Полный текст (2 230 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
ولا تصح (١) المسابقة بجعل "رهان" في غير الخيل والجمال والرمي، أما بغير رهان فتصح كالسفن والجري على الأقدام وغير ذلك مما هو مفصل في المذاهب
(٢) . الحواشي
(١) الشافعية - قالوا: تصح المسابقة بالرهان أيضاً على البغال والحمير والفيلة على المعتمد(٢) المالكية - قالوا: تحل المسابقة بالسفن ونحوها، وكذا تحل بالجري على الأقدام وبالطير لإيصال الأخبار بسرعة، وكذا تحل المصارعة وحمل الأثقال ونحو ذلك. وكل ذلك مشروط بشرطين:стр. 702
ويحرم نطاح الكباش وصراع البقر ومهارشة الديكة "مضاربتها" ونحو ذلك مما فيه تعذيب للحيوان وضياع للوقت بدون فائدة تعود على الإنسان، ومن اتخذ ذلك وسيلة لكسب المال من ضعاف العقول، وفاسدي الأمزجة كان كسبه خبيثاً.
وكل ما يحل فإن الفرجة عليه تحل، أما ما لا يحل فإنه يحرم مشاهدته والتفرج عليه.
[السلام]
إفشاء السلام
السلام معناه السلامة. فالذي يلقي السلام على غيره كأنه يقول: ألقيت إليك سلامة وأماناً من كل ما يضيرك. وبديهي أن إفشاء السلام من السنن الإسلامية الجليلة، لما فيه من إعلان الأمن بين الناس. والأمن من ضروريات الإنسان ومميزاته التي يمتاز بها عن الحيوان
الحواشي
(١) الأول أن يكون مجاناً بلا "رهان". الثاني: أن يكون الغرض منه تمرين البدن على الرياضة وتقويته على أداء الواجب والجهاد، أما إذا كان الغرض منه المغالبة والتلهي فإنه حرام، ويحرم اللعب بالنرد والشطرنج ولو بغير عوض.
الشافعية - قالوا: يجوز المسابقة بغير عوض بالبقر والكلاب والطيور، ولا يجوز في السفن الشراعين، وأما غيرها من السفن البخارية والسيارات والغواصات والطائرات فإنه تجوز المسابقة بها إذ القاعدة عند الشافعية جواز المسابقة بكل نافع في الحرب. وتحل المصارعة والمسابقة في السباحة "العوم في الماء". والمشي بالأقدام. والوقوف على رجل واحدة. ولعب الشطرنج والكرة. وحمل الأثقال. والمشابكة بالأصابع. فكل هذا يحل بدون عوض.
وتحل المسابقة بعوض في بندق الرصاص فإنه كالرمي بالسهام.
الحنفية - قالوا: تحل المسابقة بدون عوض في كل ما ذكر عند الشافعية إلا الشطرنج فإنه حرام عندهم، لأنه يشغل صاحبه بالانكباب عليه. وفي المسابقة بالطير عندهم خلاف أما الرمي بالبندق والحجر فهوكالرمي بالسهم عند الحنفية أيضاً. وإنما يجوز كل ذلك بشرط قصد الرياضة وتقوية البدن، لا بقصد التسلية وقطع الوقت.
الحنابلة - قالوا: تجوز المسابقة بلا عوض "رهان" بالمشي على الأقدام. وبين سائر الحيوانات من إبل وخيل وبغال وحمير وفيلة، وتجوز أيضاً بالطيور حتى بالحمام على الصحيح، وتجوز بين السفن برمي الأحجار باليد والمقاليع، وتجوز المصارعة ورفع الأحجار لمعرفة الأشد، وكل ما فيه رياضة للبدن وتقوية على الجهاد لقوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ وصح من حديث ابن عمر أن النبيّ ﷺ : "سابق بين الخيل المضمرة" والمضمرة هي المعلوفة القوت بعد السمن.
ويكره الرقص ومجالس الشعر وكل ما يسمى لعباً كاللعب بالطاب والنقيلة "المنقلة" والنرد والشطرنج، وكل ما أفضى إلى محرم فهو حرام إذا لم يكن فيه مصلحة راجحةстр. 703
المفترس الذي لاهم له إلا قضاء شهوته والفتك لفريسته. فالسلام عهد إسلامي يعاهد به الناس بعضهم بعضاً على أن يكف كل واحد منهم عن التعرض لدم أخيه وعرضه وماله بدون حَق. وفي إفشائه بين الناس إيذان بأن الأشرار خارجون على ما تقتضيه قواعد الإسلام، وتتطلبه أحكامه الكريمة من المودة والإخاء والتحابب والتآزر، وضرورة استقرار الأمن بينهم. والسلامة من شرور بعهم بعضاً.
فلهذا حث رسول الله ﷺ في كثير من الأحاديث. فمن ذلك ما رواه عبد الله بن عمروبن العاص ﵄ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وقال ﵊: "لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتمون تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" رواه مسلم وغيره.
حكم البدء بالسلام ورده
البدء بالسلام (١) سنة عين للمنفرد، وسنة كفاية للجماعة، فإذا سلم واحد منهم سقط عن الباقين، ولكن الأفضل أن يكون السلام منهم جميعاً ليحصل لكل واحد ثواب السنة. وللبدء بالسلام صيغتان: إحداهما السلام عليكم، والأخرى سلام عليكم، والأفضل أن يكون بالصيغة الأولى، ويكره أن يبدأ بقوله عليك السلام، أو سلام الله عليك، لأن ذلك تحية الأموات لا الأحياء، فالسنة في إقراء السلام لا تحصل إلا بقول السلام عليكم (٢) وسلام عليكم. سواء كان المسلم عليه واحداً أو جماعة.
أما رد السلام فهوفرد عين على المنفرد، وفرض كفاية على الجماعة؛ فإذا رد واحد منهم أجزأ عن الباقين، ويجب أن يكون الرد فوراً. فلوأخره لغير عذر يأثم. وأن يكون مسموعاً لمن ألقى السلام، فإذا لم يسمعه لا يسقط الفرض. فإن كان أصم فإنه يجب أن يرد عليه بما يفهم من إشارة وتحريك شفة ونحو ذلك، والأفضل في صيغة الرد أن يقول وعليكم السلام، فيأتي بالواو وميم الجماعة. ويصح أن يقول: سلام عليكم. الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: قد يكون البدء بالسلام فرضاً وذلك فيما إذا التقى راكب بماش في مفازة فإنه يفترض على الراكب أن يبدأ بالسلام للأمان(٢) المالكية - قالوا: سنة السلام تحصل إلا بقول السلام عليكم، فلوقال: في البدء بالسلام وسلام عليكم لم يكن مسلماً على المعتمد.
الحنابلة - قالوا: تحصل سنة السلام أيضاً بقول السلام عليكمстр. 704
ويسن للمسلم أن يبدأ من لقيه بالسلام قبل كل كلام. فإذا التقى اثنان ونطق كل منهما بالسلام وجب الرد على كل واحد منهما لصاحبه، وأن يرفع صوته به حتى يسمعه من سلم عليهم سماعاً محققاً. ويسن أن يسلم الرجل على أهل بيته كلما دخل عليهم، وإذا دخل داراً خالياً من الناس فإنه يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ويسن أن يسلم الصغير على الكبير، والراكب على الماشي، والقائم على القاعد، والقليل على الكثير، وإذا حصل عكس ذلك حصلت سنة السلام ووجب الرد، ولكن تفوت أفضلية الترتيب.
وإذا أرسل غائب سلامه لآخر فإنه يجب عليه أن يرد السلام، ويستحب أن يبدأ في رده بالرسول المبلغ فيقول: وعليك وعليه السلام، وكذا يجب الرد إذا أرسل له سلاماً في كتاب، ويكره (١) للرجل أن يسلم على امرأة أجنبية إلا إذا كانت عجوزاً أو شابة دميمة لا تشتهى، أما المحارم فإنه يسن له أن يسلم عليهن كما يسلم على أهله. ويكره السلام في الحمام، وعلى العاري. وعلى كل مشغول بأمر قد يصرفه عن الإجابة حتى لا يقع في الإثم بترك الرد. فيكره السلام عند تلاوة القرآن جهراً (٢) وعند استذكار العلم، وحال الأذان (٣) والإقامة، وعلى القاضي في مجلس القضاء، وعلى الواعظ حال إلقاء عظته، ولا يجب عليهم الرد إذا سلم عليهم أحد. وإذا خص واحداً بعينه بالسلام من بين الجماعة كأن يقول: السلام عليك يامحمد مثلاً، فإن وقع ذلك فإنه يفترض على محمد المسلم عليه أن يرد السلام بنفسه، فلورد أحد الحاضرين لم يسقط عنه الفرض. أما إذا قال: السلام عليك وأشار إلى محمد بدون تسميته فرد أحد الحاضرين فإن الفرض يسقط لأن الإشارة تحتمل أن تكون لهم جميعاً وكذا إذا قال: السلام عليك بدون إشارة. فإنه إذا رد واحد سقط عن الباقين، لأنه يصح أن يخاطب الجماعة الحواشي
(١) الشافعية - قالوا: إذا كانت الشابة منفردة في مكان وحدها فإنه يكره أن يلقي عليها الرجل سلاماً كما يحرم عليها أن تجيب أو تلقي سلاماً، سواء كانت دميمة تشتهي أولا، وإنما العجوز هي التي في حكم الرجل، أما إذا كانت المرأة مع غيرها رجالاً أو نساء فإن حكمها كحكم الرجل في السلام والرد(٢) الشافعية والمالكية - قالوا: لا يسن السلام على قارئ القرآن مطلقاً، وكذا المشتغل بالذكر والدعاء والصلاة والأكل والشرب(٣) الشافعية - قالوا: لا يكره السلام حال الأذان والإقامة، ولا على القاضي في مجلس القضاء، ولا غيرهم ممن ذكروا، ولم يستثنوا أحداً من الذين يسن في حقهم البدء بالسلام سوى ما تقدم من الشابة المنفردة، فإنه يحرم السلام منها وعليها، وكما يحرم على الرجل وكذلك الفاسق المجاهر؛ فإنه يحرم بدؤه بالسلام؛ ومثل الشابة: الخنثى المعروف؛ ومن يسمع الخطيب فإن السلام يكره عليه؛ وإذا سلم عليه، فإنه يجب عليه الردстр. 705
بخطاب الواحد، ويكره أن يسلم على المشتغل بالتدريس أواستماع العلم. وإذا وجد قوماً يأكلون فإنه يسلم عليهم على تفصيل المذاهب (١) .
ولا يكره السلام على الصبيان، بل الأفضل أن يسلم عليهم ليعلمهم الأدب، ولا يجب عليهم الرد؛ لأنهم غير مكلفين، أما إذا سلم صبي على مكلف فإنه يجب عليه الرد إذا كان الصبي مميزاً وإذا سلم على مكلفين بينهم صبي فإنه لا يجزئ على الصحيح، بل لا بد من رد أحد المكلفين.
ويكره السلام على المجنون والسكران والنائم ومن يلبي، ونهاية السلام عند قوله وبركاته. فيكره للمسلم والمجيب أن يزيد عليها.
تشميت العاطس
التشميت بالشين والسين معناه الدعاء بالخير والبركة، وهوأن يقال للعاطس "يرحمك الله" ولا يخفى ما في ذلك من الحكم الإسلامية الجليلة، لأن الغرض من ذلك إنما هوإعلان المودة بين الناس، وتثبيت علائق الألفة والإخاء، وإظهار حرض كل واحد على إيصال الخير لأخيه، وتجنب العداوة والبغضاء والحقد والحسد إلى غير ذلك من المكارم التي يحث عليها الإسلام في عظائم الأمور وصغائرها.
أما حكم تشميت العاطس فهوأنه فرض كفاية (٢) كرد السلام، وإنما يفترض بشروط ثلاثة: الشرط الأول: أن يقول العاطس الحمد لله، أو الحمد لله رب العالمين. أو الحمد لله على كل حال، فإذا لم يقل ذلك فإنه لا يستحق التشميت، ويندب للعاطس أن يحمد الله. الشرط الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: إذا وجد من يأكل فإن كان محتاجاً للأكل معه وعلم أنه يدعوه إذا سلم فإنه يسلم، وإلا فلا يسلم.
الشافعية - قالوا: إنه يسلم ولا تجب الإجابة إذا كان الآكل لا يستطيع الإجابة لوجود اللقمة في فيه.
المالكية - قالوا: يسلم على الآكل مطلقاً كما تقدم.
الحنابلة - قالوا في المسألة قولان: أحدهما الكراهة لأنه مشغول بالأكل، والمشغول لا يبدأ بالسلام عندهم. ثانيهما عدم الكراهة.
الشافعية - قالوا: لا يكره السلام على هؤلاء ولا على غيرهم إلا ما استثني فيما تقدم(٢) الشافعية - قالوا: تشميت العاطس سنةстр. 706
الثاني: أن يسمعه يحمد الله، فإذا لم يسمعه فإنه لا يجب عليه تشميته. وكما يجب على السامع أن يشمت العاطس فإنه يجب على العاطس أن يرد بقوله: "يغفر الله لي ولكم" أو بقوله: "يهديكم الله ويصلح بالكم". وإذا تكرر العطاس فإنه يشمت في الأولى والثانية والثالثة، وما زاد على ذلك فلا يجب فيه التشميت. وحكم المرأة في العطاس كحكمها في السلام، فإن كانت أجنبية أو شابة تشتهى فلا تشمت، كما لا يرد سلامها. وإن كانت عجوزاً أو شابة فلا تشتهى فإنها تشمت أما النساء المحارم فإنهن يشمتن كالرجال وكذا يشمت بعضهن بعضاً.
стр. 707
كتاب اليمين
تعريفه
يطلق اليمين في اللغة على اليد اليمنى، وعلى القوة، وعلى القسم، فهومشترك بين هذه الثلاثة ثم استعمل في الحلف، لأنهم كانوا في الجاهلية إذا تحالفوا أخذ كل واحد بيد صاحبه اليمنى أولأن الحالف يتقوى بقسمه، كما أن اليد اليمنى أقوى من اليد اليسرى.
حكمه
يختلف حكم الحلف باختلاف الأحوال، فتارة يكون واجباً إذا توقف عليه واجب، كما إذا توقف عليه انقاذ إنسان بريء مصون الدم من الهلاك، وقد يكون حراماً كما إذا حلف على ارتكاب محرم أو حلف بما لا يباح الحلف به، وقد يكون غير ذلك مما هو مفصل بالمذاهب (١) . الحواشي
(١) المالكية - قالوا: الأصل في اليمين أن يكون جائزاً متى كان بأسم الله تعالى أو بصفة من صفاته ولولم يطلب منه الحلف، وقد يستحب إذا كان فيه تفخيم أمر من أمور الدين أو حث عليه أو تنفيرٌ من محذور، على أن تكثير الحلف من غير ضرورة من البدع الحادثة بعد السلف، ومتى كان اليمين مباحاً كان الحنث مباحاً وعليه الكفارة، إلا أن يكون الخير في الحنث فإنه حينئذ يتبع ذلك في الحكم، فإن حلف على ترك الواجب وجب الحنث، وإن حلف على فعل معصية وجب الحنث، وينعكس الحكم إذا حلف على فعل وجب أو ترك معصية وهكذا.
الحنابلة - قالوا: الحلف يكون واجباً وحراماً كما ذكر، ويكون مكروهاً إذا كان على فعل مكروه أو على ترك مندوب. ومن الحلف المكروه: الحلف على البيع والشراء لحديث: "الحلف منفق للسلعة ممحق للبركة". رواه ابن ماجة.
ويكون مندوباً إذا تعلقت به مصلحة كإصلاح بين متخاصمين ولو كان الحالف أحد المتخاصمين، أو إزالة حقد من قلب مسلم أو دفع شر عنه أو عن غيره. أما الحلف على فعل الطاعة وترك المعصية فليس بمندوب.стр. 708
دليله
فالحلف بالله تعالى أو بصفة من صفاته مشروع، وحكمة مشروعيته الحث على الوفاء بالعقد مع ما فيه من تعظيم الله تعالى. ودليله الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغوفي أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ . وأما السنة فكثيرة منها ما رواه أبوداود عن النبي ﷺ أنه قال: "والله لأغزون قريشاً" قال ذلك ثلاث مرات، ثم قال في الثالثة "إن شاء الله". ومنها ما روي في الصحيحين من أن النبي ﷺ كان يحلف بقوله: "لا ومقلب القلوب"، وربما يحلف بقوله: "والذي نفسي بيده" أي بقدرته يصرفها كيف شاء؛ وقد أجمع المسلمون على أن اليمين مشروعة.
الحواشي
(١) ويكون مباحاً كالحلف على فعل المباح أو تركه، أو على الخبر بشيء هو صادق فيه أو يظن أنه صادق فيه، ومنه الحلف على فعل الطاعة وترك المعصية.
ثم إذا كان الحلف على ارتكاب معصية أو ترك واجب وجب أن يحنث فيه، ولا يرتكب المعصية ولا يترك الواجب، وإن كان بالعكس بأن حلف وهو الصلاة، ويترك الزنا وهو المحرم وكذلك إذا حلف على فعل مندوب وترك مكروه فإنه يندب له البر، وإن كان بالعكس بأن حلف على ترك مندوب وفعل مكروه فإنه يكره له البر باليمين ويندب له الحنث.
أما إذا حلف على فعل مباح أو تركه فيباح له الحنث وعدمه: والبر أولى من الحنث، لأن حفظ اليمين فيه أولى.
الشافعية - قالوا: الأصل في الحلف الكراهة لقوله تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ وقد يكون مباحاً غير مكروه كما إذا حلف على فعل طاعة أو ترك مكروه، أو في دعوى عند حاكم مع الصدق، أو كان لتأكيد أمر في حاجة إلى التأكيد كقوله ﷺ : "فوالله لا يمل حتى تملوا"، أو كان لتعظيم شأن أمر كقوله ﵊ "والله لوتعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً".
ويكون مندوباً إذا توقف عليه فعل مندوب أو ترك مكوره، أما الحنث فتعتريه الأحكام الخمسة، فتارة يكون واجباً كما إذا حلف على معصية أو ترك واجب، فمن حلق ليشربن الخمر أولا يصلي فإنه يفترض عليه أن يحنث وعليه الكفارة. وتارة يكون حراماً إذا كان بالعكس، كما إذا حلف أن يقيم الصلاة المفروضة أولا يزني فإنه يفترض عليه البر باليمين ويحرم عليه الحنث وتارة يكون مندوباً كما إذا حلف على ترك مندوب وفعل مكروه. وتارة يكون خلاف الأولى كما إذا حلف على فعل مباح أو تركه كالأكل والشرب، فالولى أن يبر باليمين صوناً لاسم الله تعالى وهوفي جميع الأحوال تجب عليه الكفارة إذا حنث.
الحنفية - قالوا: الأصل في اليمين بالله أو بصفة من صفاته أن يكون جائزاً، ولكن الأولى أن لا يكثر منه. ثم إن كان الحلف على معصية كأن حلف بأن لا يكلم والديه اليوم أو شهراً فإنه يفترض عليهстр. 709
أقسام اليمين
تنقسم اليمين إلى لغو لا إثم فيه ولا كفارة عليه، والى منعقدة وهي ما لها كفارة إذا حنث فيها، وغموس (١) وهي ما فيها إثم ولا تنفع فيها الكفارة. وفي كل ذلك تفصيل في المذاهب. الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: اليمين الغموس هوأن يحلف بالله تعالى كاذباً متعمداً الكذب، ولا يلزم أن يكون المحلوف عليه فعلاً ماضياً في الحال، بل يكون كذلك كقوله: والله ما ضربت محمداً عالماً بأنه ضربه، وقد يكون غير فعل في الحال كقوله: والله إنه ذهب الآن، وهوعالم بأنه فضة، وكقوله: والله ما له علي ألف، وهوعالم بأن له عليه ذلك، ولكن الأكثر في اليمين الغموس أن يكون المحلوف عليه فعلاً ماضياً، فإن الذي يتعمد الكذب يحدث غالباً عن الماضي بقوله فعلت وتركت، ولا يتصور اليمين الغموس في غير الحلف بالله تعالى، لأنه هو الذي لا كفارة له، ويكون صاحبه آثماً تلزمه التوبة، أما الحلف بغير الله تعالى كالحلف بالطلاق كاذباً متعمداً فإنه ينعقد ويقع به الطلاق، وكذلك اللغوفإنه يقع به الطلاق، واختلف في كون اليمين الغموس كبيرة من الكبائر على قولين: أحدهما أنها كبيرة مطلقاً لأن فيها امتهاناً لاسم الله تعالى، وثانيهما أنها تكون كبيرة إذا ترتب عليها قطع حَق أو إيذاء من لا يستحق الإيذاء، أو إدانة بريء أو نحو ذلك، فإن لم يترتب عليها شيء من ذلك تكون صغيرة لا كبيرة.
أما اللغوفي اليمين فإنه يشمل أمرين: الأول: أن يحلف على شيء وهو يعتقد أو يظن أنه صادق ثم يظهر أنه كاذب، كما إذا حلف أنه ما دخل دار فلان أمس معتقداً أو ظاناً صدق نفسه مع أنه دخلها، أو يحلف بأنه لا نقود معه الآن ظاناً أنها ليست معه وهي معه، ولم يفرقوا في ذلك بين الظن القويстр. 710
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) والضعيف. الثاني: أن يسبق لسانه إلى الحلف بدون قصد أصلاً أوقصد شيئاً وجرى لسانه إلى غيره كقوله: لا والله؛ وبلى والله.
ولا يكون اللغوعندهم إلا في الماضي أو الحال كما مثل، أما الحلف على المستقبل كقوله: والله لأسافرن غداً فإنه يمين منعقدة تجب الكفارة بالحنث فيه، سواء قصد أولم يقصد، بخلاف الغموس فإنه يكون في المستقبل، لأن المدار فيه على تعمد الكذب، فإذا حلف بأنه لا يدخل دار فلان غدارً وهومصمم على دخولها فقد تعمد الكذب وكانت يمينه غموساً.
وحكم اللغوأن الحالف لا يؤاخذ به في الآخرة، ولا في الدنيا فلا كفارة عليه ولا إثم فيه.
ولا يكون اللغوإلا في اليمين بالله تعالى، أما اليمين بغير الله تعالى فإن أثره يبقى، كما إذا حلف بالطلاق لغواً أو بالعتاق، أو نذر صدقة فإنه يقع به الطلاق، ويلزم العتق والنذر كما تقدم قريباً.
أما المنعقدة فهي الحلف بالله أو صفاته كما يأتي.
المالكية - قالوا: اليمين الغموس تشمل أمرين: الأول: أن يحلف كاذباً متعمداً الكذب وهذه تغمس صاحبها في النار أو الإثم الذي هوسبب في النار، وليست لها كفارة لأنها أعظم من أن تنفع فيها الكفارة، بل الحالف بها يتوب ويقرب إلى الله تعالى بما قدر عليه من صيام أو صدقة أو نحوهما.
الثاني: أن يحلف على شك أو ظن ضعيف كأن يقول: والله ما لقيت فلاناً أمس وهولا يدري ألقيه أم لا؟، وفي هذه الحالة لا يخلو: إما أن يظهر صدقه بعد ذلك، أو يظهر كذبه، أولم يظهر شيء، فإن ظهر كذبه أولم يظهر شيء وبقي على شكه أو ظنه الضعيف فإنه يكون آثماً كتعمد الكذب تماماً، أما إن ظهر صدقه فقد اختلف فيه قولين:
الأول: أنه يكون حينئذ باراً في يمينه ولا إثم عليه.
الثاني: أنه لم يرتفع عنه الإثم لأن الإثم مترتب على الجرأة والإقدام على الحلف بدون يقين، وهذا لا يكفره إلا التوبة، وإن ظهر أنه مطابق للواقع. على أن إثم الحالف على الشك أو الظن الضعيف أهون من إثم متعمد الكذب. أما إذا حلف جازماً أو على ظن قوية وظهر خلافه فإنه لا يكون غموساً بل يكون لغواً كما يأتي.
ثم إن كان المحلوف عليه ماضياً فإنه لا كفارة فيه اتفاقاً كقوله: والله ما فعلت كذا وهوجازم بأنه فعل، وكذا إذا كان شاكاً أو ظاناً كما تقدم.
أما إذا تعلقت كما إذا حلف على أمر لا يمكن وقوعه، أو على أمر علم أنه لا يوجد فالأول كقوله: والله لأطلعن السماء، والثاني كقوله: والله لأقتلن فلاناً، وهو يعلم أنه ميت، أو والله لا تطلع الشمس غداً أو نحو ذلك، ففيه خلاف، فبعضهم يرى أنه من الغموس الذي لا كفارة له، وبعضهم يرى أن فيه الكفارة، وأن الغموس تتعلق بالماضي، فإذا تعلقت بمستقبل أو حال لم تكن من الغموس وهو المعتمد. والغموس تكون بالطلاق، فإذا حلف بالطلاق متعمداً الكذب يأثم ويقع به الطلاق.стр. 711
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) واليمين اللغو هي أن يحلف على شيء يجزم به حال الحلف، أو يظنه ظناً قوياً ثم يظهر أنه خلاف ذلك، كأن يقول: والله لا دراهم معي وهو يجزم بذلك ويظن ظناً قوياً ثم يظهر بعد ذلك أنه معه دراهم، وحكمها أنه لا يؤخر عليها، ثم إن كان المحلوف عليه ماضياً فلا كفارة فيها اتفاقاً كقوله: والله ما جاء محمد، وهو يعتقد أنه لم يجئ حقاً ولكن الواقع أنه يكون قد جاء وإن كان مستقبلاً كقوله: والله ما جاء محمد غداً، وهو يعتقد أنه لا يجيء حقاً، فقد اختلف فيها أيضاً، فبعضهم يرى أن اللغولا يكون في المستقبل، لأن الذي يحلف على المستقبل وهوغيب ذوجرأة يكون جزاؤها الكفارة، بخلاف الذي يحلف على الماضي، لأنه حلف بناء على ما يعلم في الماضي أما المستقبل فلا يتعلق به علم، وبعضهم يرى أنه لا كفارة عليها كالماضي والحال.
ولا يفيد لغو اليمين في الحلف بغير الله تعالى، فإذا حلف بالطلاق أو بالعتق أو نذر صدقة أو نحوها أو كانت يمينه لغواً فإنها تنعقد في هذه الأشياء، ويقع بها الطلاق ويلزم بها العتق والنذر، حتى ولو كان النذر مبهماً.
الشافعية - قالوا: تنقسم اليمين إلى قسمين: لغو، ومنعقدة. فاللغوتشمل أموراً ثلاثة: الأول: أن يسبق لسانه إلى ما لم يقصده باليمين، كما إذا أراد أن يقول: والله لآكلن غداً فسبق لسانه إلى قول: والله لأضربن محمداً، ويصدق ظاهراً من يدعي عدم قصد اليمين إذا لم تقم قرينة على كذبه إلا في ثلاث، الطلاق والعتاق والإيلاء، فإنه لا يصدق ظاهراً على أي حال لتعلق حَق الغير بذلك، الثاني: يسبق لسانه إلى لفظ اليمين بدون أن يقصد شيئاً، كما إذا كان غضباناً وسبق لسانه إلى اليمين بأن قال: لا والله. وبلى والله، وهولا يريد سوى هذا اللفظ. الثالث: أن يكون اليمين زيادة لكلام كأن يقول عقب كلامه: لا والله تارة، وبلى والله تارة أخرى، أو يجمع بين العبارتين فيقول: لا والله وبلى والله، فإنه يكون لغواً على المعتمد.
الثاني: المنعقدة، وهي الحلف باسم من أسمائه تعالى أو بصفة من صفاته لتحقيق المحلوف عليه بالشرائط الآتية، فالمنعقدة لا بد فيها من قصد تحقيق المحلوف عليه بخلاف اللغوكما علمت.
ولا فرق عندهم في اليمين سواء كانت لغواً أو منعقدة بين أن تكون على الماضي أو على المستقبل، فاللغويصح أن تكون في المستقبل كأن يقول: والله لأسافرن غداً وهو يقصد أن يقول: لأدخلن دار محمد، كما يكون في الماضي كقوله: والله ما أكلت التفاح أمس وهو يقصد الرمان مثلاً.
وكذلك المنعقدة تصح على الماضي والمستقبل كقوله: والله إني فعلت كذا أو ما فعلته، وكقوله: والله لأفلعن كذا أولا أفعله، فإذا لم يبر في يمينه تجب عليه الكفارة فيها على أي حال. فاليمين الذي يسميه غيرهم غموساً تجب فيه الكفارة عندهم، سواء تعلق بالماضي أو المستقبل؛ أما اللغوفلا كفارة له، ولا يؤاخذ الحالف به، سواء تعلق بالماضي أو المستقبل.
الحنابلة - قالوا: تنقسم اليمين إلى أقسام ثلاثة: منعقدة، ولغو، وغموس. فالمنعقدة هيстр. 712
شروط اليمين
يشترط لانعقاد اليمين شروط منها أن يكون الحالف مكلفاً، فلا ينعقد يمين الصبي والمجنون. ومنها أن يكون مختاراً، فلا ينعقد يمين المكره (١) ولا يحنث إذا أكره على فعل المحلوف عليه، ومثله الناسي والمخطيء فإنهما لا شيء عليهماز ومنها أن يكون قاصداً، فلا ينعقد يمين يسبق بها اللسان بدون قصد. ومنها أن يكون المحلوف به اسماً من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته على التفصيل الآتي في مبحث صيغ الأيمان. الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: تنعقد يمين المكره، وتجب عليه الكفارة إذا فعل المحلوف عليه ولوأكره على فعله، أما إذا فعل المحلوف عليه غيره بإكراهه كما إذا حلف لا يشرب هذا الماءفصبه له غيره في حلقه كرهاً فإنه لا يحنث أيضاً إذا فعل المحلوف عليه ناسياً كما إذا حلف لا يحلف ثم نسي وحلف فإنه تلزمه الكفارة في ذلكوكذلك يحنث إذا فعل المحلوف عليه وهومجنون أو مغمى عليه، أما إذا حلف وهومجنون أو مغمى عليه فلا تنعقد يمينه. لأن شرط انعقاد اليمين العقل. وكذلك يقع يمين المخطىئ وهو من حنث ذاهلاً عن اليمين.
المالكية - قالوا: لا تنعقد اليمين بالإكراه، فإذا انعقدت من غير إكراه فلا يخلو: أما إن تكون على فعل شيء كقوله: والله لآكلن الرغيف ويسمى يمين حنث، أو تكون على ترك شيء كقوله: والله لا أدخل الداروتسمى يمين بر، فإذا أكره على الحنث في صيغة البر كأن أدخل الدار قهراً عنه لا تلزمه الكفارة ولوأكره من غير عاقل كأن كان راكباً على دابة ثم جمحت به وأدخلته الدار قهراً عنه إذا لم يتمكن من النزول عنها أو إمساكها. أما إذا تمكن من النزول عنها بدون ضرورة، أو من إمساك رأسها أوстр. 713
ومنها أن لا يكون المحلوف عليه واجباً في العقل والعادة، أو في العادة فقط، فإن كان كذلك فإن اليمين لا تنعقد بل تكون لغواً. فمثال الأول أن يقول: والله هذا الجرم متحيز، فهذا ليس يميناً لأن تحيز الجرم واجب عقلاً وعادة. ومثال الثاني أن يقول: والله إن الشمس تطلع من المشرق، أو والله لأموتن، فهذا ليس بيمين أيضاً. لأن طلوع الشمس من المشرق واجب عادة وكذلك الموت، ومثل هذا ما إذا قال: والله لا أصعد السماء، أولا أقلب هذا الحجر ذهباً، أولا أرد أمس، لأن عدم صعود السماء وعدم قلب الحجر ذهباً وعدم ردم أمس واجب عادة فلا تنعقد به اليمين، وينعقد اليمين فيما عدا ذلك وهوأمور أربعة: الأول: أن يكون ممكناً عقلاً وعادة كقوله والله لأدخلن الدار في حالة الاثبات. أولا أدخل الدار في حالة النفي، فهذا يمين منعقدة، لأن دخول الدار ممكن عقلاً وعادة. الثاني: أن يكون مستحيلاً عادة فقط كقوله: والله لأصعدن السماء أولأحملن الجبل، ويحنث في هذا بمجرد الحلف، وكذا إذا قال: والله لأقتلن
الحواشي
(١) بانشاء رجله عليها ولم يفعل فإنه يحنث وتلزمه الكفارة وكذلك إذا أدخله الدار غيره كرهاً وتمكن من الخروج منها بدون ضرر ولم يفعل فإنه يحنث وتلزمه الكفارة.
أما إذا أكره على الحنث في صيغة الحنث وهي الحلف على الفعل بأن منعه من الفعل مانع قسري ففيه خلاف؛ فقيل: يحنث وتلزمه الكفارة وهو المشهور، وقيل: لا يحنث وهو القياس وإنما لم يحنث إذا أكره في صيغة البر وهي لا أفعل اتفاقاً. لأن الحنث فيها يكون بالفعل لأن من حلف لا يدخل الدار يحنث بدخولها، بخلاف صيغة الحنث، فإن البر فيها يكون بترك الفعل، وأساب الترك كثيرة فضيق فيها، أما أسباب الفعل فهي قليلة فوسع فيها.
ويشترط في عدم الحنث بالإكراه ستة شروط: الأول أن لا يعلم حال اليمين أنه على الفعل. الثاين أن لا يأمر غيره بإكراهه. الثالث أن لا يكون الحالف على شخص هو المكره له، فلوحلف على زوجه أن لا تدخل الدار ثم أكرهها على دخولها حنيث، بخلاف ما إذا أكرهها غيره. الرابع أن لا يكون الإكراه شرعياً، كما إذا حلف لا يدخل السجن ثم حبس فيه لدعوى شرعية فإنه يحنث، وكذا إذا حلف لا يدفع هذا الدين في هذا الشهر فأكرهه القاضي فإنه يحنث. الخامس أن لا تكون يمينه لا أفعله طائعاً ولا مكرهاً، أما إذا حلف بأن لا يدخل دار فلان طائعاً ولا مكرهاً ثم أكره على الدخول فإنه يحنث، السادس أن لا يفعله بعد زوال إكراهه، فإذا أدخل الدار مكرهاً ثم زال الإكراه فدخلها طائعاً حنث وتلزمه الكفارة، ويحنث بالنسيان، فمن حلف لا يأكل كذا ثم نسي فأكله فإنه يحنث ما لم يقيد يمينه بالنسيان كأن يقول: والله لا آكله ناسياً أو ما لم أنس، فإنه إذا أكله في هذه الحالة لا يحنث، لأنه قيد يمينه، ومثل النسيان الخطأ والجهل فمثال الخطأ أن يحلف لا يدخل دار فلان فدخلها معتقداً أنها غيرها فإنه يحنث بذلك، ومثال الجهل أن يحلف ليدخلن هذه الدار الليلة وهو يعتقد جهلاً أنه لا يلزم بالدخول الليلة، فلم يدخل حتى مضت الليلة فإنه يحنث ولا يعذر بجهلهстр. 714
فلاناً وهوميت على تفصيل في المذاهب (١) الثالث: أن يكون ممتنعاً في العقل والعادة كقوله: والله لأجمعن بين حياة فلان وموته، فإن الجمع بين الضدين مستحيل عقلاً وعادة. ويحنث فيه بمجرد الحلف. الرابع: أن يكون واجباً شرعاً أو ممتنعاً شرعاً؛ فالأول كقوله: والله لأصلين الظهر. والثاني كقوله: والله لأشربن الخمر، وهذه يمين منعقدة أيضاً. الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: إذا كان المحلوف عليه مستحيلاً عادة فإنه يحنث بمجرد الحلف إذا لم يوقت اليمين بوقت، أما إذا وقته بوقت فإنه لا يحنث إذا مضى ذلك الوقت، فلوقال: والله لأصعدن السماء بعد سنة مثلاً لا يحكم بحنثه إلا إذا مضت السنة.
الحنفية - قالوا: إذا حلف ليقتلن فلاناً وهوميت فلا يخلو: إما أن يكون عالماً بموته وقت الحلف أولم يكن عالماً، فإذا لم يكن عالماً بموته وتبين له أنه ميت فإنه لا يحنث، لأنه عقد يمينه على حياة كانت موجودة فيه وهو يعتقد وجودها، أما إذا كان عالماً بموته فإنه يحنث لأنه المحلوف عليه وإن كان مستحيلاً عادة ولكنه ممكن في ذاته يصح وقوعه لجواز أن يعيد الله له الحياة، بخلاف مسألة الكوز، وهي إذا ما حلف ليشربن ماء هذا الكوز بدون أن يقيد بوقت وكان فيه ماء فأراقه الحالف أو غيره، أو سقط الإناء وحده فأريق ماؤه فإنه يحنث، والفرق بين المسألتين: أن الماء في الصورة الثانية لا يمكن إعادته بعينه أصلاً، فإن من الممكن عقلاً إعادة ماء آخر في الكوز، أما الماء الذي اريق وذهب فإنه لا يمكن إعادته عقلاً، فإذا خلق الله ماء في الكوز ثانياً لم يكن هو المحلوف عليه، بل المحلوف عليه ماء مظروف في الكوز وقت الحلف وقد أريق، أما الصورة الأولى فإن الحياة إذا عادت فإن ذات الإنسان لم تتغير، بل تكون هي الأولى بعينها، واعلم أن في مسألة الكوز أربعة أوجه: الأول أن تكون يمينه مؤقتة بوقت ولا ماء فيه كما إذا قال: والله لشربن ماء هذا الكوز اليوم وليس فيه ماء، الثاني أن تكون مؤقتة بوقت وفيه ماء ثم صب وهولا يحنث في هذين الوجهين لعدم انعقاد اليمين أصلاً في الوجه الأول، ولبطلانها بعد الانعقاد في الوجه الثاني، لأن اليمين وإن كانت صادفت وجود الماء في الكوز فانعقدت، ولكن بإراقة الماء بطل انعقادها.
الثالث: أن تكون اليمين غير مؤقتة بوقت ولا ماء في الكوز كما إذا قال: والله لأشربن ماء هذا الكوز ولا ماء فيه، وفي هذه الصورة لا يحنث أيضاً، لأن يمينه لم تنعقد أصلاً لعدم وجود الماء، ولا يحنث في الصور الثلاث، سواء علم أن في الكوز ماء أولم يعلم. الرابع أن تكون اليمين غير مؤقتة بوقت وكان في الكوز ماء كما إذا قال: والله لأشربن ماء هذا الكوز بدون أن يوقت بوقت وكان ف يه ماء كما ذكره في أول المسألة فإنه يحنث، سواء علم بوجود الماء أولم يعلم، وسواء أريق الماء وحده أو أراقه هو أو غيره ويتفرع على هذا مسائل:
منها أنه إذا حلف ليقضين حَق فلان غداً فمات أحدهما قبل الغد فإنه لا يحنث لبطلان اليمين بعد انعقادها، ومنها إذا قال لامرأته: إن لم تصلي غداً فأنت طالق، فجاءها الحيض في الغد قبل أن يمضي وقت يمكن أداء الصلاة فيه، أو بعدما صلت ركعة فإنه يحنث على الأصح؛ وذلك لأنстр. 715
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) المحلوف عليه وهي الصلاة يمكن وقوعها مع وجود الدم، فحصول الدم لا يبطل اليمين. ألا ترى أن المستحاضة تصح منها الصلاة مع وجود الدم، فلا مانع من أن الشارع يمكن أن يشرع الصلاة مع الحيض، بخلاف مسألة الكوز، فإن المحلوف عليه غير ممكن أصلاً؛ فلذا حكم بحنثه. وكذا إذا قال: والله لأصومن من اليوم بعد أن أكل في النهار؛ فإن يمينه ينعقد ويحنث، لأن الصيام ممكن مع الأكل كما في حالة النسيان. فإن من أكل ناسياً يعد صائماً فيمكن أن يشرع الصيام مع الأكل حينئذ.
ومنها إذا قال لزوجه بعدما اصبح الصباح: إن لم أجامعك الليلة فأنت كذا، فإن لم تكن له نية انصرفت إلى الليلة المقبلة، وإن نوى الليلة الفائتة فإن يمينه لا تنعقد ولا يحنث، وكذا إذا قال بعد طلوع الفجر: والله لا أنام الليلة وهولا يعلم أن الفجر قد طلع فإنه لا يحنث.
ومنهاما إذا قال لامرأته: إن لم تردي المال الذي أخذتيه من مكان كذا فأنت طالق وهي لم تأخذه، بل هوباق في مكانه فإنه لا يحنث لأن المحلوف عليه غير ممكن، فإن رد المال مع عدم أخذه مستحيل.
ومنها أنه إذا حلف لا يعطي فلاناً شيئاً إلا بإذن من زيد فمات زيد فإنه لا يحنث إذا أعطاه، وإذا حلف ليقضين دينه غداً فقضاه اليوم فإنه لا يحنث. وكذا إذا حلف ليأكلن هذا الرغيف غداً فأكله اليوم فإنه لا يحنث، أو حلف ليقتلنه غداً فمات اليوم فإنه لا يحنث؛ ولوجن الحالف في يومه فإنه يحنث.
المالكية - قالوا: إذا منع مانع من فعل المحلوف عليه فلا يخلو: إما أن يكون عقلياً، كما إذا حلف ليقتلن فلاناً فإذا هوميت. أوليذبحن حمامه فوجده مسروقاً. وإما أن يكون المانع شرعياً كما إذا حلف ليطأن امرأته الليلة فوجدها حائضاً، فالمانع ثلاثة أقسام: عقلي، وعادي، وشرعي فإن كان عقلياً فإن الحالف لا يحنث إلا إذا حصل بعد اليمين ولم يوقت بوقت ولم يفرط في الفعل فإذا قال: والله لأذبحن الحمام فمات الحمام بعد الحلف وفرط في ذبحه فإنه يحنث. أما إذا قال: والله لأذبحنه غداً وجاء فبادر إلى ذبحه فوجده ميتاً فإنه لا يحنث. أما إذا حصل الموت قبل اليمين كأن قال: والله لأذبحنه وكان ميتاً قبل ذلك فإنه لا يحنث مطلقاً، سواء وقت أولم يوقت، فرط أولم يفرط.
وإن كان المانع عادياً كما إذا وجد الحمام مسروقاً. فإن كانت السرقة حصلت قبل اليمين فإنه لا يحنث، سواء فرط في الذبح أولم يفرط، وسواء وقت بوقت أولم يوقت، أما إن كانت السرقة حصلت بعد اليمين فإنه يحنث مطلقاً، سواء وقت أولم يوقت، فرط أولم يفرط وإن كان المانع شرعياً كما إذا حلف وهي طاهرة ثم طرأ عليها الحيض بعد اليمين واستمر الليلة كلها؛ أو حلف اليمين وهي حائض قبل حلفه. فالمانع الشرعي يوجب الحنث، سواء تقدم على اليمين أو تأخر، أما إذا حلف ليطأنها ولم يقيد بالليلة ثم وجدها حائضاً فإنه ينتظر رفع الحيض ويفعل المحلوف عليه فلا يحنث. فإذا وطئها وهي حائض ففي بره خلاف: فبعضهم يقول: إنه لا يحنث لأنه فعل المحلوف عليه وهو المدلول اللغوي،стр. 716
ومنها خلو اليمين من الاستثناء فلا ينعقد إذا قال: والله لا أفعل كذا إن شاء الله، أو إلا أن يشاء الله، وفي أحكام الاستثناء وشروطه تفصيل في المذاهب (١) . ومنها أن يتلفظ باليمين، فإذا جرى اليمين على قلبه بدون تلفظ لا ينعقد. وقد زاد بعض المذاهب شروطاً أخرى (٢) . الحواشي
(١) المالكية - قالوا: الاستثناء إما أن يكون المشيئة أو يكون بإلا أو أحد أخواتها، فالاستثناء بالمشيئة لا يفيد إلا في اليمين بالله والنذر المبهم "هوالذي لم يعين فيه المنذور" فإن قال: والله لا أفعل كذا إن شاء الله، أن إلا أن يشاء الله، وفعله لا كفارة عليه بالشروط الآتية وكذا إذا قال: علي نذر لا أفعل كذا إن شاء الله أو إلا أن يشاء الله. أما إن قال عليه الطلاق إن فعل كذا أولم يفعل كذا إن شاءстр. 717
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الله وحنث فإنه يلزمه ولا تنفعه المشيئة. واختلف في الاستثناء بإرادة الله وقضاء الله وقدره، وهل هومثل الاستثناء بمشيئة الله أولا؟ فقال بعضهم: إنه مثل الاستثناء بالمشيئة، فلوقال: والله لا أفعل كذا إن أراد الله، أو إن قدر الله، أو إن قضى الله وحنث لا كفارة عليه وهو الأظهر. وقال بعضهم: إن الذي ينفع هو الاستثناء بالمشيئة فقط.
أما الاستثناء بإلا أو أحد أخواتها فهوينفع في جميع الأيمان، فإذا قال: والله لا أكلم زيداً إلا يوم الخميس، أو ما خلا يوم قدومه، أو ما حاشا يوم عرسه، أو ما عدا يوم حزنه، أو ليس يوم مرضه، أو يكون يوم موته، فإنه يفيده فيما استثناه. وكذا إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً إن دخلت الدار إلا واحدة نفعه الاستثناء بالشروط الآتية.
وينفع الاستثناء في جميع متعلقات اليمين، أي سواء كانت مستقبلة أو ماضية، منعقدة أو غموسا ومعنى نفعه في الغموس أنه يرفع الإثم. فمن حلف أنه يشرب البحر، أو يحمل الجبل، أو يميت الميت، استثنى بالمشيئة أو بإلا أو أحد أخواتها فلا إثم عليه، ومثل الاستثناء بإلا أو أحد أخواتها التقييد بشرط أو صفة أو غاية، فإذا قال: لا أدخل دار زيد إن كان فيها، أولا أدخل داره الكبيرة مثلاً، أولا أدخل داره إلى وقت كذا، أو مدة غيبته أو مرضه، أو في الشهر فإنه يفيده ذلك، ويشترط في صحة الاستثناء خمسة شروط، الأول: أن يتصل الاستثناء بالمستثنى منه، سواء كان بالمشيئة أو بغيرها إلا لعارض لا يمكن رفعه، كالسعال أو العطاس أوانقطاع النفس أو التثاؤب. أما إذا سكت لتذكر شيء أو رد سلام ونحو ذلك فإن الاستثناء لا ينفع.
الشرط الثاني: أن ينوي النطق بالاستثناء أما إن جرى على لسانه سهواً بدون نية فإنه لا يفيد سواء كان بالمشيئة أو بإلا أو أحد أخواتها.
الثالث: أن يقصد بالاستثناء إبطال اليمين سواء كان القصد من أول التلفظ باليمين؛ أو في أثناء التلفظ به وهذا يفيد باتفاق، أما قصد ذلك بعد الفراغ من التلفظ به فإنه يفيد على المشهور إذا كان الاستثناء متصلاً على الوجه المتقدم، وهو يفيد ولو كان بتذكير الغير كأن يقول للحالف شخص آخر: قل إن شاء الله، فقالها عقب الفراغ من المحلوف عليه امتثالاً بدون فصل قاصداً حل اليمين فإنها تنفع. أما إذا لم يقصد حل اليمين بأن قصد التبرك بإن شاء الله أولم يقصد. فإن الاستثناء لا يفيد.
الرابع: أن ينطق بالاستثناء ولو سراً بحركة لسانه، ومحل كون النطق به سراً يفيد إذا لم يحلف على حَق الغير كبيع أو إجازة أو نحو ذلك لأن اليمين يكون حينئذ على نية المحلف وهولا يرضى بالاستثناء.
الشرط الخامس: أن لا ينوي أولاً ما أخرجه ثانياً بالاستثناء فإذا نوى إدخاله أولاً ثم أخرجه ثانياً لا ينفعه الاستثناء، بل ينبغي أن ينوي إخراجه قبل أن يحلف، فلوقال: كل حلال عليّ حرام لا أفعل كذا ونوى قبل أن يقول ذلك إخراج الزوجة ثم فعل المحلوف عليه لا شيء في الزوجة. أما إذا نوى إدخالها ثم أخرجها بالاستثناء فإنه لا ينفع، ويسمون هذه المسألة بالمحاشاة، لأنه حاشى الزوجة أولاًстр. 718
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[وقد زاد بعض المذاهب شروطاً أخرى (١) ] الحواشي
(١) الشافعية - قالوا: الاستثناء يفيد في جميع الأيمان والعقود بشروط خمسة: الأول: أن يتصل المستثنى بالمستثنى منه اتصالاً عرفياًبحيث يعد في العرف كلاماً واحداً، فلا يضر الفصل بسكتة التنفس والعي وانقطاع الصوت والسعال اليسير، بخلاف السعال الطويل فإنه يضر. وكذا يضر الفصل بالكلام الأجنبي ولويسيراً، والسكوت الزائد على سكتة التنفس والعي وانقطاع الصوت. الثاني: أن يقصد به رفع حكم اليمين، فإن لم يقصد به ذلك لا يفيد. الثالث: أن ينوي الاستثناء قبل الفراغ من النطق باليمين. الرابع: أن لا يستغرق المستثنى منه فلوقال: عليه الطلاق ثلاثاً إلا ثلاثاً لا يفيد، لأن المستثنى استغرق جميع المستثنى منه. الخامس: أن يتلفظ به بحيث يسمع نفسه عند اعتدال سمعه حيثلا يكون لغط.
الحنفية - قالوا: يشترط خلواليمين من الاستثناء سواء كان بالمشيئة أو بغيرها. فلوقال: لا أفعل كذا إن شاء الله، أو إلا أن يشاء الله، أو ما شاء الله، أو إلا أن يبدولي غيرهذا، أو إلا أن أرى. أو إلا أن أحب غير هذا، ثم فعله لا يحنث. وكذا إن قال: لا أفعل كذا إن أعانني الله، أو يسر الله، أوقال: بمعونة الله، أو بتيسيره ونحو ذلك ثم قعله لا يحنث ولا كفارة عليه. والاستثناء يفيد عندهم في اليمين بالله تعالى وغيره، إلا أنه إن قال في الطلاق: إن أعانني الله أو بمعونة الله وأراد به الاستثناء فإنه ينفع فيما بينه وبين الله ولا ينفع قضاء.
ويشترط لصحة الاستثناء شروط: الأول: أن يتكلم بالحروف بحيث يسمع نفسه، فإذا لم يسمع نفسه لا يصح الاستثناء على الصحيح إلا إذا كان أصم فإنه يصح استثناءه.
الثاني: أن يكون متصلاً فإذا فصل بين الاستثناء وبين المستثنى منه فاصل من غير ضرورة لا ينفع الاستثناء. أما إذا كان الفصل لضرورة تنفس أو عطاس أو جشاء أو كان بلسانه ثقل فطال تردده ثم قال: إن شاء الله فإنه يصح ولا يشترط قصد الاستثناء، فلوقال لامرأته: أنت طالق فجرى الاستثناء على لسانه بدون قصد لا يقع الطلاق، وهذا هوظاهر المذاهب.
الثالث: أن يزيد المستثنى على المستثنى منه كأن يقول: هي طالق ثلاثاً إلا أربعاً.
الرابع: أن يكون مساوياً كأن يقول: هي طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً، فإذا استثنى الكل من الكل بغير لفظه صح الاستثناء كما إذا قال: نسائي طوالق إلا زينب وفاطمة وسلمى وليس له غيرهن. فإنه استثناء الكل من الكل بغير لفظه فيصح.
الحنابلة - قالوا: يفيد الاستثناء في كل يمين تدخلها الكفارة، كاليمين بالله تعالى، والظهار، والنذر، فلا يفيد في الطلاق، فإذا قال: والله لا أفعل كذا إن شاء الله، أو علي نذر إن فعلت كذا إلا أن يشاء الله، فإن يمينه لا تنعقد، ومثل مشيئة الله إرادة الله إن قصد بها المشيئة؛ أما إن قصد بإرادة اللهстр. 719
مبحث الصيغ التي تنعقد بها اليمين
تنعقد اليمين باسم الله تعالى كقوله: والله وبالله وتالله. وتنعقد بصفة من صفاته، وفي ذلك تفصيل المذاهب
(١) . الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: ينعقد اليمين بنوعين: النوع الأول: أن يحلف بذكر اسم الله الكريم كأن يقول: والله وبالله، وينقسم هذا إلى قسمين: مختص به تعالى فلا يسمى به غيره كالله والرحمن والحكم هذا أن اليمين ينعقد به مطلقاً أي بدون نية أو حاجة إلى نظر إلى عرف، وغير مختص به بل يطلق عليه وعلى غيره كالعليم والحليم والمالك ونحو ذلك، وحكم هذا أن الحالف به إما أن يقصد اليمين، أو يقصد غير اليمين، أو لا يقصد شيئاً، فإن قصد اليمين انعقد يمينه بلا خلاف، وإن قصد غير اليمين لا ينعقد يمينه، لأنه نوى ما يحتمله كلامه، ويصدق في قوله إلا فيما يتعلق به حَق الغير، كالطلاق والإيلاء، فلو قال: إن حلفت يميناً فامرأتي طالق، أو لا أقرب زوجتي فوق أربعة أشهر ثم حلف بهذا وقال لم أقصد اليمين: لا يصدق قضاء ويصدق فيما بينه وبين الله، أما إذا لم يقصد شيئاً فإنه ينعقد على الراجح، لأن دلالة القسم تعين اليمين، وإذا قال: بسم الله لا أقوم، أو قال: واسم الله أعطيكстр. 720
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) درهماً كما يحلف به بعض النصارى، فقيل: ليس بيمين لعدم تعارض الحلف به واختاره بعضهم، وقيل إنه يمين لأن الاسم والمسمى واحد ورجحه بعضهم.
النوع الثاني: أن يحلف بصفة من صفاته تعالى، والمراد بالصفة هنا الصفة المحضة، كقدرة الله وعزته وعظمته. أما التي تدل على ذات وصفة كالعليم ونحوه فقد تقدم حكمها في النوع الأول، ولا فرق بين أن تكون الصفة صفة ذات أو صفة فعل، ولكن يشترط في انعقاد اليمين بالصفة أن يتعارف الناس الحلف بها، فإن الأيمان مبنية على العرف وهذا هو الصحيح.
والحلف بالقرآن وبكلام الله ينعقد به اليمين؛ لأنه صفة من صفات الله تعالى كعزة الله وجلاله وقد تعورف الحلف به بقطع النظر عن كونه النفسي أو اللفظي، أما الحلف بالمصحف كما يفعله العامة من وضع أيديهم على المصحف وقولهم: وحق هذا المصحف فإنه ليس بيمين، أما إذا قال: أقسم بما في هذا المصحف فإنه يكون يميناً. ولا ينعقد اليمين بصفة لم يتعارف الحلف بها كرحمة الله وعلمه ورضائه وغضبه وسخطه وعذابه ونفسه وشريعته ودينه وحدوده وصفته وسبحان الله ونحو ذلك.
الشافعية - قالوا: الصيغ التي تنعقد بها اليمين أربعة أنواع:
النوع الأول: أن يحلف بما اختص الله تعالى به بحيث لا يجوز إطلاقه على غيره. سواء كان مشتقاً كرب العالمين، أو غير مشتق كلفظ الله وسواء كان من أسماء الله الحسنى كالرحمن الرحيم، أو من غيرها كخالق الخلق، ومن نفسي بيده.
النوع الثاني: أن يحلف بما يطلق على الله تعالى وعلى غيره، ولكن الغالب فيه إطلاقه على الله كالرحيم والرازق والرب والخالق بدون إضافة إلى الخلق، فإن هذه تستعمل في غيره تعالى مقيدة فيقال: خالق الإفك ورحيم القلب ورازق الجيش ورب الدار ونحو ذلك.
النوع الثالث: أن يحلف بما يطلق على الله وعلى غيره بالتساوي كالموجود والعالم والحي، فإن هذه الأشياء تطلق على غير الله تعالى بلا قيد، وإنما ينعقد اليمين بهذه الأنواع الثلاثة إذا أراد اليمين، أما إذا لم يرد اليمين فإنها لا تنعقد، وفي ذلك ثلاث صور، لأنه لا يخلو: إما أن يقصد اليمين أو يقصد عدم اليمين، أو لا يقصد شيئاً بل يطلق، فإن اراد اليمين أو أطلقه تنعقد يميناً في الأنواع الثلاثة. أما إذا أراد عدم اليمين فإنها لا تنعقد في جميعها، ويقبل منه ذلك، فإذا قال: والله ما فعلت كذا وهو يريد أن يقول: وهو الله لم ينعقد يميناً، ويقبل قوله في ذلك إلا في الطلاق والعتاق والإيلاء ظاهراً، فلو قال: إن حلفت بالله فأنت طالق أو لا أطأ زوجي فوق أربعة أشهر، ثم حلف بعد ذلك بالله وقال: لم أرد اليمين لا يصدق ظاهراً وإن لم يكن آثماً باطناً، وهناك ثلاث صور أخرى وهي: أن يقصد بالصيغة الله تعالى، أو يقصد غيره. أو لم يقصد شيئاً، فإذا قصد بها الله تعالى انعقد اليمين في جميع الأنواع، وإن قصد غيره انعقد في النوع الأول دون الأخيرين، لأن ما يختص بالله تعالى ينصرف إليه ولو قصد به غيره بخلاف المشترك بينه وبين غيره، فإن اليمين لا ينعقد إلا إذا قصد به الله تعالى. أما إذا لم يقصد شيئاً فإن اليمين تنعقد في النوعين الأولين، وهما ما يطلق على الله فقط، وما يطلق عليه وعلى غيره، ولكنстр. 721
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الغالب إطلاقه على الله، أما النوع الثالث، وهو ما يطلق عليه وعلى غيره بالتساوي، فإنه لا ينعقد إلا إذا قصد به الله تعالى فقط. لأنه لما أطلق عليهما بالتساوي أشبه الكناية فلا ينعقد إلا بالنية.
النوع الرابع: أن يحلف بصفة من صفاته الذاتية كعلمه وقدرته وعزته وكلامه ومشيئته وحقه وعظمته، أما صفات الأفعال كالخلق والرزق فليست بيمين، أما الصفات السلبية ففيها خلاف.
وإذا أراد بالصفة معنى آخر يحتمله اللفظ لا ينعقد اليمين كأن يريد بالعلم المعلوم. وبالقدرة المقدور، وبالباقي ظهور آثارها، فأثر العظمة والكبرياء هلاك الجبابرة، وأثر العزة العجز عن إيصال مكروه إليه، وأثر الكلام الحروف والأصوات وما أشبه ذلك.
وتنعقد اليمين بقوله: وكتاب الله ويمين الله والقرآن والمصحف والتوراة والإنجيل، إلا إذا أراد بالقرآن الخطبة والصلاة. فإنه يطلق عليهما لقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له﴾ فإن المراد به الخطبة، وقوله تعالى: ﴿وقرآن الفجر﴾ فإن المراد به صلاة الفجر فإنه في هذه الحالة لا ينعقد به اليمين، وكذلك لا ينعقد إذا أراد بالمصحف الورق أو الجلد، كما لا ينعقد إذا أراد بكلام الله الحروف والأصوات، أو بالقرآن الألفاظ أو النقوش.
وتنعقد بقوله: أقسم بالله، أو أحلف بالله، أو أقسمت بالله، أو حلفت بالله. إلا إذا أراد الإخبار بأنه فعل ذلك في الماضي وسيفعل في المستقبل فإنه لا ينعقد وهذا هو الراجح، وبعضهم يرى أنه إذا صرح بلفظ أحلف أو بأقسم فإنه لا يكون يميناً.
المالكية - قالوا: صيغة اليمين المنعقدة يلزم أن تكون بذكر اسم من أسماء الله الحسنى سواء كان موضوعاً للذات فقط كالله، أو موضوعاً لها ولصفة من الصفات كالرحمن الرحيم. وكذلك تنعقد بذكر صفة من صفاته، سواء كانت تلك الصفة نفسية وهي الوجود، أو كانت من صفات المعاني كقدرة الله وحياته وعلمه، أما الصفة السلبية كقدمه وبقائه ووحدانيته ففيها خلاف عندهم، فمن يرى أنها صفة حقيقة يقول: إنها يمين. ومن يرى أنها أمر اعتباري يقول: إنها ليست بيمين وأما صفات الأفعال كالخلق والرزق والإماتة ونحوها فإن الحلف بها لا ينعقد اتفاقاً، ولا بد من ذكر اللفظ، فلا ينعقد اليمين بالكلام النفسي على الراجح، ويكفي ذكره حكماً كما إذا قال: أحلف أو أقسم أو أشهد ولم يذكر الاسم الكريم فإنه يكتفي بتقدير لفظ بالله إذا نوى اليمين، وينعقد اليمين بقول الله وها الله وايم الله وحق الله وعظمته وجلاله وإرادته وكفالته بمعنى كلامه القديم، وكلامه والقرآن والمصحف إذا نوى به الكلام القديم، أما إذا نوى به الورق والكتابة، أو لم ينو شيئاً فإنه ليس بيمين، وكذا ينعقد بقوله: وعزة الله إن أراد به صفته تعالى وهي القوة والمنعة، أما إن أراد بها المعنى الذي يخلقه الله في عباده فإنها لا تكون يميناً، ولا يجوز الحلف بها.
ومثلها وأمانة الله وعهده وعلى عهد الله، فإن أراد بالأمانة كلام الله تعالى وبالعهد كذلك فيمين، أما إن أراد بالأمانة الأمانة المعروفة المشار لها بقوله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة﴾ وأراد بالعهد العهد المعروف، فإنه لا ينعقد بها اليمين، ولا يجوز الحلف بها حينئذ.стр. 722
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وينعقد بقوله: أعزم بالله لأن معناه أقصد، فلا بد من ذكر الاسم بعده لفظاً بخلاف أحلف، أو أقسم، أو أشهد، فإنه يكفي فيها نية تقدير الاسم كما سبق. ولا تنعقد اليمين بقوله: لك عليّ عهد لا فعلت كذا أو لأفعلن كذا. وكذا لا تنعقد بقوله: أعطيك عهداً علي بأن أفعل كذا أو أتركه، ولا تنعقد بقوله: عزمت عليك بالله لا تقل كذا أو لا تفعلن كذا ولا تنعقد بقول: حاشا لله ما فعلت كذا ولا بقول: معاذ الله ما فعلت كذا أو لأفعلن كذا، ومعنى معاذ الله: الاعتصام والتحصن به تعالى: ويصح أن يكون بالدال أي معاد الله ومعناه العود والرجوع إليه تعالى.
ولا تنعقد بقوله: الله راع أو كفيل إن قصد بذلك الإخبار، أما إن نوى بها اليمين فتنعقد وكذلك تنعقد إذا جر لفظ الجلالة ونوى تقدير حرف القسم فإنها تكون يميناً ولو لم يقصد اليمين ولا يضر الفصل بين القسم وهو الله وبين المحلوف عليه بكلمة كفيل أو راع لأن الفصل عندهم بهذا لا يضر في انعقاد اليمين.
وإذا قال: يعلم الله إن قصد بها اليمين انعقدت وإلا فلا.
الحنابلة - قالوا: تنعقد اليمين بأمرين: الأول باسم الله تعالى كقوله: والله وبالله وتالله، وهذا تنعقد به اليمين مطلقاً وإن نوى غيره، لأنه مختص به تعالى، وأما ما يسمى به غيره - ولكن إذا أطلق ينصرف إلى الله، كالعظيم والرحيم والرب والمولى؛ فإن نوى به الله تعالى أو لم ينو شيئاً انعقد يميناً، وإن نوى به غير الله تعالى لا ينعقد يميناً، وإن حلف بشيء لا نصرف إلى الله إذا أطلق ولكن يحتمل إطلاقه على الله، كالشيء الموجود والحي والعالم والمؤمن والواحد والمكرم والشاكر، فإنه ينعقد يميناً إذا نوى به الله تعالى لأنه نوى باللفظ ما يحتمله، أما إذا نوى غير الله تعالى أو لم ينو شيئاً فإنه لا ينعقد يميناً.
وإذا حلف بشيء مضاف إلى اسم الله تعالى ينعقد يميناً كقوله: وحق الله وعهد الله واسم الله وأيمن الله "جمع يمين". وميثاق الله، وكبرياء الله، وجلال الله، ونحو ذلك، وتجب عليه الكفارة في ذلك إذا حنث. وكذا إذا قال: عليّ عهد الله وميثاقه فإنه ينعقد يميناً لإضافته إلى الله وينعقد اليمين بأمانة الله ولكن يكره، وقد اختلف في الكراهة فقيل: تحريمية وقيل: تنزيهية وإذا قال: والعهد والميثاق والأمانة ونحو ذلك بدون إضافة إلى اسم الله تعالى لا ينعقد بها اليمين إلا إذا أراد صفة الله تعالى. وينعقد اليمين بقوله: لعمر الله وإن لم ينوبه اليمين، ومعناه الحلف ببقاء الله تعالى وحياته.
الثاني: الحلف بصفة من صفاته تعالى نحو والرحمن والقديم والأزلي وخالق الخلق ورازق العالمين، ورب العالمين، والعالم بكل شيء، ورب السموات والأرض، والحي الذي لا يموت، والأول الذي ليس قبله شيء، ومالك يوم الدين، وعظمة الله وقدرته وعزته وإرادته، وعلمه وجبروته ووجهه. فينعقد الخلف بهذه الصفات وإن لم ينو اليمين، أو نوى بها غير الله تعالى كأن نوى بالقدرة المقدور، وبالعلم المعلوم ونحو ذلك، لأنها صريحة في المقصود فلم تفتقر إلى نية.
وينعقد الحلف بكلام الله لأنه صفة من صفاته تعالى: وينعقد بالمصحف بدون كراهة لأنстр. 723
مبحث الحلف بغير الله تعالى
لا ينعقد اليمين بغير الله تعالى كالحلف بالنبي ﷺ ، والكعبة، وجبريل، والولي وغير ذلك من كل معظم ولا كفارة على الحنث في الحلف به، وإذا قصد الحالف بذلك إشراك غير الله معه في التعظيم كان ذلك شركاً؛ وإذا قصد الاستهانة بالحلف بالنبي والرسول ونحو ذلك كفر. أما إذا لم يقصد شيئاً من ذلك بل قصد اليمين ففي حكمه تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: الحلف بالتعليق نحو عليّ الطلاق لا أفعل كذا، أو إن فعلت كذا يلزمني الطلاق إن كان الغرض منه الوثيقة أي اتثاق الخصم بصدق الحالف جاز بدون كراهة، وإن لم يكن الغرض منه ذلك أو كان حلفاً على الماضي فإنه يكره، وكذلك الحلف بنحو وأبيك ولعمرك ونحو ذلك.
الشافعية - قالوا: يكره الحلف بغير الله تعالى إذا لم يقصد شيئاً مما ذكر في أعلى الصحيفة ويكره الحلف بالطلاق.
الحنابلة - قالوا: يحرم الحلف بغير الله تعالى وصفاته ولو بنبي أو ولي، فمن حلف بذلك يستغفر الله تعالى ويتوب ويندم على ما فرط منه ولا كفارة عليه. ويكره الحلف بالطلاق والعتاق.
المالكية - قالوا: الحلف بمعظم شرعاً كالنبي والكعبة ونحوهما فيه قولان: الحرمة، والكراهة والمشهور: الحرمة، أما الحلف بما ليس بمعظم شرعاً كالحلف بالأنصاب والدماء التي كان يحلف بها في الجاهلية، أو بشيء من المعبودات دون الله تعالى فلا خلاف في تحريمه إذا لم يقصد تعظيمها، وإلا كفر كما ذكر في أعلى الصحيفة، وكذلك لا ينبغي الاختلاف في تحريم الحلف بالآباء والأشراف ورؤوس السلاطين وحياتهم وما شاكل ذلكстр. 724
مبحث إذا حلف علي غيره أو سأله بالله
إذا قال لغيره: أقسم عليك بالله، أو أحلف عليك بالله لتفعلن كذا، أو لا تفعلن كذا ففيه تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: إذا قال رجل لآخر: والله لتفعلن كذا وكذا، أو بالله لتفعلن كذا فإن أراد به استحلاف المخاطب ولم يرد أن يحلف هو فلا يكون يميناً ولا شيء عليهما، وأن أراد أن يحلف بذلك أو لم يرد شيئاً فإنه يكون يميناً، ويحنث إذا لم يطعه المخاطب.
وإذا قال له: أقسمت لتفعلن كذا، أو قال: أقسمت بالله، أو أشهد بالله، أو أحلف بالله أو أعزم بالله لتفعلن كذا، سواء قال عليك أو لم يقل فإنه ينعقد يميناً يلزم به الحالف، ولا شيء على المخاطب إلا إذا أراد به الاستفهام فإنه لا يكون يميناً حينئذ.
المالكية - قالوا: إذا حلف على رجل بأن قال له: حلفت عليك بالله لتفعلن كذا، أو لا تفعل كذا فلم يطعه حنث الحالف وعليه الكفارة، ولا شيء على الآخر: وكذلك إذا قال: أقسمت عليك فإنه إن لم يطعه وجبت الكفارة على من أقسم إلا إذا قصد بذلك غير اليمين، فإنه في هذه الحالة فيه خلاف، والمشهور أنه لا شيء عليه، وكذا إذا لم يقصد شيئاً.
ولو قال: حلفت عليك ولم يقل بالله ولم ينوه فلا كفارة عليه. وكذا لو قال: أعزم عليك بالله، أو عزمت عليك بالله أو سألتك بالله ولم يقصد به اليمين، فالأصح أنه لا يكون يميناً.
ويندب لمن سأله أحد بالله أو أقسم عليه به أن يبر قسمه، وأن يجيبه إلى طلبه إذا لم يكن هناك مانع شرعي ولم يتذرع السائل بذلك إلى الإلحاف ومضايقة الناس، ويتأكد الندب فيما تجب فيه الكفارة.
الشافعية - قالوا: إذا قال لغيره: أقسم عليك بالله أو أسألك بالله لتفعلن كذا، فإنه يكون يميناً إذا قصد به يمين نفس، أما إذا قصد به يمين المخاطب، أو قصد الشفاعة عنده، أو لم يقصد شيئاً فإنه لا يكون يميناً، فإذا حلف شخص على آخر أنه يأكل فإذا أراد تحقيق الأكل وأنه لا بد منه كان يميناً، وإن أراد أتشفع عندك بالله أنك تأكل، أو أراد يمين المخاطب كأن قصد جعله حالفاً بالله فلا يكون يميناً، لأنه لم يحلف حينئذ لا هو ولا المخاطب، ويحمل عند الإطلاق على الشفاعة، ويسن للمخاطب إبراره في القسم إذا أراد به يمين نفسه.
الحنابلة - قالوا: إذا أقسم على غيره فإن قال: والله لتفعلن يا فلان كذا، أو لا تفعلن كذا فلم يطعه حنث الحالف وعليه الكفارة. لا على من لم يطعه على الراجح. وإن قال: أسألك بالله لتفعلن كذا، وأراد بذلك اليمين يكون يميناً، والكفارة على الحالف أيضاً. أما إذا أراد به الشفاعة فإنه لا يكون يميناً، ويسن إبرار القسم كما تسن إجابة السؤال باللهстр. 725
مباحث كفارة اليمين
موجباتها
تجب كفارة اليمين بأمور مفصلة في المذاهب
(١) . الحواشي
(١) الحنابلة - قالوا: تجب كفارة اليمين بأمور: أولاً: إذا حنث الحالف باليمين المنعقدة بشروطها المتقدمة، ثانياً: بالنذر المطلق وهو الذي لم يعين فيه المنذور كقوله: علي نذر، أو لله علي نذر، سواء قال: إن فعلت كذا أو لم يقل، وإنما تجب فيه كفارة اليمين إذا لم ينو الناذر شيئاً معيناً فإن نواه لزمه. ثالثاً: إذا حرم على نفسه شيئاً من الحلال غير زوجه كقوله: ما أحل الله علي حرام إذا لم يكن له زوج، فإن كانت حرمت، وإن لم تكن فعليه كفارة اليمين ولا يحرم عليه شيء، وكذا إذا قال هذا الطعام علي حرام، أو إن أكلته فهو حرام أو نحو ذلك، فإن فيه كفارة اليمين ولا يحرم عليه شيء. رابعاً: أن يقول: علي يمين إن فعلت كذا ولم يفعل، فإنه تلزمه الكفارة، كما إذا قال: مالي للمساكين إن فعلت كذا وقصد به اليمين، فإنه يكون يميناً إذا حنث. خامساً: إذا حلف على ملة غير الإسلام كما إذا قال: هو يهودي أو نصراني أو كافر أو مجوسي أو يكفر بالله أو يعبد الصليب إن فعل كذا، أو قال: هو بريء من الله أو من القرآن أو من الإسلام أو من رسول الله إن فعل كذا، أو قال: يستحل الزنا أو شرب الخمر أو ترك الصلاة أو الصيام إن فعل كذا فإنه في كل هذا تلزمه كفارة اليمين إن فعل المحلوف عليه. وقال بعضهم: لا كفارة فيه، ولا يكفر الحالف بذلك، ولكنه فعل محرماً تلزمه التوبة منه، سادساً: إذا قال: أيمان المسلمين تلزمني إذا فعلت كذا ولم يفعل، فإنه تلزمه كفارة اليمين ولكن بشرط أن ينوي به اليمين، فإن نوى به الصلاة أو الظهار أو النذر كان كما نواه، لأن أيمان المسلمين كناية يصح أن يراد بها اليمين بالله، والطلاق، والنذر، والظهار، والعتق.
المالكية - قالوا: تجب الكفارة بأربعة أمور: الأول: النذر المبهم، وهو الذي لم يعين فيه المنذور كأن يقول: لله علي نذر، أو نذر لله علي إن فعلت كذا، أو إن لم أفعل كذا فإنه تجب فيه الكفارة إن حنث، وكذا إذا قال، إن شفى الله مريضي علي نذر، أو لله علي نذر فشفى الله مريضه، فإنه يجب عليه كفارة اليمين، أما النذر المعين وهو ما عين فيه المنذور كأن يقول: لله علي نذر أن أصوم أو أتصدق بكذا فإنه يلزمه ما عينه باللفظ أو النية.
الثاني: صيغة اليمين كأن يقول: علي اليمين، أو لله علي يمين، أو إن فعلت كذا فعلي يمين فإنه تجب عليه الكفارة بالحنث في ذلك.стр. 726
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الثالث: الحلف باليمين المنعقدة على بر وهي الحلف بالنفي كقوله: والله لا أدخل الدار، وسميت يمين بر لأن الحالف بها على البراءة ما لم يدخل الدار. الرابع: اليمين المنعقدة على حنث وهي الحلف بالإثبات كقوله: والله لأفعلن كذا، أو إن لم أفعل كذا، وسميت يمين حلف لأن الحالف بها يكون على حنث حتى يفعل المحلوف عليه، فإذا قال: والله لأسافر، فهو مطالب بالفعل ويكون على حنث حتى يسافر. وكذا إذا قال: إن لم أسافر فعلي كذا، ولكن يشترط في كون هاتين الصيغتين للحنث أن لا يقيدهما بوقت، فلو قال: والله لأسافر بعد شهر يكون صيغة بر حتى يمضي الشهر، فإذا مضى الأجل ولم يفعل حنث إذا لم يوجد مانع يمنع الفعل شرعي أو عادي، فإن وجد مانع شرعي أو عادي لا يحنث، أما المانع العقلي فلا يعتبر، ولا يحنث في الصيغة المطلقة إلا بالموت فلو قال: والله لأسافرن، أو والله لا أكلم فلاناً لا يحنث إلا بالموت، وكذا لو قال: لأطلقن امرأتي فإنه لا يحنث إلا بموتها، ولو قال: هو يهودي أو نصراني أو مرتد أو على غير ملة الإسلام ونحو ذلك إن فعل كذا ولم يفعله فلا كفارة عليه، ولكن يحرم عليه الحلف بذلك، فإن قال ذلك في غير يمين ارتد ولو كان هازلاً.
الحنفية - قالوا: تجب كفارة اليمين بأمور: منها أن يحنث في اليمين المنعقدة بشروطها المتقدمة، أما إذا لم يحنث فلا تجب عليه الكفارة ولا تصح قبل الحنث.
ومنها النذر غير المعين كما إذا قال: علي نذر لا أفعل كذا أو أفعله، فإذا حنث تلزمه كفارة يمين، لأنه إن كان لم يسم شيئاً ولكنه التزم بهذه العبارة الكفارة، فكأنه نذر الكفارة ومحل ذلك إذا لم ينو شيئاً معيناً، فإذا نوى شيئاً لزمه ومنها أن يقول: علي اليمين لأفعلن كذا وإن لم يذكر بالله فإنها تنعقد يميناً وعليه الكفارة إن حنث فيها ما لم يرد الإخبار بأن في ذمته يميناً. ومنه أن يحرم على نفسه شيئاً حلالاً كأن يقول: هذا الطعام علي حرام فإنه لا يحرم عليه؛ ولكن إن أكله تلزمه كفارة اليمين. أما إذا قال: إن أكلت هذا الطعام فهو علي حرام فأكله، فإنه لا يلزمه شيء، لأنه في الأول حرم طعاماً موجوداً بالفعل، أما في الثاني فإنه ما حرمه إلا بعد الأكل، فلم يكن موجوداً وقت التحريم. وكذا لو حرم على نفسه حراماً بأن قال: الخمر علي حرام فإنه إذا شربها كان عليه كفارة يمين بشرط أن ينوي به اليمين، أما إذا نوى به الإخبار أو لم ينو شيئاً فلا كفارة عليه، ومثله ما إذا قال: مال فلان علي حرام.
وإذا قال: كل حل أو حلال الله أو حلال المسلمين علي حرام، فإن كانت له زوج فالمفتى به أنها تطلق منه بواحدة بائنة، وإن تعددت أزواجه بن جميعاً بواحدة، وإن نوى به الثلاث فثلاث وإن لم تكن له زوج وقت اليمين انعقد يميناً ويحنث بمجرد الأكل والشرب، وتلزمه كفارة اليمين إن حلف على مستقبل، وأما إن حلف على ماض كانت يمينه غموساً إن تعمد الكذب إذا قال: إنه بريء من الرسول، أو من القرآن أو من كتاب الله أو من آية من كتاب الله أو من كل آية فيه فإنه تلزمه الكفارة بالحنث. وكذا إن تبرأ من الكتب الأربعة؛ ولو كرر البراءة تعددت الأيمان بحسب التكرار؛ فإذا قال: هو بريء من الله، وبريء من الرسول لا يفعل كذا ففعل حنث في يمينين، وإذا زاد والله ورسوله بريئان منهстр. 727
مبحث في كيفية كفارة اليمين
كفارة اليمين هي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، ولا ترتيب بين واحد منها، فهو مخير بين أن يفعل أيها شاء، فإن عجز عنها ولم يستطع أن يفعل واحداً منها فإنه يصوم ثلاثة أيام، ولا يجزي الصيام إلا بعد العجز عن فعل واحد من الأمور الثلاثة، فكفارة اليمين فيها تخيير. وترتيبن فالحالف مخير بين أن يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم أو يحرر رقبة، وليس مخيراً في الصيام، أما بيان كل واحد من الثلاث المذكورة وشروطها ففيه تفصيل المذاهب
(١) . الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: يشترط في الإطعام شروط: الأول: أن يعطي كل مسكين من العشرة نصف صاع من بر، أو صاع من تمر، أو شعير أو قيمة ذلك، ودقيق البر كحبه يجزئ منه نصف صاع،стр. 728
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ودقيق الشعير كحبه يجزئ منه الصاع، وكل جنس من الطعام منصوص عليه لا يصلح أن يكون بدلاً عن جنس آخر منصوص عليه، ولو كان أكثر منه قيمة، فلو أدى نصف صاع من تمر جيد يساوي في القيمة أكثر من صاع من البر لا يجزئه، ونصف الصاع هو قدح وثلث، ومثل التمليك الإباحة بأن يغدي كل واحد من العشرة ويعيشهم.
الثاني: أن لا يعطي الكفارة كلها لمسكين واحد في يوم دفعة واحدة أو متفرقة على عشر مرات، فلو أعطاه كل ساعة نصف صاع لم يجزئه، أما إذا أعطاه كل يوم نصف صاع بحيث يعطيه القيمة في عشرة ايام فإنه يجزئه، لأن تجدد الحاجة كل يوم يجعله كمسكين آخر، فكأنه صرف القيمة لعشرة مساكين.
الثالث: يشترط أن يغدي كل مسكين من العشرة ويعشيه، أما إذا غدى واحداً وعشى واحداً آخر غيره وهكذا لم يجزئه، لأنه يكون قد فرق طعام العشرة على عشرين وهو لا يصح كما لا يصح أن يفرق طعام المسكين الواحد على مسكينين إلا إذا ألغى ما أعطاه لبعضهم وكمل للآخرين، ولو غدى مسكيناً وأعطاه قيمة العضاء أجزأه.
الرابع: يشترط وجود الغداء والعشاء في يوم واحد، فلو غدى واحداً في يوم وعشاه في يوم آخر فإنه لا يجزئه، وقيل يجزئه، وعلى هذا فلو أخرج الكفارة في رمضان واستبدل الغداء بالعشاء في ليلة أخرى أجزاه.
الخامس: يشترط الإدام في خبز الشعير والذرة ليمكنه أن يشبع، بخلاف خبر البر فإنه لا يشترط فيه ذلك ولكنه يستحب فيه الإدام.
السادس: يشترط أن لا يكون في تلك العشرة طفل فطيم، وأن لا يكون فيهم واحد شبعان قبل الأكل.
وأما الكسوة فيشترط فيها أمور: أحدها أن يكون الثوب مما يصلح للأوساط. ثانيها أن يكون قوياً بحيث يمكن الانتفاع به فوق ثلاثة أشهر، فلو كان قديماً أو جديداً رقيقاً لا ينتفع به هذه المدة فإنه لا يجزئ. ثالثها أن يستر البدن كله أو أكثره فيجزئ الملاءة والجبة والقميص والرداء والقباء والإزار إذا كان سابلاً يتوشح به، ولا تجزئ العمامة ولا السراويل على الصحيح. ولا بد للمرأة من خمار مع الثوب، وإذا أعطى لفقير كسوة لا تستر أكثر بدنه كالسراويل وكانت قيمتها تساوي قيمة الإطعام "نصف صاع من بر، أو صاع من تمر كما تقدم" فإنها تجزئ. ولا يشترط أن ينوي بالكسوة الإطعام على الظاهر من المذهب أما النية فإنها شرط لصحة التكفير في ذاته، وتصح في الإطعام بالتمليك والكسوة قبل الدفع وبعده ما دامت الصدقة باقية في يد الفقير، أما الإطعام بالإباحة بأن كانوا عنده فأكلوا ثم نوى ذلك التكفير فإنه لا يجزئه، لأن الطعام لم يبق في يد الفقير في هذه الحالة. وكذلك التكفير بالعتق فإنه لا يتصور فيه النية بعد التكفير، فإذا أعتق عبده ثم نوى التكفير بعد العتق فإنه لا يجزئ، ولا يصح أنстр. 729
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) يعطي من هذه الكفارة من لا يجزئه أن يعطيه من زكاة المال إلا فقراء أهل الذمة، فإنه يصلح أن يعطيهم من هذه الكفارة، وفقراء أهل الإسلام أحب.
ويشترط لصحة الكفارة بالعتق: أن يعتق رقبة كاملة الرق، وأن تكون في ملكه. وأن يكون مقروناً بالنية كما ذكر، ولا يشترط في الرقبة الإيمان.
أما الصيام فهو أن يصوم ثلاثة أيام متتابعة، فلو حاضت المرأة أثناء صومها بطلت الكفارة ويشترط لصحة الكفارة به أن يعجز عن فعل واحد من الثلاثة كما مر، ويعتبر العجز وقت الأداء لا وقت الحنث، فلو كان معه مال وقت الحنث ثم ذهب وصام، ثم رجع له الماء فإن الصيام يجزئه، لأنه كان عاجزاً وقت الأداء، ويشترط أيضاً أن يستمر العجز إلى الفراغ من الصوم، فلو صام المعسر يومين ثم حصل على المال قبل صيام الثالث لم يجزئه الصيام، ويعد قادراً من يملك الكفارة زائدة على الكفاف. والكفاف هو م نزل يسكنه، وثوب يلبسه ويستر عورته وقوت يومه، وإذا كان له مال وعليه دين مثله فإن قضى به دينه قبل أن يكفر صام، وإن لم يقض به دينه فقيل: يكفر بالمال، وقيل: يصوم، وللزوج أن يمنع زوجه المعسرة من الصوم.
المالكية - قالوا: يشترط في الإطعام شروط: أولاً: أن يملك المسكين أو الفقير مداً وهو ملء اليدين المتوسطتين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين، ويقدر بالكيل بثلث قدح مصري كما تقدم في كفارة الصيام. ويشترط أن يكون من الأنواع التي تخرج في زكاة الفطر وهي تسعة: القمح، والشعير، والسلت، والزبيب، والدخن، والذرة، والأرز، والأقط "وهو لبن يابس خال من الزبد". ويندب الزيادة على المد لغير سكان المدينة، أما هم فلا يندب لهم لقلة مالهم، أو بملكهم رطلين من الخبز بالرطل البغدادي وهو أصغر من الرطل المصري قليلاً، ويجزئ الخبز بلا إدام على الراجح لكن يندب الإدام. والتمر والبقل إدام، ويجزئ أيضاً أن يشبعهم مرتين غداء أو عشاء أو غداءين أو عشاءين، سواء توالت المرتين أو لا، فصل بينهما بطول أو لا، وسواء أطعم العشرة مجتمعين أو متفرقين، متساوين في الأكل أو لا، واشترط بعضهم تقاربهم في الأكل.
ثانياً: يشترط في المساكين الحرية، والإسلام، وعدم لزوم نفقة على المخرج، فلا يجوز أن يدفع منها الرجل لزوجه أو ولده الفقير، ويجوز أن تدفع الزوج منها لزوجها وولدها الفقير، لأنها لا تلزمها نفقتهما.
ثالثاً: يشترط أن لا يكرر الإعطاء فلا يجوز أن يطعم واحداً عشرة أمداد في عشرة أيام كما يقول الحنفية، وهذا شرط في الكسوة أيضاً.
رابعاً: يشترط أن لا ينقص الحصص، بل لا بد أن يعطي كل مسكين حصة كاملة، فلا يجوز أن يعطي عشرين مسكيناً عشرة أمداد لكل واحد نصف مد، غلا أن يكمل لعشرة منهم ما نقص بأن يعطي لكل واحد منهم نصف مد آخر.стр. 730
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) خامساً: يشترط أن لا تكون ملفقة من نوعين فأكثر، فلا يجوز أن يخرج بعض الكفارة طعاماً والبعض الآخر كسوة، فلو أطعم خمسة وكسا خمسة لا يجزئه إلا إذا ألغى ما أعطاه لخمسة منهم، فإذا ألغى الكسوة وجب عليه أن يطعم خمسة آخرين وبالعكس: نعم يجوز التلفيق من صنف نوع واحد بأن يعطي بعضهم أمداداً والبعض الآخر أرطالاً، ولا يشترط بقاء الصدقة في يد الفقير في الملفقة، بل يكملها ولو ذهب ما أخذه الفقير من يده. ومثلها المكررة وهي التي صرفت لأقل من عشرة، أما تكميل الناقصة وهي التي صرفت لأكثر من عشرة، فبعضهم يشترط أن يبقى ما أخذ الفقير بيده، ولكن الراجح عدم اشتراط ذلك، ويشترط في الكسوة أن تكون في حَق الرجل ثوباً يستر جميع بدنه أو إزاراً يمكن أن يشتمل به في الصلاة فلا تجزئ العمامة ولا الإزار الذي لا يمكن الاشتمال به في الصلاة، وأن تكون في حَق المرأة قميصاً ساتراً وخماراً، ولا يشترط في الكسوة أن تكون من كسوة وسط أهل بلده، بل تكفي ولو كانت أقل من كسوة الوسد، أما الطعام فيشترط فيه أن يكون من عيش أهل البلد لا عيش المكفر على المعتمد، وإذا أراد أن يكسو صغيراً فإنه يلزم أن يعطيه ما يعطي الكبير على المعتمد، وكذلك إذا أراد أن يطعمه فإنه يعطيه ما يعطي الكبير، ولو كان يستغني به عن اللبن، فلا بد من أن يعطيه مداً أو رطلين من الخبز كالكبير وهذا هو المعتمد، ويشترط في العتق أن يعتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب؛ فإذا عجز وقت الإخراج عن هذه الأمور الثلاثة: الإطعام والكسوة والكفارة، بأن لم يكن عنده ما يباع على المفلس صام ثلاثة أيام ولا يجب تتابعها بل يندب.
الشافعية - قالوا: يشترط في الإطعام شروط: أولاً: أن يعطي كل مسكين من العشرة مداً من الطعام "وهو رطل وثلث" أو نصف قدح مصري وثمن كيلة، والرطل المعتبر مائة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم، ثانياً: يشترط أن يكون الطعام من قوت غالب أهل بلد حالف اليمين، سواء كفر عن نفسه أو كفر عنه غيره، وقيل: إذا كفر عنه غيره فالعبرة بقوت بلد المكفر، فلا يجزئ التمر والأقط "وهو لبن يابس أخرج زبده" ما لم يكن قوت غالب أهل البلد المبين في صدقة الفطر، وترتب في الأفضلية هكذا: البر، فالسلت "الشعير النبوي"، فالشعير فلذرة، فالأرز، فالحمص، فالعدس، فالفول، فالتمر، فالزبيب، فالأقط، فاللبن، فالجبن. وإذا اعتاد غالب أهل البلد أكل غير الأقوات المفصلة في صدقة الفطر كاللحم مثلاً، فإنه لا يجزئ في الكفارة.
ثالثا: يشترط أن يعطي لكل واحد منهم مداً كاملاً، فلو أعطى العشرة أمداد لأحد عشر مسكيناً لم يكف. وكذا لا يكفي أن يعطي العشرة لخمسة ولا يكفي أن يعطي خمسة طعاماً، وخمسة كسوة ويشترط في الكسوة أن تكون شيئاً مما يسمى كسوة مما يعتاد لبسه كقميص أو عمامة أو خمار "طرحة" أو كساء "حرام" أو فوطة "منشفة". فلو اشترط عشرة منها وفرقها على عشرة مساكين تكفي. فلا يكفي - الخف ولا القفاز "وهو ما يلبس في اليد" ولا النعل، ولا المنطقة، ولا القلنسوة "وهي ما يغطى به الرأس كالطاقية"، ويشترط أن يكون قوياً يمكن الانتفاع به. ولا يشترط أن يكون جديداً بل يجزئ الملبوس ولو مغسولاً ما لم يكن بالياً ويشترط في العتق أن يكون المعتق رقبة مؤمنة سليمة من عيبстр. 731
مبحث في وقت كفارة اليمين
يصح إخراج كفارة اليمين قبل الحنث وبعده على تفصيل في المذاهب (١) . الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: لا يصح إخراج كفارة اليمين قبل الحنث مطلقاً، سواء أكانت بالصوم أم بغيره من الأنواع الثلاثة الإطعام والكسوة والعتق، لأن سبب الكفارة هو الحنث عندهم، ولا يصح تقديم الشيء على سببه. وإذا كفر قبل الحنث فأعطى الفقراء شيئاً لا يجوز له أخذه منهم لأنه فعله قربة لله مع شيء آخر وهو التكفير. وقد حصل التقرب بإعطائها الفقير وترتب الثواب فليس له أن ينقضه باسترداد ما تصدق به.
وتجب بالحنث على الفور، فإذا أخرها يأثم، ولا تسقط بالموت.стр. 732
مبحث تعداد الكفارة بتعدد الأيمان
تتعدد الكفارة بتعدد الأيمان على تفصيل في المذاهب (١) . الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: في هذه المسألة رأيان: الأول تتعدد الكفارة بتعدد الأيمان، سواء حلف في مجلس واحد في مجالس متعددة، ولو قال: أردت باليمين الثاني عين اليمين الأول لا يقبل قوله. الثاني أنها لا تتعدد. فإذا كثرت الأيمان تداخلت ويخرج بالكفارة الواحدة عن عهدة الجميع وهو قول محمد، واختاره بعضهم.
الحنابلة - قالوا: إذا كرر يميناً فلا يخلو: إما أن تكون كفارة اليمين الثاني من جنس كفارة اليمين الأول أو لا، فإن كانت كذلك كقوله: واللُه لا أكلت، والله لا شربت، والله لا لبست، فعليه كفارة واحدة، لأن كفارة هذه الأيمان من جنس واحد فتتداخل، سواء حنث في الجميع أو حنث في البعضстр. 733
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وتنحل في الباقي. ومثل ذلك ما إذا حلف بنذروكرر الحلف به ثانياً وثالثاً الخ، فإن كفاراتها تتداخل، لأنها من جنس واحد. أما إن كانت كفاراتها مختلفة كما إذا حلف بالله وبالظهار تعددت الكفارة لأنها من جنسين مختلفين فلا تتداخل.
ومن كرر يميناً واحدة موجبها واحد على فعل واحد كقوله: والله لا أكلت. والله لا أكلت فعليه كفارة واحدة، لأن سببها واحد والظاهر منه التأكيد.
المالكية - قالوا: تتعدد الكفارة بأمور: الأول: أن يقصد بيمينه تكرر الحنث كقوله: والله لا كلمت زيداً، ونوى أنه كلما كلمه لزمه الحنث، فتتكرر بتكرر المحلوف عليه، وتلزمه في كل مرة يكلمه.
الثاني: أن يكون تكرر الحنث مستفاداً من العرف لا من مجرد اللفظ؛ فمن ترك الوتر مثلاً ثم عوتب على تركه فحلف أن لا يتركه فتلزمه الكفارة كلما تركه، لأن العرف يدل على أنه لا يتركه ولا مرة واحدة، فكأنه قال: كلما تركته فعلي كفارة.
الثالث: أن يكرر اليمين على شيء واحد كقوله: والله لا أدخل، والله لا أدخل وينوي به تعدد الكفارات؛ فإذا دخل لزمه ثلاث كفارات بتعدد اليمين؛ أما إذا قصد بتعدد اليمين التأكيد دون الكفارات لم تتعدد الكفارة اتفاقاً؛ أما إذا نوى إنشاء اليمين ففيه خلاف، والمشهور أنها لا تتعدد، سواء اتحد المجلس أو تعدد، وكذا إذا حلف على أجناس مختلفة كقوله: والله لا أدخل، ولا آكل، ولا ألبس، فإن نوى بذلك تعدد الكفارات لزمته متعددة، أما إذا نوى الإنشاء ففيه الخلاف المذكور؛ والمشهور أنها لا تتعدد، ولا يتأتى التأكيد في هذا؛ لأنه لا يتأتى غلا إذا كان المحلوف عليه واحداً.
الرابع: أنيحلف بصيغة يدل لفظها على التكرار بالجمع كأن يقول: إن فعلت كذا فعلي أيمان أو كفارات؛ فإنه يلزمه بذلك أقل الجمع وهو ثلاث كفارات ما لم ينو أكثر من ثلاثة، ولو قال: علي عشرة لزمه العشرة.
الخامس: أن يدل لفظه على التكرار بالوضع كأن يقول: كلما أو مهما فعلت كذا فعلي يمين أو كفارة فتتكرر الكفارة كلما فعل، لأن كلما ومهما تدل على التكرار وضعاً. أما لو قال: متى ما فعلت كذا فإن الكفارة لا تتكرر، بل ينحل اليمين بالفعل الأول وهذا هو الراجح، ولا تتكرر أيضاً إذا قال: والله لا أكلمه غداً ولا بعد غد، ثم حلف ثانياً لا يكمله غداً وكلمه غداً فإن عليه كفارة واحدة؛ لأن متعلق اليمين الثانية جزء من متعلق اليمين الأولى، فإن الأولى تشمل أمرين: غداً وبعد غد، والثانية مقصورة على الغد فهي جزء متعلق بالأولى، أما إذا حلف لا يكلمه غداً ثم حلف لا يكلمه غداً ولا بعد بعد فكلمه غداً فعليه كفارتان، لأن اليمين الثانية ليست جزءاً من متعلق اليمين الأولى، ولا يلزمه شيء سوى الكفارتين عندما يكلمه بعده؛ أما إذا لم يكلمه غداً وكلمه بعد غد فعليه كفارة واحدة.
الشافعية - قالوا: تتعدد الكفارة بتعدد أيمان القسامة وبتعدد الأيمان الربعة وفي اليمين الغموس: وهو ما إذا حلف أن له على فلان كذا كاذباً وكرر الحلف. وفيما إذا قال: والله كلما مررتстр. 734
مبحث الأصول التي تعتبر في الأيمان
الأصول التي تعتبر في بر الأيمان أو حنثها في الإفتاء والقضاء أمور: منها النية، ومنها العرف ومنها معنى اللفظ الغوي، أو الشرعي، ومنها السبب الباعث على حلف اليمين، وفي كل ذلك تفصيل في المذاهب
(١) . الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: هذه الأمور تعتبر في اليمين على التفصيل الآتي: الأول العرف، وهو الأصل العام الذي تبنى عليه الأيمان عندهم فيقدم على جميع الأصول المذكورة، وتوضيح ذلك أن اللفظ المذكور في اليمين ينظر إلى معناه المتعارف عند الناس، سواء كان عرفاً خاصاً أو عاماً بقطع النظر عن معناه اللغوي أو الشرعي، مثال ذلك أن يقول: والله لا آكل رأساً فيحنث إذا أكل رأساً من الرؤوس التي جرت العادة ببيعها في الأسواق كرؤوس الغنم والبقر وهكذا، وهو المعنى الذي يقصده الناس من لفظ الرؤوس التي تؤكل، فلا يحنث بأكل رأس الطير كالبط والأوز ولا بأكل رأس العصافير ولا بأكل رأس السمك إلا إذا اصطلح الناس على بيعها في الأسواق وحدها مع أن لفظ الرأس في اللغة يطلق عليها ويعمها ولكن هذا المعنى اللغوي لا يعتبر، بل المعتبر هو المعنى العرفي كما عرفت. وكذلك إذا قال: والله لا أركب وتداً فإنه لا يحنث إذا ركب الجبل مع أن الجبل سماه القرآن وتداً، ولكن الوتد في العرف غير الجبل، على أنه لا بد من ذكر اللفظ الذي يدل على المعنى العرفي المقصود؛ فإذا فهم المعنى العرفي من العبارة بدون لفظ يدل عليه فإنه لا يعتبر مثال ذلك أن يقول: والله لا أخرج من الباب فخرج من السطح فإنه لا يحنث، وإن كان المفهوم عرفاً من هذه العبارة أنه يريد أن لا يخرج مطلقاً لا من الباب ولا من السطح، ولكن لم يذكر في العبارة لفظ يدل على هذا الغرض فلا يعتبر؛ لأن العرف لا يجعل غير الملفوظ ملفوظاً، وكذا إذا حلف لا يضربه سوطاً فضربه بعصا فإنه لا يحنث، وإن كان المعنى المقصود عرفاً أنه لا يؤذيه بالضرب مطلقاً لابالسوط ولا بالعصا، ولكن لفظ العصا غير مذكور فلا يعتبر معناه.
وكذا إذا حلف لا يبيع هذه السلعة بعشرة فباعها بتسعة فإنه لا يحنث لأنه وإن كان غرضه المفهوم عرفاً أنه يريد بيعها بأكثر من عشرة فلا يبيعها بتسعة فأقل، ولكن هذا الغرض غير مسمى في اللفظ، لأنه إنما سمى العشرة وهي لا تطلق على التسعة، والعرف لا يجعل غير الملفوظ ملفوظاً. وكذا إذا حلف أنه لا يبيعها بعشرة فباعها بأحد عشر فإنه لا يحنث، لأن غرضه الزيادة على العشرة فلا يبيعها بالعشرة وحدها، والعشرة تطلق على العشرة وحدها وتطلق على العشرة مقرونة بعدد آخر، فالعرف يخصها بالعشرة وحدها لأنها غرضه فلا يحنث، أما إذا حلف لا يشتري هذه السلعة بعشرة فاشتراها بأحدстр. 735
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) عشر فإنه يحنث، لأن غرضه المفهوم عرفاً أنه يريد أن يشتريها بأقل من عشرة لا بأكثر، واللفظ يدل على هذا لأن العشرة تطلق على العشرة مفردة ومقرونة بعدد آخر كما ذكرنا. فيحنث بالأحد عشر، لأن العشرة وجدت مقرونة بعدد آخر، والزيادة على شرط الحنث لا تمنع الحنث. وإذا حلف لا يشتريها بعشرة فاشتراها بسبعة فإنه لا يحنث، لأن العشرة لم توجد لا مفردة ولا مقرونة بعدد آخر، ويتضح من هذا أن الأيمان مبنية على الألفاظ العرفية والأغراض التي تدل عليها هذه الألفاظ، أما الأغراض العرفية الزائدة على الألفاظ فإنها غير معتبرة.
أما إذا حلف لا يبيع هذه السلعة بعشرة فباعها بأحد عشر فإنه لا يحنث، لأنه غرضه في العرف أنه يريد بيعها بزيادة وقد حصلت واللفظ يدل على ذلك لأن العشرة تطلق على العشرة وحدها وتطلق على العشرة إذا قرنت بعدد آخر. وغرض البائع عرفاً أنه لا يبيعها بالعشرة وحدها فلا يحنث إذا باعها بأحد عشر، بخلاف ما إذا حلف لا يشتريها بعشرة فإن غرضه في العرف أنه لا يشتريها بالعشرة وحدها أو مقرونة بعدد آخر، لأنه يريد نقص ثمنها فيحنث بالزيادة كما تقدم.
وإذا حلف لا يشتريها بعشرة فاشتراها بتسعة لا يحنث لأنه لم توجد العشرة لا مفردة ولا مقرونة. وكذا إذا حلف لا يبيعها بعشرة فباعها بتسعة.
ومثال تعيين أحد معاني المشترك أن يقول: امرأته طالق إن خرج اليوم وأراد بالخروج السفر فإنه يصدق ديانة، وذلك لأن الخروج لفظ مشترك بين السفر والخروج من المنزل والخروج من المسجد وهكذا، فيصح أن ينوي به أحد أفراده فيصدق ديانة لا قضاء، وكذا إذا حلف لا يسكن مع فلان وأراد مساكنته في محل خاص فإنه يصدق ديانة، لأن المساكنة مشتركة بين المساكنة في دار خاصة والمساكنة في الدار مطلقاً؛ فإذا أراد بها داراً خاصة يصدق لأنه نوى ما يحتمله اللفظ المشترك، أما إذا نوى بالخروج السفر إلى الشام، وبالمساكنة أن يسكن معه في ملكه لا بالإجاره فإنه لا يصدق. لأن اللفظ لا يدل عليه ولا يحتمله. وإنما يعتبر المعنى العرفي اللفظ إذا لم يستعمله العرف في معنى آخر مجازاً، كما إذا حلف لا يضع قدم في هذه الدار فإن معنى هذه اللفظ إذا لم يستعمله العرف في معنى آخر مجازاً، كما إذا حلف لا يضع قدمه في هذه الدار فإن معنى هذا اللفظ وهو وضع القدم في الدار لم يقصده العرف من هذه العبارة. بل استعمل اللفظ في الدخول مطلقاً، فلو وضع قدمه في الدار لم يقصده العرف من هذه العبارة. بل استعمل اللفظ في الدخول مطلقاً، فلو وضع قدمه بدون دخول فإنه لا يحنث. وكذا إذا قال: والله لآكل من هذه الشجرة ولا ثمر لها فينصرف يمينه إلى الأكل من ثمنها فإذا أكل منها نفسها فإنه لاحنث لأن الأكل من خشبها لا يريده العرف فلا ينظر للفظ في هذه الحالة.
الثانية: النية وهي تعمل في الملفوظ لتعين بعض ما يحتمله اللفظ ولو لم يكن متعارفاً. كما إذا حلف لا يهدم بيتاً ونوى بيت العنكبوت فإنه يحنث إذا هدمه؛ وإن لم يكن بيتاً في العرف ولكن الحالف نوى ما يحتمله اللفظ فيعمل بنيته. والنية تخصص العام، والعبرة بنية الحالف في اليمين بالله إن كان مظلوماً. فإذا حلفه شخص على فعل شيء ظلماً فحلف له ونوى بيمينه غير ما يريده المحلف لا يحنث. أما إن كان ظالماً فيعتبر نية المحلف. ومثله الحلف بالطلاق تعتبر نيته ديانة إن كان مظلوماً. وإلا فلا ترفع عنه الحنث ديانة كما لا ترفع عنه قضاء على أي حال بخلاف العرف فإنه يخصصه ديانةстр. 736
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وقضاء. وكذلك تخصص الجنس بإرادة أحد أنواعه، وكذلك تعين أحد معاني المشترك المحتملة اللفظ. أما تعيم الخاص بالنية بأن يذكر لفظاً خاصاً ويريد منه العام كما إذا حلف لا يشرب لفلان ماء وأراد بذلك قطع علاقته معه في كل ما له فيه منه فإن نيته لا تنفع، لأن اللفظ لا يحتمله. فمثال تخصيص العام بالنية: أن يحلف بأن لا يأكل طعاماً أو يشرب شراباً وينوي بحلفه طعاماً خاصاً فإنه يصدق ديانة لا قضاء. أما إذاحلف أن لا يأكل بدون أن يقول طعاماً ونوى أن لا يأكل طعاماً خاصاً فإنه لا يصدق لا ديانة ولا قضاء. لأنه لم يذكر العام في عبارته. ومثله ما إذا قال: والله لأضربنه خمسين ونوى ضربه بسوط معين فإنه لا يحنث إذا ضربه بأي شيء؛ لأنه السوط لم يذكر حتى يصح تخصيصه، والنية إنما تعمل في الملفوظ. فلا تعتبر نيته في هذه الحالة. وإنما تنفع نية تخصيص العام إذا نوى قصره على بعض أفراده. أما إذا نوى قصره على بعض متعلقاته فإن النية لا تنفع. فإذا نوى بقوله: والله لا آكل طعاماً قصر الطعام على بعض أفراده كاللحم مثلاً تنفعه. لأن الطعام تحته أفراد كثيرة كاللحم والفاكهة والخبز الخ.
فإذا أراد باللفظ العام فرداً من هذه الأفراد صح أما إذا نوى شيئاً متعلقاً بذلك العام خارجاً عن أفراده فإنه لا ينفع. كما إذا نوى أنه لا يأكل طعاماً في زمن معين أو مكان معين. لأن الزمان والمكان غير داخلين في أفراد الطعام فلا تنفع إرادتهما منه.
ومثال تخصيص الجنس بإرادة أحد أنواعه أن يحلف بأن لا يتزوج امرأة وينوي بذلك نوعان خاصاً من النساء كعربية فإنه يصدق ديانة؛ لأن الإنسان يتنوع إلى عربي وحبشي وزنجي ورومي وتركي وهكذا، فيصح تخصيص الجنس بنوع من أنواعه، "إن شئت قلت تخصيص النوع بصنف من أصنافه"، أما إذا نوى تخصيصه بصفة من صفاته الضرورية كشخص المرأة بكونها مصرية أو عراقية أو شامية فإن نيته لا تنفع لا ديانة ولا قضاء، لأن الصفة ليست من مدلول لفظ المرأة بل هو تخصيص بالمكان فلا تنفع فيه النية.
الثالث: المعنى اللغوي وهو لا يعتبر مع العرف إلا إذا وقع مشتركاً بين اللغة والعرف، فيعتبر المعنى اللغوي على أنه من العرف، ومثله المعنى الشرعي كما تقدم بيانه.
الرابع: السبب الباعث على الحلف، فإذا حلف بسبب صفة في المحلوف عليه ثم زالت هذه الصفة فإنه لا يحنث بفعله. أما إذا لم تزل هذه الصفة أو لم تكن موجودة وقت الحلف أصلاً فإنه يحنث.
فمثال ما فيه صفة زالت بأن يحلف أن لا يأكل هذا العنب وهو رطب فإذا زالت رطوبته واكله زبيباً فإنه لا يحنث أما إذا لم تزل منه صفة الرطوبة فإنه يحنث بأكله وهو ظاهر.
ومثال الصفة التي لم تكن موجودة وقت الحلف أن يقول: والله لا أكلم هذا الصبي أو لا آكل من هذا الحمل "ولد الشاة الصغير" فإنه يحنث إذا كلمه وهو شيخ أو أكله وهو كبش، وذلك لأن صفة الصغر الموجودة في الصبي وفي الحمل تلغو مع الإشارة، ولا تعتبر إلا الذات المشار إليها وهي باقية في الصغر والكبر، فلم تكن موجودة وقت الحلف بهذا الاعتبار فلا ينظر إليها في اليمين فإذا كانстр. 737
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الباعث له على اليمين سبباً آخر سوى الصغر فإن يمينه ينصر إليه. كما إذا حلف لا يكلم هذا الصبي خوفاً على عرضه أو لكونه سفيهاً فكلمه وهو شيخ لزوال السبب فإنه لا يحنث، لأن الوصف كان موجوداً وقت الحلف وقد زال، والإشارة غير موجودة فلا يحنث؛ وهذا يشبه بساط اليمين عند المالكية.
الخامس: الحلف على ما يصح امتداده زمناً كالقيام والقعود واللبس والسكن والركوب: فهذه الأشياء ونحوها لا يصح امتدادها زمناً مخصوصاً فيقال: قام ساعة وقعد يوماً وسكن شهراً ولبسه يومين وهكذا. فإذا حلف على ما يمتد وهو متلبس بالفعل كأن قال: والله لا أقوم وهو قائم أو قال: والله لا أقعد وهو جالس أو قال: والله لا أسكن وهو ساكن ففيه خلاف؛ فبعضهم يقول: إنه لا يحنث في يمينه على أي حال، وبعضهم يقول: يجب عليه أن يفعل المحلوف عليه فوراً ولا يغفر له غلا الزمن الذي يتمكن فيه من الفعل، فإذا حلف وهو راكب وجب عليه أن ينزل فوراً وإلا حنث في يمينه، وكذا إذا حلف وهو قائم فإنه يلزمه القعود حالاً وإلا حنث وهكذا، وإذا حلف وهو غير متلبس بالفعل كما إذا حلف لا يركب وهو غير راكب ثم ركب فإنه يحنث بابتداء الركوب واستمراره؛ فيلزمه بكل لحظة يتمكن فيها من النزول حنث، وبعضهم يقول: لا يحنث إلا في الإبداء على أي حال ورجحه بعضهم. والتحقيق أن المعتبر في كل هذا هو العرف، فإذا كان استمرار الركوب والقيام والقعود ونحوها يسمى ركوباً وقياماً وقعوداً في العرف حنث بالاستمرار وإلا فلا يحنث. أما الأشياء التي لا تقبل الامتداد كالدخول والخروج والتطهر والتزوج فإنه لا يحنث إذا حلف وهو متلبس بها باتفاق، فإذا حلف لا يتزوج وهو متزوج أو لا يتطهر وهو متطهر، أو لا يدخل هذه الدار وهو فيها، أو لا يخرج منها وهو خارج، فإنه لا يحنث بالاستمرار. وهناك قواعد أخرى تذكر لمناسباتها فيما يأتي.
المالكية - قالوا: الأصول المعتبر في الأيمان خمسة: الأول النية وتقدم في الاعتبار على جميع الأصول، وهي تخصص لفظ العام وتقيد لفظ المطلق وتبين المجمل. فمثال العام "وهو اللفظ الذي يستغرق أفراده الصالحة له بدون حصر" أن يقول: والله لا آكل سمناً، فلفظ السمن عام يتناول جميع أفراده كسمن الضأن وسمن البقر والجاموس وسمن الجمال ونحو ذلك، فإن نوى بيمينه هذا تخصيص ذلك العام فلا يخلو: إما أن ينوي منع نفسه من أكل سمن الضأن فقط وإباحة أكل غيره من سمن البقر والجمال ونحوها، أو ينوي منع نفسه من أكل سمن الضأن ولم يلاحظ إباحة غيره، والنية تنفعه في الحالتين. فأما في الحالة الأولى فإن النية تنفع فيها بلا خلاف، لأنها قد خالفت ما يقتضيه لفظ العام حقيقة لأن لفظ العام يقتضي أنه حظر على نفسه أكل السمن بجميع أفراده، والنية تقتضي أنه أباح لنفسه أكل ما عدا سمن الضأن وبينهما منافاة حقيقية، وقد اشترط بعضهم وجود هذه المنافاة، وهذه الحالة تحقق فيها هذا الشرط فتنفع فيها النية بلا خلاف، وأما في الحالة الثانية فإن النية تنفع فيها على المعتمد، وذلك لأنها خصت لفظ العام بالمعنى الخاص، فعبر بالعام وهو لفظ السمن عن معنى الخاص وهو سمن الضأن، ولا منافاة بين العام وأفراده، لأن سمن الضأت وهو الخاص فرد من أفرادстр. 738
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) السمن وهو العام، ولا منافاة بين العام وأفراده، ولكن بينهما مغايرة وهي كافية فلا تشترط المافاة الحقيقية على المعتمد.
ومثال المطلق كقوله: والله لا أكلم رجلاً ونوى رجلاً جاهلاً أو في المسجد أو في الليل، فإنه لا يحنث إذا كلم رجلاً عالماً أو في غير المسجد أو في النهار. وكذا من حلف ليكر من رجلاً ونرى به زيداً لا يبر بإكرام غيره، لأن رجلاً مطلق وقيده بخصوص زيد فصار معنى اليمين لأكر من زيداً، ومثال المجمل أن يقول، زينب طالق وله زوجتان اسم كل منهما زينب، فلفظه مجمل فإذا قال: أردت زينب بنت فلان فإنها هي التي تطلق، ثم إن كان الحلف بطلاق ونحوه يشترط أن يكون لفظ العام أو المطلق محتملاً لما نواه بالتساوي في العرف، كما إذا حلف بالطلاق لامرأته أنه لا يتزوج عليها مدة حياتها ونوى ما دامت في عصمته، فإذا طلقها بائناً وتزوج عليها وادعى أنه نوى بيمينه ما دامت في عصمته، فإنه يقبل قوله قضاء، لأن لفظ حياتها مفرد مضاف يعم كل وقت من أوقات حياتها، وهو يشمل الوقت الذي تكون معه في عصمته وغيره فإذا نوى وقت كونها في عصمته بخصوصه فإنه يكون قد قصر العام على بعض أفراده وهو تخصيص له، واللفظ محتمل لذلك الوقت الذي نواه وغير بالسواء، أما إذا لم يكن اللفظ محتملاً لهما بالسواء فلا يخلو: إما أن يكون ما نواه قريباً من ظاهر اللفظ أو مخالفاً له جد المخالفة. فإن كان قريباً فإن قوله يقبل عند المفتي مطلقاً، سواء كان الحلف بالله أو بالطلاق والعتاق. ويقبل عند القاضي إن كان الحلف بالله، أما في الطلاق والعتاق فإنه لا يقبل، وإن كانت المخالفة بعيدة فلا يصدق في شيء من دعواه لا في القضاء ولا في الفتوى.
فمثال المخالفة القريبة من المساواة المثال المتقدم وهو: والله لا آكل سمنا ناوياً به سمن الضأن فلفظ السمن عام يتناول سمن الضأن الذي نواه وغيره، ولكن ظاهر اللفظ يغلب في غير الضأن وهو سمن الجاموس مثلاً، وسمن الضأن ليس بعيداً منه، فاستعمال اللفظ فيه بخصوصه بنية يصح سواء نوى إخراج غيره أو لم ينو على المعتمد كما تقدم، هذا إذا كان لفظ السمن غالب الاستعمال في سمن الجاموس أو البقر، أما إذا كان غالباً في سمن الضأن كان ما نواه مساوياً لظاهر اللفظ.
ومثال المخالفة البعيدة من اللفظ أن يقول: زوجي طالق أو حرام وينوي طلاق زوجته التي ماتت أو ينوي أكلها مال اليتيم حراماً فإن إرادة هذا بعيدة من اللفظ، فلا يصدق لا في القضاء ولا في الفتوى إلا إذا قامت قرينة على صدق ما يريد.
الثاني: بساط اليمين وهو السبب الحامل على اليمين. فإذا عدمت النية الصريحة أو لم تنضبط يعتبر سبب اليمين، لأنه في حكم النية فيخصص العام ويقيد المطلق كالنية مثاله: من وجد الزحام على الجزار فحلف أن لا يشتري لحماً في ليلته ثم اشترى بعد أن انقض الزحام أو من جزار آخر لا زحام عنده فإنه لا يحنث، لأن سبب اليمين يخصصه بالزحام. وكذا إذا سمع طبيباً يقول: أكل لحم الحيوان المريض ضار فحلف أن لا يأكل اللحم فلا يحنث بأكل لحم السليم، لأن سبب اليمين خاصстр. 739
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بالمريض وكذا إذا حلف ليشترين دار فلان ولكن صاحبها أبى بيعها بثمن مثلها فإنه لا يحنث على الصحيح لأن يمينه مقيد بما إذا رضي صاحبها، وكذا إذا حلف ليبيعن فأعطي أقل من الثمن. وكذا إذا كان شخص يأخذ من الناس زكاة مالهم لينفقها على الفقراء فقيل له: أنت تفعل ذلك لتأخذ منه لنفسك، فحلف أنه لا يزكي ولم ينو شيئاً فإنه لا يحنث إذا أخرج زكاة ماله، وإنما يحنث بتزكيته للناس. وكذا إذا ضاع من شخص عقد من العقود ثم حلف للشهود بالطلاق أنه قد ضاع وأنه غير موجود في الدار ليكتبوا له غيره ثم وجده في الدار فإنه لا يحنث.
الثالث: العرف وهو قسمان: عرف قولي، وعرف فعلي، فالعرف القولي هو الذي ينصرف إليه القول عند الإطلاق في العرف، كلفظ الدابة المختصة في العرف بالحمار. والمملوك المختص بالأبيض، والثوب المختص بالقميص، فمن حلف لا يشتري دابة لا يحنث بشراء الفرس، وإنما يحنث بشراء الحمار، وكذا من حلف لا يشتري مملوكاً فاشترى أسود، أو حلف لا يشتري ثوباً فاشترى عمامة فإنه لا يحنث، وأما العرف الفعلي فهو ما تعارف الناس على استعماله، فإذا حلف لا يأكل خبزاً وكان المتعارف عند أهل البلد أنهم لا يأكلون إلا الشعير ولفظ الخبز يتناول الشعير والقمح فإنه لا يحنث بأكل القمح، لأن العرف الفعلي يخصه بالشعير. وقيل إن العرف الفعلي لا يخصص فيحنث بأكل القمح: والظاهر الأول، وإنما يعتبر العرف إذا عدمت النية والبساط.
الرابع: المدلول الشرعي، فمن حلف لا يصلي أو لا يتطهر أو لا يزكي حملت على الأركان الشرعية لا على اللغوية، فيحنث إذا صلى الظهر أو العصر وهكذا، ويقدم المدلول الشرعي على اللغوي على الراجح.
الخامس: المدلول اللغوي، فمن حلف لا يركب دابة حنث بركوب أي حيوان يدب على وجه الأرض ولو التمساح، وكذا من حلف لا يلبس ثوباً فإنه يحنث بلبس العمامة، وإنما يعتبر المعنى اللغوي عند عدم وجود أصل من الأصول المتقدمة.
الحنابلة - قالوا: اليمين تعتبر فيها أولاً النية فيرجع إلى نية الحالف بشرطين:
الأول: أن يكون غير ظالم وإلا فلا تعتبر نيته إن كان ظالماً بل تعتبر نية المحلف.
الثاني: أن يحتمل لفظه ما نواه، فإن احتمله احتمالاً قريباً أو متوسطاً يقبل قوله ديانة وقضاء وأما إذا احتمله احتمالاً بعيداً فإنه يقبل ديانة أي فيما بينه وبين الله، أما إذا لم يحتمل لفظه ما نواه كأن حلف أن لا يأكل خبزاً ونوى بذلك أن لا يدخل بيتاً فإن نيته لا تعتبر، وما تعتبر فيه النية أنواع:
منها: أن ينوي بالعام الخاص، كأن يحلف لا يأكل لحماً واللحم تحته أفراد كثيرة: لحم الشاة ولحم البقر ولحم الجمل وهكذا، فإذا نوى باللفظ العام فرداً من هذه الأفراد تصخ نيته ويقبل منه قوله، ومنها أن يحلف على فعل شيء أو تركه وينوي في وقت معين مثل أن يقول: والله لا أتغدى وينوي اليوم، أو يقول: والله ما أكلت ويريد الساعة وهكذا، فإن نيته تعتبر ويخص يمينه بذلكстр. 740
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الوقت الذي نواه. ومنها: أن ينوي ليمينه غير ما يفهمه السامع منه، كما إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً ونوى بقلبه طالق من وثاق أو من العمل الفلاني كالخياطة مثلاً فإنها لا تطلق فيما بينه وبين الله، وإن كان لا يصدق قضاء؛ لأن لفظ الطلاق يحتمل ما نواه احتمالاً بعيداً. ومنها أن يريد بالخاص العام كما إذا قال: والله لا شربت لفلان ماء من العطش ونوى بذلك أنه لا يتناول منه شيئاً فيه منة من أكل ولبس ونقود ونحوها، فاستعمال الخاص في العام صحيح ونيته في اليمين معتبرة، أما إذا جلس في ظل داره أو ضوء ناره لا يحنث لأن اللفظ لا يتناول مثل هذا، وكذا إذا حلف لا يسكن مع زوجه في الدار الفلانية ولكنه نوى بذلك جفاءها وعدم معاشرتها فله نيته؛ لأنه أراد بالخاص العام.
ثانياً: يعتبر سبب اليمين، فإذا لم ينو بلفظه شيئاً لا ظاهر اللفظ ولا ما يحتمله يرجع في يمينه إلى السبب الذي حمله على الحلف، فإذا كان لشخص دين على آخر وطلبه منه بشدة فحلف له المدين أن يقضيه حقه غداً ثم قضاه قبل ذلك فإنه لا يحنث، لأن سبب اليمين يقتضي تعجيل الوفاء، والسبب يدل على النية. أما إذا لم تكن له نية وليس ليمينه سبب فإنه يحنث إذا قضاه قبل الموعد المضروب فإن قضاه حقه قبل الغد حنث كما لو أخره.
ثالثاً: أن تتغير صفة المحلوف عليه بما يزيل اسمه ثم تعود له تلك الصفة ثانياً كغصن انكسر ثم أعيد، وقلم كسر ثم بري، ودار هدمت ثم بنيت، فلو حلف لا يستظل تحت هذا الغصن ثم انكسر وأعيد فإنه يحنث إذا استظل تحته، وإذا حلف لا يكتب لهذا القلم ثم كسره وبراه فإنه يحنث بالكتابة به، وإذا حلف لا يدخل هذه الدار فهدمت وبنيت فإنه يحنث بدخولها.
رابعاً: أن تتغير الصفة بما لا يزيل الاسم كما إذا حلف لا يأكل لحماً مشوياً فأكله مطبوخاً فإنه يحنث. أما إذا حلف لا يلبس هذا الثوب وهو رداء ثم غيره عن كونه رداء ولبسه فإنه لا يحنث لأن الحال قيد في عاملها.
خامساً: يعتبر بعد ذلك مدلول الاسم وهو ثلاثة أقسام: عرفي، وشرعي، ولغوي وهو الحقيقي فيقدم في الاعتبار المعنى الشرعي، فإذا حلف لا يصلي ولم ينو شيئاً انصرف يمينه إلى الصلاة الشرعية لا إلى اللغوية وهي الدعاء. ويحنث بصلاة الجنازة لأنها صلاة شرعاً، ويحنث بتكبيرة الإحرام لأنه يكون بها مصلياً، أما إذا قال: والله لا أصلي صلاة فإنه لا يحنث إلا إذا صلى ركعة لأنها هي التي يقع عليها اسم الصلاة، ولا يحنث إلا إذا صلى صلاة صحيحة، فلو صلى بدون طهارة أو بدون تكبيرة الإحرام فإنه لا يحنث، ومثلها سائر العقود فإنه لا يحنث بالفاسد منها ما عدا الحج فإنه يحنث بالفاسد منه ثم يقدم المعنى العرفي على المعنى اللغوي.
وإذا حلف ليقضينه حقه غداً ونوى به مطله ثم قضاه قبل ذلك يحنث أيضاً، لأن اليمين انعقد على ما نواه وقد خالفه.
وإذا حلف ليبيعن هذه السلعة بمائة فباعها بالمائة أو بأكثر منها لا يحنث، أما إذا باعها بأقل فإنه يحنث لأن قرينة الحال تدل على أنه يريد الكثرة: وإذا حلف لا يشتريه بمائة فاشتراه بها أو بأقل لاследующие страницы →