Полный текст (2 230 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
مباحث الخيار
معنى الخيار في البيع وغيره: طلب خير الأمرين منهما، والأمران في البيع الفسخ والإمضاء فالعاقد مخير بين هذين الأمرين.
والأصل في عقد البيع أن يكون لازماً متى استكمل شرائطه، ولكن قد عدل عن تلك في مسائل الخيار لحكمه جليلة وهي مصلحة العاقدين. فقد أباح الشارع الخيار استيفاء للمودة بين الناس. ودفعاً للضغائن والأحقاد من أنفسهمن إذ قد يشتري الواحد السلعة أو يبيعها لظرف خاص يحيط به بحيث لو ذهب ذلك الظرف لندم على بيعها أو شرائها، ويعقب ذلك الندم غيظ فضغينة وحقد وتخاصم وتنازع إلى غير ذلك من الشرور والمفاسد التي يحذر منها الدين ويمقتها كل المقت.
فمن أجل ذلك جعل الشارع للعاقد فرصة يحتاط فيها لنفسه، ويزن فيها سلعته في جو هادئ كي لا يكون له عذر في الندم بعد ذلك، على أنه قيد ذلك بشروط تحفظ للعقد قيمته، فلا يكون عرضة للنقض والإبطال بدون سبب صحيح فقال: إن الخيار في العقد لا يصح إلا بأمرين: (١) . الحواشي
(١) الشافعية - قالوا: يثبت خيار المجلس بعد تمام العقد بدون شروط الخيار، بل لو اشترط العاقد عدم الخيار بطل البيع لأنه شرط يقتضي العقد عدمه، لأن الخيار في المجلس ثبت بالنص لا بالاجتهاد فأصبح من مقتضى العقد، وكل شرط لا يقتضيه العقد فهو باطل، والخيار إما أن يكون لدفع الضرورة وهو خيار النقض، وإما أن يكون للتروية وله سببان: المجلس والشرط فأقسامه ثلاثة.
ويثبت خيار المجلس عندهم في كل عقد توفرت فيه خمسة قيود:
الأول: أن يكون عقد معاوضة أي محتو على عوض من المتعاقدين، فخرج بذلك الهبة بدون عوض لأنها ليست عقد معاوضة كما هو ظاهر. فلا خيار فيها بعد.
أما قبله فللواهب الرجوع وكذا بعده، أو كان أصلاً فيما وهببه لفرعه. وكذلك خرج صلح الحطيطة وهو الصلح من الشيء على بعضه، كأن يصطلح معه على أن يحط له شيئاً مما عليه فإنه لا معاوضة فيه فلا خيار فيه.
الثاني: أن يفسد العقد بفساد العوض. وذلك كأن يبيع له عنياً ليست مملوكة له، فإن أحد العوضين وهو المبيع في هذه الحالة فاسد، فالبيع فاسد بفساد العوض فيصح الخيار في كل عقد يفسدстр. 807
_________
بفساد عوضه فإنه لا خيار فيه وذلك كالنكاح والخلع فلو تزوجها على مال مملوك للغير لم يفسد العقد وعليه مهر المثل، وكذا لو خالعته على مال ليس مملوكاً لها فإن الخلع لا يفسد وعليها القيمة.
الثالث: أن تكون المعاوضة واقعة على عين لازمة من الجانبين أو على منفعة مؤبدة بلفظ البيع والأول كالثمن والمثمن من البائع والمشتري. والثاني كأن يبيع لجاره حق وضع الخشب على حائطه، فإنه بيع منفعة مؤبدة.
وخرج بقوله: عين لازمة من الجانبين الشركة والقراض. لأن كلاً منهما جائز من الجانبين. وكذلك خرج الرهن لأن العين فيه وإن كانت لازمة ولكن من جانب واحد، أما الجانب الآخر فله أن يسترد العين المرهونة بسداد ما عليه، وكذا خرج به ما كانت لمعاوضة فيه واقعة على منفعة غير لازمة كالإجارة والمساقاة. فكل هذه لا خيار فيها.
الرابع: أن لا يكون في المعاوضة تملك قهري خرج به الشفعة، لأن التملك فيها بالقهر والإجبار فلا معنى للخيار فيها، وبعضهم يقول: إن الخيار ثابت في الشفعة للشفيع، بمعنى أن له الخيار في رد العين التي ملكها بالشفعة أو إمساكها.
الخامس: أن تكون المعاوضة غير جارية مجرى الرخص كالحوالة والقسمة لعدم ظهور البيع فيهما.
وبهذا الضابط يتيسر عد العقود التي يقبت فيها خيار المجلس كالآتي: عقد البيع المطلق، والسلم، والهبة بشرط العوض، وبيع الطعام يسمى بيعاً ربوياً.
والتولية: أو صلح المعاوضة على غير منفعة كأن يصطلحا على أن كلاً منهما يدفع لصاحبه مالاً بدون أن يشترط منفعة مقابلة.
أما إذا اشترط منفعة فإن العقد يكون إجارة لا بيعاً، وذلك كأن يقول له: صالحتك من الدراهم التي لي عليك على أن أسكن في دارك سنة مثلاً فمثل هذا إجارة لا خيار فيه على الصحيح، وهكذا كل عقد معاوضة توفرت فيه القيود التي ذكرت فإنه يثبت فيه خيار المجلس، أما العقود التي لم تتوفر فيها الشروط فيمكن عدها كالآتي أيضاً: النكاح، والخلع، والإجارة، والهبة بلا عوض، صلح
стр. 808
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الحطيطة، الشفعة، المساقاة، الشركة، القراض، الرهن، الإجارة. وهكذا كل عقد لم تتوفر فيه القيود التي ذكرت.
ويسقط خيار المجلس بأمرين:
الأول: ذكر ما يدل صريحاً على أنهما قد التزما عقد البيع كأن يقولا: اخترنا لزوم العقد، أو أمضيناه، أو أجزناه، أو أبطلنا الخيار. أو أفسدنا الخيار اختياراً لا كرهاً. أما إذا لم تكن صيغة إبطال الخيار صريحة كما إذا قالا: تخايرنا ولم يذكرا عقد البيع فإن ذلك يحتمل الفسخ والإمضاء فيصدق من ادعى أنه أراد تخايرنا فسخه على أن يحلف اليمين. وكما أن الخيار يسقط بذكر الصيغة التي تدل على نفاذ العقد يسقط كذلك بالتصرف في البيع في المجلس، فلو باع المشتري السلعة التي اشتراها للبائع بغير ثمنها كان ذلك إجارة تسقط الخيار. وإذا قال أحد المتعاقدين: اخترت لزم العقد ولم يقل الآخر، بطل خيار القائل فقط، وإذا اختار أحدهما لزوم العقد واختار الآخر فسخه قدم الفسخ.
الأمر الثاني: أن يتفرقا عن المجلس بأبدانهما، فمتى ترك المجلس واحد منهما وانصرف بطل الخيار، والمراد بالتفرق ما يعده الناس فرقة في عرفهم.
ويشترط في التفرق أن يكون بالاختيار، فإذا فرق بينهما كرهاً بسبب من الأسباب يبقى الخيار.
ومدة خيار المجلس غير محددة، فلو مكثا مكانهما أياماً كثيرة لم ينقطع الخيار، وإذا مات أحدهما أو جن انتقل الخيار لوراثة.
الحنابلة - قالوا: يثبت خيار المجلس للمتعاقدين، ولو لم يشترطاه ولو بعد تمام العقد، فلكل واحد منهما إمضاء العقد وفسخه ما داما في المجلس، ولو أقام شهراً أو أكثر إلا إذا تفرقا كرهاً. كما إذا حملهما على التفرق سبع ونحوه، أو ظالم طلع عليهما، ونحو ذلك، فإن التفرق في هذه الحالة لا يسقط الخيار، ومتى تم العقد وتفرقا لزم البيع. فليس لواحد منهما الفسخ إلا بعيب أو خيار شرط.
ويثبت خيار المجلس في أمور: الأول الشركة في ملكه في نظير أن يدفع له قسطاً من ثمنه المعلوم لأنها صورة من صور البيع، أما الشركة في غير ذلك فلا خيار فيها. الثاني الصلح على مال سواء كان عيناً أو نقداً لأنه بيع أيضاً. الثالث الإجارة على عين كدار أو حيوان. أو الإجارة على نفع في الذمة بأن استأجره لبناء حائط أو خياطة ثوب، لأن الإجارة نوع من البيع. الرابع الهبة بشرط العوض. الخامس كل عقد بيع قبضه شرط في صحته، فيثبت في الصرف لأنه يشترط في صحته القبض، والسلم، وبيع المكيل والموزون بمثلهما. ولا خيار في قسمة الإجبار لأنهما إفراز حق لا بيع، كما لا خيار في المجلس في بقية العقود كالمساقاة، والمزارعة، والحوالة، والإقالة، والشفعة، والجعالة، والشركة، والوكالة، والمضاربة، والعارية، والهبة بغير عوض، والوصية قبل الموت، والوديعة، والنكاح، والخلع، والرهن، والضمان، والكفالة، فلا يثبت خيار المجلس في شيء من ذلك، وشرط عدم الخيار لا يبطل العقد وإنما يسقط الخيار فقط.стр. 809
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ويسقط الخيار المجلس بأربعة أمور: الأول أن يشترطا عدم الخيار قبل تمام العقد كأن يقولا: تبايعنا على أن لا خيار بيننا، أو يقول أحدهما: بعتك على أن لا خيار بيننا فيقول الآخر: قبلت ولو لم يزد على ذلك فإنه في هذه الحالة يسقط الخيار.
والثاني: أن يسقطا الخيار بعد تمام العقد كأن يقول كل منهما: اخترت إمضاء العقد أو التزامه، وإذا أسقطه أحدهما أو قال لصاحبه: اختر، سقط خياره وبقي خيار صاحبه.
الثالث: أن يتفرقا عن المجلس بأبدانهما عرفاً، فإذا فارق احدهما صاحبه لزم، سواء قصد بالمفارقة لزوم البيع أو قصد حاجة أخرى، ولكن تحرم الفرقة بغير إذن صاحبه بقصد لزوم البيع وعدم فسخه، لما في الحديث من أنه: "لا يحل لأحد المتبايعين أن يفارق صاحبه خشية أن يستقبله" رواه النسائي.
والرابع: موت أحد المتعاقدين فإنه يبطل خيارهما لأنه أعظم فرقة. وكذا يبطل خيارهما إذا هرب أحدهما من صاحبه، أما إذا جن إحدهما أو أغمي عليه فلا يسقط خياره.
الحنفية - قالوا: خيار المجلس لا يثبت للعاقد إلا بالشروط، فإذا تم العقد بينهما من غير شرط الخيار أصبح لازماً سواء أقاما بالمجلس أو تفرقاً، وإنما الذي للعاقد في المجلس بدون شرط هو خيار القول، فإذا قال للبائع: بعتك، فله أن يرجع قبل أن يجيبه المشتري كما تقدم.
ويحملون الحديث على هذا فيقولون: إن معنى الحديث أن لهما خيار المجلس بالشرط.
المالكية - قالوا: لا خيار في المجلس أصلاً بل الخيار ينقسم إلى قسمين:
الأول: خيار الشرط ويسمى الخيار الشرطي، وخيار التروي "النظر والتفكر في إمضاء العقد ورده" وهذا القسم هو الذي ينصرف إليه الخيار عند الإطلاق في عرف الفقهاء.
الثاني: خيار النقيصة ويسمى الخيار الحكمي، وسببه ظهور عيب في المبيع أو استحقاق للغير فيه.
أما حديث: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" فهو وإن كانت روايته صحيحة إلا أن عمل أهل المدينة كان على خلافه، وعمل أهل المدينة مقدم على الحديث وإن كان صحيحاً، لأنه في حكم المتواتر الموجب للقطع، بخلاف الحديث فإنه وإن كان صحيحاً لكنه خبر آحاد يفيد الظن، فالأول مقدم عليه.
وإذا شرط العاقد خيار المجلس في البيع فسد العقد، ومن هذا تعلم أن الحنفية والمالكية متفقون على أن لا خيار في المجلس: إلا أن الحنفية يقولون: إنه يثبت بالشرط والمالكية يقولون: إن شرطه يفسد البيعстр. 810
خيار الشرط
هو عبارة عن كون العاقد يبيع السلعة أو يشتريها بشرط أن يكون له الخيار في إمضاء العقد أو فسخه. فمعنى قولهم خيار الشرط: الخيار الثابت بالشرط، فيصح للمتبايعين أن يشترطا الخيار كما يصح لأحدهم. وكذلك يصح أن يشترطاه لأجنبي عنهما كأن يقول: اشتريت منك هذه السلعة على أن يكون الخيار لفلان، وفي ذلك تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) الشافعية - قالوا: خيار الشرط إما أن يكون للمتبايعين أو يكون لواحد منهما، أو يكون لأجنبي عنهما، فأما الأول فهو أن يتلفظ به كأن يقول المبتدي منهما: بعتك كذا بكذا بشرط أن يكون لي الخيار ثلاثة أيام، فيقول الثاني: اشتريت بذلك بشرط الخيار لك ثلاثة أيام فالشرط وقع في هذه الحالة من المتبايعين، وأما الثاني فهو أن يتلفظ المبتدي منهما بالشرط كأن يقول: بعتك كذا بكذا بشرط أن يكون لي الخيار ثلاثة أيام، فيقول الآخر: اشتريت على ذلك ولم يتلفظ بشرط الخيار، ولكن لا بد من أن يوافق عليه ولو بالسكوت، ويشترط في ذلك أن يكون المبتدي بالإيجاب أو القبول هو الذي يتلفظ بالشرط كأن يقول له بعتك كذا بشرط الخيار أو يقول المشتري: بعني كذا بشرط الخيار. أما إذا تلفظ به الثاني كما إذا قال البائع: بعتك كذا فقال: قبلت بشرط أن يكون لي الخيار، فإن العقد يبطل لعدم موافقة القبول للإيجاب. فإن الإيجاب في هذه الحالة مطلق والقبول مقيد بالإيجاب.
وأما الثالث فهو أن يشترطاه أو يشترطه أحدهما لأجنبي عنهما بشرط أن يكون مكلفاً كأن يقول: بعت هذه السلعة بكذا بشرط أن يكون الخيار لوالدي مثلاً، على أنه لا بد من تعيين المشروط له في الصور الثلاث، فلو قال: على أن يكون الخيار لأحدنا مثلاً فسد العقد لأنه لم يعين.
ومن شرط له الخيار كان له حق فسخ العقد وإمضائه، سواء كان البائع، أو المشتري، أو هما معاً، أو الأجنبي، فلا يصح أن يشترط الخيار له ثم يفسخ العقد غيره على المعتمد.
وإذا شرط الخيار لأجنبي عنه سقط خياره هو إلا أن يموت ذلك الأجنبي في زمن الخيار.
وإذا وكل أحد المتعاقدين شخصاً عنه فليس للوكيل أن يشترط الخيار للطرف الآخر إلا بأذن موكله فإن شرط ذلك بغير إذن موكله بطل العقد، أما بإذن موكله فله أن يشترط لموكله ولنفسه.
المالكية - قالوا: يصح الخيار بالشرط للبائع، وللمشتري، وللأجنبي عنهما، فإذا شرط الخيار لأجنبي كان هو صاحب القول في فسخ العقد وإمضائه، ولا كلام لمن شرط له الخيار، ومثل الخيارстр. 811
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الرضا فمن اشترى سلعة أو باعها لفلان على أن يكون الخيار لغيره في فسخ العقد، وإمضائه لزمه ذلك ولا كلام له في الخيار، وكذا إذا علق البيع على رضاء الغير كأن قال: بعته لك أو اشتريته منك بكذا إن رضي فلان فإنه يصبح الكلام في الرضا لفلان دون العاقد، وهذا هو المعتمد. أما إذا علقه على مشورة فلان كأن يقول: بعت كذا أو اشتريته على مشورة فلان فإن الخيار في هذه الحالة يكون للعاقد، فله أن يستبد بإمضاء العقد أو فسخه بدون رأي من علق المشورة عليه، والفرق بين الصيغتين: أن من شرط لغير الاختيار أو الرضا فقد تنازل عن اختيار نفسه ورضاه، أما من علق المشورة فإنه جعل لنفسه حق التكلم مع الاعتضاد برأي غيره فله أن يستقل بالرأي.
وإذا وكل العاقد غيره فاشترى له سلعة بشرط الخيار كان شريكاً له في الخيار. وينفذ تصرف السابق منهما إلا إذا قبض الثاني، ويشترط لصحة الخيار أن لا يقبض البائع الثمن على المعتمد كما سيأتي.
الحنفية - قالوا: يصح خيار الشرط للمتبايعين، ولأحدهما، وللأجنبي عنهما.
فإذا شرط أحد المتعاقدين - البائع والمشتري - الخيار لأجنبي لم يسقط خياره هو بل يكون شريكاً للأجنبي في الخيار، فإذا أجاز الأجنبي العقد أو نقضه ووافقه العاقد الذي أنابه صح ذلك بلا نزاع، أما إذا لم يوافقه كأن أجاز النائب وفسخ الأصيل فإنه يعمل برأي الذي سبق أولاً، وإن كان الفسخ أقوى من اجازة في ذاته، لأن تصرفه وقع بدون أن يزاحمه أحد أما إذا تكلما معاً ولم يعلم أيهما أسبق بالكلام؛ فالفسخ مقدم على الإمضاء في هذه الحالة على الصحيح.
ويصح شرط الخيار من الوكيل، فإذا وكل شخص آخر في أن يشتري له سلعة بدون أن يأمره باشتراط الخيار فاشتراها بشرط الخيار لموكله، أو له هو، أو لأجنبي منهما صح الشرط أما إذا أمره بأن يشتري له بشرط الخيار للآمر فشرطه لنفسه فلا يصح الشرط. وإذا اشتراه في هذه الحالة بدون خيار أصلاً نفذ البيع على الوكيل لا على الآمر، وإذا أمره، أن يبيع بخيار فباع بدونه فإن البيع يبطل رأساً في هذه الحالة.
ويصح شرط الخيار عند الحنفية في كل عقد لازم يحتمل الفسخ، سواء كان لازماً من جانب واحد أو من الجانبين. فخرج بقوله لازم الوصية فإنها عقد غير لازم لأن للموصي الرجوع فيها ما دام حياً، وللموصى له القبول وعدمه فلا معنى للخيار فيها. ومثل الوصية العارية، والوديعة. وخرج بقوله يحتمل الفسخ العقود اللازمة التي لا تحتمل الفسخ. كالنكاح والطلاق والخلع بلا مال وقد يقال إن النكاح أيضاً يحتمل الفسخ، لأنه يفسخ بعدم الكفاءة والبلوغ والعتق والردة والجواب أن فسخه بعدم الكفاءة والبلوغ والعتق إنما هو قبل تمام العقد. أما بعد تمام العقد فإن النكاح لازم لا يحتمل الفسخ. وأما فسخه بالردة فهو وإن كان بعد التمام ولكنه لم يكن برضا العاقدين، والكلام فيما يحتمل الفسخ برضاهما لا فيما يثبت تبعاً، ويمكن حصر العقود التي يصح فيها خيار الشرط في ستة عشر:
الأول الإجارة، فإنه عقد لازم يحتمل الفسخ. الثاني المزارعة. الثالث المساقاة لأنهما إجارة.стр. 812
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الرابع القسمة لأنها بيع من وجه كما ستعرفه في بابها إن شاء الله. الخامس الصلح عن مال. السادس الخلع على مال إذا شرطت الخيار الزوجة، لأن الخلع في هذه الحالة عقد لازم من جانب الزوج لا من جانبها هي، فإن العوض من جانب الزوج اليمين وهو لا حتمل الفسخ، أما العوض من جانب الزوجة فهو المال، وهو يحتمل الفسخ، فصح اشتراط الخيار لها، السابع الرهن إذا شرطه الراهن لأنه وإن كان عقداً لازماً يحتمل الفسخ ولكنه لازم من جانب الراهن، أما المرتهن فليس بلازم من جانبه أصلاً، لأن له أن يسترد المرهون متى شاء فلا معنى لاشتراط الخيار من جانبه. الثامن الكفالة بنفس أو مال، ويصح الخيار فيها للمكفول له وللكفيل. التاسع الحوالة ويصح للمحتال أو المحال عليه، لأن الحوالة تتوقف على رضاء المحال عليه فله شرط الخيار، ويصح شرط الخيار في الكفالة والحوالة أكثر من ثلاثة أيام عند أبي حنيفة، لأنه قد استثناهما من المدة المقررة عنده. العاشر الإبراء من الدين، فلو قال: أبرأتك على أني بالخيار صح، ونقل بعضهم أن شرط الخيار في الإبراء باطل، الحادي عشر الشفعة، الثاني عشر الوقف عن
أبي يوسف، أما عند أبي حنيفة فإنه غير لازم فلا معنى لاشتراط الخيار فيه، وعند محمد فهو وإن كان يقول بلزومه لكنه اشترط أن لا يكون فيه خيار شرط وسيأتي بيان ذلك في بابه، الثالث عشر الكتابة على مال، الرابع عشر العتق على مال، الخامس عشر الإقالة، السادس عشر البيع.
وأما العقود التي لا يصح فيها خيار الشرط فهي عشرة وهي:
-١ - النكاح. ٢ - الطلاق على مال ومثله بلا مال أيضاً. ٣ - اليمين. ٤ - النذر. ٥ - الصرف. ٦ - السلم. ٧ - الإقرار، فإذا أقر بشيء لا يقبل الخيار على أنه كان له الخيار فيه فإنه يلزم بإقراره بدون خيار، سواء صدقه المقرر له في الخيار أو لا، أما إذا أقر بشيء يقبل شرط الخيار كما إذا أقر بعقد بيع وقع له الخيار فإنه يصح باعتبار العقد لا باعتبار الإقرار، لأن الإقرار في ذاته لا يقبل الخيار، وإنما يصح إذا صدقه الطرف الثاني، أو برهن على قوله. ٨ - الوكالة. ٩ - الوصية. ١٠ - الهبة بلا عوض.
الحنابلة - قالوا: يثبت خيار الشرط في صلب العقد قبل أن يصبح لازماً كأن يتفرقا من المجلس بعد تمام العقد بدون شرط، فإذا أصبح العقد لازماً سقط خيار الشرط.
ويصح شرط الخيار للمتبايعين، أو لأحدهما، أو لأجنبي عنهما فيصح أن يشترط أحد العاقدين الخيار لنفسه أو لغيره بشرط أن لا يخرج نفسه، فلو قال: جعلت الخيار لزيد دوني لم يصح الشرط، لأن الخيار شرع لمنفعة العاقدين ولاحظ للأجنبي فيه، فلا يصح أن ينفرد بالشرط، فإن قال: جعلت الخيار لزيد ولم يقل دوني فإنه يصح، وكذا إذا شرطه لنفسه ولزيد كأن قال: اشتريت أو بعت على أن يكون الخيار لي ولزيد فإنه يصح: ويكون اشتراطاً لنفسه أصالة وتوكيلاً لزيد فيه، فيكون لكل واحد من الأصيل أو الوكيل فسخ العقد وإمضاءه.
وإذا وكل شخص آخر في أن يشتري له سلعة فاشتراها بشرط الخيار ثبت الخيار للموكل، فإذاстр. 813
مدة خيار الشرط
في مدة الخيار الشرط اختلاف المذاهب (١) . الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: ينقسم خيار الشرط بالنسبة للمدة إلى ثلاثة أقسام:
الأول فاسد باتفاق، وهو نوعان: النوع الأول أن يذكر مدة مجهولة كأن يقول اشتريت على أني بالخيار أياماً أو أبداً. النوع الثاني أن يطلق الخيار بأن لم يقيده بمدة أصلاً كأن يقول: اشتريت على أني بالخيار ولم يذكر مدة ما، على ان إطلاق الخيار مفسده إذا كان مقارناً للعقد كما في المثال، أما إذا لم يكن مقارناً بأن باع له سلعة بدون خيار ثم لقيه بعد مدة وقال له: أنت بالخيار ولم يعين زمناً فله الخيار ما دام في المجلس الذي خيره فيه ومن هذا تلعم أنه لا يشترط عندهم اتصال شرط الخيار بالعقد، بل ينفع بعده ولو بمدة طويلة، أما قبله كأن يقول البائع: جعلتك بالخيار في البيع الذي نعقده ثم اشترى منه بعد ذلك بدون خيار اكتفاء بالشرط الأول، فإنه لا يثبت له شرط الخيار.
الثاني: جائز باتفاق، وهو أن يذكر مدة ثلاثة ايام فما دونها.
الثالث: مختلف فيه وهو أن يقول: على أنني بالخيار شهراً أو شهرين، فأبو حنيفة يقول: إنه شرط فاسد، وأبو يوسف ومحمد يقولان إنه جائز.
فإذا شرط الخيار أكثر من ثلاثة أيام فإنه يصح عندهما إذا عين مدة معلومة، ولا يصح عند أبي حنيفة ويصير العقد فاسداً أو موقوفاً، فلكل من البائع والمشتري أن يفسخه غلا إذا أجاز العقد من له الخيار أثناء الأيام الثلاثة ولو في الليلة الرابعة؛ فإنه في هذه الحالة ينقلب صحيحاً.
ومثل خيار الشرط في هذا خيار النقد، وهو أن يشتري سلعة على أن يردها إن لم يدفع ثمنها إلى ثلاثة أيام فإن هذا الشرط صحيح، فإن لم يدفع ثمنها فسد البيع. وعليه رد السلعة إن بقيت على حالها، أما إذا تصرف فيها كأن باعها ولم يدفع ثمنها في الموعد فإن البيع الأول ينفذ وعليه الثمن، وإذا نقصت قيمة السلعة عنده كان بائعها مخيراً بين أخذها من النقصان ولا شيء له من الثمن وبين أخذ الثمن. أما إذا اشترى السلعة على أنه لم يدفع ثمنها إلى أربعة أيام ينحل البيع فإنه لا يصح عند أبي حنيفة، ويقع العقد فاسداً أو موقوفاً لكل منهما حق فسخه إلا إذا دفع الثمن أثناء الأيام الثلاثة فإن العقد ينقلب صحيحاً. وللبائع خيار النقد كالمشتري، فإذا باع سلعة وقبض ثمنها على أنه إن رده إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما صح الشرط، أما إلى أربعة أيام فلا، كما ذكر أولاً.
المالكية - قالوا: تنقسم مدة خيار الشرط بالنسبة للمبيع إلى أربعة أقسام:
الأول: الخيار في بيع العقار وهي الأرض وما يتصل بها من بناء أو شجر، والخيار في هذا يمتد إلى ستة وثلاثين يوماً. أو ثمانية وثلاثين يوماً على الأكثر، فإن زاد على ذلك فسد العقد، ولا فرق فيстр. 814
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ذلك بين أن يكون الخيار لاختيار حال المبيع أو للتروي في الثمن. وذلك هو رأي جمهور أهل المذاهب خلافاً لمن قال: إن الخيار إذا كان للتروي فهو ثلاثة أيام.
الثاني: الخيار في عروض التجارة كالثياب ونحوها. والخيار في هذه من ثلاثة أيام إلى خمسة، فإذا زاد عليها فسد العقد.
الثالث: الدواب وفيها تفصيل: لأنها إما أن تكون من الدواب التي ليس من شأنها أن تركب كالبقر والغنم والطيور، والخيار في هذه من ثلاثة أيام إلى خمسة كالخيار في عروض التجارة، أما الدواب التي من شأنها أن تركب فإن كان الخيار فيها لمعرفة رخصها وغلائها وسمنها مع معرفة ركوبها أيضاً ونحو ذلك فهو من ثلاثة أيام إلى خمسة أيضاً، وإن كان الخيار فيها لمعرفة حال ركوبها فلا يخلو: إما أن يكون ذلك في البلد أو خارج البلد، فإن كان في البلد فالخيار فيها يومان لا أكير.
وإن كان خارج البلد فالخيار فيها مسافة بريدين لا أكثر، وبعضهم يقول: إن الخيار في الدواب ثلاثة أيام وما يقرب من الثلاثة مطلقاً، سواء كان الخيار للركوب أو لغيره. أما اليوم والبريد فهو مخصوص بالركوب.
الرابع: الخيار في الرقيق وهو من ثمانية أيام إلى عشرة.
وكما يفسد البيع بشرط الخيار أكثر من المدة المقررة في كل ما ذكر. فإنه يفسد أيضاً بشرط مدة مجهولة كما إذا قال: أبيعك على أن لي الخيار إلى أن تمطر السماء، أو إلى أن يقدم زيد المسافر ولم يعلم أمد قدومه.
ويصح شرط الخيار بعد تمام عقد البيع "بتة" كما يصح ابتداء قبل البت، فإذا باع شخص لآخر سلعة وبعد تمام البيع جعل البائع الخيار للمشتري في هذا البيع أو جعل المشتري الخيار للبائع كأن قال له: أنت بالخيار في إمضاء هذا البيع ورده، فإن ذلك يصح ويكون بيعاً جديداً مستأنفاً، فكأن البائع قال للمشتري: بعتك هذه السلعة على أن يكون الخيار لك إذا كان الخيار من قبل البائع وكأن المشتري قال للبائع: اشتر مني هذه السلعة على أنك بالخيار إذا كان الخيار من قبل المشتري، ولكن يشترط في صحة بيع الخيار بعت بت العقد أن يكون المشتري قد دفع الثمن للبائع على المعتمد، أما إذا لم يكن قد دفع له الثمن فإنه لا يصح، لأن الثمن يكون حينئذ ديناً في ذمة المشتري فأخذ في نظيره سلعة بخيار، وهذه السلعة يحتمل ردها إذا فسخ العقد، فيكون البائع حينئذ قد فسخ ما وجب له في نظير مؤخر غير ثابت وهو غير جائز، ويكون ضمان المبيع في حالة الخيار بعد تمام العقد على المشتري، لأنه بيع جديد كما علمت، فمال يوجد في المبيع يكون المشتري مسؤولاً عنه، سواء جعل المشتري الخيار للبائع أو العكس.
الشافعية - قالوا: مدة الخيار ثلاثة أيام فأقل بشرط أن تكون متصلة بشرط الخيار، وأن تكون متوالية، فإذا اشترط مدة مجهولة كأن قال: لي الخيار أياماً أو أبداً بطل العقد، وكذا إذا لم تتصل المدةстр. 815
مبحث هل يخرج المبيع عن ملك البائع في زمن الخيار ؟
لا يخرج المبيع في زمن الخيار عن ملك البائع عند بعض الأئمة، ويخرج عند البعض الآخر، لكن في كل ذلك تفصيل مبين في هامش الصحيفة (١) . الحواشي
(١) الحنابلة - قالوا: ينتقل الملك في زمن الخيارين: خيار الشرط، وخيار المجلس إلى المشتري ويخرج عن ملك البائع، سواء كان الخيار للمتعاقدين أو لأحدهما بائعاً أو مشترياً، فإذا تلف المبيع في زمن الخيارين أو نقصت قيمته بعيب فلا يخلو: إما أن يكون قد بيع بكيل أو وزن أو عدد أو ذرع أو لا، فإن كان الأول فإن ضمانه يكون على المشتري إذا قبضه واستلمه، لأنه ملكه وقد وضع عليه يده فيكون مسؤولاً عنه، أما إذا لم يقبضه فإن ضمانه يكون على البائع. وإن كان الثاني فإن ضمانه يكون على المشتري في حالتين: الأولى أن يستلمه ويقبضه بالفعل. الثاني: أن لا يستلمه ولكن لم يمنعه البيع من استلامه وقبضه، وأما إذا أراد استلامه فمنعه البائع فإن البائع يكون مسؤولاً عنه.
وإذا تلف المبيع في يد المشتري بطل خياره واستقر الثمن في ذمته.
ويترتب على انتقال الملك إلى المشتري آثار الملك الأخرى، فيكون مكلفاً بمؤونة الحيوان الذي اشتراه ونحوه. وإذا حلف لا يبيع أو لا يشتري فباع أو اشترى بشرط الخيار فإنه يحنث لوجود صفة البيع والشراء. وكما ينتقل ملك المبيع للمشتري، فكذلك ينتقل الملك في الثمن للبائع وليس للشفيع الأخذ بالشفعة في مدة الخيار وإن كان الملك قد انتقل للمشتري لأن شرط الخيار منعه من التصرف فيهстр. 816
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) باختياره، فأصبح بذلك ملكه قاصراً. فإذا اشترى شخص داراً من آخر أن يكون له الخيار، فليس للشفيع أن يأخذها بالشفعة حتى تمضي مدة الخيار.
وما ينتج عن المبيع فيه تفصيل: لأنه إما أن يكون منفصلاً عنه أو متصلاً به، فإن كان منفصلاً عنه كثمرة وولد ولبن فإنه يكون للمشتري ولو كان في يد البائع، وإذا تلف عند البائع بدون تعد ولا تفريط لا يضمنه للمشتري، لأنه أمانة عند البائع لا يضمنها إلا إذا فرط فيها أو تعدى عليها.
الشافعية - قالوا: يخرج المبيع من ملك البائع إذا انفرد أحد المتبايعين بالخيار، فإن كان الخيار للبائع لم يخرج المبيع عن ملكه، وإن كان للمشتري خرج المبيع عن ملكه للمشتري وإن كان الخيار لهما معاً كان الملك موقوفاً، فإن تم البيع ظهر أن الملك للمشتري، من حين العقدن وإن فسخ اعتبر كأنه لم يخرج عن ملك البائع، لا فرق في ذلك بين خيار الشرط وخيار المجلس.
ثم إن الفوائد المتحصلة من المبيع سواء كانت منفصلة كاللبن، أو متصلة كالحمل الحادث في زمن الخيار تكون لمن انفرد بالخيار من بائع أو مشتر، وتكون موقوفة إذا كان الخيار لهما معاً يستحقها من يظهر له الملك. أما الحمل الموجود قبل الخيار فهو مبيع مع أمه فحكمه حكمها، والفوائد المتحصلة غير الحمل تتبع الأصل في رد المبيع وإمضائه.
وإذا تلف المبيع بآفة سماوية في زمن الخيار فلا يخلو: إما أن يكون التلف قبل القبض أو بعده فإن كان قبل القبض انفسخ البيع على أي حال، سواء كان الخيار لهما أو لواحد منهما، وإن كان القبض فلا يخلو: إما أن يكون الخيار للبائع، أو للمشتري أو لهما، فإن كان الخيار للبائع انفسخ البيع أيضاً ويسترد المشتري الثمن، ويرجع عليه البائع بالقيمة بأن يأخذ منه فرق الثمن إذا كان الثمن زائداً على القيمة، وإن كان للمشتري أو لهما يبقى الخيار، فإن تم العقد بأن أجازه المشتري الثمن، وإن لم يجزه لزمته القيمة.
الحنفية - قالوا: الخيار إما أن يكون للبائع، أو للمشتري، أو لهما.
فالأول وهو ما إذا كان الخيار للبائع، فإن المبيع لا يخرج ملك البائع باتفاق. أما الثمن فإنه يخرج عن ملك المشتري باتفاق، وهل يدخل في ملك البائع خلاف: وفي هذه الحالة إما أن يقبضه المشتري أو يتركه في يد البائع، فإن قبضه وهلك في يده فإنه يكون ملزماً بقيمته للبائع، وتعتبر قيمته من يوم قبضه لا من يوم هلاكه، فعلى المشتري في هذه الحالة أن يدفع المبيع للبائع سواء زادت عنه أو نقصت. ولا فرق في ذلك بين أن يهلك من بقاء البيع أو فسخه، فلو فسخ البائع البيع في مدة الخيار وبقي المبيع في يد المشتري ثم هلك، كان المشتري ملزماً بقيمته أياً كانت. أما إذا مضت مدة الخيار ولم يفسخ البيع ثم هلك المبيع فيكون ملزماً بثمنه لا قيمته لسقوط الخيار بانتهاء المدة واستقرار البيع وإذا طرأ على المبيع عيب وهو في يد البائع فنقصت قيمته فإن خياره لا يفسد، لأن ذلك العيب لم يكن بفعله فلا يكون مسؤولاً عنه. وللمشتري الخيار في هذه الحالة، فإن شاء أخذ المبيع بثمنه، وإن شاءстр. 817
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فسخ البيع. أما إذا كان النقص بفعل البائع فإنه يكون مسؤولاً عنه، فيقبض من ثمنه بقدر ما أصابه من النقص. وإذا هلك المبيع في يد البائع من كون الخيار له انفسخ البيع، ولا شيء على البائع ولا على المشتري.
الثاني: وهو ما كان الخيار فيه للمشتري أو لأجنبي، وحكمه أن الثمن لا يخرج عن ملك المشتري باتفاق. والمبيع يخرج عن ملك البائع باتفاق ولكن هل يدخل المبيع في ملك المشتري بعد خروجه من ملك البائع أو لا؟ خلاف. فأبو حنيفة يقول: إنه لا يدخل في ملك المشتري، لأنه لو دخل في ملكه من كون الثمن مملوكاً له أيضاً للزم عليه اجتماع البدلين في ملك أحد المتعاقدين، وذلك لا أصل له في الشرع في المعاوضة، لأنها تقتضي المساواة بين المتعاقدين في تبادل ملك المبيع والثمن. والصاحبان يقولان: إنه يدخل في ملك المشتري، لأنه لو لم يدخل لكان سائبة غير مملوك لحد، وأجيب بأنها ليست سائبة لأنه ملك البائع لا يزال متعلقاً به.
على أن عدم دخوله في ملك المشتري لا يمنع ترتب بعض آثار الملك عليه، فإن نفقته تجب على المشتري بالإجماع، وإذا تصرف المشتري فيه مدة الخيار جاز تصرفه ويكون ذلك إجازة منه. وسواء دخل في ملك المشتري أو لم يدخل، فإنه إذا قبضه وهلك مع كون الخيار للبائع يكون المشتري ملزماً بثمنه لا بقيمته عكس ما لو كان الخيار للبائع، لأنه إذا هلك مع كون الخيار للبائع يكون المشتري ملزماً بالقيمة كما ذكر آنفاً، والفرق بين الحالتين: أنه هلك في يد المشتري فإنه لا بد أن يتقدم هلاكه عيب من مرض ونحوه، وهذا العيب يمنع رده في هذه الحالة فينفذ ويهلك بعد أن يتقرر الثمن فيذمة المشتري. بخلاف ما إذا كان الخيار للبائع، فإن العيب الذي يتقدم هلاكه عادة لا يمنع البائع أن يسترده في زمن الخيار، فيبطل العقد بهلاكه فلم يتقرر الثمن فتثبت القيمة والفرق بين الثمن والقيمة: أن الثمن ما تراضى عليه المتعاقدان، سواء كان أكثر من قيمته أو أقل.
أما القيمة فهي ما قوم به الشيء من غير زيادة ونقصان.
وكذلك إذا طرأ عليه عيب، فإن كان مما يمكن زواله كالمرض ونحوه فإن زال في مدة الخيار فهو على خياره وإن لم يزل لزوم العقد، وإن كان مما لا يمكن زواله وكان في يد المشتري وكان له الخيار فإنه يلزم بثمنه لا بقيمته، بخلاف ما إذا كان الخيار للبائع فإنه يلزم بقيمته كما تقدم، ولا فرق بين أن يكون العيب حاصلاً بآفة سماوية، أو بفعل المشتري، أو بفعل أجنبي. واختلف فيما إذا كان بفعل البائع وكان الخيار للمشتري. فقال محمد: إن خيار المشتري يبقى على حاله، إن شاء أجاز البيع ويأخذ قيمة ما نقص وإن شاء رده. وقالا: إن البيع يلزم ويرجع المشتري على البائع بالقيمة إذا كان المبيع قيمياً كالحيوان والمتاع والأرض ونحو ذلك، فإن كان مثلياً كالفضة مثلاً وأحدث به البائع أو المشتري عيباً فإنه لا يحل له أخذ قيمة ما نقص منه لأنه يكون رباً، مثلاً إذا كان المبيع أسورة من فضة قبضها المشتري الذي له الخيار ثم كسرها البائع فإنه في هذه الحالة لا يحل للمشتري أن يأخذ قيمة ما نقصстр. 818
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) من ثمنها نقوداً، ولكن له الخيار في أن يمسك العين بلا مطالبة بالنقصان، أو يسلمها ويطالب بمثلها أو قيمتها كلها.
الثالث: وهو ما كان الخيار فيه لهما، وحكمه أنه لا يخرج شيء من المبيع والثمن عن ملك البائع والمشتري باتفاق، فإذا فسخ البيع واحد منهما في المدة انفسخ، وإذا أجازه أحدهما أصبح العقد لازماً بالنسبة له مع بقاء الآخر على خياره، وإذا لم يوجد إجازة ولا فسخ بل سكتا حتى انقضت مدة الخيار لزم البيع. وإذا أجاز أحدهما وفسخ الآخر البيع بينهما، سواء كان السابق الفسخأو الإجازة، وإذا هلك المبيع قبل أن يقبضه المشتري بطل البيع. وكذلك إذا هلك الثمن قبل أن يقبضه البائع إذا كان عيناً، ويبطل البيع أيضاً إذا هلك المبيع أو الثمن بعد القبض، ولكن يكون على من قبضه قيمته. ثم إن الزيادة الناشئة عن المبيع تكون موقوفة في مدة الخيار، فإن تم البيع كانت للمشتري، وإن لم يتم كانت للبائع. وسيأتي بيان ما يفسخ البيع فيها ولا يفسخ في مباحث خيار العيب.
المالكية - قالوا: لا يخرج المبيع عن ملك البائع في زمن الخيار على المعتمد، سواء كان الخيار للبائع، أو للمشتري، أو لهما معاً، أو لأجنبي. فإمضاء العقد ينقل المبيع من ملك البائع لملك المشتري، ثم لا يخلو: إما أن يكون الخيار للبائع أو للمشتري أو لهما، فإن كان الخيار للبائع وقبض المشتري المبيع وادعى أي مما يمكن إخفاءه مع وجوده سالماً كالثياب والحلي، فإنه يمكن إخفاؤها مع بقائها سالمة، وفي هذه الحالة إذا ادعى المشتري ضياع المبيع المقبوض له ولم يقم بينة على صدقة فإنه يكون ملزماً به. أما إذا أقام البينة على صدق دعواه فإنه لا ضمان عليه بل على البائع.
الحالة الثانية: أن يكون المبيع مما لا يعاب عليه أي مما لا يمكن إخفاءه مع بقائه سالماً كالحيوان فإنه لا يمكن إخفاؤه عن الأعين إلا بإتلافه أو أكله، فإذا ادعى المشتري ضياعه في هذه الحالة ولكن قامت البينة على كذبه كأن ادعى بأنه ضاع في يوم كذا فشهدت الشهود بأنهم رأوه عنده بعد ذلك اليوم، أو شهدت بأنه أكله أو أتلفه فإنه في هذه الحالة يكون عليه الضمان لا على البائع. الحالة الثالثة: أن يكون مما لا يمكن إخفاءه أيضاً وادعى المشتري ضياعه بعد قبضه بدون بينة تصدقه أو تكذبه فإن عليه اليمين للبائع، سواء كان متهماً بالكذب أو لا، إلا أنه إن كان متهماً يحلف بأن المبيع قد ضاع وما فرط، وإن كان غير متهم يحلف بأنه ما فرط، فإن أبى أن يحلف كان عليه الضمان. ومن هذا يتضح أن الضمان على المشتري البينة على ضياعه، فإن الضمان حينئذ يكون على البائع. الثانية إذا كان مما لا يمكن إخفاءه ولم تقم بينة على كذب المشتري وحلف اليمين، فإن الضمان يكون في هذه الحالة على البائع.
ويعتبر في الضمان ما هو الأكثر، فإن كان الثمن أكثر من القيمة يلزم به من عليه الضمان، وإذا كانت القيمة أكثر يلزم بها إلا في الحالة الأولى، وهي ما إذا ادعى ضياع ما يمكن إخفاءه ولم تقم بينةстр. 819
مبحث هل للبائع المطالبة بالثمن في زمن الخيار ؟
إذا باع شخص سلعة على أن يكون له أو للمشتري الخيار والعكس مدة معينة فهل للبائع أن يطلب الثمن من المشتري؟ وهي للمشتري أن يطلب قبض المبيع من البائع أو لا؟ في ذلك اختلاف المذاهب (١) . الحواشي
(١) المالكية - قالوا: ليس للبائع أن يطلب الثمن من المشتري في مدة الخيار.
وإذا اشترط البائع على المشتري أن ينقده الثمن كأن يقول له: أبيعك هذه السلعة بشرط أن تنقدني ثمنها فسد البيع ولو لم ينقده الثمن بالفعل؛ لأنه شرط النقد ينزل منزلة النقد بالفعل، لأن المشروط يتحقق بالشرط عادة. وكذا إذا اتفقا على ذلك قبل العقد ولو لم يذكراه في العقد وذلك لأن الثمن لا يعرف حينئذ إن كان ثمناً للسلعة أو سلفاً، لأنه في حالة فسخ البيع يرد للمشتري فيكون سلفاً مردوداً، وقد أخذه في نظير سلعة فيكون رباً غيرجائز، نعم إن لم يشترط البائع ذلك ولم يتكلم فيه مع المشتري قبل العقد ثم تطوع المشتري بدفع الثمن فإنه يجوز لانتفاء التهمة حينئذ. ومثل ذلك ما إذا باع له سلعة بشرط أن يقرضه كذا، فإن ذلك الشرط يفسد البيع، فإذا تنازل البائع عن شرط نقد الثمن في بيع الخيار وقال: أسقطت هذا الشرط ليتم البيع فإنه لا ينفعه ذلك لأن الشرط واقع في حقيقة العقد وماهيته وهو شرط فاسد فأفسد العقد رأساً، بخلاف ما إذا تنازل عن اشتراط القرض ولم يقبضه فإنه يصح البيع؛ لأن القرض خارج عن ماهية العقد.
أما طلب المشتري لقبض المبيع في زمن الخيار ففيه تفصيل. وذلك لأن الخيار يكون لثلاثة أمور:стр. 820
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) أحدها: أن يكون الثمن غير معلوم للمشتري، فيشتري بشرط الخيار ليتروى في الثمن حتى يتبين غلاءه ورخصه، ثانيها أن يكون الثمن معلوماً عنده ولكنه يشتري بشرط الخيار ليتدبر في المبيع ويعيد نظره فيه، ثالثها اختيار المبيع وتجربته، فإذا كان الخيار للتروي في الثمن فليس له قبض المبيع لأنه يمكنه معرفة ذلك والمبيع في يد صاحبه، أما إذا كان الخيار من أجل أن يعيد النظر فيه أو يختبره فله قبضه، ولكن لا يجبر البائع بتسليمه إلا إذا اشترط المشتري ذلك.
الحنفية - قالوا: إذا اشترى سلعة بشرط الخيار فليس للبائع المطالبة بالثمن إلا بعد انقضاء مدة الخيار، كما أنه ليس للمشتري أن يطالب بالمبيع في هذه المدة، فلا جبر لأحدهما على الآخر في ذلك.
فإذا دفع المشتري الثمن فإن البائع يجبر على تسليم المبيع، فإذا كان الخيار للبائع وقبض الثمن ولم يرض أن يسلم المبيع فإن له ذلك، ولكنه يجبر على رد الثمن. وإذا قبض المشتري المبيع فلا يصح له أن يتصرف فيه، فإذا تصرف فيه في زمن الخيار كان تصرفه باطلاً. وكذلك إذا قبض البائع الثمن وكان عيناً فإنه لا يصح له أن يتصرف فيه في زمن الخيار، وإن تصرف فيقع تصرفه باطلاً.
أما إذا تصرف البائع في المبيع قبل أن يقبضه المشتري، أو تصرف المشتري في الثمن قبل أن يقبضه البائع، فإنه يجوز ويكون فسخاً للعقد. وسيأتي حكم التصرف في المبيع فيغير زمن الخيار في المذاهب.
الشافعية - قالوا: الثمن في مدة الخيار يتبع الملك، فإذا حكم بملك المبيع لأحدهما حكم بملك الثمن للآخر، مثلاً إذا كان الخيار للبائع كان المبيع مملوكاً له أي لم يخرج عن ملكه في مدة الخيار، فيكون الثمن في هذه الحالة ملكاً للمشتري، فليس للبائع المطالبة بالثمن، كما أنه ليس للمشتري المطالبة بالمبيع. أما إذا كان الخيار للمشتري فإن المبيع يكون مملوكاً له، فيكون الثمن حينئذ ملكاً للبائع، فيكون للبائع الحق في طلب الثمن، وللمشتري الحق في طلب المبيع.
الحنابلة - قالوا: إن كان الثمن معيناً فللبائع قبضه في زمن الخيار إن كان له الخيار. سواء كان خيار مجلس أو خيار شرط. أما إن كان في الذمة سواء كان نقداً أو عروض تجارة فإن البائع ليس له حق في المطالبة، وكذلك لا يملك المشتري قبض المبيع في مدة الخيار إن كان الخيار له إلا بإذن صريح من البائع، فإذا كان الثمن معيناً ولم يقبضه البائع فإنه يحرم على المشتري أن يتصرف فيه، لأنه ليس ملكاً له، كما يحرم على البائع أن يتصرف فيه أيضاً إذا قبضه لأن علاقة المشتري لم تنقطع عنه. أما إذا قبض المشتري المبيع وكان له الخيار فإنه يحل له التصرف فيه ويكون تصرفه مبطلاً الخيار كما تقدم بيانهстр. 821
مبحث إذا اشترى شخص غير معين من أشياء متعددة
إذا اشترى شخص شيئاً غير معين من أمرين كثوبين ثم قبضهما معاً ليختار منهما ما يعجبه ففي ذلك تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) المالكية - قالوا: إذا اشترى شخص من آخرواحداً غير معين من شيئين كثوبين مثلاً ثم قبضهما معاً ليختار منهما ما يعجبه. فإن هذا البيع على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: بيع خيار فقط وهو البيع الذي جعل فيه الخيار "التروي" لأحد المتبايعين في أخذ المبيع ورده كأن يقول البائع: بعتك أحد هذين الثوبين بكذا على الخيار في الأخذ والرد مدة ثلاث أيام، وفي هذا الوجه ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يدعي ضياعهما معاً. الثانية: أن يدعي ضياع أحدهما، الثالثة: أن تمضي مدة الخيار ولم يختر أحدهما. وحكم هذا: أن المشتري إذا قبضهما كان عليه ضمانهما، فإذا ضاعا معاً أو ضاع واحد منهما كان عليه دفع الثمن الذي اشتراهما به للبائع. وإذا مضت مدة الخيار ولم يختر لزماه معاً.
الوجه الثاني: بيع اختيار فقط، وبيع الاختيار: هو البيع البات الذي لا خيار فيه، ولكن البائع يجعل للمشتري التعيين لما اشتراه كأن يقول له: أبيعك أحد هذين الثوبين بيعاً باتاً بعشرة على أن تختار واحداً منهما في يوم أو يومين.
وفي ذلك الوجه ثلاث صور كالوجه الأول:
الصورة الأولى: أن يدعي ضياعهما معاً.
الثانية: أن يدعي ضياع أحدهما.
الثالثة: أن تمضي مدة الخيار ولم يختر.
وفي كل صورة من الصور الثلاث يكون المشتري ملزماً بدفع نصف كل الثمن بأن يضم ثمن الثوبين إلى بعضه ويدفع المشتري نصفه، فإذا ضاع أحد الثوبين وكان يساوي عشرة وكان الثوب الباقي يساوي خمسة كان مجموع الثمن خمسة عشر، فيلزم بدفع نصفها. الوجه الثالث: بيع خيار واختيار وهو البيع الذي جعل فيه البائع للمشتري الخيار في التعيين، وبعد أن يعين واحداً يكون له الخيار في أخذه ورده ثلاثة أيام. وفي ذلك الوجه ثلاث صور أيضاً:
الصورة الأولى: أن يكون الخيار للمشتري، ويدعي ضياع الثوبين معاً ولا بينة له على ضياعهما، وفي هذه الحالة يكو المشتري ملزماً بثمن واحد منهما، أما الثوب الثاني فيضيع على البائع.
الصورة الثانية: أن يكون الخيار للمشتري أيضاً ويدعي ضياع ثوب واحد ولا بينة على ذلك.стр. 822
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وفي هذه الحالة يكون المشتري ملزماً بنصف ثمن الثوب الضائع، وله أن يختار الثوب الثاني إذا كانت مدة الخيار باقية.
الصورة الثالثة: أن تمضي مدة الخيار ولم يختر شيئاً منهما وفي هذه الحالة لا يلزمه شيء، هذا إذا كان الخيار للمشتري كما ذكرنا، فإن كان الخيار للبائع كأن يبيعه واحداً غير معين من ثوبين على أن يكون للبائع الخيار في إمضاء البيع وفسخه، فإن المشتري إن ادعى ضياعهما معاً فإن عليه أن يدفع للبائع الأكثر من الثمن والقيمة في واحد. وكذا إن ادعى ضياع واحد فإن عليه أن يدفع للبائع الأكثر من الثمن والقيمة في نصف ثمن واحد، إلا أن يحلف بأنه قد ضاع وما فرط فإنه حينئذ يضمن الثمن لا القيمة. ومحل ذلك إذا لم تكن للمشتري بينة، فإن شهدت له بينة بضياع الثوبين أو أحدهما فلا شيء عليه للبائع.
الحنفية - قالوا: إذا طلب المشتري من البائع ثوباً فأعطاه ثلاثة وبين له ثمن كل واحد منهما كأن قال له: هذا بعشرة، وهذا بعشرين، وهذا بثلاثين. ثم قال له: الثوب الذي يعجبك منها بعته لك، فاستلمها المشتري على ذلك فضاعت عنده فإن في ذلك أربع صور: الصورة الأولى: أن تضيع كلها دفعة واحدة، أو تضيع كلها متعاقبة ولكنه لا يعلم في الحالتين أي الأثواب ضاع أولاً، وحكم هذه الصورة: أن المشتري يلزم بدفع قيمة ثلث الجميع. الصورة الثانية: أن تضيع كلها دفعة أو متعاقبة ولكن المشتري يعرف الثوب الذي ضاع أولاً، وحكم هذه الصورة: أن المشتري يلزم بقيمة الثوب الذي ضاع أولاً، والثوبان الآخران يكونان أمانة لا شيء عليه في ضياعهما. الصورة الثالثة: أن يهلك اثنان فقط ويبقى الثالث، وفي هذه الحالة يلزم المشتري بنصف ثمن كل من الاثنين الضائعين، ورد الثالث لأنه يكون أمانة يجب ردها. وإذا حصل نقص في الثوب الثالث لا يلزم المشتري به. الصرة الرابعة: أن يضيع ثوب واحد فقط ويبقى اثنان، وفي هذه الحالة يلزم المشتري بدفع قيمة الثوب الضائع ورد الثوبين الباقيين.
ويسمى مثل هذه المسألة بالمقبوض على سوم الشراء، وحاصله أن كل مبيع قبضه المشتري ليشتريه على أن يكون له الخيار فيه بعد أن عرف ثمنه ولم يعارض فيه، فإنه يضمنه إذا هلك في يده بقيمته. أما إذا استهلكه هو فإنه يضمنه بثمنه على التحقيق وتعتبر القيمة من يوم قبضه. أما إذاقبضه لا على وجه الشراء بل على وجه النظر كأن قال البائع: هذا الثوب بعشرة فقال له: هاته حتى أنظر فيه، أو حتى ينظر فيه رفيقي ثم ضاع الثوب فإنه يضيع على البائع، ولا شيء على المشتري لأنه أخذه على سوم النظر لا على سوم الشراء، أما إذا قال له: هاته فإن أعجبني أخذته ثم ضاع منه فإنه يلزم بقيمته، لأنه أخذه على سوم الشراء في هذه الحالةстр. 823
مباحث خيار العيب
للمشتري الخيار في إلغاء عقد البيع وفسخه إذا وجد في المبيع عيباً ولو لم يشترط ذلك، وهذا يسمى خيار العيب. ثم هو ينقسم أولاً إلى قسمين:
أحدهما: أن يكون بفعل البائع كخلط اللبن بالماء والسمن بالزيت، وصر ضرع الحيوان ليحبس اللبن فيه فيكبر ضرعه فيغتر المشتري.
ثانيهما: أن يكون عيباً طبيعياً وينقسم إلى قسمين: ظاهر كجموع الدابة وعرجها وعجزها عن حمل ما يحمله مثلها عادة. وباطن كفساد الجوز واللوز من داخل غلافه وفساد البطيخ ونحوه.
تعريف العيب الذي يرد به المبيع
العيب الذي يجعل للمشتري الحق في رد المبيع: هو الذي (١) تنقص به قيمة المبيع، أو يفوت به على المشتري غرض صحيح، فمثال ما تنقص به قيمة المبيع جماح الدابة عند ركوبها وعدم انقيادها لصاحبها، وكذا إذا كانت تعض أو ترفس فإن ذلك عيب ينقص قيمتها، بخلاف الحواشي
(١) الحنابلة - قالوا: شرط الخيار لا يصح في واحد غيرمعين مطلقاً، فإذا اشترى ثوبين معاً، أو اشترى جملاً وحماراً وشرط الخيار في واحد معين صح، أما إذا اشتراهما على أن يكون له الخيار في أحدهما فإن شرط الخيار لا يصح، ويكون البيع صحيحاً إذاعين المبيعين وعين ثمن كل منهما، كما إذا بين أن هذا الثوب ثمنه كذا وذلك الثوب ثمنه كذا. أما إذا لم يبين فإن البيع يكون فاسداً لجهالة الثمن.
الشافعية - قالوا: إذا قال له بعتك هذا الثوب بعشرة وذلك بعشرين وهكذا، فإنه يكون عقوداً متعددة لا عقداً واحداً، لأن العقد يتعدد بتفصيل الثمن، ويشترط في صحة البيع بذلك أن يقبل المشتري الثوبين جميعاً، فإذا قبل واحداً منهما لا يصح البيع، وإنما يتعدد العقد بتفصيل الثمن إذا فصل البادئ من المتعاقدين، سواء كان البادئ أو المشتري. أما إذا أجمل البادئ وفصل القابل فإن العقد يكون واحداً لا متعدداً.
فإذا كان متعدداً فللمشتري أن يشترط الخيار في واحد منهما ويرد أحدهما بالعيب ويأخذ أحكام الخيار المتقدمة.стр. 824
ما إذا كان لا ينقص القيمة كقطع صغير في فخذها أو رجلها فإن ذلك لا يضرها فلا ترد به. ومثال ما يفوت به غرض صحيح على المشتري: أن يشتري شاة ليضحي بها فيجد في أذنها قطعاً يمنع صحة الأضحية بها، فإن ذلك القطع وإن لم ينقص قيمة الشاة ولكن يفوت على المشتري غرضاً صحيحاً فله ردها، وكذا إذا اشترى خفاً أو ثوباً ليلبسه فوجده ضيقاً لا يكفيه، فإن ذلك عيب ينافي استعماله فيفوت على المشتري غرضه من شرائه فيرد به.
شروط رد المبيع بالعيب
يشترط لرد المبيع بالعيب شروط: منها أن يكون الغالب (١) في مثله أن يكون سليماً من ذلك العيب. فخرج ما إذا كان الغالب في مثله وجود ذلك العيب، ومثال الأول ما إذا اشترى حماراً أو حصاناً فوجده مخصيا فإن الخصاء يكون عيباً فيه، لأن الغالب في الحمير والخيل سلامتها من الخصاء وهو عب قد يفوت به غرض المشتري من شرائها، فإنه قد يشتري ليستولد به أنثى من جنسه فله رده بذلك العيب. الحواشي
(١) الحنابلة - قالوا: ضابط العيب الذي يرد به البيع هو نقص عينه كخصاء الحيوان ولو نقصت به القيمة أو نقصت قيمته عادة في عرف التجار. وبعضهم عرفه بأنه نقيصة يقتضي العرف سلامة المبيع عنها غالباً فلا فرق بين أن يكون النقص في عين المبيع أو قيمته، فخصاء الحيوان على هذا لا يكون عيباً إلا إذا عده العرف عيباً.
المالكية - قالوا: الشرط أن يكون المبيع سليماً من ذلك العيب في العادة والعرف، فالخصاء يكون عيناً يرد به الحيوان ولو زادت قيمته في الثمن إلا إذا كان فحل بقر معد للعمل. فإن العادة أنه لا يستعمل منه إلا الخصي، وكذا فحل الغنم فإن الخصاء ليس عيباً يرد به. وبعضهم يقول: يرد به لأن لحم الفحل أطيب من لحم الخصي، والحق الرجوع في ذلك إلى العرف.
الحنابلة - قالوا: الشرط أن يكون ذات المبيع سليمة من النقص، فالخصاء نقص فيه مطلقاً، وأن تكون قيمته سليمة من النقص في عرف التجار كما يؤخذ من الضابط الأول للعيب، أما الضابط الثاني فإن الخصاء لا يكون عيباً إلا إذا عده العرف عيباًстр. 825
ومثال الثاني: ما إذا اشترى حيواناً مأكول اللحم يغلب خصاؤه كالغنم والمعز فإن الخصاء فيها ليس عيباً يوجب الرد. لأن الغالب فيها الخصاء إذ هو يزيدها سمناً، ومنها أن لا يمكن زوال ذلك العيب إلا بمشقة، فإذا أمكن إزالته بغير مشقة فإن المبيع لا يرد به. وذلك كما إذا اشترى ثوباً متنجساً لا تنقص قيمته بالغسل فإن النحاسة حينئذ لا تكون عيباً (١) يرد به الثوب لأنه يمكن إزالتها بلا مشقة، وكذا إذا اشترى سيفاً معوجاً يمكن إزالة اعوجاجه بسهولة. فإن العوج لا يكون عيباً يرد به حينئذ.
ومنها أن يكون العيب موجوداً في المبيع وهو عند البائع على تفصيل المذاهب
(٢) . الحواشي
(١) الحنابلة - قالوا: المعول في ذلك على قوة العيب وضعفه، فإن كان يسيراً كصداع وحمى يسيرة فإنه لا يرد المبيع، بخلاف ما إذا كان شديداً فإنه يرد به، وعلى هذا فالثوب المتنجس الذي لا يمكن إزالة نجاسته بدون مشقة وبدون نقص في قيمة الثوب لا تكون نجاسته عيباً يرد به لأنها يسيرة في هذه الحالة.
المالكية - قالوا: نجاسة الثوب عيب تجعل للمشتري الحق في الرد، سواء كان الثوب يضره الغسل أو لا إن لم يتبينه البائع(٢) المالكية - قالوا: إذا اشترى فوجد به عيباً تنقص به قيمته ولم يعلم به وقت الشراء أو قبله فلا يخلو: إما يكون ذلك العيب قد حصل وهو في يد البائع قبل أن يقبضه المشتري، أو حصل بعد أن قبضه المشتري: فأما الأول فهو على خمسة أوجه:
أحدها: أن يكون ذلك العيب قد حدث بعد العقد بفعل البائع وهو في يده: وفي هذه الحالة يكون المشتري بالخيار في تركه أو أخذه مع طرح حصة من الثمن تعادل النقص الذي حصل بسبب ذلك العيب، سواء وجد فيه عيباً آخر قديماً حدث قبل العقد أو لا.
ثانيها: أن يكون ذلك العيب قد حدث بفعل المشتري، وفي هذه الحالة يكون المشتري ملزماً بدفع كل الثمن، ولو كان البائع هو الذي منعه من استلامه بسبب عدم دفع الثمن، فإذا وجد فيه عيباً قديماً حدث عند البائع بغير فعل المشتري في هذه الحالة فللمشتري رده بالعيب القديم ويسقط عنه الثمن، ولكن عليه أن يدفع تعويض ما أحدثه بفعله من العيب.
ثالثها: أن يكون ذلك العيب قد حدث بفعل أجنبي عن البائع والمشتري والمبيع، وفي هذه الحالة يكون المشتري بالخيار: إن شار رضي به بجميع الثمن وله على الأجنبي تعويض ما أحدثه من النقص في المبيع، وإن شاء رد المبيع وسقط عنه الثمن.
رابعها: أن يكون العيب قد حصل بآفة طبيعية فللمشتري أن يرده ويأخذ كل الثمن، وإن شاء أن يأخذه ويطرح من الثمن بقدر ما حدث فيه من العيب، فإن اطلع مع ذلك على عيب قديم حدث فيهстр. 826
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وهو عند البائع ففي هذه الحالة لا يصح رده بالعيب القديم، لأنه يرده حينئذ وهو معيب بعيبين وهو لا يصح رده إلا بالعيب القديم فقط.
خامسها: أن يكون العيب قد حدث بفعل المبيع، كما إذا اشترى عبداً ففعل في نفسه ما يعيبه، وحكمه كحكم الوجه الرابع. وأما الثاني وهو أن يحدث فيه العيب بعد أن يقبضه المشتري فهو على خمسة أوجه أيضاً:
-١ - أن يكون العيب بفعل المشتري.
-٢ - أن يكون بآفة سماوية.
-٣ - أن يكون بفعل المعقود عليه.
-٤ - أن يكون بفعل البائع.
-٥ - أن يكون بفعل أجنبي، وحكم الأول والثاني والثالث: أنه إذا كان في المبيع عيب قديم سوى ذلك العيب الذي حدث عند المشتري فإنه لا يرد به، لأن العيب الجديد تعارض مع العيب القديم، وللمشتري أن يطالب بتعويض ما نقص من المبيع بسبب العيب القديم، إلا إذا رضي أن يأخذ المبيع مع نقصه بالعيب الجديد.
وحكم الرابع والخامس وهما ما إذا كان العيب بفعل البائع أو بفعل أجنبي بعد أن يقبضه المشتري: أن المبيع إذا كان به عيب قديم سوى ذلك العيب الذي حدث بفعل البائع أو الأجنبي فإنه لا يرد به، وعلى كل واحد منهما تعويض ما أحدثه في المبيع من النقص بجنايته عليه.
ثم إن حصة النقص التي يلزم دفعها بسبب العيب هي الفرق بين قيمة المبيع صحيحاً ومعيباً منسوباً إلى ثمنه. مثلاً: إذا اشترى سلعة بأربعين جنيهاً وقيمتها في الواقع مائة ثم حدث فيها عيب فأنقص قيمتها عشرة، ففي هذه الحالة تكون قيمتها قد نقصت العشر، فينقص بقدره من الثمن وهو عشر الأربعين وهو أربعة، وعلى هذا القياس.
ويشترط فيمن يقوم السلعة أن يكونا اثنان يخبران بلفظ الشهادة بحضرة البائع والمشتري. وأن يكون كل واحد منهما له خبرة بما يقومه.
ويتضح لك مما تقدم أن المشتري إذا وجد عيباً بالمبيع يرد به فليس له أن يمسكه ويطالب بالعوض عن النقص الحاصل بسبب العيب، وإنما له أن يرده كله ويأخذ الثمن كاملاً. إلا إذا تعذر الرد بحدوثعيب جديد ثانٍ حدث على التفصيل المتقدم. ومن ذلك ما إذا اشترى ثوباً ثم قطعه "فصله" ليخيطه ثم اطلع على عيب ينقص قيمته بعد ذلك، فله في هذه الحالة أن يأخذ العوض عن العيب لتعذر رد الثوب بعد تقطيعه، وكذا إذا اشترى وارث من مورثه شيئاً ثم مات المشتري وورثه البائع فيما اشتراه فوجد به عيباً فإنه ليس له رده لوارث آخر إن وجد، فإن لم يوجد وارث آخر فإن رده يتعذر وتسقط قيمة النقص في هذه الحالة أيضاً. وكذلك إذا اشترى جملاً فنحره فوجد أمعاءه فاسدة فإنهстр. 827
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) يتعذر رده بعد نحره، وللمشتري أن يرجع بعوض العيب الذي به، ومنه إذا اشترى ثوباً من الحرير فبله بالماء ثم وجد به عيباً فإنه ليس له رده، بل له أخذ العوض، لأن البل أنقص قيمة النوب، وهكذا كل ما تنقص قيمته بحدوث عيب جديد زيادة على العيب القديم فإنه يمتنع رده، وفيه العوض عن العيب بحسب التفصيل الذي تقدم.
المالكية - قالوا: إذا اشترى شيئاً فوجد به عيباً فإن له رده إذا علم بذلك العيب، ويمتنع الرد بأمور: الأمر الأول تلف المبيع بعد العقدن سواء كان تحت يد البائع أو تحت يد المشتري قبل أن يعلم بالعيب، وسواء كان التلف باختيار المشتري كما إذا اشترى حيواناً فذبحه، أو بغير اختياره كما إذا أماته غيره، أو مات حتف أنفه، فإنه إذا اطلع على عيب فيه بعد ذلك لا يصح له رده لتعذر الرد حينئذ، ومثل ذلك ما إذا كان في حكم التالف، كما إذا اشترى شيئاً ثم تصدق بهواطلع على عيب فيه بعد ذلك فإنه ليس له أن يرده بذلك العيب، لأنه وإن لم يتلف بالفعل ولكنه في حكم التالف وكذا إذا وهبه. وفي هذه الحالة يكون للمشتري تعويض ما أحدثه العيب في المبيع من النقص. وذلك بأن يقوم المبيع سالماً ومعيباً ويؤخذ من الثمن نسبة نقص قيمته معيباً إلى قيمته سليماً، فإذا اشترى عيناً سليمة من العيون بمائة ثم ظهر بها عيب أنقص قيمته إلى ثمانين، استحق المشتري الرجوع على البائع بعشرين وهو خمس المائة وهكذا. الأمر الثاني: أن يظهر من المشتري ما يدل على رضائه بالمبيع بعد الاطلاع على العيب.
وينقسم ما يدل على الرضا إلى قسمين:
أحدهما: ما يدل على الرضا مطلقاً، سواء كان في زمن مخاصمة البائع والمشتري وتنازعهما في الرد وعدمه أو لا، وذلك كاستعمال الثوب وإجارة الدابة ونحو ذلك من كل ما ينقص استعماله المبيع، فإذا اشترى شيئاً من ذلك واطلع على عيب فيه يرد به ثم استعمله على هذا الوجه، فإنه لا يصح له الرد بعد ذلك.
ثانيهما: ما يدل على الرضا قبل زمن المخاصمة فقط، أما بعدها فلا. وذلك كسكنى الدار والحانوت أو إسكانهما لغيره في زمن الخصام، إذا اشترى داراً سكن فيها ثم وجد بها عيباً كصدع جدار ينقص قيمتها. أو سبباً يقلل منافعها فإن له ردها، ولو سكن فيها بعد علمه بالعيب، لأن هذا السكنى لا تنقص قيمتها، وكذا كل ما لا ينقص القيمة.
أما إذا علم بالعيب ولم يعلن المشتري به ولم يخاصمه في ردها ثم سكن فيها فإن هذه السكنى تكون دليلاً على رضائه، فلا يكون له الحق في ردها ذلك. وهناك قسم ثالث لا يدل على الرضا مطلقاً وهو أن ينتفع المشتري بالثمرة الناشئة عن البيع بدون استخدامه كالانتفاع باللبن والصوف، وسواء كان ذلك في زمن الخصام أو غيره.
ويستثنى من ذلك مسألتان: إحداهما: ما إذا اشترى دابة وهو في سفر فاطلع على عيب فيها فإنه إذا ركبها بعد ذلك وسافر عليها فله ردها بعد ذلك، ولا فرق في ذلك بين أن يكون مضطراً لركوبها أو لا على المعتمد، فإذا وصلت على حالها بدون هزال ونحوه بسبب استعمالها فلا شيء على المشتريстр. 828
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وإن هزلت فعليه أن يردها ويدفع قيمة ما أصابها من الهزال، أو يمسكها ويأخذ عوض العيب الذي بها، ولا يلزم بردها حال السفر لبائعها إلا إذا كان قريباً منه ولا يكلفه ردها مؤونة ثقيلة. ثانيهما: أن يشتريها وهو حاضر ببلده من بائع حاضر كذلك ثم اطلع على عيب فيها ثم ركبها ليردها. فإن ذلك الركوب لا يمنع الرد، وكذا إذا ركبها ليذهب بها إلى محله إذا كان من ذوي الهيئات.
الأمر الثالث: أن يكون المبيع رقيقاً فقط وأن يكون البائع حاكما أو وارثاً، فإذا باع القاضي رقيقاً مملوكاً لشخص عليه دين ليقضي به دينه، أو باع رقيقاً غائباً به عيب علم به القاضي وبينه للمشتري، أو علم به المشتري وإن لم يعلم به القاضي فإنه في هذه الحالة لا يحق للمشتري فلا يحق له الرد بعد ذلك. أما بيع غير الرقيق فإنه لا ينفع فيه البراءة من العيب، فإذا باع شخص حيواناً أو عرض تجارة على شرط أنه بريء من العيوب ثم اطلع المشتري على عيب قديم فيه فإن له رده ولا ينفعه شرط البراءة، سواء كان عاماً أو خاصاً فهو شرط باطل، ولكنه لا يبطل عقد البيع.
الأمر الرابع: أن يزول العيب قبل الرد إلا أن يكون محتمل العود إذا قال أهل الكب: إنه يحتمل عوده فإن له رده بذلك العيب.
الحنابلة - قالوا: إذا اشترى شيئاً فوجد به عيباً فإن له حالتين: الحالة الأولى: أن يكون ذلك العيب قد حدث قبل القبض، فإذا كان قد حدث قبل القبض فللمشتري رده بذلك العيب، سواء كان العيب قبل عقد البيع أو بعده، علمه المشتري أو جهله، إلا إذا كان ضمانه على المشتري وهو ما إذا كان قد بيع بغير كيل ولا وزن ولا ذرع ولم يقبضه المشتري ولكن لم يمنعه البائع من استلامه كما تقدم قريباً، فإن العيب إذا حدث بعد البيع في هذه الحالة يكون قد حدث وهو في ملك المشتري فلا يكون البائع مسؤولاً عنه.
وإذا رد المشتري المبيع بعيب كان عليه نفقة الرد، وعلى البائع أن يرد الثمن كاملاً، فإذا وهب البائع الثمن للمشتري كله أو بعضه أو أبرأه بالعيب منه ثم رد المبيع كان البائع مطالباً بجميع الثمن ولم يحسب له ما وهبه أو أبرأه منه، وللمشتري أن يمسك المبيع بعد اطلاعه على العيب ويأخذ قيمة النقص الحاصل في المبيع بسبب العيب ولو لم يتعذر رد المبيع بإتلافه أو بأكله أو غير ذلك، فإذا اشترى ثوباً وقطعه ليخيطه "فصله" ثم وجد فيه عيباً فإن له أن يأخذ قيمة النقص الذي وجد في الثوب بسبب ذلك العيب. وإن كان تعذر في هذه الحالة رد الثوب لأن المشتري والبائع قد اتفقا أن يكون المبيع في مقابلة الثمن، فكل جزء من المبيع يقابله جزء من الثمن، فإذا نقص المبيع جزءاً بسبب العيب نقص ما يقابله من الثمن، فللمشتري الحق في ذلك سواء رضي البائع أو سخط، إلا إذا ترتب على أخذ ذلك الجزء من ربا فإنه لا يصح له أخذه.
وذلك كما إذا اشترى فضة مصنوعة حلياً بزنتها من الدراهم ثم وجد بها عيباً. فإنه في هذه الحالة لا يحل له أخذ قيمة النقص الحاصل بسبب ذلك العيب، لأنه يؤدي إلى ربا الفضل، وإنما يكون لهстр. 829
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الحق في رد المبيع جميعه وأخذ الثمن جميعه. أو يمسكه بدون أن يأخذ قيمة ما أحدثه العيب من النقص.
الحالة الثانية: أن يحدث العيب عند المشتري بعد أن يقبضه بالفعل، أو لم يقبضه ولم يمنعه البائع من قبضه ولم يكن مكيلاً إلخ، وفي هذه الحالة يكون البائع مسؤولاً عنه ولا يصح رده له بعد ذلك، فإن كان بالمبيع عيب وهو عند البائع ثم حدث به عيب آخر وهو عند المشتري، فإن رضي المشتري بإمساكه فذاك، وإن لم يرض بذلك رفع الأمر إلى الحاكم وهو يفسخ البيع ويكون على البائع أن يرد الثمن للمشتري، وعلى المشتري أن يرد قيمة المبيع المعيب بعيبه الأول الذي حدث عند البائع، ثم إن قيمة النقص الذي يحصل بسبب عيب المبيع هي الفرق بين قيمته صحيحاً وقيمته معيباً منسوباً إلى ثمنه، وًلك بأن يقوم المبيع صحيحاً ثم يقوم معيباً وينسب الفرق بينهما إلى أصل الثمن فيأخذه من له الحق فيه، مثال ذلك أن يشتري عيناً بمائة وخمسين ولكن نزلت قيمتها إلى مائة ثم حدث بها عيب فنزلت قيمتها إلى تسعين. فيكون الفرق بين قيمتها صحيحة وقيمتها معيبة عشرة وهي عشر المائة، فإذا نسبت إلى الثمن الذي اشتريت به كانت خمس عشرة وهي عشر الثمن.
الشافعية - قالوا: إذا اشترى شيئاً فوجده معيباً فإن له الحق في رده إذا حدث العيب قبل أن يقبض المشتري المبيع، سواء حدث قبل عقد البيع أو حدث بعده وقبل أن يقبضه المشتري.
أما إذا حدث بعد القبض: فإن كان سبب العيب قديماً كان له الحق في رده أيضاً وإلا فلا يرد، وذلك كما إذا اشترى عبداً واستلمه ولكنه كان قد ارتكب جناية سرقة قبل أن يشتريه وثبتت عليه بعد أن استلمه فقطعت يده، فإن ذلك العيب يكون مسؤولاً عنه البائع.
وإذا حدث في المبيع عيب وهو عند المشتري ثم وجد فيه عيباً قديماً حدث وهو عند البائع، وكان ذلك العيب الجديد لم يكن سببه قديماً ولم يزل من المبيع قبل علم المشتري بالقديم ولم تتوقف عليه معرفة العيب القديم، فإنه يسقط به حق المشتري في رده بدون رضا البائع، حتى ولو كان هذا العيب قد حصل بفعل البائع. ثم تكون المسألة بعد ذلك على ثلاثة أوجه: أحدها أن يرضى البائع بالفسخ بدون عوض يأخذه من المشتري، ويرضى المشتري بإمساك المبيع بدون المطالبة بعوض يأخذه عن العيب القديم. ثانيها: أن يتفقا على فسخ العقد أو إجازته مع دفع التعويض، فإن فسخ العقد كان على المشتري دفع تعويض العيب الذي حدث عنده. وإن لم يفسخ كان على البائع دفع تعويض العيب الذي حدث عنده. ثالثها: أن لا يتفقا كأن يطلب أحدهما الفسخ، ففي حالتي الاتفاق الأمر ظاهر، لأن لهما ذلك الاتفاق، وفي حالة عدم الاتفاق ينفذ رأي من طلب إجازة العقد، سواء كان الطالب المشتري أو البائع، وعلى البائع أن يدفع للمشتري تعويض العيب.
وإذا كان المبيع قد بيع بجنسه كالحنطة بالحنطة، فإنه يتعين فيه فسخ العقد وإلزام المشتري بدفع العوض عن العيب الحادث على كل حالстр. 830
ومنها أن يشترط البائع البراءة من العيب على تفصيل المذاهب. (١)
ومنها أن لا يزول ذلك العيب قبل الفسخ، فإذا اشترى حيواناً مريضاً ولم يفسخ البيع ثم زال المرض فليس له الفسخ بسبب ذلك المرض، لأنه قد زال قبل أن يرده. الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: تصح البراءة مما يظهر في المبيع من العيوب على أي حال، سواء كان الشرط عاماً أو خاصاً. وسواء شرط براءة نفسه "أي شرط كونه غير مسؤول عن العيوب التي تظهر في المبيع" أو شرط براءة المبيع "سلامته عن العيوب". ومثال الأول أن يقول: بعتك هذه الدار على أني بريء من كل عيب، أو على أنها كوم تراب، أو بعتك هذه الدابة على أنها محكمة مكسرة ونحو ذلك فإن الشرط صحيح، فلو اشتراها على ذلك وظهر فيها عيب لا يصح له ردها، لأنه قبلها بكل عيب يظهر فيها فلا خيار له، وكذا لو شرط البراءة من عيب خاص من باب أولى كأن قال له: بعتك هذه الفرس على أنها جموح وقبلها على ذلك، فإنه ليس له ردها بهذا العيب ومثال الثاني أن يقول: بعتك هذا الحيوان على أنه لا عيب فيه، ولم يبين عيباً خاصاً واشتراه منه على ذلك، فإن له أن يرده بظهور عيب قديم فيه، وإذا قال: بعتك هذا الحيوان على أنه بريء من كل داء ينظر في ذلك العرف والعادة في استعمال الداء، فإن كان العرف يخصه بالأدواء الباطنة عمل به، فلو ظهر به داء باطن كان للمشتري رده، وإن كان العرف يعمم الداء كان له رده بأي مرض قديم فيه، وعرف زماننا يعمم الداء فيطلقه على الظاهر منه والباطن، وهو موافق للغة أيضاً، ثم إن اشتراط البراءة من العيوب يشمل العيوب الموجودة قبل عقد البيع. والعيوب الحادثة بعده قبل أن يقبضه المشتري.
فلو باع له حيواناً بشرط أن لا يكون مسؤولاً عن أي عيب فيه، أو عيب معين ولم يكن به عيب حال العقد ثم حدث فيه عيب بعد العقد وقبل أن يستلمه المشتري فإنه لا يرد بذلك العيب الحادث، كما لا يرد بذلك العيب القديم لأن شرط البراءعة يشمله، وبعضهم يقول: ان اشتراط السلامة لا يشمل سوى العيوب الموجودة حال العقد، فله رده بالعيب الحادث بعد العقد وقبل القبض كما يقول الشافعية.
أما إذا اشترط البراءة من كل عيب موجود فيه فإنه لا يتناول العيب الحادث بالإجماع.
وإذا قال: بعتك هذا بشرط أنني بريء من كل عيب موجود، ومن كل عيب يحدث بعد العقد قبل القبض فإنه يكون شرطاً فاسداً يفسد البيع على المعتمد، وبعضهم يقول: إنه فاسد بالإجماع.
المالكية - قالوا: شرط البراءة من العيب الذي يوجد في المبيع لا يفيد، فلو باع حيواناً أو عرض تجارة بشرط أنه بريء من أي عيب يظهر في المبيع، أو بريء من عيب خاص بحيث لا يكون مسؤولاً إذا ظهر فيه ذلك العيب فإن هذا لا ينفعه، وللمشتري رده بظهور عيب فيه وهو عند البائع، نعم ينفع شرط البراءة في بيع الرقيق فقط إذا باعه بشرط البراءة من عيب لم يعلم به ومكث عنده زمناً لم يتمكن فيه من اختباره بحيث يستطيع أن يعرف ما به من العيوب، فإنه إذا باعه بشرط أنه لا يكون مسؤولاً عنстр. 831
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) عيب يظهر فيه بعد بيعه ثم ظهر فيه عيب فإنه لا يرد حينئذ. وكذا إذا باع الرقيق حاكم أو وارث كما تقدم فينا يمنع الرد.
الشافعية - قالوا: إذا باع شيئاً بشرط البراءة من العيوب الموجودة فيه حال العقد فلا يخلو إما أن يشترط البراءة لنفسه، أو يشترط براءة المبيع وسلامته من كل العيوب، ومثال الأول: أن يقول: بعتك كذا على أنني بريء من كل عيب يظهر فيه بحيث لا أكون مسؤولاً عنه، وحكم هذا أنه لا يبرأ إلا إذا كان المبيع حيواناً وظهر فيه عيب باطن موجود حال العقد يجهله البائع، وقيل يبرأ عن كل عيب، أما إذا تبين أن به عيباً ظاهراً أو كان المبيع غير حيوان فإن شرط براءته لا ينفع في هذه الحالة. ويكون البائع مسؤولاً عما يظهر من العيوب، ومثال الثاني أن يقول: بعتك هذا بشرط براءته "سلامته" من العيوب. وحكمه كحكم الأول، فإنه يكون مسؤولاً، لأنه شرط على نفسه سلامة المبيع من كل العيوب، فيعامل بشرطه في هذه الحالة دفعاً للنزاع. أما اشتراط البراءة من عيوب تحدث بعد العقد قبل القبض فإنه شرط فاسد لأنه إسقاط لشيء لم يوجد. ولكنه لا يفسد البيع على المعتمد، ويتضح من هذا أن شرط البراءة إذا كان عاماً فإنه لا يفيد لا في حالة واحدة وهي أن يكون المبيع حيواناً والعيب باطن والبائع يجهله كما ذكر آنفاً. أما إذا كان الشرط خاصاً بأن عين العيب فإن فيه تفصيلاً، وهو إذا كان العيب مما يرى كالأمراض الجلدية التي توجد في الحيوان فإنه يشترط أن يطلع المشتري عليها بعد تعيينها ويريه إياها. أما إذا كان من العيوب التي لا ترى. فإنه يكفي فيها التعيين ولا يلزم رؤيتها. وذلك كما إذا باع ثوراً بشرط أن ينام في المحراث، أو فرساً بشرط أنه جموح وتبين أنه كذلك، فليس للمشتري رده وإن لم يشاهد ذلك العيب عند الشراء.
الحنابلة - قالوا: إذا باع سلعة وشرط على المشتري أنه يبرأ من جميع العيوب التي بها، أو التي تحدث فيها قبل قبضها بعد العقد فإن الشرط يكون فاسداً، ومتى ظهر للمشتري عيب كان له رده المبيع سواء كان ذلك العيب ظاهراً أو باطناً، في حيوان أو غيره. علمه المشتري أو جهله، وكذلك إذا اشترط البراءة من شرط خاص كأن قال له: بعتك هذه الدابة على أنني بريء من جموحها، أو بعتك هذه الناقة على أنني بريء من عصيانها فإن الشرط فاسد. وللمشتري ردها بذلك العيب.
وإذا سمى البائع العيب ووافق المشتري عليه وأبرأه منه. فليس للمشتري رده بعد ذلك. لأنه قد علم العيب ورضي به. هذا ويحرم على البائع أن يكتم عيباً يعلمه بالمبيع لقوله ﵊: "المسلم أخو المسلم. ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً فيه عيب إلا بينه له". رواه أحمد وأبو داودстр. 832
مبحث هل يرد المبيع بالعيوب على الفور أو لا
هل يرد المبيع بعد العلم بالعيب فوراً أو على التراخي، في ذلك اختلاف في المذاهب (١) . الحواشي
(١) الشافعية - قالوا: يشترط أن يكون رد المبيع بعد العلم على الفور. فلو علم بالعيب ثم أخر رده بلا عذر سقط حقه في الرد. والمراد بالفور مالا يعد تراخياً في العادة، فلو اشتغل بصلاة دخل وقتها أو بأكل أو نحو ذلك لا يكون تراخياً في العادة فلا يمنع الرد. وكذا لو علم بالعيب ثم تراخى لعذر كمرض أو خوف لص أو حيوان مفترس أو نحو ذلك فإن حقه لا يسقط.
فإن كان البائع غائباً فعلى المشتري أن يرفع أمره إلى الحاكم وجوباً. وعلى المشتري أيضاً أن يشهد وهو سائر في طريقه لرد المبيع بأنه فسخ البيع، سواء كان ذاهباً ليرده للبائع أو للحاكم وإنما يكون له حق الرد بعد العلم بالعيب وإذا لم يفعل ما يدل على الرضا. كاستعمال الحيوان ولبس الثوب والإجارة والرهن ونحو ذلك.
الحنفية - قالوا: لا يشترط أن يكون رد المبيع بعد العلم على الفور. فلو أعلن البائع بالعيب وخاصمه في رده المبيع ثم ترك المخاصمة وبعد ذلك رجع إليها وطلب الرد فإن له ذلك، ويمتنع الرد بعد العلم بالعيب إذا فعل ما يدل على الرضا كلبس الثوب وركوب الدابة، وإجارة المبيع ورهنه، وبيعه كله أو بعضه، وهبته ولو بلا تسليم، ودفع باقي ثمنه وعرضه على البيع ولو بأمر البائع بأن قال له: اعرضه على البيع فإن لم يشتره منك أحد رده علي. وكذا إذا عرضه على التأجير أو طالب بغلته ويدل على الرضا أيضاً حلب اللبن وشربه، وكذلك سكنى الدار ابتداء بأن علم بالعيب وهو غير ساكن ثم سكن بعد ذلك، فإن ذلك يسقط حقه في الرد، أما إذا كان ساكناً قبل العلم بالعيب ثم استمر بعد العلم فإن ذلك لا يسقط حقه.
ويدل على الرضا أيضاً سقي الأرض وزراعتها وجمع غلة الزرع، أما الأكل من ثمر الشجرة فإنه لا يدل على الرضا، وكذا عرض الثوب على الخياط لينظر أيكفيه أم لا. وعرضه على المقومين ليعلم حاله. وكذا لا يدل على الرضا ركوب الدابة لردها على البائع، أو لشراء العلف لها لا لدابة أخرى، وإنما يصح له ركوبها لذلك بشرط أن لا يكون قادراً على المشي إلا بصعوبة. وإذا كان البائع غائباً فلم يجده ليرد إليه المبيع فإنه يمسك المبيع عنده حتى يحضر البائع فيرده له. وإذا هلك وهو في يد المشتري قبل حضور البائع لم يكن مسؤولاً عن ثمنه، وإنما يكون مسؤولاً عن النقصان الحاصل بسبب العيب.
المالكية - قالوا: يشترط أن يكون رد المبيع بعد العلم بالعيب على الفور، ويقدر الفور عندهم بمدة يومين وما زاد عليها يكون تراخياً يسقط حق الخيار في الرد بالعيب، إلا إذا كان معذوراً بعذرстр. 833
مبحث في حكم صر لبن الحيوان قبل بيعه "المصراة "
مسألة المصراة هي التي أشرنا إليها في أول مبحث الرد بالعيب، وهي مأخوذة من التصرية. ومعناها: جمع اللبن وحبسه في ضرع الحيوان بفعل البائع ليكبر الضرع، فيغتر المشتري بذلك ويشتريها ظناً منه أن عظم الضرع لسبب كثرة اللبن طبيعية، ويسمى هذا وهو منهي عنه شرعاً. فقد روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ألا تصروا الإبل والغنم. فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن تحليها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاعاً من تمر" متفق عليه.
وتصروا - بضم التاء وفتح الصاد - على وزان تركوا معناه: لا تجمعوا اللبن وتحبسوه في ضرع الناقة أو الشاة. وقوله ابتاعها معناه: اشتراها وقوله: فهو بخير النظرين معناه: أنه مخير بين إمساكها وردها.
وفي حكم المصراة من حيث الرد وعدمه اختلاف المذاهب (١) . الحواشي
(١) الشافعية - قالوا: إذا اشترى المصراة فحلبها فإن له ردها مع رد صاع من تمر معها. وكذا إذاстр. 834
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) استهلك لبنها بغير الحلب كأن ترك ولدها يرضعها. وإذا علم أنها مصراة قبل أن يتلف لبنها فإن له ردها بدون أن يكون ملزماً برد شيء معها: كما لا يلزم برد صاع التمر بخصوصه إذا اتفق المتعاقدان على غيره فيصح أن يرد بدل اللبن نقوداً أو براً أو غيرهما مع الاتفاق. واللبن الذي يجب معه الرد هو لبن مأكول اللحم، أما لبن غيره كالأتان فإنه لا يرد بدله. وإن كانت التصرية عيباً فيه يرد به. وكذا لا يرد بدل القليل التافه، وإذا كرر حلبها فإنه لا يلزم إلا برد صاع واحد، نعم إذا كانت الناقة أو الشاة ملكاً لشركاء متعددين، أو اشتراها شركاء فإن لكل واحد من البائعين صاعاً، وعلى كل واحد من الشارين صاعاً.
المالكية - قالوا: إذا اشترى المصراة فحلبها فإن له ردها بشرك أن يرد معها صاعاً من غالب قوت بلده، ولا يشترط رد صاع التمر بخصوصه، ويحرم أن يرد اللبن فقط، إنما له رده مع رد الصاع. وكذا يحرم رد بدل الصاع من نفوذ أو غيرها. وإذا لم يحلبها ثم علم بأنها مصراة فله ردها بدون أن يلزم بالصاع. واللبن الذي يجب معه الرد هو لبن مأكول اللحم، أما غير مأكول اللحم فإنه لا يجب معه رد الصاع وإن كان يرد نفس الحيوان بالتصرية لأنها عيب فيه. وإذا كرر حلبها فلا يرد إلا صاعاً واحداً ما لم يدل تكرار الحلب على الرضا، وذلك كأن يحلبها لينتفع بلبنها.
أما إذا حلبها لاختبارها مرة أخرى فإنه لا يدل على الرضا، وإذا حلبها مرة ثالثة فإنها تدل على الرضا إلا إذا ادعى أنه حلبها الثالثة ليختبرها، لأنه الحلبة الثانية لم تكف في اختبارها ولكن عليه اليمين. فإذا حلبها بعد الثالثة كان ذلك رضا قولاً واحداً. وإنما يعتبر تكرر الحلبات ثلاثة أو أقل إذا حلبها في مواعيد حلبها، فإذا حلبها في يوم واحد ثلاث مرات وكانت عادتها حلبتين حسب له اثنان فقط. وإذا اشترى من بائع واحد شياهاً متعددة في عقد فوجدها مصراة كلها فإن له ردها، وعليه أن يدفع على كل واحدة حلبها صاعاً على الأرجح.
الحنفية - قالوا: إذا اشترى المصراة فليس له ردها بذلك العيب مطلقاً، وإنما له المطالبة بالتعويض عما نقص من قيمتها بذلك العيب. ويقولون: إن الحديث الوارد في ذلك وإن كان صحيحاً في ذاته ولكن يعارضه شيء واحد آخر، وهو أن القياس الثابت بالكتاب والسنة والإجماع قد دل على أن ضمان العدوان يكون بالمثل أو القيمة، وفي مسألة المصراة قد تعدى البائع بالتصرية تغريراً بالمشتري فعليه أن يضمن قيمة النقص الحاصل بالعيب. أما المشتري فلم يتعد بالحلب، وعلى فرض أنه تعدى فإنه يلزم بقيمة اللبن أو مثله، والتمر ليس واحداً منهما، فكان الحديث مخالفاً للقياس فلم يعمل به. وقال أبو يوسف: إنها ترد ويرد معها قيمة اللبن.
الحنابلة - قالوا: إذا اشترى المصراة فإن له ردها بذلك العيب وعليه أن يرد معها صاعاً من تمر عملاً بالحديث المذكور، ويسمون هذا خيار التدليسстр. 835
مبحث إذا كان في المبيع عيب باطني
إذا اشترى شخص سلعة فوجدها معيبة بعيب باطني لا يظهر للمشتري إلا بإحداث نقص في ذات المبيع من كسر أو شق، وذلك كالبطيخ والجوز واللوز والبيض ونحو ذلك، فإن كان باطنه فاسداً بحيث لا ينتفع به أصلاً فإن البيع في هذه الحالة يكون باطلاً، فعلى البائع أن يرد الثمن (١) كله إن كان قد قبضه، وليس على المشتري شيء لأن المبيع لا قيمة له. أما إن كان ينتفع به فإن فيه تفصيل المذاهب (٢) . الحواشي
(١) المالكية - لهم تفصيل في ذلك مذكور فيما سيأتي قريباً(٢) الشافعية - قالوا: إن كان بعض المبيع فاسداً لا ينتفع به وبعضه غير فاسد ينتفع به، كان للمشتري الحق في رده وأخذ ثمنه كاملاً بدون أن يلزم بشيء عما أحدثه فيه من التغير، لأن له العذر في ذلك حيث لا يمكنه معرفته إلا بكسره. وكذا إذا اشترى حيواناً فذبحه فوجد لحمه منتناً فإن له الحق في رده إذ كان لا يمكنه معرفته قبل ذبحه. أما إذا كان يمكنه ذلك بأن كان الحيوان مما يأكل النجاسة ويسمى "جلالاً" فإنه يسقط في الرد حينئذ.
وإذا كانت معرفة ما في باطن المبيع لا تتوقف على كسره فكسره، أو كانت تتوقف على كسر يسير فكسره كسر كبيراً فإنه في هذه الحالة لا يكون له حق في الرد، لأنه أحدث فيه عيباً ممكن اختيار المبيع بدونه.
وإذا اشترى شيئاً لبه فاسد وقشره ينتفع به كبيض النعام، فإن على المشتري أن يرده على بائعه ويأخذ ثمنه، بخلاف ما إذا اشترى شيئاً لا ينتفع بقشره فوجده فاسداً جميعه كبيض الدجاج والبطيخ، فإنه لا يلزم برده لكونه لا قيمة له، وعلى البائع أن يدفع له كل الثمن كما تقدم.
المالكية - قالوا: إذا اشترى شيئاً لا يعرف عيبه إلا بإحداث تغيير في ذات المبيع كالبطيخ والجوز والخشب المسوس إذا كان السوس غير ظاهر فإنه لا يعرف إلا بشقه أو كسره، فليس للمشتري أن يرده بعد أن يحدث فيه التغيير إلا إذا اشترط رده بذلك. أو جرى العرف على رد المبيع بمثل هذا العيب، لأن العرف كالشرط في هذا، وكما أن المشتري ليس له الحق في رده، كذلك ليس له الحق في المطالبة بتعويض عما نقص بسبب العيب.
وإذا كان في المبيع عيب باطني ولكن يمكن معرفته بدون إحداث تغيير في ذاته كالبيض "فإنه يمكن معرفته بعلامات خاصة بدون حاجة إلى كسره"، فإن له أحوالاً يختلف الحكم فيه باختلافها، وذلك لأنه إما أن يتبين أنه منتن ويسمى مذراً، وإما أن يتبين أن صفاره مخلوط ببياضه ولكنه لم ينتن ويسمى "ممروقاً" وعلى كل من الحالتين: إما أن يكون البائع مدلساً أي كتم العيب والذي به أو غير مدلس، فإن تبين أنه مذر فإن البيع يكون فاسداً، سواء كان البائع مدلساً أو غير مدلس، وسواء شواه المشتري بعدстр. 836
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) شرائه أو كسره ولم يشوه، أو عرفه قبل أن يفعل به شيئاً، وفي هذه الحالة يرد المشتري المبيع ويلزم البائع برد الثمن جميعه. أما إن تبين إنه ممروق والبائع غير مدلس، فإن كان المشتري قد عرفه قبل أن يكسره أو يشويه، فإنه يكون مخيراً بين أن يمسكه وبين أن يرده من غير أن يكون له أو عليه شيء، أو الشق، وبين إمساكه وأخذ العوض عن العيب القديم من البائع بأن يقوم وهو سالم ويقوم وهو معيب، فإن كان يساوي وهو سالم عشرة ويساوي وهو معيب ثمانية، فيرجع بنسبة ذلك من الثمن وهو اثنان أعني خمس الثمن.
وإذا تبين أنه ممروق والبائع مدلس، فإن كان المشتري قد كسره أو لم يفعل به شيئاً فإنه يكون مخيراً بين أن يمسكه ولا شيء له، أو يرده ويأخذ جميع الثمن ولا شيء عليه. أما إذا كان قد شواه فإنه لا يكون له الحق في رده، بل له الحق في أخذ العوض عن النقص بالطريق التي ذكرت.
ويشترط في ذلك كله أن يكسره في زمن قريب لا يتصور أن يتغير فيه البيض. أما إذا كسره بعد أيام يصح أن يتغير فيها فلا يكون له الحق في شيء. لأنه في هذه الحالة لا يعلم إن كان العيب قد حدث عند البائع أم عند المشتري.
الحنفية - قالوا: المبيع الذي لا يعرف عيبه إلا بإحداث تغيير في ذاته من كسر أو شق أو غيرهما كالبيض والبطيخ والجوز واللوز لا يخلو حاله: إما أن يكون جميعه فاسداً لا ينتفع به أصلاً كما إذا اشترى بيضاً فوجده منتناً، أو قثاء فوجده مراً، أو جوزاً فوجده خاوياً، ففي هذه الحالة يقع بيعه باطلاً، ويلزم البائع برد جميع ثمنه ولا شيء على المشتري. وكذلك إذا اشترى جوزاً فوجده خاوياً لا لب فيه فإن بيعه على هذه الحالة يكون باطلاً، ولا اعتبار بالانتفاع بقشره لأنه لا يعد مالاً مقدماً إلا باعتبار لبه على الراجح، بخلاف بيض النعام فإن لقشره قيمة، فإذا وجد باطنه فاسداً لم يكن بيعه باطلاً للانتفاع بقشره، فليس للمشتري رده، وإنما الرجوع بنقصان العيب. أما إذا كان يمكن الانتفاع به من بعض الوجوه ولو بجعله علفاً للدواب، فإنه لا يكون للمشتري في هذه الحالة الحق في رده، ولن يكون له الحق في الرجوع على البائع بعوض النقصان بحيث يقوم صحيحه وفاسده ويأخذ فرق ثمنه كما تقدم، الحق في العوض. وكذا إذا علم بالعيب قبل كسره ثم كسره سقط حقه في الرد وفي العوض لأن كسره بعد العلم بالعيب دليل على رضاه به.
وإذا اشترى شيئاً فوجد بعضه صحيحاً وبعضه فاسداً كان له الحق في الرجوع على البائع بحصة الفاسد من الثمن، إلا إذا كان الفاسد قليلاً لا يمكن الاحتراز عنه، أو لا يخلو المبيع عنه في العادة كالجوز واللوز فإنه يغتفر فيه إلى ستة فاسدة من كل مائة، وكذلك التراب القليل الذي لا يخلو عنه القمح في العادة فإنه يغتفر فيه ذلك.
الحنابلة - قالوا: إذا كان بعض المبيع فاسداً وبعضه صحيحاً فإن للمشتري الحق في أخذ قسطстр. 837
مبحث إذا عرضت زيادة على المبيع الذي به عيب
إذا عرضت زيادة على المبيع الذي يظهر فيه عيب، فتارة تكون هذه الزيادة متصلة به كجزء منه، وتارة تكون منفصلة عنه، وفي أحكامها تفصيل المذاهب (١) . الحواشي
(١) الشافعية - قالوا: الزيادة التي تعرض للمبيع أو للثمن إذا كان قابلاً للزيادة كالحيوان والزرع ونحو ذلك، تارة تكون متصلة وتارة تكون منفصلة، وضابط المتصلة هي التي لا يمكن فصلها عن محلها وإفرادها بالبيع على حدة، وذلك كما إذا اشترى حيواناً فسمن بعد أن كان هزيلاً، أو كبر بعد أن كان صغيراً، فإن السمن والكبر متصل بالحيوان وجزء منه لا يمكن فصله عنه. وكذا إذا اشترى شجرة صغيرة فكبرت. أما الزيادة المنفصلة فهي التي يمكن فصلها عن محلها وبيعها على حدة كثمرة الشجرة واللبن والبيض. وحكم الزيادة المتصلة: أنها تتبع الأصل في الرد، فإذا اشترى حيواناً فسمن أو كبر بعد العقد ثم وجد فيه عيباً يرد به فإن زيادته هذه تكون تابعة له في الرد. فلا يكون للمشتري الحق في أخذ تعويض عنها من البائع. وحكم الزيادة المنفصل. أنها تكون لمن حدثت في ملكه، فإن كان المبيع قد دخل في ملك المشتري بالعقد فله ما ينفصل عنه من ثمرة كلبن وبيض وصوف وإن رد المبيع قبل قبضه، لأن هذه الزيادة فرع الملك، والفسخ يبطل العقد من حين الفسخ لا من حين العقد. ومثل المبيع في ذلك الثمن إذا ملكه البائع فإن له ما ينفصل عنه من ثمره.
وإذا اشترى دابة حاملاً فلا يخلو: إما أن يكون ذلك الحمل قد حدث وهو في ملك البائع بأن كان قبل العقد، أو مقارناً له، أو حدث في ملك المشتري، وحكم الأول أنه يتبع أمه في الرد ولو بعد الولادة، فإذا رد أمه بالعيب لزمه أن يرد ولدها معها، وإذا نقصت بسبب الولادة لا يعتبر ذلك النقصان عيباً يمنع المشتري من الرد على المعتمد. ومثل الحمل المقارن الحمل الذي حدث قبل العقد. أما إذا حدث الحمل في ملك المشتري فلا يتبع الولد أمه في الرد بل يأخذه المشتري بعد ولادته.
الحنفية - قالوا: الزيادة التي تعرض للمبيع قسمان: متصلة به، ومنفصلة عنه، وكل منهما قسمان: متولدة من المبيع وغير متولدة منه. فالأقسام أربعة. الأول: زيادة متصلة بالمبيع متولدة عنه ككبر الحيوان وسمنه، وحكمها أنها لا تمنع رد المبيع الذي يظهر به عيب قديم على الصحيح، سواء عرضت له هذه الزيادة بعد أن قبضه المشتري، أو عرضت له بعد عقد البيع وقبل أن يقبضه، فإذاстр. 838
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) حيواناً هزيلاً فسمن عنده بعد قبضه، أو اشتراه فسمن عند البائع قبل قبضه ثم تبين له أن به عيباً يرد به، فإن له الحق في رده ولا يمنعه السمن من الرد. وكذلك إذا اشتراه صغيراً فكبر، كما أن له الحق في أن يمسك المبيع ويرجع على البائع بالعوض عن نقص المبيع بسبب العيب وليس للبائع أن يمنع عن دفع العوض عن النقص ويطلب رد المبيع بأن يقول للمشتري: إما أن ترد لي المبيع وتأخذ ثمنه كاملاً، وإما أن تمسكه بدون عوض.
الثاني: زيادة متصلة بالمبيع غير متولدة منه، كصبغ الثوب والبناء الحادث على الأرض، فإنه متصل بالمبيع ولكنه غير متولد منه، وحكمها: أنها تمنع رد المبيع باتفاق، فإذا اشترى أرضاً ثم بنى عليها، أو اشترى ثوباً فصبغه ثم وجد به عيباً فليس له رده به، حتى ولو قال البائع: أنا أقبله كذلك، وإنما له الحق في المطالبة بالتعويض عن النقص. سواء حدثت الزيادة قبل أو بعد قبضه لأنها قبل قبضه تكون تصرفاً في المبيع يكون به قابضاً.
الثالث: زيادة منفصلة متولدة من المبيع، كالولد واللبن والصوف إذا كان المبيع حيواناً، والتمر إذا كان المبيع شجراً، وحكمها: أنها تمنع الرد بالعيب بعد القبض لا قبله، فإذا اشترى دابة حبلى فولدت له ثم وجد بها عيباً قديماً ترد، فإن كان ذلك بعد قبضها فليس له ردها بالعيب، وإنما له المطالبة بالعوض عن العيب. أما إذا كان ذلك قبل قبضها فإن الولادة لا تمنع الرد، فإن شاء رد الولد مع أمه وأخذ الثمن، وإن شاء رضي بهما بجميع الثمن. وكذا إذا اشترى شجرة فأثمرت، فإن كان بعد قبضها فليس له ردها بالعيب، وإن كان قبل قبضها فله ردها بثمرها ومثل ذلك ما إذا اشترى حيواناً لا يحلب لبناً فحلب بعد شرائه، أو ليس له صوف فنبت له فإن حكمه كذلك.
الرابع: زيادة منفصلة غير متولدة من المبيع كالزيادة الحاصلة من غلة المبيع وكسبه كما إذا اشترى عبداً فكسب مالاً بتجارة، أو وهبه أحد مالاً، أو تصدق عليه بمال وحكمها أنها قبل القبض لا يمنع رد المبيع، فللمشتري أن يرده دون هذه الزيادة، فإنها للمشتري بدون ثمن ولكن لا تطيب له، وقيل: هي للبائع ولكن لا تطيب له أيضاً، أما بعد القبض فإن الزيادة المذكورة لا تمنع الرد أيضاً، ولكن المشتري يرد المبيع فقط وتكون الزيادة له طيبة.
المالكية - قالوا: الزيادة التي تحدث في المبيع عند المشتري قبل أن يطلع عيب قديم فيه تنقسم إلى خمسة أقسام:
القسم الأول: زيادة في عين المبيع من غير إحداث شيء فيه كسمن الدابة وكبر الصغير فإذا اشترى دابة هزيلة فسمنت عنده سمناً زائداً ثم اطلع على عيب قديم ترد به ففي ذلك خلاف، فقيل: إن سمنها يمنع ردها للبائع، وللمشتري الحق في المطالبة بالتعويض عن نقص العيب وقيل: إن سمنها يمنع ردها، فالمشتري مخير بين أن يردها ويأخذ كل الثمن ولا شيء له من الزيادة كما أنه لا شيء عليه من العوض عن السمن الكثير، وبين أن يمسكها ويأخذ عوض العيب القديم أما إذا كان السمن يسيراً يصلح به البدن فإنه لغو لا يترتب عليه شيء.стр. 839
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) القسم الثاني: زيادة من جنس المبيع تنسب إليه كالولد، فإذا اشترى دابة فولدت عنده سواء اشتراها حاملاً أو حملت عنده ثم اطلع على عيب قديم ترد بعد ولادتها، فللمشتري الحق في رد هذه الدابة ومعها ولدها ويأخذ الثمن، ولا فرق في ذلك بين أن يكون ولد أمه. أو ولد بقر، أو إبل، أو غنم، أو نحوها، وإذا أنقصت الولادة قيمة الدابة فلا يخلو: إما أن يكون الولد يجبر ذلك النقص أو لا فإن كان الولد يجبر النقص فلا شيء على المشتري، وإن كان لا يجبره فعلى المشتري أن يرد معها ما نقص من قيمتها.
القسم الثالث: زيادة تنسب للمبيع وتتعلق به ولكن ليست من جنسه، كثمر النخلة والشجرة فإن الثمر ليس من جنس الشجر وهو منسوب إليه ومتعلق به. وحكم هذا أنه لا يخلو: إما أن يكون البائع قد لقح النخلة حين الشراء واشترط على المشتري أن تكون ثمرتها له أو لا. فإذا كان الأول ثم تبين أن بها عيباً ترد به فإن للمشتري أن يرد المبيع وأن يرد معه ثمره ولو كان الثمر قد طاب أو قطع، فإن تصرف فيه المشتري بأكل أو إهداء أو هلك بآفة فعلى المشتري أن يرد مثله إن علم قدر كيله، فإن لم يعلم كيله فعليه أن يرد قيمته، وإن تصرف فيه بالبيع فعليه رد الثمن إن علمه، وعليه رد القيمة إن جهل الثمن.
أما إذا لم يكن البائع قد لقح الشجرة فإن ثمرتها للمشتري إذا قطعها قبل أن يردها فلا يردها للبائع حينئذ. أما إذا رد المبيع قبل قطع الثمرة فإن الثمرة ترد من البيع للبائع، إلا إذا تلونت بأن احمرت أو اصفرت فإنها تكون للمشتري.
وإذا لم يشترط البائع أن تكون الثمرة له فإنها لا تدخل في المبيع وتكون من حق البائع على أي حال، بخلاف الصوف فإنه يدخل في الغنم بدون شرط شرائه فيرد مع الغنم المعيبة، وإذا استهلكه ببيع ونحوه فعليه أن يرد وزنه إن علمه، وإلا فعليه أن يرد الغنم ويأخذ الثمن ناقصاً ثمن الصوف، إلا إذا نبت لها بعد جزء مثله فإنه لا شيء عليه، لأن الصوف الجديد حل محل المستهلك.
ومن الزيادة المتعلقة بالمبيع وليست من جنسه ككسب العبد، فإنه إذا اشترى عبداً فكسب العبد مالاً بسبب تجارة، أو وهبه أحد مالاً أو تصدق عليه بمال ثم وجد به عيباً قديماً يرد به بعد هذه الزيادة، كان المشتري بالخيار بين أن يرد بماله الذي كسبه، وبين أن يمسكه بزيادته ولا شيء له في الحالتي، إلا أن له الحق في المطالبة بثمن الدواء إن كان قد أنفقه، وكذا له الحق في المطالبة بسقي الزرع الذي رده مع ثمره.
القسم الرابع: زيادة أحدثها المشتري كصبغ الثوب وخياطته، فإذا اشترى ثوباً فصبغه ثم اطلع بعد الصبغ على عيب قديم في الثوب يرد، فهو بالخيار بين أن يمسك المبيع ويأخذ التعويض عما أحدثه العيب القديم من النقص، وله أن يرد الثوب كله ويأخذ الثمن كله زائداً نصف ثمن الصبغ بأن يقوم الثوب وهو معيب غير مصبوغ، أو يقوم وهو معيب مصبوغ، فإذا كانت قيمته وهو غير مصبوغстр. 840
مبحث إذا اختلف المتبايعان في شأن المبيع
إذا اختلف المتبايعان في شأن المبيع المردود بالعيب، ففي حكمه تفصيل في المذاهب (١) . الحواشي
(١) الحنفية - قالوا: اختلاف المتبايعين في شأن المبيع المردود بالعيب يشمل خمسة أمور: الأول: أن يختلفا في عدد المبيع كما إذا اشترى شخص من آخر دابة فقبضها بعد شرائها ودفع ثمنها ثم اطلع على عيب ترد به فجاء ليردها واعترف البائع بذلك العيب إلا أنه قال له: أنا بعتك هذه الدابة ومعها دابة أخرى، فلك رد حصة هذه فقط من الثمن لا رد الثمن كله، وقال المشتري: لم أشتر منك سوى هذه فاردد كل الثمن ولا بينة لهما، ففي هذه الحالة يكون القول للمشتري لأنه قابض منكر، إذстр. 841
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) هو قبض الدابة وأنكر زيادة الدابة الأخرى التي ادعاها البائع، والقول للمنكر بيمينه. وأيضاً فإن البيع انفسخ في الدابة التي ردها بالرد فأسقط ثمنها عن المشتري، والبائع يدعي بعض الثمن بعد ظهور سبب سقوط الثمن وهو الرد، والمشتري ينكر، والقول للمنكر كما علمت.
الثاني: أن يختلفا في عدد المقبوض لا في عدد المبيع بأن اتفقا على أن المبيع دابتان وأن البائع قبض ثمنهما ثم جاء المشتري ليرد إحداهما فقال البائع: إنك قد قبضت الاثنتين فلا تستحق إلا حصة هذه من الثمن، وقال المشتري: إنني لم أقبض سوى هذه التي أطلب ردها، وحكم هذا كالذي قبله يكون القول فيه للمشتري.
الثالث: أن يختلفا في صفة المبيع كما إذا اشترى "قطنية" مصرية بلدية فوجدها شامية فجاء ليردها لبائعها فقال البائع: إنني ذكرت لك أنها شامية، وقال المشري: بل ذكرت لي أنها بلدية، وحكم هذا: أن القول فيه للبائع بيمينه لأنه ينكر حق الفسخ، والبينة للمشتري لأنه مدع.
الرابع: أن يختلفا في قدر المبيع كما إذا اشترى سلعة موزونة ثم جاء ليردها بنقص وزنها فقال البائع: إنني وزنتها لك كاملة، فالقول للمشتري ما لم يسبق منه إقرار بقبض مقدار معين.
الخامس: أن يختلفا في تعيين المبيع كما إذا اشترى حيواناً واحداً ثم جاء ليرده فقال البائع: إنه ليس هو الحيوان الذي بعته لك، وقال المشتري: إنه هو. وهذا له حالتان: إحداهما: أن يكون الرد بخيار شرط أو رؤية. ثانيهما: أن يكون الرد بعيب قديم في المبيع. فإن كان الأول، فالقول للمشتري بيمينه، وإن كان الثاني، فالقول للبائع كذلك. والفرق بين الحالتين: أن المردود بخيار أو رؤية ينفسخ فيه العقد بلا توقف على رضا الآخر بل على علمه على الخلاف، ومتى انفسخ العقد يكون الخلاف بعد ذلك في العين المقبوضة وهي المبيع، وقد عرفت أن القول للقابض وهو المشتري في هده الحالة. أما المردود بالعيب فإن المشتري لا ينفرد بفسخ العقد فيه، ولكنه يدعي حق الفسخ في المبيع الذي أحضره، والبائع ينكر هذا الحق فالقول حينئذ يكون للمنكر.
الحنابلة - قالوا: اختلاف المتبايعين في شأن المبيع يشمل ثلاثة أمور: الأمر الأول: أن يختلفا فيمن حدث عنده العيب في المبيع فيقول البائع: إنه حدث وهو عند المشتري، ويقول المشتري: إنه حدث فيه وهو عند البائع، وهذا يتناول ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يكون حدوث العيب محتمل الوقوع عند البائع وعند المشتري كخرق الثوب ورفوه فإذا قال البائع للمشتري: إنك استلمت هذا الثوب سليماً وهذه الخروق حدثت عندك، وقال المشتري عكس ذلك ولا بينة لأحدهما، فإن القول في هذه الحالة يكون للمشتري. وعليه أن يحلف بالله جزماً أنه اشتراه وبه هذا العيب، أو أن هذا العيب ما حدث عنده. وللمشتري بعد اليمين رد المبيع إن لم يكن قد خرج من تحت يده إلى يد غيره بحيث لم يشاهده. أما إذا خرج من تحت يده كذلك فليس له الحلف ولا الرد، لأنه إذا غاب عنه احتمل حدوث العيب عند من انتقل إليه المبيع، فلم يجز للمشتري أن يحلف وهو جازم مع وجود ذلك الاحتمال.стр. 842
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الصورة الثانية: أن تدل العيب على أنه حادث عند البائع قطعاً فلا يحتمل حدوثه عند المشتري. كما إذا اشترى حيواناً فيه شجة تعيبه ولكنها مندملة ثم اطلع عليها بعد يوم أو يومين فإن اندمالها دليل على أنها قديمة لا يحتمل حدوثها عنه المشتري، وفي هذه الحالة يكون القول للمشتري بلا يمين.
الصورة الثالثة: أن تدل حالة العيب على أنه واقع عند المشتري قطعاً عكس الحالة الثانية كأن اشترى حيواناً وبعد مدة وجد فيه جرح جديد لا يتصور حدوثه وهو عند البائع بعد مضي هذه المدة. وفي هذه الحالة يكون القول للبائع بلا يمين.
الأمر الثاني: أن يختلفا في نفس المبيع المعين كأن يبيع حيواناً معيناً ليس ديناً في الذمة، ثم يرده المشتري فيقول البائع: إنه غير الحيوان الذي بعته، ويقول المشتري إنه هو، ويتناول هذا صورتين:
الصورة الأول: أن يكون الرد بسبب العيب القديم وفي هذه الصورة يكون القول للبائع بيمينه.
الصورة الثانية بأن يكون الرد بسبب خيار الشرط كما إذا اشترى حيواناً بشرط الخيار ثم جاء ليرده للبائع. وفي هذه الصورة يكون القول للمشتري بيمينه، والفرق بين الصورتين: أن الرد بالعيب ينكر فيه البائع حق الفسخ للمشتري، وينكر كون هذه السلعة هي التي باعها، والقول للمنكر بيمينه، أما الرد بشرط الخيار فإنه يعترف بحق الفسخ فيكون للمشتري القول لا له.
الأمر الثالث: أن يختلفا في الثمن المعين كما إذا اشترى السلعة المعينة بمثلها ثم ردها بعيب فردت له سلعته التي دفعها ثمناً فادعى أنها ليست هي، وقال البائع: إنها هي ولا بينة لأحدهما فالقول في هذه الحالة يكون للمشتري مع يمنه، ومثل ذلك ما إذا كان المبيع غير معين كما إذا اشترى ديناً في الذمة لأجل - وهو السلم - فإن المبيع فيه غير معين، فإذا قبضه المشتري ثم رده بعيب فقال البائع: إنه ليس هو وقال المشتري: إنه هو، فالقول للمشتري.
المالكية - قالوا: اختلاف المتبايعين في شأن المبيع يشمل أموراً أربعة.
الأول: أن يختلفا في رؤية العيب حين البيع، فيقول البائع للمشتري: إنك رأيت العيب وعلمت به قبل العقد، ويقل المشتري: لم أره ولم أعلم به، والقول في هذه الحالة يكون للمشتري. فله رد به قبل العقد، ويقلو المشتري: لم اره ولم أعلم بهن والقول في هذه الحالة يكون للمشتريز فله رد المبيع بدون يمين عليه إلا إذا ادعى البائع أنه أطلعه على العيب وبينه له. فإنه في هذه الحالة يكون على المشتري اليمين، فإن حلف كان له الحق في رد المبيع، وإن امتنع عن الحلف حلف البائع أن المشتري اطلع على العيب حين البيع، ولا يكون للمشتري الحق في الرد بعد حلف البائع، ومثل ذلك ما إذا أشهد المشتري على نفسه أنه عاين المبيع وبحثه قبل العقد ولكنه لم يطلع على العيب الذي يريد رده به. وقال له البائع: بل اطلعت عليه ورأيته حين العقد، فعلى المشتري أن يحلف بأنه ما رآه وله رده بعد الحلف، فإن لم يرض بالحلف حلف البائع بذلك ولزم المشتري المبيع.
الأمر الثاني: أن يختلفا في الرضا بالعيب الخفي بأن يعترف البائع بأن المشتري لم ير العيبстр. 843
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) حين البيع ولكنه رآه بعد ذلك ورضي به، وأنكر المشتري الرضا وقال: إنني لم أرض به، وهذا يشمل ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن تكون دعوى البائع غير مؤكدة بشيء، وحكمها: أن المشتري له رد المبيع بدون يمين.
الصورة الثانية: أن تكون دعواه مؤكدة بدعوى أخرى بأن يدعي أن شخصاً أخبره بأن المشتري رضي بالعيب بعد أن اطلع عليه ولم يسم ذلك الشخص وحكمها: أن للبائع تحليف المشتري بأنه ما رضي بالعيب بعد الاطلاع عليه. وهل للمشتري أن يحلف البائع بأن شخصاً أخبره قبل أن يحلف أو لا؟ خلاف.
الصورة الثالثة: أن يدعي البائع بأن فلاناً أخبره بأن المشتري رضي بالعيب ويسمي من أخبره، وفي هذه الحالة لا يخلو: إما أن يكون من سماه البائع أهلاً لأداء الشهادة، أو فاسقاً ليس أهلاً لها، ويسميه المالكية "مسخوطاً" لأن الله تعالى سخط عليه لفسقه.
فإن كان أهلاً لأداء الشهادة وأثبت البائع رضا المشتري بالعيب بشهادته، حلف البائع معه وتم البيع، فلا يفيد المشتري حينئذ دعوى عدم الرضا، وإن لم يكن أهلاً للشهادة، أو كان أهلاً لها ولكن البائع لم يثبت رضا المشتري بشهادته، حلف المشتري بأنه ما رضي ورد المبيع وإنما وجبت اليمين على المشتري في حال فسق الشاهد، لأن تصديقه للبائع يرجح دعواه في الجملة، فإن كذب المخبر البائع فلا يمين على المشتري، سواء كان المخبر عدلاً أو فاسقاً على الظاهر.
الأمر الثالث: أن يختلفا في قدم العيب وعدمه إذا كان العيب خفيفاً غير ظاهر، أو كان ظاهراً ولكن من شأنه أنه يخفى على غير المتأمل، فيدعي المشتري أنه قديم موجود في المبيع قبل العقد، ويدعي البائع أنه حدث وهو عند المشتري ويشمل هذا خمس صور:
الصورة الأولى: أن لا يكون لأحد المتبايعين بينة تشهد بدعواه، وفي هذه الصورة يكون القول للبائع بلا يمين، فيتم البيع ما لم يكن في المبيع عيب قديم آخر ثابت مع العيب المشكوك فيه، فإنه في هذه الحالة يكون القول للمشتري بأن العيب المشكوك فيه ما حدث عنده وعليه اليمين.
الصورة الثانية: أن تقوم بينة من أهل الخبرة تشهد للبائع بأن العيب حادث عند المشتري قطعاً، وفي هذه الصورة يكون القول بلا يمين.
الصورة الثالثة: أن تقوم البينة المذكورة للبائع فتشهد بما يفيد الظن أو الشك في حدوث العيب عند المشتري، وفي هذه الصورة يكون القول للبائع بيمينه.
الصورة الرابعة: أن تقوم البينة للمشتري فتشهد بأن العيب قديم قطعاً، وفي هذه الصورة يكون القول للمشتري بلا يمين فله رد المبيع.стр. 844
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) الصورة الخامسة: أن تقوم البينة للمشتري فتشهد بما يفيد الظن أو الشك في قدم العيب، وفي هذه الصورة يكون القول للمشتري بيمينه فله الرد.
فإذا كان العيب ظاهراً يمكن معرفته بمجرد النظر فإنه لا يرجع فيه لبينة ولا غيرها، بل يحمل على أن المشتري علمه ورضي به، فلو شهدت البينة بقدمه قطعاً لا تنفعه حينئذ.
الأمر الرابع: أن يختلفا في نفي العيب الخفي فيقول البائع: إنه غير موجود أصلاً، ويقول المشتري: إنه موجود، وفي هذه الحالة يكون القول للبائع بلا يمين، لأن الأصل عدم العيب، فيعمل به ما لم توجد أمارة تضعف قول البائع، فإنه في هذه الحالة يكون القول قوله بيمين. مثال ذلك: أن يشتري حيواناً به عيب لا يعرف بالحس حين البيع ثم ظهر للمشتري ذلك العيب بعد البيع أثناء الاستعمال فأنكر البائع وجود ذلك العيب، وقال المشتري: إنه موجود، فالقول للبائع بلا يمين إلا إذا أودع الحيوان عند أمين يستعمله ليعرف إن كان هذا العيب موجوداً أو لا، فقال الأمين إنه موجود، ففي هذه الحالة يكون القول للبائع ولكن عليه اليمين، لأن قول الأمين أضعف دعواه وهي إنكار العيب رأساً.
ولا يشترط في شهود قدم العيب أو حدوثه الإسلام ولا العدالة، ويكفي في الشهادة بهما شاهد واحد لأنها خبر لا شهادة، إنما يشترط فيها عدم التجريح بالكذب.
الشافعية - قالوا: إذا اختلف المتبايعان في قدم العيب وحدوثه فإن ذلك يشمل خمس صور:
الصورة الأولى: أن يختلفا في عيب واحد بال حاله على أنه يمكن حدوثه وقدمه، ولا قرينة ترجح صدق أحدهما على الآخر، بل يكون صدق كل واحد منهما محتملاً، فإذا ادعى البائع في هذه الحالة أن العيب حادث وهو عند المشتري فإنه يصدق بيمينه؛ لأن الأصل استمرار العقد لا فسخه، وإنما قالوا إن عليه اليمين لاحتمال صدق المشتري.
الصورة الثانية: أن يبيع شيئاً بشرط البراءة عن العيوب كأن يقول: أبيعك هذا الحيوان مثلاً بشرط أنني لا أكون مسؤولاً عن عيب فيه، وقد عرفت مما تقدم أن هذا الشرط لا يتناول سوى العيوب الباطنية التي تكون موجودة في الحيوان بالفعل وقت البيع، فلو كان سليما من العيوب ثم حدث فيه عيب بعد العقد قبل أن يقبضه المشتري فإنه يرد به، ففي هذه الحالة لو ادعى المشتري أن العيب حدث بعد البيع وقبل القبض فيرد به المبيع وقال البائع: إنه عيب قديم قد شرطت البراءة منه فأنا غير مسؤول عنه، فإن القول يكون للبائع بيمينه.
الصورة الثالثة: أن يختلفا في عيبين فيقول المشتري: إنهما قديمان، ويقول البائع: إن أحدهما قديم والآخر حادث، وفي هذه الحالة يكون القول للمشتري بيمينه، فإن امتنع المشتري عن اليمين فلا يحلف البائع في هذه الحالة بأن ترد اليمين عليه لأنه لا فائدة في حلفه، فإن امتناع المشتري عن الحلف لا يثبت له حقاً قبل المشتري، وإنما يسقط حق المشتري في الرد القهري، ويكون الحكم كماстр. 845
مبحث خيار الرؤية وبيع الغائب
قد علمت مما تقدم أنه يشترط لصحة البيع أن يكون المبيع والثمن معلومين للبائع والمشتري، فلا يصح بيع المجهول جهالة تفضي إلى التنازع بين المتبايعين، وغرض الشريعة السمحة من ذلك حسن جميل، لأنها إنما تريد القضاء على تفشي الخصومات ما بين الناس، وقطع التنازع والشقاق من بينهم. فلهذا قضت بفساد عقود البيع التي من شأنها إثارة التنازع والخصومات، وهذا القدر متفق عليه بين أئمة المذاهب الأربعة كما تقدم في شرائط البيع، ولكنهم قد اختلفوا في بعض الصور التي لم يكن المبيع فيها واضحاً من جميع جهاته، والتي يكون فيها المبيع مجهولاً ولكن يمكن القضاء على التنازع بسبب آخر، ومن ذلك بيع الغائب المقترن بخيار الرؤية، فإن معظمهم على صحته على تفصيل موضح في أسفل الصحيفة
(١) . الحواشي
(١) الشافعية - قالوا: لا يصح بيع الغائب عند رؤية العائدين أو أحدهما، سواء كان المبيع غائباً عن مجلس العقد رأساً، أو موجوداً به ولكنه مستتر لم يظهر لهما، ولا فرق في ذلك بين أن يوصف بصفة نبين جنسه كأن يقول: بعتك إردباً من القمح الهندي، أو القمح البلدي، أو لا، كأن يقول: بعتك إردباً من القمح ولم يذكر أنه هندي أو بلدي، فإنه ما دام غائباً عن ريتهما فإن بيعه لا يصح عل أي حال، وهذا القول هو الأظهر عندهم. وهناك قول آخر خلاف الأظهر، وهو أن يصح بيع الغائب إن علم جنسه بوصف يبينه كما في المثال الأول، والقول الثاني موافق لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة من صحة بيع الغائب المعلوم جنسه بالوصف على أن يكون للمشتري الخيار في رده عند رؤيته كما ستعرفه من التفصيل الآتي.
ورؤية المبيع عند الشافعية تكفي عن شمه وذوقه فيما يذاق ويشم، كالعسل والسمن والفاكهةследующие страницы →