Полный текст (2 230 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وترك ورثة صغاراً أو محجوراً عليهم لسفه أو جنون فأخره الوصي مدة أخرى فإنه لا يحنث، سواء أخره لمصلحة الصبي أو المحجور عليه، كأن خاف إنكار الدين، أو خاف خصام الحالف، أو أخره لغير ذلك. إلا أنه يحرم على الوصي أن يؤخره مدة أخرى من غير نظر إلى مصلحة الصغير أو المحجور عليه.
ويشترط لعدم الحنث بتأخير الوصي أن لا يكون على الميت دين يستغرق التركة فإن كان عليه دين يستغرق التركة فالكلام لأصحاب الدين فيجوز لهم أن يؤخروا الدين عند الحالف مدة أخرى بشرط أن يبرئوا ذمة الميت من القدر الذي تأخر قبضه عند الحالف. فإن لم يفعلوا ذلك فإن تأخيرهم الدين عند الحالف لا يجزئه. ولو تركوا له المبلغ، ويشترط أيضاً أن يقع التأخير من جميع الغرماء؛ فإن أخر بعضهم دون بعض فإنه يجب التعجيل لمن لم يؤخره.
الحنفية - قالوا: إذا حلف ليضربن غلامه مائة سوط ولا نية له فضربه ضرباً خفيفاً فإنه يبر بشرط أن يتألم المضروب، أما إذا لم يتألم فإن الحالف لا يبر، وإذا ضربه بسوط واحد له شعبتان خمسين مرة فإنه يجزئه في المائة ويبر في يمينه بشرط أن تقع الشعبتان على بدن المضروب في كل مرة. وغذا جمع المائة سوط وسوى رؤوسها قبل الضرب وضربه بها ضربة واحدة بحيث يصيب بكل رأس منها بدن المضروب فإنه يبر. أما إذا ضربه بعرض الأسواط أو لم يسو الرؤوس فاندس بعضها في بعض فلم تصب الرؤوس جميعها بدنه فإنه لا يحسب إلا ما أصاب بدنه. وغذا حلف ليضربن بنته الصغيرة عشرين سوطاً فإنه يبر إذا جمع عشرين شمراخاً من "شماريخ" النخل وضربها بها مرة واحدة.
وغذا حلف لا يضرب امرأته فقرصها أو عضها أو خنقها أو نتف شيئاً من شعرها فآلمها ذلك؛ فإن كان قد فعله على وجه الغضب فإنه يحنث، أما إن كان قد فعله على وجه الملاعبة فإنه لا يحنث.
وإذا حلف لا يضرب امرأته فضرب بنته فأصابت الضربة امرأته فإنه لا يحنث على المعتمد. وكذا إذا حلف لا يضربها فنفض ثوبه فأصاب وجهها فأوجعها فإنه لا يحنث. وإذا حلف ليضربن غلامه حتى يموت فإنه يبر إذا ضربه ضرباً شديداً، لأن مثل هذه اليمين تنصرف إلى المبالغة.
وإذا أراد أن يضرب ولده فحلف أن لا يمنعه أحد فضربه خشبة أو خشبتين ثم منعه إنسان عن ضربه وهو يريد أن يضربه أكثر من ذلك فإنه يحنث.
وإذا كان له عند شخص حق فحلف أن لا يفارقه حتى يقضيه حقه أو يستوفي ما عليه فلزمه بأن قعد منه مقعداً بحيث يراه ويحفظه ولو حال بينهما سترة أو عموداً من أعمدة المسجد، أو جلس أحدهما خارج الحانوت والآخر داخلها بحيث ينظر إليه ويراه فإنه يكون غير مفارق له، وإذا نام الطالب أو غفل أو شغله إنسان فهرب المطلوب فإنه لا يحنث. أما إذا فر منه ولم يمنعه مع القدرة عليه فإنه يحنث. وإذا حلف ليقبضن أو ليأخذن من فلان حقه فأخذه بنفسه أو قبضه وكيله بدلاً منه فإنه يبر، وإن نوى أن يقبض بنفسه فإن يعامل بنيته ويصدق في قوله ديانة وقضاء، وكذلك يبر إذا قبض حقه من وكيل المحلوف عليه، أو قبض من كفيل بالمال إذا قبضه بأمر المديون، وكذا إذا أحاله المديون على رجلстр. 772
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فقبض منه حقه فإنه يبر في يمينه، أما إذا قبض من شخص غير المحلوف عليه، أو كانت الكفالة أو الحوالة بغير أمره فإنه يحنث وإذا غضب شيئاً يساوي حقه فإنه يبر.
وإذا حلف ليقبضن حقه ولم يوقت بوقت ثم أبرأ المدين من المال أو وهبه إياه فإنه يحنث وإذا حلف ليقبضن حقه في وقت كذا ثم أبرأه قبل حلول الوقت، فإن اليمين تسقط ولا يحنث إذا جاء ذلك الوقت.
وإذا حلف ليقضين حقه من فلان في وقت كذا ففعل فإنه لا يحنث ولو كان به عيب كأن أعطاه نقوداً مغشوشة غشاً لا يمنع التعامل بها فيقبلها التجار تساهلاً وتسمى "زيوفاً"، أو أعطاه نقوداً مغشوشة غشاً أكثر من الأولى بحيث لا يقبلها إلا المتساهلون من التجار وتسمى "بنهرجة" أما إذا أعطاه نقوداً مغشوشة غشاً شديداً وتسمى "ستوقة" أي ثلاث طبقات، الوجهان فضة، والوسط نحاس أو رصاص، فإنه يحنث لأنها ليست من جنس الدراهم.
وكذا لا يحنث إذا أعطاه مالاً مستحقاً للغير بأن أثبت حقه، ومتى ثبت البر في الأحوال الثلاثة، وهي ما إذا قضاه بنهرجة، أو زيوفاً. وأعطاه مالاً مستحقاً للغير، فإن البر لا يرتفع برد النقود للمحلوف عليه ثانياً.
وإذا حلف ليقضينه حقه في وقت كذا فباعه سلعة واحتسب له ثمنها في مقابلة حقه فإنه لا يحنث، سواء استلم الحالف السلعة أو لم يستلمها، وإذا هلكت قبل أن يستلمها الحالف انفسخ البيع وعاد الدين ولكن لا ينتقض بر اليمين. وإذا باع المحلوف عليه السلعة للحالف بيعاً فاسداً واستلمها الحالف، فإن كانت قيمتها تساوي الدين فإنه لا يحنث، وإلا حنث.
وإذا حلف ليقضين دين فلان بدون أن يوقت فوهب له الدائن دينه فإنه لا يبر، لأن القضاء فعل المديون، والهبة فعل الدائن؛ فلم يقع منه القضاء. أما إذا حلف ليقضين دينه غداً فوهب له الدائن الدين قبل الغد فإنه لا يحنث، لأن الدين المحلوف على سداده سقط بالهبة فسقطت اليمين، لأن فعل المحلوف عليه أصبح غير ممكن، وقد تقدم أن إمكان فعل المحلوف عليه شرط في بقاء اليمين منعقدة كما هو شرط في انعقادها ابتداء.
وإذا حلف لا يبيع كذا أو لا يشتريه فأمر غيره ببيعه أو شرائه لا يحنث، سواء كان المأمور وكيلاً، أو قريباً، أو صديقاً. أو لم يكن كذلك، ويشمل البيع والشراء السلم، فإذا حلف لا يبيع حنطة فأسلم غليه شخص عشرين جنيهاً ثم عشرة "أرادب" من القمح، بمعنى أنه يعطيه العشرين جنيهاً عاجلاً على أن يستلم منه القمح بعد حصاده آجلا فإنه يحنث، لأنه قد باع القمح وإن لم يقبضه المشتري. وكذلك إذا حلف لا يشتري فأسلم في ثوب أو غلة بأن دفع ثمنها عاجلاً على أن يقبضها آجلاً فإنه يحنث. لأنه لا يصدق عليه أنه اشترى غايته أنه أجل القبض. أما الإقالة فإنها إن كانت بلفظ البيع فإنه يحنث، بها اتفاقاً فإذا حلف لا يشتري السلعة التي باعها فأقال المشتري منها بلفظ البيع بأن قال له: بعني تلك السلعة فإنه يحنث اتفاقاً. أما إذا كانت لفظ المفاسخة بأن يتفقا على فسخ البيع، أو بلفظ المشاركةстр. 773
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بأن يترك المشتري السلعة للبائع وهذا يترك له ثمنها، أو تراد بأن يرد المشتري السلعة والبائع الثمن فإنها لا تدخل في البيع والشراء اتفاقاً. أما إذا كانت بلفظ الإقالة بأن قال له: أقلني بيع هذه السلعة، فقال: أقلتك، فقال: قبلت، فإن كانت السلعة لم تقل عن ثمنها الأول فإنه لا يحنث، أما إن نقصت عن ثمنها الأول قدراً أو جنساً فإنه يحنث وقيل: لا يحنث لأنها إقالة على كل حال.
وإذا حلف لا يبيع أو لا يشتري فإنه يحنث بالفاسد منهما ولو لم يقبضه، كما يحنث بالبيع الذي فيه هذا الخيار للبائع أو للمشتري، وبالبيع بطريق الفضول، ولا يحنث بالبيع الباطل.
هذا وقد ذكروا ضابطاً لما يحنث فيه بفعل وكيله وما لا يحنث.
وهو أن كل عقد ترجع حقوقه المترتبة عليه على من يباشره ويستغني الوكيل فيه عن نسبته للموكل، فإن الحالف لا يحنث فيه بفعل مأموره، وذلك كالبيع والشراء، والإيجار والاستئجار والصلح عن مال، والقسمة، وقد اختلف في المخاصمة أو الجواب على الدعوى فإنها من العقود التي لا يحنث الأمر فيها بفعل مأموره كالبيع ونحوه، وقيل: إنه يحنث لأنها من العقود التي لا يستغني فيها عن ذكر الموكل، لأن الوكيل يقول: أدعي لموكلي. ولكن المفتى به أن الآمر لا يحنث بفعل مأموره في المخاصمة. ومثل هذه العقود الفعل الذي تقتصر أصل الفائدة فيه على محله، كما إذا حلف لا يضرب ولده فأمر وكيله بضربه فإنه لا يحنث، لأنه فائدة الضرب مقصورة على فائدة الولد وهي تأديبه، ولكنه لا يحنث في مثل هذا إذا لم يكن العرف على خلافه، فإن كان العرف على أن ضرب المأمور ينسب إلى الآمر كما يقول الأب لابنه: غداً أعطيك "علقة" ثم يذهب لمؤدبه فيضربه بأمره فينسب الضرب للأب، ويقال: إن الأب ضرب ابنه، فإنه في هذه الحالة إذا حلف لا يضرب ابنه فأمر مؤدبه بضربه فإنه يحنث، لأن ضرب المؤدب منسوب إليه، وكذلك سائر العقود المذكورة إن كان الحالف بها ذا سلطان لا يباشر بنفسه فإنه يحنث إذا فعلها بنفسه أو بوكيله عملاً بالعرف.
فهذه هي العقود التي لا يحنث فيها الآمر بفعل المأمور.
أما العقود التي لا ترجع حقوقها المترتبة عليها على من يباشرها بل ترجع على الآمر بها يحنث بفعل وكيله كما يحنث بفعل نفسه، وهي ما عدا العقود التي ذكرت آنفاً. ومنها النكاح فإن الحقوق المترتبة عليه ترجع للآمر، فهو الذي يطالب بالمهر والنفقة والقسم وكل حقوق الزوجية المترتبة على العقد، ولهذا ينسب الشخص المباشر إلى الآمر به فيقول: زوجت موكلي من فلانة ولا يحنث إلا بالعقد "الصحيح" أما الفساد فلا يحنث به مطلقاً.
ومنها الاستقراض "وهو أن يطلب شخص من آخر قرضاً" فإذا حلف لا يستقرض شيئاً ثم أرسل إلى رجل رسولاً يستقرض له منه كذا من الدراهم فقال له: إن فلاناً يشتقرض منك كذا فإنه يحنث ولو لم يقرضه. أما إذا قال له الرسول: أقرضني كذا فإنه لا يكون استقراضاً بل يكون قرضاً للرسول، ولهذا يصح التوكيل في القرض وفي قبضه كأن يقول له: أقرضني كذا ثم يوكل عنه من يقضيه. أماстр. 774
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الاستقراض فإنه لا يصح التوكيل فيه، بل يكون الرسول معبراً فقط، لأنه يقول للمرسل إليه: إن فلاناً يستقرض منك كذا فلا بد في الاستقراض من نسبته إلى الآمر. وإذا أقرضه يكون المال للمرسل، فإذا ضاع من الرسول كان المرسل ضامناً له بخلاف القرض، فإنه يكون ملكاً للوكيل وله أن يمنعه عن الأمر فلهذا يحنث في صورة الاستقراض لا في صورة القرض.
ومنها الهبة، فإنه إذا حلف لا يهب لفلان كذا، أو حلف لا يهب هذا الشي بخصوصه، أو حلف لا يهب وأطلق فإنه يحنث إذا وهب بنفسه. أو وكل عنه من يهب. سواء قبل الموهوب له أو لم يقبل، قبض أو لم يقبض، وسواء كانت الهبة صحيحة أو لا، وكذا إذا حلف ليهبن لفلان كذا فوهبه إياه فإنه يبر وإن لم يقبل الموهوب. ويشترط في الحنث في المثال الأول والبر في المثال الثاني: أن يكون الموهوب له حاضراً، فلو وهب الحالف لغائب لا يحنث على أي حال. وإذا لف لا يهب هذا الشيء لفلان ثم وهبه له على عوض فإنه يحنث، أما إذا وكل أحداً فوهبه له على عوض فإنه لا يحنث.
وإذا حلف إن وهب لفلان كذا فعليه طلاق فوهب له فإنه يحنث وإن لم يقبل، لما علمت من أن قبول الموهوب ليس شرطاً في بر الحالف أو حنثه، بخلاف ما إذا حلف لا يبيع لفلان كذا فباعه فلم يقبل فإنه لا يحنث. وكذا إذا حلف ليبيعنه كذا فلم يقبل فإنه لا يحنث. والفرق أن الهبة عقد تبرع يتم بالمتبرع به فيكفي فيها الإيجاب، بخلاف البيع فإنه عقد معاوضة لا بد فيه من فعل الجانبين البائع والمشتري، فلا بد فيه من الإيجاب والقبول.
ومنها الصدقة، فإنه إذا حلف لا يتصدق فإنه يحنث إذا تصدق بنفسه أو بوكيله، سواء قبل المتصدق عليه أو لم يقبل، قبض أو لم يقبض، وكذا إذا حلف لا يقبل صدقة فوكل من يقبضها له فإنه يحنث. وإذا حلف لا يتصدق فوهب لفقير فإنه يحنث؛ لأن العبرة بالمعنى ما لم ينو خصوص الهبة فإنه لا يحنث. وإذا حلف لا يهب فتصدق على غني فإنه لا يحنث، لأن الصدقة على الغني ليست هبة إذ لا يملك الرجوع.
ومنها الطلاق، فلو حلف أن لا يطلق ثم وكل رجلاً بأن يطلق عنه فإنه يحنث، وإذا قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق. ثم حلف بعد ذلك أنه لا يحلف بالطلاق، ثم دخلت امرأته الدار فإنه يحنث في اليمين الأولى دون الثانية، أما إذا حلف أولاً أنه لا يحلف بالطلاق ثم قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق فدخلت الدار فإنه يحنث في اليمينين، ومنها قضاء الدين وقبضه، فلو حلف لا يقبض الدين من غريمه اليوم حنث بقبض وكيله، أما إذا وكله بقبضه قبل اليمين ثم حلف فقبضها الوكيل بعد اليمين فقيل يحنث، وقيل لا يحنث.
ومنها الذيح، فلو حلف لا يذبح شاة في ملكه فأمر وكيله بذبحها فإنه يحنث. ومنها الإيداع والإعارة، فلو حلف لا يودع عند فلان شيئاً أو يعيره ففعل وكيله فإنه يحنث، ومنها الاستعارة، فإذا حلف لا يستعير من فلا ثم أرسل له رسولاً يستعير منه فقال له: إن فلاناً يستعير منك كذا فإنه يحنث.стр. 775
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أما إذا قال: أعرني فإنه لا يحنث، لأن ملك المنفعة يقع له لا للآمر، فلا يحنث كما تقدم في الاستقراض.
ومنها الكسوة، فإذا حلف لا يلبس شيئاً أو لا يكسوه، سواء ذكر معيناً أو أطلق فإنه يحنث بفعل وكيله، وليس التكفين من الكسوة، فإذا حلف لا يكسوه فكفنه فإنه لا يحنث ومنها الحمل، فإذا حلف لا يحمل لزيد متاعاً أو غيره فإنه يحنث إذا حمله وكيله. ومثل العقود والأفعال التي لا يباشرها الإنسان بنفسه. بل يأمر غيره بفعلها كالبناء والخياطة ونحوهما، فإذا حلف لا يبني هذا الحائط، أو لا يخيطن هذا الثوب، أو لا يختتن، أو لا يحلق رأسه، أو لا يقلع ضرسه فأمر غيره بفعلها فإنه يحنث.
الشافعية - قالوا: إذا حلف ليضربنه فإنه يبر إذا ضربه بيده، سواء كانت مفتوحة أو مضمومة، أو دفعه ولو بغير اليد ونحو ذلك مما يسمى ضرباً، أما إذا عضه أو خنقه أو قرصه أو نتف شعره أو وضع سوطاً عليه بدون ضرب فإنه لا يبر، ولا يشترط الإيلام بالفعل، بل الشرط أن يكون الضرب شديداً في نفسه وإن لم يتألم المضروب لمانع كحائل ثخين فوق جسمه، أما الضرب الخفيف فإنه لا يؤلم لا بالفعل ولا بالقوة، فلا يبر به بخلاف الحد والتعزير فإنه يشترط فيهما الإيلام بالفعل وإذا حلف ليضربنه ضرباَ شديداً ونحوه فإنه لا يبر إلا إذا آلمه بالفعل، وكذلك إذا نوى الضرب الشديد فإنه لا يبر إلا إذا ضربه ضرباً مؤلماً بالفعل. وإذا حلف ليضربنه "علقة" فإنه يبر إذا ضربه ضرباً يسمى علقة في العرف على الظاهر، لأن الأيمان بغير الطلاق مبنية على العرف كما تقدم.
وإذا حلف ليضربنه مائة سوط أو خشبة فجمع مائة سوط أو خشبة وشدها وضربه بها ضربة واحدة فإنه يبر. وإذا حلف ليضربن مائة خشبة فضربه بعرجون عليه مائة غصن فإنه يبر أما إذا حلف ليضربنه مائة سوط فضربه بعرجون عليه مائة غصن فإنه لا يبر، لأن العرجون ليس من جنس السوط. وإذا شك في إصابة الكل لبدنه فإنه يعمل بالظاهر وهو إصابة الكل ويبر كذا إذا ترجح عدم إصابة الكل فإنه يبر أيضاً على المعتمد. لأن الأصل براءة الذمة من الكفارة والإحالة على السبب الظاهر وهو الضرب، فإنه سبب ظاهر في انكباس الأسواط على البدن، والانكباس أمارة على إصابة الكل فيبر، ولو ترجح عدم إصابة الكل، أما إذا حلف ليضربنه مائة مرة فجمع مائة سوط وضربه بها مرة واحدة فإنه لا يبر لأنه في هذه الحالة لم يضربه إلا مرة وقد حلف ليضربنه مائة مرة فلا يبر.
وإذا حلف لا يفارق غريمه حتى يستوفي حقه منه ثم فارقه الحالف فإنه يحنث بشرطين الأول أن يكون مختاراً، فإنه أكره على مفارقته فإنه لا يحنث، الثاني أن يكون ذاكراً لليمين، فإذا نسي فإنه لا يحنث. أما إذا فارقه غريمه فإنه لا يحنث، وإن أذن له أو تمكن من اتباعه لأنه إنما حلف على فعل نفسه فلا يحنث بفعل غيره، ويحنث الحالف بمفارقته لغريمه على أي حال، فلو كان ماشيين ووقف الغريم وتركه الحالف وذهب فإنه يحنث، أو وقف الحالف فتركه الغريم وذهب فلم يتبعه فإنه يحنث. وكذا إذا فارقه بسبب ظهور فلسه أو فارقه بعد أن أحاله على من يسد عنه، وكذا يحنث إذا أبرأه من الحق ولو لم يفارقه. وكذا يحنث إذا عوضه عن حقه شيئاً أو ضمنه ضامن إذا كان عالماً بأن هذا لا يصح، أما إذا ضمنه ضامن أو عوضه عن حقه فظن صحة ذلك جهلاً منه فإنه لا يحنث، وإذا استوفىстр. 776
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) حقه وفارقه فوجده غير جنسه، كأن وجده مغشوشاً أو نحاساً ولم يعلم به فإنه لا يحنث لعذره، أما إذا علم به فإنه يحنث وكذا لا يحنث إذا وجده رديئاً لأن الرداءة لا تمنع استيفاء الحق.
وإذا حلف لا يفعل كذا كأن حلف لا يبيع أو لا يشتري أو لا يرهن أو لا يتصدق إلى غير ذلك فوكل غيره ففعله فإن الحالف لا يحنث، لأنه إنما حلف على فعل نفسه لا فعل وكيله ما لم ينو أنه لا يفعله لا بنفسه ولا يفعل وكيل عنه فإنه يحنث إذا فعله وكيله حينئذ. ويستثنى من ذلك ما إذا حلف لا بتزوج، فإنه يحنث إذا قبل الزواج لنفسه أو قبله له وكيله، لأن الوكيل في الزواج لا لنفسه ولا لغيره فإنه يحنث إذا قبله لغيره، وكذا إذا حلف لا يراجع مطلقته فوكل من راجعها فإنه يحنث على المعتمد. وكذا إذا حلفت المرأة لا تتزوج فأذنت لوليها في زواجها فزوجها فإنها تحنث، أما لو زوجها مجبرها بدون إذنها فإنها لا تحنث.
وإذا حلف لا يهب فإنه يحنث بالهدية وصدقة التطوع، وذلك لأن الهبة تطلق على معنيين: أحدهما عام يشمل الصدقة والهدية والهبة ذات الأركان "وهو تمليك عين تطوعاً حال الحياة، ثانيهما خاص بالهبة ذات الأركان، فلا يشمل الهدية والصدقة وهو "تمليك تطوع في حياة لا من أجل إكرام ولا من أجل ثواب أو احتياج بإيجاب وقبول" وهذا هو معنى الهبة ذات الأركان فإذا حلف لا يهب فتصدق أو أهدى فإنه يحنث نظراً لكون الهبة تطلق على الصدقة، أما إذا حلف لا يتصدق فوهب أو أهدى فإنه لا يحنث، لأن الصدقة لا تطلق على الهبة ذات الركان ولا على الهدية، ولهذا حلتا للنبي ﷺ دون الصدقة.
وإذا حلف لا يهب له فأعاره، أو وقف عليه فإنه لا يحنث، لأن الإعارة والوقف لا تمليك فيهما وكذلك الضيافة فإنه لا تمليك فيها فلا يحنث بها. وكذلك لا يحنث إذا وهب له عيناً ولم يقبضه الموهوب له لأنه وإن ملكه لكن الملك لم يكن تاماً وهو شرط في الحنث. وكذلك لا يحنث إذا ملكه ملكاً تاماً ولكن لم يكن تطوعاً، كما إذا ملكه زكاة ماله أو النذر أو الكفارة. وكذلك لا يحنث إذا أوصى له، لأنه وإن ملكه ملكاً تاماً ولكنه لم يكن حال الحياة بل بعد الموت. وإذا حلف لا يشتري أو لا يأكل طعاماً اشتراه زيد فإنه يحنث بما اشتراه زيد وحده. أما إذا اشتراه مع شريط له فإنه لا يحنث بالأكل منه، ولا فرق بين أن يشتريه سلماً بأن يدفع الثمن عاجلاً ويؤخر قبض الطعام، وبين أن يشتريه تولية بأن يأخذه برأس ماله بدون زيادة ربح، أو أن يشتريه مرابحة بأن يأخذه بربح معين لأنها من أنواع الشراء. وكذلك لا يحنث بالأكل مما اشتراه وكيله.
وإذا حلف لا يدخل داراً اشتراها زيد فإنه لا يحنث إذا دخل داراً أخذها بشفعة الجوار بعد حكم الحنفي له بها، أو أخذ بعضها بشفعة وباقيها بشراء، لأن ذلك لا يسمى شراء عرفاً.
الحنابلة - قالوا: إذا حلف ليضربنه مائة سوط أو مائة عصا، أو حلف ليضربنه مائة ضربة أو مائة مرة فجمع المائة وضربه بها ضربة واحدة لميبر، وإنما يبر إذا ضربه مائة ضربة مؤلمة. أما إذا قال:стр. 777
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) لأضربنه بمائة سوط وأتى بالباء ثم جمع المائة وضربه بها مرة واحدة فإنه يبر لأنه يكون ضربه بمائة سوط في هذه الحالة.
وإذا حلف ليضربن امرأته فخنقها أو عضها أو قرصها أو نتف شعرها، فإن فعل ذلك مداعبة وتلذذاً فإنه لا يحنث وأما إذا فعله تأليماً فإنه يحنث. وإذا حلف لا يكفل فلاناً في مال فكفله ببدنه، فإن شرط البراءة عن المال إن عجز عن إحضاره فإنه لا يحنث. أما إذا لم يشترط البراءة عند العجز عن إحضاره فإنه يحنث، لأنه يضمن ما عليه إذا عجز عن إحضاره فترجع المسألة إلى الكفالة في المال، وقد حلف أن لا يكفل في المال، وإذا حلف من عليه حق لزيد ليقضينه حقه فأبرأه زيد فإنه يبر. وإذا مات زيد فقضى الحالف ورثته فإنه يبر، لأن قضاء ورثته يقوم مقام قضائه. وإذا حلف ليقضينه غداً فأبرأه اليوم أو أبرأه قبل مضي الغد فإنه لا يحنث. وكذا إذا مات صاحب الحق فقضاه الحالف لورثته فإنه لا يحنث. وإذا حلف لا يفارق زيداً حتى يستوفي حقه منه فهرب زيد من الحالف بغير اختياره أو فارقه الحالف مكرهاً كأن هدد بالضرب ونحوه فإنه لا يحنث. وكذا إذا قضاه بدل حقه عرض تجارة ونحوه فإنه لا يحنث أما إذا فارقه باختياره كأن هرب منه وهو متمكن من ملازمته والمشي معه فإنه يحنث، سواء أبرأه من الحق أو لا. وكذا إذا أذن له في مفارقته فإنه يحنث. وإذا أحاله المدين على حكمه كحكم الناسي، فيحنث في الحلف بالطلاق والعتاق. ولا يحنث في اليمين بالله والنذر. وإذا وكل الحالف أحداً عنه أن لا يفارق زيداً حتى يستوفي حقه ففارقه المدين قبل أن يستوفي الوكيل منه حقه حنث. وإذا حلف لا افترقنا حتى أستوفي حقي فأكرههما غيرهما على الافتراق، أو أكره أحدهما فإنه لا يحنث، أما إذا افترقا باختيار الحالف فإنه يحنث.
وإذا حلف لا يشتري هذا الجمل فشارك فيه بأن اشترى بعضه بقسط من الثمن فإنه يحنث، وكذلك إذا اشتراه بثمنه الأصلي بدون أن يعطي البائع ربحاً، واشتراه سلماً بأن دفع الثمن عاجلاً على أن يقبض المبيع فإنه يحنث وإذا حلف لا يبيع فباع بيعاً فاسداً فإنه لا يحنث. أما إذا حلف لا يبيع ما لا يصح بيعه، كما إذا حلف لا يبيع الخمر فباعها فإنه يحنث. وكذا إذا حلف لا يزوج فلاناً فزوجه زواجاً فاسداً فإنه لا يحنث، أما إذا حلف لا يحج فحج حجاً فاسداً فإنه يحنث كما تقدم. وإذا حلف لا يبيع فباع بيعاً فيه الخيار فإنه يحنث لأنه بيع شرعي، وإذا حلف لا أبيع كذا فباعه لرجل فلم يقبل فإنه لا يحنث، وكذا إذا حلف لا أزوج فلاناً فزوجه فلم يقبل فإنه لا يحنث.
وكذا إذا حلف لا أؤجر هذا المنزل فأوجره لآخر فلم يقبل فإنه لا يحنث. أما إذا حلف لا يهب لزيد شيئاً ولا يوصي له ولا يتصدق عليه، أو حلف لا يعيره شيئاً ثم وهب له، أو أوصى أو تصدق أو أهدى أو أعاره ولم يقبل زيد فإن الحالف يحنث.
وإذا حلف لا يتصدق عليه فوهبه لم يحنث، وإذا حلف لا يهبه شيئاً فأسقط عنه ديناً أو أعطاه من نذره أو كفارته أو صدقته الواجبة، أو أعاره أو أوصى له فإنه لا يحنث. أما إذا تصدق عليه صدقة تطوعстр. 778
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فإنه يحنث، لأن صدقة التطوع من أنواع الهبة، وكذا إذا أهدى له أو وقف عليه فإنه يحنث. وكذلك إذا باع له شيئاً وحاباه في ثمنه، أو وهب له بعض الثمن فإنه يحنث، وإذا حلف لا يتصدق فأطعم عياله فإنه لا يحنث.
وإذا حلف ليتزوجن فإنه يبر بعقد نكاح صحيح لا فاسد. وإذا حلف ليتزوجن على امرأته "ولا نية له ولا سبب ليمينه" فإنه لا يبر إلا بدخوله بنظيرتها أو بمن تتأذى بها وتغمها، فإن تزوج عجوزاً زنجية فإنه لم يبر.
وإذا حلف لا أفارقك حتى أوفيك حقك وكان الحق ديناً فأبرأه صاحب الدين فإنه لا يحنث، أما إذا كان الحق عيناً من وديعة وعارية ونحوها فإنه إذا وهبها له مالكها منه فقبلها يحنث، لأن البر فاته باختياره لتوقفه على قبوله، لأنه إذا لم يقبل لا يحنث. وإذا قبضها مالكها منه ثم وهبها إياه فإنه لا يحنث. وإذا كانت يمينه لا أفارقك ولك في قبلي حق فأبرأه صاحب الدين أو وهب له العين، أو أحاله المدين بدينه فإنه لا يحنث، وما نواه بيمينه في ذلك مما يحتمله لفظه فهو على ما نواه. وإذا حلف لا يباشر لزيد بيع شيء فوكل زيد رجلاً غير الحالف في أن يباشر له بيع فرسه فأعطاها الوكيل للحالف ليباشر بيعها بدون أن يعلمه بأنها لزيد فباعها فإنه لا يحنث إلا في اليمين بالطلاق والعتاق. وإذا حلف لا يشتري شيئاً اشتراه زيد، فاشترى زيد سلعة بالشركة مع عمرو فإن الحالف يحنث بشرائها إلا إذا نوى أن لا يشتري ما انفرد زيد بشرائه فإنه يعمل بنيته وإذا حلف لا يأكل شيئاً مما اشتراه زيد فاشترى غير زيد وخلطه به ثم أكل الحالف منه، فإن كان القدر الذي أكله قدر ما اشتراه الآخر أو أقل منه فإنه لا يحنث. أما إذا كان أكثر فإنه يحنث. وإذا حلف لا يأكل مما اشتراه زيد فاشترى زيد من الحالف شيئاً مأكولاً كتمر أو زبيب ونحوهما ثم اقاله الحالف من الشراء وأكل منه لا يحنث، لأن الإقالة فسخ يبطل بها الشراء وإذا اشتراه زيد لغيره بوكالة ونحوها ثم أكل منه الحالف فإنه يحنث. وكذا إذا اشتراه زيد ثم باعه لغير الحالف فأكل منه الحالف بعد بيعه فإنه يحنث.стр. 779
مباحث النذر
تعريفه
النذر هو أن يوجب المكلف على نفسه أمراً لم يلزمه به الشارع.
حكمه ودليله
وحكمه وجوب الوفاء به متى كان صحيحاً مستكملاً للشرائط الآتي بيانها لقول الله تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ وقوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" وهذا الحكم إنما هو بعد وقوعه، لأن الناذر قد أوجبه على نفسه، أما الإقدام عليه قبل وقوعه ففي جوازه تفصيل في المذاهب (١) .
ولا بد للناذر من أن ينذر لله تعالى، فلا يحل النذر لولي ولا لمقرب وإن وقع يكون باطلاً. الحواشي
(١) الحنابلة - قالوا: النذر مكروه ولو عبادة لنهيه عليه اصلاة والسلام عنه وقال: "إنه لم يأت بخير". وإنما يستخرد به من البخيل، والنذر لا يرد قضاء ولا يملك الناذر به شيئاً جديداً ولا يرفع واقعاً، فإذا وقع منه وجب الوفاء به على التفصيل الآتي.
المالكية - قالوا: النذر المطلق مندوب وهو ما أوجبه على نفسه سكراً لله تعالى على ما حصل ووقع فعلاً من نعمة أو دفع نقمة كمن نجاه الله من كربة أو شفى مريضه أو رزقه مالاً أو علماً فنذر لله قربة يفعلها شكراً، فالإقدام على مثل هذا النذر مندوب والوفاء به فرض لازم. أما النذر المعلق وهو أن ينذر قربة معلقاً على شيء في المستقبل محبوب وليس للعبد فيه مدخل كقوله: إن شفى الله مريضي فعلي كذا فاختلف فيه؛ فبعضهم يقول بالكراهة وبعضهم يقول بالجواز، ومحل هذا فيمن لا يعتقد أن مثل هذا النذر نافع في حصول غرضه، وغلا كان محرماً لأن النبي ﷺ قال: "لا تنذروا فإن النذر لا يرد من قضاء الله شيئاً" ورواه مسلم، والناذر الذي يعتقد أن نذره ينفع يخالف قول النبي ﷺ أنه لا ينفع فإذا وقع يجب الوفاء به وإذا علق النظر على أمر من فعل العبد كقوله: إن فعلت كذا فعلي كذا فإنه مكروه بلا خلاف وكذا إذا نذر نذراً مكروهاً كأن نذر أن يصوم كل يوم فإنه يثقل على النفس فعله فيكره ويجب الوفاء بهما بعد وقوعهما على أي حال. أما نذر ما لا طاقة له به فهو حرام.
الحنفية - قالوا: النذر الصحيح المستكمل للشروط الآتية قربة مشروعة، أما كونه قربة فلما يلازمه من القرب كالصلاة والصوم والحج ونحوهما، وأما كونه مشروعاً فللأوامر الواردة بإيفائه.стр. 780
أقسام النذر
ينقسم النذر إلى أقسام في المذاهب
(١) . الحواشي
(١) الشافعية - قالوا: ينقسم النذر إلى قسمين: الأول نذر التبرر وهو ما يقصد الناذر به فعل قربة من صلاة أو صيام ونحو ذلك، فالتبرر مأخوذ من البر، لأن الناذر يطلب به البر والتقرب إلى الله تعالى وينقسم نذر التبرر إلى قسمين: أحدهما أن يعلق النذر على حصول شيء مرغوب فيه كقوله: إن شفى الله مرضي فلله عليّ أن أصوم أو أصلّي، ويسمى هذا القسم نذر المجازاة لأنه وقع في نظير جزاء. ثانيهما: أن لا يعلق النذر على شيء كأن يقول ابتداء: فلله عليّ أن أصوم أو أصلي.
الثاني: نذر اللجاج.
فأما نذر اللجاج "وهو الخصام" فإنه يقع غالباً حال المخاصمة والغضب، فينقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها أن يقصد به المنع عن شيء كقوله: إن كلمت فلاناً فلله علي كذا. يريد بذلك منع نفسه من كلام فلان، ومثله ما أراد منع غيره كقوله: إن فعل فلان كذا فلله علي كذا يريد بذلك منعه عن عمل. ثانيهما أن يقصد به الحنث على فعل أمر كقوله لنفسه: إن لم أدخل الدار فللَّه عليّ كذا أو حث غيره كقوله: إن لم يفعل فلان كذا فلله علي كذا، ثالثها أن يقصد به تحقيق خبر من الأخبار كقوله: إن لم يكن الأمر كما قلت أو قال فلان فللَّه عليّ كذا. فأقسام النذر خمسة: اثنان في نذر التبرر، وثلاثة في نذر اللجاج.
فأما نذر التبرر فيفترض وفاءه بقسميه، وعلى الناذر أن يفعل ما التزمه عيناً لكن على التراخي إن لم يقيده بوقت معين في النذر غير المعلق، وأما في النذر المعلق فإنه يجب الوفاء به عند وجود المعلق عليه على التراخي لا على الفور أيضاً، ويشترط لصحة نذر التبرر شروط: منها ما يتعلق بالناذر وهي الإسلام فلا يصح من الكافر، لأنه مناجاة لله فأشبه العبادة، بخلاف نذر اللجاج فإنه لا يشترط فيه الإسلام والاختيار فلا يصح من المكره، وأن يكون نافذ التصرف فيما ينذر، فلا يصح من غيره كالصبي والمجنون بخلاف السكران فإنه نذره صحيح، ومثل الصبي والمجنون المحجور عليه لسفه، فإنه إذا نذر مالاً فإنه لا يصح. أما إذا نذر قربة بدنية كصلاة وصوم فإنها تصح، وكذلك المحجور عليه بفلس فإنه لا يصح نذره في القرب المالية العينية، أما القرب المالية التي في الذمة فإنه يصح نذره فيها.
ومنها ما يتعلق بالمنذور فيشترط فيه كونه قربة لم تتعين بأصل الشرع، سواء كانت نفلاً أو فرض كفاية، فالأولى كقراءة سورة معينة وطول قراءة صلاة، والثانية كصلاة جنازة وجماعة في الفرائض.стр. 781
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وكذا في النوافل التي تسن فيها الجماعة، فإن نذر هذه الأشياء صحيح، فخرج ما ليس قربة أصلاً كالحرام والمكروه والمباح.
أما الحرام فإنه لا يصح نذره لكونه معصية، وفي الحديث الصحيح: "لا نذر في معصية الله. ولا فيما لا يملكه ابن آدم". ولا فرق في نذر المعصية بين أن يعلق النذر على المعصية وإن كان هو في ذاته طاعة كقوله: علي نذر كذا من الصلاة إن قتلت فلاناً، أو يكون المنذور نفسه معصية كقوله: لله علي أن أشرب الخمر، وكذا لا فرق المعصية بين أن تكون فعلاً كما ذكر، أو تكون تركاً كنذر ترك الصلوات الخمس، أو الزكاة ونحو ذلك. فإن النذر في كل ذلك لا ينعقد، وتشمل المعصية ما كانت لذاتها، أو كانت لعارض كالصلاة في الأرض المغصوبة فإنها تحرم، ونذرها لا ينعقد على الصحيح، وكذا نذر الصلاة في الأوقات المكروهة.
وأما المكروه فإنه ينقسم إلى قسمين أيضاً: مكروه لذاته كالالتفات في الصلاة، ومكروه لعارض كصوم يوم السبت أو الجمعة أو الأحد، فالمكروه لعارض يصح نذره، وينعقد، أما المكروه لذاته، فقيل ينعقد نذره ويلزم الوفاء به، وقيل لا ينعقد نذره إلا إذا كان قادراً عليه، بحيث لا يخشى منه ضرراً أو فوت حق وغلا كان مكروهاً، فلا ينعقد، ولا يلزم الوفاء به.
وأما المباح فإنه ينقسم إلى قسمين: الأول أن يقول: لا آكل لحماً أو أمشي ميلاً، أو أشرب لبناً، واختلف في هذا فقيل تلزمه كفارة يمين إن لم يفعل المنذور. وقيل لا يلزمه شيء وهو الراجح لأنه لم ينعقد نذره، الثاني أن يكون نذره مشتملاً على حث، أو منع، أو تحقيق خبر، أو كان فيه إضافة إلى الله تعالى كأن قال: إن لم أدخل الدار، أو إن كلمت زيداً، أو إن لم يكن الأمر كما قلت، فلله علي كذا، ويقول ابتداء: لله علي أن آكل الفطير مثلاً فإنه في هذه الحالة تلزمه كفارة يمين، أو فعل المنذور عليه بلا خلاف، أما نذر الفرض العيني فلا ينعقد كنذر صلاة الظهر مثلاً لأنه لازم بأصل الشرع، أما حكم نذر اللجاج فالناذر فيه مخير بين أن يفعل المنذور أو يفعل كفارة يمين.
الحنابلة - قالوا: ينقسم النذر المنعقد إلى ستة أقسام: الأول النذر المطلق وهو أن يقول: علي نذر، أو لله علي نذر ولم ينو بنذره شيئاً معيناً سواء قال: إن فعلت كذا، أو لم يقل، فيلزمه بهذا كفارة يمين لحديث: "كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين" رواه ابن ماجة والترمذي. الثاني نذر اللجاج والغضب، وهو تعليق النذر بشرط يقصد منه الناذر المنع من المعلق عليه، أو الحث عليه، أو التصديق عليه إن كان خبراً كقول: إن كلمتك فعلي صوم كذا، يريد منع نفسه من كلامه وكقول: إن لم أضربك فعلي صلاة كذا، يريد حث نفسه على ضربه. وكقول: إن لم أكن صادقا فعلي صوم كذا يريد تحقيق الخبر وحكم هذا النذر أن الناذر مخير بين كفارة اليمين إذا وجد الشرط وبين فعل المنذور، والثالث نذر المباح كقوله: لله علي أن ألبس ثوبي أو أركب دابتي، وحكم هذا أن الناذر مخير أيضاً بين فعل المنذور وكفارة اليمين. فنذر المباح كالحلف بفعله، فإنه إذا حلف أنه يأكل أو يشرب فإنه يكفر أوстр. 782
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) يفعل. الرابع نذر المكروه كالطلاق وأكل الثوم والبصل وترك السنة ونحو ذلك، وحكم هذا أنه يستحب للناذر أن يكفر كفارة اليمين، فإذا فعل المكروه فلا كفارة عليه لأنه وفى بنذره. الخامس نذر المعصية كشرب الخمر، وصوم يوم الحيض والنفاس، ويوم العيد، وأيام التشريق، وحكم هذا أنه لا يجوز الوفاء به ويقضي الصوم في ايام أخرى وعليه كفارة فإن وفى أثم ولا كفارة بنذره عليه.
السادس نذر التبرر "التقرب" يقال: تبرر "تقرب" وهو نذر القرب كالصلاة، والصيام والصدقة، والاعتكاف، وعيادة المريض، والحج، والعمرة، وتجديد الوضوء، وغسل الجمعة، والعيدين ونحو ذلك، سواء كان فرضاً أو نفلاً، فإن كانت نفلاً فلا خلاف في صحة نذرها وانعقاده، سواء نذرت مطلقة كأن تقول ابتداء: لله علي أن أصوم كذا، أو نذرت معلقة على شيء كأن يقول: إن شفى الله مريضي، أو سلم مالي فللًّه علي كذا. فنذر التبرر على ثلاثة أقسام: أحدها ما كان في مقابلة نعمة يريد الحصول عليها أو نقمة يريد دفعها. ثانيها التزام طاعة من غير شرط كقوله ابتداء: لله علي صوم أو صلاة كذا. ثالثها نذر طاعة لا أصل لها في الوجوب كعيادة المريض والإعتاق، كلها يلزم الوفاء بها.
أما إذا كانت فرضاً كصلاة الظهر مثلاً، أو حجة العمر، أو صوم رمضان، فقد اختلف في صحة نذره، فقال قوم: لا ينعقد النذر في الواجب، لأن النذر التزام، ولا يصح التزام ما هو لازم، ومثل هذا ما لو نذر محالاً كقوله: لله عليّ أن أصوم أمس فإنه لا ينعقد أيضاً. وقال قوم: بل ينعقد نذرهما الواجب، فإن فعله فذاك، وإن تركه فعليه كفارة اليمين. وكفارة النذر واجبة على الفور.
ويشترط لصحة النذر بأنواه شروط: أن يكون الناذر مكلفاً فلا يصح من الصبي. وأن يكون مختاراً فلا يصح من المكره. وأن يكون بالقول فلا تنفع فيه الإشارة إلا من الأخرس إذا كانت إشارته مفهومة.
المالكية - قالوا: ينقسم النذر إلى أقسام: الأول نذر في معصية الله كأن ينذر فعل محرم من شرب خمر وأكل لحم خنزير، أو ينذر فعل طاعة نهى الشارع عن فعلها في وقت معين، كصيام يوم عيد الفطر، أو الأضحى، أو ينذر فعل مكروه. الثاني نذر في مباح. الثالث نذر في طاعة الله كنذر القرب من صيام وصلاة الخ.
فأما نذر المعصية فهو حرام في المحرم، ومكروه في المكروه، ولا يفعل المنذور فيه إلا صوم رابع النحر والإحرام بالحج قبل زمانه أو مكانه فإنهما مكروهان، ولكن يلزمان بنذرهما، وتلغى الكراهة احتياطاً للنذر، إلا أن النذر المحرم لعارض كصيام يوم عيد الفطر أو الأضحى ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها أن يكون الناذر عالماً بتحريم ذلك، وفي هذه الحالة يستحب له أن يأتي بطاعة من جنس المنذور. ثانيها أن يكون جاهلاً بالتحريم فيظن أن في صوم هذا اليوم فضلاً على غيره لقهر نفسه ومنعها عن اللذات. وفي هذه الحالة لا يجب عليه القضاء ولا يستحب. ثالثها أن يظن أنه كغيره من الأيام في جواز الصيام. وفي هذه الحالة خلاف قيل يقضي وقيل لا يقضي.стр. 783
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وأما نذر المباح فإنه مباح كنذر الأكل والشرب ونحوهما. ولا يلزم فيه فعل المنذور. أما نذر الطاعة فهو ينقسم إلى قسمين: الأول نذر في حالة الغضب، سواء كان الغرض منه فعل قربة، أو كان الغرض منه منع النفس من فعل شيء ومعاقبتها وإلزامها بالنذر، ويسمى نذر اللجاج كقوله: لله علي نذر إن كلمت فلاناً وهذا يجب الوفاء به، وبعضهم يرى في نذر اللجاج التخيير بين كفارة اليمين وفعل المنذور، والمشهور أنه يجب الوفاء به، وهذا النوع من النذر مكروه كما تقدم.
الثاني النذر في حال الرضا، ولا يلزم به غلا ما كان طلب فعله غير جازم كالسنة والرغيبة والمندوب بشرط أن يقع قربة دائماً كالصلاة والصيام والصدقة ونحوها. أما ما يكون في قربة تارة، وغير قربة تارة أخرى، كالنكاح والهبة فإنه لا يلزم بالنذر. وكذلك الفرض لا يلزم بالنذر لأنه لازم في ذاته، ويستحب من هذا النوع النذر المطلق كما تقدم.
وأما التزام النذر ابتداء من غير أن يكون شكراً على شيء وقع، كأن ينذر صوم كذا أو صدقة كذا فإنه يباح الإقدام عليه ويجب الوفاء به، وأما النذر المعلق على شيء لم يحصل كقوله: إن شفى الله مريضي، أو رزقني كذا: أو نجاني من كذا: فعلي صدقة كذا، فإنه يجب الوفاء به. واختلف في جواز الإقدام عليه كما تقدم.
ويشترط لصحة النذر أن يكون الناذر مسلماً، ويندب للكافر فعله بعد إسلامه. وأن يكون مكلفاً فإذا نذر الصبي فإنه يستحب له الوفاء به بعد بلوغه. وأن يكون المنذور قربة غير واجبة بغير النذر، فلا يصح بالمحرم أو المكروه أو المباح كما تقدم.
ولا يشترط للنذر صيغة خاصة، فيلزم بكل لفظ دال على الالتزام ولو لم يذكر فيه لفظ النذر وقد اختلفوا في أنه يلزم بالنية ولو لم يذكر لفظ أو لا يلزم، والمعتمد أنه لا يلزم إلا بلفظ فلا يلزم بالنية وحدها.
الحنفية - قالوا: ينقسم النذر إلى قسمين: نذر معلق على شرط، ونذر مطلق. والنذر المعلق ينقسم إلى قسمين: الأول معلق على شيء يراد وقوعه كقوله: إن شفى الله مريضي فللَّه علي كذا فإنه معلق على شفاء المريض وهو مرغوب في حصوله للناذر، وحكم هذا لزوم الوفاء به عند تحقيق المعلق عليه متى استوفى الشروط الآتي بيانها. الثاني معلق على شيء لا يراد حصوله كقوله إذا دخلت الدار فعلي كذا نذر، أو إن كلمت فلاناً. وهذا القسم هو يسمى نذر اللجاج عند الشافعية، لأن المقصود منه المنع عن الفعل. وحكمه أن ناذره مخير بين فعل المنذور وبين كفارة اليمين، وهذا هو الصحيح. وبعضهم يقول: إنه يجب فيه فعل المنذور كغيره. ولا فرق فيه بين أن يكون المعلق عليه طاعة أو معصية كقوله: علي كذا إن زنيت أو شربت الخمر.
ويشترط لصحة النذر سبعة شروط: الأول أن يكون من جنس المنذور فرض أو واجب اصطلاحي على الأصح كالصوم والصلاة والصدقة، فإذا نذر أن يصوم تطوعاً فإنه يجب عليه الوفاء لأن الصوم من جنسه فرض وهو صوم رمضان. وكذا إذا نذر أن يصلي نافلة فإنه يجب عليه الوفاء، لأن الصلاة منстр. 784
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) جنسها واجب وهو الصلوات الخمس. وكذا إذا نذر أن يتصدق فإن الصدقة من جنسها واجب وهو الزكاة إلا الاعتكاف فإنه يجب عليه الوفاء بنذره، مع أنه ليس من جنسه واجب على التحقيق، لأن الإجماع منعقد على وجوب الوفاء بنذره.
وإذا لم يكن من جنس المنذور فرض أو واجب اصطلاحي فإنه لا يجب على الناذر الوفاء به. كعيادة المريض، ودخول المسجد ولو مسجد الرسول ﷺ ، أو المسجد الأقصى، أو الحرم المكي، لأنه ليس من جنسه فرض؛ أما إذا نذر تكبيراً فإنه يجب الوفاء به، لأن التكبير من جنسه فرض وهي تكبيرة الإحرام. وكذا إذا نذر الصلاة على النبيّ ﷺ فإنه يجب الوفاء به على الصحيح، لأنه من جنسها فرضاً وهو الصلاة عليه في العمر مرة. الثاني أن يكون المنذور عبادة مقصودة، فلا يصح النذر بما هو وسيلة كالوضوء، والاغتسال، ومس المصحف، والأذان، وتشييع الجنازة وعيادة المريض، وبناء المساجد وغير ذلك، فهذه الأمور وإن كانت قربة إلا أنها غير مقصودة لذاتها، بل المقصود هو ما يترتب عليها، فالضابط الكلي في صحة النذر: أن يكون المنذور عبادة مقصودة من جنسها فرض. الثالث: أن لا يكون المنذور معصية لذاته، فإذا نذر أن يقتل فلاناً أو يشرب الخمر أو يزني كان يميناً ولزمته الكفارة بالحنث. أما إذا نذر أن يصوم يوم عيد الفطر أو الأضحى فإنه يكون قد نذر محرماً لعارض لا لذاتها، فإن الصيام في ذاته طاعة، وتحريمه في هذا اليوم عارض بنهي الشارع، فيصح نذره ويلغو لأنه يوم العيد فيجب قضاءه في يوم آخر. ومثله ما إذا نذر أن يصلي ركعتين من غير وضوء، فإنه يصح نذره، لأن نذر الصلاة صحيح ويلغو قيد من غير وضوء، فيجب أن يصلي ركعتين بوضوء، لأن التزام المشروط وهو الصلاة التزام الشرط وهو الوضوء. وكذا إذا نذر أن يصلي ركعة واحدة فإنه يلزمه أن يصلي ركعتين. وكذا نذر أن يصلي ثلاثة فإنه يلزم بأربعة.
الرابع: أن لا يكون فرضاً عليه قبل النذر، فلو نذر حجة الإسلام لم يلزمه شيء غيرها.
الخامس: أن لا يكون ما التزمه أكثر مما يملكه، فلو نذر الفاً وهو لا يملك إلا مائة يلزم بالمائة فقط.
السادس: أن يكون ممكن الوقوع، فلو نذر مستحيلاً كأن يصوم أمس فإنه لا يصح نذره.
وكذا إذا نذرت الحائض أن تصوم أيام حيضها فهو باطل، لأن صوم أيام الحيض مستحيل شرعاً، وكذا إذا نذرت أن تصوم غداً ثم أصبحت حائضاً فإن نذرها باطل، وهذا عند محمد، وقال أبو يوسف: يجب عليها القضاء في الصورة الثانية.
سابعاً: أن لا يكون ملكاً للغير.
واعلم أن النذر المطلق لا يتقيد بزمان ولا مكان ولا دراهم ولا فقير. فإذا نذر أن يتصدق يوم الجمعة بهذا الدرهم على فلان فتصدق يوم الخميس أو يوم السبت بغير هذا الدرهم على شخص آخرстр. 785
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) جاز. وكذا لو عين شهراً للاعتكاف أو للصوم فعجل صح، وكذا إذا نذر أن يحج سنة كذا فج سنة قبلها وصح، أما النذر المعلق فإنه يتعين فيه الوقت فقط: إذ لا يصح تقديمه على وقوع المعلق عليه بخلاف تأخيره عنه فإنه جائز. أما تعيين الفقير والدرهم والمكان فيه فليس بلازم، فيصح أن يدفع غير الدرهم المنذور لفقير آخر غير الذي ذكره، فلو نذر لفقراء مكة جاز الصرف لفقراء غيرها، سواء كان النذر مطلقاً أو معلقاً.
والنذر عمل اللسان، والقياس يقتضي أنه لا ينعقد إلا بلفظ: لله عليّ كذا، أو عليّ كذا، أما إذا قال: "إن عوفيت صمت كذا" فإنه لا ينعقد به النذر قياساً، وينعقد استحساناًстр. 786
كتاب أحكام البيع وما يتعلق به
[البيع]
تعريفه
هو في اللغة مقابلة شيء بشيء فمقابلة السلعة بالسلعة تسمى بيعاً لغة كمقابلتها بالنقد، ويقال لأحد المتقابلين مبيع وللآخر ثمن، ولا فرق في اللغة بين أن يكون المبيع والثمن طاهرين أو نجسين يباح الانتفاع بهما شرعاً أو لا، كالخمر فإنه يصح أن يكون مبيعاً وثمناً في اللغة، أما في الشرع فإنه لا يصح كما ستعرفه، ثم إن مقابلة الشيء بالشيء تتناول نحو مقابلة السلام بالرد عليه، ومقابلة الزيادة بمثلها، ومقابلة الإحسان بمثله، فإن ذلك يسمى بيعاً وشراء على هذا التعريف، والظاهر أنه كذلك على طريق المجاز.
وقال بعض الفقهاء إن معناه في اللغة تمليك المال بالمال وهو بمعنى التعريف الأول، إلا أنه مقصور على المعنى الحقيقي، فلا يشمل رد الزيادة ونحوها بمثلها ونقل بعضهم أنه في اللغة إخراج ذات عن الملك بعوض وهو بمعنى التعريف الثاني، لأن إخراج الذات عن الملك هو معنى تمليك الغير للمال، فتمليك المنفعة بالإجارة ونحوها كما يأتي لا يسمى بيعاً لغة.
أما الشراء فإنه إدخال ذات في الملك بعوض. أو تملك المال بالمال، على أن اللغة تطلق كلاً من البيع والشراء على معنى الآخر، فيقال لفعل البائع: بيع وشراء، كما يقال ذلك لفعل المشتري ومنه قوله تعالى: ﴿وشروه بثمن﴾ فإن معنى شروه في الآية باعوه، وكذلك الاشتراء والابتياع فإنهما يطلقان على فعل البائع والمشتري لغة، إلا أن العرف قد خص البيع بفعل البائع وهو إخراج الذات في الملك، وخص الشراء والاشتراء والابتياع بفعل المشتري وهو إدخال الذات في الملك، ثم إن البيع يستعمل متعدياً لمفعولين بنفسه فيقال: بعتك الدار، وقد يستعمل متعدياً للمفعول الثاني بزيادة من وإلى وعلى للتأكيد فيقال: بعت الدار لك، ومنك، وباعها القاضي عليه.
وأما تعريف شرعاً وأقسامه ففيها تفصيل المذاهب
(١) . الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: البيع يطلق في اصطلاح الفقهاء على معنيين:
أحدهما: خاص، وهو بيع العين بالنقدين الذهب والفضة ونحوهما، فإذا أطلق لفظ بيعстр. 787
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) لا ينصرف إلا إلى هذا المعنى. ثانيهما عام وهو عشر قسماً من ضمنها هذا المعنى الخاص وذلك لأنه إما أن ينظر إلى معنى البيع من حيث ذاته وهو المال بالمال، وإما أن ينظر إليه باعتبار المبيع الذي يتعلق به، وإما أن ينظر إليه باعتبار الثمن، وفي كل حالة من هذه الأحوال ينقسم إلى أربعة أقسام: فمن حيث النظر إلى معناه ينقسم الى: نافذ، وموقوف، وفاسد، وباطل، وذلك لأنه إما أن يفيد الملك في الحال وهو البيع والنافذ، أو يفيده عند الإجازة وهو الموقوف، أو يفيده عند القبض وهو الفاسد، أو لا يفيده أصلاً وهو الباطل. ومن حيث النظر إليه باعتبار المبيع ينقسم إلى أربعة أقسام أيضاً: مقايضة، صرف، سلم، بيع مطلق، وذلك لأن المبيع إما أن يكون مبادلة عين بعين "سلعة بسلعة غير النقدين" ويسمى مقايضة، فالمقايضة هي بيع العين بالعين ويصدق كل واحدة من السلعتين أنها مبيع وثمن، ولكن نظر في التقسيم إليها من حيث كونها مبيعاً، وإما أن يكون المبيع نقداً بنقد ويسمى صرفاً، لأن الصرف هو بيع النقد من الذهب والفضة ونحوهما بمثله، ويقال له بيع الدين "النقد بالنقد" وإما أن يكون المبيع نقداً بعين ويسمى سلماً، لأن السلم هو بيع النقد بالعين كما سيأتي بيانه، وإما أن يكون المبيع عيناً بنقد عاجل أو آجل وهو البيع المطلق، وهو الغالب عند ذكر كلمة بيع كما ذكرناه لك أولاً، فإذا أريد غيره فإنه لا بدّ أن يسمّى باسم من هذه الأشياء وهي صرف، سلم ... إلخ.
وأما إذا نظر إليه من حيث الثمن فإنه ينقسم إلى أربعة أقسام وهي: تولية، مرابحة، ضيعة، مساومة، وذلك لأنه إما أن ينظر فيه إلى ثمن السلعة التي اشتريت به في أول الأمر أو لا، فإن نظر إليه فإن بيعت به بدون زيادة ولا نقص فإن ذلك البيع يسمى بيع تولية، فالتولية هي البيع بالثمن الأول، وإن بيعت بزيادة على الثمن الأول فإن ذلك يسمى بيع المرابحة، وإن بيعت بأقل من الثمن الأول فذلك البيع يسمى بيع الضيعة، أما إذا قطع النظر عن الثمن الأول الذي اشتريت به السلعة فيبيعها على هذا الوجه يسمى بيع المساومة وهي البيع بالثمن الذي يتفقان عليه بغض النظر عن الثمن الأول.
ومن هذا يتضح لك أن تعريف البيع بالمعنى الخاص: وهو مبادلة السلعة بالنقد على وجه مخصوص.
وأما تعريفه بالمعنى العام: فهو مبادلة المال بالمال على وجه مخصوص، فالمال يشمل ما كان عيناً أو نقداً، فتدخل فيه جميع الأقسام التي ذكرناها، ثم إن المال هو ما يميل إليه الطبع ويدخر للانتفاع به وقت الحاجة ولا يكون له قيمة في نظر الشرع إلا إذا اجتمع فيه أمران: أحدهما أن يكون من شأنه الانتفاع به عند الحاجة. ثانيهما: أن يكون الانتفاع به مباحاً شرعاً. فإذا لم يكن من شأنه الانتفاع به كحبة من حنطة فإنه لا يكون مالاً معتبراً. وكذا إذا لم يكن مباحاً شرعاً كالخمر والخنزير فإنه وإن كان مما ينتفع به بعض الناس ولكنه غير مباح في نظر الشرع، فلا يكون مالاً عنده. فلو بيع الخمر لا ينعقد بيعه، ولكن لو اشترى سلعة طاهرة وجعل ثمنها خمراً فإن البيع ينعقد ولا ينفع كون الخمر ثمناً فيلزم المشتري بقيمة السلعة. وبهذا تعلم أن المراد بالمال في التعريف: المال الذي له قيمة في نظر الشرع سواء أكان سلعة أم عقداً، فيشمل الصرف، والسلم، والمرابحة، والتولية، والمقايضة ... الخ.стр. 788
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ويشمل التعريف أيضاً الهبة بشرط العوض المالي، فلا يصح إخراجها من التعريف كما يظن بعضهم؛ لأنها وإن كانت هبة قبل القبض إلا أنها بيع بعد القبض، وصورتها مثلاً أن يقول: إنني وهبت هذه الدار من فلان بشرط أن يعوضني مائة جنيه فقبل أن يقبض المائة، فإن حكم هذه كحكم الهبة فيشترط لصحته ما يشترط للهبة، فلا يصح في الشارع الذي يحتمل القسمة، ولا يثبت به الملك قبل القبض، ولكل واحد من المتعاقدين أن يمتنع عن التسليم. أما بعد القبض فإنه حكمه كحكم البيع، فلا يكون لأحدهما حق الرجوع فيما كان له. ويثبت به حق الشفعة، ولكل واحد أن يرد ما أخذ إن كان فيه عيب وغير ذلك من أحكام البيع التي ستعرفها، فهي داخلة في البيع بلا خفاء، نعم إذا نظر إليها قبل القبض فإنها تكون هبة تخرج بقوله على وجه مخصوص.
أما التبرع من الجانبين كأن يتبرع أحد لآخر بمال فيتبرع له الثاني كذلك فهو داخل في التعريف من حيث انه مبادلة في الجملة، لأن الأول وإن كان قد تبرع لا في نظير شيء ولكن الثاني تبرع في مقابلة تبرع الأول، ففيه مبادلة من جانب واحد فيخرجه قوله على وجه مخصوص. لأنه ليس بيعاً في الحقيقة بل هو هبة. لكل واحد منهما حق الرجوع في تبرعه كما سيأتي في الهبة.
ويشمل التعريف بيع المكره، لأنه مبادلة مال بمال وهو كذلك، لأن بيع المكره قسم من أقسام البيع المنعقد إلا أنه بيع فاسد موقوف على إجازته بعد زوال الإكراه كما سيأتي ببيانه قريباً. فزيادة قيد التراضي في التعريف لإخراج بيع المكره ليست بشيء، لأن الرضا شرط بنفاذ البيع لا جزء من مفهومه الشرعي كما سيأتي في شرائطه قريباً.
ومن هذا تعلم أيضاً أنه لا حاجة إلى زيادة قيد مفيد كما عرفه بعضهم بقوله مبادلة مال بمال على وجه مفيد مخصوص، وغرضه إخراج البيع غير المفيد كبيع نقد مسكوك بمساويه في الوزن والوصف، مثل أن يبيع قطعة من ذات القرشين بمثلها فإن ذلك لا فائدة فيه فلا يصح. أما إذا اختلفا في الوصف كما إذا كانت إحداهما مطلية بطلاء أصفر أو أسود فإنه يجوز لوجود الفائدة حينئذ، وإنما قلنا إن هذا القيد لا حاجة إليه، لأن البيع لا فائدة فيه منعقد داخل في تعريف البيع، لأنه مبادلة مال بمال ولكنه بيع فاسد، والتعريف يشمل الصحيح والفاسد كما ذكرناه لك آنفاً.
وقوله على وجه مخصوص: المراد به الإيجاب والقبول وسيأتي بيانهما.
المالكية - قالوا: للبيع في اصطلاح الفقهاء تعريفا: أحدهما تعريف لجميع أفراد البيع الشامل الصرف والسلم ونحوهما من الأقسام التي ستعرفها: ثانيها تعريف لفرد واحد من هذه الأفراد. وهو ما يفهم من لفظ البيع عن الإطلاق عرفاً. والأول يسمى تعريفاً للبيع بالمعنى الأخص. فأما تعريفه بالمعنى الأعم فهو عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة.
فقوله عقد معاوضة معناه عقد محتو على عوض من الجانبين "البائع والمشتري" لأن كلاً منهما يدفع عوضاً للآخر. وقوله على غير منافع: معناه أن العقد يكون على الذوات والأعيان عن ثمن أوстр. 789
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) سلعة لا على استثمارها والانتفاع بها، وقوله ولا متعة لذة، معناه أن العقد لا يكون للانتفاع بلذة. فهذا التعريف يشمل جميع أقسام البيع فيدخل فيه الصرف وهو بيع الذهب والفضة، والعكس، والمبادلة، وهو بيع ذهب بذهب أو فضة بفضة متساويين في العدد.
والمراطلة: وهي بيع ذهب بذهب أو فضة بفضة متساويين في الوزن.
والسلم: وهو عقد على أن يدفع أحد الجانبين شيئاً مالياً معجلاً في نظير أن يأخذ شيئاً مالياً من غير جنس ما دفعه مؤجلاً. وتدخل أيضاً الهبة بشرط العوض وتسمى هبة الثواب أي هبة العوض المالي، كما تدخل التولية وهي البيع بالثمن الذي اشتريت به السلعة: والشركة، والإقالة، والشفعة، وسيأتي بيان ذلك موضحاً في محله، فكل هذه الأنواع يشملها هذا التعريف لأنها عبارة عن عقد على أن يدفع كل واحد من الجانبين عوضاً للآخر عيناً لا منقعة. ويخرج من التعريف الإجارة لأنها عقد على منفعة لا على ذات. وكذلك كراء الحيوان فإنه عقد على الانتفاع به لا على ذاته ويخرج عقد النكاح بقوله: ولا متعة لذة. لأنه عقد على الانتفاع باللذة.
أما تعريفه بالمعنى الأخص: فهو عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة. ذو مكايسة، أحد عوضية غير ذهب ولا فضة، معين غير العين فيه، فهو التعريف الأول مع زيادة ثلاثة قيود:
القيد الأول: ذو مكايسة، ومعنى ذو مكايسة: عقد صاحب مشاححة ومغالبة، لأن كل واحد من المتعاقدين يريد أن يغلب صاحبه. وخرج بهذا القيد هبة الثواب، لأن الواهب ملزم بقبول القيمة التي اشترطها متى دفعت له، فليس له أن يشاحح فيها، فإذا قال: وهبت هذه الدار لزيد بشرط أن يعوضني مائة دينار لزمه قبول المائة ولا يجاب لأزيد منها. وتخرج أيضاً المبادلة والتولية والأخذ بالشفعة لأنها لا مكايسة فيها. أما المبادلة: فهي بيع نقد بنقد من صنفه مسكوكين "مضروبين" بشرائط مخصوصة وهو لا مغالبة فيه كما ستعرف. أما التولية: فهي بيع بعين الثمن الأول فلا مغالبة فيها. وأما الأخذ بالشفعة: فهو بيع بنفس الثمن الذي اشتريت به السلعة فلا مغالبة فيها أيضاً. القيد الثاني: أحد عوضيه غير ذهب ولا فضة. ويخرج به الصرف والمراطلة لأن عوضا الصرف أحدهما ذهب والآخر فضة، وعوضى المراطلة والمبادلة ذهبان أو فضتان.
القيد الثالث: معين غير العين فيه، ويخرج به السلم، ومعنى ذلك أن عقد البيع يلزم فيه أن يكون المبيع ليس ديناً في الذمة، بل ينبغي أن يكون غير دين، سواء كان حاضراً أمام المشتري أو غائباً، ولكنه معروف عنده بصفة أو رؤية سابقة، أو اشتراه بشرط أن يكون له خيار الرؤية أما عند السلم فعلى عكس ذلك، لأن المسلم فيه وهو السلعة دين في الذمة، فالمراد بالمعين ما ليس ديناً في الذمة، والسلم دين في الذمة. والمراد بالعين الذهب والفضة، ولا يلزم في عقد البيع يكون الذهب أو الفضة مقبوضين، بل يصح أن يكونا ديناً في الذمة، وبذلك يتم تعريف البيع الخاص أعني بيع السلعة بالنقد وهو الذي ينصرف إليه لفظ البيع عند الإطلاق.
هذا وقد قسم المالكية البيع إلى أقسام كثيرة باعتبارات مختلفة فقالوا: إن البيع بالمعنى الأعمстр. 790
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ينقسم أولاً إلى قسمين: بيع المنافع وبيع الأعيان. فأما بيع المنافع فإنه ينقسم إلى خمسة أقسام: الأول: بيع منافع الجماد ويعبرون عنه بأكرية الدور والأرضين. والثاني: بيع منافع الحيوان غير العاقل ويعبرون عنه بأكرية الدواب والرواحل. الثالث: بيع منافع الانسان المتعلقة بغير الفروج وهو النكاح والخلع. الرابع: بيع منافع الإنسان المتعلقة بغير الفروج كتأجيره. الخامس: بيع منافع العروض ويسمى إجارة غالباً.
أما بيع الأعيان فإنه ينقسم إلى أقسام كثيرة لا عتبارات مختلفة، فينقسم من حيث تأجيل أحد عوضيه أو كليهما إلى أربعة أقسام:
الأول: بيع النقد، وهو ما كان الثمن والمثمن فيه معجلين لا تأجيل فيهما ولا في واحد منهما.
الثاني: بيع الدين بالدين، وهو ما كان الثمن والمثمن فيه مؤجلين معاً، وهو بيع منهي عنه كما سيأتي في البيوع المنهي عنها.
الثالث: البيع لأجل وهو ما تأجل فيه الثمن فقط.
الرابع: السلم وهو ما تأجل فيه المثمن فقط، وكلها جائزة ما عدا بيع الدين بالدين كما ذكرنا. وينقسم من حيث كون أحد عوضيه ذهباً أو فضة إلى ثلاثة أقسام:
الأول: بيع العين بالعين.
الثاني: بيع العرض بالعرض.
الثالث: بيع العرض بالعين. وينقسم بيع العين بالعين إلى ثلاثة أقسام: صرف، ومبادلة، ومراطلة. فالصرف: هو ما اختلف فيه جنس العوضين، بأن يكون أحدهما ذهباً والثاني فضة. وبالعكس. والمراطلة: هي ما اتحد فيها العوضان وكان البيع فيها بالوزن، كبيع ذهب بذهب وفضة بفضة وزناً. والمبادلة وهي ما اتحد فيها العوضان كذهب بذهب وفضة بفضة وكان البيع فيها بالعد لا بالوزن. وينقسم في رؤية المثمن وعدم رؤيته إلى قسمين: الأول بيع الحاضر، وهو ما كان المثمن فيه مرئياً أو في حكم المرئي. والثاني: بيع الغائب وهو ما ليس كذلك. وينقسم أيضاً باعتبار بت عقده وعدمه إلى قسمين: الأول بيع بت أي قطع: وهو ما لا خيار فيه لأحد المتعاقدين، وسمي بتاً لأن كل واحد قطع الخيار على صاحبه. الثاني بيع الخيار: وهو ما جعل أحدهما الخيار فيه لصاحبه.
وينقسم باعتبار النظر إلى الثمن الذي اشتريت به السلعة أولاً وعدمه إلى أربعة أقسام:
الأول: بيع المرابحة: وهو أن يشتري منه السلعة بزيادة على ثمنها الأول.
الثاني: المساومة. الثالث: المزايدة. الرابع: الاستئمان وسيأتي بيانها.
وينقسم باعتبار ما يعرض له إلى قسمين: صحيح وفاسد.
الحنابلة - قالوا: معنى البيع في الشرع: مبادلة مال بمال، أو مبادلة منفعة مباحة بمنفعة مباحةстр. 791
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) على التأبيد غير ربا وقرض. فقوله: مبادلة مال بمال عقد صاحب عوض من الجانبين، وهو عبارة عن جعل شيء في مقابلة آخر، ويشمل المال النقد وغيره فيدخل فيه مقايضة سلعة بسلعة، ولا فرق في المال بين أن يكون معيناً حاضراً أو موصوفاً ولو كان ذلك المال ديناً في الذمة. وقوله: على التأبيد متعلق بمبادلة يخرج به الإجارة، والإعارة في نظير الإعارة. وقوله غير ربا وقرض: خرج بهما الربا والقرض.
الشافعية - قالوا: البيع في الشرع مقابلة مال بمال على وجه مخصوص، أي عقد ذو مقابلة مال بمال الخ، والمراد بالمقابلة المعاوضة. وهي أن يدفع كل واحد من الجانبين عوضاً للآخر، فتخرج بذلك الهبة لأنها تمليك بلا عوض في الحياة، وقوله: مال بمال خرج به عقد النكاح لأنه مقابلة مال بغيره.
وقوله على وجه مخصوص. الغرض منه أمران: الأول أن يكون ذلك العقد مفيداً لملك العين أو لملك المنفعة على التأبيد كحق المرور، وبذلك تخرج الإجارة لأنها تمليك منفعة مقدرة بمدة بعوض. الثاني: أن لا يكون ذلك العقد على وجه القربة فيخرج به القرض، لأنه تمليك للعين على أن يرد مثلها.
وينقسم إلى قسمين: صحيح وهو ما توفرت فيه الشروط والأركان. وفاسد وهو ما اختل به بعض ذلك. وكل منهما ينقسم إلى محرم وجائز، فالصحيح المحرم كتلقي الركبان. والفاسد المحرم كبيع حبل الحبلة، وسيأتي بيان ذلك في البيع الفاسد.
وينقسم الصحيح إلى أقسام: الأول: بيع أعيان مشاهدة. الثاني بيع أعيان موصوفة في الذمة ويسمى سلماً. والذمة تطلق في اصطلاح الفقهاء على معنيين: أحدهما الذات - ذات البائع هنا - وسميت ذمة لما يتعلق بها من العبد والأمان وهو المعنى اللغوي، ثانيهما أمر معنوي قائم بذات الشخص قابل للإلزام من جهة الشرع والالتزام من جهة المكلف، فذمة الشخص صفة معنوية قائمة به يلزمه الشارع بسببها بأداء ما التزم به. الثالث: بيع صرف وهو بيع أحد النقدين بالآخر من جنسه أو من غير جنسه، لكن إذا كان من جنسه اشترط للصحة ثلاثة شروط: أن يكون البيع حالاً لا مؤجلاً. وأن يكون يداً بيد "مقابضة". وأن يكون المبيع والثمن متماثلين، أما إن كان غير جنسه فإنه يشترط فيه الأولان فقط، وسيأتي بيان ذلك في بابه. الرابع: بيع مرابحة وهو بيع بالثمن الأصلي مع الربح كأن يقول: بعت بما اشتريت مع ربح درهم عن كل عشرة أو مع فائدة ردهم. الخامس: بيع إشراك كأن يقول: أشركتك معي في العقد بثلث ما اشتريت، فإن قال: أشركتك معي ولم يقل بثلث ولا غيره حمل علي المناصفة. السادس بيع المحاطة كأن يقول: بعت بما اشتريت وحط درهماً من كل عشرة. السابع: بيع التولية وهي البيع بنفس الثمن الأول كأن يقول له: وليتك بما اشتريت إذا كانا عالمين بالثمن. الثامن: بيع الحيوان بالحيوان - ويسميه غيرهم مقايضة - وهو صحيح، سواء اتحد جنسهما أو اختلف، وسواء كانا مأكولين أو غير مأكولين بشرط أن لا يشتمل بيعه على ربا، وذلك بأن يكونا مأكولين واتحدстр. 792
حكم البيع ودليله
حكم البيع من حيث هو الإباحة، وقد تعرض له الوجوب وذلك في حال الاضطرار إلى طعام أو شراب، فإنه يجب شراء ما فيه حفظ النفس من الهلاك، ويحرم عدم بيع ما فيه حفظها. وقد يكون مندوباً كما إذا حلف عليه إنسان أن يبيع سلعة لا ضرر عليه في بيعها، فإنه يندب أن يبر اليمين وقد يكون مكروهاً كبيع ما يكره بيعه، وقد يكون محرماً كبيع ما يحرم بيعه مما سيأتي بيانه.
أما كونه مباحاً فهو معلوم من الدين بالضرورة، فلا يحتاج إلى دليل، ولكن الأدلة على ذلك كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله، فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ . وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم﴾ وقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ فهذه الآيات صريحة في حل البيع وإن كانت مسوقة لأغراض أخرى غير إفادة الحل، لأنه الآية الأولى مسوقة لتحريم الربا. والثانية مسوقة لنهي الناس عن أكل أموال بعضهم بعضاً بالباطل. والثانية مسوقة للفت الناس إلى ما يرفع الخصومة ويحسم النزاع من الاستشهاد عند التبايع. وأما السنة فكيرة منهما قوله ﷺ : "لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكف بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه" رواه البخاري، وفي هذا الحديث إشارة إلى ما يجب على الإنسان من العمل في هذه الحياة، فلا يحل له أن يهمل طلب الرزق اعتماداً على سؤال الناس كما لا يحل له أن يستنكف عن العمل، سواء كان جليلاً أو حقيراً، بل عليه أن يعمل بما هو ميسر له، ومنها قوله ﵊: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح سواء بسواء، مثلاً بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم" رواه مسلم، فقوله فبيعوا كيف شئتم صريح في إباحة البيع، وسيأتي بيان الحديث فيما ينهى عنه. ومنها قوله ﵊: "أفضل الكسب بيع مبرور، وعمل الرجل بيده" رواه أحمد والطبراني وغيرهما، والبيع المبرور: هو الذي يبر فيه صاحبه فلم يغش ولم يخن ولم يعص الله فيه، وحكمه حله ما يترتب عليه من تبادل المنافع بين الناس، وتحقيق التعاون بينهم، فينتظم بذلك معاشهم، وينبعث كل واحد إلى ما يستطيع الحصول عليه من وسائل العيش، فهذا يغرس الأرض بما
الحواشي
(١) جنسهما وكان فيهما لبن أو بيض، بخلاف ما إذا كانا غير مأكولين وإن كان فيهما ما ذكر. التاسع: بيع بشرط الخيار وسيأتي بيان العقود التي يحص فيها شرط الخيار والتي لا يصح.
العاشر: بيع شرط البراءة من العيب، وأما الفاسد فإنه ينقسم إلى أقسام كثيرة سنذكرها في بابهстр. 793
منحه الله من قوة بدنية، وألهمه من علم بأحوال الزرع ويبيع ثمرها لمن لا يقدر على الزرع ولكنه يستطيع الحصول على الثمن من طريق أخرىن وهذا يحضر السلعة من الجهات النائية يبيعها لمن ينتفع بها، وهذا يجيد ما يحتاج إليه الناس من صناعة ليبيع عليهم مصنوعاته، فالبيع والشراء من أكبر الوسائل الباعثة على العمل في هذه الحياة الدنيا، وأجل أسباب الحضارة والعمران.
أركان البيع
أركان البيع ستة (١) : صيغة، وعاقد، ومعقود عليه، وكل منها قسمان: لأن العاقد إما أن يكون بائعاً أو مشترياً. والمعقود عليه إما أن يكون ثمناً أو مثمناً، والصيغة إما أن تكون إيجاباً أو قبولاً، فالأركان ستة: والمراد بالركن هنا ما يتوقف عليه وجود الشيء وإن كان غير داخل في حقيقته، وهذا مجرد اصطلاح، لأن ركن الشيء الحقيقي هو أصله الداخل فيه، وأصل البيع هو الصيغة التي لولاها ما اتصف العاقدان بالبائع والمشتري.
ولكل ركن من الأركان أحكام وشروط سنذكرها لك على الترتيب الذي يلي:
الركن الأول: الصيغة
الصيغة في البيع هي كل ما يدل على رضاء الجانبين البائع والمشتري وهي أمران (٢) :
الأول: القول وما يقوم مقامه من رسول أو كتاب؛ فإذا كتب لغائب يقول له: قد بعتك داري بكذا أو أرسل له رسولاً فقبل البيع في المجلس فإنه يصح، ولا يغتفر له الفصل إلا بما يغتفر في القول حال حضور المبيع.
الثاني المعاطاة: وهي الأخذ والإعطاء بدون كلام كأن يشتري شيئاً ثمنه معلوم له فأخذه الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: للبيع ركن واحد وهو الإيجاب والقبول الدالان على تبادل المكلين بين البائع والمشتري من قول أو فعل، وبعضهم يقول: إن له ركنين الإيجاب والقبول، والأخذ والإعطاء، وعلى كل حال فالحنفية قد نظروا في ذلك إلى الركن الحقيقي، وهو ما كان أصلاً للشيء داخلاً فيه(٢) الشافعية - قالوا: لا ينعقد البيع إلا بالصيغة الكلامية أو ما يقوم مقامها من الكتاب والرسول، وإشارة الأخرس المعلومة، أما المعاطاة فإن البيع لا ينعقد بها، وقد مال صاحب الإحياء إلى جواز البيع في الأشياء اليسيرة بالمعاطاة لأن الإيجاب والقبول يشق في مثلها عادةстр. 794
من البائع ويعطيه الثمن وهو يملك بالقبض، ولا فرق بين أن يكون المبيع يسيراً كالخبز والبيض ونحوهما مما جرت العادة بشرائه، متفرقاً أو كثيراً كالثياب القيمة.
وأما القول فهو اللفظ الذي يدل على التمليك والتملك، كبعت واشتريت ويسمى ما يقع من البائع إيجاباً (١) ، وما يقع من المشتري قبولاً، وقد يتقدم القبول على الإيجاب كما إذا قال المشتري: بعني هذه السلعة بكذا. وفي بيان الإيجاب والقبول تفصيل المذاهب
(٢) . الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: الإيجاب هو ما صدر أولاً من أحد المتعاقدين، سواء كان بائعا كأن يقول: بعتك كذا، أو مشترياً كأن يقول: اشتريت منك كذا بألف فيقول: بعتك إياه، والقول هو ما صدر ثانياً(٢) الحنفية - قالوا: ينعقد البيع والشراء بكل لفظين يدلان على معنى التمليك والتملك، كبعت، واشتريت، وأعطيت، وبذلت، وأخذت، ورضيت لك هذا الشيء بكذا، وأجزت ونحو ذلك، وينعقد بلفظ السلم والهبة والعوض كما إذا قال: أسلمت لك هذا بكذا ووهبته منك بكذا، أو قال: عوضت فرسي بفرسك، فأجابه بقوله: وأنا أيضاً، ثم إن كان الفعل ماضياً كبعتك هذا الشيء بكذا، أو كان مضارعاً لا يحتمل الحال والاستقبال كقوله: أبيعك الآن، فإن البيع ينعقد بهما بدون حاجة إلى نية، وبعضهم يقول: إن النية لازمة في كل حال، سواء كان الفعل ماضياً أو مستقبلاً.
أما إن كان مضارعاً يحتمل الحال والاستقبال، أو كان متحمضاً للاستقبال بأن اقترن بالسين أو سوف كقوله: سأبيعك أو سوف أبيع فإنه لا ينعقد البيع إلا بنية الإيجاب في الحال بلا خلاف سواء كان الإيجاب والقبول كذلك، أو كان أحدهما ماضياً والآخر مستقبلاً، فإذا قال البائع: أبيعك هذا الثوب بكذا، وقال المشتري: أشتريه، فإن البيع لا ينعقد إلا إذا كان كل منهما ناوياً للإيجاب في الحال، وكذا إذا قال أحدهما: أبيع أو سوف أبيع، وقال الآخر: اشتريت، فإن كان الفعل أمراً كما إذا قال: بعني الثوب ونوى الإيجاب في الحال فلا ينعقد البيع إلا إذا قال له البائع: بعت ورد عليه المشتري بقوله: اشتريت فلا بد في نفاذ البيع بالأمر من ثلاثة ألفاظ لأن اللفظ الأول وهو بعني ملغى، لأن البيع لا ينعقد بالأمر أصلاً إلا إذا دل على الحال كقول البائع: خذ مني هذا الثوب بكذا، فيقول المشتري: أخذته، فإن البيع ينعقد بذلكن لأن خذ في معنى بعتك هذا الشيء فخذه، ولا ينعقد البيع إذا اقترن بالفعل استفهام ونحوه كقوله: هل تببعني، أو ليتك تببعني ونحو ذلك، ولكل واحد من البائع والمشتري حق الرجوع قبل قبول الآخر ما داما في المجلس، فإذا قال البائع: بعتك كذا ولم يجبه الآخر بالقبول فإن له أن يرجع، وكذا إذا قال له: اشتريت منك السلعة بكذا ولم يقل له: بعتك فإن له أن يرجع، وهذا يسمى خيار القبول في المجلس.
المالكية - قالوا: ينعقد البيع بكل قول يدل على الرضا كبعت واشتريت وغيرهما من الأقوال، ثم إن كان الفعل ماضياً كأن يقول البائع: بعت هذه السلعة، والمشتري: اشتريت، فإن البيع ينعقد به ويكون لازماً، فليس لواحد منهما حق الرجوع فيه لا قبل رضاء الآخر ولا بعده، حتى ولو حلف أنهстр. 795
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) لا يقصد البيع أو الشراء. أما إن كان الفعل أمراً كقول المشتري: بعني هذا السلعة بكذا فيقول له البائع: بعت فإنه ينعقد به البيع، ولكن في لزومه خلاف، فبعضهم يقول: إن له حق الرجوع وعليه اليمين بأنه لم يقصد الشراء، وبعضهم يقول: إن يلزم بهذا كلزومه بالماضي وليس له حق الرجوع على المعتمد.
فإن كان الفعل مضارعاً كأن يقول البائع: أبيع هذه السلعة بكذا فرضي المشتري بذلك، فإن البيع لا يلزم البائع إذا رجع وقال: إنني لم أرد البيع، وإنما أردت المساومة أو المزاح ولكن عليه اليمين، وإذا رجع بعد رضاء المشتري فإذا حلف فذاك وإلا فيلزمه البيع، وإذا قامت قرينة على أنه يقصد البيع فإنه يلزمه ولو حلف. وذلك كأن يقول له المشتري: يا فلان بعني سلعتك بعشرة فيقول: لا، فيقول بأحد عشر فيقول: لا، ثم يقول البائع: أبيعها باثني عشر فيقول المشتري: قبلت. فإن البيع يلزم في هذه الحالة وليس له حق الرجوع، ولا ينفعه اليمين لأن تردد الكلام بينهما قرينة على عدم المزاح واللعب. وكذا لو قال المشتري: أشتري هذه السلعة بكذا فرضي البائع ثم رجع المشتري فإن له حق الرجوع، وعليه اليمين ما لم تقم قرينة على ا، هـ جاد في شرائه فإنه يلزمه الشراء، والحاصل أن البادئ بالماضارع سواء أكان بائعاً أم مشترياً فإنه لا يلزمه البيع، وله حق الرجوع وعليه اليمين إن رجع بعد رضاء الآخر، أما إذا رجع قبل رضائه فإن له ذلك الحق ولا يمين عليه، ومحل ذلك كله ما لم تقم قرينة على البيع والشراء أو عدمها وإلا عمل بها.
وإذا قال شخص لآخر: بكم تبيع هذه السلعة: فقال له: بعشرة، فقال السائل: أخذتها بذلك، فأبى البائع أن يبيعها وقال: إنني أريد أن أعرف قيمتها أو أريد المزاح فالمعتمد في ذلك أن يرجع إلى القرائن، فإن قامت قرينة بأن حصل تماكس وتردد في الكلام كما ذكر في الصورة المتقدمة فإن البائع يلزم بالبيع، وإن قامت قرينة على عدمة فإنه لا يلزمه ولا يمين على البائع، وإن لم تقم قرينة على أحدهما فللبائع حق الرجوع وعليه اليمين إن رجع بعد رضاء الآخر.
الشافعية - قالوا: ينعقد البيع والشراء بكل لفظ يدل على التمليك مفهم للمقصود، وهو قسمان: صريح. وكناية. فالصريح ما لا يحتمل غير البيع مما يدل على البيع والشراء كبعتك هذه السلعة بكذا، واشتريتها منك بكذا. وأما الكناية فهي اللفظ المحتمل لمعنى آخر غير البيع كقول البائع: أعطيتك هذا الثوب بذلك الثوب، أو أعطيتك تلك الدابة بتلك، فإن ذلك يحتمل البيع ويحتمل الإعارة. فإذا نوى بذلك البيع والشراء صح، فإن قرن اللفظ المحتمل بذكر الثمن يكون صريحاً كوهبتك هذه الدار بمائة دينار، فإن لفظ الهبة إن لم تكن مقترنة بذكر الثمن تكون هبة، فإن اقترنت بالثمن تكون بيعاً. وكذا كل لفظ يدل على التمليك إذا قرن بذكر الثمن كجعلت لك هذه الدار بثمن كذا، أو عوضتك هذا بكذا، أو صارفتك ذا بكذا، فكل هذا ظاهر الدلالة في البيع لذكر الثمن، ومثل ذلك ما إذا قال المشتري: اشتريت وقبلت فإن في ذلك دلالة ظاهرة على الشراء، بخلاف ما إذا قال: تملكت فقط، فإن ذلك كناية تحتمل التملك بالشراء وتحتمل التملك بالهبة وغيرهما. وكما ينعقد البيع بالصريح ويحل فكذلكстр. 796
ويشترط للإيجاب والقبول شروط منها: أن يكون الإيجاب موافقاً للقبول في القدر، والوصف والنقد، والحلول، والأجل، فإذا قال البائع: بعن هذه الدار بألف فقال المشتري: قبلتها بخمسمائة لم ينعقد البيع، وكذا إذا قال: بعتها بألف جنيه ذهباً فقال الآخر: قبلتها بألف جنيه ورقاً، فإن البيع لا ينعقد، إلا إذا كانت الألف الثانية مثل الأولى في المعنى من جميع الوجوه فإن البيع ينعقد في هذه الحالة. ومنها أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد، فإن قال أحدهما: بعتك هذا بألف ثم تفرقا قبل أن يقبل الآخر فإن البيع لا ينعقد. ومنها أن يفصل بين
الحواشي
(١) ينعقد بالكناية ويحل، إلا أن الصريح أقطع للنزاع وأحسن في رفع الخصومات. ومن الكناية أن يأتي البائع بالمضارع في الإيجاب كأن يقول: أبيعك أو يأتي المشتري بالمضارع في القبول، كأن يقول: أقبل فإن البيع يصح فيهما بالنية، وإن كانت النية لازمة في كل صيغة كما يأتي في الشروط. وللشافعية فرق بين النية وقصد اللفظ لمعناه.
ويصح أن يتقدم القول على الإيجاب كأن يقول المشتري: بعني كذا بكذا، فلفظ بعني معناه طلب الإيجاب وهو قائم مقام القبول، فيصح جعله من أفراده إذا كان بصيغة الأمر أما إذا كان بصيغة الاستفهام كقوله: هل تببعني كذا؟ فإنه لا يصح ولا يضر تقييد اللفظ بالمشيئة كقوله: اشتر مني كذا إن شئت ولكن بشروط أربعة: الأول أن يذكرها المبتدي سواء كان بائعاً أو مشترياً. الثاني أن يخاطب بها مفرداً، فإن خاطب بها جماعة فإنها لا تنفع. الثالث أن يفتح تاء المخاطب إن كان نحوياً. الرابع أن يؤخرها عن الصيغة سواء كانت إيجاباً أو قبولاً، فإن فقد شرط من هذه الشروط بطل العقد. أما إذا علق الصيغة بقول إن شاء الله، أو بأي تعليق لا يقتضيه العقد كقوله: إن شاء فلان؛ فإن ذلك يبطل العقد.
الحنابلة - قالوا: كل لفظ يؤدي معنى البيع والشراء ينعقد به، فلا تنحصر الصيغة القولية في لفظ معين، فينعقد بالإيجاب من البائع بقول: بعتك، أو ملكتك، أو وليتك، أو أشركتك في كذا، أو وهبتكه بكذا، أو أعطيتك كذا بكذا ونحو ذلك.
ومن المشتري بقول قبلت، أو رضيت، أو اشتريت، أو تملكت، أو أخذت، أو استبدلت ونحو ذلك، وهل يصح البيع بلفظ السلم والسلف أو لا؟ كأن يقول: سلفتك أو أسلمت لك كذا بكذا: خلاف، فقيل يصح، وقيل لا. ويجوز أن يتقدم القبول على الإيجاب ولكن يلمزم أن يكون بلفظ الأمر كأن يقول: بعني كذا بكذا، فإن كان بلفظ الماضي أو المضارع فإنه يجب أن يكون مجرداً عن الاستفهام والتمني والترجي فيقول: تببعني كذا، أو تببعني كذا بكذا، فإن قال: بعت صح. أما إن قال: هل بعتني أو هل تببعني؟ أو ليتك بعتني، أو لعلك بعتني فإنه لا يصح. ولا يضر تقييد البيع والشراء بالمشيئة، فلو قال البائع: بعت إن شاء الله، أو قال المشتري: اشتريت إن شاء الله صح البيع، ولكل من البائع والمشتري حق الرجوع ما داما في المجلس ولو بعد تمام العقد، لأن لهما خيار المجلس كما يأتي بيانهстр. 797
الإيجاب والقبول فاصل يدل على الإعراض. أما الفاصل اليسير وهو الذي لا يدل على الإعراض بحسب العرف فإنه لا يضر (١) .
ومنها سماع المتعاقدين كلام بعضهما، فإذا كانه البيع بحضرة شهود فإنه يكفي سماع الشهود بحيث لو أنكر أحدهما السماع لم يصدق. فإذا قال بعت هذه السلعة بكذا، وقال الآخر: قبلت. ثم تفرقا فادعى البائع أنه لم يسمع القبول، أو ادعى المشتري بأنه لم يسمع الثمن مثلاً فإن دعواهما لا تسمع إلا بالشهود.
الركن الثاني: العاقد
وأما العاقد سواء كان بائعاً أو مشترياً فإنه يشترط له شروط: منها أن يكون مميزاً فلا ينعقد بيع الصبي (٢) الذي لا يميز، وكذلك المجنون، أما الصبي (٣) المميز والمعتوه اللذان يعرفان الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: الفاصل الذي يغتفر في الإيجاب والقبول هو الفاصل اليسير كما إذا قال له: بعتك هذا الثوب بعشرة وكان في يده قدح ماء فشربه ثم قال له: قبلت فإنه لا يضر، وكذا إذا أكل لقمة، أما إذا اشتغل بأكل أو نوم فإن المجلس يتبدل، وكذا إذا قال له: بعتك هذا بكذا فلم يجبه ثم تكلم في حاجة له مع غيره كان ذلك فاصلاً لا ينفع معه البيع.
الشافعية - قالوا: لا يغتفر الفصل بين الإيجاب والقبول بالكلام الأجنبي مطلقاً، سواء كان قليلاً أو كثيراً أما الكلام الذي فيه ذكر حدود المبيع فإن الفصل به لا يضر وإن طال، ولو كان معروفاً قبل العقد للمتعاقدين. وكذا لا يضر الفصل بالسكوت اليسير. أما السكوت الطويل وهو ما يشعر بالإعراض عن القبول فإنه لا يغتفر ولكل من البائع والمشتري الرجوع ما داما في المجلس لأن لهما خيار المجلس وإن لم يشترطاه، بل لو اشترطا عدمه بطل العقد كما يأتي(٢) الحنابلة - قالوا: يصح بيع الصبي وشراؤه للشيء اليسير ولو كان دون التمييز ولو لم يأذنه وليه، لما روي أن أبا الدرداء اشترى من صبي عصفوراً فأرسله، وكذلك السفيه فإنه يصح تصرفه بدون إذن وصيه في اليسير كباقة بقل، وكبريت ونحو ذلك، أما الشيء الكثير فإنه لا يصح تصرف الصبي غير المميز ولو بإذن وليه، أما الصبي المميز والسفيه فإنه ي صح تصرفهما بالبيع والشراء بإذن الولي. ولكن يحرم على الولي أن يأذنهما لغير مصلحة(٣) الشافعية - قالوا: لا ينعقد بيع أربعة وهم: الصبي سواء كان مميزاً أو غير مميز، والمجنون والعبد، ولو مكلفاً، والأعمى، فإذا باع أحد لواحد من هؤلاء وقع البيع باطلاً، وعليه أن يرد لهم ما أخذه من ثمن وهو مضمون لهم عنده. أما ما أخذوه هم فإنهم إذا أضاعوه فإنه لا يسألون عنه، ولكن قد ضاع على صاحبه.стр. 798
البيع وما يترتب عليه من الأثر ويدركان مقاصد العقلاء من الكلام ويحسنان الإجابة عنها، فإن بيعهما وشراءهما ينعقد ولكنه لا ينفذ إلا إذا كان بإذن من الولي في هذا الشيء الذي باعه واشتراه بخصوصه. ولا يكفي الإذن العام، فإذا اشترى الصبي المميز السلعة التي أذنه وليه في شرائها انعقد البيع لازماً، وليس للولي رده. أما إذا لم يأذن وتصرف الصبي المميز من تلقاء نفسه فإن بيعه ينعقد، ولكن لا يلزم إلا إذا أجازه الولي، أما أجازه الصبي بعد البلوغ. ومنها أن يكون رشيداً. وهذا شرط لنفاذ البيع، فلا ينعقد بيع الصبي مميزاً كان أو غيره، ولا بيع المجنون والمعتوه والسفيه إلا إذا أجاز الولي بيع المميز منهم، أما بيع غير المميز فإنه يقع باطلاً، ولا فرق في المميز بين أن يكون أعمى أو مبصراً.
ومنها أن يكون العاقد مختاراً فلا ينعقد بيع المكره ولا شراؤه لقوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم﴾ . وقوله ﷺ : "إنما البيع عن تراضٍ" رواه ابن حبان وفي ذلك تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) الحنابلة - قالوا: يشترط في البيع أن يكون العاقدان مختارين ظاهراً أو باطناً، فإذا كانا مختارين في الظاهر فقط، كأن اتفقا على بيع عين لأحدهما فوراً من ظالم يريد اغتصابه، أو اتقاء شرجار حتى إذا ما أمن ذلك رد إليه ما باعه ورد هو ما أخذ من ثمن، فإن هذا البيع يقع باطلاً ولا ينعقد، لأنهما وإن تعاقدا باختيارهما ظاهراً ولكنهما في الباطن لا يريدان هذا البيع ويسمى هذا بيع التلجئة والأمان. ولا يشترط أن يقولا في العقد: إن هذا بيع تلجئة، فإذا سلمه العين على أن ينتفع بها من سكنى وإجارة وركوب وحلب في نظير ما أخذه من الثمن كان ذلك ربا، لأنه يكون عبارة عن إعطاء دراهم إلى أجل في نظير منفعة وهي الريح فهو في المعنى فرض بعوض، وعلى هذا يكون باطلاً من جميع الوجوه.
ومثل بيع التلجئة بيع الهازل فإنه لم يرد حقيقته فهو غير مختار في المعنى. وتقبل دعوى بيع التلجئة والهزل بالقرينة الدالة عليهما مع اليمين لاحتمال كذبه، فإن لم توجد قرينة لم تقبل دعواه إلا ببينة.
أما إذا باع شيئاً فراراً من ظالم ونحوه من غير أن يتفق مع المشتري على أن هذا بيع تلجئة وأمانة؛ فإن البيع يقع صحيحاً لأنه صدر من غير إكراه في هذه الحالة. وكذا لو أكره على أن يستحضر مالاً فباع ملكه في ذلك صح البيع، لأنه لم يكره على البيع، وإنما أكره على سبب البيع، إنما يكره الشراء منه لأنه بيع بدون ثمن مثله.
ومن استولى على ملك رجل بلا حق فطلبه فجحده وقال: إنه لا يعترف له به إلا إذا باعه فاضطر لبيعه وقع البيع باطلاً لأنه مكره في هذه الحالة.стр. 799
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وليس من الإكراه أن يلزمه الحاكم بالبيع وفاء لدين ونحوه، لأن هذا إكراه بحق، والذي يبطل البيع هو الإكراه بالباطل.
الحنفية - قالوا: إن كل عقد يكره عليه الشخص ينعقد لأن القاعدة عندهم في المكره: أن كل ما يكره على النطق به ينعقد، ولكن أقواله التي يكره عليه منها ما يحتمل فسخ، ومنها ما لا يحتمل. فالذي يحتمل الفسخ كالبيع والإجارة، والذي لا يحتمل الفسخ كالطلاق والعتاق والنكاح والنذر. فإذا أكرهه ظالم على بيع ملكه فإن البيع ينعقد فاسداً ويملكه المشتري ملكاً فاسداً وللمكره أن يجيز البيع بعد زوال إكراهه، وله أن يسترد العين حيث وجدها، أما إذا أكرهه على طلاق ونكاح ونذر ونحوها، ثم تصرف فيما يترتب على ذلك كأن تزوج مطلقة فليس له أن ينقض تصرفه.
وإذا أكرهه القاضي على بيع ماله لوفاء دينه بغبن فاحش كان البيع فاسداً.
ويشترط لتحقيق الإكراه في البيع أن يكون مكرهاً على البيع، وعلى تسليم العين، وعلى قبض الثمن، فإن أكره على البيع فقط ثم سلم العين باختياره فإنه لا يكون مكرهاً لأن تسليم العين بالاختيار إجازة للبيع. وكذا إذا قبض الثمن باختياره فإنه لا يكون مكرها، وكذلك إذا اضطره إلى أمر يكون سبباً في إكراهه على البيع، كأن يلزمه بمال لا يقدر عليه فاضطر إلى بيع ملكه ليعطيه ذلك المال فإنه في هذه الحالة لا يكون مكرهاً على البيع فيقع العقد نافذاً، وإذا استرد العين التي أكره على بيعها فإن عليه رد الثمن إن كان باقياً في يده لأن العقد فاسد، أما إن هلك الثمن فلا يؤخذ منه شيء.
ومثل عقد المكره في الفساد عقد الهازل وعقد التلجئة. فالهازل وإن كان يتكلم بصيغة العقد باختياره، ولكنه لا يرضى ثبوت الحكم ولا يستحسنه ولا يلزم من الاختيار الرضا، فإن الاختيار وهو قصد الشيء وإرادته وأما الرضا فهو استحسانه. فالهازل مكره في الحقيقة، لأن المكره على شيء يختاره ولكنه لا يرضاه. وأما عقد التلجئة فهو أن يأتي أمراً باطنه خلاف ظاهره وصورته أن يقول البائع: ألجئ إليك داري مثلاً لأتمكن بجاهك من صيانتها؛ ومعناه: ألتجئ إليك فراراً من ظلم، فإذا اتفقا على ذلك ثم تبايعا على ذلك الاتفاق فإن البيع فاسد.
المالكية - قالوا: الإكراه الذي يمنع نفاذ البيع هو الإكراه بغير حق، وهو ينقسم إلى قسمين، الأول: إكراه على نفس البيع.
وذلك كأن يكرهه ظالم على بيع كل ملكه أو بعضه. والثاني إكراه على شيء يجبره على البيع كأن يكرهه ذلك الظالم على أن يعطيه مالاً غير قادر عليه، فيضطر لبيع ملكه ليحصل له ذلك المال فهو لم يكرهه على نفس البيع وإنما أكرهه على سبب البيع، وحكم الأول أنه بيع غير لازم، فللبائع أن يرد ما باعه متى أمكنه، وعليه أن يرد الثمن الذي أخذه ما لم يكن قد تلف منه بدون أن يفرط في حفظه فإذا أقام البينة على أنه تلف منه على هذا الوجه فإنه لا يلزم برده، بل يسترد سلعته بدون أن يرد ثمنها.
وأما الإكراه على سبب البيع ففيه خلاف: فبعضهم يقول: إنه بيع غير لازم أيضاً، وبعضهمстр. 800
الركن الثالث: المعقود عليه
يشترط في المعقود ثمناً عليه كان أو مثمناً شروط: منها أن يكون طاهراً فلا يصح أن يكون النجس مبيعاً ولا ثمناً، فإذا باع شيئاً نجساً أو متنجساً (١) لا يمكن تطهيره فإن بيعه لا ينعقد. وكذلك لا يصح أن يكون النجس أو المتنجس الذي لا يمكن تطهيره ثمناً، فإذا اشترى أحد عيناً طاهرة وجعل ثمنها خمراً أو خنزيراً مثلاً فإن بيعه لا ينعقد. ومنها أن يكون منتفعاً به انتفاعاً شرعياً فلا ينعقد بيع الحشرات التي لا نفع فيها. ومنها أن يكون المبيع مملوكاً للبائع حال الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: يجوز بيع الدهن المتنجس والانتفاع به في غير الأكل، كما يجوز بيع العذرة المخلوطة بالتراب والانتفاع بها. وبيع الزبل وإن كان نجس العين، وإنما الذي يمنعونه بيع الميتة وجلدها قبل الدبغ، وبيع الخنزير، وبيع الخمر ويقولون: من الميتة والخمر والخنزير إذا جعلت ثمناً لا يبطل البيع، وإنما ينعقد فاسداً يملك بقبض المبيع، وعلى المشتري أن يدفع الثمن كما سيأتيстр. 801
البيع، فلا ينعقد بيع ما ليس مملوكاً إلا في السلم، فإنه ينعقد بيع العين التي ستملك بعد كما يأتي. ومنها أن يكون مقدوراً على تسليمه، إلا إذا كان المشتري قادراً على نزعه في المذاهب (١) .
ومنها أن يكون المبيع معلوماً والثمن معلوماً علماً يمنع من المنازعة، فبيع المجهول جهالة تفضي إلى المنازعة غير صحيح كما إذا قال للمشتري: اشتر شاة من قطيع الغنم التي أملكها أو اشتر مني هذا الشيء بقيمته أو اشتر مني هذه السلعة بالثمن الذي يحكم به فلان، فإن البيع في كل هذا لا يصح، وسيأتي تفصيل المذاهب في هذا في مبحث خيار الرؤية، ومنها أن لا يكون العقد مؤقتاً كأن يقول له: بعتك هذا البعير بكذا لمدة سنة، ومنها غير ذلك مما هو مفصل في المذاهب (٢) . الحواشي
(١) المالكية - قالوا: لا ينعقد بيع المغصوب إلا إذا باعه المالك الأصلي لمن يقدر على أخذه من الغاصب. أما إذا كان الغاصب ممن يخضع لحكم الحاكم فلا يستطيع أحد أن يأخذ منه ما تحت يده، أو كان من يخضع ولكنه منكر ولو عليه بينة، فإن بيع المالك في هذه الحالة لا ينعقد لمنع بيع ما فيه خصومة. وكذا يصح أن يبيعه المالك لنفس الغاصب بشرط أن يكون الغاصب عازماً على رد المغصوب لمالكه، أما إن كان عازماً على عدم الرد فإنه لا ينعقد البيع له. وكذا إذا لم يعرف إن كان عازماً على الرد أو لا فإنه يصح البيع له.
الشافعية - قالوا: لا ينعقد بيع المغصوب مطلقاً لا للغاصب ولا لغيره، ولا من المالك ولا من غيره إلا إذا كان مقدوراً على تسليمه.
الحنفية - قالوا: لا ينعقد بيع المغصوب إلا إذا باعه الغاصب وضمنه المالك. أو باعه المالك وأقر الغاصب هذا البيع، فإن لم يقر الغاصب وكان للمالك بينة ثم باعه فإن البيع ينعقد ويلزم المشتري، أما إذا لم تكن له بينة وهلك المبيع قبل أن يسلمه انتقض البيع.
الحنابلة - قالوا: لا يصح بيع المغصوب لأن البائع إن كان هو المالك فلا يقدر على تسليمه لأنه ليس تحت يده وإن كان الغاصب فإنه غير مالك له. ويصح أن يبيعه المالك لغاصبه، لأن المانع وهو عدم القدرة على التسليم منتف، وكذلك يصح أن يبيعه لقادر على أخذه من الغاصب لإمكان قبضه في هذه الحالة، فإن عجز بعد البيع عن تحصيل المغصوب فله الفسخ، وإذا اشتراه ظاناً أنه قادر على أخذه من الغاصب ثم تبين عجزه فإنه يصح(٢) الشافعية - قالوا: يشترط لصحة البيع اثنان وعشرون شرطاً: منها في الصيغة ثلاثة عشر، ومنها في العاقد أربعة، ومنها في المعقود عليه خمسة.
فأما شرائط الصيغة فهي:
-١ - الخطاب بأن يخطب كل من العاقدين صاحبه، فلو قال أحدهما: بعت لزيد فلا يصح.стр. 802
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) -٢ - أن يكون الخطاب واقعاً على جملة المخاطب كأن يقول له: بعتك، أما لو قال: بعت يدك مثلاً فإنه لا يصح.
٣ - أن يذكر المبتدي منها بالكلام الثمن والمثمن كأن يقول: بعتك هذه السلعة بثمن كذا، أو اشتريت منك هذه السلعة بكذا.
٤ - أن يقصد البائع والمشتري معنى اللفظ الذي ينطق به، فإذا جرى على لسانه بعت أو اشتريت بدون أن يقصد معنى البيع والشراء وهو التمليك والتملك. فإنه لا يصح.
٥ - أن لا يتخلل الإيجاب والقبول كلام أجنبي.
٦ - أن لا يتخلل الإيجاب والقبول سكوت طويل وهو ما أشعر بإعراضه عن القبول.
٧ - أن لا يتغير الأول قبل الثاني بمعنى أن المتكلم بالإيجاب مثلاً لا يغير كلامه قبل قبول الآخر، فإذا قال له: بعتك بخمسة ثم قال: بل بعشرة قبل أن يقبل فلا يصح العقد.
٨ - أن يكون كلام كل واحد منهما مسموعاً لصاحبه ولمن يقرب من الحاضرين، فإن لم يسمعه من كان قريباً لا يكفي وإن سمعه العاقد.
٩ - أن يتوافق الإيجاب والقبول معنى فلو قال: بعتك كأن يقول: بعتك هذه الدار إن شاء فلان أو إن شاء الله، بخلاف ما إذا قال: إن شئت لأن هذا التعليق لا ينافي العقد بالشروط المتقدمة.
١١ - أن لا يؤقت كلامه بوقت فإذا قال: بعتك هذا البعير مدة شهر فإنه لا يصح.
١٢ - أن يكون القبول من الذي صدر معه الخطاب فلو قال له: بعتك هذه السلعة ثم قبل آخر موكل عن المخاطب فإن البيع لا يصح.
١٣ - أن تستمر أهلية المتكلمين بالصيغة إلى أن يتم القبول فإذا قال: بعتك كذا ثم جن قبل أن يقول الآخر قبلتبطل العقد.
وأما شرائط العاقد فهي:
-١ - إطلاق تصرف فلا يصح بيع الصبي والمجنون والمحجور عليه بسفه.
-٢ - عدم الإكراه بغير حق، فلا يصح بيع المكره كما تقدم.
-٣ - إسلام من يشتري له مصحف أو نحوه.
-٤ - أن لا يكون محارباً إذا أراد أن يشتري آلة الحرب.
وأما شرائط المعقود عليه فهي:
-١ - طهارة المعقود عليه، فلا يصح بيع النجس كما تقدم.
-٢ - وأن يكون منتفعاً به شرعاً، فلا يصح بيع الحشرات التي لا ينتفع بها شرعاً.
-٣ - وأن يكون مقدوراً على تسليمه فلا يصح بيع الطير في الهواء، ولا السمك في الماء، ولا المغصوب.
-٤ - أن يكون للعاقد عليه ولاية، فلا يصح بيع الفضولي.
-٥ - أن يكون معلوماً للعاقدين عيناً وقدراً وصفة وسيأتي بيان كل ذلك مفصلاً.
الحنفية - قالوا: تنقسم شروط البيع إلى أربعة أقسام: الأول شروط الانعقاد، فلا ينعقد البيع رأساً إلا إذا تحققت. الثاني شروط النفاذ، فلا ينفذ البيع إلا إذا وجدت، الثالث شروط الصحةстр. 803
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فلا يصح البيع إلا بها، الرابع شروط للزوم، فلا يلزم البيع إلا بها، فأما شروط الانعقاد فهي خمسة أنواع: النوع الأول يتعلق بالعاقد، سواء كان بائعاً أو مشترياً وهو ثلاثة، الشرط الأول: أن يكون عاقلاً فلا ينعقد بيع المجنون ولا شراؤه وأما المعتوه الذي يعرف معنى البيع ويدرك ما يترتب عليه من الأثر فإنه ينعقد بيعه وشراؤه، الشرط الثاني: أن يكون مميزاً فلا ينعقد بيع الصبي الذي لا يميز، أما الصبي المميز الذي يعرف معنى البيع وما يترتب عليه من الأثر فإنه ينعقد بيعه وشراؤه، ويتوقف نفاذه على إجازة الولي أو الوصي أو إجازة نفسه بعد البلوغ، الشرط الثالث: أن يكون العاقد متعدداً فلا ينعقد البيع بشخص واحد، بل يلزم أن يكون الإيجاب من شخص والقبول من شخص آخر، إلا إذا كان أباً يريد أن يشتري أو يبيع لولده الصغير، فإنه يكون بائعاً ومشترياً بنفسه، ومثله الوصي والقاضي، ويشترط في الوصي أن يكون في بيعه وشرائه نفع ظاهر للصبي، وكذا الرسول إذا كان من جانب البائع والمشتري فإنه ينعقد بيعه وشراءه لنفسه. النوع الثاني يتعلق بالعقد، فيشترط لانعقاد عقد البيع شرط واحد وهو أن يكون الإيجاب موافقاً للقبول بأن يقبل المشتري بكل ما أوجبه البائع، فإذا قال البائع: بعت هذه الدار بمائة جنيه مصري فإن البيع لا ينعقد إلا إذا قال المشتري: قبلت شرائها بهذا الثمن، أما إذا قال: قبلت شرائها بخمسة وتسعين مثلاً فإن البيع لا ينعقد، النوع الثالث يتعلق بالمبيع وهو خمسة شروط الأول أن يكون المبيع موجوداً فلا ينعقد بيع المعدوم ولا بيع ما هو في حكم المعدوم كبيع الحمل.
الشرط الثاني: أن يكون مما يتعلق به الملك. فلا ينعقد بيع العشب المباح ولو نبت في أرض مملوكة. الشرط الثالث: أن يكون مملوكاً للبائع إذا كان يريد أن يبيع لنفسه، أو مملوكاً لموكله ونحوه كما يأتي، فلا ينعقد بيع ما ليس بمملوك ولو ملكه بعد البيع إلا في السلم فإنه ينعقد فيه بيع ما سيملكه بعد العقد، وكذلك المغصوب إذا باته الغاصب ثم ضمنه المالك فإن بيعه ينعقد. الشرط الرابع: أن يكون المبيع مالاً متقوماً شرعاً، فلا ينعقد بيع الخمر ونحوه من كل ما لا يباح الانتفاع به شرعاً. وكذلك لا ينعقد بيع اليسير من المال كحبة من حنطة لأنها ليست مالاً متقوماً. الشرط الخامس أن يكون البائع قادراً على تسليمه في الحال أو قريباً من الحال. النوع الثالث: يتعلق بالبدلين الثمن والسلعة، فيشترط في كل واحد منهما أن يكون مالاً قائماً، فإذا عدم أحدهما لا ينعقد البيع. النوع الرابع: يتعلق بسماع الصيغة، فلا ينعقد البيع إلا إذا سمع كل واحد من العاقدين كلام صاحبه. فإذا كان البيع في المجلس وسمع الناس كلام أحدهما ثم أنكر وقال: إن في أذنه وقراً فإنه لا يصدق قضاء. النوع الخامس: يتعلق بالمكان فيشترط أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد، فإن اختلف المجلس فإن البيع لا ينعقد، والمراد بالمجلس ما حصل فيه العقد، ولو كانا واقفين أو سائرين، فهذه شروط انعقاد البيع وهي اثنا عشر شرطاً: ثلاثة في العاقد سواء أكان أم مشترياً، وواحد في العقد وخمسة في المبيع، وواحد في سماع الكلام. وواحد في المكان.
وأما شروط النفاذ فهي شيئان:
الأول: أن يكون المبيع مملوكاً للبائع، أو له عليه ولاية، فنفذ بيع غير المملوك كما لا ينعقد.стр. 804
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الثاني: أن لا يكون في المبيع حق لغير البائع، فلا ينفذ بيع المرهون والمستأجر، لأنه وإن كان محبوساً في يده ولكن للغير حق فيه فلا ينفذ بيعه.
وأما شرائط صحة البيع فتنقسم إلى قسمين: عامة تتعلق بجميع أفراد البيع. وخاصة تتعلق أيضاً ولا ينعكس، فإن الفاسد ينعقد وينفذ إذا اتصل به القبض، ويزاد عليها أمور: منها أن لا يكون البيع مؤقتاً، فإن أقته بوقت فإنه لا يصح. ومنها أن يكون المبيع معلوماً والثمن معلوماً علماً يمنع من المنازعة، فإن باع شيئاً مجهولاً جهالة يترتب عليها النزاع فإن البيع لا يصح وذلك كأن يبيع شاة من قطيع غنم أو يبيع شيئاً بقيمته من غير أن يعين الثمن. ومنها أن يكون البيع فيه فائدة. فلا يصح بيع الدرهم بالدرهم المساوي له من كل الوجوه كما تقدم.
ومنها الخلو عن الشرط الفاسد، كأن يشتري الناقة بشرط أن تكون حاملاً.
وأما الخاصة: فمنها القبض في الصرف قبل الافتراق: ومنها أن يكون الثمن الأول معلوماً في بيع المرابحة والتولية والوضعية. وأما شرط اللزوم فهو خلو البيع عن الخيار، فإن البيع بشرط الخيار لا يلزم.
المالكية - قالوا: شروط البيع منها ما يتعلق بالصيغة، ومنها ما يتعلق بالعاقد بائعاً كان أو مشترياً، ومنها ما يتعلق بالمعقود عليه ثمناً كان أو مثمناً.
فيشترط في الصيغة أمران: الأول أن يكون القبول في المجلس. فلو قال البائع: بعتك الدار بكذا فلم يجبه ثم تفرقا من المجلس فليس للمشتري أن يقبل بعد ذلك.
الثاني: أن لا يفصل بين الإيجاب والقبول فاصل يدل على الإعراض عن البيع عرفاً. فإن وجد فاصل يدل على الإعراض عرفاً لم يلزم البيع ولو لم يتفرق المجلس. ومتى تحقق الشرطان فليس للبائع أن يرجع عن البيع إذا قال للمشتري: بعتك قبل قبوله على المذهب.
أما شروط العاقد فهي نوعان: شروط انعقاد، وشروط لزوم، فيشترط لانعقاد البيع شروط واحد وهو العقل بائعاً كان أو مشترياً، فلا ينعقد البيع إذا كان العاقد صبياً غير مميز، أو مجنوناً أو مغمى عليه، أو سكران إذا كان على حالة لا يميز معها شيئاً، ولا فرق في ذلك بين أن يكون السكر بحلال أو حرام. ويشترط للزومه اربعة شروط.
الثاني: أن يكون غير محجور عليه، فلا يلزم المحجور عليه لسفه ونحوه وينفذ بيع الصبي المميز والمحجور عليه بإذن وليهما كما تقدم.стр. 805
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الثالث: أن يكون غير مكره، فلا يلزم بيع المكره على التفصيل المتقدم.
الرابع: أن يكون العاقد مالكاً أو وكيلاً عن مالك فلا يلزم بيع الفضولي.
ويشترط في المعقود عليه خمسة شروط: أحدهما أن يكون طاهراً، فلا يصح بيع نجس ولا متنجس لا يمكن تطهيره. ثانيهما أن يكون منتفعاً به شرعاً، فلا يصح بيع آلة اللهو. ثالثها أن يكون غير منهي عن بيعه، فلا يصح بيع كلب الصيد ونحوه. الرابع أن يكون مقدوراً على تسليمه، فلا يصح بيع الطير في الهواء، ولا الوحش في الفلاة. الخامس أن يكون المبيع والثمن معلومين للمتعاقد، فلا يصح بيع المجهول سواء جهلت ذاته أو صفته، أو جهل قدره. فجملة شروط البيع اثنا عشر.
ومن هذا تعلم أن كل عقد لازم فهو صحيح وليس كل صحيح لازماً كما في بيع الصبي فإنه صحيح غير لازم، وكل صحيح منعقد وبالعكس.
الحنابلة - قالوا: يشترط للبيع شروط بعضها يتعلق بالصيغة، وبعضها يتعلق بالعاقد، وبعضها يعلق بالمعقود عليه.
فيشترط في الصيغة أمران: أن يكون القبول في المجلس، فإذا قال البائع: بعتك ثم تفرقا قبل القبول من المجلس لم ينعقد البيع. وأن لا يفصل بين الإيجاب والقبول فاصل يدل على الإعراض عن البيع عرفاً.
ويشترط في العاقد سواء كان بائعاً أو مشترياً أن يكون مختاراً، فلا يصح بيع المكره على التفصيل المتقدم. وأن يكون بالغاً رشيداً، فلا يصح بيع الصبي المجنون والسكران والسفيه إلا في الصبي المميز والسفيه المميز على التفصيل المتقدم.
ويشترط في المعقود عليه سواء كان مبيعاً أو ثمناً أن يكون فيه منفعة مباحة لغير حاجة أو ضرورة، فلا يصح بيع ما لا نفع فيه أصلاً كالحشرات، وما فيه منفعة محرمة كالخمر وما فيه منفعة مباحة للحاجة كالكلب، وما فيه منفعة مباحة للضرورة كالميتة حال الاضطرار.
ويشترط في المعقود عليه أن يكون المبيع مملوكاً لبائعه وقت العقد ملكاً تاماً، وأن يكون مقدوراً على تسليمه حال العقد، فلا يصح بيع جمل شارد، ولا بيع نحل، ولا طير في الهواء، سواء كان الطير مما يألف الرجوع أو لا. وكذا لا يصح بيع سمك في لجة ماء إلا إذا كان في بركة ماؤها صاف يشاهد فيه السمك، وكان غير متصل بنهر، ويمكن أخذ السمك منه، فإن بيعه يصح في هذه الحالة. وأن يكون المعقود عليه من مبيع وثمن معلوماً للمتعاقدين. وكل ما لا يصح أن يكون مبيعاً كذلك لا يصح أن يكون ثمناًстр. 806
مباحث الخيار
معنى الخيار في البيع وغيره: طلب خير الأمرين منهما، والأمران في البيع الفسخ والإمضاء فالعاقد مخير بين هذين الأمرين.
والأصل في عقد البيع أن يكون لازماً متى استكمل شرائطه، ولكن قد عدل عن تلك في مسائل الخيار لحكمه جليلة وهي مصلحة العاقدين. فقد أباح الشارع الخيار استيفاء للمودة بين الناس. ودفعاً للضغائن والأحقاد من أنفسهمن إذ قد يشتري الواحد السلعة أو يبيعها لظرف خاص يحيط به بحيث لو ذهب ذلك الظرف لندم على بيعها أو شرائها، ويعقب ذلك الندم غيظ فضغينة وحقد وتخاصم وتنازع إلى غير ذلك من الشرور والمفاسد التي يحذر منها الدين ويمقتها كل المقت.
فمن أجل ذلك جعل الشارع للعاقد فرصة يحتاط فيها لنفسه، ويزن فيها سلعته في جو هادئ كي لا يكون له عذر في الندم بعد ذلك، على أنه قيد ذلك بشروط تحفظ للعقد قيمته، فلا يكون عرضة للنقض والإبطال بدون سبب صحيح فقال: إن الخيار في العقد لا يصح إلا بأمرين: (١) . الحواشي
(١) الشافعية - قالوا: يثبت خيار المجلس بعد تمام العقد بدون شروط الخيار، بل لو اشترط العاقد عدم الخيار بطل البيع لأنه شرط يقتضي العقد عدمه، لأن الخيار في المجلس ثبت بالنص لا بالاجتهاد فأصبح من مقتضى العقد، وكل شرط لا يقتضيه العقد فهو باطل، والخيار إما أن يكون لدفع الضرورة وهو خيار النقض، وإما أن يكون للتروية وله سببان: المجلس والشرط فأقسامه ثلاثة.
ويثبت خيار المجلس عندهم في كل عقد توفرت فيه خمسة قيود:
الأول: أن يكون عقد معاوضة أي محتو على عوض من المتعاقدين، فخرج بذلك الهبة بدون عوض لأنها ليست عقد معاوضة كما هو ظاهر. فلا خيار فيها بعد.
أما قبله فللواهب الرجوع وكذا بعده، أو كان أصلاً فيما وهببه لفرعه. وكذلك خرج صلح الحطيطة وهو الصلح من الشيء على بعضه، كأن يصطلح معه على أن يحط له شيئاً مما عليه فإنه لا معاوضة فيه فلا خيار فيه.
الثاني: أن يفسد العقد بفساد العوض. وذلك كأن يبيع له عنياً ليست مملوكة له، فإن أحد العوضين وهو المبيع في هذه الحالة فاسد، فالبيع فاسد بفساد العوض فيصح الخيار في كل عقد يفسدстр. 807
_________
بفساد عوضه فإنه لا خيار فيه وذلك كالنكاح والخلع فلو تزوجها على مال مملوك للغير لم يفسد العقد وعليه مهر المثل، وكذا لو خالعته على مال ليس مملوكاً لها فإن الخلع لا يفسد وعليها القيمة.
الثالث: أن تكون المعاوضة واقعة على عين لازمة من الجانبين أو على منفعة مؤبدة بلفظ البيع والأول كالثمن والمثمن من البائع والمشتري. والثاني كأن يبيع لجاره حق وضع الخشب على حائطه، فإنه بيع منفعة مؤبدة.
وخرج بقوله: عين لازمة من الجانبين الشركة والقراض. لأن كلاً منهما جائز من الجانبين. وكذلك خرج الرهن لأن العين فيه وإن كانت لازمة ولكن من جانب واحد، أما الجانب الآخر فله أن يسترد العين المرهونة بسداد ما عليه، وكذا خرج به ما كانت لمعاوضة فيه واقعة على منفعة غير لازمة كالإجارة والمساقاة. فكل هذه لا خيار فيها.
الرابع: أن لا يكون في المعاوضة تملك قهري خرج به الشفعة، لأن التملك فيها بالقهر والإجبار فلا معنى للخيار فيها، وبعضهم يقول: إن الخيار ثابت في الشفعة للشفيع، بمعنى أن له الخيار في رد العين التي ملكها بالشفعة أو إمساكها.
الخامس: أن تكون المعاوضة غير جارية مجرى الرخص كالحوالة والقسمة لعدم ظهور البيع فيهما.
وبهذا الضابط يتيسر عد العقود التي يقبت فيها خيار المجلس كالآتي: عقد البيع المطلق، والسلم، والهبة بشرط العوض، وبيع الطعام يسمى بيعاً ربوياً.
والتولية: أو صلح المعاوضة على غير منفعة كأن يصطلحا على أن كلاً منهما يدفع لصاحبه مالاً بدون أن يشترط منفعة مقابلة.
أما إذا اشترط منفعة فإن العقد يكون إجارة لا بيعاً، وذلك كأن يقول له: صالحتك من الدراهم التي لي عليك على أن أسكن في دارك سنة مثلاً فمثل هذا إجارة لا خيار فيه على الصحيح، وهكذا كل عقد معاوضة توفرت فيه القيود التي ذكرت فإنه يثبت فيه خيار المجلس، أما العقود التي لم تتوفر فيها الشروط فيمكن عدها كالآتي أيضاً: النكاح، والخلع، والإجارة، والهبة بلا عوض، صلح
стр. 808
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الحطيطة، الشفعة، المساقاة، الشركة، القراض، الرهن، الإجارة. وهكذا كل عقد لم تتوفر فيه القيود التي ذكرت.
ويسقط خيار المجلس بأمرين:
الأول: ذكر ما يدل صريحاً على أنهما قد التزما عقد البيع كأن يقولا: اخترنا لزوم العقد، أو أمضيناه، أو أجزناه، أو أبطلنا الخيار. أو أفسدنا الخيار اختياراً لا كرهاً. أما إذا لم تكن صيغة إبطال الخيار صريحة كما إذا قالا: تخايرنا ولم يذكرا عقد البيع فإن ذلك يحتمل الفسخ والإمضاء فيصدق من ادعى أنه أراد تخايرنا فسخه على أن يحلف اليمين. وكما أن الخيار يسقط بذكر الصيغة التي تدل على نفاذ العقد يسقط كذلك بالتصرف في البيع في المجلس، فلو باع المشتري السلعة التي اشتراها للبائع بغير ثمنها كان ذلك إجارة تسقط الخيار. وإذا قال أحد المتعاقدين: اخترت لزم العقد ولم يقل الآخر، بطل خيار القائل فقط، وإذا اختار أحدهما لزوم العقد واختار الآخر فسخه قدم الفسخ.
الأمر الثاني: أن يتفرقا عن المجلس بأبدانهما، فمتى ترك المجلس واحد منهما وانصرف بطل الخيار، والمراد بالتفرق ما يعده الناس فرقة في عرفهم.
ويشترط في التفرق أن يكون بالاختيار، فإذا فرق بينهما كرهاً بسبب من الأسباب يبقى الخيار.
ومدة خيار المجلس غير محددة، فلو مكثا مكانهما أياماً كثيرة لم ينقطع الخيار، وإذا مات أحدهما أو جن انتقل الخيار لوراثة.
الحنابلة - قالوا: يثبت خيار المجلس للمتعاقدين، ولو لم يشترطاه ولو بعد تمام العقد، فلكل واحد منهما إمضاء العقد وفسخه ما داما في المجلس، ولو أقام شهراً أو أكثر إلا إذا تفرقا كرهاً. كما إذا حملهما على التفرق سبع ونحوه، أو ظالم طلع عليهما، ونحو ذلك، فإن التفرق في هذه الحالة لا يسقط الخيار، ومتى تم العقد وتفرقا لزم البيع. فليس لواحد منهما الفسخ إلا بعيب أو خيار شرط.
ويثبت خيار المجلس في أمور: الأول الشركة في ملكه في نظير أن يدفع له قسطاً من ثمنه المعلوم لأنها صورة من صور البيع، أما الشركة في غير ذلك فلا خيار فيها. الثاني الصلح على مال سواء كان عيناً أو نقداً لأنه بيع أيضاً. الثالث الإجارة على عين كدار أو حيوان. أو الإجارة على نفع في الذمة بأن استأجره لبناء حائط أو خياطة ثوب، لأن الإجارة نوع من البيع. الرابع الهبة بشرط العوض. الخامس كل عقد بيع قبضه شرط في صحته، فيثبت في الصرف لأنه يشترط في صحته القبض، والسلم، وبيع المكيل والموزون بمثلهما. ولا خيار في قسمة الإجبار لأنهما إفراز حق لا بيع، كما لا خيار في المجلس في بقية العقود كالمساقاة، والمزارعة، والحوالة، والإقالة، والشفعة، والجعالة، والشركة، والوكالة، والمضاربة، والعارية، والهبة بغير عوض، والوصية قبل الموت، والوديعة، والنكاح، والخلع، والرهن، والضمان، والكفالة، فلا يثبت خيار المجلس في شيء من ذلك، وشرط عدم الخيار لا يبطل العقد وإنما يسقط الخيار فقط.стр. 809
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ويسقط الخيار المجلس بأربعة أمور: الأول أن يشترطا عدم الخيار قبل تمام العقد كأن يقولا: تبايعنا على أن لا خيار بيننا، أو يقول أحدهما: بعتك على أن لا خيار بيننا فيقول الآخر: قبلت ولو لم يزد على ذلك فإنه في هذه الحالة يسقط الخيار.
والثاني: أن يسقطا الخيار بعد تمام العقد كأن يقول كل منهما: اخترت إمضاء العقد أو التزامه، وإذا أسقطه أحدهما أو قال لصاحبه: اختر، سقط خياره وبقي خيار صاحبه.
الثالث: أن يتفرقا عن المجلس بأبدانهما عرفاً، فإذا فارق احدهما صاحبه لزم، سواء قصد بالمفارقة لزوم البيع أو قصد حاجة أخرى، ولكن تحرم الفرقة بغير إذن صاحبه بقصد لزوم البيع وعدم فسخه، لما في الحديث من أنه: "لا يحل لأحد المتبايعين أن يفارق صاحبه خشية أن يستقبله" رواه النسائي.
والرابع: موت أحد المتعاقدين فإنه يبطل خيارهما لأنه أعظم فرقة. وكذا يبطل خيارهما إذا هرب أحدهما من صاحبه، أما إذا جن إحدهما أو أغمي عليه فلا يسقط خياره.
الحنفية - قالوا: خيار المجلس لا يثبت للعاقد إلا بالشروط، فإذا تم العقد بينهما من غير شرط الخيار أصبح لازماً سواء أقاما بالمجلس أو تفرقاً، وإنما الذي للعاقد في المجلس بدون شرط هو خيار القول، فإذا قال للبائع: بعتك، فله أن يرجع قبل أن يجيبه المشتري كما تقدم.
ويحملون الحديث على هذا فيقولون: إن معنى الحديث أن لهما خيار المجلس بالشرط.
المالكية - قالوا: لا خيار في المجلس أصلاً بل الخيار ينقسم إلى قسمين:
الأول: خيار الشرط ويسمى الخيار الشرطي، وخيار التروي "النظر والتفكر في إمضاء العقد ورده" وهذا القسم هو الذي ينصرف إليه الخيار عند الإطلاق في عرف الفقهاء.
الثاني: خيار النقيصة ويسمى الخيار الحكمي، وسببه ظهور عيب في المبيع أو استحقاق للغير فيه.
أما حديث: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" فهو وإن كانت روايته صحيحة إلا أن عمل أهل المدينة كان على خلافه، وعمل أهل المدينة مقدم على الحديث وإن كان صحيحاً، لأنه في حكم المتواتر الموجب للقطع، بخلاف الحديث فإنه وإن كان صحيحاً لكنه خبر آحاد يفيد الظن، فالأول مقدم عليه.
وإذا شرط العاقد خيار المجلس في البيع فسد العقد، ومن هذا تعلم أن الحنفية والمالكية متفقون على أن لا خيار في المجلس: إلا أن الحنفية يقولون: إنه يثبت بالشرط والمالكية يقولون: إن شرطه يفسد البيعстр. 810
خيار الشرط
هو عبارة عن كون العاقد يبيع السلعة أو يشتريها بشرط أن يكون له الخيار في إمضاء العقد أو فسخه. فمعنى قولهم خيار الشرط: الخيار الثابت بالشرط، فيصح للمتبايعين أن يشترطا الخيار كما يصح لأحدهم. وكذلك يصح أن يشترطاه لأجنبي عنهما كأن يقول: اشتريت منك هذه السلعة على أن يكون الخيار لفلان، وفي ذلك تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) الشافعية - قالوا: خيار الشرط إما أن يكون للمتبايعين أو يكون لواحد منهما، أو يكون لأجنبي عنهما، فأما الأول فهو أن يتلفظ به كأن يقول المبتدي منهما: بعتك كذا بكذا بشرط أن يكون لي الخيار ثلاثة أيام، فيقول الثاني: اشتريت بذلك بشرط الخيار لك ثلاثة أيام فالشرط وقع في هذه الحالة من المتبايعين، وأما الثاني فهو أن يتلفظ المبتدي منهما بالشرط كأن يقول: بعتك كذا بكذا بشرط أن يكون لي الخيار ثلاثة أيام، فيقول الآخر: اشتريت على ذلك ولم يتلفظ بشرط الخيار، ولكن لا بد من أن يوافق عليه ولو بالسكوت، ويشترط في ذلك أن يكون المبتدي بالإيجاب أو القبول هو الذي يتلفظ بالشرط كأن يقول له بعتك كذا بشرط الخيار أو يقول المشتري: بعني كذا بشرط الخيار. أما إذا تلفظ به الثاني كما إذا قال البائع: بعتك كذا فقال: قبلت بشرط أن يكون لي الخيار، فإن العقد يبطل لعدم موافقة القبول للإيجاب. فإن الإيجاب في هذه الحالة مطلق والقبول مقيد بالإيجاب.
وأما الثالث فهو أن يشترطاه أو يشترطه أحدهما لأجنبي عنهما بشرط أن يكون مكلفاً كأن يقول: بعت هذه السلعة بكذا بشرط أن يكون الخيار لوالدي مثلاً، على أنه لا بد من تعيين المشروط له في الصور الثلاث، فلو قال: على أن يكون الخيار لأحدنا مثلاً فسد العقد لأنه لم يعين.
ومن شرط له الخيار كان له حق فسخ العقد وإمضائه، سواء كان البائع، أو المشتري، أو هما معاً، أو الأجنبي، فلا يصح أن يشترط الخيار له ثم يفسخ العقد غيره على المعتمد.
وإذا شرط الخيار لأجنبي عنه سقط خياره هو إلا أن يموت ذلك الأجنبي في زمن الخيار.
وإذا وكل أحد المتعاقدين شخصاً عنه فليس للوكيل أن يشترط الخيار للطرف الآخر إلا بأذن موكله فإن شرط ذلك بغير إذن موكله بطل العقد، أما بإذن موكله فله أن يشترط لموكله ولنفسه.
المالكية - قالوا: يصح الخيار بالشرط للبائع، وللمشتري، وللأجنبي عنهما، فإذا شرط الخيار لأجنبي كان هو صاحب القول في فسخ العقد وإمضائه، ولا كلام لمن شرط له الخيار، ومثل الخيارследующие страницы →