← История

История · id 9850

تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية

محمد بن سعد الشويعر

Полный текст (131 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية تأليف د/محمد سعد الشّويعر

стр. 2

مقدمة الطبعة الثالثة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين: أما بعد فإن الجامعة الإسلامية مؤسسة علمية وثقافية، تعمل على هدى الشريعة الإسلامية، وتقوم بتنفيذ السياسية التعليمية بتوفير التعليم الجامعي، والدراسات العليا، والنهوض بالبحث العلمي، والقيام بالتأليف والترجمة والنشر، وخدمة المجتمع في نطاق اختصاصها. لذا رأت طباعة هذا الكتاب القيم (تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية) لمعالي الدكتور محمد بن سعد الشويعر، وهو كتاب يطابق عنوانه يوضح خطأ تاريخياً بسببه حصل التجني على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ودعوته إلى التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، كما هي دعوة الرسل من أولهم إلى خاتمهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعليهم وسلم، وحصل سوء الفهم الذي استغله أعداء الإسلام والمسلمين للتفريق بينهم وتمزيق وحدتهم، فلعل هذا الكتاب القيم يسهم في إزالة اللبس وتصحيح مفاهيم خاطئة وكبت نوايا فاسدة. أدعو الله أن ينفع به الإسلام والمسلمين وان يجزي مؤلفه خير الجزاء. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. مدير الجامعة الإسلامية د. صالح بن عبد الله العبود

стр. 3

سبب التأليف الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد، كنت قد أخرجت كتاباً صغيراً باسم تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية يقع في ١١٠ صفحات تقريباً وطبع للمرة الأولى بتطوان بالمغرب عام ١٤٠٧ هـ وطبعته دار المعارف بالرياض الطبعة الثانية عام ١٤١٣ هـ , أوضحت فيه بأن خصوم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأعداء دين الله الحق , من أرباب المصالح الدنيوية ممن يريدون إطفاء نور الله والتصدي لمن يريد أن يحقق التوحيد الذي أمر به الله وأرسل به رسله من أولهم إلى آخرهم: دعوة وتطبيقاً وتنقية من مداخل الشرك. فوجدوا دعوة خارجية أباضية في شمال إفريقيا نشأت في القرن الثاني الهجري باسم الوهابية نسبة إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الخارجي الأباضي , ووجدوا فتاوى من علماء المغرب والأندلس ممن عاصرها أو جاء بعدها فأرادوا شيئاً عاجلاً يحقق الغرض وينهض الهمم لإسكات الدعوة الجديدة خوفاً من توسع الدائرة الإسلامية حيث قامت الدولة السعودية الأولى مناصرة للدعوة التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب - فتصافحت يداً الإمامين: محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب رحمهما الله في عام ١١٥٧ هـ على القيام بهذه الدعوة نصرة لدين الله وأداء لأمانة التبليغ. فوفق الله ولقيت الدعوة قبولاً وتأييداً حيث امتدت إلى العام الإسلامي كله وتأثر بها العلماء من الحجاج وبدأوا في نشرها في بلادهم.... فخاف المنتفعون دنيوياً من آثارها ووجدوا الضالة في الوهابية الرستمية , المدفون خبرها في سجلات التاريخ فنبشوا في فتاوى العلماء

стр. 4

حولها وكانت فرصة بإلباس الثوب القديم للدعوة الجديدة ووجدت الإشاعة صدى في النفوس لأن أرباب المنافع الدنيوية جهدوا في التمويه والتشويه والناس عادة يتلقفون الكذب أكثر من اهتمامهم وتحريهم للصدق. ولذ فإن للإشاعات دوراً كبيراً في تغيير المفاهيم ووضع تصورات تغاير الواقع ... بحسن نية أو سوء فهم. وفي حدود عام ١٤٠٧ هـ كان نقاش علمي مع أحد علماء المغرب حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ حقق نتيجة مرضية وصحح مفهوماً تاريخياً سائداً وقد رغب إلى أكثر من أخ كريم ذكر سبب التأليف تلك الرسالة كتابياً حيث ذكرتها لهم شفوياً لأنه أمكن في البلاغ ويطلع عليها أكبر عدد ممكن حيث تبقى حية لمن يريدها واستجابة لذلك أقول: - قد يكون من المناسب الاشتراك مع القارئ في السبب الذي من أجله كتبت: تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية , ولأن الله قد جعل لكل شئ سبباً فكان هذا الحوار الذي تولد عنه النقاش العلمي المقنع والحوار الهادئ المثمر هو السبب المباشر لكتابة هذه الرسالة. (ففي عام ١٤٠٧ هـ، كنت في مهمة لموريتانيا، ثم عرجّنا على السنغال، وكان خط سير الطيران ملزماً لنا بالبقاء في المملكة المغربية ستة أيام. وفي أحد الأيام كنت في ضيافة أحد الأساتذة بإحدى الجامعات هناك، وأرمز له: بالدكتور عبد الله. وفي جلسة بمكتبته دارت أحاديث شتى، ومن محبته للملكة وحضور مؤتمرات عديدة بها، طرح عليّ هذا السؤال أمام الحاضرين، وعددهم يقارب الاثني عشر شيخاً من فضلاء البلاد هناك. قال إننا نحب المملكة، ونفوس المسلمين وقلوبهم تهفوا إليها، وبيننا

стр. 5

وبينكم تقارب كبير وتفاهم بين القيادات، وإعجاب بما يؤديه حكام وعلماء المملكة من جهود مخلصة للإسلام والمسلمين، ولكن حبذا لو تركتم المذهب الوهابي الذي فرق بين المسلمين؟! . فأجبته: قد يكون علق بالذهن معلومات خاطئة، مأخوذة من غير مصدرها السليم، ولكن حتى تلتقي المفاهيم، نحب أن نطرح الموضوع بحضور الإخوة للنقاش العلمي المقرون بالبراهين.. ثم قلت: - ولما كان كل إنسان ترتاح نفسه، ويطمئن قلبه، لما ألفه علماء بلده، فإنني في هذا الحوار لن أخرج عما في محتويات هذه المكتبة، التي تضمنا جدرانها الأربعة؛ لأنك كما تراني الآن لا أحمل كتاباً، ولم يخطر ببالي مثل هذا النقاش. ولذا وقبل أن نبدأ: أرجو أن يكون نقاشنا بعيداً عن التعصب والانفعال، أو طرح الآراء بدون دليل مقنع يعول عليه، لأن نشدان الحقيقة هو هدفنا، والامتثال لأمر الله وأمر رسوله هو غايتنا، ونصر الدين هو المؤمل من كل منّا. قال: أوافقك على هذا، وأصحاب الفضيلة المشايخ هم الحكم بيننا. قلت: رضيت بذلك، وبعد التوكل على الله أرجو أن تطرح أي مدخل للحوار. قال: خذ مثلاً ما ذكره الونشريسي في كتابه] المعيار [الجزء ١١، وهو قوله: سئل اللخمي: عن أهل بلد بنى عندهم الوهابيون مسجداً، ما حكم الصلاة فيه؟. (١)

стр. 6

وللمعلومية: فإن كتاب] المعيار [هذا هو كتاب يجمع الفتاوى في الفقه المالكي، جمعه أحمد بن محمد الونشريسي، وطبع في ١٣ مجلداً، وقد طبعته الحكومة المغربية وتوزع منه نسخ عن طريق الإهداء. بعد طرح السؤال، وإحضار الكتاب المذكور الجزء ١١، أجبته: بان الفتوى على هذا السؤال صحيحة، ونوافق اللخمي على ما جاء في فتواه. قال إذا اتفقنا على أن هذه الفرقة، وخطأ ما تسير عليه، خاصة وأن المفتي قال: هذه فرقة، خارجية ضالة كافرة، قطع الله دابرها من الأرض، يجب هدم المسجد، وإبعادهم عن ديار المسلمين. قلت: لم نتفق بعد ولا زلنا في بداية الحوار.. ولعلمك: فإن هذه الفتوى لها نظائر كثيرة قبل اللخمي وبعده، موجودة لدى علماء الأندلس، وفقهاء شمال أفريقيا، وهي مستمدة من حكم رسول الله في الخوارج، الذين قاتلهم علي بن أبي طالب في النهروان. وفي نقاشنا هذا، سوف نصل بإذن الله إلى تصحيح المفهوم التاريخي بين ما تعنيه هذه الفرقة، التي أفتى علماء الإسلام في الأندلس وشمال إفريقيا بشأنها، وبين التسمية التي ألصقت وصفاً مستهجناً بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ التصحيحية. هذا التصحيح لن يكون مقنعاً إلا بقرائن وبراهين مرضيّة عندكم، لأن رائدنا جميعاً الوصول إلى الحقيقة لذات الحقيقة.. والرأي الهادئ المقنع هو الذي تنجلي به الغشاوة وتصحح به المفاهيم. قال: كلنا نريد الوصول لهذه الحقيقة.. ثم قال: وبعد هذه الفتوى نريد أن تعطينا ما عندك، ونحن نستمع والإخوة يحكمون بيننا، ويصوبّون أو يخطئون ما يقال أو يعرض أمامهم.

стр. 7

قلت:: سترون - إن شاء الله -، ما ينير الطريق لمن يريد الوصول للرأي الصائب، واستجلاء الأمر، ولهذا: نبدأ بما لدينا من أجزاء المعيار.. ولعلك تقرأ طرة الكتاب ليسمع الإخوة؟ . قال: تريد الفتوى حتى أقرأها أمامهم، أم أبدأ بما على الغلاف الخارجي من معلومات؟؟. قلت: بل الغلاف الخارجي.. أو الداخلي.. فهما سواء.. فقرأ:] المعيار المعرب في فتاوى أهل المغرب [، تأليف: أحمد بن محمد الونشريسي المتوفى عام ٩١٤ هـ، بفاس بالمغرب. قلت لأكبر المشايخ سناً، وهو شيخ وقور، هادئ الطبع، اسمه أحمد: يا شيخ أحمد سجل تاريخ وفاة الونشريسي.. فرصد ذلك عام ٩١٤ هـ. ثم قلت: هل من الممكن إحضار ترجمة اللّخميّ؟ . قال: نعم.. ثم قام إلى رفّ من رفوف المكتبة فأحضر جزءاً من أحد كتب التراجم، وفيه ترجمة: علي بن محمد اللخمي، مفتي الأندلس وشمال إفريقيا، والترجمة طويلة، وفيها ثناء عليه وعلى علمه.. فقلت: إن بيت القصيد في نهاية الترجمة، فمتى توفي؟ قال القارئ: وتوفي عام ٤٧٨ هـ (١) . فقلت للشيخ أحمد: اكتب تاريخ وفاة الشيخ علي اللّخمي، فكتبه في عام ٤٧٨ هـ.

стр. 8

فقال الدكتور عبد الله: هل تشك في علمائنا وفي فتاواهم؟ . قلت وما دليلك على هذا الشك؟ . ثم التفتّ إلى المشايخ.. وقلت: هل بدر مني ما يدعو إلى الشك الذي أوجب هذا القول؟. فكان الجواب بالإجماع: النفي. قلت: ولكي أنفي الشك عني، وعن علمائنا في بلادي، فإننا نحترمهم ونجلّهم، ونصوّب كل فتوى تصدر عنهم، يدعمها الدليل من الكتاب الكريم، والصحيح من سنة رسول الله. ولكن الوصول إلى ما بدأنا الحديث من اجله، مقروناً بما يدعمه، يحتاج إلى شيء من الأناة والصبر. ومن باب استعجال الجواب: أطرح على الجميع هذا السؤال: هل يمكن أن يفتي العلماء على معتقد لم يوجد صاحبه الذي ينسب إليه بعد، أو الحكم على ملّة من الملل لم تظهر بعد؟؟!! . قالوا جميعاً: لا.. ولم يعرف هذا، إلا ما جاء عنه إخبار من رسول الله. وهذا من معجزات النبوة، وفي الغالب يأتي الوصف دون المسمى. قلت موجهاً الكلام لمحدّثي: ألست تعتقد ويعتقد غيرك: أن الوهابية أول من أنشأها محمد بن عبد الوهاب في نجد؟ قال بلى. قلت: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عندما أفتى اللّخمي وغيره من علماء المالكية في الأندلس. وفي الشمال الإفريقي، كان أكثر من اثنين وعشرين من أجداده لم يولدوا بعد، باعتبار أن المتوسط لكل قرن ثلاثة جدود، كما أن بين وفاة عبد الوهاب بن رستم ووفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ما يقرب من واحد وثلاثين جداًّ، وعلماؤكم وعلماء المسلمين لا يعلمون الغيب، وننزههم عن الكهانة والسحر، وعن القول في أمر

стр. 9

لا يعلمونه، قال تعالى ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيَّان يبعثون﴾ . قال: أوضح أكثر..!! قلت: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولد عام ١١١٥هـ، ومات سنة ١٢٠٦ هـ، وبينه وبين أحمد الونشريسي الذي ألف كتاب (المعيار) ، ونقل الفتوى عن اللّخمي - كما مر بنا - مئتان واثنتان وتسعون سنة (٢٩٢) وفق تاريخ الوفاة، كما أن بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبين اللّخمي، وهو صاحب الفتوى سبعمائة وثمانية وعشرون عاماً (٧٢٨) وفق تاريخ الوفاة، وفق ما سجّل الشيخ أحمد لوفاة كل منهما. ويقاس على هذا كل من أفتى من علماء الأندلس وشمال إفريقيا عن تلك الوهابية. قال: هل يمكن أن توضح أكثر لما تعني.. بدليل مقنع؟ قلت: لم يهتم علماء شمال إفريقيا والأندلس، بالفتاوى عن الوهابية والتحذير منها، إلا لأنها موجودة عندهم بخلاف ديار المسلمين الأخرى، التي وضّح فرقها الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل) (١) . وابن حزم في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل) (٢) . وفي موضوعنا: ألا يوجد عندك كتاب: (الفرق الإسلامية في شمال إفريقيا) ، الذي ألفّه الفرنسي: ألفرد بل، وترجمه للغة العربية: عبد الرحمن بدوي؟ .. وهو جزء واحد.

стр. 10

قال: هاهو موجود.. ثم قام وأحضره. قلت فلنقرأ في آخره، حرف الواو.. فقرأ أحدهم: الوهبية أو الوهابية: فرقة خارجية أباضية أنشأها عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن رستم، الخارجي الأباضيّ، وسميت باسمه وهابية، الذي عطّل الشرائع الإسلامية، وألغى الحج، وحصل بينه وبين معارضيه حروب.. إلى أن قال: المتوفى عام ١٩٧ هـ، بمدينة تاهرت بالشمال الأفريقي، وأخبر بأن فرقته أخذت هذا الاسم؛ لما أحدثه في المذهب من تغيرات ومعتقدات، وكانوا يكرهون الشيعة قدر كراهيتهم لأهل السنة. وكان ألفرد هذا قد تحدث في كتابه المنوه عنه عن الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي من الفتح العربي حتى وقت المؤلف في العصر الحاضر تقريباً. وعبد الوهاب بن رستم قد اختلف في تاريخ وفاته، عند من كتب عنه، ويرى الزر كلي في (الأعلام) : أن وفاته نحو ١٩٠ هـ. عند ذلك قلت له وللحاضرين: هذه هي الوهابية التي فرقت بين المسلمين، وصدرت بشأنها فتاوى من علماء وفقهاء الأندلس وشمال أفريقيا، كما تجدون في كتب العقائد عندكم، وهم محقون فيما قالوا عنها. أما دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي ناصرها الإمام محمد بن سعود - رحمهما الله - السلفية التصحيحية، فهي ضد الخوارج وأعمالهم؛ لأنها قامت على كتاب الله وما صح من سنة رسوله، ونبذ ما يخالفهما وهم من أهل السنة والجماعة. والشبهة التي انتشرت في بلاد الإسلام قد روجها أعداء الإسلام والمسلمين من مستعمرين وغيرهم لكي تبث الفرقة في صفوفهم، فقد كان

стр. 11

المستعمرون يسيطرون على غالب العالم الإسلامي في ذلك الوقت، وهو وقت عنفوانهم، ويعلمون من واقع حروبهم الصليبية، أن عدوهم الأول في تحقيق مآربهم: الإسلام الخالي من الشوائب، وتمثله السلفية، ووجدوا ثوباً جاهزاً ألبسوه هذه الدعوة تنفيراً، وتفريقاً بين المسلمين - لأن مبدأهم فرق تسد - حيث أن صلاح الدين الأيوبي ﵀ لم يخرجهم من ديار الشام إلى غير رجعة، إلا بعد أن قضى على دولة الفاطميين العبيديين الباطنيين من مصر، ثم استقدم علماء من أهل الشام ووزعهم في الديار المصرية فتحولت مصر من التشيّع الباطني إلى منهج أهل السنة والجماعة، الواضح دليلاً وعملاً واعتقاداً. فالمستعمرون خافوا من إعادة الكرّة، بعدما رأوا دولة التوحيد السنّية، التي قادها الإمامان: محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن سعود، ثم من جاء بعدهما، تتسع أعمالهما،، ويكثر المستجيبون لما تهدف إليه هذه الدعوة، ومعلوم لديكم أن المستعمر ما دخل بلدة إسلامية إلا حاول إقصاء أهل السنة، وتقريب أهل الأهواء والبدع؛ لأنهم مطيته فيما يريد عمله في ديار الإسلام. كنت أعتقد أن هذا الجواب فيه إقناع.. لكن طرح أحدهم سؤلاً قال فيه: ألا يكون محمد بن عبد الوهاب قد أخذ منهج السابقين وأحياه من جديد واتبع طريقتهم؟! قلت: أولاً: لبعد الاتصالات بين المكانين فإن المعلومات لا تصل ولم يكن لدعوة عبد الرحمن بن رستم ذكر في تاريخ الجزيرة العربية، بل كما مر بنا، لم يكن لها تصنيف عند الدارسين والراصدين للملل

стр. 12

والنحل والأهواء؛ كالشهرستاني وابن حزم، ولا في ردود ابن تيمية، وابن رستم مات قبل هؤلاء بزمن. مما يدل على أن دعوة عبد الوهاب بن رستم (الوهّابيّة) لم تتعدّ الشمال الإفريقي والأندلس قبل ضياعها. ثانيا: أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تختلف عن دعوة جميع الفرق المخالفة لكتاب الله ولسنة رسوله، لأنها دعوة تجديدية على منهج السلف الصالح، ولم يأت بشيء يخالف ذلك. ثالثاً: تسمية الدعوة التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب بـ (وهّابيّة) نسبة إليه خطأ لغوي، لأن والده لم يقم بها، وإلا لأشترك في هذه النسبة الوالد وأولاده، ومحمد واحد منهم لتصبح نسبة مشتركة. رابعاً: الشيخ محمد بن عبد الوهاب في دعوته لا يوافق الإباضية في آرائهم، ولا غيرهم من الفرق التي ذمها علماء أهل السنة منذ نشأت في ديار المسلمين، وكتبه ورسائله توضح ذلك. خامساً: أن ما نسب إليه من أمور، آتي لها بشواهد - إن رأيتم في الوقت متسعاً _ من كلامه وكلام تلاميذه بالتبرئ مما نسب إليه كذباً وزوراً، ويقول في كلامه: سبحانك ربي هذا بهتان عظيم. فكيف ينسب للإنسان شيء هو يتبرأ منه؟؟! لكن سوف نستكمل الحوار، ولعلنا نجد في هذه المكتبة - بحول الله - ما يزيل ما علق بالأذهان من شبهة، والحكمة ضالة المؤمن. قلت: ولعلنا نجد عندكم كتاباً تاريخياً عن منطقتكم اسمه (تاريخ شمال أفريقيا) من تأليف أحد الغربيين في فرنسا.. واسم المؤلف: شارلي أندري، وقد ترجمه إلى اللغة العربية محمد مزالي رئيس وزراء تونس الأسبق، والبشير بن سلامة..

стр. 13

قال الدكتور عبد الله: نعم موجود.. فأحضره وهو ثلاثة أجزاء. وباستعراض الفهارس: قرأنا في الجزء الثاني، عن ممالك الخوارج، ومن ضمنها مملكة تاهرت، التي هي الدولة الرستمية، حيث توسع المؤلف في الحديث عن معتقداتها واتساعها ومعالمها الحضارية، وتسميتها بالوهابية، نسبة إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، الذي خالف أهل ملته، كما أبان في عشر صفحات، بأن هذه الوهابية - الرستمية - تخالف أهل السنة في المعتقد (١) . ثم قلت: ولعلك تحضر أيضاً كتاب: (المغرب الكبير، العصر العباسي) للدكتور: السيد عبد العزيز سالم، إن كان موجوداً في هذه المكتبة. قال: نعم موجود: ثم أحضره. فقرانا سوياً بعد إحضاره في الجزء الثاني عن الدولة الرستمية، في مدينة تاهرت في المغرب: أن عبد الرحمن بن رستم، وهو من أصل فارسي، عندما أحس بدنو أجله في عام ١٧١ هـ، أوصى لسبعة من خيرة رجال الدولة الرستمية، ومن بينهم ابنه عبد الوهاب، ويزيد بن فنديك: وقد بويع عبد الوهاب، مما ترتب عليه نشوء خلاف بينه وبين ابن فنديك. وقد انقسمت الإباضّية التي هي ديانة ابن رستم ومن معه، حيث نقلها من المشرق إلى المغرب إلى فرقتين: الوهابية نسبة إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، والنكارية، ودارت بين الطرفين معارك ومقاتل، تنهزم فيها النكارية، إلى أن قتل زعيمها: ابن قنديرة، وفي حالة ضعف من النكارية، انضموا إليهم الواصلية المعتزلة.

стр. 14

ثم قال: وقد عزم عبد الوهاب هذا على حج في آخر حياته، إلا أن أتباعه نصحوه بالبقاء في (نفّوسه) خوفاً عليه من العباسين (١) . ثم قلت: ولو رجعنا إلى كتاب ألفرد بل، عن الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي، من الفتح الإسلامي حتى اليوم..لوجدناه في موضع آخر يقول: الخوارج الوهبيين الذين سمّوا نسبة على عبد الله بن وهب الراسبي، الذي قاتله علي بن أبي طالب ﵁ في النهروان هم: خوارج أباضية، وعن انقسامهم قال: بأن أباضية المغرب، في تاهرت منهم، وهم الذين كانت ولتهم الرستمية في شمال إفريقيا، وكانوا أشد الفرق تعصباً. واتباع عبد الوهاب بن رستم، الذي سميت فرقته بالوهابية نسبة إليه؛ لما أحدثه في المذهب من تغييرات ومعتقدات. وقد تحدث في هذا الأمر قرابة اثني عشرة صفحة، واخبر أنهم يكرهون أهل السنة (٢) . ثم قلت: من هذا الرصد وغيره من كتب العقائد والسير، في تاريخ شمال أفريقيا، يبرز أمام طالب الحقيقة، ما حرص عليه الكاتبون من تفنيد لمعتقدات الخوارج الإباضية الرستميين، الذين منهم الوهابيون - نسبة إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم -، منذ خرجت هذه الفرقة بالقرن الثاني الهجري، حيث أكدت ذلك جميع المصادر. والشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي قام بدعوته للقضاء على الشوائب التي أدخلت على الإسلام في صفائه ونقاوته رغبة منه في تصحيح العقائد وتنقيتها من مداخل والبدع مثلما سار من قبله دعاة منهم أحمد بن

стр. 15

حنبل , وشيخ الإسلام ابن تيمية في الشام والعز بن عبد السلام في مصر وغيرهم ... كلهم وغيرهم من أئمة الإصلاح والتجديد يخالفون ملل الخوارج وما يدعون إليه من معتقدات واعتزال وبدع تخالف ما درج عليه أهل السنة والجماعة وهذا مرصود في كتب: الملل والأهواء والنحل. فحصل بحمد الله الاقتناع خاصة بعد أن تردد اسم الوهابية في مصادرهم التاريخية والعقدية مراراً مع إيضاح نماذج مما يدعون إليه.. لكنني أحببت ترسيخ هذا المفهوم عندهم بما لا يدع مجالاً للشك ولكي يستفيد منه من يطلع عند تدوينه وفقاً لكلام البلاغيين: زيادة المبنى , زيادة في تمكين المعنى. فقلت: ما رأيكم إذا اتسعنا مع المصادر وبرز أمامنا من الحقائق التاريخية زيادة عما ذكر ما يدل على أن علماءبلادكم وحكامها قد اهتموا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عندما حرص آل سعود على نشرها وتبلغها لحكام المسلمين بالمكاتبات وبعث المندوبين اقتداء بأسلافنا في أداء الأمانة وتبليغ ما قاموا من أجله أخذاً من قول الله سبحانه: ﴿وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون﴾ (سورة الزخرف آية ٤٤) حيث قام حكام المغرب الأقصى وعلماؤه بالتقصي والمحاورة ثم اقتنعوا بسلامة هذه الدعوة. قالوا: نعم ... نريد المزيد , بالشئ المفيد , المقنع والموثق. قلت: سوف يكون ذلك إن شاء الله. ثم قلت: لعلكم تعلمون أن الإمام سعود بن عبد العزيز - وهو الإمام الثالث من الدولة السعودية الأولى - قد بعث بعد ما دخل مكة في عام ١٢١٩ هـ رسائل شمال أفريقيا: تونس والمغرب الأقصى وغيرهم

стр. 16

يشرح فيها حقيقة التوحيد وأصول الدين الذي جاء به الرسول محمد ﷺ صافياً نقياً من الأمور التي أدخلت عليه وبلغه للناس بصدق وأمانة , عليه من ربه أفضل الصلاة وأزكى التسليم , وهي رسالة من ثلاث صفحات حسبما نشرتها مجلة ألمانية اسمها إسلاميكا " islamiga " مع دراسة باللغة الألمانية لما تعنيه الدعوة التي قاموا بها من أحد المستشرقين (١) . وكانت هذه الرسالة توضح بمحتواها ونصها العربي ما قام به الإمام سعود ووالده من قبل من عمل وفق أمر الله وأمر رسوله ﷺ بالدعوة إلى دين الله على نور من الله ليزيل ما قد يكون علق بالأذهان من أكاذيب قيلت عن الدعوة ونفاها الشيخ محمد بن عبد الوهاب قبل وفاته [١١١٥ - ١٢٠٦ هـ] وفي ردوده بقوله: سبحانك هذا بهتان عظيم وقبلنا كذب على صفوة الخلق عليه الصلاة السلام كما في رسالته ﵀ لعبد الله بن سحيم وهو من المعارضين له , وفي رسالته إلى عالم بغداد الشيخ عبد الرحمن السويدي رحمه الله تعالى: بعد أن بين لهذا الأخير عقيدته وما يدعوا الناس إليه من إخلاص العبادة لله تعالى وإنكار ما فشا في الناس من أمر الشرك من دعاء الأموات والالتجاء إليهم من دون الله تعالى قال: فقام بسبب هذه الدعوة من عارضنا في ذلك وافترى علينا الكذب - إلى أن قال: فإني ألزمت من تحت يدي بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وغير ذلك من فرائض الله ونهيتهم عن الربا وشرب الخمر وأنواع المنكرات فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا وعيبه لكونه مستحسناً عند العوام فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما آمر به من التوحيد وأنهى عنه من الشرك ولبسوا على العوام: أن هذا خلاف ما عليه أكثر الناس وكبرت الفتنة جداً وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله , منها: إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن

стр. 17

يحكيه عن أن يفتريه ومنها ما ذكرتم: أتى الكفر جميع الناس إلا من اتبعني وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة ويا عجباً كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟ هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون؟؟ !! . وبعد أ، عدد أموراً كثيرة مما نسب إليه قال: والحاصل أن ما ذكر عنا من الأسباب غير دعوة الناس إلى التوحيد والنهي عن الشرك فكله من البهتان وهذا لو خفي على غيركم ما خفي عليكم (١) . ثم قلت: ومن رغبة الحكام والعلماء في المغرب التقصي نرى الحقيقة التالية: ١- تأثر بهذه الدعوة واهتم بها وبمحتواها بعد الدراسة والعمق سلطان المغرب الأقصى: سيدى محمد بن عبد الله العلوي - جد الأسرة الحاكمة الآن: حيث قام بمحاربة البدع في بلاده كما حارب تشعب الطرق الصوفية ودعا إلى الاجتهاد وإلى انتشار السنة لأنه ذلك الوقت من أقوى الحكام المسلمين ولأن بلاده قد اكتوت بنيران: الباطنية العبيدية وأصحاب البدع مع تفشي الجهل والوهابية الرستمية الخارجية الباطنية علاوة على الغزو الصليبي للشمال الإفريقي بعد سقوط الأندلس في أيدي الإفرنج. وقد ذكر محمد جمعه في كتابه: انتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أموراً من أعمال سيدي محمد بن عبد الله العلوي , فيما يتفق

стр. 18

مع دعوة الشيخ محمد بن الوهاب وحرصهما على تنقية التوحيد من البدع والشرك مع الله (١) هذا السلطان هو الذي وصفه المؤرخ الفرنسي شارلي جوليان في كتابه: تاريخ أفريقيا الشمالية الذي ترجمه إلى اللغة العربية: محمد مزالي والبشير بن سلامه الذي مر بنا قبل قليل. فقرأنا في الجزء الثاني قوله: وكان سيدي محمد وهو التقي الورع علم بواسطة الحجيج بانتشار الحركة الوهابية في الجزيرة العربية وتأييد آل سعود لها وقد أعجب بعباراتها وكان يؤثر عنه قوله " أنا مالكي المذهب وهابي العقيدة " وقد ذهبت به حماسته الدينية إلى الإذن بإتلاف الكتب المتساهلة في الدين والمحللة لمذهب الأشعرية وتهديم بعض الزوايا (٢) ٢- أما مؤرخ المغرب الأقصى: أحمد الناصري فإنه توسع في الجزء الثامن من كتابه التاريخي الاستقصاء في تاريخ المغرب الأقصى - ولابد أن يكون موجوداً ضمن محتويات هذه المكتبة - فقال: نعم فلما أحضره فتحنا على أحداث عام ١٢٢٦ هـ فإذا هو يقول في هذا العام حج جماعة من المغاربة صحبه المولى إبراهيم بن السلطان المولى سليمان , سلطان المغرب , الذي خلف والده السلطان: سيدي محمد بن عبد الله العلوي , فقال ابنه المولى إبراهيم ومن معه ما رأينا من ابن سعود ما يخالف ما عرفناه من ظاهر الشريعة وإنما شاهدنا منه ومن أتباعه ما به الاستقامة والقيام بشعائر الإسلام من صلاة وطهارة وصيام ونهي عن المنكر وتنقية الحرمين من الآثام (٣) ثم قلت لهم: هل من شهد له وأتباعه

стр. 19

المولى بن السلطان سليمان ومن معه من علماء بعد المناقشة في مكة أثناء الحج عام ١٢٢٦ هـ حيث قال الناصري عن الطريقة المتبعة الركب النبوي الذي جرت العادة بخروجه من فاس على هيئة بديعة الاحتفال وكانت الملوك تعتني به وتختار له أصناف الناس من العلماء والأعيان والتجار والقاضي وشيخ الركب وغير ذلك مما يضاهي ركب مصر والشام (١) . هذا الركب بعلمائه ووجهائه بعد مناقشته مع الإمام سعود والعلماء هل يتفق مع عبد الوهاب بن رستم الخارجي الأباضي , صاحب الوهابية الأساسية التي جاءت عنها الفتاوى أم أنها فردية من أعداء دين الإسلام وصدقها بعض المسلمين دون تمحيص ولا روية ولا رجوع للكتب التاريخية والعقدية الموثقة؟ !! قالوا جميعاً: نحن معك واقتنعنا ... لكن كيف غاب على الكثير من الباحثين ما رصد في مصادرنا مما لا يقبل الشك. قلت: ولكي أزيدكم ويستفيد منه من يطلع عليه من بعدنا فإن الناصري في تاريخه هذا قد غطى حيزاً كبيراً من أخبار هذه الدعوة بأكثر من عشر صفحات وسوف أزيدكم من قوله وهو من المؤرخين الموثقين عندكم وتاريخه من مصادر بلادكم المهمة. قالوا: نعم قلت: يقول الناصري عن السلطان سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي الذي بويع في فاس في حدود عام ١٢٢٦ هـ وقد كان معاصراً للإمام عبد الله بن سعود ووالده الإمام سعود بن عبد العزيز الذي دخل مكة المكرمة في المرة الأولى حاجاً عام ١٢١٤ هـ الموافق لعام ١٧٩٩ م بأنه أراد أن يتحقق من

стр. 20

ابن سعود وما يدعوا غليه فأرسل ابنه المولى إبراهيم في جماعة من علمائ المغرب وأعيانه ومعه جواب من ولاده فوصلوا الحجاز وقضوا المناسك وزاروا الروضة الشريفة كل هذا على الأمن والأمان والر والإحسان ثم أردف الناصري قائلاً: حدثنا جماعة وافرة ممن حج مع المولى إبراهيم في تلك السنة أنهم ما رأوا من ذلك السلطان - يعني الإمام سعود - ما يخالف ما عرفوه من ظاهر الشريعة وإنما شاهدوا منه ومن أتباعه غاية الاستقامة والقيام بشعائر الإسلام من صلاة وطهارة وصيام ونهي عن المنكر الحرام وتنقية الحرمين الشريفين من القاذورات والآثام التي كانت بهما من غير نكير وأنه لما اجتمع بالشريف المولى إبراهيم أظهر له التعظيم الواجب لآل البيت الكريم وجلس معه كجلوس أحد أصحابه وحاشيته وكان الذي تولى الكلام معه الفقيه القاضي: أبو إسحاق الزرعي فكان من جملة ما قاله ابن سعود لهم: إن الناس يزعمون أننا مخالفون للسنة المحمدية فأي شئ رأيتمونا خالفناه من السنة وأي شئ سمعتموه عنا قبل اجتماعكم بنا؟؟ . فقال له القاضي: بلغنا أنكم تقولون بالاستواء الذاتي المستلزم لجسمية المستوى فقال له: معاذ الله إنما نقول كما قال الإمام مالك ﵀: الإستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب.. فهل في هذا مخالفة؟ ! . قالوا: لا ... وبمثل هذا نقول أيضاً ثم قال القاضي الزرعي له: وبلغنا أنكم تقولون: بعدم حياة النبي ﷺ وحياة إخوانه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم.... فلما سمع ذكر النبي لى الله عليه وسلم ارتعد ورفع صوته بالصلاة عليه وقال معاذ الله إنما نقول: إنه ﷺ حي في قبره وكذا غيره من الأنبياء حياة حياة فوق حياة الشهداء. ٣- ثم في نهاية هذا الحديث قال الناصري: وأقول إن السلطان المولى سليمان ﵀ كان يرى شيئاً من ذلك ولأجله كتب رسالته المشهورة التي تكلم فيها عن حال متفقرة الوقت - ويعني بهم رهينة الصوفية - وحذر

стр. 21

فيها ﵁ , من الخروج عن السنة والتغالي في البدعة وبين فيها آداب زيارة الأولياء وحذر من غلو العوام في ذلك وأغلظ فيها مبالغة في النصح للمسلمين جزاه الله خيراً. كما قال: إن المولى سليمان قد حدد خطبة تحث على التوحيد ومحاربة البدع وأمر بتوزيعها على مساجد الجمعة كما أمر بإغلاق زوايا الصوفية (١) وبعد الحوار الذي دار في أمور كثيرة مما نسب لهم قال الناصري: ثم قال صاحب الجيش: هذا ما حدث به أولئك المذكورون سمعنا ذلك من بعضهم جماعة ثم سألنا الباقي أفراد فاتقف خبرهم على ذلك (٢) ثم قلت: هذه بعض الحقائق المقرونة بالحوار والرصد وكما وعدتكم بعدم الخروج عما هو محيط منطقتكم حيث نشأت الوهابية الحقيقة وحيث لبس عليكم وعلى من المسلمين أمر وحقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي قام بنشرها آل سعود. وإلا فإن الشيخ محمد كما يتضح من رسائله وردود التي طبعتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية كما مر بنا نماذج منها فيها نفي وتفنيد لما ألصق بدعوته من تهم وأكاذيب لم يقلها بل قد نفاها وكرر مراراً القول: هذا بهتان عظيم (٣)

стр. 22

فكيف يصدق العاقل ما قيل من أمور هو في حياته سمعها ونفاها كما نفاها تلاميذه من بعده. وهذا كتابه: كتاب التوحيد وشرحه فتح المجيد , وتيسير العزيز الحميد , اقرأوها بتمعن وتدقيق فإن رأيتم فيها شيئاً يخالف ما جاء عن رسول الله ﷺ فلكم الحق في التشكيك ومثل ذلك رسائله: ثلاثة الأصول وكشف الشبهات والقواعد الأربع وآداب المشي إلى الصلاة وغيرها. ٤- أما الدكتور عباس الجراري وهو من هنا من المغرب - ولست أدري هل اطلعتم على محاضرته في عام ١٣٩٩ هـ بجامعة الرياض - جامعة الملك سعود حالياً - التي قال فيها: إن التيار السلفي في المغرب قد ظهر مرة أخرى في بداية القرن الرابع عشر الهجري حيث وجه السلطان الحسن عام ١٣٠٠ هـ رسالة إلى الشعب المغربي وقد نوه عن هذا الناصري أيضاً كما حصل مثل ذلك عام ١١٨٥ هـ عندما أرسل الإمام عبد العزيز بن محمد , الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الحصين , إلى والي مكة آنذاك لمناظرة علماء مكة فكان من علماء مكة المشايخ: يحيى بن صالح الحنفي , وعبد الوهاب بن حسن التركي مفتي السلطان , وعبد العزيز بن هلال , فتفاوضوا في ثلاث مسائل , وقت المناظرة ظهرت منها لهم الحقائق المقنعة بسلامة هذه الدعوة. ثم قلت: إن علماء مكة ذلك الوقت عندهم شبهة كما هي لدى علماء المغرب وغيرهم حسبما يتردد من إشاعات وما يصلهم من أكاذيب وافتراءات ينشرها المغرضون. وبعد ما دخل الإمام سعود بن عبد العزيز مكة ثانية , جرت مناظرات واجابات على تساؤلات وكان من علماء نجد: الشيخ عبد العزيز الحصين , والشيخ حمد بن ناصر بن معمر , الذي عينه الإمام سعود قاضياً

стр. 23

ومفتياً بمكة حتى توفي بمكة بعد ذلك فحصلت القناعة من علماء مكة وصدر بهذا وثيقة وقتها الجميع بنفي الشبهات والأكاذيب حول الدعوة وطبعت عدة مرات. ثم في عهد الملك عبد العزيز بعد ما دخل مكة عام ١٣٤٣ هـ حصل مثل ذلك مما أوجد قناعة بسلامة منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀. وأزيدكم علماً بأن القباب المبنية على القبور في مكة هدمت أيام الشريف عون الرفيق ما عدا قبر السيدة خديجة في الفترة ما بين الدولة السعودية الثانية وقيام الملك عبد العزيز لإعادة الدولة السعودية في دورها الثالث كان ذلك الهدم بمشورة الشيخ أحمد بن عيسى وتأييد من الشريف وبعض علماء مكة مما على القناعة (١) ثم قلت: أيها الاخوة مما دار من نقاش ومما مجدنا من نصوص نرى أن الوهابية لعيوبها نسبتها إلى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية خطأ محض وأن الوهابية التي أصدرت عنها الفتاوى في كتبهم لا علاقة لها بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولا تقارب بينهما لأن الخطين المتوازيين لا يلتقيان. ذلك أن الشيخ محمد وتلاميذه يمقتون الوهابية الرستمية كما مقتها علماؤكم من قبل ... لأن دعوة الشيخ محمد سلفية ولا يوجد فيها ما يخالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . كما برز أمامنا: أن علماء المغرب برأوا علماء الدعوة وحكام آل سعود

стр. 24

الذين ناصروها وإحياء لدين الله وتجديداً لما اندثر من سنة رسول الله ﷺ وإماتة للبدعة عندما تناظروا معهم في حج عام ١٢٢٦ هـ وظهر لهم كذب ما نسب للشيخ والدعاة لدين الله وعلى هذا بان لنا أن أربعة من سلاطين المغرب الأقصى واهتموا بهذه الدعوة وتبنوا نشرها في بلادهم وهم: - ١- المولى السلطان: سيدى محمد بن عبد الله العلوي الذي كان معاصراً للإمام عبد العزز بن محمد وتبلغ رسالة الإمام سعود. ٢- المولى السلطان: سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي أوفد العلماء مع ابنه المولى إبراهيم , وتناقش مع الإمام سعود بن عبد العزيز وعلماؤه مع علماء الدعوة. ٣- المولى السلطان: إبراهيم بن سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي الذي تسلم زمام الأمر بعد أبيه السلطان سليمان. ٤- المولى السلطان: الحسن الأول في عام ١٣٠٠ هـ ووقته فترة بين الدولة السعودية الثانية والدور الثالث لهذه الدولة الذي قام به الملك عبد العزيز من خمسة شوال عام ١٣١٩ هـ. كما أن الدكتور محمد تقي الدين الهلالي ﵀ اهتم بهذه الدعوة وهو حسني من العائلة المغربية الحاكمة وقد كان تيجانياً ثم لما عرف حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ حرص على نشرها في كل مكان ذهب إليه حتى أستقر آخر عمره في المغرب بفاس ثم تحول إلى الدار البيضاء حتى توفي ﵀ وقد ألف رسالة عن التيجانية وبطلانها ومثله الشيخ عبد الرحمن الإفريقي الذي كان سنغالياً تيجانياً فتركها وألف في ذمّ ما هم عليه.

стр. 25

كما جرت كتابات عديدة عن محاكمة السلفية في المغرب وعن انتشارها وتأثر قادتها بعلماء الحجاز ونجد , من ذلك التاريخ حتى اليوم وقد رد الأستاذ أحمد العماري الذي حقق رسالة الوتري وقال: إن تحامله على السلفية تزمت شديد للطرقية على حساب السلفية والمحقق مغربيّ. ثم قلت: أرجو أن يكون في ذلك مقنع كفاية وإن أردتم زيادة توضيحية أكثر سواء بنقل آراء العلماء من العالم الإسلامي أو بوجهات نظر وتحليل المستشرقين من بلاد الغرب الذين راقبوا الأحداث وتتبعوا مسيرة الدعوة فلا مانع.... لكن ذلك يحتاج إلى مصادر قد لا تتوفر هنا. لذلك اقتصرت على علماء المغرب وحكامهم لأن طارحي الشبهة الآن مغاربة حيث يسهل الرجوع للمصادر من هذه الكتبة وذلك أقرب إلى القناعة أخذاً من قول علي بن أبي طالب ﵁: خاطبوا الناس بما يعرفون حتى لا يكذب الله ورسوله. وقال صاحبنا: كل ما ذكرت مقنع وواقعي وأزال بحمد الله الشبهات التي كانت تثار فما رأي الاخوة قالوا: هذا صحيح ثم أردف قائلاً لكن كيف أن هذه الإجابات المقنعة بين أيدينا وسهلة التناول وغاب عنا استجلاؤها. قلت له: جوابه عندكم ... وطالب العلم مسئوليته أمام الله عظيمة فليس هو كالجاهل الذي يلقى إليه الأمر ويصدق إذ يجب أن لا يحكم طالب العلم على أمر إلا بعد البحث والاستقصاء فالعامي ونصف المتعلم إن وجد له عذر إلا أن طالب العلم والأستاذ الجامعي لا يعذران لأن كل منهما قدوة لغيره ولأن طلابه يأخذون عنه وينتظرون توجيهه وغزالة الشبهات من أمامهم

стр. 26

قال: هل من الممكن أن تكتب بهذا الخصوص في صحيفة النور التي تصدر في تطوان بالمغرب مقالاً قلت: نعم.... ثم بعد أن عدت إلى المملكة بعثت لهم موثقاً بمصادره.. وبعد أن نشر هذا المقال جاءتني رسائل إجابية وسلبية عن صدى ما نشر عن الوهابية ... فالذين تحدثت معهم رغبوا في زيادة المقالة حتى تصبح رسالة تضم معلومات أوسع ليمكن طبعها هناك. وقد استجبت وتم ذلك - بحمد الله - وحرصت على عدم الإطالة مع الإشارة للمصادر حتى يسهل على راغب الزيادة والحريص على توسيع المدرك معرفة الكتب المعينة له في إشباع رغبته. وقد طبعت هذه الرسالة للمرة الأولى في كتيب في تطوان بالمغرب في حدود عام ١٤٠٧ هـ كما طبعت ثانية بعد ذلك بعدة سنوات في الرياض عام ١٤١٣ هـ وما ذلك إلا أن أعداء الإسلام والراغبين في فرقة المسلمين وأصحاب المآرب الخاصة أعاذ الله المسلمين من شرهم قد وجدوا في الوهابية الرستيمة ثوباً جاهزاً ألبسوه عاجلاً هذه الدعوة السلفية الصحيحة في مقصدها ودعوتها خوفاً من تجمع المسلمين ضدهم حيث يريدونهم مثل الجياع الذين يلاحقون من يطعمهم كالأيتام على مائدة اللئام. هذا من جانب وللتنفير وبث العداوات بين أبناء المسلمين من جانب آخر وليحققوا مآربهم بتوسيع دائرة الخلافات ولإثارة الشبهات في المجتمع الإسلامي. وقد كان من المصالح التي تحققت - بحمد الله - من هذه الرسالة بعد طبعها للمرة الثانية أن أكثر من شخص من المرموقين أخبرت عنهم بأنه

стр. 27

قد مرت بهم مواقف في الجمهوريات الإٍسلامية المنفصلة عن الإتحاد السوفييتي بعد انحلال الشيوعية لأن فتوى انتشرت هناك مستغل مروجها حماسة السكان إسلامياً وقصورهم في فهم العقيدة الصحيحة والمعارف الإسلامية تقول هذه الفتوى: إن قتل وهابي واحد أفضل من قتل مائة يهودي حتى صار السلفي لا يسير منفرداً. فجمع بعضهم ببعض العلماء وأئمة المساجد هناك أوضحوا لهم عن الوهابية الرستمية وعن حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وفق ما جاء في هذه الرسالة فكان من ذلك جلاء للغشاوة وإزالة الشبهة بتصحيح المفهوم وقد ترجمت للغات المحلية هناك فنفع الله بها. والذي يجب أن يدركه كل مسلم مخلص أن الأعداء لا يكلون ولا يملون من ترديد شبهاتهم ولكن المعرفة والتعليم ورد الأمور في دين الله إلى أصولها من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، الذين هما وصية رسول الله ﷺ ، وأنهم إذا تمسكوا بهما لن يضلوا (١) وهما السلاح لمن يريد أن يجابه مكائد الخصوم وسموهم. كما أن الدارسين لهذه الدعوة خرجوا بنتيجة: - ١- أنها ليست حزباً له تنظيماته: وإنما هي تجديد لدين الله على خطى رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام وسلف هذه الأمة الأخيار. ٢- أنها ليست مذهباً يخالف به معتنقوه المذاهب الفقهية المعروفة. ٣- أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب سلفي العقيدة شأنه شأن من يدعو إلى منهج السلف الصالح في كل عصر ومصر , يدعو إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له سبحانه.

стр. 28

٤- أما مذهبه في الفروع فهو على مذهب الإمام أحمد بن حنبل مثلما أن هناك أحنافاً سلفيون وشوافع سلفيون ومالكية سلفيون. وقد بان لنا من هذا الحوار أن أحد سلاطين المغرب وهو المولى السلطان: سيدي محمد بن عبد الله العلوي قال عن نفسه: " أنا وهابي العقيدة مالكي المذهب " (١) وهو لا يقصد الوهابية الرستمية وإنما يرد بذلك على من وصم دعوة التوحيد الخالص لله بهذا النعت. ومثله قال: عمران بن رضوان , وهو من علماء بلدة لنجه بإيران في الجهة الشرقية من الخليج: أنا وهابي لما بلغته دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وهو حنفي المذهب وقيل شافعي وقد مدحها بقصيدة منها هذا البيت: إن كان تابع أحمد متوهباً ... فأنا المقر بأنني وهابي والأمير الشيخ الصنعاني: محمد بن إسماعيل , وهو من اليمن وجيهاً وعالماً ومع أن مذهبه الفقهي زيدي فإنه درس هذه الدعوة وأحبها ومدحها ومدح الشيخ بقصيدة بدأها بقوله: - سلام على نجد ومن حل في نجد وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي ومثله الإمام الشوكاني من اليمن أيضاً. (٢) . والشيخ الدكتور محمد تقي الدين الهلالي ﵀ الذي مر بنا ذكره وهو من علماء المغرب وحسني ينتمي للعائلة المالكية يقول عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ضمن قصيدة: -

стр. 29

نسبوا إلى الوهاب خير عبادة فياحبذا نسبي إلى الوهابي وقد استعنت بالله في إخراج هذه الرسالة المختصرة " تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية " حتى تسهل القراءة لأن المطولات في هذا العصر قد لا تقرأ إلا من ذوي الاختصاص وأرجو أن تتحقق منها الفائدة في إزالة اللبس وتنقشع الغشاوة التي أراد بها أعداء الإسلام والراغبون في الإضرار بالمسلمين بلبلة الأفكار وبث الفرقة ... لعل الله أن يصحح المفاهيم وينير الأذهان والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. د. محمد سعد الشويعر

стр. 30

المقدمة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فلقد كان بحمد الله لمقالي الذي نشرته منذ أربعة أعوام حول تصحيح مفهوم تاريخي أثر طيب، عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأنه لا علاقة للوهابية الرستمية بالدعوة السلفية التي جددها الشيخ محمد ﵀. وقد كانت مبادرة من أستاذ كريم بإحدى جامعات المغرب الشقيق طالباً المزيد من التفصيل لذلك الموضوع. وهذه الرسالة الموجزة ما هي إلا استجابة لمطلبه، وتوضيحاً لمكانة قادة وعلماء المغرب من الرغبة الأكيدة بالدفاع عن هذا الدين، وتحرى الأصوب فيما يتجهون إليه. وقد حاولت أن تكون وجهة النظر التي أطرح في هذا البحث مستندة على مصدر معتمد في نقل الأحداث. وقد حققت الطبعة الأولى من هذا الكتاب تجاوباً حسناً، ورغبة في استجلاء الحقيقة التي حرصت على تجليتها خدمة للعلم، وأداء للأمانة، وتأليفاً للقلوب في مسيرة الإسلام الخيرة التي رسم معالمها سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ قبل أربعة عشر قرناً وتوفي بعد أن ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. كما قال ﷺ وهأنذا أقدم للقارئ الكريم الطبعة الثانية مزادة ومنقحة جعل الله الحق رائدنا، والحقيقة منطلقنا، والألفة تجمعنا، والجنة مستقرنا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. محمد الشويعر الرياض في ١٥/٥/١٤٠٩هـ

стр. 31

تمهيد: - إذ كان المثل يقول الناس أعداء ما جهلوا ... فإن بعض الناس أيضاً أعداء ما خالف شهواتهم وتعارض مع مصالحهم الشخصية. والحكم الفصل فيما يجب أن ينطلق منه الفرد في رأيه وحكمه هو عرض الأمور على مصدر التشريع السماوي الذي لا يأتيه الباطل ولا يتطرق إليه الشك. والمسلمون في كل مكان مأمورون قبل انطلاقهم نحو وجهة نظر معينة في أمور العقيدة وكل ما له صلة بالدين وقبل القدح أو المدح أن يرجعوا لمصدري التشريع في دينهم وهما: كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ . فمن أتى بشيء يخالفهما نبذ ومن سار وفقهما قولاً وعملاً أيد ونصر. هذا حكم فيما يجب أن يكون عليه الفرد المسلم وهو الوعي والإدراك والتحليل والتأكيد بحيث لا يكون إمعة ينقل صدى الآخرين ويستغله أعداء دين الإسلام وهو لا يدري. وقصة بني المصطلق التي نزل بشأنها قرآن يتلى حيث يقول جل وعلا ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعتم نادمين﴾ (١) فيها درس عملي للفئة المؤمنة التي تحرص على دينها وعلاقاتها بإخوانها المؤمنين بأن تتوثق من كل إشاعة ترمي إلى خلخلة الصف وبذر الشحناء وإتاحة الفرصة للفرقة.

стр. 32

فما اكثر الأعداء الذين يحاولون الغرر بالمسلمين وإيجاد مبررات التخاذل لمباعدتهم عن حقيقة الإسلام وصفاءه وإدخال أشياء على المسلمين في دينهم هي من جذور طقوس الديانة اليهودية والنصرانية التي أفسدت حقيقة تلك الديانات السماوية من قبل بما دخلها من تبديل في محاولة دؤوبة لبثها في صفوف المسلمين عن طريق بعض عبادهم وعلمائهم. وهدفهم من هذا أن يتساووا معهم في المعصية والمخالفة ليسهل بذلك النفاذ إلى المجتمع ثم عن هذا الطريق إدخال أشياء تباعد المسلمين عن الإسلام ومع الزمن والتساهل تتسع الشقة ويكثر البعد فيصبح الإسلام غريباً على أبنائه. يروى عن سفيان الثوري (٩٧ - ١٦١ هـ) ﵀ أنه قال: "من فسد من علماء المسلمين ففيه شبه باليهود الذين معهم علم ولم يعملوا به ومن فسد من عباد المسلمين ففيه شبه بالنصارى الذين يعبدون الله على جهل وضلال" نسأل الله السلامة والعافية (١) . ومن هنا جاءت نقاوة الإسلام في التشريع وصفاؤه في العقيدة وسطاً في العمل ووسطاً في القول ووسطاً في الاعتقاد وقمة في العلاقة مع الله وقد جعل الله أمة الإسلام وسطاً بين الأمم في كل شئ قال تعالى ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾ (٢) فأمة الإسلام وسط بين رهبانية النصارى وغلوهم في عيسى ﵇ اعتقادا وفي عبادتهم بالضلال والجهل واتباعهم لرجال الكنيسة بدون فهم أو مناقشة.

стр. 33

وبين تحايل اليهود وكذبهم وادعائهم على الله جل وعلا وأنبيائه ﵈ بما تصف ألسنتهم وتعمدهم الضلال والإضلال وإخفائه للحقائق العلمية والعقيدة في الديانة التي جاءتهم من عند الله على ألسنة الأنبياء والرسل من باب الإفساد والمخالفة. والتاريخ الإسلامي يشير إلى أن الجهل فشي في المجتمعات الإسلامية في نهاية الخلافة العباسية بعد ما كثرت العجمة وقل العلم وتأثر الناس بفلسفة الرومان وعلوم فارس والهند. وقبل ذلك وفي أثناءه كان التأثر في أطراف الدولة أكثر حيث نشأت فرق كثيرة لها معتقدات متباينة ونماذج شتى في الاتجاه والهدف وضع بذورها اليهودي عبد الله بن سبأ الذي أسلم مخادعة حتى وجد فرصة ملائمة لبث روح الفرقة بين المسلمين في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁. ونشأت أول فرقة باسم الفرقة السبأية وهو الذي أسسها. وقد تحدثت بعض الكتب كالملل والنحل للشهرستاني والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيميه في فتاواه وكتبه عن تلك الفرق ومعتقداتها وكيفية نشأتها وما تخالف فيه أهل السنة والجماعة. ويمتاز ابن تيميه ﵀ بالرد على بعض تلك الفرق والتنويه عن معتقدات أصحابها وأعمال البعض الآخر. ومن يتبع الحركات الفكرية والعقيدة الإسلامية في العالم الإسلامي منذ ذلك التاريخ يلمس هذا جيداً حيث برز الصراع الفكري في المجتمع على أعقاب تعلق بعض المسلمين بفلسفة اليونان وعلوم فارس والهند.

стр. 34

والمجتمع الإسلامي لا يعدم وجود أناس يدركون ما تنطوي عليه تلك الأفكار وما يندس في ثناياها من معتقدات وافدة على عقيدة الإسلام الصحيحة النقية فيصححون لمن حولهم ما أدخل في بيئتهم وما يراد لعقيدتهم لأن جميع الملل والنحل في الأرض تريد أن تضل المسلمين عن دينهم الحق إن استطاعوا. قال تعالى ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا﴾ (١) . وهذه حكمة أرادها الله في صراع الحق بالباطل لتسترشد العقول وتتفهم الأفئدة فيرجع للصواب من الله به خيراً لأن الحق واضح بالدليل النقلي والعقلي. وهذا جزء من مهمات الدعوة والتوضيح التي حمل بها بنوا إسرائيل وتخلوا عنها عناداً ومكابرة فكان لزاماً على علماء المسلمين العارفين الخائفين من عقاب الله ونقمته الأنبراء لدعوة الناس إلى المنهج المحمدي في العقيدة والعبادة وتصحيح المفاهيم العقدية حسبما أمر الله في كتابه ودعا إليه نبيه الكريم ثم ما سار عليه أصحابه ومن تبعهم بإحسان امتثالاً وتطبيقاً. ولا تعدم كل دعوة سليمة وصحيحة في كل زمان ومكان وجود أعداء وخصوم إما عن جهل أو لتعصب شخصي أو لمآرب خاصة ومصالح ذاتية " فالهوى يعمي ويصم " فيحرك تلك النوازع أمثال هؤلاء ليشهروا السلاح في وجه الإسلام علانية أو بالاستتار فيلصقوا التهم ضد الدعاة المخلصين ويستعينوا بالكذب والافتراء لبلبلة الأفكار ثم بوضع الألقاب المنفرة لنزع الثقة من هؤلاء الدعاة حتى يعمي الأمر على الغالبية

стр. 35

العظمى من الناس وهم العامة الذين لا يقرؤون ولا يبحثون. ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية التصحيحية التي نبعت من وسط الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر في وقت كان المسلمون - لا في الجزيرة العربية وحدها بل في كل مكان أحوج ما يكونون إليها لإنقاذهم من الجهل الذي ران عليهم وتصحيح مفاهيمهم في أمور العقيدة والعبادات التي أشدها الجهل بأمور الدين والإقتداء بعلماء يجهلون أمور دينهم كما أخبر بذلك الصادق المصدوق فيما يخشاه على أمته من العلماء المضلين الذين يفتون بغير ما أنزل الله فيضلون ويضلون في قوله الكريم " إن الله لا ينزع العلم بعد ما أعطاكموه انتزاعاً ولكن ينتزعه مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال فيستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون " (١) . فقد جاءت دعوة الشيخ محمد لإزالة ما علق بتعاليم الإسلام من شوائب وتصحيح ما أدخل على التوحيد وخاصة توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات من مشاركة للمخلوق مع الخالق في صرف ما هو لله جل وعلا مقروناً بالمخلوق في العمل والاعتقاد وتعطيل أسماء الله وصفاته جل وعلا أو نفيها والسير خلف تأويلات ما أنزل الله بها من سلطان. فصار التوحيد بأقسامه الثلاثة: الربوبية والألوهية والأسماء والصفات مشوباً بما يكدره حيث دخل عليها في المعتقد ما يصرفها عن حقيقتها نظراً للتأثر بالمعتقدات البعيدة عن المنهج الذي جاء به

стр. 36

المصطفى ﷺ ثم الإقتداء بأصحابها بعد أن بهرهم القول وأعجبهم المظاهر والدعوات لأمثال من قال الله فيهم ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد﴾ (١) . وما ذلك إلا لأن النفوس خليت من القاعدة المكينة وهو العلم والإدراك بما شرع الله لخلقه ومعرفة الحكمة من إيجادهم للحياة. لقد نشأ عن ذلك الضعف العلمي ونقص في الإدراك وتقليد للأمم الغلبة والمؤثرة فكثرت الطرق الصوفية التي بدأت برغبة دينية وحرص على التبتل والمحافظة على الإسلام فكانت بدايتها طيبة وهدفها نبيل. إلا أن الجهل ورغبة التوارث لهذه المكانة الاجتماعية التي جاءت باسم المنصب الديني قد جاء برجال لا علم عندهم ولا قدرة لديهم في فهم رأي الشريعة الإسلامية في كثير من الأمور وهذا ما كان يخشاه ﷺ على أمته. ومن ينظر في إزالة الحجب ورفع التكاليف وأعمال المريدين والأقطاب عند الطرق الصوفية ويربط هذا بالغفران لدى النصارى ومكانة أصحاب الألقاب في الكنيسة وطقوس الميلاد وصكوك الغفران يرى أن أحدهما استمد من الآخر في هذه الجوانب وفي جوانب أخرى. ولكي يعود للإسلام نقاوته وصفاؤه من كل شوائب دخيلة عن جهل أو تقليد سواء من الديانة اليهودية أو النصرانية أو من جذور الجاهلية فإنه

стр. 37

لابد من الامتثال لأمر الله جل وعلا في مثل قوله سبحانه ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير﴾ (١) . وإن علماء المسلمين العارفين بأمور دينهم فهماً حقيقياً لهم الذين عليهم دور التوضيح والإرشاد والتوجيه والتبيين حسبما يأمرهم بهذا مصدر التشريع في الإسلام كتاب الله وسنة رسوله الأمين ﷺ الصحيحة الثابتة التي خدمنا فيها علماء الحديث المعروفون. وهذا ما يجب أن يعيه كل داعيه ويهتم به كل عالم من علماء المسلمين. وفي تاريخ الدعاة والمصلحين صفحات مشرقة نتيجة اهتمامهم وانطلاقهم في دعوة الناس من ذلك النبع الصافي الفياض والمعين الزاخر الذي لا ينضب. والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ واحد من ذلك الجيش الذي انتهج طريقاً يتفق مع رسالة الصفوة الأولى من التابعين واتباعهم بإحسان للإصلاح والعم فقد أدرك ما يعيش فيه مجتمعه من صوفية متطرفة رغم وفرة العلماء وما سار عليه أبناء جلدته من تعلق بالقبور التي لا تنفع ولا تضر وتبرك بالأحجار الجامدة ووضع الكلام في غير محله. فكان الناس يتعقلون بتلك الجمادات طلباً للنفع أو دفعاً للضر ونسوا أن الله هو النافع الضار القادر على كل شئ وإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم.

стр. 38

لقد شق هذا الأمر عليه لما فيه من جرأة على الخالق بصرف القلب والعمل إلى غيره مع أنه هو المنعم والمتفضل سبحانه بكل شئ. ويمكن وصف حالة المجتمع الإسلامي في كل مكان ذلك الوقت وليس في نجد وحدها بما قاله المؤرخ الأمريكي لوثروب ستودارد بمثل هذه الكلمات " أما الذين غشيته غاشية سوداء فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة سجفاً من الخرافات وقشور الصوفية وخلت المساجد من أرباب الصلوات وكثر عدد الأدعياء الجهلاء وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التعاويذ ويوهمون الناس بالأباطيل والشبهات ويرغبون في الحج إلى قبور الأولياء وزينوا للناس الشفاعة من فناء القبور وغابت عن الناس فضائل القرآن فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر ورأى من كان يدعي الإسلام لغضب ". هذه - كما قال الشيخ عبد الله خياط إمام وخطيب الحرم المكي الشريف - شهادة حق من عدو منصف لم يعرف عنه الدخول في الإسلام يصف واقع الإسلام والمجتمع الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري وما وصل إليه من الانحطاط والتدني (١) ويقول الأمير شكيب أرسلان عن هذا المؤرخ: لو أن فيلسوفاً من فلاسفة الإسلام أراد تشخيص حالة الإسلام في هذه القرون الأخيرة

стр. 39

ما أمكنه يصيب المحز ويطبق المفصل , تطبيق هذا الكاتب الأمريكي استودارد. ونجد والجزيرة العربية لم تكن تختلف عن ديار الإسلام في ذلك الوقت فقد تغلب الباطل على الحق في أكثر ديار الإسلام وكثرت البدع والخرافات فالعلماء موجودون ولكنهم لا يرشدون الناس للطريق الأقوم بل أضلوهم وأفسدوا عقائدهم. وقد ذكر المؤرخان النجديان: حسين بن غنام الإحسائي ثم النجدي المتوفى عام ١٢٢٥ هـ , وعثمان بن بشر المتوفى عام ١٢٩٠ هـ , نماذج مما آلت إليه حالة الناس في العقيدة والعبادة في البلاد الإسلامية والعربية وفي نجد بصفة خاصة باعتبارهما يعرفان عن كثب وعرفا واقع الناس وما هم فيه. فابن غنام عاصر الدعوة من بدايتها وأدرك دور الشيخ محمد ومكانته في نقل الناس من حال إلى حال وتفانيه في سبيل الدعوة. قد أحب هذه الدعوة وأرخ لها وانتقل من أجلها من بلدة الأحساء وسكن الدرعية , حيث توفي بها , نراه في كتابه التاريخي يصف البلاد العربية عامة ونجد بصفة خاصة ويضرب الأمثال بانحراف الناس إلى الوثنية بقبر زيد بن الخطاب الذي كان عليه قبة وله مزار في بلدة الجبيلة قرب الرياض إلى جانب قبور وقباب أخرى لبعض الصحابة الذين قتلوا في حروب الردة ثم ذكر ما كان يعتنق الناس عندها من الشرك بالله من دعاء ونذور وتبرك وتوسل من دون الله ولم يقتصر الأمر على القبور بل تعداها إلى الشجر والحجر والشياطين (١) .

стр. 40

ونأخذ من تاريخ ابن غنام الذي عاصر الأحداث وسجلها فكرة ومن تاريخ خلفه ابن بشر الذي أدرك كثيراً من مجريات الأحداث بأن نجداً قد نالها ما نالها من بلاد الإسلام من الانحراف والتدهور العقدي (١) , الذي يحركه أصحاب المصالح ومشايخ الطرق. ومن هنا بدأت غيرة الشيخ محمد وتحركت همته للدعوة أداء لرسالة المعرفة وتنفيذاً لما يأمره به العلم حيث رأى أن العلم لا بد أن يقترن بالعمل وأن الأمانة توضيح ما خفي على الناس وما يجب عليهم عمله ويتحتم عليه تركه من أمور هي من الإسلام تركت وأشياء أدخلت عليه وسارت في حياة الناس على أنها من مستلزمات العقيدة أو جزء من أوامر الدين وهم لا يدركون الحقيقة. ذلك أن العلماء المنتفعون أو الجهلة المتعالون ورجال الطرق الصوفية قد لبسوا الأمر وأفسدوا المعتقدات وصرفوا الناس عن الفهم الحقيقي لشرائع الإسلام ووجهوهم إلى ما يحلوا لهم في المكتسب الدنيوي والاستعلاء في السيادة. فكان يقيناً أن تلقى هذه الدعوة التصحيحية السلفية جحوداً ونكراناً من المقربين العارفين وتوجساً وخيفة من الآخرين المتطلعين وعداء من الخصوم وأرباب المصالح. ومن هنا بدأت الاتهامات تتوافد والسهام تشرع والأفكار تعمل لحبك الأكاذيب واختراع الألقاب المنفرة. وهذا شئ ينتظر في كل أمر جديد وفكر مناهض لما ألفه الناس
следующие страницы →