← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 985

التصحيح والترجيح على مختصر القدوري

ابن قطلوبغا

Полный текст (471 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

أصل هذا الكتاب رسالة علميّة بعنوان: "التصحيح والترجيح لابن قطلوبغا، دراسة وتحقيق"، نال بها الباحث درجة الماجستير في الدراسات الإسلامية، وأجيزت بتقدير: جيّد جدًّا مع التنويه، وقد نُوقشت بتاريخ ١٤/ ربيع الأول/ ١٤٢٢ هـ، الموافق: ٦/ ٦/ ٢٠٠١ م. وكانت لجنة المناقشة والحكم على الرسالة مكونة من: • سماحة المفتي الشيخ خليل المَيْس/ مشرفًا. • الأستاذ الدكتور رضوان السَّيِّد/ مشرفًا. • الشيخ الدكتور أحمد اللَّدَن/ عضوًا. • الشيخ الدكتور أنس طَبّارَة/ عضوًا.

стр. 2

بِسمِ اللَّهِ الرَحّمَن الرّحِيمِ شكر وتقدير الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن وفى، وبعد: فإني أشكر شكرًا جزيلًا كل من أسدى إليّ عونًا أو معروفًا خلال رحلة تحقيق هذا الكتاب، من توجيه أو نصح، أو زيارة لمكتبة أو إعارة لكتاب. وأخص بالشكر والتقدير أستاذي الكريم سماحة المفتي الشيخ خليل المَيْس حفظه الله، الذي أشرف على هذا العمل العلمي. والعرفان الجميل والشكر الجزيل إلى من كان لي عونًا على الطريق الذي ألتمس فيه علمًا: والديّ الكريمين، اللهم بارك فيهما، وارحمهما كما ربياني صغيرًا. وأشكر إدارة مكتبة المعهد العالي للدراسات الإسلامية، التابع لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت، بما كان لها من يدٍ في تأمين بعض النسخ المخطوطة لهذا الكتاب. كما أشكر إدارة المكتبة العامة في أزهر البقاع لتشجيعها على التفرغ للبحث، عبر تسهيل الإقامة في مبنى المكتبة. ولا أنسى أن أخصّ بالشكر والدعاء أساتذتي ومشايخي الفضلاء، الذين تتلمذت على أيديهم في أزهر البقاع، وفي كلية الشريعة التابعة لدار الفتوى في بيروت، وفي بعض مساجد دمشق، وأخيرًا في المعهد العالي للدراسات الإسلامية، حيث كان هذا الجهد. أسأل الله العظيم القبول والتوفيق، والعفو عن الذنوب والتقصير. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. ضياء

стр. 3

بِسمِ اللَّهِ الرَحّمَن الرّحِيمِ مقدمة سماحة المفتي الشيخ خليل المَيْس الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد: فإن الواجب على من أراد أن يعمل لنفسه أو يفتي غيره أن يتبع القول الذي رجّحه علماء مذهبه، ولا يجوز له اختيار أحد القولين أو الوجهين من غير نظر، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم، وأيضًا فإن كلًّا من القاضي والمجتهد لا يحل لهما الحكم أو الإفتاء بغير الراجح؛ لأنَّه اتباع للهوى وهو حرام شرعًا .. وقد نُقل عن ابن كمال باشا قوله: "لابدّ للمفتي أن يعلم حال من يفتي بقوله. . من حيث مرتبته في الرواية، ودرجته في الدراية، وطبقته من بين طبقات الفقهاء، ليكون على بصيرة وافية في التمييز بين القائلين المتخالفين، وقدرة كافية في الترجيح بين القولين المتعارضين. . .". هذا، وللتمييز بين الروايات عن صاحب المذهب، والمفاضلة بين أقوال فقهائه، لا بدّ من تحصيل درجة فقهية تعرف عند أهل الاختصاص بطبقة أصحاب الترجيح من المقلّدين كأبي الحسين القُدُوري (- ٤٢٨ هـ) وصاحب الهداية (- ٥٩٣ هـ) وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر، بقولهم: هذا أولى، وهذا أصح رواية، وهذا أوضح دراية، وهذا أوفق للقياس، وهذا أرْفق للناس. . . وقد التزم هؤلاء في مصنفاتهم وضع القول الصحيح من المذهب، الذي هو ظاهر الرواية، فيكون ما في غيرها مقابل الصحيح، ما لم يصرَّح بتصحيحه، فيقدم عليها لأنها تصحيح صريح فيقدم على التصحيح الالتزامي.

стр. 4

هذا وإن اختلاف الروايتين ليس من باب اختلاف القولين؛ لأن القولين نصّ المجتهد عليهما، بخلاف الروايتين، فالاختلاف في القولين من جهة المنقول عنه لا الناقل، بينما الاختلاف في الروايتين من جهة الناقل لا المنقول عنه. ولا بد من الإشارة إلى أن كثيرًا من الأحكام التي نصّ عليها المجتهد صاحب المذهب، بناء على ما كان في عرفه وزمانه، قد تغيرت بسبب تغير الزمان، أو فساد أهله، أو عموم الضرورة. . من ذلك إفتاء المتأخرين بجواز الاستئجار لتعليم القرآن. . وعدم الاكتفاء بظاهر العدالة. . وتضمين الأجير المشترك، وإفتاؤهم بتضمين الغاصب عقار الوقف واليتيم. . وغيرها من المسائل المبنية على العرف، لا على الحجّة والبرهان. . وإن عبارتي (التصحيح) و (الترجيح) مصطلحان فقهيان، يقصد بالأولى منهما ما صح نسبته من الأقوال إلى الإمام أبي حنيفة ﵁، برواية كبار تلاميذه كأبي يوسف ومحمد بن الحسن. وأما (الترجيح) فيكون ما بين أقوال أصحابه الذين كانت لهم القدم الراسخة في الفقه، حيث تميّز المذهب الحنفي عن سائر المذاهب الفقهية الثلاثة بأنه مذهب جماعي، وإن القضاء أو الإفتاء بمقتضى مذهب الإمام يتعيّن أن يكون بالقول الراجح في المذهب، لذلك كله اقتضى إفراد هذين المصطلحين بمصنف يكون عمدة في هذا الباب. وقد توجهت عناية العلامة قاسم بن قطلوبغا الحنفي، المتوفى سنة ٨٧٩ هـ، إلى وضع مصنفه "الترجيح والتصحيح" على مختصر القدوري، - الذي يعتبر في مقدمة المتوفى المعتبرة في نقل المذهب - حيث عمد إلى ما ورد فيه من مسائل الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه، وبيّن القول الصحيح، المعتمد في المذهب. وظلّ هذا الكنز مطويًّا في خزائن المخطوطات حوالي خمسة قرون، حتى قيّض الله تعالى له الباحث الفاضل الشيخ ضياء يونس فاختاره ليكون موضوع أطروحته العلمية لنيل درجة الماجستير من المعهد العالي للدراسات الإسلامية

стр. 5

/المقاصد/ .. وعكف عليه بشغفٍ وصدق عزيمة، وأعطاه من الجهد ما يستحق، بحثًا وتنقيبًا واستقصاء وتحقيقًا، حتى أخرجه في حلة قشيبة زادت في قيمة هذا الكنز المضنون به على أهله، واستحق تقديرًا لجهده العلمي المميز، التنويه من اللجنة المناقشة حيث أوصت بطباعته، ليكون في متناول الباحثين، ويعمّ نفعه بين طلبة العلم الشرعي، علمًا بأن هذا البحث هو باكورة عمله العلمي، كما أن الباحث هو في مقدمة من حصّل رتبة الماجستير من خريجي أزهر البقاع، وإننا لنرجو الله تعالى أن يحسن مثوبته، ويجعل هذا العمل مقبولًا ومباركًا، كما بورك في الكتاب الأصل (متن القدوري) والذي وُفِّق من قبل ابن قطلوبغا لخدمته، بحيث صار عمدة لكل من جاء بعده من الفقهاء وفي مقدمتهم ابن عابدين ﵀. . والذي اتخذ من "التصحيح والترجيح" مرجعًا لا يكاد يتجاوزه في رسالته (رسم المفتي)، ومادة علمية غزيرة لحاشيته (ردّ المحتار). ونأمل أن يكون هذا الجهد من الباحث الفاضل منطلقًا له في مسيرة البحث العلمي، تحقيقًا وتصنيفًا وإبداعًا مميّزًا بإذنه تعالى وتوفيقه. . والله ولي التوفيق. غزة ذي القعدة سنة ١٤٢٢ هـ المقابل ١٥ كانون الثاني سنة ٢٠٠٢ م وكتبه مفتي زحلة والبقاع الغربي مدير أزهر لبنان وأزهر البقاع الشيخ خليل الميس

стр. 6

بِسمِ اللَّهِ الرَحّمَن الرّحِيمِ مقدّمة التحقيق الحمد لله، وفّق للفِقه في الدّين من أراد به خيرًا من عباده المؤمنين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ورضي اللّه عن الخلفاء الأربعة الراشدين، ورَحِمَ الأئمة الأربعة المجتهدين، وكل من سار على نهجهم إلى يوم الدين. وبعد؛ فلقد اتفقت الأمة في عصورها المتعاقبة، على الرجوع إلى أحد المذاهب الفقهية الأربعة المتّبَعة، إذ إنّ هذه المذاهب ورغم اختلافها في كثير من المسائل العمليّة، لم تخرج على ما كان عليه الصحابة الكرام، ولم تحِد عن مناهجهم في استنباط الأحكام، وقد اعتبر العلماء الخلافَ الفقهي خَصِيصةً لهذه الأمة، وتوسعة في شريعتها السَّمْحة. وإنه لمن حكمة الله ورحمته أن أودع في أصول هذه الشريعة قواعد كلية ومبادئ عامة، كفيلة بتنظيم حياة الناس في الأزمنة والأمكنة كافة، "ولو التزمنا ألّا نحكم [بحكم] إلّا حتى نجد فيه نصًّا، لتعطّلت الشريعة، فإن النّصوص فيها قليلة. . وإنما هي الظواهر والعمُومات والأقيسة" (١). ولمّا تعدّدت الاجتهادات (٢) في القواعد والمسائل الأصولية المستنبطة، كان لا بدّ من تعدد الأقوال في تعيين الأحكام. . فتنوّعت المذاهب الفقهية، فاجتهد علماء المسلمين من بعد، في دراسة تلك المذاهب وتنقيحها وبيان أصولها وفروعها. . ولقد حظي مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ بعناية خاصة منذ مراحل _________ (١) "الجامع لأحكام القرآن"، للإمام القرطبي، ٦/ ٢٨٩، وما بين الحاصرتين زيادة من المحقِّق. (٢) إن النصوص الشرعية ليست على مرتبة واحدة من حيث الثبوتُ والدلالة، إذ منها ما هو قطعىٌّ الثبوت؛ قطعي أو ظنيّ الدلالة، ومنها ما هو ظني الثبوت؛ قطعي أو ظني الدلالة، والاختلاف في تفسير الظنَيّات لا بُدَّ واقع فطرةً وخِلقةً، لاختلاف طبيعة العقول ..

стр. 7

تدوينه الأولى، حيث أيّد الله تعالى الإمام بأصحابِ أئمة مجتهدين، بحثوا معه المسائل ودوّنوا معه الكتب، إذ "كان أصحاب أبي حنيفة الذين دوّنوا معه الكتب أربعين رجلًا كبراء الكبراء" (١). ثم صنَّف الإمام محمد بن الحسن الشيباني كتبًا تلقّاها علماء الأمصار من بعده بالرضا والقَبول، وكانت عمدة المذهب الحنفي، ومرجعًا لمن ألّف في الفقه من بعده، وهي الكتب التي سمّيت بظاهر الرواية، وقد قيل في شأنها: "إن القاضي المقلِّد لا يجوز له أن يحكم إلا بما هو ظاهر الرواية، لا بالرواية الشاذة، إلّا أن ينصّوا على أن الفتوى عليها" (٢). وكتب ظاهر الرواية ستة: "المبسوط، والزيادات، والجامع الصغير، والسِّيَر الصغير، والجامع الكبير، والسير الكبير"؛ وقد يسمونها مسائل الأصول، وهي مروية عن الإمام محمد بالأسانيد الصحيحة الثابتة، وهي إمّا متواترة أو مشهورة عنه (٣). ثم جمع الحاكم الشهيد (- ٣٣٤ هـ) كتب محمّد الستة في كتاب "الكافي" ولقي كتابُه هذا الكثير من التقدير تبعًا لأصوله، قال العلامة إبراهيم البيري (- ١٥٩٩ هـ) في "شرح الأشباه" (٤): "أعلم أن كتب مسائل الأصول: كتاب الكافي للحاكم الشهيد، وهو كتاب معتمد في نقل المذهب". وقد شرحه جماعة من العلماء منهم شمس الأئمة السرخسي (- ٤٨٣ هـ) وهو الشرح الذي اشتهر بـ: "مبسوط السرخسي"، وقد نال كذلك الثّقة والاعتماد في المذهب، حيث "لا يُعمل بما يخالفه، ولا يُركَن إلّا إليه، ولا يفتى ولا يعوّل إلا عليه" (٥). ولقد حرص الأئمة الفقهاء قديمًا كالإمام أبي جعفر الطّحَاوي (- ٣٢١ هـ)، والإمام أبي الحسن الكَرْخي (- ٣٤٠ هـ)، والإمام أبي الحسين القُدُوْرِي (- ٤٢٨ هـ)، على وضع مختصرات تجمع مسائل الفقه المعتمدة، وتضبط أقوال الفقهاء المعتبرة في المذهب، مع الدقّة في العبارة والتمحيص في الصياغة، فجاءت كتبهم موجزة _________ (١) "حُسْن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي" للكوثري ص ١٢، وفيه أن الخبر المذكور رواه الإمام الطّحاوي بسنده إلى المغيرة بن حمزة. (٢) رسالة "رسم المفتي" - ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين - ١/ ١٦. (٣) انظر: "رد المحتار على الدر المختار"، للعلامة ابن عابدين ١/ ٤٧، و"رسم المفتي" له ١/ ١٦. (٤) ونقله في: "رد المحتار" ١/ ٤٧، ٤٨، و"رسم المفتي" ١/ ٢٠. (٥) "حاشية ابن عابدين" ١/ ٤٧، ٤٨.

стр. 8

العبارة جامعة الإشارة، حتى يسهل على طالب العلم أن يستظهرها بأيسر طريق، وفي أقل زمن. ولما كان مصنفو هذه المختصرات من كبار الفقهاء وحذّاق الأئمة، وقد التزموا فيها إيراد الراجح والمقبول في المذهب، صارت متونهم "موضوعة لنقل المذهب مما هو ظاهر الرواية" (١)، فمسائلها ملحقة بمسائل الأصول في صحتها وعدالة رواتها، "وقد تواترت عن مصنفيها كما لا يخفى. ." (٢). واهتمّ عامّة علماء المسلمين قديمًا وحديثًا بتلقين النشء وتحفيظهم تلك المتون المختصرة الجامعة، لتكون نواةً صالحة، أو رُكنًا ثابتًا لما يمكن أن يبنى عليها من فقه وعلم. يقول الإمام فخر الإسلام قاضي خان (- ٥٩٢ هـ): "ينبغي للمتفقه أن يحفظ كتابًا واحدًا من كتب الفقه دائمًا، ليَتيسّر له بعد ذلك حفظ ما يسمع من الفقه" (٣). ثم اتسع اهتمام العلماء بالمختصرات، وصنفوا لها شروحًا كثيرة، بل إن أسلوب كتابة "الشروح" و"الحواشي" في التصنيف الفقهي، كان هو الأسلوب المعتمد الغالب عبر قرون عديدة. ومع انتشار حركة الشروح هذه، ومع جهود العلماء الكبيرة في تنظيم الأبواب الفقهية وجمع شتات المسائل وتعليلها وتخريج الحوادث والنوازل على الأصول، يتبيّن للناظر مدى اختلاف الروايات وأقوال الأئمة في أغلب المسائل، وتشعّبِ آراء المجتهدين في المذهب، والمخرّجين عليه حول ما استجدّ من الوقائع. لهذا، دعت الحاجة إلى ظهور أسلوب جديد في التأليف والكتابة، ونمط غير مسبوق في التعليق على المختصرات، من شأنه تقريب تلك المسائل - المختلف فيها - للطلاب، ببيان القول الصحيح المعتمد في المذهب سواء إذا تعدّدت أقوال الإمام في مسألة، أو عند اختلاف الأئمة - أبي حنيفة وأصحابه -، أو عند اختلاف الرواية عنهم في مسألة من المسائل، وإظهار الرأي الراجح من بين الآراء الاجتهادية المختلفة، فيكون ذلك المصنَّف ضابطًا لفتاوى المفتين، وموحِّدًا لأقضية القضاة _________ (١) "رسم المفتي" ١/ ٣٧. (٢) "حاشية ابن عابدين" ١/ ٤٩. (٣) "تعليم المتعلم طريق التعلم"، للزّرْنُوجي، ص ٨٣.

стр. 9

الحاكمين، فلا يُعمل بالمرجوح في مقابلة الراجح اتباعًا لرأي قد يقوده الهوى. وكان على من استشرف في نفسه الملكة الفقهية، والقدرة على الاجتهاد أو استحضار أقوال المجتهدين وأصحاب الترجيح، أن يفرد كتابًا بالتصنيف يبرز فيه هذا النوع من المسائل تيسيرًا للطلاب المبتدئين، وتقريبًا للعلماء المتفقّهين "وإنْ كان ذلك موجودًا في الشروح والمطوْلات، إلا أنهم أسعفوا بذلك من لم يصل إلى تلك" (١). وبالفعل؛ كان أوّل من سبق إلى هذا النوع من الدراسة المتخصّصة في المذهب الحنفي (٢) هو العلامة الفقيه المحدّث الشيخ قاسم بن قُطْلُوبُغا رحمه الله تعالى، حيث ألّف كتابه هذا: "التصحيح والترجيح"، وجمع فيه مختلف الأبواب الفقهية تبعًا لمسائل "مختصر القدوري"، مصحّحًا القولَ المعتمد، وذلك وَفْق منهج ذكره في تقدمته للكتاب، مع زيادات وتعليقات وتحقيقات. . ولقد رأيت من واجبي - وأنا أخدم كتابًا في الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة، ﵁ - أن أصدِّره بدراسة أذكر فيها بعض مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان، وكيف دُوّن مذهبه. . وطبقاتِ الفقهاء في المذهب الحنفي، وأنواع المسائل فيه، ثم الكلام على مختصر القدوري إذ هو الأصل الذي اعتمد عليه مصنف "التصحيح والترجيح" للتعليق على مسائله الخلافية، وهو ما شكّل المدخل للكتاب. ثم أتبعت هذا المدخل بدراسة حول الكتاب وقسمتها إلى ثلاثة فصول: الفصل الأول؛ ترجمت فيه للشيخ قاسم بن قطلوبغا ترجمة موسعة، وذكرت مكانته بين العلماء، كما فصّلت القول في بيان كتبه ورسائله. ثم الفصل الثاني، وهو دراسة علميّة لكتاب "التصحيح والترجيح"، وفيه ثلاثة مباحث؛ المبحث الأول: أهمية كتاب التصحيح، والمبحث الثاني: حول مسألة الترجيح في المذهب الحنفي، والمبحث الثالث: منهج المؤلف في كتابه. _________ (١) من مقدّمة المؤلف، ص ١٣٢. (٢) يشير المصنف رحمه الله تعالى في أواخر مقدمته ص ١٣٢، إلى أنه وضع هذه التصحيحات، تأسّيًا بما فعله الأئمة من الشافعية لمختصراتهم، وقد ذكرت أمثلة على ذلك عند التعليق على الموضع المذكور من المقدمة.

стр. 10

أما الفصل الثالث فهو دراسة وصفيّة لكتاب "التصحيح والترجيح"، وقد بحثت فيه الأمور التالية: تسمية الكتاب، تاريخ تأليفه، وصف النسخ المخطوطة المعتمدة في التحقيق، وأخيرًا، عملي في التحقيق. . أسأل الله ﵎ القَبول والتوفيق والسّداد، والحمد لله أوّلًا وآخرًا. وكتبه: ضياء يونس يونس لالا - البقاع - لبنان dyyb@maktoob.com ١٤٢٢ هـ / ٢٠٠١ م

стр. 11

المدخل - الإمام أبو حنيفة، وسنده في العلم: يقول التابعي الجليل مسروق بن الأجدع ﵀: "شاممت أصحاب رسول الله ﷺ فوجدت علمهم انتهى إلى سِتّة: عمر وعليّ وعبد الله ومعاذ وأبي الدرداء وزيد بن ثابت، ثم شاممت السّتّة فوجدت علمهم انتهى إلى علي وعبد الله. ." (١). وعبد الله، هو ابن مسعود ﵁ الذي قال فيه عمر بن الخطاب ﵁ عندما أرسله إلى الكوفة: "إني قد بعثت إليكم بعمار بن ياسر أميرًا، وعبد الله بن مسعود معلِّمًا ووزيرًا. . فاقتدوا بهما واسمعوا قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي" (٢). ولقد عني ابن مسعود بتفقيه أهل الكوفة وتعليمهم القرآن منذ أن بُنيت تلك المدينة سنة: (١٧ هـ)، إلى أواخر خلافة عثمان ﵁، عناية لا مزيد عليها، إلى أن امتلأت الكوفة بالقرّاء والفقهاء والمحدّثين، بحيث أبلغ بعض ثقات أهل العلم (٣) عدد من تتلمذ على يديه نحو أربعة آلاف عالم وتلميذ. . حتى إن علي بن أبي طالب ﵁ لما انتقل إلى الكوفة سُرّ من كثرة فقهائها وقال: "رحم الله ابن أمِّ عبد، قد ملأ هذه القرية علمًا (٤) ". وكان من أبرز فقهاء الكوفة من التابعين: علقمة بن قيس النَّخَعي المتوفى سنة ٦٢ هـ، قال عنه ابن مسعود ﵁: "لا أعلم شيئًا إلّا وعلقمة يعلمه" (٥)، وإن مِن أبرز مَن تفقه على علقمة: إبراهيم بن يزيد النخعي، العالم التابعي الإمام، _________ (١) قال الحافظ الهيثمي في: "مجمع الزوائد" ٩/ ١٦٠: "رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، غير القاسم بن معين وهو ثقة". (٢) "طبقات ابن سعد" ٦/ ٧، ٨. (٣) هو الإمام السرخسي في "المبسوط" ١٦/ ٦٨. (٤) انظر: "فقه أهل العراق وحديثهم"، للإمام الكوثري، ص ٥٢. (٥) المرجع السابق، ص ٥٦.

стр. 12

المتوفى سنة ٩٦ هـ، الذي قيل فيه (١): "إنه ما ترك أحدًا أعلم أو أفقه منه". وكان الفقيه المجتهد حماد بن مسلم بن يزيد (- ١٢٠ هـ) من أخص تلامذة إبراهيم النخعي، بل هو أنبلهم وأفقههم وأقيسهم وأبصرهم بالمناظرة والرأي (٢). ولقد لازم الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، هذا الإمام الجليل - حمادًا - ثماني عشرة سنة (٣) فاستفاد من علمه وأدبه الكثير. قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٤): "فأفقه أهل الكوفة: علي وابن مسعود، وأفقه أصحابهما: علقمة، وأفقه أصحابه: إبراهيم، وأفقه أصحاب إبراهيم: حمّاد، وأفقه أصحاب حماد: أبو حنيفة"!. وفي تاريخ بغداد (٥) للخطيب البغدادي، بسنده إلى أبي حنيفة قال: "دخلت على أبي جعفر أمير المؤمنين، فقال لي: يا أبا حنيفة، عمّن أخذت العلم؟ قال: قلت عن حماد عن إبراهيم عن عمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، قال: فقال أبو جعفر: بخ بخ، استوثقت ما شئت يا أبا حنيفة. .". وأبو حنيفة هو: النُّعْمان بن ثابت بن المرزُبان، الإمام الأعظم والعلامة الأشهر، أحد كبار المجتهدين في عصر التابعين، ولد في الكوفة سنة: ثمانين، وتوفي في بغداد سنة: مئة وخمسين، مناقبه كثيرة وفضائله جليلة، وأقوال العلماء في مدحه وبيان مكانته وحسن سيرته. بما يصعب حصره جدًّا، بل إنّ الكتب والدراسات التي عنيت بشأنه لا زالت تتوالى حتى اليوم. يقول عبد الله بن داود الخُرَيْبي ﵀: "يجب على أهل الإسلام أن يدعوا الله لأبي حنيفة في صلاتهم! وذَكَر حفظه عليهم السنن والفقه" (٦). _________ (١) عن شعيب بن الحَبْحاب قال: "كنت فيمن دفن إبراهيم النخعي، فقال الشعبي - عامر بن شراحيل -: أدفنتم صاحبكم؟ قلت: نعم، قال: أما إنه ما ترك أحدًا أعلم منه أو أفقه منه، قلت: ولا الحسن ولا ابن سيرين؟ قال: نعم، ولا من أهل البصرة، ولا من أهل الكوفة ولا من أهل الحجاز. ." كذا في "سير أعلام النبلاء" ٥/ ٤٣١، وانظر "طبقات ابن سعد" ٦/ ٢٨٤. (٢) "سير أعلام النبلاء" ٦/ ٦٠، ٦١. (٣) "تاريخ بغداد" ١٣/ ٣٣٣. (٤) ٦/ ٦٥. (٥) ١٣/ ٣٣٤. (٦) "تاريخ بغداد" ١٣/ ٣٤٤.

стр. 13

- تلاميذ الإمام أبي حنيفة: قال الإمام أبو المؤيد الخُوَارزمي، في مقدمة كتابه "جامع المسانيد" (١) بسنده إلى قاضي القضاة أبي بكر عتيق بن داود اليماني رحمه الله تعالى أنه قال - وهو يذكر مناقب أبي حنيفة -: "هو إمام الأئمة وسراج الأمة ضخم الدَّسِيعَة (٢)، السابق إلى تدوين الشريعة، ثم أيده الله بالتوفيق والعصمة فجمع له من الأصحاب والأئمة عصمة منه تعالى لهذه الأمة ما لم يجتمع في عصر من الأعصار في الأطراف والأقطار. منهم ذو الفقه والدراية المعتَرف له بعلم الحديث والرواية، إمام المسلمين وقاضي قضاة المؤمنين: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، رحمه الله تعالى. ومنهم ذو الفهم والبيان، الماهر في علمَي الفقه واللسان، العالم الرباني: محمّد بن الحسن الشيباني، رحمه الله تعالى. ومنهم ذو الذكاء الباهر والعلم الزاهر: زُفَر بن الهذيل التميمي العَنْبري. ومنهم الفاضل النزيه والكامل الفقيه: الحسن بن زياد اللؤلؤي، ﵀. ومنهم الفقيه البصير، المقرّ له بالتفسير، الورع الفصاح: وكيع بن الجرّاح. ومنهم الفقيه الكامل، الماجد الورع الزاهد: عبد الله بن المبارك المروزي. ومنهم أزهد الأئمة، وراهب هذه الأمة: داود بن نصير الطائي ﵀. ومنهم إمام أئمة حديث النبي: حفص بن غياث النخعي، رحمه الله تعالى. ومنهم الإمام المعظم: والعالم المقدم: محمد بن زكريا بن أبي زائدة. ومنهم: الإمام ابن الإمام حمّادُ بن أبي حنيفة، ويوسف بن خالد السمتي، وعافية بن يزيد الأودي، وحبان، ومندل، ابنا علي، وعلي بن مسهر، والقاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وأسد بن عمرو البجلي قاضي واسط، ونوح بن أبي مريم الجامع، وغيرهم ممن يطول ذكرهم، ﵃ ". _________ (١) ١/ ٣١، ٣٢، وانظر "مناقب الإمام الأعظم"، للموفق المكي ٢/ ١٣٢، ١٣٣. (٢) إعطاء الدَّسِيعة: للعطية الجزيلة. (القاموس المحيط ص ٩٢٣، ٩٢٤).

стр. 14

- تدوين مذهب أبي حنيفة: حدّث الإمام الطَّحاوي بسنده إلى أسد بن الفرات أنه قال: "كان أصحاب أبي حنيفة الذين دوّنوا الكتب أربعين رجلًا، فكان في العشرة المتقدمين: أبو يوسف، وزفر بن الهذيل، وداود الطائي، وأسد بن عمرو، ويوسف بن خالد السمتي، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وهو الذي كان يكتبها لهم ثلاثين سنة" (١). وعن المغيرة بن حمزة: "كان أصحاب أبي حنيفة الذين دونوا معه الكتب: أربعين رجلًا كبراء الكبراء" (٢). وقال الموفق المكي (٣): "وضع أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - مذهبه شورى بينهم، لم يستبد فيه بنفسه دونهم، اجتهادًا منه في الدين، ومبالغةً في النصيحة لله ورسوله والمؤمنين، فكان يلقي مسألة مسألة، يقلّبهم ويسمع ما عندهم ويقول ما عنده، ويناظرهم شهرًا أو أكثر من ذلك حتى يستقرّ أحد الأقوال فيها، ثم يثبتها القاضي أبو يوسف في الأصول" (٤). وقال أسد بن عمرو: "كانوا يختلفون عند أبي حنيفة في جواب المسألة، فيأتي هذا بجواب وهذا بجواب، ثم يرفعونها إليه ويسألونه عنها، فيأتي الجواب من كثب - أي من قرب -، وكانوا يقيمون في المسألة ثلاثة أيام ثم يكتبونها في الديوان" (٥). وقال يحيى بن معين، عن الفضل بن دكين، سمعت زفر يقول: "كنا نختلف إلى أبي حنيفة ومعنا أبو يوسف ومحمد بن الحسن، فكنا نكتب عنه، قال زفر: فقال يومًا أبو حنيفة لأبي يوسف: ويحك يا يعقوب لا تكتب كل ما تسمع مني فإني قد _________ (١) انظر: "حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي"، للإمام الكوثري، ص ١٢. (٢) ذكره الكوثري في "حسن التقاضي" ص ١٢. (٣) في: "مناقب الإمام الأعظم" ٢/ ١٣٣. (٤) ذكر الخوارزمي في "جامع المسانيد" ١/ ٣٣، بسنده إلى وكيع بن الجراح، أن رجلا قال: "أخطأ أبو حنيفة! فقال وكيع: كيف يقدر أبو حنيفة أن يخطئ ومعه مثل أبي يوسف وزفر ومحمد، في قياسهم واجتهادهم، ومثل يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وحفص بن غياث وحبان ومندل ابنا علي، في حفظهم للحديث ومعرفتهم به، والقاسم بن معن - يعني ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ﵁ - في معرفته باللغة والعربية، وداود بن نصير الطائي وفضيل بن عياض، في زهدهما وورعهما. .؟ من كان أصحابه هؤلاء وجلساؤه، لم يكن ليخطئ؛ لأنَّه إن أخطأ ردّوه إلى الحق". (٥) "حسن التقاضي" ص ١٢.

стр. 15

أرى الرأي اليوم وأتركه غدًا، وأرى الرأي غدًا وأتركه في غده" (١) اهـ. قال الكوثري بعد هذا النقل: "انظر كيف كان ينهى أصحابه عن تدوين المسائل إذا تعجّل أحدهم بكتابتها قبل تمحيصها كما يجب، فإذا أحطتَ خبرًا بما سبق، علمتَ وجاهة ما يقوله الموفق المكي أنه وضع أبو حنيفة مذهبه شورى بينهم. ."، إلخ كما سبق. وهكذا، يمكن لنا أن نستوحي من هذه النقول أن الاجتهاد في المذهب الحنفي لم يكن اجتهادًا فرديًّا لإمام المذهب، إنما كان اجتهادًا جماعيًّا، كثرت فيه الأقوال، ودونت فيه الآراء عن الأصحاب إلى جانب آراء إمامهم، وهو ما يؤكد فكرة "الشورى" في تدوين المذهب. يقول الشيخ وهبي سليمان غاوجي (٢): "وإنها - لَعَمر الله - دراسة منهجية حرّة شريفة، يظهر فيها احترام الآراء، ويشتغل فيها عقل الحاضرين من التلامذة، ليُدْلي كلٌّ بدلوه، ويذكر ما يرى لرأيه من حجّة، ثم يعقّب هو على آرائهم بما يدفعها بالنقل أو الرأي، ويصوب صواب أهل الصواب ويؤيده بما عنده من أدلة. . فإذا تقررت مسألة من مسائل الفقه على تلك الطريقة كان من العسير نقدها فضلًا عن نقضها، والله الهادي الموفق إلى الخير". ولقد كان أحسن أصحاب أبي حنيفة تدوينًا لأقواله واجتهاداته من بعده: محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى، حيث صنف ما عرف بكتب ظاهر الرواية، وقد ذكر فيها رأيه، ورأي أبي يوسف، بعد قول أبي حنيفة (٣)، ثم توجّه المشايخ إلى تلك التصانيف تلخيصًا وتقريبًا، وتخريجًا وتأسيسًا. . - طبقات الفقهاء في المذهب الحنفي: لا بد للمفتي المقلِّد أن يعلم حال من يفتي بقوله، حتى يكون على بصيرة وافية تمكنه من التمييز بين القائلَين المتخالفين، وقدرة كافية في الترجيح بين القولين المتعارضين، "ولحاجته إلى معرفة من اعتبر قوله في انعقاد الإجماع في محل الاتفاق والاجتماع، ويعتد به في الخلاف في محل الافتراق والاختلاف، وافتقاره إليه في الترجيح والإعمال عند تعارض الأقوال بقول أعلَمِهم وأورعهم في _________ (١) المرجع السابق. (٢) في كتابه: "أبو حنيفة النعمان إمام الأئمة الفقهاء" ص ٦٤، (بتصرف). (٣) وفي فتاوى العلامة قاسم بن قطلوبغا: أن ما لم يحكِ محمد فيه خلافًا فهو قولهم جميعًا، كما ذكر المحقق الكمال بن الهمام. (انظر "رسم المفتي" لابن عابدين ١/ ١٩).

стр. 16

الأحوال" (١)، إلا أنه لم يُنقل عن المتقدمين تقسيم الفقهاء إلى مراتب وطبقات، وإن كان البعض قد وُصف بالاجتهاد في المذهب، أو بأن له تخريجات أو ترجيحات. . والتقسيم الذي شاع وتداولته كتب الحنفية هو الذي وضعه أحمد بن سليمان الشهير بابن كمال باشا (٢) في القرن العاشر الهجري، وتبعه الحَنّائي علي بن أمر الله (٣) في كتابه "طبقات الحنفية" وقال فيه (٤): "كذا حقّقه بعض الفضلاء من المتأخرين"، ثم اعتمده غير واحد من بعد، من أبرزهم العلامة ابن عابدين (٥) ﵀ في رسالته في رسم المفتي (٦). . إلا أن هذا التقسيم لم يسلم من النقد فقد اعتُرض عليه من وجوه، وسنذكر أولًا كلام ابن كمال باشا بحروفه، ثم نورد بعض ما تُعقِّب به عليه. قال ﵀: (٧) "الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. أعلم أن الفقهاء على سبع طبقات: الطبقة الأولى: طبقة المجتهدين في الشرع، كالأئمة الأربعة ومن سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول واستنباط أحكام الفروع من الأدلة الأربعة الكتاب والسنة والإجماع والقياس، على حسب تلك القواعد من غير تقليد أحد في الفروع والأصول. الثانية: طبقة المجتهدين في المذهب، كأبي يوسف ومحمد وسائر أصحاب أبي حنيفة ﵏ القادرين على استخراج الأحكام عن الأدلة المذكورة على حسب القواعد التي قررها أستاذهم أبو حنيفة رحمة الله عليه وعيَّنها، فإنهم وإن خالفوه في بعض الأحكام الفرعية لكنهم يقلدونه في قواعد الأصول، وبه يمتازون _________ (١) من: "طبقات الحنفية" لعلي بن أمر الله الحنائي، مخطوط في المكتبة الوطنية بدمشق رقم ٨٩٥٠، الورقة رقم ٩. (٢) توفي سنة ٩٤٠ هـ كما في الأعلام ١/ ١٣٣، وفيه أنه صنف طبقات الفقهاء (مخطوط)، وطبقات المجتهدين (مخطوط). (٣) المتوفى سنة ٩٧٩ هـ، كما في الأعلام ٤/ ٢٦٤، ٢٦٥، وفيه: الحَنّالي. (٤) الورقة رقم ١١. (٥) هو محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي، فقيه الديار الشامية وإمام الحنفية في عصره، ولد سنة ١١٩٨، وتوفي سنة ١٢٥٢ هـ رحمه الله تعالى. (الأعلام ٦/ ٤٢). (٦) ١/ ١١، ١٢ (ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين). (٧) نقل نصَّ رسالة ابن كمال باشا هذه، الإمام الكوثري في هامش: "حسن التقاضي" ص ٢٥ - ٢٧.

стр. 17

عن المعارضين في المذهب ويفارقونهم كالشافعي ونظرائه المخالفين لأبي حنيفة رحمة الله عليه في الأحكام غير المقلدين له في الأصول. الثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب كالخصاف وأبي جعفر الطحاوي وأبي الحسن الكرخي وشمس الأئمة الحلوائي وشمس الأئمة السرخسي وفخر الإسلام البزدوي وفخر الدين قاضي خان وغيرهم، فإنهم لا يقدرون على المخالفة للشيخ لا في الفروع ولا في الأصول، لكنهم يستنبطون الأحكام في المسائل التي لا نص فيها عنه، على حسب أصول قررها ومقتضى قواعد بسطها. الرابعة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين كالرازي وأصحابه، فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلًا، لكنهم لإحاطتهم بالأصول وضبطهم المآخذ يقدرون على تفصيل مجمل ذي وجهين وحكم مبهم محتمل لأمرين، منقول عن صاحب المذهب أو واحد من أصحابه المجتهدين، برأيهم ونظرهم في الأصول والمقايسة على أمثاله ونظائره من الفروع، وما وقع في بعض المواضع من الهداية من قوله: كذا في تخريج الكرخي وتخريج الرازي، من هذا القبيل. الخامسة: طبقة أصحاب الترجيح من المقلِّدين، كأبي الحسين القُدُوري وصاحب الهداية وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر بقولهم: هذا أولى، وهذا أصح دراية، وهذا أصح رواية، وهذا أوفق للقياس، وهذا أرفق للناس. السادسة: طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف وظاهر المذهب وظاهر الرواية، والروايات النادرة كأصحاب المتون المعتبرة من المتأخرين كصاحب "الكنز" وصاحب "المختار" وصاحب "الوقاية" وصاحب "المجمع"، وشأنهم أن لا ينقلوا في كتبهم الأقوال المردودة والروايات الضعيفة. السابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذُكر، ولا يفرقون بين العجاف والسمين والشمال من اليمين، بل يجمعون ما يجدون، وهم كحاطب ليل فالويل لهم ولمن قلدهم كل الويل. والحمد لله أوّلًا وآخرًا" اهـ. قال الإمام الكوثري ﵀ (١): ولم يصب ابن الكمال الوزير في ترتيب _________ (١) في حسن التقاضي ص ٢٤، ٢٥.

стр. 18

الطبقات ولا في توزيع الفقهاء عليها، وإن لقي استحسانًا من المقلِّدة بعده، وقد تعقبه الناقد العصامي الشهاب المَرْجاني (١) في كتابه: "ناظورة الحق"، بهدم الأمرين - الترتيب والتوزيع معًا - فعاد الأمر إلى نصابه بتحقيقه، فجزاه الله عن العلم خيرًا". ومما قاله الشيخ شهاب الدين المرجاني في رده ﵀: ". . ومهما تسامحنا معهم - ابن كمال ومن تبعه - في عدّ الفقهاء والمتفقهة على هذه المراتب السبع - وهو غير مسلم لهم - فلا يتخلصون من فحش الغلط والوقوع في الخطأ المفرط في تعيين رجال الطبقات وترتيبهم على هذه الدرجات" (٢). ثم أخذ يبيّن درجة العلماء الثلاثة أبي يوسف ومحمد وزفر في الاجتهاد وأنهم قد يخالفون أبا حنيفة في قواعد الأصول، وأن حالهم في الفقه إن لم يكن أرفع من مالك والشافعي وأمثالهما فليسوا بدونهما، وقال: غير أنهم لحسن تعظيمهم للأستاذ وفرط إجلالهم لمحله ورعايتهم لحقه، تشمروا على تنويه شأنه، وتوغلوا في انتصاره والاحتجاج لأقواله وروايتها للناس. . لاعتقادهم أنه أعلم وأورع وأحق للاقتداء به والأخذ بقوله، وأوثق للمفتي وأرفق للمستفتي. . ومن ذلك الوجه امتازوا عن المخالفين كالأئمة الثلاثة والأوزاعي وسفيان وأمثالهم، لا لأنهم لم يبلغوا رتبة الاجتهاد المطلق في الشرع، ولو أنهم أولعوا بنشر آرائهم بين الخلق وبثها في الناس والاحتجاج لها بالنص والقياس لكان كل ذلك مذهبا منفردا عن مذهب الإمام أبي حنيفة، مخالفًا له" (٣). ثم انتقل المرجاني لمناقشة ابن كمال في تعيين رجال الطبقات على هذه الدرجات فقال: ثم إن قوله في الخصاف والطحاوي والكرخي إنهم لا يقدرون على مخالفة أبي حنيفة لا في الأصول ولا في الفروع ليس بشيء، فإن ما خالفوه فيه من المسائل لا يعد ولا يحصى، ولهم اختيارات في الأصول والفروع، وأقوال مستنبطة بالقياس والمسموع، واحتجاجات بالمنقول والمعقول، على ما لا يخفى على من تتبّع كتب الفقه والخلافيات والأصول. . ثم إنه عدّ أبا بكر الرازي الجصّاص من المقلدين الذين لا يقدرون على _________ (١) هو شهاب الدين بن بهاء الدين المَرْجاني القرْاني، دراسته في بخارى وسمرقند، وتخرج على يديه كثير من العلماء، توفي سنة ١٣٠٦ هـ رحمه الله تعالى، (الأعلام ٣/ ١٧٨). (٢) "حسن التقاضي"، ص ٨٥. (٣) "حسن التقاضي" ص ٨٨.

стр. 19

الاجتهاد أصلًا، وهو ظلم عظيم في حقه وتنزيل له عن رفيع محله وغض منه وجهل بيّن بجلالة شأنه في العلم. . ومن تتبع تصانيفه والأقوال المنقولة عنه عَلِم أن الذين عدهم من المجتهدين من شمس الأئمة ومن بعده كلهم عيال لأبي بكر الرازي. . ثم إنه جعل القُدُوري وصاحب الهداية من أصحاب الترجيح، وقاضي خان من المجتهدين، مع تقدم القدوري على شمس الأئمة زمانًا وكونه أعلى منه كعبًا وأطول باعا. . وأما صاحب الهداية فكيف ينزل شأنه عن قاضي خان بمراتب؟ بل هو أحق منه بالاجتهاد وأثبت في أسبابه وألزم لأبوابه. هذا ولم يحصل من بيانه فرق بين أهل الطبقة الخامسة والسادسة، وليت شعري بأي قياس قاسهم ووجد هذا التفاوت بينهم؟. والحال أن العلم بهذه الكلية كالمتعذر بالنسبة إلى أجلّة الفقهاء وأئمة العلماء، فإنهم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها" (١). ونقل الإمام اللكنوي في مقدمة شرحه على الجامع الصغير تقسيم ابن كمال باشا وأعقبه بقوله: "وكذا ذكره ابن عمر الأزهري المصري المتوفى سنة تسع وسبعين وألف، في آخر كتابه: "الجواهر النفيسة شرح الدرة المنيفة في مذهب أبي حنيفة"، وكذا ذكره من جاء بعده مقلدًا له، إلا أن فيه أنظارًا شتّى من جهة إدخال من في الطبقة الأعلى والأدنى"، ثم نقل بعض كلام المرجاني في الرّدّ عليه (٢). وناقش الشيخ محمد أبو زهرة ﵀ تقسيم ابن كمال لفقهاء الحنفية واعترض عليه في عدد من النقاط، وقرر ما يلي: "إن أبا يوسف ومحمدًا والأصحاب من طبقة المجتهد المطلق، وعليه فليس لهذه الطبقة التي مثّلت بهم من وجود في المذهب الحنفي. إن الفرق بين الطبقتين الثالثة والرابعة فرق دقيق لا يكاد يستبين، ومن عدهما طبقة واحدة لا يعدو الحقيقة. إن التفرقة بين الطبقة الخامسة (طبقة المرجّحين) وسابقتها، ليست واضحة، وإنه لكي تكون الأقسام متميزة غير متداخلة يجب حذف طبقة من هذه الطبقات _________ (١) انتهى كلام المرجاني باختصار، انظر: "حسن التقاضي" ص ٨٩ - ٩٢. (٢) "النافع الكبير شرح الجامع الصغير"، للكنوي، ص ١١، ١٢.

стр. 20

الثلاث: الثالثة والرابعة والخامسة، واعتبارهما طبقتين اثنتين: إحداهما طبقة المخرجين الذين يستخرجون أحكامًا لمسائل لم تؤثر أحكام لها عن أصحاب المذهب الأولين بالبناء على قواعد المذهب. والثانية: طبقة المرجحين الذين يرجحون بين الروايات المختلفة والأقوال المختلفة. إن عمل الطبقة السادسة ليس الترجيح، ولكن معرفة ما رُجِّح، وترتيب درجات الترجيح، وقد يؤدي ذلك إلى الحكم بين المرجحين فيختار من أقوالهم أقواها ترجيحًا، وأكثرها اعتمادًا في الترجيح على أصول المذهب، أو ما يكون أكثر عددًا وأعزّ ناصرًا. . ." ويتساءل أبو زهرة أخيرًا: "أما الطبقة السابعة، فكيف يُعدون من الفقهاء؟ إنهم نَقَلة، إن أردنا أن نرفق بهم في الاسم" (١). إن التقسيم الذي اشتهر عن ابن كمال باشا رحمه الله تعالى في جعل فقهاء المذهب الحنفي على سبع طبقات، وإن لقي رواجًا وقبولًا عند بعض العلماء، إذ قد يكون هو أوّل من حاول وضع قاعدة في هذا الشأن، إلا أنه انتقد عليه بإجابات مقنعة، سواء في أصل القسمة وجعلها سبع طبقات، أو في توزيع الفقهاء على هذه الطبقات، كما يتبين من كلام المرجاني واللكنوي والكوثري وأبي زهرة عليهم رحمة الله تعالى. - طبقات الكتب والمسائل في المذهب الحنفي: وكما قسموا العلماء على طبقات، كذلك قسموا المسائل على درجات. . إذ لا بد للمفتي المقلد أن يعلم الكتب المعتمدة في نقل المذهب، ليختار عند التعارض ما هو من الدرجة الأعلى ولا يرجح الأدنى (٢)، ولا ثقة بما يفتى به بمجرد مراجعة كتاب من الكتب المتأخرة، خصوصًا غير المحررة (٣)، قال العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى: "وقد يتفق نقل قول في نحو عشرين كتابًا من كتب المتأخرين ويكون القول خطأً أخطأ به أول واضع له، فيأتي مَن بعده وينقله عنه، وهكذا ينقل بعضهم _________ (١) انظر كتاب: "أبو حنيفة"، لمحمد أبي زهرة ص ٤٤٠ - ٤٤٥. (٢) "النافع الكبير" ص ١٧. (٣) "رسم المفتي" ١/ ١٣.

стр. 21

عن بعض. . (١) " قال العلماء: مسائل المذهب على ثلاث طبقات (٢): الأولى: الكتب التي رويت عن محمد بن الحسن رواية ظاهرة، وتسمى مسائل الأصول، وهي مسائل مروية عن أصحاب المذهب، وهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى، ويقال لهم العلماء الثلاثة، وقد يلحق بهم زفر والحسن وغيرهما ممن أخذ الفقه عن أبي حنيفة، لكن الغالب الشائع في ظاهر الرواية أن يكون قول الثلاثة أو قول بعضهم. ثم هذه المسائل هي ما وجد في كتب محمد التي هي: "المبسوط والزيادات والجامع الصغير والسِّيَر الصغير والجامع الكبير والسير الكبير" (٣)، وإنما سميت بظاهر الرواية لأنها رويت عن محمد برواية الثقات، فهي ثابتة عنه إما متواترة أو مشهورة عنه. والفتوى عليها في المذهب وإن لم يصرحوا بالتصحيح، نعم لو صححوا رواية أخرى من غير كتب ظاهر الرواية يتبع ما صححوه، قال العلامة الطرسوسي في "أنفع الوسائل" في مسألة الكفالة إلى شهر: إن القاضي المقلد لا يجوز له أن يحكم إلا بما هو ظاهر الرواية لا بالرواية الشاذة، إلا أن ينصوا على أن الفتوى عليها (٤). الثانية: مسائل النوادر أو مسائل غير ظاهر الرواية، وهي مسائل مروية عن أصحاب المذهب المذكورين لكن لا في الكتب المذكورة، بل إما في كتب أخر _________ (١) ويضرب ابن عابدين مثالًا على ذلك فيقول: "ومن ذلك مسألة الاستئجار على تلاوة القرآن المجردة، فقد وقع لصاحب السراج الوهاج والجوهرة شرح القدوري أنه قال: (إن المفتى به صحة الاستئجار) وقد انقلب عليه الأمر فإن المفتى به صحة الاستئجار على تعليم القرآن لا على تلاوته، ثم إن أكثر المصنفين الذين جاءوا بعده تابعوه على ذلك ونقلوه، وهو خطأ صريح، بل كثير منهم قالوا: إن الفتوى على صحة الاستئجار على الطاعات، ويطلقون العبارة ويقولون إنه مذهب المتأخرين، وبعضهم يفرع على ذلك صحة الاستئجار على الحج، وهذا كله خطأ أصرح من الخطأ الأول. ." (رسم المفتي ١/ ١٣). (٢) "رد المحتار" ١/ ٤٧، "رسم المفتي" ١/ ١٦، ١٧، "النافع الكبير" ١٧، ١٨. (٣) وفي "رسم المفتي" ١/ ١٩: "قال في البحر في بحث التشهد: كل تأليف لمحمد بن الحسن موصوف بالصغير فهو باتفاق الشيخين أبي يوسف ومحمد، بخلاف الكبير فإنه لم يُعرض على أبي يوسف". (٤) "رسم المفتي" ١/ ١٦.

стр. 22

لمحمد بن الحسن كالكَيْسانيّات (١) والهارُونيّات (٢)، والجُرْجانيات (٣)، والرَّقيات (٤). . وإنما قيل لها غير ظاهر الرواية لأنها لم تروَ عن محمد بروايات ظاهرة ثابتة صحيحة كالكتب الأولى. وإما في كتب غير محمد ككتاب "المجرّد" للحسن بن زياد وغيرها، ومنها كتب الأمالي لأبي يوسف (٥). وإما برواية مفردة مثل رواية ابن سماعة، ومعلّى بن منصور وغيرهما في مسائل معينة. الثالثة: الفتاوى، وتسمى أيضًا: الواقعات، وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون لما سئلوا عن ذلك ولم يجدوا فيها رواية عن أهل المذهب المتقدمين وهم أصحاب أبي يوسف ومحمد، وأصحاب أصحابهما وهَلُمّ جَرَّا، وهم كثيرون. . وقد يتفق لهم أن يخالفوا أصحاب المذهب لدلائل وأسباب ظهرت لهم. يقول العلامة ابن عابدين (٦): "وأول كتاب جمع في فتواهم فيما بلغنا كتاب "النوازل" للفقيه أبي اللَّيث السمرقندي ثم جمع المشايخ بعده كتبًا أخر. . ثم ذكر المتأخرون هذه المسائل مختلطة غير متميزة كما في فتاوى قاضي خان و"الخلاصة" وغيرهما، وميز بعضهم كما في كتاب "المحيط" لرضيّ الدين السرخسي، فإنه ذكر أوّلًا مسائل الأصول ثم النوادر ثم الفتاوى، ونِعْم ما فعل". وذكر ولي بن عبد الرحيم الدهلوي في رسالته: "عِقْد الجِيد في أحكام الاجتهاد والتقليد"، تقسيم المسائل بوجه آخر فقال (٧): "أعلم أن القاعدة عند محققي الفقهاء أن المسائل على أربعة أقسام: قسم تقرر في ظاهر المذهب، وحكمه أنهم يقبلونه _________ (١) هي "مسائل أملاها محمد على أبي عمرو سليمان بن شعيب الكَيْساني". (حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح، ص ١٠). (٢) هي "مسائل جمعها محمد في زمن هارون الرشيد". (حاشية الطحطاوي ص ١٠). (٣) مسائل جمعها محمد بجرجان. (حاشية الطحطاوي ص ١٠). (٤) مسائل جمعها محمد حين كان قاضيًا بالرقة، رواها عنه محمد بن سماعة. (حاشية الطحطاوي ص ١٠،٩). (٥) قال الكوثري في "حسن التقاضي" ص ٣٣: "وقال محمد بن إسحاق النديم" لأبي يوسف من الكتب في الأصول والأمالي: كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب الصيام، كتاب الفرائض، كتاب البيوع، كتاب الحدود، كتاب الوكالة، كتاب الوصايا، كتاب الصيد والذبائح، كتاب الغصب، كتاب الاستبراء، ولأبي يوسف إملاء رواه بشر بن الوليد القاضي يحتوي على ستة وثلاثين كتابًا مما فرّعه أبو يوسف". (٦) "رد المحتار" ١/ ٤٧. (٧) كما نقله الإمام اللكنوي في "النافع الكبير" ص ١٩.

стр. 23

في كل حال، وافقت الأصول أو خالفت. وقسم هو رواية شاذة عن أبي حنيفة وصاحبيه، وحكمه أنهم لا يقبلونه إلا إذا وافق الأصول. وقسم هو تخريج المتأخرين اتفق عليه جمهور الأصحاب، وحكمه أنهم يفتون به على كل حال؛ وقسم هو تخريج منهم لم يتفق عليه جمهور الأصحاب، وحكمه أن يعرضه المفتي على الأصول والنظائر من كلام السلف، فإن وجده موافقًا لها أخذ به وإلا تركه". ومن الكتب الملحقة بمسائل الأصول، والمعتمدة في نقل المذهب: كتاب "الكافي" للحاكم الشهيد، و"المبسوط" للإمام السرخسي، قال ابن عابدين (١) ﵀: "قال في فتح القدير وغيره: إن كتاب الكافي هو جمع كلام محمد في كتبه الست التي هي كتب ظاهر الرواية اهـ، وفي شرح الأشباه للعلامة البيري: أعلم أن من كتب مسائل الأصول كتاب الكافي للحاكم الشهيد، وهو كتاب معتمد في نقل المذهب، شرحه جماعة من المشايخ منهم: شمس الأئمة السرخسي وهو المشهور بمبسوط السرخسي اهـ، قال الشيخ إسماعيل النابلسي قال العلامة الطرسوسي: مبسوط السرخسي لا يعمل بما يخالفه ولا يركن إلا إليه ولا يفتى ولا يعول إلا عليه". ويلحق بكتب الأصول أيضًا مختصرات المشايخ الكبار، جاء في مقدمة كتاب "المتانة" (٢): "وأما المختصرات التي صنفها حذاق الأئمة وكبار الفقهاء المعروفين بالعلم والزهد والفقاهة والعدالة في الرواية كالإمام أبي جعفر الطحاوي وأبي الحسن الكرخي والحاكم الشهيد المروزي وأبي الحسين القدوري، ومن في هذه الطبقة من علمائنا الكبار فهي موضوعة لضبط أقوال صاحب المذهب وجمع فتاواه المروية عنه، فمسائلها ملحقة بمسائل الأصول وظواهر الروايات في صحتها وعدالة رواتها، وما فيها دائر بين متواتر ومشهور وآحاد صحيحة الإسناد، وقد تواترت هذه المختصرات عن مصنفيها (٣) وتلقاها علماء المذهب بالقبول منهم". وهذه المختصرات أو المتون التي ذكرها صاحب المتانة كانت معتمد _________ (١) في "رد المحتار" ١/ ٤٧، و "رسم المفتي" ١/ ٢٠. (٢) "المتانة في مرمة الخزانة"، لأبي سعيد غلام مصطفى القاسمي السندي ص ٧٦. ٧٧. (نقلًا عن: "المدخل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة"، لأحمد سعيد حوّى - بحث ماجستير، سنة ١٤١٣ هـ، غير منشور - ص ٢٢٠). (٣) انظر رد المحتار ١/ ٤٩.

стр. 24

المتقدمين. . وهناك متون أخرى اعتمدها المتأخرون، التزم أصحابها ذكر الراجح والمقبول والقوي كذلك. يقول الإمام اللكنوي (١) رحمه الله تعالى: "واعلم أن المتأخرين قد اعتمدوا على المتون الثلاثة: "الوقاية" و"مختصر القدوري" و"الكنز"، ومنهم من اعتمد على الأربعة: "الوقاية" و"الكنز" و"المختار" و"مجمع البحرين"، وقالوا: العبرة لما فيها عند تعارض ما فيها وما في غيرها، لما عرفوا من جلالة قدر مؤلفيها، والتزامهم إيراد مسائل ظاهر الرواية، والمسائل التي اعتمد عليها المشايخ". وقال العلامة ابن عابدين ﵀ بعدما ذكر قول المصنف في "تصحيحه" (إن ما في المتون مصحح تصحيحًا التزاميًّا) (٢) قال: "لا يخفى أن المراد بالمتون، المتون المعتبرة كـ "البداية"، و"مختصر القدوري"، و"المختار"، و"النُّقاية"، و"الوقاية"، و"الكنز"، و"الملتقى"، فإنها الموضوعة لنقل المذهب مما هو ظاهر الرواية" (٣). - أهميّة مختصر القُدُوري: بعد أن استقر عند الحنفية أن المعتمد في المذهب هو ما أورده الإمام محمد بن الحسن في الروايات الظاهرة، رأى بعض حذّاق الأئمة المعروفين بالفقاهة والزهد والثقة في الرواية، كأبي جعفر الطَّحاوي وأبي الحسن الكَرْخي والحاكم الشهيد المَرْوَزي وأبي الحسين القُدُوري، أن يصنفوا كتبًا مختصرة (٤) تجمع أهم المسائل _________ (١) في "النافع الكبير" ص ٢٣، وانظر "الفوائد البهية" ترجمة رقم ٢٢٦، ص ١٨٠. (٢) انظر ص ٢٤٢. (٣) انظر "رسم المفتي" ١/ ٣٦، ٣٧. (٤) ينتقد البعض أسلوب الاختصار في التأليف قائلًا: إن المقصود من التأليف في كل فمن هو تيسير الوصول إلى المطلوب في ذلك الفن ولا يلتئم هذا المرام بالاختصار الذي يجعل من بعض المسائل ملحقة بالألغاز. . ولكن يرى آخرون أن هذا الغرض المذكور نفسه هو الذي دفع إلى كتابة المختصرات؛ لأن بها يتيسّر على الطالب استيعاب واستظهار أهم المسائل بأقل زمن. ويرى الشيخ عبد الحكيم الأفغاني في كتابه: "كشف الحقائق شرح كنز الدقائق" ١/ ٤، حكمةً في إيراد بعض المسائل المغلقة نتيجة اختصارها فيقول: "إن الحكيم لا يجعل كتابه خاليًا عن العويصات والمعضلات، لئلّا يستبدّ التلميذ بإدراك جميعه! بل يراجع في مجملاته إليه مستفيدًا من فيوضاته دائمًا، انظر إلى كتاب الله تعالى، كم فيه من المجملات لا تُدرك إلا بالمراجعة إلى نبيه ﷺ . والحاصل أن المختصر وإن فاتته حكمة الانطواء على المشكلات فقد أدركته حكمة تكثير الانتفاع به" اهـ.

стр. 25

الفقهية الملحّة، مع الدّقّة في صوغ العبارة، والتمحيص لكل قول يرى أنه الأصح المعتمد، حتى صارت تلك المتون موضوعة لنقل المذهب مما هو ظاهر الرواية (١)، إذْ "ميزّ مصنفوها بين الراجح والمرجوح، والمقبول والمردود، والقوي والضعيف، فلا يوردون في متونهم إلا الراجح المقبول القوي" (٢). وكان من أبرز تلك المختصرات المعتمدة والتي كُتب لها القبول بإذن الله، مختصرُ الإمام القدوري، وهو الذي يطلق عليه اسم "الكتاب" عند الحنفية، وذلك لاستفاضة ذكره عندهم، ولكثرة من تفقّه واعتمد عليه. قال في "كشف الظنون" (٣): "وهو متن متين معتبر متداول بين الأئمة الأعيان، وشهرته تغني عن البيان. قال صاحب مصباح أنوار الأدعية: إن الحنفية يتبرّكون بقراءته في أيام الوباء، وهو كتاب مبارك، من حفظه يكون أمينًا من الفقر، حتى قيل إن من قرأه على أستاذ صالح ودعا له عند ختم الكتاب بالبركة فإنه يكون مالكًا لدراهم على عدد مسائله. وفي بعض شروح المجمع أنه مشتمل على اثني عشر ألف مسألة اهـ، وشروحه كثيرة جدًّا. . ." اهـ من "الكشف". "وفي مختصر ربيع الأبرار: أنه لمّا صنّف [الإمام القدوري] هذا الكتاب، حمله مع نفسه إلى بيت الله الحرام وعلّقه من أستاره، وسأل الله تعالى أن يبارك له فيه، فاستجيب له، وجعله مباركًا لذلك" (٤). ويُثني الإمام علاء الدين السمرقندي على مختصر القدوري بقوله: "أعلم أن المختصر المنسوب إلى الشيخ أبي الحسين القدوري ﵀، جامع جملًا من الفقه مستعملة بحيث لا تراها مدى الدهر مهملة، يهدي بها الرائض في أكثر الحوادث والنوازل، ويرتقي بها المرتضى إلى أعلى المراقي والمنازل" (٥)، أما صاحب الهداية فيقول: "وجدت المختصر المنسوب إلى القدوري أجمل كتاب في أحسن إيجاز وإعجاب" (٦). _________ (١) "رسم المفتي" - ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين - ١/ ٣٧. (٢) "التعليقات السنية" للكنوي، ص ١٨٠. (٣) ٢/ ١٦٣١. (٤) انظر التقدمة على مختصر القدوري، الطبعة العثمانية، (در سعادت)، سنة ١٣٠٩ هـ. (٥) "تحفة الفقهاء"، للسمرقندي ١/ ٥. (٦) نقله الإمام اللكنوي في ترجمة الإمام المرغيناني في "الفوائد البهية"، ص ٢٣١، رقم ٢٧٨.

стр. 26

وأخيرًا، يقول صاحب "الجواهر المضية" رحمه الله تعالى (١): "صنّف [أي الإمام القدوري] من الكتب: المختصر المشهور، فنفع الله به خلقًا (٢) لا يُحصَون". . (٣). - ترجمة الإمام القُدُوري (٤): هو الإمام أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حَمْدان البغدادي، شيخ الحنفية بالعراق، الإمام المشهور المعروف بالقُدوري (٥)، المولود سنة ٣٦٢ هـ. قال الخطيب البغدادي في ترجمته: "كتبت عنه وكان صدوقًا، وكان ممّن أنجب في الفقه لذكائه، وانتهتْ إليه بالعراق رئاسة أصحاب أبي حنيفة، وعظم عندهم قدره، وارتفع جاهه، وكان حسن العبارة في النظر، جريء اللسان، مديمًا _________ (١) "الجواهر المضية"، الجزء الأول، ترجمة رقم ١٧٩. (٢) وقد اختار هذا المختصر كثير من طلبة العلم ليحفظوه في بداياتهم، حيث أشار إلى ذلك العلامة ابن قطلوبغا في مقدمة التصحيح، ص ١٣٢. ويسمي الشيخ عبد القادر القرشي منهم: والده (محمد بن محمد بن نصرالله بن سالم ابن أبي الوفاء القرشي)، وشقيقه (محمد بن محمد بن محمد بن نصرالله بن سالم)، انظر الجواهر المضية ٣/ ٣٣٦، ٣٥٢. (٣) وقد صدرت في عصرنا طبعات عديدة لكتاب القدوري، فقد طبع في: "دلهي ١٨٤٧ م، ولاهور ١٨٧٠ م، وقازان ١٨٩٠ - ١٩٠٩ م، وبومباي ١٣٠٣ هـ، واستنبول ١٣١٠ هـ و ١٣١٧ - ١٣١٨ هـ، والقاهرة ١٩٥٧ م، وترجم إلى الفرنسية ونشر في باريس ١٨٢٩ م، ثم في تونس"، (انظر هامش د. عمر عبد السلام تدمري، على "تاريخ الإسلام" للحافظ الذهبي، حوادث ووفيات سنة ٤٢٨، ص ٢١٢). هذا، وقد طبع الكتاب بعد ذلك طبعات كثيرة، خاصة تلك التي مع شرحه المشهور: "اللباب شرح الكتاب" للميداني. (٤) اقتبست ترجمته من: "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي ٤/ ٣٧٧، رقم ٢٢٤٩، و"المنتظم في تاريخ الملوك والأمم" لابن الجوزي ١٥/ ٢٥٧، رقم ٣٢٠٠، و"وفيات الأعيان" لابن خلّكان ١/ ٧٣، ٧٨، ٧٩، و "سير أعلام النبلاء" للذهبي، ١٧/ ٥٧٤، ٥٧٥، رقم ٣٨٠، و"تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام" له، حوادث سنة ٤٢٨ ص ٢١١ - ٢١٣، رقم ٢٥٤، و"الجواهر المضية في طبقات الحنفية" للقرشي ١/ ٢٤٧ - ٢٥٠، رقم ١٧٩، و"تاج التراجم" لابن قطلوبغا ص ٩٨، ٩٩، رقم ١٩، و"النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة" للأتابكي ٥/ ٢٤، و"الطبقات السنية في تراجم الحنفية"، للتميمي ٢/ ١٩ - ٣١، و"الفوائد البهية في تراجم الحنفية" و"التعليقات السنية" كلاهما للكنوي ص ٥٧، ٥٨، رقم ٤٥. (٥) قيل إنه نسبة إلى قرية من قرى بغداد يقال لها قُدورة، وقيل نسبة إلى بيع القدور. كذا في "الفوائد البهية" ص ٥٧، وانظر "اللباب في تهذيب الأنساب" لابن الأثير الجزري، ص ١٩.

стр. 27

لتلاوة القرآن". وقال المؤرخ ابن تغري بَرَدي الأتابكي بعدما نقل قول الخطيب المذكور: "والفضل ما شهدت به الأعداء، ولولا أن شأن هذا الرجل كان قد تجاوز الحدّ في العلم والزهد ما سلم من لسان الخطيب، بل مدحه مع عِظم تعصّبه على السادة الحنفية وغيرهم. ." - مشايخه: أخذ الفقه عن أبي عبد الله الفقيه، محمد بن يحيى الجُرجاني عن أحمد الجصّاص عن عبيد الله أبي الحسن الكرخي، عن أبي سعيد البردعي، عن موسى الرازي، عن محمد بن الحسن. وروى الحديث عن محمد بن علي بن سُوَيد المؤدِّب، وعبيد الله بن محمد الحَوْشبي. - تلاميذه: كان ممّن تفقّه عليه: أبو نصر أحمد بن محمد بن محمد الفقيه المعروف بالأَقْطَع، وقد شَرح مختصره. وممّن روى عنه: أبو بكر الخطيب البغدادي، وقاضي القضاة أبو عبد الله الدامَغَاني. وكان يناظر (١) الشيخ أبا حامد الإسفرايني الفقيه الشافعي، ويعَظّمه ويفضّله على كل أحد. قال الإمام اللكنوي: "ذكره ابن كمال باشا الرومي ومن تبعه، في أصحاب الترجيح من المقلِّدين الذين شأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض، من دون قدرة على الاجتهاد، وتعقَّبه بعض الفضلاء بأن القدوري متقدم على شمس الأئمة الحَلْواني زمانًا وأعلى منه كعبًا وأطول باعًا، فما باله نقص مرتبته عن مرتبته" (٢)؟! _________ (١) أورد التقي التميمي في "الطبقات السنيّة" ٢/ ٢٠ - ٣١، مناظرة حافلة بينه وبين القاضي أبي الطيب الطبري الشافعي، وهي مناظرة تدل على رفع أدبه، وعظيم منزلته وعلو كعبه في علوم الأصول والجدل وغيرها. وهذه المناظرة مثبتة أيضًا في "طبقات الشافعية الكبرى" لابن السبكي، ٥/ ٣٦ - ٤٦. (٢) وكان ابن كمال باشا في تقسيمه لطبقات الفقهاء قد ذكر الحلواني في الطبقة الثالثة، والقدوري في الطبقة الخامسة. انظر ما مر في المدخل ص ٢٣ - ٢٥.

стр. 28

قال في الجواهر المضيّة: "وذكره أبو محمد الفامِي في طبقات الفقهاء، فأثنى عليه وقال: كان له ابن فلم يعلّمه الفقه، وكان يقول: دعوه يعيش لروحه، قال فمات وهو شاب". - مصنّفاته: صنّف المختصر المعروف باسمه "مختصر القُدُوري" وهو الكتاب المبارك المشهور المتداول، الذي عُني به كثير من الفقهاء. وشرَح "مختصر الكرخي" في عدة مجلدات. وله كتاب "التجريد" في سبعة أجزاء، يشتمل على الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه (١)، شرع في إملائه سنة ٤٠٥، وأبان فيه عن حفظه لما عند الدارقطني من أحاديث الأحكام وعللها. وكتاب "التقريب"، في مسائل الخلاف بين أبي حنيفة أصحابه، مجردًا عن الدلائل، في مجلد. ثم صنف "التقريب الثاني" في عدّة مجلدات، فذكر المسائل بأدلّتها. وله "جزء حديثي"؛ قال الشيخ قاسم في "تاج التراجم": "وله جزء حديثي رويناه عنه" (٢). وشرَح (٣) "أدب القاضي" للخصّاف، أحمد بن عمرو، المتوفى سنة ٢٦١. _________ (١) وفي "الأعلام" للزركلي ١/ ٢١٢: منه المجلد الأول مخطوط في شستربتي رقم ٣٥٢٣، وذكر أيضًا أن من كتب القدوري: "كتاب النكاح - مطبوع". (٢) قال الكوثري: وللقدوري جزء حديثي معروف مروي في أثبات المشايخ على توالي القرون، وهو مروي في المجمع المؤسس للحافظ ابن حجر. ("التحرير الوجيز" للكوثري ص ١٠٨). (٣) كما في "كشف الظنون" ١/ ٤٦.

стр. 29

- وفاته: كانت وفاته يوم الأحد، منتصف رجب أو خامس رجب، سنة (٤٢٨) ثمان وعشرين وأربع مئة (١)، ببغداد، ودفن من يومه بداره في دَرْب أبي خَلَف، ثم نقل إلى تربة في شارع المنصور، ودفن هناك بجنب أبي بكر الخُوارزمي الفقيه الحنفي، رحمهما الله تعالى. _________ (١) وفي كشف الظنون ١/ ٤٦، أنه توفي سنة: "ثمان وثلاثين وأربع مئة"، وهو خطأ؛ وفيه - في غير هذا الموضع -، أنه توفي سنة: ٤٢٨، وهو الموافق لما ذكره مترجموه.

стр. 30

الفصل الأول دراسة حول مؤلِّف كتاب "التصحيح والترجيح" وفيه مبحثان المبحث الأول:: ترجمة المؤلف (ابن قطلوبغا) المبحث الثاني: مكانة المؤلف العلمية ومؤلفاته

стр. 31

ترجمة المؤلِّف (١) (قاسم بن قُطْلوبُغا) - اسمه ومولده: هو الإمام العلامة الفقيه المحدّث الحافظ المفتي، أبو العَدْل زين الدين، قاسم بن قطلوبغا (٢) بن عبد الله السودوني الجَمَالي (٣)، الحنفي المصري، كان يعرف بقاسم الحنفي (٤)، ويُذكر في بعض الكتب والمصادر بلفظ: "العلامة قاسم"، أو "الشيخ قاسم". ولد في القاهرة، في شهر محرم سنة: (٨٠٢) اثنتين وثمان مئة هجرية (٥)، (الموافق لسنة: ١٣٩٩ ميلادية). _________ (١) مصادر الترجمة: "الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع" للسخاوي ٦/ ١٨٤ - ١٨٨، و"وجيز الكلام في الذيل على تاريخ الإسلام" له ٢/ ٨٥٩، و"حوادث الزمان ووفيات الشيوخ والأقران" لابن الحمصي، ١/ ٢٠٥، ٢٠٦، و"البدر الطالع" للشوكاني، ٢/ ٤٥، و"شذرات الذهب" لابن العماد، ٧/ ٣٢٦، و"التعليقات السنية على الفوائد البهية" للكنوي، ص ١٦٧، ١٦٨، و "الأعلام" للزركلي ٥/ ١٨٠، و "تزيين الألفاظ بتتميم ذيول تذكرة الحفاظ" لمحمود سعيد ممدوح، ص ٤١ - ٤٤. والمترجَم مذكور أيضًا في: "عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأقران"، و"عنوان العنوان" لبرهان الدين البقاعي، وفي: "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون"، لحاجي خليفة، وفي: "إيضاح المكنون" و"هدية العارفين" ٢/ ٨٣٠، ٨٣١، للبغدادي، وفي: "فهرس الفهارس والأثبات ومعجم الشيوخ والمشيخات" ٢/ ٩٧٢، للكتاني، وفي: "معجم المؤلفين" ٨/ ١١٢، لكحّالة، كما ذكر في "طبقات المفسرين" للأدنه وي ص ٣٤٤، وفي "أصول الفقه تاريخُه ورجاله" تأليف شعبان محمد إسماعيل، ص ٤٦٩، وفي دائرة المعارف الإسلامية ١/ ٣٦٨ وجاء اسمه فيها هكذا: "ابن قُتلُبُغا". (٢) بضم القاف وسكون الطاء وضم الباء الموحدة، ويعني: "الفحل الميمون". (من مقدمة الكوثري على "منية الألمعي" لابن قطلوبغا ص ٦). (٣) نسبة إلى جمال الدين سودون الشيخي الجركسي نائب السلطنة، فإن قطلوبغا - والد الشيخ قاسم - كان من الفتيان الذين استقدمهم سودون المذكور من القوقاس للتجنيد في مصر، على العادة الجارية في ذلك الزمان. (مقدمة الكوثري على "منية الألمعي" ص ٦). (٤) وبه كان يوقّع؛ انظر خطّه وتوقيعه ص ١٠٩، وانظر "الأعلام" للزركلي ٥/ ١٨٠. (٥) كذا أخبر المؤلف عن نفسه لتلميذه الإمام السخاوي، (انظر الضوء اللامع ٦/ ١٨٤) خلافًا لما جاء في: "بدائع الزهور" ٣/ ٩٧، أنه ولد سنة: ٨٠١ هـ.

стр. 32

- نشأته وطلبه للعلم: لم يمضِ زمن طويل على ولادته حتى توفي أبوه (١)، فنشأ يتيمًا، وألجأته ظروف الحياة (٢) منذ نعومة أظفاره إلى التكسّب وطلب الرزق، فعمل بالخياطة حتى برع فيها بحيث كان يخيط بالخيط الأسود في الثوب البغدادي الأبيض فلا يظهر، ومع ذلك. . فقد حفظ القرآن الكريم، وحفظ بعض المختصرات، وعرض بعضها على العز بن جماعة (٣). ثم ظهرت عليه علامات النبوغ والذكاء المتميز، فأقبل على الاشتغال بطلب العلم، وبدأ ينهل من معينه متنقّلًا بين علماء بلده، متزودًا من مختلف الفنون. . وتزايد شوقه إلى العلم ومجالسَةِ أهله، فسافر مع شيخه التاج النعماني (٤) إلى الشام، وحظي فيها بالإجازة العامة سنة ست عشرة وثمان مئة، حيث كان في الرابعة عشرة من عمره. كما أقبل على التأليف في وقت مبكر، وكان أول ذلك وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة. . ولم يزل على اهتمامه وجِدّه حتى شاع ذكره وانتشر صيته، وأثنى عليه _________ (١) يقول ابن تغري بردي في: "النجوم الزاهرة" ١٣/ ٢٣، وهو يذكر أحداث سنة ٨٠٣ أن ممن توفي فيها: "الشيخِ الإمام الفقيه سيف الدين قطلوبغا بن عبد الله الحنفي في نصف جمادى الأولى، وكان فقيهًا فاضلًا مستحضرًا لمذهبه، معدودًا من الفقهاء الحنفية"، قلت: قد يكون هو والد العلامة قاسم، رحمهما الله. (٢) يحكي لنا المؤرخ المقريزي ما ألمّ بمصر في ذلك الوقت من سوء الحالة الاقتصادية، وكيف ارتفعت الأسعار وتزايدت الأجور فيقول: "وعظم الرزء وعمّت البلية وطمت، حتى مات من أهل الإقليم بالجوع والبرد ما ينيف عن نصف الناس، وعمّ الموتان حتى نفقت الدواب في سنة ست وسبع [وثمان مئة]، وعز وجودها، وبلغت أثمانها إلى حد يُستحى من ذكره. ." ويقول وهو يتحدث عن أقسام الناس وأصنافهم في هذه المرحلة: "وأما القسم الخامس فهم أكثر الفقهاء وطلاب العلم ومن يلحق بهم من الشهود. . فهم ما بين ميت أو مشتهي الموت، لسوء ما حل بهم!. . وأما القسم السادس، فهم أرباب المهن والأجراء والحمّالون والخدم والسواس والحاكة والبناة والفعلة ونحوهم، فإن أجرهم تضاعف تضاعفًا كثيرًا". انتهى كلام تقي الدين المقريزي من كتابه: "إغاثة الأمة بكشف الغمة" ص ٤٢، ٤٣، ٧٥. (٣) هو محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم، يعرف بابن جماعة، توفي سنة ٨١٩ هـ رحمه الله تعالى. (شذرات الذهب ٧/ ١٣٩، البدر الطالع ٢/ ١٤٨). (٤) هو تاج الدين أحمد بن محمد النعماني الفرغاني، قاضي بغداد، من ذرية الإمام أبي حنيفة النعمان. برع في فنون وأخذ عنه الأعيان، توفي سنة ٨٣٤ هـ رحمه الله تعالى. (الضوء اللامع ٢/ ٨٢).

стр. 33

مشايخه، وعرف بقوة الحافظة والذكاء، وأشير إليه بالعلم. - شيوخه: كان للشيخ قاسم رحمه الله تعالى شيوخ وأساتذة كثيرون، من بينهم مشاهير أفذاذ ومحققون كبار، وذلك ممّا يدلّ على علو منزلته التي تبوأها بين علماء عصره. ولعل أهم ما يشير إلى كثرة عدد مشايخه ما صنفه هو في ذكر شيوخه و"مشايخ شيوخ العصر"، ومع أنه لم يصلنا من ذلك شيء، إلا أن فيما ذكره مترجموه عن شيوخه كفاية في هذا المقام. فقد كان من أبرز مشايخه: العلامة المجتهد الكمال بن الهمام، محمد بن عبد الواحد السيواسي الحنفي المتوفى سنة ٨٦١ هـ رحمه الله تعالى. لازمه ابن قطلوبغا مدة طويلة من حياته، وذلك من سنة خمس وعشرين وثمان مئة حتى وفاته، وكان معظم انتفاعه به، حيث أخذ عنه غالب ما كان يقرأ عنده في مختلف الفنون. ومنهم الحافظ الشهير العلامة أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ رحمه الله تعالى، أخذ عنه الحديث وعلومه. وعندما قرأ عليه ابن قطلوبغا كتابه: "الإيثار بمعرفة رواة الآثار"، وصفه بالشيخ الفاضل المحدّث الكامل الأوحد، وقال: قراءة عليّ وتحريرًا، فأفاد ونبّه على مواضع ألحقت في هذا الأصل فزادته نورًا، وهو المعني بقوله في خطبة الكتاب (١): "إن بعض الإخوان التمس مني الكلام على رواة كتاب الآثار، فأجبته إلى ذلك مسارعا ووقفت عند ما اقترح طائعًا"، كما أفاده السخاوي في "الضوء اللامع". ومنهم المؤرخ العلامة أبو العباس أحمد بن علي التقي المقريزي، المتوفى سنة ٨٤٥ هـ رحمه الله تعالى، وقد ذكر الشيخ قاسمًا في عقوده وأثنى عليه (٢). _________ (١) انظر كتاب: "الإيثار بمعرفة رواة الآثار" لابن حجر العسقلاني، تحقيق سيد كسروي حسن، ص ٣٥. (٢) كما في "الضوء اللامع"؛ وقد أثنى ابن قطلوبغا على شيخه المقريزي في مقدمة تاج التراجم ص ٨٥ بقوله: "لما وقفت على تذكرة شيخنا الإمام العالم العلامة، إمام المؤرخين وبقية الحفاظ العارفين، شهاب الدين. . المقريزي أمتع الله بحياته، وأعاد علينا من بركاته. ." ويستفاد من هذا النص أن المؤلف بدأ بكتابه: "التاج" في حياة شيخه المقريزي، أي قبل عام ٨٤٥، وقد فات ذلك محقق الكتاب - محمد خير رمضان - وأغرب فيما قاله في تاريخ تأليفه ص ٤٥. وانظر =

стр. 34

ومنهم تاج الدين أحمد بن محمد النعماني الفرغاني، قاضي بغداد، المتوفى سنة ٨٣٤ هـ، ﵀. ارتحل معه ابن قطلوبغا في بداية طلبه العلم، إلى الشام، بحيث أخذ وروى عنه "جامع مسانيد أبي حنيفة" للخوارزمي، ودرس عليه "علوم الحديث" لابن الصلاح، وغير ذلك، وأجاز له في سنة ثلاث وعشرين. وسمع تجويد القرآن، على شمس الدين محمد بن أحمد الزراتيتي الحنبلي المقرئ، إمام الظاهرية البرقوقية (١). والتفسير، على العلاء البخاري، محمد بن محمد علاء الدين البخاري العجمي الحنفي (٢). والحديث وعلومه، على شمس الدين بن الجزري (٣)، وشهاب الدين الواسطي (٤)، والزين الزركشي (٥)، والشمس بن المصري (٦)، والبدر حسين البوصيري (٧)، وناصر الدين الفاقوسي (٨)، والتاج الشرابيشي (٩)، والعز بن جماعة، _________ = ص ٢٠٣ من "تاج التراجم" حيث يقول ابن قطلوبغا عن شيخه أيضًا: "ولم يذكر الشيخ سلّمه الله تعالى، في عثمان أحدًا. ." (١) توفي سنة ٨٢٥ رحمه الله تعالى. (الضوء اللامع ٩/ ١١، شذرات الذهب ٧/ ١٧١). (٢) توفي سنة ٨٤١ رحمه الله تعالى. (شذرات الذهب ٧/ ٢٤١، البدر الطالع ٢/ ٢٦٠) (٣) هو محمد بن محمد بن محمد الدمشقي الشافعي، المعروف بابن الجزري، رحل إلى القاهرة، وبرع في القراءات العشر، توفي سنة ٨٣٣ هـ رحمه الله تعالى. (شذرات الذهب ٧/ ٢٠٤، البدر الطالع ٢/ ٢٥٧). (٤) هو أحمد بن محمد بن أبي بكر، الشهاب الواسطي المقدسي، توفي سنة ٨٣٦ رحمه الله تعالى. (الضوء اللامع ٢/ ١٠٦) (٥) اسمه عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد، الزين أبو ذر المصري الحنبلي، ويعرف بالزركشي، توفي سنة ٨٤٦ هـ رحمه الله تعالى. (الضوء اللامع ٤/ ١٣٦، شذرات الذهب ٧/ ٢٥٦). (٦) هو محمد بن محمد بن خضر، أبو البركات، بن الشمس الناصري ويعرف بابن المصري، توفي سنة ٨٦٨ رحمه الله تعالى. (الضوء اللامع ٩/ ٧٩) (٧) هو حسين بن علي بن سبع البدر الطالع، أبو علي البوصيري القاهري المالكي، توفي سنة ٨٣٨ رحمه الله تعالى. (الضوء اللامع ٣/ ١٥٠، شذرات الذهب ٧/ ٢٢٧). (٨) هو محمد بن حسن بن سعد، ناصر الدين أبو محمد الشافعي، يعرف بالفاقوسي، توفي سنة ٨٤١ رحمه الله تعالى. (الضوء اللامع ٧/ ٢٢١) (٩) هو محمد بن عمر بن أبي بكر، التاج أبو الفتح الشرابيشي، المتوفى سنة ٨٣٩ رحمه الله تعالى. (الضوء اللامع ٨/ ٢٤١، شذرات الذهب ٧/ ٢٣٢)

стр. 35

وعائشة الحنبلية (١). وأصول الدين على العلاء البخاري، والبساطي المالكي (٢)، وقرأ على السعد بن الدَّيْري (٣) شرحَه لعقائد النسفي. وأخذ الفقه عن الكمال بن الهمام، والتاج أحمد الفرغاني، والعلاء البخاري، وابن حجر، والسراج قارئ الهداية (٤)، والمجد الرومي (٥)، والنظام السيرامي (٦)، والعز عبد السلام البغدادي (٧)، وعبد اللطيف الكرماني (٨). وأصول الفقه عن ابن الهمام، وقارئ الهداية، والشرف السبكي (٩)، والعلاء البخاري. . والفرائض والميقات عن ناصر الدين البارنباري (١٠)، والسيد علي، تلميذ ابن المجدي (١١) وغيرهما، ومنهما استمد كثيرًا من علم الحساب. _________ (١) هي عائشة بنت علي بن محمد، أم عبد الله الحنبلية، برعت في الحديث وكانت على درجة من الذكاء، توفيت سنة ٨٤٠ رحمها الله تعالى. (الضوء اللامع ١٢/ ٧٨، شذرات الذهب ٧/ ٢٣٤) (٢) هو محمد بن أحمد بن عثمان، شمس الدين البساطي المالكي النحوي قاضي القضاة، توفي سنة ٨٤٢ رحمه الله تعالى. (الضوء اللامع ٧/ ٥) (٣) هو سعد بن محمد بن عبد الله المقدسي نزيل القاهرة، المعروف بابن الديري، تولى قضاء الحنفية، توفي سنة ٨٦٧ رحمه الله تعالى. (الضوء اللامع ٣/ ٢٤٩) (٤) هو عمر بن علي بن فارس الكناني، سراج الدين، المعروف بقارئ الهداية، انتهت إليه رئاسة الحنفية في زمنه، توفي سنة ٨٢٩ رحمه الله تعالى. (الضوء اللامع ٦/ ١٠٩، شذرات الذهب ٧/ ١٩٠) (٥) كذا في الضوء اللامع ٦/ ١٨٤ - في ترجمة الشيخ قاسم -، ولعله: مجد الدين إسماعيل بن علي بن محمد الزمزمي البيضاوي المتوفى سنة ٨٣٨. (الضوء اللامع ٢/ ٣٠٢، شذرات الذهب ٧/ ٢٢٦). (٦) هو يحيى بن يوسف نظام الدين السيرامي، المتوفى سنة ٨٣٣ رحمه الله تعالى. (الضوء اللامع ١٠/ ٢٦٦، شذرات الذهب ٧/ ٢٠٧) (٧) هو عبد السلام بن أحمد بن عبد المنعم البغدادي، عز الدين الحنفي، برع في فقه الحنفية والشافعية، توفي سنة ٨٥٩ رحمه الله تعالى. (شذرات الذهب ٧/ ٢٩٤) (٨) هو عبد اللطيف افتخار الدين الكرماني الحنفي، فقيه فصيح واسع الاطلاع، توفي في عهد ولاية الظاهر جقمق، رحمه الله تعالى. (الضوء اللامع ٤/ ٣٤٠ رقم ٩٤٩) (٩) هو موسى بن أحمد شرف الدين السبكي الشافعي، لم يخلفه نظير في الفقه، توفي سنة ٨٤٠ رحمه الله تعالى. (شذرات الذهب ٧/ ٢٣٦) (١٠) هو محمد بن عبد الوهاب بن محمد ناصر الدين البارنباري، توفي سنة ٨٣٢ رحمه الله تعالى. (شذرات الذهب ٧/ ١٩٩) (١١) ابن المجدي هو أحمد بن رجب بن طنبغا، كان رأسًا في الفرائض والحساب والهندسة والميقات، =

стр. 36

والعربية عن العلاء البخاري، والتاج الفرغاني النعماني، والمجد الزمزمي، والشرف السبكي. والصرف، عن البساطي. والمعاني والبيان، عن العلاء البخاري والنظام السيرامي والبساطي. والمنطق، عن شرف الدين السبكي. وقد زار الشيخ قاسم بيت المقدس، والشام، ودخل مدينة الإسكندرية وقرأ بها على الكمال بن خير، وقاسم التروجي. كما حجّ غير مرة. . ولا بدّ أن يكون قد جالس علماء الحرمين وأخذ عنهم. - تلامذته: تصدّى العلامة قاسم للإفتاء والتدريس في سنّ مبكر، فقد أجاز له غير واحد في ذلك، ثم أخذ عنه الفضلاء من بعدُ، في فنون كثيرة. يقول السخاوي: "وأسمع من لفظه: "جامع مسانيد أبي حنيفة"، بمجلس الناصري ابن الظاهر جَقْمَق (١) بروايته له عن قاضي بغداد، عن عمِّه، عن ابن الصبّاغ، عن الخُوارزمي (٢) مؤلِّفِه. وكان الناصري - صاحب المجلس - من تلاميذ الشيخ أخذ عنه واختص بصحبته. وقرئ "جامع المسانيد" ببيت المحبّ بن الشحنة (٣)، وسمعه عليه هو وغيره، وحمله الناس عنه قديمًا وحديثًا. _________ = وله في ذلك مصنفات، توفي سنة ٨٥٠، (شذرت الذهب ٧/ ٢٦٨). وأما تلميذه (السيد علي) فلعله علي العجمي الحنفي المتوفي سنة ٨٦٠. (شذرات الذهب ٧/ ٢٩٧) (١) الظاهر جقمق هو أحد سلاطين دولة المماليك البرجية، امتد حكمه من سنة ٨٤٢ حتى سنة ٨٥٧. (انظر الضوء اللامع ٣/ ٧١، والأعلام ٢/ ١٣٢). (٢) هكذا أوجز الشيخ قاسم سنده إلى الخوارزمي في "تاج التراجم" ص ٢٧٨ رقم ٢٥٩، وهو إيجاز حسن لولا أن فيه إبهامًا، وفي الضوء اللامع ٦/ ١٨٥، ١٨٦، ذكر هذا السند على النحو التالي: ". . عن التاج النعماني، عن محيي الدين أبي الحسن حيدرة بن أبي الفضائل محمد بن يحيى العباسي مدرس المستنصرية ببغداد، سماعًا عن صالح بن عبد الله بن الصباغ، عن أبي المؤيد محمد بن محمود بن محمد الخوارزمي". وقد توفي الخوارزمي سنة ٦٥٥ هـ رحمه الله تعالى. (٣) هو محمد بن محمد بن محمد بن محمود المحب بن الشحنة، ولي قضاء الحنفية، توفي سنة ٨٩٠ رحمه الله تعالى. (شذرات الذهب ٧/ ٣٤٩)

стр. 37

ويُعتبر الإمام السخاوي (١) رحمه الله تعالى من أبرز تلاميذه؛ سمع منه مع والده المسلسل بسماعه له على الواسطي، وكتب عنه من نظمه وفوائده أشياء كثيرة، وكانت بينهما مودة وصحبة، من ذلك ما قاله في ترجمته في الضوء: ". . واستعار مني أشياء من تعاليقي ومسوداتي وغيرها، وكثر تردّده لي قبل ذلك وبعده بسبب المراجعة وغيرها، صريحًا وكناية لحسن اعتقاده فيّ"، وكان والد السخاوي من قدماء أصحابه، كان يجلسه ويعظمه ويقول: "ما أكثر محفوظه وأحسن عشرته". وممن كتب عنه من نظمه ونثره أيضًا: برهان الدين البقاعي (٢)، وعظم انتفاع الشرف المناوي (٣) به، وكذا البدر بن الصواف في كثير من مقاصدهما. ومن تلاميذه كذلك: شمس الدين المغربي، وأبو إسحاق الخجندي، وابن إسماعيل الجوهري، والبدر الطولوني، وبدر الدين القاهري، وابن العيني، والفيومي القاهري، وابن الجندي، والعلاء السكندري، وابن الصيرفي، وابن الغزال، وأبو الفضل العراقي والكافوري، وغيرهم كثيرون. . يقول ابن العماد وهو يترجم للشيخ قاسم في الشذرات (٤): "وأخذ عنه من لا يحصى كثرة". . رحمهم الله تعالى. - بعض صفاته وأعماله: اشتهر العلامة قاسم بتواضعه وزهده وورعه، وقُصد بالفتاوى في النوازل والمهمات فبلغوا باعتنائه بهم مقاصدهم غالبًا. واشتغل بالتدريس، فدرّس الحديث بقبة البيبرسية عقب ابن حسان، ثم رغب عنه بعد ذلك، وقرّره جانبك الجداوي في مشيخة مدرسته التي أنشأها بباب القرافة، ولم يدم ذلك كثيرًا. عُيّن لمشيخة الشيخونية عند توعك الكافيجي بسفارة المنصور، حين كان _________ (١) هو محمد بن عبد الرحمن بن محمد، شمس الدين السخاوي الشافعي، علّامة كثير التصانيف، ومن أشهرها: "الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع"، توفي سنة ٩٠٢ رحمه الله تعالى. (شذرات الذهب ٨/ ١٥). (٢) هو إبراهيم بن عمر بن حسن الرُّباط المولود سنة ٨٠٩، والمتوفى سنة ٨٨٥ رحمه الله تعالى. (الأعلام ١/ ٥٦) (٣) هو يحيى بن محمد أبو زكريا شرف الدين الحدادي المناوي الشافعي، ولي قضاء مصر، توفي سنة ٨٧١ رحمه الله تعالى. (الضوء اللامع ١٠/ ٢٥٤) (٤) "شذرات الذهب" ٧/ ٣٢٦.

стр. 38

بالقاهرة عند الأشرف قايِتْباي (١)، وكذا بسفارة الأتابك أيبك فقدرت وفاته قبله. ولما استقر رفيقه السيف الحنفي في مشيخة المؤيدية عرض عليه السكنى بقاعها لعلمه بضيق منزله وكثرة عياله، مع تكلفه بالصعود إليه لكونه بالدور الأعلى، فما وافق. . ولما استقر الشمس الأمشاطي في قضاء الحنفية رتب له من معاليمه في كل شهر ثمان مئة درهم، لمزيد اختصاصه به، وتقدم صحبته معه. ومع أنه لم ينل من المناصب ما يستحقه ويناسب حاله، حتى التدريس في الأمكنة التي صار يدرس فيها من هو دونه في جميع الأوصاف (٢)، إلا أنه كان عالي الهمة، عظيم النفس، لم يتأثر بظروفٍ (٣) شخصية أو غيرها فيعتزل الناس، بل دأب على العكس، حيث كان يألف مجالس المناظرة ومذاكرة العلماء بتواضع، وأخلاق رفيعة. . يقول السخاوي (٤): "هو إمام علامة قوي المشاركة في فنون، ذاكر لكثير من الأدب ومتعلقاته، واسع الباع في استحضار مذهبه وكثير من زواياه وخباياه، متقدم في هذا الفن، طلق اللسان، قادر على المناظرة وإفحام الخصم، لكن حافظته أحسن من تحقيقه، مغرم بالانتقاد ولو لمشايخه حتى بالأشياء الواضحة. . ولقد سمعته يقول: إنه أفرد زوائد متون الدارقطني أو رجاله على الستة من غير مراجعتها!. كثير الطرح لأمور مشكلة يمتحن بها، وقد لا يكون عنده جوابها (٥)، ولهذا كان بعضهم يقول: إن كلامه أوسع من علمه، وأما أنا [الإمام السخاوي] فأزيد على ذلك بأن كلامه أحسن من قلمه، مع كونه غاية في التواضع وطرح التكلف وصفاء الخاطر جدًّا، وحسن المحاضرة لا سيما في الأشياء التي يتحفظها، وعدم اليبس والصلابة، _________ (١) الأشرف قايتباي، من أبرز سلاطين دولة المماليك، حكم مدة طويلة؛ من سنة ٨٧٢، حتى سنة ٩٠١. (الأعلام ٥/ ١٨٨). (٢) كما قال صاحب "البدر الطالع" ٢/ ٤٧. (٣) انظر ما سيأتي ذكره من ضيق عيشه وبلائه. (٤) في "الضوء اللامع" ٦/ ١٨٧، ١٨٨. (٥) كذا في مطبوعة "الضوء اللامع"، وقد وجدت في "طبقات الحنفية" للسخاوي هذه العبارة بلفظ: "وقد يكون عنده جوابها" ومعنى ما أثبتّ أولى، والله أعلم. وكتاب طبقات الحنفية المذكور، مخطوط في المكتبة الوطنية بدمشق، برقم ١٣٨١٨.

стр. 39

والرغبة في المذاكرة للعلم وإثارة الفائدة، والاقتباس ممن دونه مما لعله لم يكن أتقنه". ولقد عانى الشيخ قاسم ﵀ الفقر والفاقة، ولكنه تغلب على ذلك بصبره واحتسابه، على عادة العلماء الصلحاء. . فعاش كريمًا مبتعدًا عن حياة الذل ودناءة التزلّف، رافضًا الاعتماد على الهبات والصدقات، وربما تفقده الأعيان من الملوك والأمراء ونحوهم، فلا يدبّر نفسه في الارتفاق بذلك بل يسارع إلى إنفاقه ثم يعود لحالته، وهكذا مع كثرة عياله وتكرر تزويجه. كل ذلك، مع همّة نادرة في طلب العلم ومدارسة أهله، والاشتغال بالتصنيف والتأليف. ولقد اشتهر الشيخ ﵀ بالمناضلة عن ابن عربي ونحوه مع حسن عقيدته، كما يقول السخاوي، وكان قد حدث في أواخر سني حياته انشقاقٌ بين العلماء بسبب ابن الفارض الشاعر المتصوف المشهور، وذلك لاختلافهم في فهم بعض الأبيات الشعرية من قصيدته التائية، وكثرت بينهم المحاجة والمناظرة، فمنهم من أخذ بظاهر قوله ونسبه إلى الحلول والاتحاد، وحكم بفسقه وكفره، ومنهم من لم يأخذ بظاهر القول وتأول كلام الشيخ ولم ينسبه إلى فسق أو قول بالحلول، بل حكم بإيمانه الثابت الراسخ (١). وقد اشتد الأمر بين الشيخ قاسم ومخالفيه ممن يرون كفر ابن الفارض، حتى تعرّض برهان الدين البقاعي لشيخه - ابن قطلوبغا - بالإساءة، وبالغ في أذيّته، _________ (١) جاء في كتاب: "عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي" تأليف: محمود رزق سليم، تحت عنوان: (إنشقاق بين العلماء بسبب ابن الفارض سنة ٨٧٥ هـ)، المجلد الثاني ص ٤١٣ ما يلي: "ولما طال الأمر وبلغ مسامع السلطان قايِتْباي، أمر كاتب السر - ابن مزهر - أن يكتب سؤالا في الموضوع يوجّهه إلى الشيخ زكريا الأنصاري، فأجاب شيخ الإسلام على الاستفتاء بعد تمنّع شديد بما يلي: "يحمل كلام هذا العارف - رحمة الله عليه ونفع ببركاته - على اصطلاح أهل طريقته، بل هو ظاهر فيه عندهم، إذ اللفظ المصطلح عليه حقيقة في معناه الاصطلاحي، مجاز في غيره كما هو مقرر في محله، ولا ينظر إلى ما يوهمه تعبيره في أبيات في التائية من القول بالحلول والاتحاد، فإنه ليس من ذلك في شيء بقرينتَي: حاله ومقاله. ." إلى آخر كلامه الذي كان سببًا في ركود ريح الخلاف وسكون الفتنة والحمد لله رب العالمين. ولكن الغريب جدًا؛ أن مؤلف "عصر سلاطين المماليك" في المجلد السادس ص ٤٧، نسب ابن قطلوبغا إلى القول بالاتحاد! محيلًا في الهامش على ترجمته في "الضوء اللامع"؛ مع أن الإمام السخاوي لم يزد فيه على أن قال: "واشتهر بالمناضلة عن ابن عربي ونحوه مع حسن عقيدته" كما مر. (انظر الضوء اللامع ٦/ ١٨٨).

стр. 40

واتهمه بالكذب، وتكلم عليه بما لا يليق (١)، كما أن المحبّ بن الشحنة بعد أن كان من أخصّ أصحاب الشيخ قاسم الذي أذن لابنه الصغير في الإفتاء، إلا أنه لامس الشيخ منهم غاية المكروه، بحيث شافهوه بمجلس السلطان بما لا يليق، وانتصر له العز قاضي الحنابلة وهجرهم بسببه مدة حتى توسط بينهم العضد الصيرامي. وبالجملة فقد توقف الكثير منهم في شأنه ﵀ ولم ينزلوه منزلته، وهكذا حال أكثرهم جريا على عادة العصريين (٢). - مرضه ووفاته: كان الشيخ قاسم قويًّا في بدنه يمشي جيدًا، فأصيب بعسر البول واشتد به حتى خيف موته، وعولج حتى صار به سلس البول، فقام وقد هرم، ثم عرض له مرض حاد تعلّل به مدة طويلة. وكان الشيخ قد نقل سكناه عدة مرات في أحياء القاهرة إلى أن تحول قبيل موته بيسير إلى قاعة بحارة الديلم، فلم يلبث أن مات فيها، في ليلة الخميس رابع ربيع الآخر سنة (٨٧٩) تسع وسبعين وثمان مئة هجرية، (الموافق لسنة ١٤٧٤ ميلادية)، وصلّى عليه من الغد تجاه جامع المارداني (٣) قاضي القضاة ولي الدين الأسيوطي الشافعي، في مشهد حافل، ودفن على باب المشهد المنسوب لعقبة بن عامر عند أبويه وأولاده، وتأسفوا على فقده، ﵀ وإيّانا (٤). وهكذا مضى العلامة قاسم عن سبع وسبعين سنة من العمر المبارك، قضاها في ربوع العلم والإفادة، والقدوة الحسنة. . تغمّده الله تعالى برحمته، وأغدق عليه سحائب رضوانه، وأسكنه فسيح جناته، وسائر العلماء العاملين. . آمين. _________ (١) فقد أظهر المرض الذي أصاب الشيخ قاسمًا في آخر حياته بصورة دنيئة، معتبرًا أن ما أصابه كان عقوبة له من الله على موقفه! انظر: "الضوء اللامع" ٦/ ١٨٦. (٢) "الضوء اللامع" ٦/ ١٨٨. (٣) انظر: "حوادث الزمان ووفيات الشيوخ والأقران"، لابن الحمصي ١/ ٢٠٥، ٢٠٦، وفيه: "بباب جامع المارديني"، بدل: (المارداني). (٤) "الضوء اللامع" ٦/ ١٨٩.
следующие страницы →