المصطفى ﷺ ثم الإقتداء بأصحابها بعد أن بهرهم القول وأعجبهم المظاهر والدعوات لأمثال من قال الله فيهم ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد﴾ (١) .
وما ذلك إلا لأن النفوس خليت من القاعدة المكينة وهو العلم والإدراك بما شرع الله لخلقه ومعرفة الحكمة من إيجادهم للحياة.
لقد نشأ عن ذلك الضعف العلمي ونقص في الإدراك وتقليد للأمم الغلبة والمؤثرة فكثرت الطرق الصوفية التي بدأت برغبة دينية وحرص على التبتل والمحافظة على الإسلام فكانت بدايتها طيبة وهدفها نبيل.
إلا أن الجهل ورغبة التوارث لهذه المكانة الاجتماعية التي جاءت باسم المنصب الديني قد جاء برجال لا علم عندهم ولا قدرة لديهم في فهم رأي الشريعة الإسلامية في كثير من الأمور وهذا ما كان يخشاه ﷺ على أمته.
ومن ينظر في إزالة الحجب ورفع التكاليف وأعمال المريدين والأقطاب عند الطرق الصوفية ويربط هذا بالغفران لدى النصارى ومكانة أصحاب الألقاب في الكنيسة وطقوس الميلاد وصكوك الغفران يرى أن أحدهما استمد من الآخر في هذه الجوانب وفي جوانب أخرى.
ولكي يعود للإسلام نقاوته وصفاؤه من كل شوائب دخيلة عن جهل أو تقليد سواء من الديانة اليهودية أو النصرانية أو من جذور الجاهلية فإنه
стр. 37
لابد من الامتثال لأمر الله جل وعلا في مثل قوله سبحانه ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير﴾ (١) .
وإن علماء المسلمين العارفين بأمور دينهم فهماً حقيقياً لهم الذين عليهم دور التوضيح والإرشاد والتوجيه والتبيين حسبما يأمرهم بهذا مصدر التشريع في الإسلام كتاب الله وسنة رسوله الأمين ﷺ الصحيحة الثابتة التي خدمنا فيها علماء الحديث المعروفون.
وهذا ما يجب أن يعيه كل داعيه ويهتم به كل عالم من علماء المسلمين.
وفي تاريخ الدعاة والمصلحين صفحات مشرقة نتيجة اهتمامهم وانطلاقهم في دعوة الناس من ذلك النبع الصافي الفياض والمعين الزاخر الذي لا ينضب.
والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ واحد من ذلك الجيش الذي انتهج طريقاً يتفق مع رسالة الصفوة الأولى من التابعين واتباعهم بإحسان للإصلاح والعم فقد أدرك ما يعيش فيه مجتمعه من صوفية متطرفة رغم وفرة العلماء وما سار عليه أبناء جلدته من تعلق بالقبور التي لا تنفع ولا تضر وتبرك بالأحجار الجامدة ووضع الكلام في غير محله.
فكان الناس يتعقلون بتلك الجمادات طلباً للنفع أو دفعاً للضر ونسوا أن الله هو النافع الضار القادر على كل شئ وإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم.
стр. 38
لقد شق هذا الأمر عليه لما فيه من جرأة على الخالق بصرف القلب والعمل إلى غيره مع أنه هو المنعم والمتفضل سبحانه بكل شئ.
ويمكن وصف حالة المجتمع الإسلامي في كل مكان ذلك الوقت وليس في نجد وحدها بما قاله المؤرخ الأمريكي لوثروب ستودارد بمثل هذه الكلمات " أما الذين غشيته غاشية سوداء فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة سجفاً من الخرافات وقشور الصوفية وخلت المساجد من أرباب الصلوات وكثر عدد الأدعياء الجهلاء وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التعاويذ ويوهمون الناس بالأباطيل والشبهات ويرغبون في الحج إلى قبور الأولياء وزينوا للناس الشفاعة من فناء القبور وغابت عن الناس فضائل القرآن فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر ورأى من كان يدعي الإسلام لغضب ".
هذه - كما قال الشيخ عبد الله خياط إمام وخطيب الحرم المكي الشريف - شهادة حق من عدو منصف لم يعرف عنه الدخول في الإسلام يصف واقع الإسلام والمجتمع الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري وما وصل إليه من الانحطاط والتدني (١)
ويقول الأمير شكيب أرسلان عن هذا المؤرخ: لو أن فيلسوفاً من فلاسفة الإسلام أراد تشخيص حالة الإسلام في هذه القرون الأخيرة
стр. 39
ما أمكنه يصيب المحز ويطبق المفصل , تطبيق هذا الكاتب الأمريكي استودارد.
ونجد والجزيرة العربية لم تكن تختلف عن ديار الإسلام في ذلك الوقت فقد تغلب الباطل على الحق في أكثر ديار الإسلام وكثرت البدع والخرافات فالعلماء موجودون ولكنهم لا يرشدون الناس للطريق الأقوم بل أضلوهم وأفسدوا عقائدهم.
وقد ذكر المؤرخان النجديان: حسين بن غنام الإحسائي ثم النجدي المتوفى عام ١٢٢٥ هـ , وعثمان بن بشر المتوفى عام ١٢٩٠ هـ , نماذج مما آلت إليه حالة الناس في العقيدة والعبادة في البلاد الإسلامية والعربية وفي نجد بصفة خاصة باعتبارهما يعرفان عن كثب وعرفا واقع الناس وما هم فيه.
فابن غنام عاصر الدعوة من بدايتها وأدرك دور الشيخ محمد ومكانته في نقل الناس من حال إلى حال وتفانيه في سبيل الدعوة. قد أحب هذه الدعوة وأرخ لها وانتقل من أجلها من بلدة الأحساء وسكن الدرعية , حيث توفي بها , نراه في كتابه التاريخي يصف البلاد العربية عامة ونجد بصفة خاصة ويضرب الأمثال بانحراف الناس إلى الوثنية بقبر زيد بن الخطاب الذي كان عليه قبة وله مزار في بلدة الجبيلة قرب الرياض إلى جانب قبور وقباب أخرى لبعض الصحابة الذين قتلوا في حروب الردة ثم ذكر ما كان يعتنق الناس عندها من الشرك بالله من دعاء ونذور وتبرك وتوسل من دون الله ولم يقتصر الأمر على القبور بل تعداها إلى الشجر والحجر والشياطين (١) .
стр. 40
ونأخذ من تاريخ ابن غنام الذي عاصر الأحداث وسجلها فكرة ومن تاريخ خلفه ابن بشر الذي أدرك كثيراً من مجريات الأحداث بأن نجداً قد نالها ما نالها من بلاد الإسلام من الانحراف والتدهور العقدي (١) , الذي يحركه أصحاب المصالح ومشايخ الطرق.
ومن هنا بدأت غيرة الشيخ محمد وتحركت همته للدعوة أداء لرسالة المعرفة وتنفيذاً لما يأمره به العلم حيث رأى أن العلم لا بد أن يقترن بالعمل وأن الأمانة توضيح ما خفي على الناس وما يجب عليهم عمله ويتحتم عليه تركه من أمور هي من الإسلام تركت وأشياء أدخلت عليه وسارت في حياة الناس على أنها من مستلزمات العقيدة أو جزء من أوامر الدين وهم لا يدركون الحقيقة.
ذلك أن العلماء المنتفعون أو الجهلة المتعالون ورجال الطرق الصوفية قد لبسوا الأمر وأفسدوا المعتقدات وصرفوا الناس عن الفهم الحقيقي لشرائع الإسلام ووجهوهم إلى ما يحلوا لهم في المكتسب الدنيوي والاستعلاء في السيادة.
فكان يقيناً أن تلقى هذه الدعوة التصحيحية السلفية جحوداً ونكراناً من المقربين العارفين وتوجساً وخيفة من الآخرين المتطلعين وعداء من الخصوم وأرباب المصالح.
ومن هنا بدأت الاتهامات تتوافد والسهام تشرع والأفكار تعمل لحبك الأكاذيب واختراع الألقاب المنفرة.
وهذا شئ ينتظر في كل أمر جديد وفكر مناهض لما ألفه الناس
стр. 41
وساروا عليه قولاً، وعملاً فقديماً قال عرب الجاهلية للنبي ﷺ " إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون " (١) .
لكنه غير مقبول بعد انتهاء فترة الاختبار وظهور الحجة الساطعة بعد البلوى والامتحان وبعد النقاش والحوار والمداولة والمجادلة.
فقد أثبتت المراسلات الهادئة والكتابات الهادفة وآراء العلماء المتزنين الذين حاوروا في مكة مجموعة من علماء الدعوة بأن الإمام سعود بن عبد العزيز الذي سار على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لم ينتهج أمراً بدعاً ولم يخالف في دعوته ما صح عن رسول الله ﷺ وأن الشيخ محمداً لم يستدل في كتبه بغير الآيات القرآنية الكريمات والأحاديث النبوية الصحيحة حسبما دار من حوله بين علماء مكة وعلماء نجد ذلك الوقت وبين ابن سعود وعلماء نجد من جانب وعلماء المغرب من جانب آخر عام ١٢٢٦ هـ كما رصد ذلك في تاريخ المغرب (٢) .
وسوف أستعرض في هذا البحث أسماء بعض العلماء من نجد الذين ناوؤوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وخرجوا من نجد يحملون العداء للدعوة والكذب عليها وتشويهها أمام المسلمين فاقتنع بكلامهم ودعواهم البعيدون وتأثروا بمقالاتهم بينما لم يعرفوا عن الدعوة شيئاً من غير هذا الجانب ولم يدركوا سبب الافتراء عليها ومبررات الكذب والبهتان ضد الشيخ محمد ودعوته.
стр. 42
وقد نلتمس لبعض العلماء في ديار الإسلام عذراً إذ جاءهم أناس من أبناء المنطقة يجأرون إليهم ويصفون الدعوة بنعوت قد توافق أهواء في النفوس أثار بعضها أصحاب المصالح من الدول الاستعمارية ويحرك ذلك ما عرف لدى العلماء من حسد وتناحر وتعصب واختلاف.
كما دفعني للحديث في هذا الموضوع: كتاب فقهي قديم على مذهب الإمام مالك له رغبة كبيرة في نفوس إخواننا المغاربة وقد طبع حديثاً في بيروت عن طريق دار الغرب الإسلامي اسم الكتاب " المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء أفريقيا والأندلس والمغرب ". والمؤلف هو: احمد بن يحيى الونشريسي. وقد نشرته دار الغرب الإسلامي في بيروت عام ١٤٠١ هـ , ١٩٨١ هـ.
لقد لفت نظري ما رأيت في الجزء ١١ ص ١٦٨ تحت عنوان سؤال جاء العبارة: كيف يعامل معتنقوا المذهب الوهابي؟؟!!
وهو سؤال ملفت للنظر ومثير للانتباه خاصة وأن دعوة السيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ الإصلاحية التجديدية المصححة لأمور العقيدة الإسلامية مما داخلها قد كادت لا تعرف إلا بهذا الاسم الذي أطلقه أعداؤها على هذه الدعوة ومن يتعاطف معها أو يسير على منوالها حتى ولو كان لا يعرف من هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولا أين قامت دعوته؟؟!!
هذا الاصطلاح جاء من باب التنفير حيث حركت ذلك اللقب ودعت إليه بعض الطرق الصوفية ومصالحها أو الرغبة في تفكيك المسلمين ومباعدتهم عن دينهم الحقيقي حسب منهج رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين.
стр. 43
فوافق ذلك هوى في نفوس أعداء الدين الإسلامي الحريصين على تفكيك وحدة المسلمين وتفتيت ما بين أبناء الإسلام من أواصر ومحبة يدعو إليها دينهم وتهتم بها تعاليمه:
﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون. يآيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم﴾ (١) .
" مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " (٢) .
وما ذلك إلا لإذكاء روح التناحر والبغضاء في صفوف المسلمين لأنهم أدركوا تأثير الكلمة فيما يتعلق بأمور الدين من جهة ومن أخرى فلأن نسبة الأمية آنذاك في العالم الإسلامي عالية جداً فالناس لا يقرؤون ليعرفوا ولا يفهمون إلا ما يقال لهم عن طريق أناس نصبوا من أنفسهم علماء وهم أدعياء للعلم حيث توجههم السلطات ويرون أن ما خرج عن هؤلاء يجب أن يعتقده الناس رغم وجود أصوات تنادي بالحق وتدعوا إليه بسطاً وتوجيهاً ولكن عينهم بصيرة ويدهم قصيرة كما يقال.
وقد ذكر الشيخ عبد الله عبد الغني خياط إمام وخطيب الحرم المكي الشريف في لمحاته التي تصدر كل ثلاثاء في جريدة عكاظ بأن الأستاذ احمد علي الكاظمي قد أورد في كتاب ألفه كلمة قصيرة عن ضابط بريطاني اسمه " هارفورد برايجس " كان يقيم في العراق كوكيل سياسي من سنة ١١٩٩ هـ إلى سنة ١٢٠٩ هـ وكان يعاصر الإمام محمد وكانت له صلات مع الأمير سعود بن عبد العزيز - الذي أصبح فيما بعد الحاكم الثالث للدولة السعودية الأولى بعد أن تولى الأمر بعد مقتل والده عام ١٢١٨ هـ - ولهذا الضابط
стр. 44
تاريخ موجز عن الوهابية - ونص الكلمة كالآتي: " لقد أشاع الباب العالي أن ابن سعود كان يمنع الناس من زيارة المدينة المنورة ولكن الصحيح أنه كان يمنع الناس من ارتكاب أعمال الشرك أمام الروضة كما منع الناس من عبادة الأولياء ".
وقد ظن البسطاء اعتماداً على قول أصحاب النفوذ من ولاة وغيرهم أن الوهابية أو دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية - كفر وأن من يسير عليها إنما هو كافر.
ولكن الصحيح الذي عرفه كل من اهتم بدراسة ذلك المعتقد أن الشيخ محمد وأتباعه يسيرون على نهج الكتاب والسنة في الأصول.
أما في الفقه - وهو الاتجاه المذهبي - فوفق الفقه الحنبلي وليسوا مذهباً خامساً كما أطلقوا عليهم من باب التنفير لدى العامة والفقه الحنبلي قد انتقل إلى نجد قبل ولادة الشيخ محمد بأكثر من قرن أتى به الدارسون في مدرسة الصالحية بدمشق والدراسون في مصر وقبله كان السائد المالكي والحنفي.
وقد صدق برخاردت في قوله: إن كل ما أشيع عن الوهابية سببه سوء فهم حقيقة الوهابية التي لم تكن إلا تطهيراً داخلياً للإسلام.
فهذه شهادة قررها من لا يتعرف بالإسلام كدين غير أنه منصف حكى الواقع الذي لا مرية فيه وقد قال بمثل هذا الرأي كل من: الأستاذ منح هارون في الرد على الكاتب الإنجليزي كونت ويلز والباحث الأمريكي لوثروب ستودارد في كتاب " حاضر العالم الإسلامي ".
والمستشرق الألماني كارل بروكلمان في كتابه " تاريخ الشعوب الإسلامية " الذي تناول هذه الحركة بالدرس والتحليل في الجزء الرابع.
والمؤرخ الألماني داكوبورت فون ميكوس في كتابه " عبد العزيز " وصدر بألمانيا عام ١٩٥٣ م.
стр. 45
والأستاذ ديلفرد كانتول في كتابه "الإسلام في نظر الغرب" وقد ألفه جماعة من المستشرقين.
والعالم الفرنسي برنارد لويس في كتابه " العرب في التاريخ ".
والمستشرق النمساوي جولد زيهر في كتابه " العقيدة والشريعة ".
والمستشرق الإنجليزي جب في كتابه " المحمدية ".
والمستشرق الفرنسي سيديو في كتابه " تاريخ العرب العام ".
ودائرة المعارف البريطانية التي جاء فيها " الوهابية اسم لحركة التطهير في الإسلام والوهابيون يتبعون تعاليم الرسول وحده ويهملون ما سواها وأعداء الوهابية هم أعداء للإسلام الصحيح " (١) .
أما في بعض ديار الإسلام فهناك أصوات منصفة مسلمة قالت الحق لأنه الحق الذي يجب إبلاغه للناس عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب مثل:
- الشيخ محمد بشير السهسواني الهندي في كتابه " صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان".
- الشيخ محمود شكري الألوسي العراقي في كتاب ألفه عن تاريخ نجد.
- الشيخ أحمد بن سعيد البغدادي - العراقي في كتابه " نديم الأديب ".
стр. 46
الشيخ جمال الدين القاسمي , والشيخ عبد الرازق البيطار , والشيخ طاهر الجزائري , والشيخ محمد كامل القصاب في أرض الشام حيث درسها هؤلاء فأعجبوا بها ورأوا أنها على حق وصواب فنشروها في المجتمع الشامي مما دفع السلطات العثمانية إلى إحالة عميد الحركة الشيخ جمال الدين القاسمي إلى القضاء في عام ١٩٠٨ م وقد برأه القضاء.
هذا إلى جانب آراء كثير من العلماء مثل:
السيد محمد رشيد رضا في كتابه " محاورة المصلح والمقلد , وكتابه الآخر " الوهابيون والحجاز " , وما ينشره في مجلة المنار. ومحمد كرد علي , وشكيب أرسلان , وفيليب حتى , وأمين سعيد , وعلي الطنطاوي , والزركلي , ومحمد جميل بيهم , وعمر أبو النصر , وعبد المتعال الصعيدي في " المجددون " , وحامد الفقي في " أثر الدعوة الوهابية " , وعبد العزيز بكر في " الأدب العربي وتاريخه " , ومصطفى الحفناوي , والدكتور أحمد أمين في " زعماء الإصلاح , ومحمد قاسم في " تاريخ أوروبا ومناع القطان في دعوة الإسلام " , وعبد الكريم الخطيب في " محمد بن عبد الوهاب " , ومحمد ضياء الدين في مجلة الإرشاد الكويتية رجب عام ١٣٧٣ هـ. والدكتور محمد بن عبد الله ماضي " حاضر العالم الإسلامي ". وأحمد حسين في " مشاهداتي في جزيرة العرب " بعد أدى فريضة الحج عام ١٩٤٨ م (١٣٦٧ هـ) . والعقاد في " الإسلام في القرن العشرين " , وطه حسين في بحث نشره عام ١٣٥٤ هـ عن الحياة الأدبية في جزيرة العرب (١) . والشيخ أحمد بن حجر القاضي بقطر في كتابه " الشيخ محمد بن عبد الوهاب " , ومسعود الندوي في كتابه " مصطلح مظلوم ومفترى عليه " , والدكتور محمد جميل غازي في كتابه " مجدد القرن الثاني عشر , وأمين
стр. 47
سعيد في كتابه " سيرة الإمام محمد بن عبد الوهاب " , ومسلم الجهني في كتابه " أثر حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العالم الإسلامي " وغيرهم كثير جداً.
وإن ما يرى ويلمس عن تسمية الدعوة السلفية بالوهابية فهو مما أطلقه خصوم هذه الدعوة السلفية التصحيحية , التي نبعت من الجزيرة العربية غيرة على دين الله ولإزالة ما علق بتعاليم الإسلام من شوائب وما أدخل على التوحيد من مشاركة للمخلوق مع الخالق في صرف ما هو له جل وعلا مقروناً بالمخلوق وفي هذا منافاة لمضمون الحديث القدسي الذي جاء فيه قول الله جل وعلا " أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه " (١) .
ومن باب ربط السبب بالمسبب ومحاولة التصحيح لما علق بأذهان الناس عبر مدة زمنية طويلة نقول: إن أولئك الخصوم أعطوا هذه الدعوة اصطلاحاً في اللقب هو " الوهابية " من باب التنفير والتشويه وتلقفها من جاء بعدهم حيث إن أول من حرك ذلك الاصطلاح ودعي إليه أصحاب بعض الطرق الصوفية والدراويش التي أخطأت هي في فهم الدين الإسلامي على نقاوته وكما يجب أن يفهم ليتعبد الناس به خالقهم كما أمروا بذلك لأن الإسلام لا رهبانية فيه.
وما ذلك إلا أن بعض القائمين على تلك الطرق يحكمون الجانب الذاتي فلا يهتمون إلا بما يتوفر لهم من مصالح ومكاسب دنيوية يخشون ضياعها ونسوا أن تعاليم الإسلام وشرائعه أسمى من ذلك وأن إخلاص العمل يجب أن يراد به الله جل وعلا وحده.
стр. 48
وسلاحهم في الوصول لما يريدون: التضليل على العوام والتلبيس أمام السلطة وتخويفها من هذا الصوت الجديد على مصالحها من باب استعدائها عليه.
فتلقف ذلك أعداء الإسلام حيث لقي هوى في نفوسهم لحرصهم على تفكيك وحدة المسلمين وغرس بذور الشر بينهم لأنهم أدركوا ووعوا خطر ما ترمي إليه الدعوة الصحيحة لدين الإسلام وإذكاء الحماسة الدينية لدى المسلمين على مصالحهم وسيطرتهم على ديار الإسلام.
وهذا الموضوع وإن كان قد كتب الناس فيه كثيراً نسأل الله أن ينفع المسلمين بما كتب لهم وأن يعيد ضالهم إلى الطريق الأقوم فهو سبحانه القادر على ذلك.
إلا أن الذي لفت نظري ودفعني للحديث في هذا الجانب هو ما وجدته في ذلك الكتاب الفقهي القديم على مذهب الإمام مالك ﵀ حيث أثار انتباهي كما قلت من قبل عنوان هذا السؤال: كيف يعامل معتنقوا المذهب الوهابي؟؟!! (١)
وفي قراءتي لنص السؤال وجدته كما يلي:
سئل اللخمي عن قوم من الوهبية سكنوا بين أظهر المسلمين زماناً وأظهروا الآن مذهبهم وبنوا مسجداً.. إلى آخر ما جاء في السؤال ... الذي ختمه بقوله: فهل لمن بسط الله يده في الأرض الإنكار عليهم وضربهم وسجنهم حتى يتوبوا من ذلك؟؟
ولما كان الجواب فيه قساوة وحدة ولم يفصل عن هذه الفرقة وما إذا كانت نسبة إلى عبد الله بن وهب الراسبي الخارجي المتوفي عام ٣٨ هـ في وقعة
стр. 49
النهروان مع علي بن أبي طالب ﵁ لأنه قد خرج عليه بعد التحكيم (١) أو نسبة إلى شئ آخر أياً كان زمانه ومكانه.
وأنه لم يشر فيه إلى شئ غير هذا بل إن أحد الاخوة من المغرب العربي قد فهم كما يتبادر للذهن لدى آخرين بأن المقصود من ذلك دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لأن المعهود الذكرى يتغلب على ما يراد بحثه واستقصاؤه ومع هذا فإن صاحب هذا الفهم من ذوي العلم والمكانة حيث جرى معه حوار تراجع - بحمد الله - عن فهمه السابق بموجبه وهذه الرسالة استجابة لمطلبه.
وقد يعذر هو غيره لأن الهجوم منصب على هذه الدعوة من كل جانب والدفاع عنها قليل ولأن هذه التسمية قد طغت وعمت وفتاوى علماء المغرب القديمة على الوهابية الرستمية الخارجية الأباضية تنفر الناس منها وتكفر أتباعها لما عرفوه عنها من مخالفة لأهل السنة والجماعة إذ قد أفتى غير اللخمي علماء آخرون كالشيخ السيوري.
ومن هنا فقد أحببت التثبت أولاً عمن يعني السائل والمجيب ثم إزالة ما في الأمر من لبس وجلاء ذلك الاشتباه الذي قد أدركه كثير من الناس من باب أمانة العالم وتوثيق المعلومات ولأن هذا اللبس قد امتدت بعض المفاهيم حوله وألبست ثوباُ جاهزاً على دعوة سلفية تباين ذلك الاتجاه وتخالفه.
стр. 50
الوهابية أو الوهبية. . من هم ؟ ! : -
في القرن الثاني الهجري وعلى يد عبد الوهاب بن رستم انتشرت في الشمال الإفريقي فرقة الوهابية نسبة إلى عبد الوهاب هذا وهي فرقة متفرعة عن ألوهية الفرقة الإباضية الخارجية نسبة إلى مؤسسها الأصلي عبد الله بن وهب الراسبي وبعضهم يسميها الراسبية.
ولما كان أهل السنة بالمغرب كله يناوؤنها لأنها تخالفهم في هذا المعتقد وقد كفرهم كثير من علمائهم كما نلمس في فتاواهم القديمة.
ومن هنا أحببت التوثق من المصادر المهتمة بهذا ولذا فقد رجعت لترجمة حياة علي بن محمد اللخمي وهو الذي وجه إليه السؤال فإذا هو قد توفي عام ٤٧٨ هـ وأنه فقيه مالكي قيرواني الأصل توفى بسفاقس (١) .
أما المؤلف أحمد بن يحيى الونشريسي فقد جاء على غلاف كل جزء من أجزاء المعيار - طرته - وتحت اسمه بأنه توفي بفاس عام ٩١٤ هـ.
ولما كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب وهو صاحب الدعوة السلفية التصحيحية في نجد لم يكن قد ولد بعد حيث إن ولادته عام ١١١٥ هـ بالعينية وبدأ الدعوة مع الإمام محمد سعود بالدرعية منذ عام ١١٥٨ هـ.
وعلى هذا فإن هذا الجواب الذي ترتب عن السؤال قد سبق ولادته بأكثر من ستمائة عام بالنسبة لوفاة المجيب وهو اللخمي وأكثر من مائتي عام بالنسبة لوفاة المؤلف الونشريسي.
وكلا الأمرين يحدثان لبساً لدى من يريد المقارنة ووضع الأمور في نصابها.
стр. 51
وهذا الأمر دفعني للبحث تأريخياً في كتب المغرب عن أصل ذلك المذهب ومتى وجد لأن في الأمر لبساً لابد من جلائه أما بمعرفة المقصود أو أن زيادة قد حصل في الكتاب لم يكن للمجيب والمؤلف ضلع فيها.
خاصة وأن هذا السؤال وجوابه قد جاء في كلام الونشريسي مرة باسم الوهبية وأخرى بالوهابية ولم يعلق الناشر أو المحقق عليه بشيء مما يجعلني أعتقد أن كثيراً من كتب المغاربة وخاصة منها ما يتعلق بالعقائد قد تعرض لمثل هذا بشيء من التوضيح في أماكن متفرقة.
ومن باب ربط الحوادث التاريخية بمصادرها وإشراك القارئ في قراءة ورصد ما تحفل به المصادر فإن الموضوع يحتاج إلى مراجعة تاريخية متفحصة لكي نعرف ما يحاول دسه أعداء الإسلام في تاريخ أمة الإسلام للتنفير من كل عمل تصحيحي عقدي في المجتمع الإسلامي لأنهم يعرفون حقيقة الإسلام وما يضفيه على أبنائه إذا ساروا على منهجه الصحيح جيداً وما يعود على الأمة من ألفة ومحبة وترابط ولا تستطيع معه قوى الشر أن تنفذ لديار الإسلام أو تجد بين أبناء المسلمين مستقراً أخذاً من حديث رسول الله لى الله عليه وسلم الذي قال فيه: " أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي وذكر منهن " ونصرت بالرعب مسيرة شهر " (١) .
فلابد أن يجدوا منفذاً في ديار الإسلام للاستفادة من خيراتهم بالتركيز على كلمتهم المعهودة: فرق تسد. فسيادة أعداء الإسلام في ديار الإسلام وتمكنهم من التصرف في أمورهم واستثمار خيرات بلادهم والتسلط عليهم فكرياً كل هذا لا يتم إلا ببث الفرقة وإيجاد مسببات الشحناء ة وبذور الكراهية بين الأفراد والجماعات.
стр. 52
وأعداء الإسلام كالشيطان الذي يسترق السمع فإذا وجد كلمة بنى عليها كذبات كثيرة لإفساد ذات البين وبلبلة الأفكار.
واستنتج هذا من بعض النصوص التاريخية والوقائع الزمنية التي وقع نظري على جزء منها تراءى أمامي أثناء البحث ما يلي عن الفرقة الوهابية التي بشمال أفريقيا:
١) جاء في كتاب المعرب الكبير الجزء الثاني: العصر العباسي للدكتور السيد عبد العزيز سالم أن عبد الرحمن بن رستم الذي أسس الدولة الرستمية في مدينة تاهرت بالمغرب. عندما أحس بدنوا أجله في ١٧١ هـ أوصى بالأمر لسبعة من خيرة رجال الدولة الرستمية ومن بينهم ابنه عبد الوهاب ويزيد بن فنديك وقد بويع عبد الوهاب مما ترتب عليه نشوء خلاف بينه وبين ابن فنديك.
وقد انقسمت الإباضية - التي هي ديانة ابن رستم ومن معه حيث نقلها من المشرق إلى المغرب - إلى فرقتين: الوهابية نسبة إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن ابن رستم , والنكارية , ودارت بيت الطرفين معارك ومقاتل تنهزم فيها النكارية إلى أن قتل زعيمها ابن قنديره وفي حالة ضعف من النكارية انضم إليهم الواصلية المعتزلة.
وقد عزم عبد الوهاب هذا على الحج في آخر حياته إلا أن أتباعه نصحوه بالبقاء في " نفوسة " خوفاً عليه من العباسيين.
وتوفي عبد الوهاب هذا الذي يعتبر مؤسس للدولة الرستمية ذات الاتساع في شمال إفريقيا عام ٢١١ هـ (١) .
стр. 53
٢) أما المؤلف الفرنسي شارلي أندري فقد تحدث في كتابه " تاريخ أفريقيا الشمالية " تعريب محمد مزالي , والبشير بن سلامه عن مالك الخوارج ومن ضمنها مملكة تاهرت التي هي الدولة الرستيمة وقد أفاض في حديثه عن معتقداتها واتساعها ومعالمها الحضارية وتسميتها بالوهابية نسبة إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الذي خالف أهل ملته كما أبان بأنها تخالف أهل السنة في المعتقد (١) .
٣) كما تحدث الفردبل في كتابه " الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي " من الفتح العربي حتى اليوم وقد ترجم هذا الكتاب عن الفرنسية عبد الرحمن بدوي في عدة مواضع وقال بأن الخوارج الوهبيين الذين سموا نسبة إلى عبد الله وهب الراسبي الذي قاتله الإمام علي بن أبي طالب ﵁ في النهروان هم خوارج أباضية.
وعن انقسامهم أيضاً حيث قال: أباضية المغرب في تاهرت منهم وهم الذين كانت دولتهم الرستمية وكانوا أشد الفرق تعصباً.
ثم قال عن أتباع عبد الوهاب بن رستم هذا الذي سميت فرقته بالوهابية نسبة إليه لما أحدثه في المذهب من تغيرات ومعتقدات: بأنهم أشد الأباضية تقوى وكانوا يكرهون الشيعة قدر كراهيتهم لأهل السنة (٢) .
والزركلي في الأعلام أخذ خلاصة من عشرة كتب تعرضت لسيرة الأباضية والدولة الرستمية في تيهرت بالجزائر ومما جاء في كلامه عنه بأن عبد الوهاب هذا ثاني الأئمة الرستميين من الأباضية فارسي الأصل كان مرشحاً للإمامة في حياة أبيه وجعلها أبوه شورى فوليها بعد وفاته بنحو شهر
стр. 54
سنة ١٧١ هـ واجتمع له من أمر الإباضية وغيرهم مالم يجتمع مثله لزعيم إباضي قبله وكان فقيهاً عالماً شجاعاً يباشر الحروب بنفسه وله مواقف كثيرة مذكورة واستمر إلى أن توفى وفي تاريخ وفاته خلاف والزركلي يرجح أن وفاته ١٩٠ هـ (١) .
ومن هذه النبذة الصغيرة نستدل على أن هذه الفرقة قد رصد عنها أشياء كثيرة ليس من الفرنسيين وحدهم - بل من أبناء البلاد أيضاً منه جرى الاطلاع عليه وأكثره لم نطلع عليه.
لأن عبد الوهاب الرستمي هذا قد جعل من تاهرت مركزاً فكرياً وفتح باب الجدل مع علماء السنة ثم الشيعة التي قامت دولتهم في نهاية القرن الثالث الهجري باسم الدولة الفاطمية حيث قضى عبد الله الشيعي في عام ٢٩٦ هـ على الرستمية (٢) .
مما تتبلور عنه تفنيد معتقدات الرستميين التي تختلف مع ما يراه أهل السنة والجماعة وثبتت به الأحاديث الصحيحة.
وهذا الحوار هو الذي تفتق عنه جذور عميقة عند علماء وفقهاء المغرب وحول هذه الفرقة ومعتقداتها.
وقد استغل المستعمرون وأصحاب المصالح تلك الجذور في إذكاء العداوة بين أبناء المسلمين فيما بعد فألبسوا الثوب القديم بما فيه عيوب وما عليه من مثالب لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ودعوته الإصلاحية السلفية كما ألبسوا هذا الثوب لكل دعوة تدعوا إلى نقاوة الإسلام والإقتداء بالمسيرة الأولى في تبليغ دين الله الحق منذ قام بها رسول
стр. 55
الله ﷺ وأصحابه من بعده مستغلين الحزازات ضد الدعوة الجديدة التي جاءت لإصلاح العقائد وإعادة الناس إلى منزلة الإسلام الأولى التي سار عليها الصفوة الأولى من أمة الإسلام مدة ثلاثة قرون لم تعرف الدخائل ولا البدع اللهم إلا فرقاً عرفت بمباعدتها للإسلام حيث قوتلت في وقائع كثيرة ابتداء من الإمام علي بن أبي طالب ﵁ الذي جرد سيفه لقتالهم اتباعاً لمنهج الرسالة المحمدية التي حاد عنها أولئك الذين خرجوا عليه.
الاستعمار. . ومواجهة الدعوة: -
كما هي عادة أعداء الإسلام لا يدخلون في المواجهة مع الإسلام لمعرفتهم بعدم الصمود لأن حججهم واهية ولكنهم يستغلون فئات من المنتمين للإسلام ليجعلوهم جسوراً يعبرون منها لمآربهم ويضعون باسم الشبهات حيث أدرك الصليبيون والحاقدون على الإسلام من واقع مجريات الأمور في الأندلس وفي أرض الشام وفي حروب الدولة العثمانية مع أوروبا وغير ذلك من المواقف العديدة أن الإسلام الصافي من الشوائب والحريص أبناؤه على نشر دين الله وتخليص الأمم الأخرى مما يخالفه هو عدوهم الأول فلا يستطيعون مجابهته لأنه المنتصر إذاً فلابد من تشويه صورته وتفرقة أبنائه وإثارة الفتن والقلاقل في بيئته.
أولاً: فالإنجليز مثلاً لمسوا آثار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية في أعظم مكان يعتزون باستعماره والاستيلاء على خبراته عندما تلقفها الهنود على يد الداعية الإسلامي: أحمد بن عرفان الشهير بأحمد باريلي , وأتباعه وفي حركات أخرى مثل " الفراتفيين وتيتومان " نزار علي (١) .
стр. 56
تلك الدعوات التي ناوأت القاديانية الكافرة التي أرادها الإنجليز واجهة إسلامية تحقق مآربهم وينضوي تحتها من لا يعرف من الإسلام إلا اسمه.
ويظهر انزعاج الإنجليز وحرصهم على القضاء على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي تمثل يقظة جديدة في الدين الإسلامي ودعوة إلى فهمه من مصادر الصافية: كتاب الله , وسنة رسوله محمد ﷺ ، أنهم بذلوا جهوداً وأموالاً في هذا السبيل وقد أبانت رحلة " سادلير" الضابط البريطاني وقائد الفوج ٤٧ ومبعوث الحكومة البريطانية في الهند الذي قام برحلة شاقة من الهند إلى أن وصل الرياض ووقف على أطلال الدرعية التي هدمها إبراهيم باشا بناء على تخطيط اشترك في الإعداد له الإنجليز ليطمئن على تفتيت الحكومة الإسلامية التي تحركت في الجزيرة لإيقاظ المسلمين والقضاء على قاعدة الدعوة السلفية بنفسه لما أحدثته من خوف وقلق بداخل الحكومة الإنجليزية خوفاً على مصالحها وقد كان في رحلته هذه ضمن قافلة كبيرة أغلبها من الأتراك أبانت هذه الرحلة جانباً مهماً في التعاطف والحرص على القضاء على هذه الدعوة التي تمثل يقظة إسلامية توحد المسلمين كما أبانت عن حقد الإنجليز على الإسلام ذلك الحقد المخطط له من التبشير الكنسي الموجه بأفكار المستشرقين ودسائسهم.
فقد مر بالدرعية متشفياً في ١٣ أغسطس من عام ١٨١٩ م (١) , وبعد أن ارتاحت نفسه شد الرحال لاحقاً بإبراهيم باشا حتى أدركه في آبار علي , على مقربة من المدينة المنورة ليقدم له التهاني بهذا النصر مقرونة بهدايا حكومة الهند الشرقية (الحكومة البريطانية) (٢) هذا من جانب ومن جانب
стр. 57
آخر حتى يطمئن الحكومة البريطانية على نتائج القضاء على قادة هذه الدعوة وهدم وتدمير قاعدة الملك فيها وذلك عام ١٢٣٣ هـ لأن آثارها قد امتدت لمواطئ أقدام الإنجليز في ديار الإسلام في كل مكان.
وكان سادلير يكرر عبارات التشفي والارتياح للقضاء على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مثل قوله " مع سقوط الدرعية وخروج عبد الله عنها يبدو أن جذور الوهابيين قد انطفأت فقد عرفت من كل البدو الذين قابلتهم في نجد أنهم سنيون وأنهم يداومون على الصلاة المفروضة حتى في السفر الطويل وتحت أقسى الظروف " (١) .
ثم من باب التفرقة أيضاً في داخل البلد الواحد يقول " إن البدو لم يثبتوا على الوهابية إلا مرغمين وذلك حين كانت الدعوة قوية وسهلت لهم سبل النهب " (٢) .
مع أن الدولة السعودية منذ أن قامت على ركيزة الدعوة إلى الله مع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في عام ١١٥٨ هـ كانت تحكم شرع الله وتقطع يد السارق فأمنت الطرق لأن أول ما حاربته النهب والاعتداء على الناس أو أخذ أموالهم.
وهذا وغيره من كلامه فيه تناقض وتشويه للحقيقة وخداع للناس بما يعطي من معلومات لأسباب جاءت في كتابه عندما تحدث عن قوة القواسم البحرية في الخليج والبحر العربي حتى وصلوا إلى بومباي في الهند وهاجموا سفناً عديدة لحكومة الهند الشرقية وسفناً حربية إنجليزية , والقواسم ممن أيد الدعوة السلفية فهم يعاضدونهم لأن مبادئ الدعوة السلفية تحض على
стр. 58
مقاومة السلطان الأجنبي لأنهم كفار لا يحق لهم بسط النفوذ على ديار الإسلام.
ولأن ولاية الكافر لا تجوز على المسلم فالمسلمون يجب أن يلوا أمورهم بأنفسهم ليحكموا شرع الله في بلادهم.
وقد تحدث سادلير في كتابه هذا كثيراً عن هذا الموضوع الذي أرق بريطانيا فتحدث مع إبراهيم باشا وحمل كتاباً من الإنجليز له بطلب التحالف ضد القواسم وعن دور بريطانيا في شرق الجزيرة العربية لمناوأة كل من يؤيد الدعوة السلفية التي أيقظت همة الناس وفتحت مغاليق أفكارهم وحركتهم من سبات عميق.
وقد ظهرت همومه وسمومه ضد الإسلام والمسلمين في مواقف:
١) بث العداء بين أهل اليمن ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كقوله ك وقد سقط آخر زعيم يمني وهابي خلال إقامة هذا الباشا - يعني خليل ياشا - وهذا الزعيم هو محمود ين محمد , والذي جئ به مكبلاً بالأغلال إلى حبك ومن هناك أرسل بسفينة إلى مصر ... إلى آخر حديثه عن اليمن (١) ومثل هذا ما هو إلا محاولة للتفرقة بين أبناء الأمة الواحدة كما قال عن عُمَان وأبناء الجزيرة العربية كلاماً يدعوا للفرقة بين أبناء الجزيرة جميعاً يربطهم الإسلام ويجمع شملهم مصدراً التشريع فيه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ (٢) .
٢) وصفه التساهل الديني بالتقدم الحضاري والمحافظة على شعائر الإسلام بالتناقض مع متطلبات النفس في مثل قوله: يصف بدو نجد: وهم
стр. 59
حريصين جداً على عباداتهم ولا يهملون أياً من الصلوات المفروضة مهما كان المسير طويلاً في أسفارهم وتحت أشق أنواع الحرمان والعوز ويظهر التناقض الغريب عنده بمقارنة هؤلاء البدو مع الأتراك الذين يتسمون بثقافة روحية أكثر لكنهم لا يسمحون للدين أو للصلوات أن تتعارض مع راحتهم واطمئنانهم أبداً (١) .
٣) محاولة الحط من قدر أهل المدينة المنورة ووصفهم بنعوت كثيرة كالشحاذين والجشع وأن من حقهم - اعتقاداً - أن يكونوا متغطرسين وأنهم يعيشون على صداقات الحجاج إلى غير هذا مما ينبئ عن جذور صليبية. (٢) .
٤) لكن الأغرب من ذلك أن يقول سادلير عن إبراهيم باشا:
أبأنه تناول معه الطعام على الطريقة الإنجليزية وأنه تحدث معه عن رحلته وأعطاه الهدايا البريطانية والخطابات قبل دخوله المدينة للسلام على الرسول ﷺ وقدم له الشاي والدخان والسعوط والغلايين وفنجان القهوة يقدم في صحن مرصع بالألماس (٣) .
ب أنه ليس إلا ولد متبنى لمحمد علي وعندما ترعرع أمضى سنة كرهينة في استنبول ويقال أن إبراهيم باشا ولد بعد شهور قلائل من زواج والديه لكنه كان مفرطاً في إدمانه على الخمر وجلفاً مع المستخدمين عنده (٤) .
стр. 60
ت وفي موطن آخر يقول: وكان يشرف على خدمة بعض المماليك فقط ولدى دخوله أرض (محمد) المقدسة صمم سعادته على اعتزال اللهو والمسكرات فأهدر كل ما كان مختزناً عنده منها مما أتى به من القاهرة وكان ذلك قبل انطلاقه نحو المدينة (١) .
ثانياً: والفرنسيون أيضاً لهم دور فقد أحسوا باهتمام الشمال الإفريقي بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحرصهم عليها في مثل:
١) اهتمام سيدي محمد بن عبد الله العلوي , سلطان المغرب الأقصى بها حيث قام بمحاربة البدع والانحراف كما كان يحارب تشعب الطرق الصوفية ويدعوا إلى العودة إلى الاجتهاد وإلى السنة (٢) إلى جانب حرصه الشديد وحرص الدولة العلوية منذ أن قامت على محاربة النصارى وفي تعاطفهم مع الدعوة السلفية قوة تمتد إلى نفوذ الفرنسيين.
هذا السلطان هو الذي وصفه المؤرخ الفرنسي شارلي جوليان بقوله: وكان سيدي محمد وهو التقي الورع على علم بواسطة الحجيج بانتشار الحركة الوهابية في الجزيرة العربية وتأييد عائلة آل سعود لها وقد أعجب بعباراتها وكان يؤثر عنه قوله " أنا مالكي المذهب وهابي العقيدة وقد ذهبت به حماسته الدينية إلى الإذن بإتلاف الكتب المتساهلة في الدين والمحللة لمذهب الأشعرية وتهديم بعض الزوايا (٣) .
٢) كما أنه في عام ١٢٢٦ هـ حج جماعة من المغاربة صحبة المولى
стр. 61
إبراهيم بن السلطان المولى سليمان سلطان المغرب ونقل عنهم صاحب كتاب الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى: أنهم ما رأوا من ابن سعود ما يخالف ما عرفوه من ظاهرة الشريعة وإنما شاهدوا منه ومن أتباعه مآبه الاستقامة والقيام بشعائر الإسلام من صلاة وطهارة وصيام ونهي عن المنكر وتنقية الحرمين من الآثام (١) .
٣) رسالة بعث بها الإمام سعود بن عبد العزيز لأهل تونس يشرح فيها حقيقة التوحيد وأصول الدين وهي رسالة طويلة تقع في ثلاث صفحات مطبوعة كما جاءت في صحيفة ألمانية ضمن مقال طويل باللغة الألمانية لأحد المستشرقين عن الوهابية في المغرب أما الرسالة فقد كتبت باللغة العربية (٢) .
٤) والسلطان سليمان بن محمد بن عبد الله الذي بويع في فاس عام ١٢٢٦ هـ كان معاصراً للإمام عبد الله ابن سعود ووالده الإمام سعود بن عبد العزيز الذي دخل مكة عام ١٢١٧ هـ , الموافق لعام ١٨٠٢ م أراد أن يتحقق من ابن سعود وما يدعوا إليه فأرسل ابنه المولى إبراهيم في جماعة من علماء المغرب وأعيانه ومعه جواب من والده فوصلوا إلى الحجاز وقضوا المناسك وزاروا الروضة الشريفة كل هذا على ألمن والأمان والبر والإحسان ويقول في هذا الشيخ أحمد الناصري صاحب كتاب الاستقصاء في تاريخ المغرب الأقصى من ص ١١٩ إلى ص ١٢٣: حدثنا جماعة وافرة من حج المولى إبراهيم في تلك السنة أنهم ما رأوا من ذلك السلطان - يعني ابن سعود - ما يخالف ما عرفوه من ظاهر الشريعة وإنما شاهدوا منه ومن
стр. 62
أتباعه غاية الاستقامة والقيام بشعائر الإسلام من صلاة وطهارة وصيام ونهي عن المنكر الحرام وتنقية الحرمين الشريفين من القاذورات والآثام التي كانت تفعل بع من غير نكير وأنه لما اجتمع بالشريف المولى إبراهيم أظهر له التعظيم الواجب آل البيت الكريم وجلس معه كجلوس أحد أصحابه وحاشيته وكان الذي تولى الكلام معه الفقيه القاضي أبو إسحاق إبراهيم الزرعي فكان من جملة ما قال ابن سعود لهم: إن الناس يزعمون أننا مخالفون للسنة المحمدية فأي شئ رأيتمونا خالفنا من السنة وأي شئ سمعتموه عنا قبل اجتماعكم بنا؟ فقال له القاضي: بلغنا أنكم تقولون بالاستواء الذاتي المستلزم لجسمية المستوى. فقال له: معاذ الله إنما نقول كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب فهل في هذا مخالفة؟ قالوا: لا وبمثل هذا نقول أيضاً.
ثم قال له القاضي: وبلغنا عنكم أنكم تقولون بعدم حياة النبي ﷺ وحياة إخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم فلما سمع ذكر النبي ﷺ ارتعد ورفع صوته بالصلاة عليه. وقال: معاذ الله إنما نقول: إنه ﷺ حي في قبره وكذا غيره من الأنبياء حياة فوق حياة الشهداء.
وفي نهاية ذلك الحديث قال المؤلف: وأقول إن السلطان المولى سليمان ﵀ كان يرى شيئاً من ذلك ولجله كتب رسالته المشهورة التي تكلم فيها عن حال متفقرة الوقت وحذر فيها ﵁ من الخروج عن السنة والتغالي في البدعة وبين فيها آداب زيارة الأولياء وحذر من غلو العوام في ذلك وأغلظ فيها مبالغة في النصح للمسلمين جزاه الله خيراً (١) .
стр. 63
وينقل الأستاذ محمد كمال جمعه عن دائرة المعارف الإسلامية بأن المولى سليمان قد تأثر بعد عام ١٨١٠ م بالوهابية أو على الأصح بالدعوة السلفية التي قام بها السيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ مما جعله يتخذ موقفاً صارماً ضد المربوطية وهو اللقب الذي كان يطلق في المغرب على الصوفيين (١) .
٥) كما ينقل عن الدكتور عباس الجراري في محاصرة ألقاها في عام ١٣٩٩ هـ بجامعة الرياض بأن هذا التيار السلفي في المغرب قد ظهر مرة أخرى في بداية القرن الرابع عشر الهجري حين وجه السلطان الحسن الأول سنة ١٣٠٠ هـ رسالة إلى الشعب المغربي (٢) .
٦) وقد تحث أحمد بن حجر عن الحركة السنوسية التي أسسها محمد بن علي السنوسي في الجزائر وأنه تأثر بها عندما كان يطلب العلم في مكة وقت استيلاء آل سعود عليها وقد ابتدأ حركته الإصلاحية في الجزائر على ضوء تعاليم الإصلاح الديني الإسلامي الذي أضرم نارها في الجزيرة العربية محمد بن عبد الوهاب (٣) .
ثالثاً وفي مصر: يلمس من يقرأ تاريخ عبد الرحمن الجبرتي المتوفى عام ١٢٣٧ هـ المسمى عجائب الآثار في التراجم والأخبار في مثل قوله: ولغط الناس في خبر الوهابي واختلفوا فيه فمنهم من يجعله خارجياً ومنهم من يقول بخلاف ذلك لخلو عرضه. ثم أورد رسالة من رسائل الإمام سعود التي أرسل لشيخ الركب المغربي تتضمن دعوته وعقيدته وقد بين في تلك الرسالة أمور الدين مجملة وعرض لبيان الشفاعة وفتنة وتعظيم القبور
стр. 64
والنذور - أي للمقبورين - والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واتخاذ الوسائط عند الله وأعقب ذلك بقوله: وعلى هذا أقول إن كان كذلك فهذا ما ندين لله به نحن أيضاً وهو خلاصة لباب التوحيد وما علينا من المارقين والمتعصبين وقد بسط الكلام في ذلك ابن القيم في كتابه " إغاثة اللهفان " والحافظ المقريزي في " تجريد التوحيد " والإمام اليوسي في " شرح الكبرى " وذكر كتباً أخرى - كلها تدافع عن حقيقة التوحيد الصافي النقي الذي صلب دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١) .
ومن جانب آخر ذكر الجبرتي مطامع الإنجليز في الشمال الإفريقي المسلم عندما ذكر قصة الإنجليز مع أهل الجزائر لأن لهم صولة واستعداداً ويغزون مراكب الإفرنج ويغنمون منهم مغانم ويأخذون منهم أسرى وتحت أيديهم أسرى كثير من الإنجليز وغيرهم فقد جاء الإنجليز بمراكبهم ومعهم مرسوم من السلطان العثماني ليفتدوا أسراهم بمال فأعطاهم أهل الجزائر ما يزيد عن الألف أسير ودفعوا عن كل أسير مائة وخمسين ريالاً فرنسياً ورجعوا من حيث أتوا إلا أنهم بعد مدة رجعوا وبأيديهم مرسوم آخر يطلبون باقي الأسرى فامتنع حاكم الجزائر من ذلك وترددوا في المخاطبات وفي هذه الأثناء وصلت مراكب فأثاروا الحرب والضرب بطرائقهم المستحدثة فأحرقوا مراكب أهل الجزائر وقد أمد سلطان المغرب مولاي سليمان أهل الجزائر وبعث لهم مراكب عوضاً عن الذي تلف (٢) .
стр. 65
رابعاً: الإيطاليون: أقلقهم ما قام به محمد بن علي السنوسي المولود في الجزائر عام ١٢٠٢ هـ من دعوة إصلاحية في ليبيا لإعادة الإسلام إلى صفائه ووضعه الصحيح في النفوس تطبيقاً وعملاً والوقوف ضد الإيطاليين الوافدين الذين لا يهمهم إلا استغلال خيرات البلاد والتفريق بين المسلمين (١) .
كما أقلقهم تأثر الحجاج الصوماليون بها وامتدادها إلى القرن الإفريقي لقربهم من الجزيرة العربية وتأثر الحجاج المغاربة بها حيث نقلوا آثارها لبلادهم فقام فيهم مصلحون مجددون.
خامساً: والهولنديون حركهم ما لمسوه من اهتمام جديد من المسلمين الذين استولوا على ديارهم ويظهر ذلك واضحاً بالحرص على الولاء لعقيدة الإسلام في جزيرة سومطرة وجاوة وسولو بإندونيسيا مما وفد لتلك الديار مع الحجاج المتأثرين بما يجب أن ينقى به المجتمع الإسلامي وتصفى من شوائبه شعائر الإسلام بعد أن درس هؤلاء الحجاج دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية التجديدية واهتموا بها بعد أن اطمأنوا على سلامة منهجها في إصلاح العقيدة المستمد من كتاب الله وسنة رسوله الكريم ﷺ ، ولما فيها من صفاء الدعوة وسلامة الاتجاه والبعد عن الهوى وأنها لم تأت لمآرب ذاتية.
فلذا نقلوا بقناعة لبلادهم حيث قامت دعوات متعددة مثل:
الجمعية المحمدية في جاكرتا التي بدأت الدعوة بنبذ الشوائب والخرافات التي أدخلت على تعاليم الإسلام مما وقف حائلاً دون اتساع دعوة المستعمرين في تبني فئات إسلامية أو محسوبة على الإسلام تشجع الخرافة
стр. 66
وتنمي البدع في المجتمع الإسلامي مما يستفيد منه المستعمر بتغذية الطائفية وتذكية الفتن على مبدأ الاستعمار: فرق تسد.
ولقد بدأ هذا التأثر من عام ١٨٠٣ م الموافق لعام ١٢١٨ هـ عندما قامت حركة ضد الهولنديين استمرت ١٦ عاماً تغلبت فيها قوى الاستعمار على السلفيين الموحدين المتأثرين بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١) .
هذا إلى جانب دول إسلامية عديدة انتقلت إليهم آثار الدعوة مع الحجاج الذين أعجبوا بها لما فيها من تخليص الإسلام من الشوائب التي أدخلت عليه وتخليص البلاد من المستعمر الجاثم عليها والحريص على إفساد عقيدة أهلها بما يشيعه من أعمال وما يتيحه من فرص للفساد والإفساد ولما يدعوا إليه المبشرون من رغبة في تحويل المسلمين إلى النصرانية وما يبثه الملحدون وأصحاب النزعات الأخرى من دعوة لترد المسلمين عن دينهم ومحاولة لإبعادهم عن صفائه ونقاوته التي تخاطب العقول المستنيرة.
لذا كثرت الأصوات المستجيبة في كل مكان كالسودان ومصر والشام واليمن وأفغانستان وجزر الهند الشرقية ونيجيريا وبلاد الهوسا وبرنو وبلاد التكرور وغيرها مما ذكره كل من درس حياة الشيخ وأثرها في بلاد الشام لأنها أيقظت الهمم وحركت الناس من سباتهم وأوجدت يقظة فكرية ورغبة واسعة في إصلاح المجتمع الإسلامي بالدين السليم كما قال بذلك الإمام مالك ﵀ مما زلزل أقدام المستعمرين وحرك مشاعرهم ضد هذه الدعوة والمعتنقين لمبادئها.
стр. 67
الدولة العثمانية.... والدعوة: -
إن تأثر بعض الأوروبيين وبعض الأتراك وجماعات من الأفارقة إلى جانب اهتمام مجموعة من المفكرين المسلمين بدعوة الشيخ في بلاد الشام والمغرب وحتى داخل تركيا وغيرها كل هذا أثار حفيظة الباب العالي وأرباب المصالح والمناصب الذين موهوا الحقيقة على العثمانيين واغتنموا بعض التصرفات من الأعراب في الحج فلبسوا الشبه للتنفير ضد هذه الدعوة لإثارة الحفائظ على من قام بها واختلاق أشياء لم يكن لها أساس من الصحة.
وفي رسائل الشيخ محمد وإجابات تلاميذه نبين الجوانب الإيجابية والحرص من بعض المسلمين استجلاء حقيقة الدعوة من الشيخ نفسه بإرسال رسائل له أجاب عليها مثل:
١- رسالة الشيخ محمد ﵀ إلى الشيخ فاضل آل مزيد رئيس بادية الشام التي جاء فيها:
فالسبب في المكاتبة أن راشد ابن عربان ذكر لنا عنك كلاماً حسناً سر الخاطر وذكر عنك أنك طالب مني المكاتبة بسبب ما يجيك عنا من كلام العدوان من الكذب والبهتان وهذا هو الواجب من مثلك أنه لا يقبل كلاماً إلا إذا تحققه ثم بدأ يشرح له ما قيل ويوضح الحقيقة في ذلك وفق شرع الله وهدى رسوله الكريم تفنيداً وشرحاً (١) .
٢- رسالة الشيخ محمد ﵀ إلى عبد الرحمن السويدي علام من أهل العراق جاء فيها:
فقد وصل كتابك وسر الخاطر جعلك الله من أئمة المتقين ومن الدعاة إلى دين سيد المرسلين وأخبرك أني ولله الحمد متبع
стр. 68
ولست مبتدع عقيدتي وديني الذي أدين لله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة لكني بينت للناس إخلاص الدين لله ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين وغيرهم وعن اشتراكهم فيما يعبد الله من الذبح والنذور والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق لله الذي لا يشرك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة (١) .
٣- رسالة الشيخ محمد ين عبد الوهاب التي بعث إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام ويوضح لهم عن المعالم المهمة في دعوته ومما جاء فيها قوله:
جرى علينا من الفتنة ما بلغكم وبلغ غيركم وسببه هدم بنيان في أرضنا على قبور الصالحين فلما كبر هذا على العامة لظنهم أنه تنقيص للصالحين ومع هذا نهيناهم عن دعواهم وأمرناهم بإخلاص الدعاء لله فلما أظهرنا هذه المسألة مع ما ذكرنا من هدم البنيان على القبور كبر على العامة جداً وعاضدهم بعض من يدعي العلم لأسباب أخرى لا تخفى على مثلكم أعظمها اتباع هوى العوام مع أسباب أخرى فأشاعوا عنا أنا نسب الصالحين وأنا على غير جادة العلماء ورفعوا الأمر إلى المشرق والمغرب وذكروا عنا أشياء يستحي العاقل من ذكرها وأنا أخبركم بما نحن عليه خبراً لا أستطيع أن أكذب بسبب أن مثلكم لا يروج عليه الكذب على أناس متظاهرين بمذهبهم عند الخاص والعام فنحن ولله الحمد متبعون غير مبتدعين على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وحتى من البهتان الذي أشاع الأعداء أني أدعي الاجتهاد ولا أتبع الأئمة فإن بان لكم أن هدم البناء على القبور والأمر بترك دعوة الصالحين لما أظهرناه يخالف مذهب سلف الأمة.
стр. 69
إلى أن قال: وأنا أشهد الله وملائكته وأشهدكم على دين الله ورسولكم أني متبع لأهل العلم وما غاب عني من الحق وأخطأت فيه فبينوا لي وأنا أشهد الله أني أقبل على الرأس والعين والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل (١) .
٤- ورسالته أيضاً إلى عالم من أهل المدينة وفيها يقول:
الخط وصل أوصلك الله إلى رضوانه وسر الخاطر حيث أخبر بطيبكم فإن سألت عنا فالحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات وإن سألت عن سبب الاختلاف الذي هو بيننا وبين الناس فما اختلفنا في شئ من شرائع الإسلام من صلاة وزكاة وصوم وحج وغير ذلك ولا في شئ من المحرمات الشيء الذي عندنا زين هو عند الناس زين (٢) .
وغير ذلك من الرسائل حيث تخوفت منها الدولة العثمانية بقياداتها في العالم الإسلامي نتيجة الجهل وتعاونوا مع المستعمرين من اجل مصالحهم من جهة ومن أجل ضرب المسلمين بعضهم ببعض لتحقيق المآرب بإضعاف قوة المسلمين والقضاء على دعوة الإصلاح التي تؤلف بين القلوب وتجمع الشمل وتقضي على أسباب الفرقة بإتباع ما جاء به الرسول محمد ﷺ من عند ربه وما ذلك إلا من جهل هذه القيادات بما تنص عليه تعاليم الإسلام وخوفهم على مراكزهم ومصالحهم التي قدموها على حكم الله وأوامر رسوله ﷺ بإتباع الأهواء والرغبات.
وبذلك يخرج العدو المستعمر هو الكاسب من جانب ومن جانب آخر فلأن المسلم لا يقبل ذلك المستعمر المخالف له في دينه أن يتدخل فيما
стр. 70
يتعلق بعقدته وإلا انكشفت النوايا وعادت الحروب الصليبية من جديد.
ولذا فإن هؤلاء الغربيين ولا يستبعد أن يكون من بينهم يهود يهمهم ضرب الإسلام كما هي مخططاتهم وأعمالهم منذ حل رسول الله صلى اله عليه وسلم في المدينة مهاجراً والدارس يلمس مثل هذا الشعور لدى عبد الله بن أبي رأس المنافقين في المدينة وعبد الله ابن سبأ اليهودي الذي دخل الإسلام ليفسده من داخله وليشك ضعاف الفهم للإسلام في مكانته فكان أول من انشأ فرقة فيه عرفت باسم السبأية.
كما نلمس هذا في دراسات المستشرقين الذين حاولوا تشويه صورة الإسلام في العصر الحديث للتنفير منه والدرس في فكره وتأريخه وغالبيتهم من اليهود.
فقد بدأ هؤلاء جميعاً يقبلون صفحات التاريخ وينبشون الماضي علهم يجدون أشياء ترضى أصحاب الأهواء من أدعياء العلم الذين نصبهم المستعمر في مقامات إسلامية يستتر خلفهم ويزينون له ما يريد وأصحاب المصالح الذين باعوا أخراهم بعرض من الدنيا فهؤلاء جميعاً ينشدون غرضاً ويريدون تحقيق غاية.
فأوهموا العامة وأنصاف المتعلمين الذين لا يقرؤون ولا يتعمقون وهم الغالبية العظمى في المجتمع الإسلامي ذلك الوقت بأن هذه الدعوة الجديدة التي تحركت في الجزيرة العربية ما هي إلا امتداد لتلك السابقة التي كانت في المغرب: فرقة الخوارج الأباضية التي تخالفكم معاشر المسلمين في المذهب والمعتقد.
ولكي تنطلي الحجة ويمر التمويه لفقوا أقاويل على الشيخ محمد واتباعه وأوضح ﵀ كذبها في رسائله العديدة وعرف هذا علماء
стр. 71
المغرب في حوارهم عام ١٢٢٦ هـ عندما حج المولى أبو إسحاق إبراهيم بن السلطان المولى سليمان ﵀ ومعه مجموعة كبيرة من علماء المغرب لحوار الإمام سعود بن عبد العزيز ومناقشته فيما نسب إليهم وكان هذا بعد وفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بزمن.
وقد سجلت تواريخ المغرب عن هذه الحادثة ما يثبت البراءة لهذه الدعوة السلفية من كل نسب إليها وقناعة علماء المغرب من سلامتها وصدقها حتى أن الإمام إبراهيم هذا اقتنع بها (١)
وقد وجد هذا القول - أعني القدح في هذه الدعوة - صدى في نفوس راغبي الزعامة والتسلط باسم العلم والمعرفة ولدى أصحاب الأهواء والمصالح الظاهرة أيضاً.
هذا من جانب ومن جانب آخر انطلت النسبة إلى عبد الوهاب - والد الشيخ محمد وهي نسبة غير صحيحة لأنه لم يكن هو صاحب الدعوة ولأنهم لو نسبوها للشيخ محمد لصارت محمدية ولا يتحقق لهم ما أرادوا لأن الدين الإسلامي كله يسمي الرسالة المحمدية نسبة إلى النبي محمد ﷺ الذي بلغها عن ربه.
والعامة لا تفرق بين هذا وذاك ولذا حرصوا أن يكون للاسم المراد إطلاقه صدى في نفوس الجماهير الذين هم قاعدتهم في التمويه والتلبيس وخلفية يموه بها على أنصاف المتعلمين.
стр. 72
ظهر مثل هذا القول في تقارير وخطابات إبراهيم باشا التي كان يبعث بها لمحمد على بمصر وفي كتابات لبعض العثمانيين حيث بدأ إطلاق الألقاب التالية: الوهابية , الخوارج , المارقين من الدين (١) على دعوة الشيخ محمد والدولة السعودية من ذلك التاريخ.
هؤلاء في مظهر عام اتفقوا جميعاً في اتجاه واحد للتلبيس على الناس في هذا الأمر والناس بطبيعتهم يتخوفون من كل جديد ويستنكرون ما جاء لمخالفة ما ساروا عليه. وخير شاهد في هذا ما نجده موضحاً في القرآن الكريم والسيرة النبوية العطرة من أمور كثيرة في موقف المعاندين للإسلام عندما جاء به محمد ﷺ من عند ربه داعياً ومنقذاً.
كما نلمس شاهداً حياً في عصرنا الحاضر عندما بدأ الشباب الإسلامي يهتم بدينه ويرجع لتعاليم ربه فيما أطلق عليه: الصحوة الإسلامية فقد بدأت صحف الغرب والشرق ووسائل إعلامه وجهود مفكريه تشوه الصورة وتنفر من الاتجاه وتصف هذا التحول الإسلامي بنعوت متعددة لكي يوجد حجاب يمنع المسيرة ويقضي على الحماسة.
والعامة في كل عصر ومكان وهم الجم الغفير يلجأون في مثل هذا الأمر إلى مصدر القوة لتوضيح لهم الأمر وتجلي الحقيقة لكن هذا المصدر في ذلك الوقت من علماء وأرباب مصالح أرادوا قلب الحقائق وتشويه
стр. 73
أصوات المستجيبين العارفين وذلك بإطلاق الشبهة واختلاق الآراء التي تلقفها العامة بالنشر والإذاعة من جانب ومن جانب آخر بالاستجابة للنداء بالوقوف ضد هذا الاتجاه الذي سموه للناس انشقاقاً في الدين وخروجاً على جماعة المسلمين وبدعاً في الدين بينما واقع الأمر عكس ذلك.
وقد وجدت هذه الشبهة التي أطلقت صدى في نفوس أرباب المصالح والجاه لدى الباب العالي العثماني خوفاً على سمعة ومكانة الدولة ونفوذها بعد أن أثاروا حفيظة والدة أحد سلاطينهم على الإمام عبد الله بن سعود بعد انتصاره على جيوشهم في وادي الصفراء بين المدينة وينبع.
وفي كثير من أقطار المسلمين بالتبعية حيث روجها أناس يأكلون أموال الناس بالباطل ويرضون بزعامات مؤقتة دينية ويتسلطون بها على الجهال الذين لا يدركون حقيقة دينهم ولا نوايا هؤلاء وما هم عليه وهذا ما كان يخشاه رسول الله ﷺ من زلة العالم والعلماء المضللين الذين يفتون بغير ما أنزل الله فيضلون ويضلون (١) .
وقد ضرب هؤلاء جميعاً على الوتر الحساس في حياة الناس وهو الدين الذي تحتاجه النفوس وتتشوق إليه الأفئدة ولكنها تجهله حقيقة وتجهل المصادر التي يجب أن يؤخذ منها فتتبع كل ما يقال لها فيه.
ومن هذه الجذور بدأوا في التعاون لتشويه الدعوة التي كان من أهدافها توحيد كلمة المسلمين ونبذ الخرافات وتنوير الأذهان وتوجيه النفوس إلى العلم باعتباره مصدر الحقيقة حيث بلغ الأمر بالناس في الدرعية كما ذكر ابن غنام وابن بشر في تاريخها رغبة عارمة في النهل من
стр. 74
العلم ثم العمل المتواصل لكسب المعيشة فكان تلاميذ الشيخ يوزعون أوقاتهم بين العلم والعمل.
من بعد صلاة الفجر حتى ارتفاع الشمس للعلم ثم يتجهون لأعمالهم وفلايحهم حتى الظهر ليرتاحوا العمل من العصر حتى المغرب إلى العشاء جلسات علم واهتمام بالبحث عن المعرفة في الحلقات والنقاش.
شبهات الخصوم: -
وهذا مما دفع أيضاً بعض الأشخاص ممن تعارضت مصلحته الدنيوية مع دعوة الشيخ على مخالفة الشيخ ومحاولة التشهير به كذباً وافتراء وأغلبهم من بني قومه فألصقوا بالشيخ ودعوته أشياء كثيرة طفق جاهاً في رسائله العديدة إلى التبرئ منها والدفاع عن سلامة المعتقد الذي ينادي به وأنه لم يخرج عن الكتاب والسنة وسوف يكون لنا مع بعض أولئك وقفة خاطفة ترشد طالب الحقيقة إلى بعض مواطن الداء.
وإن من يقرأ ما كتبه خصوم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عنها من افتراءات وأكاذيب فإنه لا شك سيلمس أن جميع ما أوردوه من شبهات وما اختلقوه من مجادلات لا أصل لها في أي مصنف مما كتبه ﵀ بل إن رسائله العديدة التي ملأت سفراً كاملاً ورسائل وردود أولاده وأحفاده وتلاميذه من بعده وهي كثيرة وعديدة كلها كانت تنفي تلك الأقاويل وتتبرأ منها بأيمان صادقة ومثل هذه الرسائل والردود التي يجدها المتتبع لمسيرة هذه الدعوة والمنافحين عنها النافين للشبهات المطروحة من دون أصل ثابت منذ اقترانه بالعمل الجهادي السياسي وحتى اليوم.
стр. 75
إننا عندما نعود إلى أصل تلك الشبهات فإننا سنراها لا تخرج عن:
١- شبهات ذات جذور في الفرق السابقة ألصقوها بالشيخ محمد بن عبد الوهاب مع أن له رأياً فيها هو رأي أهل السنة والجماعة حيث ينكر خروجها عن الصف الإسلامي كما أنكرها قبله شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ في الشام والإمام الشاطبي في المغرب والعز بن عبد السلام في مصر سنة ٦٦٠ هـ.
٢- وإما أشياء مختلقة لا أساس لها من الصحة ولم ترد في أصل مما نقل عن نصوص ومؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولا في مؤلفات تلاميذه وأبنائه.
والمختلق لا حدود له وفيه تمويه على القارئ والسامع فقد أبانت رسائل الشيخ ضد هذا الشيء الكثير كما مر بنا في مقتطفات من أربع رسائل بعثها للآفاق (١) البراءة من كل ما نسب إليه وأنه محض افتراء لا أصل له عنده قولاً أو عقيدة خذ مثلاً قوله في إحدى رسائله لأهل القصيم وقد جاء فيها:
ثم لا يخفى عليكم أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم (٢) قد وصلت إليكم وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم والله يعلم أن الرجل افترى على أموراً لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي.
فمنها قوله: أني مبطل كتب المذاهب الأربعة وإني أقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شئ وإني أدعي الاجتهاد وإني خارج عن التقليد وإني أقول إن اختلاف العلماء نقمه وإني أكفر من يتوسل بالصالحين وإني