللحم ما يشبع اثنين، وشرط في صرف الزكاة لواحد من الأصناف المذكورة في الآية أن يكون فقيراً أو مسكيناً، حراً مسلماً ليس من بني هاشم، فإذا وجد ابن سبيل ليس فقيراً، ولا مسكيناً. الخ، لا تصرف له الزكاة وهكذا، ويجوز إعطاء كل فقير أو مسكين صاعاً أو أقل، أو أكثر، والأولى أن يعطى لكل واحد صاعاً، وهنا أمور تتعلق بذلك، وهي: أولاً إذا كان الطعام الذي يريد الإخراج منه غير نظيف - به غلت - وجبت تنقيته إذا كان الغلت ثلثا فأكثر وإلا ندبت الغربلة، ثانياً: يندب إخراجها بعد فجر يوم العيد، وقبل الذهابстр. 568
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) لصلاة العيد، ويجوز إخراجها قبل يوم العيد بيوم أو يومين، ولا يجوز أكثر من يومين على المعتمد، ثالثاً: إذا وجبت زكاة عن عدة أشخاص وكان من وجبت عليه زكاتهم غير قادر على إخراجها عنهم جميعاً، ويمكنه أن يخرجها عن بعضهم بدأ بنفسه، ثم بزوجته، ثم ولديه ثم ولده، رابعاً: يحرم تأخير زكاة الفطر عن يوم العيد، ولا تسقط بمضي ذلك اليوم، بل تبقى في ذمته، فيطالب بإخراجها عن نفسه وعن كل من تلزمه نفقته إن كان ميسوراً ليلة العيد، خامساً: من كان عاجزاً عنها وقت وجوبها، ثم قدر عليها في يوم العيد لا يجب عليها إخراجها، ولكنه يندب فقط.
سادساً: من وجبت عليه زكاة الفطر وهو مسافر ندب له إخراجها عن نفسه، ولا يجب إذا كانت عادة أهله الإخراج عنه أو أوصاهم به، فإن لم تجر عادة أهله بذلك، أو لم يوصهم، وجب عليه إخراجها عن نفسه، سابعاً: من اقتات صنفاً أقل مما يقتاته أهل البلد: كالشعير بالنسبة للقمح، جاز له الإخراج منه عن نفسه، وعمن تلزمه نفقته إذا اقتاته لفقره، فإن اقتاته لشح أو غيره، فلا يجزئه الإخراج منه، ثامناً: يجوز إخراج زكاة الفطر من الدقيق أو السويق بالكيل، وهو قدح وثلث، كما تقدم، ومن الخبز بالوزن. وقدر برطلين بالرطل المصريстр. 569
كتاب الحج [ والعمرة]
[الحج]
تعريفه
هو لغة القصد إلى معظم، وشرعا أعمال مخصوصة تؤدي في زمان مخصوص ومكان مخصوص على وجه مخصوص.
حكمه، ودليله
الحج فرض في العمر مرة على كل فرد من ذكر أو أنثى بالشرائط الآنية. وقد ثبتت فرضيته بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ ، وأما السنة فقوله ﷺ : "بني الإسلام على خمس ... " الحديث، وقد تقدم واتفقت الأمة على فرضيته. فيكفر منكرها، ويدل على أنه مفرض في العمرة مرة واحدة لقوله ﷺ "يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج. فحجوا. فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت ﷺ حتى قالها ثلاثاً. فقال ﵊: لو قلت: نعم لو جبت. ولما استطعتم" وقد فرض الله الحج على المسلمين القادرين لحكم كثيرة: منها اجتماع المسلمين في صعيد واحد. يعبدون إلهاً واحداً مخلصين له الدين القيم الذي هو أساس الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة: وأن من قواعد هذا الدين أن أتباعه إخوة يجب عليهم أن يتعاونوا على البر والتقوى فيعمل كل منهم لنصرة صاحبه وإن بعدت أبدانهم وتفرقت منازلهم. وعليهم أن يذكروا في هذا الموقت أنهم بين يدي ربهم العلي القدير الذي خلقهم وفضلهم على كثير من خلقه، وأنهم سيموتون ويقفون بين يديه في يوم لا ينفع فيه سوى العمل الصالح، والتمسك بما أمر الله به في كل شأن من الشؤون.
متى يجب الحج
الحج فرض على الفور فكل من توفرت فيه شروط وجوبه ثم أخره عن أول عام استطاع فيه يكون آثماً بالتأخير: عند ثلاثة من الأئمة، وخالف الشافعية فانظر مذهبهم تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الشافعية قالوا: هو فرض على التراخي فإن أخره عن أول عام قدر فيه إلى عام آخر فلا يكونстр. 570
وله شروط وجوب وشروط صحة وأركان، وواجبات. وسنن. ومندوبات. ومكروهات. ومفسدات، ومحرمات غير مفسدات، وسنبينها وما يتعلق بها بعناوين خاصة.
شروط وجوبه
فأما شروط وجوبه: فمنها الإسلام. عند ثلاثة؛ وخالف المالكية. فانظر مذهبهم تحت الخط (١) . فلا يجب على الكافر الأصلي. أما المسلم المرتد عن الإسلام فإنه لا يجب عليه. عند الحنفية. والحنابلة أما المالكية، فقد عرفت أنهم يقولون: إن الإسلام شرط صحة لا شرط وجوب، وأما الشافعية. فانظر مذهبهم تحت الخط (٢) .
شروط وجوب الحج: البلوغ - العقل - الحرية
يشترط لوجوب الحج أمور: منها البلوغ، فلا يجب الحج على الصبي الذي لم يبلغ الحلم، لقوله ﷺ : "أيما صبيّ حج عشر حجج، ثم بلغ، فعليه حجة الإسلام". فإذا حج الصبي وكان مميزاً يدرك معنى أعمال الحج، فإنه يصح منه. ولكن لا يسقط عنه الحج المفروض لما عرفت. فإذا لم يكن الصبي مميزاً، وحضر الحج؛ فإن وليه مكلف بالقيام بأعمال الحج عنه. كما سيأتي في شروط الصحة، ومنها العقل؛ فلا يجب الحج على المجنون. كما لا يصح منه، فهو كالصبي غير المميز في ذلك، ومنها الحرية، فلا يجب الحج على الرقيق. وهذا القدر متفق عليه.
الاستطاعة وحكم حج المرأة، والأعمى
ومن شروط وجوب الحج الاستطاعة. فلا يجب الحج على غير المستطيع، باتفاق المذاهب. كما قال تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ ولكنهم الحواشي
(١) المالكية قالوا: الإسلام شرط صحة لا وجوب، فيجب الحج على الكافر، ولا يصح منه إلا بالإسلام(٢) الشافعية قالوا: لا يجب الحج على الكافر الأصلي، أما المرتد المستطيع. فيجب عليه الحج، ولا يصح، إلا إذا أسلم، وإذا مات بعد إسلامه قبل أن يحج حج عنه من تركتهстр. 571
اختلفوا في تفسير الاستطاعة، كما اختلفوا في معنى الاستطاعة بالنسبة للمرأة، والأعمى؛ وقد ذكرنا ذلك ما باقي شروط وجوب الحج، فانظره تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: الاستطاعة هي القدرة على الزاد والراحلة، بشرط أن يكونا زائدين عن حاجياته الأصلية: كالدين الذي عليه، والمسكن، والملبس، والمواشي اللازمة له، وآلات الحرفة، والسلاح، وأن يكونا زائدتين عن نفقة من تلزمه نفقتهم مدة غيابه إلى أن يعود؛ ويعتبر في الراحلة ما يليق بالشخص عادة وعرفاً، ويختلف ذلك باختلاف أحوال الناس، فالرجل الذي لا يستطيع الركوب على الأتان مثلاً، أو حول سنام البعير، ولم يستطع أن يستأجر محملاً، فإنه لا يجب عليه الحج، إذا لا يكون قادرا في هذه الحالة، ومثله من لا يستطيع أن يستأجر مركباً يركب عليه وحده، فلو قدر على راحلة مع شريك له؟ بحيث يتعاقبان الركوب عليها، فيمشي كل منهما تارة، ويركب أخرى، فإنه لا يعتبر قادراً، ولا يجب عليه الحج.
هذا إذا كان بعيداً عن مكة بثلاثة أيام فأكثر، أما من كان قريباً منها، فإنه يجب الحج عليه، وإن لم يقدر على الراحلة، متى قدر على المشي. وعلى الزاد الفاضل عما تقدم.
ومن شروط الوجوب: العلم بكون الحج فرضاً بالنسبة لمن كان في غير بلد الإسلام، فمن نشأ في غير بلد الإسلام، ولم يخبره بفرضية الحج رجلان، أو رجل وامرأتان، فلا يجب عليه الحج، أما من كان في دار الإسلام، فإنه يجب عليه الحج، ولو لم يعلم بفرضيته؛ سواء نشأ مسلماً أو لا.
هذه هي شروط وجوب الحج عند الحنفية، وهناك شروط أخرى يقال لها: شروط الأداء، لأن الحنفية يفرقون بين الوجوب وبين الأداء، كما تقدم في "مباحث الصلاة"، وهذه الشروط اربعة: أحدها. سلامة البدن، فلا يجب على مقعد، ومفلوج، وشيخ لا يثبت على الراحلة ونحو ذلك، وهؤلاء لا يجب عليهم تكليف غيرهم بالحج عنهم أيضاً؛ ويلحق بهم المحبوس والخائف من السلطان الذي يمنع الناس من الحج، أما الأعمى القادر على الزاد والراحلة، فإن لم يجد قائداً للطريق، فإنه لا يجب عليه الحج بنفسه، ولا بغيره؛ وإن وجد قائداً وجب عليه أن يكلف غيره بالبحج عنه؛ ثانيها: أمن الطريق بأن يكون الغالب فيه السلامة، سواء كان ذلك بحراً أو براً، ثالثها: وجود زوج أو محرم للمرأة، لا فرق بين أن تكون المرأة شابة أو عجوزاً إذا كان بينها وبين مكة ثلاثة أيام، فأكثر؛ أما إذا كانت المسافة أقل من ذلك، فيجب عليها أداء الحج وإن لم يكن معها محرم ولا زوج؛ والمحرم هو الذي لا يحل له زواجها بسبب النسب أو المصاهرة أو الرضاع ويشترط فيه أن يكون مأموناً عاقلاً بالغاً، ولا يشترط كونه مسلماً؛ رابعها: عدم قيام العدة في الحنفية قالوا: المرأة، فلا تخرج إلى الحج إذا كانت معتدة من طلاق أو موت.
المالكية قالوا: الاستطاعة هي إمكان الوصول إلى مكة ومواضع النسك إمكاناً مادياً، سواء كان ماشياً أو راكباً، وسواء كان ما يركبه مملوكاً له أو مستأجراً؛ ويشترط أن لا تلحقه مشقة عظيمة بالسفر، فمن قدر على الوصول مع المشقة الفادحة، فلا يكون مستطيعاً، ولا يجب عليه الحج، ولكن لو تكلفه، وتجشم المشقة أجزأه ووقع فرضاً، كما أن من قدر على الحج بأمر غير معتاد: كالطيران ونحوهстр. 572
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) لا يعد مستطيعاً، ولكن لو فعله أجزأه، ويعتبر أيضاً في الاستطاعة الأمن على نفسه وماله، فمن لم يأمن على نفسه لا يجب عليه الحج، وكذا من لم يأمن على ماله من ظالم، لا يجب عليه إلا إذا كان الظالم واحداً، وكان يأخذ قليلاً لا يجحف بالمأخوذ منه، وكان لا يعود للأخذ مرة أخرى، فإن وجوده وأخذه لا يمنعان الاستطاعة فيجب الحج مع ذلك؛ ولا يشترط في الاستطاعة القدرة على الزاد والراحلة؛ كما يؤخذ مما تقدم، فيقوم مقام الزاد الصنعة إذا كانت لا تزري بصاحبها؛ وعلم أو ظن رواجها، وعدم كسادها بالسفر، ويقوم مقام الراحلة القدرة على المشي، فمن قدر على المشي وجب عليه الحج.
ولو كان بعيداً عن مكة بمقدار مسافة القصر، أو أكثر، فيجب الحج على الأعمى القادر على المشي إذا كان معه ما يوصله من المال، وكان يهتدي إلى الطريق بنفسه، أو معه قائد يهديه، ولا يمنع الاستطاعة عدم ترك شيء لمن تلزمه نفقتهم: كولده، أو خوفه على نفسه الفقر فيما بعد، إلا إذا خاف الهلاك عليهم أو على نفسه، فلا يجب عليه الحج وإذا لم يوجد عند الشخص إلا ما يباع على المفلس، كالعقار، والماشية، والثياب التي للزينة، وكتب العلم، وآلة الصانع وجب عليه الحج، لأنه مستطيع، وتعتبر الاستطاعة ذهاباً فقط إن أمكنه أن يعيش بمكة، فإن لم يمكنه الإقامة بها اعتبرت الاستطاعة في الإياب أيضاً إلى مكان يمكنه أن يعيش فيه، ولا يلزم رجوعه لخصوص بلده، فلا بد أن يكون عنده ما يكفيه ذهاباً وإياباً إلى محل يعيش فيه، أو صنعة تقوم بحاجياته إذا كانت رائجة، كما تقدم، ولا فرق بينالبر والبحر متى كانت السلامة فيه غالبة، فإن لم تغلب، فلا يجب الحج إذا تعين البحر طريقاً؛ وكل ما تقدم في الاستطاعة معتبر في حَق الرجل والمرأة.
ويزاد في حَق المرأة أن يكون معها زوج، أو محرم من محارمها، أو رفقة مأمونة، فإذا فقد جميع ذلك، فلا يجب عليها الحج، وأن يكون الركوب ميسوراً لها إذا كانت المسافة بعيدة، والبعد لا يحد بمسافة القصر، بل بما يشق على المرأة المشي فيه، ويختلف ذلك باختلاف النساء؛ فيلاحظ في كل امرأة ما يناسبها؛ فإذا الشافعية قالوا: المشي على المرأة؛ ولم يتيسر لها الركوب، فلا يجب عليها الحج، كما لا يجب عليها إذا تعين السفر في سفن صغيرة لا تتمكن فيها المرأة فيها محفوظة، فيجب السفر فيها إذا تعينت طريقاً، ولا يسقط الحج عنها، وإذا كانت المرأة معتدة من طلاق أو وفاة وجب عليها البقاء في بيت العدة ولا يجوز لها الإحرام بالحج، لأنه يؤدي إلى ترك بيت العدة ولبثها فيه واجب، لكن لو فعلت ذلك صح إحرامها مع الإثم، ومضت فيه، ولا تمكث في بيت العدة.
الحنابلة قالوا: الاستطاعة هي القدرة على الزاد والراحلة الصالحة لمثله، ويشترط أن يكونا فاضلين عما يحتاجه من كتب علم، ومسكن، وخادم، ونفقة عياله على الدوام.
ومن شروط وجوب الحج أمن الطريق بحيث لا يوجد مانع من خوف على النفس، أو المال، أو العرض، أو نحو ذلك، أما المرأة فإنه لا يجب عليها الحج إلا إذا كان معها زوجها أو أحد من محارمها: كأخ، أو ابن، أو عم، أو أب، أو نحوهم ممن لا تحل له، ومن شروط وجوب الحج أنстр. 573
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) يكون المكلف مبصراً، فإن كان أعمى فإنه لا يجب عليه أداء الحج إلا إذا وجد قائداً يقوده؛ وإلا فلا يجب عليه الحج، لا بنفسه ولا بغيره، ومن عجز عن الحج بنفسه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، أو كان لا يقدر على الركوب إلا بمشقة شديدة، فإنه يجب عليه أنينيب من يحج عنه؛ كما يأتي في مبحث "الحج عن الغير".
الشافعية قالوا: الاستطاعة نوعان: استطاعة بالنفس، واستطاعة بالغير. أما الأولى فلا تتحقق إلا بأمور: أولاً: القدرة على ما يلزمه من الزاد، وأجرة الخفارة، ونحو ذلك في الذهاب، والإقامة بمكة، والإياب منها إن لم يعزم على الإقامة بها، فإن عزم على الإقامة بها فلا يشترط القدرة على مؤونة الإياب، ثانياً: وجود الراحلة، ويعتبر ذلك في حَق المرأة مطلقاً، سواء كانت المسافة طويلة أو قصيرة، وفي حَق الرجل إن كانت المسافة طويلة، وهي مرحلتان فأكثر، فإن كانت قصيرة وقدر على المشي بدون مشقة لا تحتمل عادة وجب عليه الحج بدون وجود الراحلة، وإلا فلا يجب، والمراد بالراحلة ما يمكن الوصول عليه، سواء كانت مختصة أو مشتركة، بشرط أن يجد من يركب معه؛ فإن لم يجد من يركب معه، ولم يتيسر له ركوبها وحده، فلا يجب عليه الحج، ولا بد أن تكون الراحلة مهيأة بما لا بد منه في السفر كخيمة تنصب عليها لاتقاء حر أو برد وإلا فلا يجب الحج إن حصلت بدونها مشقة لا تحتمل وفي حَق المرأة لا بد من ذلك، ولو لم تتضرر بعدمه. لأن الستر مطلوب في حقها. ويشترط كون ما تقدم عن الزاد والراحلة فاضلاً عن دينه، ولو مؤجلاً، وعن نفقة من تلزمه نفقته حتى يعود، وعن مسكنه اللائق به إن لم يستغن عنه، وإلا باع مسكنه وحج به، وعن مواشي الزراعة، أمن الطريق، ولو ظناً، على نفسه، وعلى زوجه، وعلى ماله، ولو كان قليلاً، فلو كان في الطريق سبع، أو قاطع طريق أو نحوهما، ولا طريق له سوى هذا، فلا يجب عليه الحج، رابعاً: وجود الماء والزاد وعلف الدابة في الطريق. بحيث يجد ذلك عند الاحتياج إليه بثمن المثل على حسب العادة.
خامساً: أن يكون مع المرأة زوجها، أو محرمها، أو نسوة يوثق بهن، اثنتان فأكثر، فلو وجدت امرأة واحدة، فلا يجب عليها الحج، وإن جاز لها أن تحج معها حجة الفريضة، بل يجوز لها أن تخرج وحدها لأداء الفريضة عند الأمن. أما في النفل فلا يجوز الخروج مع النسوة ولو كثرت. وإذا لم تجد المرأة رجلاً محرماً أو زوجاً إلا بأجرة لزمتها إن كانت قادرة عليها، والأعمى لا يجب عليه الحج إلا إذا وجد قائداً ولو بأجرة، بشرط أن يكون قادراً عليها، فإن لم يجد قائداً، أو وجده، ولم يقدر على أجرته، فلا يجب عليه، ولو كان مكياً. وأحسن المشي بالعصا. سادساً: أن يكون ممن يثبت على الراحلة بدون ضرر شديد. وإلا فليس بمستطيع بنفسه. سابعاً: أن يبقى من وقت الحج بعد القدرة على لوازمه ما يكفي لأدائه، وتعتبر الاستطاعة عند دخول وقته وهو من أول شوال إلى عشر ذي الحجة، ولو كان مستطيعاً قبل ذلك، ثم عجز عن دخول وقته فلا يجب عليه، وأما النوع الثاني. وهو الاستطاعة بالغير، فسيأتي بيانه في مبحث "الحج عن الغير"стр. 574
شروط صحة الحج - حج الصبي المميز وغيره - وقت الحج
يشترط لصحة الحج الإسلام، سواء مباشرة الشخص بنفسه أو فعله نيابة عنه، فلا يصح من الكافر ولا عنه طبعاً، والتمييز، فإذا حج صبي مميز وقام بأعمال الحجر، فإنها تصح منه: كالصلاة، باتفاق ثلاثة من الأئمة، وقال المالكية؛ إن التمييز شرط لصحة الإحرام لا لصحة الحج، والأمر في ذلك سهل، فإن التمييز لا بد منه على كل حال، أما الصبي الذي لا يميز والمجنون فإن الحج لا يصح منهما، فلا يصح منهما إحرام، ولا أي عمل من أعمال الحج، ولكن على الوالي أن يقوم بالإحرام عنهما، وعليه أن يحضرهما المواقف، فيطوف ويسعى بهما، ويأخذهما إلى عرفة، وهكذا، ومن شروط صحة الحج أن يباشر أعماله في وقت خاص، فإذا باشرها في وقت آخر بطل حجه، وفي بيان هذا الوقت اختلاف المذاهب، فانظره تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: الوقت الذي هو شرط لصحة الحج هو وقت طواف الزيارة، ووقت الوقوف، فأما وقت الوقوف فهو من زوال شمس يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر، وأما طواف الزيارة فوقته من فجر يوم النحر إلى آخر العمر، فيصح الطواف في أي زمن بعد الوقوف بعرفة في زمنه المذكور، فلو لم يقف بعرفة في زمنه قبل الطواف لم يصح طوافه، وأما الوقت الذي لا يصح شيء من أفعال الحج قبله، فهو شوال، وذو القعدة وعشر ذي الحجة، فلو طاف أو سعى قبل ذلك، فلا يصح، ويستثنى من ذلك الإحرام، فإنه يصلح قبل أشهر الحج من الكراهة، وزاد الحنفية في شروط الصحة: المكان المخصوص، وهو أرض عرفات للوقوف؛ والمسجد الحرام لطواف الزيارة؛ والإحرام، وقد عدوا شروط الصحة فقط ثلاثة: الإحرام، الوقت، المكان، أما الإسلام فهو شرط وجوب وصحة معاً وأما التمييز فلم يعدوه من شروط الصحة؛ وإن كان شرطاً في المعنى، لأن إحرام غير المميز لا يصح عندهم.
المالكية قالوا: الوقت الذي هو شرط لصحة الحج منه ما يبطل الحج بفواته، ومنه ما لا يبطل الحج بفواته، وهو أنواع: وقت الإحرام بالحج، ووقت الوقوف بعرفة؛ ووقت الطواف بالركن، وهو طواف الإفاضة، ويسمى طواف الزيارة، ووقت بقية أعمال الحج: كرمي الجمار، والحلق، والذبح، والسعي بين الصفا والمروة؛ فوقت الإحرام من أول شوال إلى قرب طلوع فجر يوم النحر بحيث يبقى على الفجر زمن يسع الإحرام، والوقوف بعرفة؛ وليس ابتداء الإحرام في ذلك الوقت شرطاً لصحة الحج، فيصح ابتداء الإحرام قبل ذلك الزمن إذا استمر محرماً إلى دخوله، وبعده مع الكراهة فيهما، ويكون الإحرام بعده للعام القابل، لأنه لا يمكن الحج في هذا العام، لفوات زمن الوقوف؛ ووقت الوقوف الركن من غروب شمس يوم عرفة إلى طلوع فجر العيد، وأما الوقوف لحظة من الوقت الذيстр. 575
أركان الحج
وأما أركان الحج فهي أربعة: الإحرام؛ وطواف الزيارة، ويسمى طواف الإفاضة. والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة، وهذه الأركان لو نقص واحد منها بطل الحج، باتفاق ثلاثة من الأئمة، وقال الحنفية: إن له ركنين فقط، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) ، وإليك بيان هذه الأركان على هذا الترتيب. الحواشي
(١) الحنفية قالوا: للحج ركنان فقط، وهما الوقوف بعرفة، ومعظم طواف الزيارة، وهو أربعة أشواط وأما باقية، وهو الثلاثة الباقية المكملة للسبعة، فواجب، كما سيأتي، وأما الإحرام فهو من شروط الصحة؛ كما تقدم، والسعي بين الصفا والمروة واجب لا ركن.
الشافعية قالوا: أركان الحج ستة: هي الأربعة المذكورة في أعلى الصحيفة، وزادوا عليهاстр. 576
الركن الأول من أركان الحج: الإحرام
تعريفه
الإحرام معناه في الشرع نية الدخول في الحج والعمرة، ولا يلزم في تحققه اقترانه بتلبية، أو سوق هدي، أو نحو ذلك عند الشافعية، والحنابلة، أما المالكية والحنفية، فانظر مذهبيهما تحت الخط (١)
مواقيت الإحرام
الميقات معناه في اللغة موضع الإحرام للحاج، وهو موافق للمعنى الشرعي، فللإحرام ميقات مكاني، وميقات زماني، أما الميقات الزماني فقد تقدم الكلام عليه في مبحث "وقت الحج" المتقدم قريباً، وأما الميقات المكاني فيختلف باختلاف الجهات، فأهل مصر والشام والمغرب، ومن وراءهم من أهل الأندلس والروم والتكرور ميقاتهم الجحفة، وهي - بضم الجيم، وسكون الحاء - قرية بين مكة والمدينة، وهي خربة الآن، ويقرب منها القرية المعروفة برابغ، فيصح الإحرام منها بلا كراهة؛ وهؤلاء يحرمون من هذا المكان عند محاذاته بحراً، لأنه لا يلزم في الإحرام من الميقات المرور به في البرن، بل المدار على أحد أمرين: إما المرور عليه أو محاذاته ولو بالبحر، وأهل العراق وسائر أهل المشرق ميقاتهم ذات عرق، وهي قرية على مرحلتين من مكة، وسميت بذلك لأن بها جبلاً يسمى عرقاً - بكسر العين - يشرف على واد يقال. الحواشي
(١) الحنفية قالوا: الإحرام هو التزام حرمات مخصوصة، ويتحقق بأمرين. الأول: النية: الثاني: اقترانها بالتلبية، ويقوم مقام التلبية مطلق الذكر، أو تقليد البدنة مع سوقها، فلو نوى بدون تلبية أو ما يقوم مقامها مما ذكر، أو لبى ولم ينو لا يكون محرماً، وكذا لو أشعر البدنة بجرح سنامها الأيسر، وهو خاص بالإبل، أو وضع الجل عليها، أو أرسلها؛ وكان غير متمتع بالعمرة إلى الحج، ولو يلحقها، أو قلد شاة لا يكون محرماً.
المالكية قالوا: الإحرام هو الدخول في حرمات الحج، ويتحقق بالنية فقط على المعتمد ويسن اقترانه بقول: كالتلبية والتهليل، أو فعل متعلق بالحج: كالتوجه، وتقليد البدنةстр. 577
له: وادي العقيق، وأهل المدينة المنورة بنور النبي ﷺ ميقاتهم ذو الحليفة، وهي موضع ماء لبني جشم؛ بنيه وبين المدينة دون خمسة أميال، وهي أبعد المواقيت من مكة؛ لأن بينهما تسع مراحل؛ أي سفر تسعة أيام، والميقات لأهل اليمن والهند يلملم - بفتح اللامين؛ وسكون الميم بينهما - وهو جبل مشرف على عرفات، وهو على مرحلتين من مكة يقال له: قرن المنازل، وهذه المواقيت لأهل هذه الجهات المذكورة، ولكل من مر بها أو حاذاها، وإن لم يكن من أهل جهتها، فمن مر بميقات منها: أو حاذاه قاصداً النسك، وجب عليه الإحرام منه، ولا يجوز له أن يجاوزه بدون إحرام، فإن جاوزه ولم يحرم، وجب عليه الرجوع إليه ليحرم منه، إن كان الطريق مأموناً؛ وكان الوقت متسعاً، بحيث لا يفوته الحج ولو رجع، فإن لم يرجع لزمه هدي، لأنه جاوز الميقات بدون إحرام، سواء أمكنه الرجوع أو لم يمكن، لخوف الطريق. أو ضيق الوقت، إلا أنه في حالة إمكان الرجوع يأثم بتركه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون أمامه مواقيت أخرى في طريق أو لا؛ وهذا الحكم بهذا التفصيل متفق عليه بين الشافعية، والحنابلة، وأما الحنفية والمالكية، فانظر مذهبيهما تحت الخط (١) .
ما يطلب من مريد الإحرام قبل أن يشرع
من أراد ألإحرام، فإنه يطلب منه أمور: بعضها سنة، وبعضها مندوب؛ وقد رأينا أن نذكرها مفصلة في كل مذهب على حدة، ليسهل حفظها فانظرها تحت الخط (٢) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: إن جاوز الميقات بدون إحرام حرم عليه ذلك؛ ويلزمه الدم إن لم يكن أمامه ميقات آخر يوم يمر عليه بعد، وإلا فالأفضل إحرامه من الأول فقط إن أمن على نفسه من ارتكاب ما ينافي الإحرام، فإن لم يأمن فالأفضل أن يؤخر الإحرام إلى آخر المواقيت التي يمر بها.
المالكية قالوا: متى مر بميقات من هذه المواقيت وجب عليه الإحرام؛ فإن جاوزه بدون إحرام حرم، ولزمه دم، إلا إذا كان ميقات جهته أمامه يمر عليه فيما بعد، فإن كان كذلك ندب له الإحرام من الأول فقط، فإن لم يحرم منه فلا إثم عليه ولا دم، وخالف المندوب(٢) الحنفية قالوا: يطلب منه أمور: منها الاغتسال، وهو سنة مؤكدة ويقوم مقامه الوضوءстр. 578
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) في تحصيل أصل السنة، ولكن الغسل أفضل، وهذا الغسل للنظافة لا للطهارة، فيطلب من الحائض أو النفساء حال الحيض النفاس، وإذا فقد الماء سقط ولم يشرع بدله التيمم، إذ لا نظافة في التيمم، ومنها قص الأظافر، وحلق الشعر المأذون في إزالته.
كشعر الرأس والشارب إذا اعتاد حلق ذلك؛ وإلا فيسرحه، وهذا مستحب، ويكون قبل الغسل؛ ومنها جماع زوجته إذا لم يكن بها مانع؛ لئلا يطول عليه العهد، فيقع فيما يفسد الإحرام، وهو مستحب أيضاً ومنها لبس إزار ورداء، والإزار هو ما يستتر له من سرته إلى ركبته، والرداء هو ما يكون على الظهر والصدر والكتفين؛ وهو مستحب أيضاً، وإن زرّر أو عقده أساء، ولا دم عليه؛ ويستحب أن يكون الإزار والرداء جديدين أو مغسولين طاهرين، وأن يكونا أبيضين، ومنها التطيب في البدن والثوب بطيب لا تبقى عينه بعد الإحرام؛ وإن بقيت رائحته، وهو مستحب إن كان عنده طيب؛ وإلا فلا يستحب؛ ومنها أن يصلي بعدما تقدم ركعتين إذا كان الوقت ليس وقت كراهة وإلا فلا يصلي، وهذه الصلاة سنة على الصحيح؛ والأفضل أن يقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب، وسورة ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ وفي الثانية بالفاتحة؛ وسورة الإخلاص ويقوم مقامها الصلاة المفروضة إذا أحرم بعدها، ومنها أن يقول بلسانه قولاً مطابقاً لما في قلبه: اللهم إني أريد الحج، فيسره لي، وتقبله مني، ثم يلبي بعد ذلك، وصفة التلبية أن يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك؛ لا شريك لك، ويصلي على النبي ﷺ بعد الفراغ من التلبية بصوت منخفض، ويكثر ما استطاع من التبية عقب كل صلاة مكتوبة، وكذا كلما لقي ركباً، أو ارتفع على مكان، أو هبط وادياً، وكذا يكثرها بالأسحار، وحين يستيقظ من نومه، وعند الركوب والنزول، ويستحب في التلبية كلها رفع الصوت بدون إجهاد.
المالكية قالوا: يسن له أن يغتسل ولو كان حائضاً أو نفساء، لأنه مطلوب للإحرام، وهو يتأتى من كل شخص، ولا تحصل السنة إلا إذا كان متصلاً بالإحرام، فلو اغتسل ثم انتظر طويلاً عرفاً بلا إحرام أعاده، ويندب أن يكون الغسل بالمدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، لمن أراد أن يحرم من ذي الحليفة، وإذا كان فاقداً للماء، فلا يشرع له التيمم بدل الغسل، ويسن أيضاً تقليد الهدي إن كان معه، ثم إشعاره بعد ذلك، والتقليد هو: تعليق قلادة في عنقه، ليعلم به المساكين، فتطمئن نفوسهم، والإشعار هو أن يشق من السنام قدر الأنملة أو الأنملتين، ويكون بالجانب الأيسر، ويبدأ به من العنق إلى المؤخر، وإنما تقلد الإبل والبقر ولا يشعر إلا الإبل وما له سنام من البقر، أما الغنم فلا تقلد ولا تشعر، ويندب أن يلبس إزاراً ورداء ونعلين، والإزار هو ما يستر العورة من السرة إلى الركبة، والرداء هو ما يلقى على الكتفين ولو لبس غيرهما مما ليس مخطياً ولا محيطاً، فلا يضر، ولكن يفوت المندوب، ومن السنن إيقاع الإحرام عقب صلاة، ويندب أن يكون ركعتي نفل إن كان الوقت مما تجوز فيه النافلة، وإلا انتظر حتى تحل النافلة، والأولى أن يحرم الراكب إذا استوى على ظهر دابته، والماشي إذا أخذ في المشي، ويسن قرن الإحرام بالتلبية، كما تقدم، والتلبية في ذاتها واجبة؛ ويندب تجديدها عند تغير الحال، كصعود على مرتفع، أو هبوط إلى واد، أو ملاقاة رفقة، وعقب الصلاة،стр. 579
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ويستمر يلبي حتى يدخل مكة، ثم يقطعها حتى يطوف، ويسعى إذا أراد السعي عقب طواف القدوم ثم يعاودها بعد ذلك حتى تزول الشمس يوم عرفة، ويصل إلى مصلاها، فيقطعها حينئذ، فإن لم يعاودها كان تاركاً للواجب، وعليه دم، ويندب التوسط فيها، فلا يداب عليها حتى يمل ويضجر، كما يندب التوسط في رفع صوته بها، فلا يخففه
جداً، ولا يرفعه جداً؛ بل يكون بين الرفع والخفض ويندب الاقتصار على اللفظ الوارد عن النبي ﷺ ، وهو: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
الحنابلة قالوا: يسن له أن يغتسل ولو حائضاً أو نفساء، أو يتيمم لعدم الماء. أو عجزه عن استعماله بمرض ونحوه، ولا يضر حدث بين الغسل والإحرام، ويسن له أيضاً أن يتنظف قبل إحرامه بأخذ شعره، وقلم ظفره، وإزالة رائحة كريهة، ويسن له أيضاً أن يطيب بدنه بالطيب وكره تطييب ثوبه، فإن طيبه واستدام لبسه فلا بأس ما لم ينزعه فإن نزعه لم يجز له لبسه قبل غسله، ويسن له أيضاً قبل إحرامه لبس إزار ورداء أبيضين نظيفين جديدين ونعلين بعد تجرده عن المخيط إن كان ذكراً، ويسن له إحرامه عقب صلاته مفروضة أو نافلة، بشرط أن لا يكون أداء النافلة وقت نهي، وأن لا يكون عادماً للماء والتراب، ويسن أن يعين في إحرامه نسكاً، حجاً كان أو عمرة، أو قراناً، وأن يتلفظ بما يعينه، ويسن له أن يقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني، فيسره لي، وتقبله مني، وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، فإن فعل ذلك وحبس بمرض أو عدو ونحوه حل؛ ولا شيء عليه.
الشافعية قالوا: يسن لمن يريد الإحرام أمور: منها الغسل قبله، ولو مع بقاء الحيض، وينوي به غسل الإحرام، ويكره تركه لغير عذر، فإن عجز عنه لعدم الماء، أو لعدم قدرته على استعماله يتيمم، ومنها إزالة شعر الإبط والعانة، وقص الشارب، وتقليم الأظافر وحلق الرأس، لمن يتزين به، وإلا أبقاه ولبده بنحو صمغ، وهذا إذا كان عازماً على عدم التضحية، وإلا أخر ذلك إلى ما بعدها، ويسن تقديم هذه الأشياء على الغسل في حَق غير الجنب، أما هو فيسن له تأخيرها عنه، ومنها تطييب البدن بعد الغسل إلا لصائم، فيكره، وإلا للمرأة التي وجب عليها الإحداد - ترك الزينة - لوفاة زوجها فيحرم، ولا بأس باستدامته بعد الإحرام، ولو كان مما له جرم، ولا يضر تعطر الثوب بسبب ذلك ومنها الجماع قبل إحرامه، ومنها أن تخضب المرأة يديها إلى الكوعين من غير نقش، وأن تمسح وجهها بشيء من الخضاب، ومنها أن يلبس إن كان رجلاً إزاراً ورداءً أبيضين جديدين؛ وإلا فمغسولين، ونعلين، ويكره لبس المصبوغ ومنها صلاة ركعتين سنة الإحرام القبلية في غير وقت الكراهة، إلا لمن كان في الحرم المكي، فيصليها مطلقاً، ويقوم مقامها أي صلاة يصليها فرضاً أو نفلاً، ويسر القراءة فيهما ولو ليلاً، ومنها استقبال القبلة عند بدء الإحرام، ويقول: اللهم احرم لك شعري وبشري، ولحمي ودمي، ومنها التلبية، وهي أن يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، يقول ذلكبسكينة ووقار للذكر، ويسن أن يرفع صوته بها ما دام محرماً، فإن لم يكن محرماً فالسنة الإسرار بها، كما أن السنة للمرأة أن تسر بها على كل حال، ويكره لها رفع الصوت بهاстр. 580
ما لا يجوز للمحرم فعله بعد الدخول في الإحرام: الجماع - الصيد - الطيب
نهى الشارع المحرم عن أشياء بعضها لا يحل فعله، وبعضها يكره فعله، وإليك بيانها:
يحرم على المحرم عقد النكاح، ويقع باطلاً عند ثلاثة؛ وخالف الحنفية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) ، وكذا يحرم عليه الجماع ودواعيه: كالقبلة والمباشرة، ويحرم الخروج عن طاعة الله تعالى بأي فعل محرم، وإن كان ذلك محرماً في غير الحج، إلا أنه يتأكد فيه، وتحرم المخاصمة مع الرفقاء والخدم وغيرهم، لقوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلا رفث، ولا فسوق، ولا جدال في الحج﴾ والرفث الجماع ودواعيه، والكلام الفاحش، والجدال: المخاصمة؛ ويحرم أيضاً التعرض لصيد البر بالقتل أو الذبح، أو الإشارة إليه إن كان مرئياً، أو الدلالة عليه إن كان غير مرئي، أو نحو ذلك: كإفساد بيضه، وإنما يحرم التعرض له إذا كان وحشياً مأكولاً، أما إذا كان غير مأكول، فيجوز التعرض له عند الشافعية، والحنابلة، أما الحنفية، والمالكية، فقالوا: يحرم التعرض لصيد البر الوحشي مطلقاً، سواء كان مأكولاً أو غير مأكول؛ وأما صيد البحر فهو حلال: قال الله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً﴾ والبري: هو ما يكون توالده وتناسله في البر، وإن كان يعيش في الماء، والبحري بخلافه عند ثلاثة؛ وخالف الشافعية، فانظر مذهبهم تحت الخط (٢) . ويحرم عليه أيضاً استعمال الطيب: كالمسك في ثوبه؛ أو بدنه، وقلم الظفر، ويحرم على الرجل أن يلبس مخيطاً أو محيطاً ببدنه، أو بعضه: كالقميص والسراويل والعمامة والجبة، ويقال لها القباء والخف إلا إذا لم يجد نعلين، فيجوز لبس الخفين بعد أن يقطعهما أسفل من الكعبين؛ وتغطية رأسه ووجهه أو بعضه بأس ساتر، عند الحنفية، والمالكية، أما الشافعية، والحنابلة، فقالوا: لا يحرم على الرجل تغطية وجهه. الحواشي
(١) الحنفية قالوا: يجوز للمحرم عقد النكاح، لأن الإحرام لا يمنع صلاحية المرأة للعقد عليها، وإنما يمنع الجماع، فهو كالحيض، والنفاس، والظهار قبل تكفيره، في أن كلاً منها يمنع الجماع فقط، لا صحة العقد(٢) الشافعية قالوا: البري ما يعيش في البر فقط؛ أو يعيش فيه؛ وفي البحر: كالسلحفاة البحرية، والبحري ما لا يعيش إلا في البحرстр. 581
ستر وجه المرأة المحرمة ورأسها
ويجوز للمرأة أن تستر وجهها ويديها وهي محرمة إذا قصدت الستر عن الأجانب بشرط أن تسدل على وجهها ساتراً لا يمس وجهها، عند الحنفية، والشافعية؛ وخالف الحنابلة، والمالكية، فانظر مذهبيهما تحت الخط (١) .
لبس الثوب المصبوغ بما له رائحة طيبة، وإزالة الشعر
يحرم لبس ثوب مصبوغ بما له رائحة طيبة، على تفصيل مذكور تحت الخط (٢) . الحواشي
(١) الحنابلة قالوا: للمرأة أن تستر وجهها لحاجة، كمرور الأجانب بقربها، ولا يضر التصاق الساتر بوجهها، وفي هذا سعة ترفع المشقة والحرج.
المالكية قالوا: إذا قصدت المرأة بستر يديها أو جهها التستر عن أعين الناس، فلها ذلك إذا تحققت أن هناك من ينظر إليها بالفعل، أو كانت بارعة الجمال، لأنها مظنة نظر الرجال، وهي محرمة، بشرط أن يكون الساتر لا غرز فيه، ولا ربط، وإلا كان محرماً، وعليها الفدية في ستر الوجه كما يأتي، فإذا لم يتحقق هذان الشرطان، فإنه يحرم عليها ستر وجهها ويديها بشيء يحيط بهما. كالقفاز، وهو لباس يعمل على قدر اليدين لاتقاء البرد، ويحرم سترهما بشيء فيه خياطة أو ربط؛ وأما إدخالهما في قميصها، فلا يحرم، كما لا يحرم عليها ستر جزء من وجهها يتوقف عليه ستر رأسها ومقاصيصها(٢) الحنفية قالوا: يحرم لبس المصبوغ بالعصفر، وهو زهر القرطم، والورس - بفتح الواو، وسكون الراء - وهو نبت أحمر باليمن، والزعفران ونحو ذلك من أنواع الطيب، إلا إذا غسل بحيث لا تظهر له رائحة، فيجوز لبسه حال الإحرام.
المالكية قالوا: المصبوغ بما له رائحة يحرم على المرحم، وذلك كالمصبوغ بالورس والزعفران. وأما المصبوغ بالعصفر: فإن كان صبغه قوياً بأن صبغ مرة بعد أخرى حرم لبسه ما لم يغسل، وإن كان صبغه ضعيفاً، أو كان قوياً وغسل، فلا يحرم لبسه، وإنما يكره لبسه لمن كان قدوة لغيره، لئلا يكون وسيلة لأن يلبس العوام ما يحرم، وهو المطيب.
الشافعية قالوا: المصبوغ بما تقصد رائحته: كالزعفران والورس، لا يجوز لبسه إلا إذا زالت الرائحة بالمرة، وأما المصبوغ بما يقصد للون دون الرائحة: كالعصفر والحناء فلبسه لا يحرم.
الحنابلة قالوا: يحرم عليه لبس المصبوغ بالورس أو الزعفران، وأما المصبوغ بالعصفر، فيباح لبسه، سواء كان الصبغ قوياً أو ضعيفاًстр. 582
شم الطيب وحمله حال الإحرام
يكره للمحرم أن يشم الطيب - الروائح العطرية - أو يحمله، باتفاق، أو المكث بمكان فيه رائحة عطرية، فإنه مكروه، عند المالكية، والحنفية، سواء قصد شمه أو لا: أما الحنابلة، والشافعية، فانظر مذهبيهما تحت الخط (١) .
إزالة شعر الرأس وغيره حال الإحرام
يحرم على المتلبس بالإحرام أن يزيل شعر رأسه بالحلق أو القص أو غيرهما، كما يحرم عليه إزالة شعر غير الرأس، ولو كان نابتاً في العين، ويستثنى من ذلك ما إذا تأذى ببقائه، فيجوز إزالته، وفيه الفدية، إلا في إزالة شعر العين إذا تأذى به، فلا فدية، إلا عند المالكية، فانظر مذهبهم تحت الخط (٢) ، وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفدية.
الخضاب بالحناء حال الإحرام
لا يجوز للمحرم أن يختضب الحناء، لأنه طيب، والمحرم ممنوع من التطيب، سواء كان رجلاً أو امرأة، وسواء كان الخضاب بها في اليدين، أو في الرأس، أو غير ذلك من أجزاء البدن، عند المالكية، والحنفية، أما الشافعية، والحنابلة، فانظر مذهبيهما تحت الخط (٣) . الحواشي
(١) الحنابلة، الشافعية قالوا: إذا قصد شم الطيب، كما إذا وضع وردة على أنفه بقصد شمها حرم عليه ذلك، سواء كان معه أو مكث بمكانه، أما إذا لم يقصد شمه، فلا حرمة عليه(٢) المالكية قالوا: إزالة الشعر مطلقاً حرام على المحرم، سواء كان الشعر في العين أو غيره، إلا لعذر يقتضي إزالته؛ فلا يحرم حينئذ، وفيها الفدية، ولو كان في العين(٣) الشافعية قالوا: يكره الخضاب بالحناء للمرأة حال الإحرام: إلا إذا كانت معتدة من وفاة؛ فيحرم عليها ذلك؛ كما يحرم عليها الخضاب إذا كان نقشاً، ولو كانت غير معتدة، وأما الرجل فيجوز له الخضاب بها حال الإحرام في جميع أجزاء جسده، ما عدا اليدين والرجلين، فيحرم خضبهما بغير حاجة، وكذا لا يجوز له أن يغطى رأسه بحناء ثخينة.
الحنابلة قالوا: لا يحرم على المحرم ذكراً كان أو أنثى الاختضاب بالحناء في أي جزء من البدن ما عدا رأس الرجل، وفي هذه سعةстр. 583
هل يجوز للمحرم أن يأكل أو يشرب ما فيه طيب
لا يجوز للمحرم أن يأكل أو يشرب طيباً أو شيئاً مخلوطاً بطيب، سواء كان قليلاً أو كثيراً إلا إذا استهلك الطيب، بحيث لم يبق له طعم، ولا رائحة، باتفاق ثلاثة وللمالكية في هذا تفصيل مذكور تحت الخط (١) ، فإذا بقي للطيب طعم أو رائحة حرم، باتفاق، ولا فرق في ذلك بين أن يكون ما يضاف إليه الطيب مطبوخاً أو غير مطبوخ، باتفاق ثلاثة، وخالف الحنفية، فانظر مذهبهم تحت الخط (٢) .
الاكتحال بما فيه طيب، دهن الشعر والبدن
لا يجوز للمحرم أن يكتحل بما فيه طيب، فإن فعل ففيه الجزاء الآتي بيانه، أما الاكتحال بما ليس فيه طيب فجائز؛ باتفاق ثلاثة، وخالف المالكية؛ فانظر مذهبهم تحت الخط (٣) ويحرم عليه إسقاط شعره، فإن فعله ففيه الجزاء الآتي. ولا يجوز للمحرم أن يدهن شعره أو بدنه، على تفصيل في المذاهب، مذكور تحت الخط (٤) . الحواشي
(١) المالكية قالوا: المراد باستهلاك الطيب في الطعام ذهاب عينه بالطبخ، ومتى كان كذلك لا يحرم، ولو ظهر ريحه: كالمسك. أو لونه: كالزعفران. أما ما اختلط بشيء من غير طبخ فيحرم تناوله على المحرم. وقال بعضهم: إن الطيب إذا طبخ في الطعام لا يحرم تناوله. ولو بقيت عينه(٢) الحنفية قالوا: إذا تغير الطيب بالطبخ فلا شيء على المحرم في أكله سواء وجد رائحته أو لا. أما إن خالط ما يؤكل بلا طبخ فإن كان الطيب مغلوباً، فلا شيء فيه، إلا أنه يكره إن وجدت معه رائحة الطيب: وإن كان غالباً ففيه الجزاء. وهذا إذا خلط بما يؤكل، فإن خلط بما يشرب، فإن كان غالباً ففيه دم، وإن كان مغلوباً ففيه صدقة. إلا إن شرب مراراً. ففيه دم، كما يأتي، أما إن أكل عين الطيب. فإن كان كثيراً ففيه دم وإلا فلا شيء فيه(٣) المالكية قالوا: يحرم على المحرم الاكتحال مطلقاً بما فيه طيب وغيره إلا لضرورة فيجوز مطلقاً، غير أنه إذا اكتحل بطيب لضرورة فعليه الفدية، وإن اكتحل بغير مطيب لضرورة، فلا فدية عليه(٤) المالكية قالوا: يحرم عليه دهن الشعر والجسد، أو بعضه، بأي دهن كان، ولو كان خالياً من الطيب، فإن فعل ذلك فعليه الفدية، كما سيأتي، إلا إذا ادهن بما لا يطب فيه لمرض به؛ فلا فدية عليه، سواء كان المرض في باطن اليدين أو في الرجلين أو غيرهما، وفي غيرهما خلاف في موجب الفدية.
الحنفية قالوا: الأشياء التي تستعمل في البدن تنقسم إلى ثلاثة أنواع: الأول: طيب محضر أعدстр. 584
حكم قطع حشيش الحرم وشجره
لا يحل للمحرم، كما لا يحل لغيره أن يتعرض لشجر الحرم بقطع، أو قلع، أو إتلاف، ولا لغصن من أغصانه، ولو كانت الأغصان واصلة إلى الحل، أما إذا كان الشجر مغروساً في الحل، فيباح التعرض له، والانتفاع به إذا لم يكن مملوكاً للغير، ولو وصلت أغصانه إلى داخل الحرم؛ ومثل الشجر في ذلك حشيش الحرم، إلا الإذخر، وهو نبت معروف طيب الرائحة وكذا السنا المعروف - بالسنامكي - فإنه يباح التعرض لها بالقطع وغيره. وفي شجر الحرم وحشيشه تفصيل مذكور تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الشافعية قالوا: يحرم التعرض لأشجار الحرم الرطبة. وحشيشه الرطب بقطع أو قلع أو إتلاف، ولو كان مملوكاً للمتعرض ما عدا ما ذكر. ويزاد عليه الشوك فيباح قطعه، وإنما يحرم التعرض لشجر الحرم وحشيشه إن كان بغير قصد إصلاحه كأن يقلم الشجر لنموه، وإلا جاز أما الشجر اليابس فيجوز قطفه وقلعه وكذا يجوز قطع الحشيش اليابس. أما قلعه فيحرم مطلقاً. إلا إذا فسد منبته. فيجوز أيضاً. ولا فرق في الشجر بين الذي نيت بنفسه: كالسنط وما أنبته الناس: كالنخل. فيحرم التعرض له مطلقاً. أما الحشيش والحبوب ونحوها فإنما يحرم التعرض لها إذا نبتت بنفسها. فإذا زرعها الناس جاز لهم التعرض لها محرمين أو غير محرمين ويستثنى من المنع أمور: منها أخذ سعف النخل وورق الشجر بلا خبط يضر بالشجر وإلا حرم. ومها أخذ ثمر الشجر. وكذا عود السواك، بشرط أن ينبت مثله في سنة. ومنها رعي الشجر بالبهائم. ومنها أخذه للدواء: كالحنظل والسنامكي.
الحنابلة قالوا: يحرم قلع شجر الحرم المكي وحشيشه إذا كان رطبين. ولو كان فيهما مصرة: كالشوك. وكذا السواك ونحوه. والورق الرطب. أما ما كان يابساً من الشجر والحشيش فلا بأسстр. 585
ما يباح للمحرم
الفصد - الحجامة - حك الجلد والشعر
يباح للمحرم الفصد والحجامة من غير حلق الشعر، باتفاق ثلاثة، وخالف المالكية، فانظر مذهبهم تحت الخط (١) ، وكذا يباح له حك الجلد والشعر إذا لم يترتب على ذلك سقوط الشعر، أو الهوام، باتفاق ثلاثة من الأئمة، وقال الشافعية؛ يكره للمحرم حك جلده وشعره، ما لم يترتب عليه سقوط الشعر، وإلا كان حراماً. الحواشي
(١) المالكية قالوا: يكره للمحرم الفصد والحجامة لغير حاجة، ويجوزان لحاجة، وعليه الفدية إن وضع على موضعهما عصابة، وإلا فلاстр. 586
غسل الرأس والبدن والاستظلال
يباح للمحرم غسل رأسه وبدنه بالماء لإزالة الأوساخ عنه، بشرط أن لا يغتسل بما يقتل الهوام، فيجوز الاغتسال بالصابون ونحوه من المنظفات التي لا تقتل الهوام؛ ولو كانت له رائحة، عند الشافعية، والحنابلة، أما المالكية، والحنفية، فانظر مذهبيهما تحت الخط (١) ، ويجوز له أيضاً أن يستظل بالشجرة والخيمة والبيت والمحمل والمظلة المعروفة - بالشمسية - بشرط أن لا يمس شيء من ذلك رأسه ووجهه، فإن كشفهما واجب، باتفاق المالكية والحنفية، أما الشافعية، والحنابلة، فانظر مذهبيهما تحت الخط (٢) .
ما يطلب من المحرم لدخول مكة
يسن له أن يغتسل لدخول مكة، وهذا الغسل للنظافة لا لطواف القدوم، باتفاق ثلاثة من الأئمة ولذا يطلب من الحائض والنفساء عندهم، وخالف المالكية، فانظر مذهبهم تحت الخط (٣) ، ويستحب له أن يدخلها نهاراً، وأن يكون دخوله من أعلاها، ليكون مستقبلاً للبيت تعظيماً له، وأن يكون دخوله من بابها المعروف - بباب المعلى - وإذا دخلها بدأ بالمسجد الحرام بعد أن يأمن على أمتعته، ويندب له أن يدخل المسجد من باب السلام نهاراً، ملبياً متواضعاً خاشعاً، وأن يرفع يديه عند رؤية البيت، ويكبر ويهلل، ويقول: اللهم زد هذا البيت. الحواشي
(١) المالكية قالوا: لا يجوز للمحرم إزالة الوسخ بالغسل، ويستثنى من ذلك غسل اليدين فيجوز بما يزيل الوسخ كالصابون ونحوه مما ليس بطيب، أما الغسل بالطيب الذي تبقى رائحته في اليد فلا يجوز.
الحنفية قالوا: يجوز للمحرم أن يغتسل بما يزيل الوسخ، ولا يقتل الهوام. كما قال الشافعية والحنابلة، إلا أنه لا يجوز له أن يغتسل بما له رائحة عطرية(٢) الشافعية قالوا: يجوز الاستظلال بكل ما ذكر. ولو لاصق رأسه أو وجهه لكن لو وضع على رأسه ما يقصد به الستر عرفاً: كعباءة. وقصد الاستتار به حرم عليه ذلك. وإلا فلا.
الحنابلة قالوا: إذا استظل بما يلازمه غالباً كالمحمل حرم عليه ذلك. سواء كان راكباً أو ماشياً وإن استظل بما لا يلازمه، كشجرة أو خيمة جاز له ذلك(٣) المالكية قالوا: الغسل لدخول مكة مندوب لا سنة. وهو للطواف بالبيت لا للنظافة فلا تفعله الحائض ولا النفساء، لأنهما ممنوعتان من الطواف، لأن الطهارة شرط فيه، كما يأتي، ويندب أن يدخل مكة نهاراً في وقت الضحى، فإن قدم ليلاً بات بمكان يعرف بذي طوى، وأخر الدخول للغد إذا ارتفع النهار، ولم ينصوا على طلب الدعاء عند رؤية البيت، سواء كان الدعاء خاصاً أو عاماًстр. 587
تشريفاً وتعظيماً، وتكريماً ومهابة، وبراً، وزد من عظمته وشرفه ممن حجه أو اعتمره تعظيماً وتشريفاً، وتكريماً ومهابة، وبراً، وهذا متفق عليه، إلا أن الحنفية يقولون: يكره له رفع يديه، وهو يدعو، ولفظ الدعاء الوارد: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام: فحينا ربنا بالسلام"، ويدعو بعد ذلك بما شاء، وبعد ذلك يطوف القدوم المذكور، وإنما يسن هذا الطواف للمحرم بشرطين؛ أحدهما: أن يكون قادماً من خارج مكة، ولهذا يسمى طواف القدوم، الشرط الثاني: أن يتسع له الوقت، وإلا ذهب للوقوف وتركه إذا ظن أنه يعطله عن الوقوف.
الركن الثاني من أركان الحج: طواف الإفاضة
أنواع الطواف ثلاثة: النوع الأول: الطواف الركن، فمن لا يفعله يبطل حجة، ويقال له: طواف الإفاضة، وطواف الزيارة. النوع الثاني: الطواف الواجب: وهو طواف الزيارة؛ ويسمى طواف الصدر، النوع الثالث: الطواف المسنون، وهو طواف القدوم المتقدم ذكره فلنتكلم فيها، ولنبدأ بالكلام في طواف الإفاضة، الذي هو ركن من أركان الحج.
تعريف طواف الإفاضة
طواف الإفاضة، ويقال له: طواف الزيارة ركن من أركان الحج الأربعة المتقامة، باتفاق المذاهب، فإذا لم يفعله الحاج بطل حجه وهو سبعة أشواط بكيفية خاصة ستعرفها قريباً، وقال الحنفية: إن الطواف الركن هو أربعة أشواط، فمتى طاف أربعة أشواط فقد حصل الركن، أما باقي السبعة فإنه واجب لا ركن، وذلك لأن طواف الأشواط الربعة هو طواف لأكثر الأشواط؛ وللأكثر حكم الكل.
وقت طواف الإفاضة
وقت طواف الإفاضة الذي هو ركن من أركان الحج اختلفت في تحديده المذاهب؛ فانظره تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: وقت طواف الإفاضة من فجر يوم النحر إلى آخر العمر بعد الوقوف بعرفة، فمتى وقف الحاج بعرفة طولب بطواف الإفاضة؛ أما إذا لم يقفبعرفة في وقته الآتي بيانه؛ فإن طواف الإفاضة لم يصح منه؛ ويبطل حجه، ويشترط أن يطوف في أشهر الحج المعلومة، وهي شوال، وذوстр. 588
شروط الطواف
للطواف مطلقاً بأنواعه شروط، فلا يصح إلا بها، وهي مفصلة في المذاهب تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الشافعية قالوا: للطواف في ذاته ثمانية شروط: الأول: ستر العورة الواجب سترها في الصلاة؛ فإذا طاف أحد مكشوف العورة بطل حجه، الثاني: الطهارة من الحدث والخبث، كما في الصلاة أيضاً، الثالث: بدؤه بالحجر الأسود محاذياً له أو لجزئه بجميع بدنه من جهة الشق الأيسر؛ بأن لا يقدم جزءاً من بدنه على جزء من الحجر، فإذا بدأ بغيره لم يحسب ما طافه قبل وصوله إليه، فإذا انتهى إليه ابتدأ منه؛ ويشترط أن يحاذيه على الوجه المذكور عند الانتهاء أيضاً، الرابع: جعل البيت عن يساره وقت الطواف ماراً تلقاء وجهه؛ ولا بد أن يكون الطائف خارجاً بكل بدنه عن جدار البيت وشائروانه، وعن الحجر - بكسر الحاء - فلو مشى على الشاذروان أو مس الجدار في مروره أو دخل في إحدى فتحتي الحجر - بالكسر وخرج من الأخرى لم يصح طوافه الذي حصل فيه، كما لا يصح طواف من استقبل البيت، أو استدبره أو جعله عن يمينه، أو على يساره ورجع القهقري، الخامس: كونه سبعة أشواط يقيناً.
فلو ترك شيئاً من السبع لم يجزئه، السادس: كونه في المسجد وإن استع، فيصح الطواف ما دام في المسجد، ولو في هوائه أو على سطحه، ولو مرتفعاً عن البيت، ولو حال حائل بين الطائف والبيت، السابع: عدم صرفه لأمر آخر غير الطواف، فإن صرفه انقطع، الثامن: نية الطواف، وهذا شرط في غير طواف الركن وطواف القدوم، أما هما فلا يحتاج كل منهما إلى نية لشمول نية النسك لهما، ولا بد أن تكون نية الطواف عند محاذاة الحجر؛ فلو نوى بعدها لم يحسب ماстр. 589
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) طافه حتى ينتهي إليه، إلا إذا عاد إلى محاذاته بعد النية، ويزيد طواف القدوم شرطاً تاسعاً، وهو أن يكون قبل الوقوف بعرفة، فلا يطلب ممن دخل مكة بعد الوقوف بعرفة، وبعد منتصف الليل، وللطواف واجبات: منها أن يصون نفسه عن كل مخالفة في وقت الطواف، ومنها أن يصون قلبه عن احتقار من يراه، ومنها أن يلتزم الأدب، ومنها أن يحفظ يده وبصره عن كل معصية.
المالكية قالوا: يشترط لصحة الطواف شروط: الأول: أن يكون سبعة أشواط؛ فإن نقص عنها لم يجزئه، ولا يكفي عنه الدم إن كان ركناً، وإن شك في النقص بني على اليقين، وتمم الأشواط السبعة، أما إذا زاد عليها فلا يضر؛ لأن الزائد لغو لا اعتداد به، الثاني: الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر ومن الخبث. فإذا أحدث في أثنائه، أو علم فيه بنجاسة في بدنه أو ثوبه بطل، فإن أحدث بعده وقبل صلاة ركعتيه أعاده؛ لأن الركعتين كالجزء منه، إلا إذا خرج من مكة وشق عليه الرجوع له، فيكفيه الطواف، ويعيد الركعتين فقط، وعليه أن يبعث بهدي، وحكم صلاة هاتين الركعتين الوجوب بعد طواف الإفاضة والقدوم؛ أما في طواف الوداع فقيل بوجوب الركعتين، وقيل بسنيتهما، والقولان صحيحان؛ ويندب أن يقرأ فيهما بعد الفاتحة سورة "الكافرون" في الركعة الأولى؛ وسورة "الإخلاص" في الثانية، وندب صلاتهما خلف مقام إبراهيم والدعاء بعدهما بالملتزم - وهو بين الحجر الأسود والباب - كما يندب فعلهما بعد صلاة المغرب وقبل نافلتها لمن طاف بعد العصر. الثالث: ستر العورة كما في الصلاة. الرابع: أن يجعل البيت - وهو الكعبة - عن يساره. الخامس: أن يكون جميع بدنه خارجاً عن الحجر بتمامه وعن الشاذروان - وهو بناء محدوب لاصق الكعبة - السادس: الموالاة: فلو فرق بين أشواطه كثيراً بطل الطواف. ويغتفر التفريق اليسير. السابع: أن يكون داخل المسجد. فلا يصح على سطحه ولا خارجه ويلزم ابتداء الطواف من الحجر الأسود. فلو ابتدأه قبله وجب إتمام الشوط الأخير إليه، فإن لم يتمه وطال الفصل أو انتقض وضوءه فعليه إعادته، إلا إذا رجع لبلده، فيكفيه هذا الطواف؛ ويبعث هدياً.
الحنابلة قالوا: يشترط لصحة الطواف شروط. منها النية ومنها دخول الوقت في طواف الزيارة، وهو من نصف ليلة عيد النحر بالنسبة لمن وقف بعرفة، ولا يصح قبل الوقوف ولا حد لآخر وقته، ومنها ستر العورة كما في الصلاة، ومنها الطهارة من الخبث، كما في الصلاة، ومنها الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، إلا إذا كان الحاج طفلاً لم يميز، فيصح الطواف، ولو كان محدثاً متلبساً بنجاسة؛ ومنها كون الأشواط سبعاً، يبتدئها من الحجر الأسود، فإذا ابتدأ من غيره لا يحسب هذا الشوط، ومنها المشي إذا كان قادراً عليه، ومنها الموالاة بين الأشواط؛ فلو أحدث في أثنائه بطل، وعليه استئنافه، لكن إذا أقيمت الصلاة للراتب فله أن يصلي معه، ويبني على ما تقدم من الأشواط، مبتدئاً من الحجر الأسود، وكذلك إذا حضرت جنازة للصلاة عليها، ومنها أن يكون بالمسجد فلا يصح خارجه، ويصح على سطحه، ومنها جعل البيت عن يساره ولا بد أن يكون خارجاً عن جميع الحجر والشاذروان، وليس للطواف واجبات عندهم.стр. 590
سنن الطواف وواجباته
للطواف واجبات وسنن مفصلة في المذاهب، فانظرها تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الشافعية قالوا: للطواف ثمانية سنن. الأولى: أن يستقبل البيت أول طوافه. ويقف بجانب الحجر إلى جهة الركن اليماني بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه، ومنكبه الأيمن عند طرفه ثم ينوي الطواف ثم يمشي مستقبلاً الحجر ماراً إلى جهة الباب. فإذا جاوزه انفتل وجعل يساره إلى البيت، وهذا خاص بالمرة الأولى. الثانية: أن يمشي القادر، ولو امرأة والركوب في الطواف خلاف الأولى إن كان بلا عذر، وإلا فلا بأس به إذا كان الحمل على غير دابة صيانة للمسجد عن الدابة؛ والأفضل أن يكون حافياً ما لم يتأذ بذلك.
ويندب أن يضيق الخطوات ليكثر الثواب، وأن يلمس الحجر الأسود بيده أول طوافه، ويقبله تقبيلاً خفيفاً، ولا يسن للمرأة ذلك إلا عند خلو المطاف ليلاً أو نهاراً، ويستحب للرجل أن يضع جبهته عليه؛ وأن يكون الاستلام والتقبيل ثلاثاً، فإن عجز عن الاستلام بيده استلمه بنحو عصا، ويقبل ما أصابه به، فإن عجز عن ذلك أيضاً أشار إليه بيده؛ أو بما فيها؛ واليمين أفضل؛ يفعل ذلك في طوافه؛ الثالثة: الدعاء المأثور، فيقول عند استلام الحجر الأسود عند ابتداء كل طوفة: بسم الله؛ والله أكبر مع رفع يديه كرفع الصلاة: اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك سيدنا محمد ﷺ ، وهذا القول آكد في الطوفة الأولى من غيرها، الرابعة: أن يمشي الذكر مسرعاً من غير عدو، ولا وثب في الطوفات الثلاثة الأولى، ويمشي في الباقي على هينة، بخلاف المرأة، فإنها تمشي كعادتها، الخامسة: الاضطباع للذكر ولو صبياً، وهو أن يجعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن، وطرفيه على منكبه الأيسر، السادسة: أن يكون الرجل والصبي قريباً من البيت عند عدم الزحام، وعدم التأذي بخلاف المرأة، فيسن لها عدم القرب صيانة لها، السابعة: الموالاة في الطواف، فلو أحدث في الطواف، ولو عمداً، تطهر وبنى، لكن الاستئناف أيضاً أفضل، وكذا لو أقيمت الصلاة وهو في الطواف؛ فإنه يصلي ويتم الطواف بعدها، والاستئناف أيضاً أفضل، الثامنة: أن يصلي بعده ركعتين؛ ويكفي فرض أو نفل آخر عنهما ويندب أن تكونا عقب الطواف مباشرة، كما يندب استلام الحجر عقبهما، وأن يسعى عقب الاستلام إن كان السعي مطلوباً منه، والأفضل صلاتهما خلف المقام، ثم بالحجر - بالكسر - ثم ما قرب من البيت، وهما سنة مطلوبة، ولو طال تأخرهما عنстр. 591
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الطواف، ويكره قطع الطواف من غير سبب، والبصق ولو في نحو
ثوب بلا عذر، وجعل يديه خلف ظهره، أو على فمه في غير حال التثاؤب، وفرقعة الأصابع، ويكره الطواف أيضاً حال مدافعة الأخبثين.
المالكية قالوا: للطواف واجبان، وسنن، فأما واجباه فهما صلاة ركعتين بعده، كما تقدم، والمشي فيه للقادر عليه، وأما سننه، فهي تقبيل الحجر الأسود في الشوط الأول، ويكبر عند ذلك، فإن لم يتمكن من تقبيله لمسه بيده، فإن يستطع لمسه بعود مثلاً، ثم يضع يده أو العود بعد اللمس بأحدهما على فيه، ويكبر حينئذ فإن لم يستطع شيئاً من ذلك كبر عند محاذاته، ومن السنن أيضاً استلام الركن اليماني بيده في الشوط الأول، ثم يضعها على فيه، والدعاء في الطواف، ولا يحد بحد مخصوص، بل بما شاء، والرمل، وهو الإسراع فوق المشي المعتاد في الأشواط الثلاثة الأول، وإنما يسن الرمَل للرجل لا للمرأة، وفي غير طواف الإفاضة، أما الرمل في طواف الإفاضة فهو مندوب، كما يأتي، ويندب في الطواف الرمل في الشواط الثلاثة الأول من طواف الإفاضة لمن يم يطف طواف القدوم، وتقبيل الحجر الأسود في الشوط الأول، واستلام الركن اليماني في الشوط الأول أيضاً، والقرب من الكعبة بالنسبة للرجال، أما النساء فالسنة أن يطفن خلف الرجال، كما في الصلاة.
الحنابلة قالوا: سنن الطواف هي: أولاً: استلام الركن اليماني بيده اليمنى في كل شوط، ثانياً: استلام الحجر الأسود وتقبيله في كل شوط أيضاً إن تيسر، والإشارة إليه بيده عند محاذاته إن تعسر، ثالثاً: الاضطباع في طواف القدوم، وهو أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر، رابعاً الرمَل، وهو الإسراع في المشي مع تقارب الخطى، وإنما يسن في الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم لغير الراكب والمعذور والمحرم من مكة أو مكان قريب منها، ولغير المرأة أيضاً، أما هؤلاء فلا يسن لهم، كما لا يسن في طواف الزياة ولا غيره مما عدا طواف القدوم، خامساً: الدعاء، سادساً: الذكر، سابعاً؛ القرب من الكعبة، ثامناً: صلاة ركعتين بعد الطواف.
الحنفية قالوا: واجبات الطواف وسننه أمور. فمن واجباته أن يبدأ طوافه من الحجر الأسود، فلو لم يفعل ذلك وجب عليه إعادة الطواف ما دام بمكة، فإن لم يعده ورجع عليه دم، والأفضل أن لا يترك شيئاً من الحجر الأسود، بل يقابله بجميع بدنه، بأن يجعله عن يمينه، ويجعل منكبه الأيمن عند الحجر الأسود، ومنها التيامن، بأن يطوف عن يمينه مما يلي الباب، ويجعل الكعبة عن يساره، لأنها بمنزلة الإمام له والمنفرد يقف على يمين إمامه، فلو نكس الطواف بأن طاف عن يساره، وجعل الكعبة عن يمينه وجبت عليه الإعادة أو الدم، أما طهارة الثوب والبدن والمكان من الخبث فسنة مؤكدة، حتى لو طاف وعليه ثوب كله نجس، فلا جزاء عليه وإنما ترك السنة على الصحيح، ومنها ستر العورة الواجب سترها في الصلاة، فلو انكشف ربع العضو الواجب ستره في الصلاة فقد ترك الواجب؛ ووجبت عليه الإعادة أو الدم.
واعلم أن ستر العورة في ذاته فرض، فمعنى كونه واجباً هنا أن الطواف لا يفسد بتركه، بل يصح مع الإثم، وتجب فيه الإعادة أو الجزاء، أما إذا انكشف أقل من ربع العضو، فلا يضر، كما فيстр. 592
الركن الثالث من أركان الحج، السعي بين الصفا والمروة
السعي بين الصفا والمروة، ركن من أركان الحج، بحيث لو لم يفعله بطل حجه، عند ثلاثة من الأئمة، وخالف الحنفية في ذلك فقالوا: إن السعي واجب لا ركن، فلو تركه لا يبطل حجه، وعليه فدية.
الحواشي
(١) الصلاة، ومنها المشي فيه للقادر عليه، فلو كاف راكباً أو محمولاً: أو زاحفاً بلا عذر، فعليه الإعادة أو الدم، أما إن كان ذلك لعذر، فلا شيء عليه، ومنها أن يطوف وراء الحطيم - الحجر - لأن بعضه من البيت ومنها كون الطواف سبعة أشواط، والشوط من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود وهذه الأشواط السبعة واجبة كلها في طوافي القدوم والوداع، إلا أنه لو ترك أكثر أشواط الوداع، وهي أربعة، لزمه دم، ولو ترك أقل من ذلك لزمه لكل شوط صدقة بخلاف طواف القدوم فإنه لا يلزمه شيء بترك أكثرها أو أقلها؛ سوى التوبة، لأنه سنة في ذاته، وإنما وجب بالشروع فيه، كالنافلة، فلا يكون حكمه حكم الواجب بأصله، أما طواف الزيارة المفروض، فأكثر أشواطه ركن، بحيث لو ترك الأكثر بطل، وباقيها واجب، كما تقدم، ولا يتحقق ترك الواجب إلا بالخروج من مكة؛ أما ما دام فيها، فهو مطالب به، ولا تجزئ الإنابة في الطواف بدون عذر، ومنها أن يصلي ركعتين عقب كل سبعة أشواط من طوافه، سواء كان طوافه فرضاً أو واجباً أو سنة أو نفلاً، والأفضل أن يوالي بينهما وبين الطواف؛ إلا إذا طاف في وقت كان طوافه فرضاً أو واجباً أو سنة أو نفلاً، والأفضل أن يوالي بينهما وبين الطواف؛ إلا إذا طاف في وقت الكراهة؛ ولا تفوت بتركها، بل يصليهما في أي وقت شاء، ولو بعد الرجوع إلى وطنه، إلا أنه يكره له الكراهة؛ ولا تفوت بتركها، بل يصليهما في أي وقت شاء، ولو بعد الرجوع إلى وطنه، إلا أنه يكره له ذلك، ويستحب أداءهما خلف المقام، ثم في الكعبة، ثم في الحجر تحت الميزاب، ثم في كل ما يقرب منالحجر - بالكسر - إلى البيت، ثم
المسجد، ثم الحرم، فإن صلاهما خارج الحرم أساء، ويقرأ في الركعة الأولى، "الكافرون"، وفي الثانية "الإخلاص".
هذه واجبات الطواف؛ أما سننه فهي أمور: منها أن يجعل قبل شروعه في الطواف طرف ردائه تحت إبطه اليمنى؛ ويلقي طرفه الآخر على كتفه الأيسر، ويسمى هذا الفعل اضطباعاً ويفعل ذلك في كل طواف بعده سعي، كطواف القدوم، ومنها المشي بسرعة، مع تقارب الخطى؛ وهز الكتفين ويسمى هذا الفعل رملاً، يأتي به في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، فإن رأى ما يعوقه وقف حتى يتمكن من إعادة الرمل، ومنها استلام الحجر الأسود، وتقبيله عند نهاية كل شوط، وتتأكد النية في الشوط الأول والأخير، فإن لم يستطع استلامه بيده استلمه بنحو عصا إن أمكن، ويقبل ما مس به، فإن لم يستطع ذلك أيضاً استقبل الحجر ورفع يديه مستقبلاً بباطنهما إياه، ويكبر، ويهلل ويحمد الله تعالى، ويصلي على النبي ﷺ ، وهذ الاستقبال مستحب، وكذا استلام الركن اليماني مستحب، وليس بسنة، ويستحب أن يدعو عقب صلاة ركعتي الطواف خلف المقام بما يحتاج إليه من أمور الدنيا والآخرة، وأن يأتي زمزم بعد صلاة ركعتين قبل الخروج إلى الصفا، فيشرب منها، ويتضلع، ويفرغ الباقي في البئر، ويقول: اللهم إني أسألك رزقاً واسعاً، وعلماً نافعاً، وشفاءً من كل داء، ثم يأتي الملتزم قبل الخروج إلى الصفاстр. 593
شروط السعي بين الصفا والمروة، وكيفيته وسننه
للسعي شروط وسنن، مفصلة في المذاهب؛ فانظرها تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الحنفية قالوا: للسعي بين الصفا والمروة واجبات، وسنن، وشرط، فأما واجباته، فمنها أن يؤخره عن الطواف، ومنها أن يسعى سبعة أشواط، وكل شوط من أشواطه السبعة واجب، ومنها المشي فيه، حتى لو سعى راكباً لغير عذر لزمه إعادته، أو إراقة دم ومنها أن يبدأ سعيه من الصفا، ثم ينتهي إلى المروة، ويعد هذا شوطاً على الصحيح، فإن بدأ بالمروة لا يحسب هذا الشوط. أما سنته: فمنها أن يوالي بين الطواف والسعي، فلو فصل بينهما بوقت ولو طويلاً، فقد ترك السنة، وليس عليه جزاء، ومنها الطهارة من الحدثين، فيصح سعي الحائض والنفساء بلا كراهة للعذر، ومنها أن يصعد على الصفا والمروة فيسعيه، وأن يسعى بين الميلين الأخضرين وهما عمودان: أحدهما تحت منارة باب علي، والآخر قبالة رباط العباس، ومنها أن يهرول بين الميلين المذكورين، ومنها أن يكبر ويهلل ويصلي على النبي ﷺ ، ويدعو بما شاء، ويستقبل البيت على الصفا والمروة، ومنها أن يستلم الحجر الأسود قبل الذهاب إلى السعي بيده، فإن لم يستطع، فعل ما تقدم بيانه في "سنن الطواف" والأفضل أن يخرج من باب الصفا، وهو باب بني مخزوم، ويقدم رجله اليسرى في الخروج، ويندب أن يرفع يديه نحو السماء عند الدعاء على الصفا والمروة، وإذا أقيمت الصلاة وهو في طوافه أو سعيه صلى وبنى بعد صلاته على ما فعله قبلها، ويكره له الحديث في البيع والشراء ونحوه في أثناء السعي والطواف، وأما شرطه: فهو أن يكون بعد الطواف، فلو سعى أولاً، ثم طاف لا يعتد بسعيه، ويجب عليه الإعادة ما دام يمكنه.
المالكية قالوا: السعي بين الصفا والمروة ركن للحج، كما تقدم. وله شروط صحة، وسنن. ومندوبات. وواجب: فأما شروط صحته فهي: أولاً: كونه سبعة أشواط فإن سعى أقل منها فلا يجزئه وعله أن يكمله. إلا إذا طال الفصل عرفاً، وإلا ابتدأه من أوله، ثانياً: أن يبدأ بالصفا. فلو بدأ بالمروة فلا يحتسب ذلك الوشط، ويعد الذهاب من الصفا إلى المروة شوطاً، والرجوع منها إلى الصفا شوطاً آخر، ثالثاً: الموالاة بين أشواطه، فلو فرق بينها تفريقاً كثيراً استأنفه، ويغتفر الفصل اليسير: كأن يصلي أثناءه على جنازة، أو يحصل منه بيع وشراء لا يطول عرفاً، رابعاً: أن يكون بعد طواف، سواء كان الطواف ركناً أو غيره، فإن لم يفعله بعد طواف، فلا يصح، وإن أوقعه بعد طواف صح، ولا يطالب بإعادته إن كان الطواف السابق عليه ركناً، وهو طواف الإفاضة، أو واجباً، وهو طواف القدوم، ولا يطالب بإعادته إن كان الطواف السابق عليه ركناً، وهو طواف الإفاضة، أو واجباً، وهو طواف القدوم، أما إذا أوقعه بعد الطواف المندوب: كطواف تحية المسجد، فإنه يطالب بإعادته عقب طواف القدوم إن لم يكن وقف بعرفة، وإلا أعاده عقب طواف الإفاضة، لأن طواف القدوم يفوت بالوقوف، وإنما يعيده على هذا التفصيل، ما دام بمكة أو قريباً منها، فيرجع لإعادته، ويعيد طواف الإفاضة لأجله، فإن تباعد عن مكة بعث هدياً، ولا يرجع لإعادته، وكذلك يعيده على هذا التفصيل إذا أوقعه عقب الطواف الركن، وهو لا يعتقد أنه ركن، ولم ينو ذلك، أو بعد الطواف الواجب، ولم يعتقد وجوبه، ولم ينوه.
وأما سننه فهي: أولاً: تقبيل الحجر الأسود قبل أن يخرج له، وبعد الطواف، وصلاة ركعتين؛ ثانياً: اتصالهстр. 594
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بالطواف بأن يفعله عقب الفراغ من الطواف وركعتيه؛ ثالثاً: الصعود على كل من الصفا والمروة عند الوصول إليه في كل شوط؛ وينبغي أن لا يفرط في إطالة الوقوف عليهما، كما يفعله الناس، وإنما يسن الصعود عليهما للرجال وللنساء إن لم يكن هناك زحمة رجال، وإلا فلا يصعدن، رابعاً: الدعاء عليهما بلا حد؛ خامساً: إسراع الرجال بين الميلين الأخضرين فوق الرمل المتقدم في الطواف؛ والميلان الأخضران عمودان: أحدهما تحت منارة باب علي؛ وثانيهما: قبالة رباط العباس، والإسراع المذكور يكون حال ذهابه إلى المروة، ولا يسرع في رجوعه على الراجح وأما مندوبات السعي فهي: الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، ومن الخبث، وباقي شروط الصلاة الممكنة مندوبة له، أما غير الممكنة فلا تندب: كاستقبال القبلة، لعدم تيسره؛ وليس للسعي سوى واجب واحد؛ وهو المشي للقادر عليه.
الحنابلة قالوا: شروط السعي بين الصفا والمروة سبعة؛ أحدها: النية، ثانيها: العقل، ثالثها: الموالاة بين مراتب السعي، رابعها: المشي للقادر عليه، خامسها: أن يكون السعي بعد طواف ولو كان الطواف مندوباً: سادسها: أن يكون السعي سبع مرات كاملة، وتعتبر المرة من الصفا إلى المروة، ومن المروة إلى الصفا مرة أخرى، وهكذا إلى تمام السبعة، سابعها: أن يقطع المسافة التي بين الصفا والمروة كلها، بأن يلصق عقب رجله بأسفل الصفا، ثم يمشي إلى المروة إلى أن يلصق أصابع رجله بها، ثم يلصق عقب رجله بأسفل المروة عند رجوعه إلى الصفا إلى أن يلصق أصابع رجله بأسفل الصفا، وهكذا، ويفتتح بالصفا، ويختتم بالمروة، فإن بدأ بالمروة لم تحسب له تلك المرة، وسنن السعي أن يكون متطهراً من الحدث والخبث، وأن يكون مستور العورة، وأن يوالي بين السعي والطواف.
الشافعية قالوا: للسعي شروط، ومندوبات ومكروهات: فأما شروطه فهي: أولاً: البدء بالصفا، والختم بالمروة، ويحتسب الذهاب من الصفا إلى المروة شوطاً، ومن المروة إليه شوطاً آخر؛ ثانياً: كونه سبعة أشواط يقيناً. فلو شك في العدد بنى على الأقل، لأنه هو المتيقن، ويلزم استيعاب المسافة في كل شوط، وأن لا يصرف سعيه إلى غير النسك، فلو قصد به المسابقة فقد فلا يصح؛ ثالثاً: أن يقع بعد طواف الإفاضة أو القدوم، بشرط أن لا يتخلل بينهما وقوف بعرفة، فلو طاف للقدوم، ثم وقف بعرفة، فلا يسعى حينئذ، بل يؤخره حتى يفعله بعد طواف الإفاضة؛ وأما مندوباته فهي: أولاً: أن يخرج إليه من باب الصفا، وهو أحد أبواب المسجد الحرام؛ ثانياً: أن يرقى على الصفا حتى يرى الكعبة؛ أما النساء، فلا يسن لهن ذلك، إلا إذا خلا المحل عن الرجال الأجانب؛ ثالثاً: الذكر الوارد عند كل منهما، وهو أن يقول بعد استقبال الكعبة، سواء رقي على الصفا، أو لا: الله أكبر ثلاثاً، ثم يقول: ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيى ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.
لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون، ثم يدعو بما شاء ويكرر الذكر والدعاء ثلاث مرات، رابعاً: أن يكون متطهراً من الحدث والخبث، مستور العورة؛ خامساً: عدم الركوب إلا لعذر؛ سادساً: أن يهرول الرجل فيстр. 595
الركن الرابع؛ الحضور بأرض عرفة، وكيفية الوقوف
الركن الرابع من أركان الحج الحضور بأرض عرفة، على أي حال من الأحوال، سواء كان يقظان أو نائماً، وسواء كان قاعداً أو قائماً، وسواء كان واقفاً أو ماشياً، باتفاق، وله شروط وسنن مفصلة في المذاهب، فانظرها تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الشافعية قالوا: للوقوف بعرفة شروط، وسنن؛ أما شروطه فهي: أولاً: أن يكون ذلك الحضور في وقته؛ ووقته من زوال شمس اليوم التاسع من ذي الحجة إلى فجر يوم النحر. ويكفي الحضور من ذلك الوقت ولو لحظة؛ ثانياً: أن يكون الحاج أهلاً للعبادة. بأن لم يكن مجنوناً. ولا سكران زائل العقل. فإن كان مجنوناً أو سكران زائل العقل لم يجزئه ذلك الحضور عن الفرض. وأما المغمى عليه فهو كالمجنون إن لم ترج إفاقته، وإلا ظل محرماً إلى أن يفيق من الإغماء، وأما سننه: فمنها أن يقف في موقف النبي ﷺ عند الصخرات الكبار التي في أسفل جبل الرحمة إن سهل عليه ذلك، وإلا اكتفى بالقرب منها بحسب الإمكان، هذا للرجال. وأما النساء فيندب لهن الجلوس في حاشية الموقف إلا أن يكون لهن هودج ونحوه فإن الأولى لهن حينئذ الركوب فيه، ومنها الاكثار من الدعاء والذكر والتهليل. كأن يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك. وله الحمد. وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نوراً وفي بصري نوراً، اللهم اشرح لي صدري. ويسر لي أمري. اللهم لك الحمد كالذي نقول. وخيراً مما نقول، ويندب غير ذلك من الأدعية المعروفة. ويكرر كل دعاء ثلاثاً. ويفتتح بالتحميد والتمجيد والتسبيح. والصلاة على النبي ﷺ ، ويختم بمثل ذلك مع التأمين. ويكثر من البكاء، ومن قراءة سورة "الحشر" ومنها أن يحرص على أكل الحلال، وعلى خلوص النية، ومزيد الخضوع والانكسار، ومنها رفع يديه - ولا يجاوز بهما رأسه - وأن يبرز للشمس إلا لعذر، وأن يفرغ قلبه من الشواغل قبل دخول وقت الوقوفن وأن يتجنب الوقوف في الطريق؛ ومنها أن يكون متطهراً من الحدث والخبث، مستور العورة. مستقبل القبلة. وأن يكون راكباً إن أمكن. وأن لا ينهر السائل. أو يحتقر أحداً من خلق الله.
وأن يترك المخاصمة والمشاتمة، ومنها أن يقف بعرفة إلى الغروب ليحصل بين الليل والنهار.
الحنفية قالوا: للحضور بعرفة شرط. وواجب وسنن، أما شرطه فهو أن يكون في وقته الشرعي. وهو من بعد زوال شمس اليوم التاسع من شهر ذي الحجة إلى فجر يوم النحر ولا يشترط النية. ولا العلم والعقل. فمن حضر في عرفة في هذا الوقت صح حجه. سواء أكان ناوياً أم لا، عالماً بأنه فيстр. 596
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) عرفة أو جاهلاً، أو مجنوناً، أو مغمى عليه، أو نائماً، أو يقظان، وأما واجبه فهو أن يمتد إلى غروب الشمس إن وقف نهاراً. أما إن وقف ليلاً فلا واجب عليه.
فإذا وقف بالنهار ودفع من عرفة قبل غروب الشمس عليه دم، وأما سننه فهي: الاغتسال، وأن يخطب الإمام خطبتين، وأن يجمع الحاج بين صلاة الظهر والعصر بالشروط المتقدمة في "مبحث الصلاة" وأن يعجل الوقوف عقبهما، وأن يكون مفطراً، وأن يكون متوضئاً، وأن يقف على راحلته، وأن يكون وراء الإمام قريباً منه بقدر إمكانه، وأن يكون حاصر القلب، فارغاً من الأمور الشاغلة عن الدعاء، وأن يقف عند الصخرات السود، وهي موقف النبي ﷺ ، فإن تعذر الوقوف عندها اجتهد أن يكون قريباً منها بقدر الإمكان، وأن يرفع يديه مبسوطتين، ويدعو بعد الحمد والتهليل والتكبير والصلاة على النبي ﷺ ، ويلبي في موقفه، ويكثر الاستغفار لنفسه ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات، وأن يستمر في التلبية والتهليل والتسبيح والثناء على الله بالخشوع والتذلل والإخلاص، وأن يصلي على النبي ﷺ ، وأن يدعو بقضاء الحوائح لغروب الشمس، ولا يتقيد بصيغة خاصة في دعائه، بل يدعو بما شاء، والأفضل أن يكون أكثر دعائه، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا نعبد إلا إياه، ولا نعرف رباً سواه؛ اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً؛ اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، اللهم هذا مقام المستجير العائذ من النار، أجرني من النار بعفوك، وأدخلني الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم إذا هديتني للإسلام فلا تنزعه عني ولا تنزعني عنه حتى تقبضني وأنا عليه، والسنة أن يخفي صوته بالدعاء.
الحنابلة قالوا: للحضور بعرفة شروط وواجب، وسنن أما شروطه: فمنها أن يكون الحضور إلى عرفة باختياره، فلا يصح حضور من أكره على الوقوف: ومنها أن يكون أهلاً للعبادة، فلا يصح الحضور من مجنون، ولا سكران، ولا مغمى عليه، ومنها أن يكون في الوقت المعتبر له شرعاً، وهو من فجر اليوم التاسع من شهر ذي الحجة إلى فجر اليوم العاشر، وهو يوم النحر، ويجزئه الوقوف، ولو لم يعلم بأن المكان الذي وقف فيه من عرفة، ولو لم يعلم بأن هذا الزمن هو زمن الوقوف. فمتى صادف المكان والزمن صح وقوفه، ولو لم يعلم بهما. وأما واجبه فهو حضوره بعرفة جزءاً من الليل إذا كان قد وقف نهاراً، وأما من جاء الجبل ليلاً، فإنه يجزئه الحصور في وقته المذكور، ولا شيء عليه. وأما سننه: فمنها أن يقف على راحلته، وأن يستقبل القبلة، وأن يكون عند الصخرات وجبل الرحمة، ولا يطلب صعوده، وأن يرفع يديه عند الدعاء، وأن يكثر الدعاء والاستغفار والتضرع وإظهار الضعف والافتقار، ويلح في الدعاء، ولا يستبطئ الإجابة، ويكرر كل دعاء ثلاث مرات؛ ويكثر من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير؛ اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً؛ ويسر لي أمري.
المالكية قالوا: من أركان الحج الحضور بعرفة بأي جزء منها على أي حال كان، سواء لبث بها أو مر، إلا أنه إن كان ماراً شرط فيه أمران. الأول: العلم بأنها عرفة، فلو مر بها جاهلاً لا يكفيه ذلك،стр. 597
واجبات الحج
رمي الجمار - المبيت بمنى - الوجود بمزدلفة
وقد عرفت مما تقدم أن كل ركن من أركان الحج له شروط وواجبات، وسنن، وقد بينا كل ما يخص كل ركن منها قريباً، وبقيت واجبات عامة لا تخص ركناً دون ركن، وهي التي نريد بيانها ها هنا ذا، ومنها رمي الجمار، والمبيت بمنى، والوجود بالمزدلفة، والحلق، والتقصير، وغير ذلك مما هو مفصل في المذاهب، فانظره تحت الخط (١) . الحواشي
(١) الشافعية قالوا: واجبات الحج العامة خمسة؛ الأول: الإحرام من الميقات على التفصيل المتقدم، الثاني: الوجود بمزدلفة، ولو لحظة، بشرط أن يكون ذلك في النصف الثاني من الليل بعد الوقوف بعرفة، ولا يشترط المكث؛ بل يكفي مجرد المرور بها، سواء أعلم بأنها المزدلفة أم لا، الثالث: رمي الجمار؛ بأن يرمي جمرة العقبة وحدها يوم النحر. والجمرات الثلاث كل يوم من أيام التشريق الثلاثة التي هي عقب النحر؛ ويدخل وقت الرمي بانتصاف ليلة النحر، بشرط تقدمстр. 598
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الوقوف، ويمتد وقته إلى آخر أيام التشريق؛ ولا بد من تحقق معنى الرمي، فلو وضع الحجر في المرمى لم يعتد به، وكذا لا بد من قصد مكان الرمي. فلا يجزئ الرمي في الهواء وإن وقع في المرمى، ولا يجزئ الرمي إلا إذا تحقق إصابة المرمى، والرمي المعتبر شرعاً هو ما كان باليد لا بقوس ونحوه، فإنه لا يجزئه إلا لعذر، ولا يجزئ في الرمي إلا الحجر، أما اللؤلؤ، والملح، والآجر ونحوه فلا يجزئ، ولا بد أن يجزم الرامي بأنه رمى سبع حصيات في كل جمرة من الجمرات الثلاث، وذلك في اليوم الثاني، والثالث، والرابع من أيام العيد، كما أنه لا بد أن يتحقق رمي سبع حصيات في جمرة العقة، وهي التي تتكون في يوم العيد، فإن شك كمل حتى يتحقق السبع ويشترط في السبع حصيات أن ترمى في سبع مرات، أما لو رماها على غير ذلك فلا تحسب إلا واحدة؛ ولا بد من الترتيب بين الجمرات الثلاث التي يرميها أيام التشريق، فيبدأ برمي الجمرة التي تلي مسجد الخيف، ثم الوسطى؛ ثم العقبة، فلا ينتقل إلى واحدة إلا بعد تمام ما قبلها.
وسنن الرمي: منها الاغتسال له كل يوم ومنها تقديم الرمي أيام التشريق على صلاة الظهر. ومنها الموالاة بين الرميات وبين الجمرات. ومنها أن يكون الرمي باليد اليمنى إن سهل، ومنها غسل الحصى إن احتملت نجاسة. ومنها أن يكون الجمر صغيراً أقل من الأنملة. ومنها إبدال التلبية بالتكبير عند أول حصاة يرميها ومنها أن يرمي راكباً إذا أتى من منى راكباً. ومنها أن يرمي بحصيات جديدة لم يرم هو ولا غيره بها. وكره مخالفة شيء من تلك السنن. الرابع: من واجبات الحج: المبيت بمنى. ويشترط فيه أن يكون معظم الليل من ليالي أيام التشريق الثلاثة لمن لم يتعجل. أما من أراد أن يتعجل. ويخرج من منى إلى مكة في اليوم الثاني من أيام التشريق وهو الثالث من أيام العيد، فيسقط عنه المبيت بمنى ليلة الثالث من أيام التشريق والرمي فيه. لقوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه﴾ - الآية. بشرط أن يخرج من منى قبل غروب الشمس من اليوم الثاني، فلو غربت عليه الشمس، وهو بمنى، تعين عليه المبيت ليلة الثالث. والرمي فيه، إلا إذا كان تأخيره لعذر، ويشترط لجواز الخروج المذكور أن يكون بنية مقارنة له، فلو خرج من غير نية لزمه العود وأن لا يعزم على العود حال خروجه. فلو خرج عازماً على العود لزمه العود. ولا تفيد نية الخروج، وإنما يجب المبيت بمنى ليالي الرمي على غير المعذور، أما المعذور: كرعاة الإبل. وأهل السقاية بمكة أو بالطريق، ومن خاف على نفسه وماله من المبيت فيرخص له في ترك المبيت ولا يلزمه أما الرمي فلا يسقط، الخامس: التباعد عن محرمات الإحرام السابقة.
الحنفية قالوا: واجبات الحج الأصلية خمسة: أولاً: السعي بين الصفا والمروة؛ ثانياً؛ الحضور بمزدلفة، ولو ساعة قبل الفجر، فلو ترك الحضور بالمزدلفة قبل طلوع الفجر لزمه دم إلا إذا كانت به علة أو مرض فلا شيء عليه، ثالثاً: رمي الجمار لكل حاج؛ وكيفيته أن يرمي يوم النحر جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات ونحوها، مما يجوز عليه التيمم، ولو كفاً من تراب، فإنه يقوم مقام الحصاة الواحدة، ولا يجوز الرمي: بخشب، وعنبر، ولؤلؤ، وذهب وفضة، وجوهر، وبعر، ونحو ذلك، لأنه ليس من جنس الأرض، ويكره أخذ الحصاة ونحوها من عند الجمرة، كما يكره نثرها، ويكره أن يرميстр. 599
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أكثر من سبع حصيات، ويسن في الرمي أن يكون بين الرامي وبين الجمرة - أي المكان الذي يرمي فيه الحصى - خمسة أذرع، وأن يمسكها برؤوس اصابعه، فإن رماها ونزلت على رجل أو جمل، فإن وقعت بنفسها بقرب الجمرة جاز، أما إن وقعت في مكان بعيد عن الجمرة، فإنها لا تجزئه، ويرمي غيرها وجوباً، ويقدر البعد بثلاثة أذرع؛ وأن يكبر مع رمي كل حصاة، بأن يقول؛ باسم الله؛ الله أكبر، ويقطع التلبية لأولها، ويكره أن يتخذ حجراً واحداً يكسره إلى حصى صغير يرمي به؛ ووقت أداء رمي جمرة العقبة فجر يوم النحر إلى فجر اليوم الثاني منه.
فإن قدمه عن ذلك لا يجزئه، وإن أخره عن ذلك لزمه دم، ويستحب أن يكون هذا الرمي بعد شروق الشمس إلى الزوال، ويباح بعد ذلك إلى الغروب، ويكره بالليل، كما يكره بعد فجر النحر إلى طلوع الشمس؛ ثم يرمي ثاني يوم النحر الجمار الثلاث؛ ويسن أن يبدأ برمي الجمرة الأولى، وهي التي تلي مسجد الخيف، ثم بالجمرة الوسطى، ثم بجمرة العقبة؛ وفي كل منها يرمي سبع حصيات بالكيفية المتقدمة، فإن عكس هذا الترتيب بأن رمى الجمرة الوسطى مثلاً قبل الجمرة الأولى، سن له إعادة الرمي، ويسن أن يقف بعد أن يتم الرمي الذي بعده رمي آخر بمقدار قراءة ثلاثة أرباع جزء من القرآن - ثلث ساعة تقريباً - ووقت الرمي في اليوم الثاني والثالث هو من بعد الزوال إلى الغروب: ويكره في الليل إلى الفجر وقبل الزوال لا يجزئ، وبعد فجر اليوم الثاني يلزمه دم بالتأخير ويدعو لنفسه أو لغيره بما شاء؛ رافعاً يديه نحو القبلة أو نحو السماء؛ ثم يرمي كذلك في ثالث أيام النحر. وكذا في تاليه إن بقي هناك، ويجوز له أن يرمي ماشياً أو راكباً. والأفضل في رمي الأولى والوسطى أن يكون ماشياً، وفي رمي جمرة العقبة أن يكون راكباً؛ رابعاً: الحلق أو التقصير، خامساً: طواف الصدر، أما ما عدا ذلك من الواجبات فهي متعلقة بكل واجب من هذه الواجبات الأصلية، أو متعلقة بشرط أو ركن على حدته، وقد علمت مما تقدم واجبات الطواف؛ وواجبات السعي، وواجبات الوقوف، وبقي من الواجبات: الترتيب بين الرمي والحلق. والذبح يوم النحر، وتوقيت الحلق بالزمان والمكان. والضابط أن كل ما يترتب على تركه دم فهو واجب، وسيأتي بيان كل ما يترتب على تركه دم في مبحث "جناية الحج".
الحنابلة قالوا: للحج واجبات سبعة: الأول: الإحرام من الميقات المعتبر شرعاً. الثاني: وقوفه بعرفة إلى الغروب إذا وقف نهاراً؛ الثالث: المبيت بالمزدلفة ليلة النحر على غير السقاة والرعاة ويتحقق بالوجود في أي لحظة من النصف الثاني من الليل، الرابع: المبيت بمنى على غير السقاة والرعاة ليالي أيام التشريق، الخامس: رمي الجمار على الترتيب، بأن يبدأ بالتي تلي مسجد الخيف، ثمبالوسطى، ثم بجمرة العقبة، ولا يجزئ في الرمي أن يرمي بحصاة صغيرة جداً، أو كبيرة، ولا بما رمى بها غيره، ولا يجزئ أيضاً بغير الحصى. كجوهر، وذهب، ونحوهما، ويشترط رمي الحصى، فلا يكفي وضعه في المرمى بدون رمي؛ ويشترط كون الرمي واحدة بعد واحدة إلى تمام السبع، فلو رمى أكثر من واحدة في مرة واحدة حسب ذلك واحدة، ويشترط أيضاً أن يعلم وصول الحصى إلى المرمى، فلا يكفي ظن الوصول، ولو رمى حصاة ووقعت خارج المرمى، ثم تدحرجت حتى سقطتстр. 600
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فيه أجزأته؛ وكذا إن رماها فوقعت على ثوب إنسان فسقطت في المرمى، ولو بدفع غيره أجزأته أيضاً، ووقته من نصف ليلة النحر لمن وقف قبله بعرفة، ولا يصح الرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال؛ السادس: الحلق أو التقصير. السابع: طواف الوداع.
المالكية قالوا: واجبات الحج العامة التي لا تخص ركناً من أركانه أمور: منها النزول بمزدلفة بقدر حط الرحال بعد أن ينزل من عرفة ليلاً؛ وهو سائر إلى منى إذا لم يكن عنده عذر، وإلا فلا يجب عليه النزول بها، ومنها تقديم رمي جمرة العقبة في اليوم العاشر على الحلق، وطواف الإفاضة، فلو حلق قبل الرمي، أو طاف للإفاضة قبله فعليه دم، وأما تقديم الرمي على النحر، وتقديم النحر على الحلق؛ وتقديم الحلق على طواف الإفاضة فهو مندوب، فالمطلوب في يم النحر أربعة أمور: رمي جمرة العقبة، نحر الهدي، أو ذبحه، الحلق، طواف الإفاضة، وتفعل على هذا الترتيب ورمي جمرة العقبة في ذاته واجب، ووقته من طلوع فجر يوم النحر، ويندب أن يكون بعد طلوع الشمس إلى الزوال، ويكره تأخيره عنه، ومنها الرجوع للمبيت بمنى بعد طواف الإفاضة، فيبيت بها ثلاث ليال وجوباً، وهي: ليلة الثاني، والثالث، والرابع من يوم النحر إن لم يتعجل، أما إذا تعجل فيكفيه المبيت ليلتين، ويسقط عنه البيات ليلة الرابع والرمي في ذلك اليوم، بشرط أن يجاوز جمرة العقبة قبل غروب اليوم الثالث، وإلا تعين عليه المبيت بها ليلة الرابع، والرمي فيه، ومنها رمي الجمار في أيام التشريق الثلاثة بعد يوم عيد النحر يرمي في كل يوم ثلاث جمرات كل منها بسبع حصيات، ووقت الرمي في كل يوم منها من زوالالشمس إلى الغروب، فلو قدم الرمي على الزوال لا يكفي، وعليه دم إن لم يعده بعد الزوال؛ وإن أخره إلى الليل أو إلى اليوم الثاني فعليه دم، ويندب أن يكون في كل يوم قبل أن يصلي الظهر، ويشترط في صحة الرمي أمور، أولاً: أن يبدأ برمي الجمرة الكبرى؛ وهي التي تلي مسجد مني، ثم الوسطى التي في السوق، ثم يختم بالعقبة، وليس في يوم النحر سوى رمي جمرة العقبة، كما تقدم، ثانياً: أن يكون ما يرمى به من جنس الحجر فلو رمي
بطين لا يكفي، ثالثاً: أن لا يكون صغيراً جداً: كالقمحة، بل يكون كالحصى الذي يتحاذف به الصبيان وقت اللعب، أو يجعل الحصى بين السبابة وافبهام من يده اليسرى، ثم يحذفها بسبابة اليمنى، فلو رمى بصغير جداً لا يجزئ، وإن رمي بكبير أجزأه مع الكراهة؛ ولا يشترط طهارة ما يرمى به؛ فلو رمي بمتنجس أجزأه، وندب أن يعيده بطاهر، رابعاً: أن يكون الرمي باليد فلو رمى برجله لا يكفي، ويندب أن يكون الرمي بيده المينى إن كان يحسن الرمي بها، ومن الواجبات: الحلق، فلو تركه لزمه دم وكذا يلزمه دم إذا أخره حتى رجع لبلده، أو أخره عن أيام التشريق ولم يفعله بمكة، أما إذا فعله بها ولو بعد أيام التشريق فلا دم عليه، ويجزئ عن الحلق التقصير بالنسبة للرجل، وخالف السنة، وأما المرأة فالواجب في حقها التقصير، ولا تحلق، لأنه مثله، وكيفية التقصير بالنسبة لها: أن تأخذ قدر الأنملة من شعر رأسها وأما الرجل، فيأخذ الشعر من قرب أصله وجذوره، فلو أخذ من أطرافه كما تفعل المرأة أجزأه ذلك وأساء، ومن واجباته الفدية، وهيد للفساد؛ وهدي للقران أو التمتع، وسيأتي بيانها عند الكلام عليهاследующие страницы →