← История

История · id 9850

تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية

محمد بن سعد الشويعر

Полный текст (131 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المغرب في حوارهم عام ١٢٢٦ هـ عندما حج المولى أبو إسحاق إبراهيم بن السلطان المولى سليمان ﵀ ومعه مجموعة كبيرة من علماء المغرب لحوار الإمام سعود بن عبد العزيز ومناقشته فيما نسب إليهم وكان هذا بعد وفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بزمن. وقد سجلت تواريخ المغرب عن هذه الحادثة ما يثبت البراءة لهذه الدعوة السلفية من كل نسب إليها وقناعة علماء المغرب من سلامتها وصدقها حتى أن الإمام إبراهيم هذا اقتنع بها (١) وقد وجد هذا القول - أعني القدح في هذه الدعوة - صدى في نفوس راغبي الزعامة والتسلط باسم العلم والمعرفة ولدى أصحاب الأهواء والمصالح الظاهرة أيضاً. هذا من جانب ومن جانب آخر انطلت النسبة إلى عبد الوهاب - والد الشيخ محمد وهي نسبة غير صحيحة لأنه لم يكن هو صاحب الدعوة ولأنهم لو نسبوها للشيخ محمد لصارت محمدية ولا يتحقق لهم ما أرادوا لأن الدين الإسلامي كله يسمي الرسالة المحمدية نسبة إلى النبي محمد ﷺ الذي بلغها عن ربه. والعامة لا تفرق بين هذا وذاك ولذا حرصوا أن يكون للاسم المراد إطلاقه صدى في نفوس الجماهير الذين هم قاعدتهم في التمويه والتلبيس وخلفية يموه بها على أنصاف المتعلمين.

стр. 72

ظهر مثل هذا القول في تقارير وخطابات إبراهيم باشا التي كان يبعث بها لمحمد على بمصر وفي كتابات لبعض العثمانيين حيث بدأ إطلاق الألقاب التالية: الوهابية , الخوارج , المارقين من الدين (١) على دعوة الشيخ محمد والدولة السعودية من ذلك التاريخ. هؤلاء في مظهر عام اتفقوا جميعاً في اتجاه واحد للتلبيس على الناس في هذا الأمر والناس بطبيعتهم يتخوفون من كل جديد ويستنكرون ما جاء لمخالفة ما ساروا عليه. وخير شاهد في هذا ما نجده موضحاً في القرآن الكريم والسيرة النبوية العطرة من أمور كثيرة في موقف المعاندين للإسلام عندما جاء به محمد ﷺ من عند ربه داعياً ومنقذاً. كما نلمس شاهداً حياً في عصرنا الحاضر عندما بدأ الشباب الإسلامي يهتم بدينه ويرجع لتعاليم ربه فيما أطلق عليه: الصحوة الإسلامية فقد بدأت صحف الغرب والشرق ووسائل إعلامه وجهود مفكريه تشوه الصورة وتنفر من الاتجاه وتصف هذا التحول الإسلامي بنعوت متعددة لكي يوجد حجاب يمنع المسيرة ويقضي على الحماسة. والعامة في كل عصر ومكان وهم الجم الغفير يلجأون في مثل هذا الأمر إلى مصدر القوة لتوضيح لهم الأمر وتجلي الحقيقة لكن هذا المصدر في ذلك الوقت من علماء وأرباب مصالح أرادوا قلب الحقائق وتشويه

стр. 73

أصوات المستجيبين العارفين وذلك بإطلاق الشبهة واختلاق الآراء التي تلقفها العامة بالنشر والإذاعة من جانب ومن جانب آخر بالاستجابة للنداء بالوقوف ضد هذا الاتجاه الذي سموه للناس انشقاقاً في الدين وخروجاً على جماعة المسلمين وبدعاً في الدين بينما واقع الأمر عكس ذلك. وقد وجدت هذه الشبهة التي أطلقت صدى في نفوس أرباب المصالح والجاه لدى الباب العالي العثماني خوفاً على سمعة ومكانة الدولة ونفوذها بعد أن أثاروا حفيظة والدة أحد سلاطينهم على الإمام عبد الله بن سعود بعد انتصاره على جيوشهم في وادي الصفراء بين المدينة وينبع. وفي كثير من أقطار المسلمين بالتبعية حيث روجها أناس يأكلون أموال الناس بالباطل ويرضون بزعامات مؤقتة دينية ويتسلطون بها على الجهال الذين لا يدركون حقيقة دينهم ولا نوايا هؤلاء وما هم عليه وهذا ما كان يخشاه رسول الله ﷺ من زلة العالم والعلماء المضللين الذين يفتون بغير ما أنزل الله فيضلون ويضلون (١) . وقد ضرب هؤلاء جميعاً على الوتر الحساس في حياة الناس وهو الدين الذي تحتاجه النفوس وتتشوق إليه الأفئدة ولكنها تجهله حقيقة وتجهل المصادر التي يجب أن يؤخذ منها فتتبع كل ما يقال لها فيه. ومن هذه الجذور بدأوا في التعاون لتشويه الدعوة التي كان من أهدافها توحيد كلمة المسلمين ونبذ الخرافات وتنوير الأذهان وتوجيه النفوس إلى العلم باعتباره مصدر الحقيقة حيث بلغ الأمر بالناس في الدرعية كما ذكر ابن غنام وابن بشر في تاريخها رغبة عارمة في النهل من

стр. 74

العلم ثم العمل المتواصل لكسب المعيشة فكان تلاميذ الشيخ يوزعون أوقاتهم بين العلم والعمل. من بعد صلاة الفجر حتى ارتفاع الشمس للعلم ثم يتجهون لأعمالهم وفلايحهم حتى الظهر ليرتاحوا العمل من العصر حتى المغرب إلى العشاء جلسات علم واهتمام بالبحث عن المعرفة في الحلقات والنقاش. شبهات الخصوم: - وهذا مما دفع أيضاً بعض الأشخاص ممن تعارضت مصلحته الدنيوية مع دعوة الشيخ على مخالفة الشيخ ومحاولة التشهير به كذباً وافتراء وأغلبهم من بني قومه فألصقوا بالشيخ ودعوته أشياء كثيرة طفق جاهاً في رسائله العديدة إلى التبرئ منها والدفاع عن سلامة المعتقد الذي ينادي به وأنه لم يخرج عن الكتاب والسنة وسوف يكون لنا مع بعض أولئك وقفة خاطفة ترشد طالب الحقيقة إلى بعض مواطن الداء. وإن من يقرأ ما كتبه خصوم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عنها من افتراءات وأكاذيب فإنه لا شك سيلمس أن جميع ما أوردوه من شبهات وما اختلقوه من مجادلات لا أصل لها في أي مصنف مما كتبه ﵀ بل إن رسائله العديدة التي ملأت سفراً كاملاً ورسائل وردود أولاده وأحفاده وتلاميذه من بعده وهي كثيرة وعديدة كلها كانت تنفي تلك الأقاويل وتتبرأ منها بأيمان صادقة ومثل هذه الرسائل والردود التي يجدها المتتبع لمسيرة هذه الدعوة والمنافحين عنها النافين للشبهات المطروحة من دون أصل ثابت منذ اقترانه بالعمل الجهادي السياسي وحتى اليوم.

стр. 75

إننا عندما نعود إلى أصل تلك الشبهات فإننا سنراها لا تخرج عن: ١- شبهات ذات جذور في الفرق السابقة ألصقوها بالشيخ محمد بن عبد الوهاب مع أن له رأياً فيها هو رأي أهل السنة والجماعة حيث ينكر خروجها عن الصف الإسلامي كما أنكرها قبله شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ في الشام والإمام الشاطبي في المغرب والعز بن عبد السلام في مصر سنة ٦٦٠ هـ. ٢- وإما أشياء مختلقة لا أساس لها من الصحة ولم ترد في أصل مما نقل عن نصوص ومؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولا في مؤلفات تلاميذه وأبنائه. والمختلق لا حدود له وفيه تمويه على القارئ والسامع فقد أبانت رسائل الشيخ ضد هذا الشيء الكثير كما مر بنا في مقتطفات من أربع رسائل بعثها للآفاق (١) البراءة من كل ما نسب إليه وأنه محض افتراء لا أصل له عنده قولاً أو عقيدة خذ مثلاً قوله في إحدى رسائله لأهل القصيم وقد جاء فيها: ثم لا يخفى عليكم أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم (٢) قد وصلت إليكم وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم والله يعلم أن الرجل افترى على أموراً لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي. فمنها قوله: أني مبطل كتب المذاهب الأربعة وإني أقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شئ وإني أدعي الاجتهاد وإني خارج عن التقليد وإني أقول إن اختلاف العلماء نقمه وإني أكفر من يتوسل بالصالحين وإني

стр. 76

أكفر البوصيري لقوله: يا اكرم الخلق وو إني أقول لو أقدر على هدم قبة رسول الله ﷺ لهدمتها ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت له ميزاباً من خشب وإني أحرم زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلمو إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما وإني أكفر من حلف بغير الله وإني أكفر ابن الفارض وابن عربي وإني أحرق دلائل الخيرات وروض الرياحين وأسميته روض الشياطين جوابي عن هذه المسائل أن أقول سبحانك هذا بهتان عظيم وقبله من بهت محمداً ﷺ أنه يسب عيسى ابن مريم ويسب الصالحين فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب وقول الزور (١) . ٣- ويدخل في هاتين الحالتين ظهور عجز من جادلوا أتباع الشيخ وأفحموهم ومن باب الرغبة في تغطية هذا العجز بدأوا ينالون من الشيخ ودعوته وهذا من باب التلبيس على الناس ذلك أنهم لو قالوا الحقيقة التي دارت في النقاش لانتهت مكانتهم ومصالحهم ولذا لم يبق أمامهم إلا قلب الحقيقة وتمويه النتيجة لأن ما جرى لم ينشر على الملأ. ٤- وإما كلام مبتور من أصل كلامه ﵀ أو أقول مؤول على غير معناه مثل من يقرأ " ويل للمصلين " ويسكت عن إكمال الآية. ويدخل في هذا قولهم: إن أتباع محمد بن عبد الوهاب ينكرون الصلاة على النبي ﷺ وينكرون رسالته مما لا يصدقه عاقل متبصر. ولا أستبعد أن يكون جميع من كتب متهجماً على الشيخ محمد ودعوته بأنه لم يقرأ واحداً من كتبه سواء في التوحيد والعقيدة أو الفقه والأحكام أو التفسير والسيرة النبوية بل إنه لم يناقش رأياً مما قال وإنما حركتهم

стр. 77

المصالح الدنيوية وأعماهم الهوى حيث وجدوها فرصة عاجله لأخذ عيوب الوهابية الرستمية , الخارجية الأباضية التي قال فيها علماء الإسلام ما قالوا ودار حولها في المغرب نقاش طويل وردود ومجادلات وتناولها علماء المغرب والأندلس في كتبهم بالردود والقدح كثيراً لإلصاق تلك العيوب بالدعوة الجديدة بادئ ذي بدء. وقد استغل الخصوم قرابة في الاسم فطابقوا اللقب في الحالين وأطلقوا الأول على الثاني وأعطوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب اصطلاحاً جديداً هو اسم لجذور عميقة في نفوس المسلمين في شمال أفريقيا بصفة خاصة وهو "الوهبية أو الوهابية " فوجدوا هذا ثوباً جاهزاً ألبسوه دعوة الشيخ محمد للتنفير منها حيث أبرزوا عيوب السابقة والصقوها بدعوة الشيخ محمد. والمغاربة ممن شهد لهم التاريخ بدور إيجابي في الوقوف ضد الدعوات المناهضة لأهل السنة: مع عبد الوهاب بن رستم هذا ثم مع الفاطميين العبيديين وغيرهم ثم بمناهضة المستعمر في بلادهم والوقوف ضد مطامعه. فألبس أعداء الإسلام دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية ثوباً مستعاراً من باب التنفير خوفاً من عودة المسلمين إلى المنهج المحمدي وبساطته واستمالة لقلوب المسلمين الذين ملوا الفرقة وأضناهم الخلاف فيكون في ذلك سبب لاتفاق الكلمة ونبذ الخلافات التي ينفذ منها الأعداء. لاسيما وأن صدوراً في العالم الإسلامي وخاصة في شمال أفريقيا قد انفتحت لهذه الدعوة واستجاب لها أصحابها لأنها بغية كل مسلم كما مر بنا نماذج من ذلك.

стр. 78

فأقض ذلك مضاجع أصحاب المصالح وأرباب الأهواء والبدع وتعاموا عن الحقيقة حيث بذلوا جهوداً مضنية لطمسها وإلهاء الناس عنها وعن تتبع مصادرها بحثاُ واستقصاء. ويتضح مثل ذلك في كتابة الباحثين الغربيين والمستشرقين من فرنسيين وإيطاليين وإنجليز وألمان عن الإسلام والمسلمين في شمال إفريقيا على وجه الخصوص وفي كل مكان بوجه عام وخاصة عند تعرضهم لليقظة الفكرية الجديدة في تاريخ الإسلام التي ترتبط دائماً ومن الدراسات المنصفة بقيام السيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوته وامتدادها للعالم الإسلامي لأنها جاءت في وقت الظلمة والجهل. ففي الوقت الذي بدأ المسلمون يعون حقيقة الدعوة السلفية التي جددها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأعادت للمسلمين يقظة فكرية عقدية في المنهج الإسلامي الصحيح والعقيدة الصافية السليمة لأنها لم تخرج بالإسلام عن نقاوته الأولى حيث سلك في هذا الدرب منحى المصلحين في تاريخ الإسلام المجددين لمنهج السلف الصالح كلما اندثر كابن تيمية أحمد بن عبد الحليم المتوفى بالشام عام ٧٢٨ هـ وابن قيم الجوزية المتوفى بدمشق عام ٧٥١ هـ والشاطبي المتوفى بغرناطة بالأندلس عام ٧٩٠ هـ والعز بن عبد السلام المتوفى بمصر وغيرهم كثير من علماء السلف. كما تحدث عن ذلك كثير من العارفين والمفكرين العرب والمسلمين وغيرهم. وقد أورد الأستاذ عبد الله بن سعد بن رويشد في كتابه الإمام محمد بن عبد الوهاب في التاريخ: حدود أربعين رأياً تشيد بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودورها في تحريك اليقظة في نفوس المسلمين في كل مكان من المعمورة (١) .

стр. 79

عودة لإثارة الشبهات: - دهمت العالم عامة والمسلمين بصفة خاصة المبادئ المنكرة من شيوعية ومأسونية ووجودية وعلمانية وإلحادية ولم يجد المسلمون مخرجاً يضئ لهم الطريق ومنفذاً يهربون منه إلى بر ألمان إلا بالإسلام الصافي النقي الخالص من الشوائب والدخائل. ذلك أن أبناء المسلمين قد جبلهم الله على حب الولاء والاتجاه بالعقيدة إلى ما يوصل لله جل وعلا وهذه فطرة الله التي فطر البشر عليها وإن جذور الإسلام تجذبهم ورابطته تجمع بينهم فتتجاذب القلوب لتتقارب النفوس إلا أن جهات ذات أهداف متباينة وأحقاد دفينة تأتي مع بعدها عن العاطفة مع المسلمين لتستغل ذوي العقول الضعيفة والمآرب الوقتية والبضاعة المزجاة من العلم والمعرفة فتتحدث باسم العلم وتتزعم باسم الغيرة والمعرفة وهذا ما كان يخشاه رسول الله ﷺ على أمته من العلماء المضللين الذين يلبسون الأمور على الناس. ألمس هذا عندما بدأت كتب تطبع وتوزع بالمجان مجدداً في إفريقيا وآسيا وأوروبا تعيد تلك الشبهات على المسلمين بعد أن كاد المسلمون ينسوا الماضي بأحقاده ويتآلفون من جديد على منهج كتاب الله وسنة نبيه الأمين ﷺ بعد أن عصفت بهم الفتن وأعمل الأعداء أيديهم في التخريب والإفساد وذلك من أجل تنقية الدين من الشوائب الدخيلة ذلك أن النصرانية الحاقدة واليهودية الماكرة قد حركتا الأعوان لأنهما بدأتا تفلسان في ديار الغرب فضلاً عن ديار الإسلام بعد أن تمرد عليهم أبناؤهم وشعروا بخواء أفكار أرباب تلك الدعوات ثم عندما رأوا أبناء المسلمين يتجهون للإسلام الصحيح في نقاوته

стр. 80

حسبما حدثني أحد الدعاة في أفريقيا عن حرص الناس هناك وفي كل مكان على تتبع تعاليم الإسلام من مصادرها الصحيحة النقية. وكان مما حدثني به هذا الداعية أن أحد علمائهم مال مع تلك الكتب التي تطبع في دولة إسلامية وتوزع بعدة لغات وقد بدأ هذا الشيخ ينال من شخصية محمد بن عبد الوهاب ودعوته ويصفها بنعوت عديدة لتأثره بالكتب التي وصلته وألصقت بالدعوة الإصلاحية التي انتهجها الشيخ ومن جاء بعده سبهاً ة افتراءات. فقال له الداعية: هل قرأت للشيخ محمد بن عبد الوهاب شيئاً من كتبه؟ قال: لا ويكفي ما قيل عنه. وكان الداعية ذكياً فأعطاه كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد أن نزع عنه غلافه وقال: أحب أن تقرأ هذا الكتاب وتعطيني رأيك فيه غداً. وفي موعد اللقاء: أثنى ذلك العالم على هذا الكتاب وترحم على مؤلفه لما حوى من علم مستمد من كتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ واتجاه رصين يحتاج إليه المسلمون في تصحيح معتقداتهم. فما كان منه إلا أعطاه نسخة أخرى منه وعليها الغلاف. وقال له: هذا هو الكتاب كاملاً ومؤلفه الشيخ محمد ين عبد الوهاب صاحب الدعوة الإصلاحية التجديدية السلفية كما ترى وبقية كتبه من هذا النوع. فما كان من ذلك العالم إلا أن قال: حسبنا الله ونعم الوكيل لقد أتهم الشيخ بما ليش فيه وما نقرؤه عنه يخالف ما يقوله هو في مؤلفه هذا إن هذا هو التوحيد الخالص الذي جاء به محمد بن عبد الله عليه الصلاة السلام ودعانا إلى التمسك به.

стр. 81

ومنذ عشرات السنين حصلت قصة مماثلة في الهند فقد هدى الله عالماً من علماء الهند بتوفيق من الله ثم بمناظرة مع شخص يسمى البكري في قضية مماثلة. هذه نظرة عامة يحسن بالمسلمين عموماً الانتباه إليها وألا يجعلوا الآخرين يفرضون عليهم رأياً بدون معرفة خفاياه فالرأي العلمي والحقيقة التي تتعلق بالعقيدة والدين يحسن بالمسلم العارف أن يبحث عنهما وينقب بنفسه عن كل ما يؤصلهما ويتوثق ويدقق حتى لا تزل قدمه بعد ثبوتها ويترتب على ذلك خلاف في الصف الإسلامي لا يستفيد منه سوى العدو الذي يبذل الشيء الكثير من جهده وماله وفكره وأعوانه لبث الفرقة وتشتيت الشمل بين أبناء المسلمين لأن مصالحه ومنافعه في هذه الفرقة وسيطرته ونفوذه في بذر الخلافات. وندعوا الله أن يجمع كلمة المسلمين وأن يؤلف بين قلوبهم في آخر الزمان كما ألف بينهم في أوله عندما قال الله لنبيه محمد ﷺ : ﴿وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم﴾ (سورة الأنفال آية ٦٣) واليهود والنصارى لن يرضوا عن المسلمين حتى يفسدوا عليهم دينهم ويجعلوهم في خلاف مستمر وتشاحن وتباغض كما أبان الله عنهم ذلك الشعور في محكم التنزيل عندما قال ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى﴾ (سورة البقرة آية ١٢٠) ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها كما قال الإمام مالك ﵀ وأولها لم يصلح إلا بعقيدة الإسلام الصافية النقية وآخرها لن يصلح إلا بذلك.

стр. 82

خصوم الدعوة من داخل المنطقة: - جوبهت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أول ما جوبهت من داخل المنطقة التي انطلقت منها فوقف أمامها أناس ادعوا العلم وكانت لهم مصالح سوف تتأثر من معرفة الناس للحقيقة التي حرص الشيخ على إبانتها للناس مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . والهوى دائماً يعمي ويصم كما أن للحسد دوراً في تلك المجابهة كما يقول الشاعر العربي: حسدوا الفتى إذ لم يكونوا مثله ... فالقوم أعداء له وخصوم لقد بلغ من هؤلاء القوم أن انبروا لدعوة الشيخ بالحرج والكذب والافتراء.... ثم لخوفهم الذي اقلق راحتهم بدأوا يبثون الرسائل يميناً وشمالاً من باب التنفير والكيد كما حصل من ابن سحيم وابن مويس وغيرهما ممن سوف نلم بذكرهم والإشارة لانتشار رسائلهم التي كشفها الشيخ محمد نفسه في الرسائل التي يبعث بها للآفاق داعياً وموضحاً من جهة ومزيلاً لما علق بالأذان من أكاذيب وافتراءات من جهة أخرى. ولن ندخل في تلك المنافحات والمراسلات ولكن يكفي أن نستشهد بالآية الكريمة ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾ (سورة الرعد آية ١٧) لقد ذهب القوم جميعاً الناقد والمنقود والمفتري والمفترى عليه وأثبتت الأيام صدق إخلاص الشيخ محمد ﵀ حيث بقي صدى الدعوة بل ازداد وحرص الناس في كل مكان على تتبع كتبه ﵀ ودراستها كما عاد كثير من المناوئين إلى رشده بعدما استبان لهم سلامتها وصدق هدف

стр. 83

الداعية لأن الحق أحق أن يتبع أما أولئك المناوئون فقد ماتت أسماؤهم ومات معها كل ما قالوه ولا يكاد الناس يعرفون عن أغلبهم إن لم نقل كلهم إلا من فحوى رسائل الشيخ محمد ﵀. هذا في الدنيا وأما في الآخرة فالجزاء عند الله جلت قدرته لأنه هو الذي يعلم السرائر وما تخفي الصدور. وقد اعتبر الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ خصوم الشيخ ثلاثة أقسام: - ١- علماء مخرفون يرون الحق باطلاً والباطل حقاً ويعتقدون أن البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها من دون الله والاستغاثة بها وما أشبه ذلك دين وهدى ويعتقدون أن من أنكر ذلك فقد أبغض الصالحين وأبغض الأولياء وهو عدو يجب جهاده. ٢- وقسم آخر من المنسوبين للعلم: جهلوا حقيقة هذا الرجل ولم يعرفوا عنه الحق الذي دعا إليه بل قلدوا غيرهم وصدقوا ما قيل فيه من الخرافيين المضللين وظنوا أنهم على هدى فيما نسبوه إليه من بعض الأولياء والأنبياء ومن معاداتهم وإنكار كراماتهم فذموا الشيخ وعابوا دعوته ونفروا عنه. ٣- وقسم آخر خافوا على المناصب والمراتب فعادوه لئلا تمتد أيدي أنصار الدعوة الإسلامية إليهم فتنزلهم عن مراكزهم وتستولي على بلادهم (١) . ومن أبرز خصوم الدعوة الذين صاروا يكاتبون الآفاق ويفترون على

стр. 84

الشيخ أشياء لم يقلها ثم لما ضاق بهم المكان وعرف الناس حقيقة دعوة الشيخ محمد واتبعوها لأنها دين الله الخالص , لم يسعهم إلا مغادرة الديار إلى أماكن أخرى ليوصلوا عملهم ويجدوا ميداناً أرحب يصولون ويجولون فيه فموهوا على كثير من المسلمين واغتر بهم بعض العلماء هناك من دون روية أو تبصر. ونذكر من أولئك بعض الأسماء باختصار: ١- سليمان بن محمد بن سحيم الذي جاء ذكره في كثير من رسائل الشيخ بأنه يكتب للأمصار في النيل من الشيخ ومهاجمة دعوته حيث يصور للناس برسائله أشياء لم تقع من الشيخ وليس لها أصل , كان من علماء الرياض وبعد سقوط الرياض في يد الدولة السعودية الأولى غادر للأحساء ثم الزبير بالعراق وقد توفي هناك وفيها أولاده عام ١١٨١ هـ (١) . كما روى هذا العداء للدعوة من آل سحيم لعدة رجال وكلهم بيت علم ذلك الوقت في مدينة المجمعة وفي الرياض ولعل السر في هذا من حسد العلماء وغيرتهم لأن الشيطان حريص بدخول المنافذ على الإنسان مهما كانت. ٢- محمد بن عبد الله بن فيروز النجدي أصلاً الأحسائي مولوداً , كان من العلماء الأعلام وقد اهتم به والي البصرة العثماني عبد الله أغا لما انتقل إليها وسكنها وبقي بها حتى آخر حياته عام ١٢١٦ هـ , حيث دفن بالزبير وقد خرج من الأحساء عندما أوشكت جيوش آل سعود أن تدخلها لأنه ناوأ

стр. 85

الدعوة منذ بدايتها فوجد عند الوالي ما يعينه على تحريض السلطان العثماني بالقضاء على الدعوة وقمعها (١) وقد أيده في هذا المسلك بعض تلاميذه ماعدا: محمد بن رشيد العفالقي الذي هاجر للمدينة فلما دخلها الإمام سعود بن عبد العزيز أكرمه كعادته في إكرام العلماء وجعله على قضاء المدينة فأحب الدعوة السلفية وكان من دعاتها وظهرت جهوده في مصر بعد أن سكنها فأحبه الناس هناك وله دور كبير في تعريف الناس بالسلفية وتوفي بالقاهرة سنة ١٢٥٧ هـ (٢) . ٣- محمد بن عبد الرحمن بن عفالق له مكانة علمية في الأحساء يرتاده طلاب العلم وقد توفي بالأحساء سنة ١١٦٣ هـ وقد أدرك أول دعوة الشيخ محمد ﵀ فعاداها وكتب إلى الشيخ رسالة يتحداه فيها بأن يبين له ما تحتوي عليه سورة العاديات من المجاز والاستعارة والكناية وغيرها من العلوم البلاغية , حيث صح في اعتقاده أن استحضار النكت البلاغية والاصطلاحات البيانية هي الوسيلة الوحيدة على تحقيق ما يجب لله تعالى على عباده من معرفته ومعرفة توحيده وإخلاص العبادة له كما قال الشيخ عبد الله بن بسام عند ترجمته لحياته (٣) ٤- عبد الله بن عيسى المويسي قاضي حرمة الذي جاء ذكره في رسائل الشيخ كثيراً فأخذ الشيخ محمد يحذر الناس منه ويبين أعماله وقد توفي ببلده عام ١١٧٥ هـ (٤) وذلك قيل انتشار الدعوة أو اتساع دائرتها في الجزيرة العربية.

стр. 86

٥- عثمان بن عبد العزيز بن منصور الذي درس في العراق ومن أشهر مشايخه داود بن جرجيس , ومحمد بن سلوم الفرضي , وهما من أشد خصوم الدعوة وبين ابن جرجيس وعلماء نجد ردود ومنافرات حول هذه الدعوة قال ابن بسام في ترجمته: والمترجم له متردد في اتجاهه العقدي فمرة يوالي الدعوة السلفية وينتسب إليها وأخرى يبتعد عنها ويوالي أعداءها ولذا فإنه لما وصل نجداً داود بن جرجيس الذي أخذ يقرر استحباب التوسل بالصالحين من الأموات والاستعانة بهم ونحو ذلك مما يخالف صافي العقيدة ناصره وصار يثني عليه ويمدح طرقته وقرظ كتابه وأثنى على نهجه بقصيدة بلغت ستة وثلاثين بيتاً وقد رد عليه بقصائد مماثلة بالوزن والقافية أكثر من سبعة علماء من نجد (١) ٦- محمد بن عبد الله بن حميد المولود في عنيزة سنة ١٢٣٢ هـ ومفتي الحنابلة في مكة إلى أن توفي بالطائف سنة ١٢٩٥ هـ ذكر ابن بسام في ترجمته لحياته قائلاً: إن المترجم له بحكم وظيفته تبع الدولة العثمانية - مفتي الحنابلة بالحرم المكي - التي حابت العقيدة السلفية وبحكم وجود المترجم له بعد النكبة التي أصابت الدعوة السلفية في بلادها فقضت عليها وكثرت أعداءها والموالين لأضدادها وبحكم قراءته خارج نجد على علماء نذروا أنفسهم لمحاربة هذه الدعوة فإن هذه المؤثرات طبعته بطابعها الخاص وجعلت منه خصماً لها وحليفاً لأعدائها (٢) ٧- مربد بن أحمد التميمي الذي ناوأ الدعوة ثم سافر على اليمن سنة ١١٧٠ هـ وبدأ يبث التشويه لسمعة الدعوة ودعاتها والقائمين عليها وبقي هناك حوالي عشرة أشهر وفارقهم إلى الحجاز مع الحجاج.

стр. 87

وقد قال عنه ابن بسام عند ترجمته: والقصد أن هذا الرجل وأمثاله ممن ناوأوا الدعوة الإصلاحية هم الذين شوهوا سمعتها وألصقوا بها الأكاذيب وزوروا عليها الدعاية الباطلة حتى اغتر بهم من لا يعرف حقيقتها ولا يخبر حالها فرميت بالعداء عن قوس واحد إما من الحاسدين الحاقدين وإما من المغرورين المخدوعين وإما من أعداء الإصلاح والدين حتى غزتها الجيوش العثمانية في عقر دارها فأوقفت سيرها وشلت نشاطها بالقضاء على دعاتها وإبادة القائمين عليها من ملوك الحكومة السعودية الأولى ورجال العلم من أبناء الشيخ محمد وأحفاده حتى شاء الله تعالى انبعاثها مرة أخرى هيأ الله لها البطل المغوار الإمام تركي بن عبد الله, الذي قاوم الجيوش التركية حتى طهر البلاد منها (١) ولا تزال بحمد الله في طريق آمن وممهد ومن أثرها الأمن الذي تنعم به البلاد في ظل تطبيق الشريعة الإسلامية السمحة. وقال في نهاية ترجمته إنه عاد من الحجاز إلى بلده حريملاء ولكن الإمام محمد بن سعود تغلب عليه فهرب منها فلما وصل بلدة رغبة أمسكه أميرها علي الجريسي وقتله وذلك في عام ١١٧١ هـ (٢) . ٨- وهناك علماء آخرون لم يعرف عنهم التحدي للدعوة لكنهم يميلون مع خصومها في البلاد التي انتقلوا إليها أمثال: محمد بن علي بن سلوم الفرضي الذي انتقل من سدير إلى الزبير بالعراق متعاطفاً مع شيخه محمد بن فيروز حيث توفي بالعراق هو وابناه عبد الرازق وعبد اللطيف اللذان أصبحا من أعلام علماء سوق الشيوخ والبصرة في وقتها. وإبراهيم بن يوسف الذي تعلم في دمشق م سكنها وكان له حلقة علم في الجامع الأموي وقتل في ظروف غامضة هناك عام ١١٨٧ هـ ,

стр. 88

وراشد بن خنين الذي انتقل من الخرج إلى الأحساء ومات هناك بغير عقب (١) . وغيرهم ممن جاء ذكرهم في رسائل الشيخ كابن إسماعيل وابن ربيعة وابن مطلق وابن عبد اللطيف وصالح بن عبد الله وغيرهم وقد بلغ ماجمع من رسائله التي توضح دعوته ﵀ والرد على ما قيل نحوها من افتراءات واحد وخمسون رسالة , وطبعت في ٣٢٣ صفحة ضمن مجلد واحد وهي ذات فائدة كبيرة لمن يريد التحقق عن كثب عن كنه الشيخ ودعوته ولا ريب أن كثيراً من ناوأها عندما استبانت له الحقيقة رجع عن رأيه السابق لأن الحق أحق أن يتبع. الهدف من التسمية: - لئن كان مسعود الندوي ﵀ في كتابه " محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه " قد قال: إن من أبرز الأكاذيب على دعوة شيخ الإسلام تسميتها بالوهابية ولكن أصحاب المطامع حاولوا ن هذه التسمية أن يبثوا أنها دين خارج على الإسلام واتحد الإنجليز والأتراك والمصريون فجعلوها شبحاً مخيفاً بحيث كلما قامت أي حركة إسلامية في العالم الإسلامي في القرنين الماضيين ورأى الأوروبيون فيها خطراً على مصالحهم ربطوا حبالها بالوهابية النجدية وإن ناقضتها (٢) فإن الشيخ أحمد بن حجر قاضي المحكمة الشرعية الأولى بقطر قد ربط افتراءات بعض المتكلمين الحنابلة السابقين بالافتراءات على الشيخ محمد

стр. 89

لأن المخالفين لا ينقصون من قدر الآخرين إلا بالافتراء عليهم وكذلك المستعمر لا يجد طريقاً في القضاء على الحركات الإسلامية إلا بمثل هذا الأسلوب. وكان مما قاله الشيخ أحمد في كتابه " نقض كلام المفترين الحنابلة السلفيين ": ((ونسبوا إلى الشيخ وإلى أتباعه أنهم لا يجعلون للرسول ﷺ حرمة بل يقول أحدهم عصاي خير من الرسول. ولا يرون للعلماء ولا الصالحين مقاماً وينكرون شفاعة الرسول ﷺ ويحرمون زيارة القبور وقبور سائر المؤمنين ولا يرون الصلاة على الرسول ﷺ ولا يعتنون بكتب الأئمة بل يحرقونها ويتلفونها ولا يرون تقليدهم جائزاً ويكفرون المسلمين من قرون عديدة سوى من كان على معتقدهم ويحرمون قراءة المولد النبوي)) (١) إلى غير ذلك من المزاعم. والجواب أن هذه الأشياء المنسوبة إليهم كلها كذب لا نصيب لها من الصحة أبداً وهذه كتبهم مطبوعة تباع وتوزع فمن أراد أن يعرف كذب هذه المزاعم فليقرأ كتبهم (٢) . ومن هنا ندرك السر في الإصرار على لقب الوهابية وإشاعة أنهم مذهب خامس لأن علماء المغرب قد اكتووا بنار الوهابية الرستمية الخارجية الأباضية التي قامت هناك وأسسها عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم في آخر القرن الثاني وبداية القرن الثالث الهجري ولديهم فتاوى حولها ومذهب أهلها كما أوضحنا من قبل. فهي ثوب جاهز ما على أعداء الدعوة إلا خلعه على هذه الدعوة الجديدة

стр. 90

من باب التنفير واختصار الطريق لأنه لا يخدم المستعمر في ديار الإسلام إلا أصحاب البدع والخرافات. أما العلماء من أصحاب المصالح فتمسكوا بما قيل من افتراءات وألصق من شبهات رغم أن الحوار والنقاش ينفي تلك التهم وأنها لا أساس لها من الصحة ويتبرأون منها وما ذلك إلا أن الهوى يعمي ويصم. ولكي يؤكدوا صحة ما وضعوا من شبهات استغل أعداء الدعوة ما صار بين الشيخ محمد وأخيه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب من خلاف بادئ الأمر حيث عارضه سليمان شأنه شأن طلبة العلم في منطقة نجد وخارجها عدم الاستجابة إلا بعد معرفة الحقيقة فإذا استبان الرشد رجعوا للحق مذعنين. والشيخ سليمان أيضاً ممن اقتنع بحقيقة الدرب الذي سار فيه أخوه وسلامة المقصد فصار من مؤيديه بعد ذلك. نقول استغل الخصوم ذلك فألفوا رسالتين نسبتا إلى سليمان هذا هما " الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية " و " فصل الخطاب في الرد على محمد بن عبد الوهاب " بينما المتتبعون للأمر ينفون ذلك عن سليمان وإنما قصد إلصاقها بسليمان لزيادة التنفير بأن أخاه سليمان وهو أقرب الناس أنكر عليه بينما واقع الحال أنه تابعه ووفد إليه معتذراً في الدرعية. وكدليل آخر على كذب هذه المؤلفات وعدم صحة نسبتها لسليمان أن لقب الوهابية لم تتفتق عنه الحيلة إلا مع الحملات التركية المصرية بقيادة إبراهيم باشا على نجد وبعد موت الشيخ محمد بأكثر من عشرين سنة وبعد موت سليمان أيضاً. بدليل أن " ني بور " المعاصر الأوروبي للشيخ محمد لم يستعمل اصطلاح الوهابية أصلاً وقال مسعود الندوي عنه: ويظهر من

стр. 91

هذا اصطلاح الوهابية لم يكن معروفاً إلى ذلك الوقت ولكنه يسمي دعوة الشيخ بدين جديد New ﷺ eligion مع أنه في النهاية يعبر عن مذهب محمد بن عبد الوهاب الجديد بالمحمدية. وأن أول ذكر للوهابية جاء عند " برك هارت " الذي جاء الحجاز بعد استيلاء محمد علي في سنة ١٢٢٩ هـ كما جاء ذلك عند الجبرتي في تاريخه (١) . وكما جاء أيضاً في رحلة سادلير التي مر بنا ذكرها. وقرينة ثالثة فلو كان سليمان بن عبد الوهاب ممن رد على أخيه وناوأ الدعوة فإن اسمه سوف يتكرر في الردود وسيأتي له ذكر أسوة بأسماء من ناوأها ولو لفترة حيث الجدل والنقاش مستمر وإنما هو ثوب ألبس لسليمان هذا ولم يكن له , كما ألبست الدعوة اصطلاحاً لا يربطها به صلة , لتنافر ما بين دعوة الشيخ محمد والوهابية الرستمية الخارجية , من حيث المعتقد والمحتوى والمكان والطريقة والاستشهاد بالدليل الشرعي ولذا لم يرد له ذكر في ذلك مما يدل على براءته من ذلك. فالوهابية الرستمية تخالف معتقد أهل السنة والجماعة كما هو معروف عنهم من الدارسين لحالهم؟ , بينما الشيخ كما يقول بنفسه في رسائله وتشهد به جميع كتبه وكتب أبنائه وتلاميذه: متبع وليس بمبتدع يسير وفق مذهب أهل السنة والجماعة ويدعو رأيه بالدليل الصحيح من كتاب الله الكريم وسنة رسوله المصطفى ﷺ وما انتهجه السلف الصالح من القرون المفضلة كما هو واضح القياس في جميع كتبه ورسائله. وقرينة رابعة: فإن مخالفة سليمان بن عبد الوهاب لأخيه كانت في بداية أمر الشيخ محمد , ووقتها لم تتعد الردود الكلام الشفوي والمراسلات

стр. 92

الصغيرة , وابن غنام ممن رصد ذلك بتاريخه وقد عاصرهما وتوفي بعدهما بزمن ولم يذكر من ذلك شيئاً رغم أنه ذكر المخالفين للشيخ. هذا من جانب ومن جانب آخر فإن كلمة الوهابية نسبة لوالدهما سوياً ولا يمكن أن يكون لسليمان الابتداع في إطلاقها لأنه لم يرد على والده من جهة ومن جهة أخرى فإنه يدرك أن النسبة خطأ لأنها من نسبة الشيء إلى غير أصله فال يمكن أن تقول للمكي إنه مدني ولا للمغربي أنه هندي وإن أطلقت تجاوزاً فهما يشتركان فيها , الراد والمردود عليها. وهذه لا تنطلي على سليمان بن عبد الوهاب إذا كان هو صاحب الرد حقيقة. وقرينة خامسة: أن الكاتبين عن الدعوة في وقتها حيث لفتت الأنظار من الغربيين وغيرهم مثل " ني بور " ممن عاصرها الذي وصل إلى الأحساء فقد كان يسميها المحمدية نسبة إلى محمد ابن عبد الوهاب وتارة يسميها الدعوة الجديدة. وهذان الاسمان لا يحققان الغرض المقصود باستثارة العامة و " برك هارت " الذي وصل الحجاز عام ١٢٢٩ هـ وقابل محمد علي وأثنى على هذه الدعوة ومكانتها العقدية وسلامتها من الشوائب وانتقد من يخافها فيما رصده برحلته. مما يبرهن على أن الحيلة قد تفتقت عن اسم يراد به الإثارة. ويعطي شرعية على تحريك الجيوش , وتجريد الحملات ضد هذه الدعوة بمثل هذا اللقب الجديد الذي لابد أن يكون له جذور تستولي على المشاعر وإثارة الحماسة. ولذا سبقت هذه التسمية الحملات من أجل إرهاق الناس بالضرائب ودعوتهم للبذل والإنفاق كما ذكر الجبرتي في تاريخه من أقاويل عنهم بوجوب قتال الخوارج , وبأن الوهابية الأباضية الخارجية قد عادت للظهور فيجب بذل المستطاع لمحاربتها.

стр. 93

هذا من أهم بواعث نفض الغبار عن ذلك اللقب الكامن في سجلات التاريخ ولذا فإنه قد كذب على سليمان بن عبد الوهاب تأليف هذه الرسالتين بعد موته بزمن. كما زيفت في الوقت الحاضر مذكرات " همفر " الذي قيل عنه بأنه جاسوس بريطاني وعن علاقته بالشيخ محمد بن عبد الوهاب حيث لم يعرف لذلك أصل ولم يسمع بهذا الشخص من قبل. وهذا من الادعاءات التي لا برهان عليها أو دليل يؤيدها ... والكذب لا حدود له. وأعداء الإسلام يهتمون بإثارة مثل هذا لما فيه من بلبلة للأفكار وتحريك للفتن ونزع للثقة من كل داعية مخلص. وصحافة اليوم دليل قاطع على هذا المنهج في الإثارة وكثرة الافتراءات على كثير من الدول لأن منهجها يخالف الآخرين. ذلك أن الدين الحق الصافي من الشوائب كلما برز وبدأ الناس يميلون إليه لما فيه من تخليص للنفوس والمجتمعات من السلبيات التي تدخل على دين الإسلام وهو منها براء , ينزعج أعداء الإسلام من ذلك العمل الذي يؤلف القلوب فيحركون أعوانهم لمباعدة هذا الاقتراب , كما تحس هذا عندما قام الفلسطينيون بانتفاضتهم بالحجارة والهتافات ... فقد انزعج اليهود من الدعوة للجهاد التي هتفت بها الأطفال ومن ترديدها لكلمة " الله أكبر " وأشاعوا في العالم بوسائل إعلامهم أن التمرد شيوعي ليصرفوا النظر عن الاتجاه الإسلامي الذي خشاه اليهود.. فما أشبه الليلة بالبارحة. والأمثال في ذلك كثيرة في كل مكان وزمان: فهذا الوتري المولود بالمدينة عام ١٢٦١ هـ والذي رأى الأستاذ أحمد العماري الذي حقق رسالته في

стр. 94

محاكمة السلفية الوهابية بالمغرب في تساؤلاته حول هذه الرسالة بما نصه: ألا يكون الوتري أراد من مرافقته هاته ومحاكمته متابعة السلفية بالمغرب كما تابعها بالمشرق حسب الإشارات التي وردت عنده بالرسالة؟ لماذا يتحيز للسلطان التركي وللوالي على مصر ضد محمد بن عبد الوهاب فهل هو تزمت شديد للطرقية على حساب السلفية , أو توجد خلفيات أخرى وراء التحامل؟ نحاول أن نجيب على هذه الأسئلة من خلال عرض الأسباب التي جعلت الوتري يكتب رسالته (١) إذا فكل من كتب كان لسبب دفعه وهدف وجه إليه. فقد تأثر أمثال الوتري باهتمام أهل المغرب بالدعوة السلفية بعد أن وصلت رسالة الإمام سعود بن عبد العزيز في عام ١٢٢٥ هـ حيث عهد المولى سليمان العلوي للأديب السيد حمدون بن الحاج الفاسي الإجابة عليها وقد أرفق بالجواب قصيدة مدح فيها ابن سعود وقد أكد أبو عبد الله محمد الكنسوس أن حمدون بن الحاج أجاب ابن سعود ومدحه بأمر من السلطان سليمان وبرهن على ذلك بأمور مقنعة ثم ذكر المحقق بعضاً من هذه الميمية في مدح سعود ومنها: إن قمت فينا بأمر لم يقم أحد *** به فجوزيت ما يجزاه ذو نعم بقطع أهل الحروب بالحجاز بأن *** يقتلوا أو يصلبوا بلاوهم أو أن تقطع أيديهم وأرجلهم *** عن الخلاف أو أن ينفوا من أرضهم

стр. 95

حتى جرى الماء في بلد الحجاز بأن *** طلعت سعد سعود غير ملتثم لاشيء يمنع من حج ومعتمر *** وزورة يكمل المأمول من حرم إذ عاد درب الحجاز اليوم سالكه *** أهنأ وأمن من حمامة الحرم مذُ لاح فيه سعود ماحياً بدعاً *** قد أحدثتها ملوك العرب والعجم (١) من نتائج الخصومة: - لقد كانت العيينة التي ارتبطت باسم الشيخ محمد وتحركت منها دعوته الأولى , قلعة علمية يرتادها طلاب العلم ورواد المعرفة ويجاورها من الشرق بلدة صغيرة اسمها الجبيلة وقد التصقتا الآن في مدينة واحدة (٢) وبالجبيلة كانت توجد قبور الصحابة رضوان الله عليهم الذين قتلوا في حروب الردة حيث قرب المكان من مواقع معارك اليمامة التي أعز الله فيها دينه بقتل مسيلمة الكذاب. ومع الجهل وطول الزمن وضعف العقيدة في النفوس اتخذ الناس عليهم المباني ونصبت القباب على قبر زيد بن الخطاب وبقية الصحابة فصارت النذور تقدم لهم والقرابين تدفع ضدهم وقصدهم الناس من دون الله. والذي يرجع لمبدأ البناء على القبور في العالم الإسلامي يراه مرتبطاً بقيام دولة القرامطة في الجزيرة العربية والفاطميين في المغرب ثم في مصر

стр. 96

ولكن العلماء لا يحركون ساكناً لأن جوهر العقيدة وهو المحرك لذلك قد ضعف بل بلغ الأمر إلى الجهة التي لا يوجد فيها أولياء يبنى على قبورهم كان الناس يبحثون عن شئ يتعلقون به كالشجر والحجر والمغارات وغيرها. ومن يدرك من العلماء ضرر ما وقع فيه الناس من خلل وبعد عن العقيدة الصافية فإنه تنقصه الشجاعة في إظهار الأمر ولا يستطيع الجهر خوفاً من العامة التي تدعمها السلطة. لكن الشيخ محمد ﵀ أدرك هذا وهو لا يزال طالباً إذ بدأ ينمي الشجاعة في نفسه ويوطنها على التحمل في سن مبكرة ويبين ما يحب إيجابه كلما عرض له مناسبة في مثل هذه المواقف. ١- عندما كان يدرس في العيينة كان أحد أساتذته إذا أراد بدء درسه همهم بدعاء يستعين فيه بزيد بن الخطاب ويطلب منه المدد فكان محمد يرد بصوت خفيف لا يسمعه غير هذا الأستاذ لينبهه: الله أقدر من زيد. ومع الزمن ترك الأستاذ تلك العادة ثم استدعاه ونصحه بالرفق فيما هو مقبل عليه مع الحلم في دعوة الناس لأن تغيير ما ألفه الناس وإن كان باطلاً يحتاج إلى علم مقرون بحلم وشجاعة. ٢- وعندما كان يطلب العلم في مكة كان يجلس في حلقة أحد المشايخ الذي أعجب به وبذكائه وكان هذا الشيخ إذا قام من كرسيه بعد انتهاء الدرس يقول: يا كعبة الله. فأراد محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن يلفت نظر الشيخ وبرفق لهذا الخطأ العقدي. فجاء إليه يوماً مبكراً وقبل وصول الطلاب وقال له: أريد أن أقرأ عليك شيئاً من حفظي في القرآن فرحب الشيخ بذلك: فقرأ عليه سورة قريش فلما وصل إلى الآية:

стр. 97

﴿فليعبدوا رب هذا البيت﴾ قرأها فليعبدوا هذا البيت فرد عليه الشيخ الخطأ وصحح له ولكنه أعادها ثلاثاً بنفس الخطأ فقال له الشيخ: أنت ذكي فلماذا كررت الخطأ وهذا لا يصح لأن العبادة لله لا للبيت فقال: يا شيخ معذرة فقد تأثرت بك. فقال عجيب وماذا قلت؟ فأخبره بما يقول كلما قام. قال الشيخ هذا خطأ وقد قلدت غيري فيه من دون روية واستغفر الله من ذلك. وأبطل هذه العادة. ثم قال له: سيكون لك شأن ولكن عليك بالتحمل والصبر. ٣- أما في الزبير بالعراق فقد آذوه وطردوه لأنه أنكر عليهم التمسح والتوسل بقبر الزبير بن العوام الذي سميت البلدة باسمه. ٤-وعندما كان يدرس تلاميذه في الدرعية التوحيد وأيقن أنهم قد أدركوا ذلك أراد اختبارهم وكان بعد صلاة الفجر فقال في أول الدرس لطلابه لقد سمعت ضجة ليلة البارحة في أحد أحياء المدينة وصباحاً فماذا ترون قد حصل؟ فاهتم التلاميذ بالمساهمة والحماسة إذ لعله سارق أو مجرم أو شخص يتعدى على أعراض الناس. وفي اليوم التالي: سألهم هل عرفتم الأمر وماذا ترون جزاءه. فقالوا: لم نعرف ولكن يجب أن يجازى بأقصى العقوبات الرادعة. فقال الشيخ محمد مهوناً الأمر أمامهم ليعرف نتائجه في نفوسهم: أما أنا فقد عرفت: ذلك أن امرأة نذرت أن تذبح ديكاً أسود للجن إن عوفي ابنها من مرض لم به وقد عوفي فتعاونت مع زوجها على ذبح الديك فهرب منهم وصاروا يلاحقونه من سطوح المنازل حتى أمسكوه وذبحوه بدون تسمية للجن كما أخبرها بذلك أحد المتعاطين للسحر.

стр. 98

فهدأت ثائرة الطلاب. فلما رأى هذا منهم. قال: إنكم لم تعرفوا التوحيد الذي درستم. لما كانت المسألة جريمة يعاقب عليها الشرع بالحد الموضح نوعه في كتب الفقه أهمكم الأمر وتحمستم له ولما أصبح الموضوع يتعلق بالعقيدة هدأتم بينما الأول معصية أما الثاني فشرك والشرك يقول الله فيه ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (سورة النساء آية ٤٨) إذاً سنعيد دراسة التوحيد من جديد ثم جاءته فكرة إعداد كتاب التوحيد وتقريره على طلابه من تلك الحادثة. لقد نتج عن دعوة الشيخ أمور منها: بالنسبة لمن يريد أن يسترشد فإنه قد كتب بعضهم للشيخ مستوضحاً عما وصله من أخبار الشيخ ومستجلباً للإجابة عن الشبهات التي نسبت للشيخ ووصل إليهم علمهم. ورسائل الشيخ التي أشرنا إليها من قبل تنبئ عن ذلك ولذا فإن من فطنة الشيخ أن يخبرهم بأسماء من أشاعها من طلبة العلم في زمانه ويوضح لهم ما يجب عليهم. أما العلماء الذين يريدون الوصول للحقيقة فكانت كتاباتهم للشيخ تتسم بعمق النظرة وتركيز السؤال حيث يحكمون على الشيخ من إجابته المدعومة بالدليل الشرعي نقلا من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أو عقلاً بما هو مدرك ومحسوس. وهؤلاء الطلاب في الغالب الأعم عندما يتبين لهم الحق يتبعونه ويركنون إليه وتعتبر بمثابة التعليم لهم والإرشاد كما في رسالته إلى

стр. 99

محمد بن عيد من مطاوعة ثرمداء (١) ورسالته إلى البكيلي في اليمن (٢) ورسالته إلى عبد الله بن سحيم مطوع المجمعة (٣) وغيرها. أما الحكام الذين هدفهم حقيقة الدفاع عن دين الله ورد الشبهات التي تثار حوله فإنهم يتخذون المناظرة طريقاً للوصول للهدف ولا يجري المناظرة إلا من لديه استعداد بالرجوع للحق إذا استبان له كما حصل لهذه الدعوة مع علماء مكة التي جرت على إثرها مناظرة بين علماء مكة وعلماء من الدرعية منهم الشيخ محمد بن معمر , والشيخ عبد العزيز الحصين. وقد كانت النتيجة قناعة علماء مكة بسلامة منهج هذه الدعوة وصحة الخط الذي تسير فيه (٤) ومع ملوك المغرب فقد كتب الشيخ محمد رسالة لأهل المغرب (٥) ثم رسالة أخرى قال عنها أبو العباس الناصري في كتابه التاريخي " الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى " وفي هذه المدة أيضاً وصل كتاب عبد الله بن سعود الوهابي النابغ بجزيرة العرب , المتغلب على الحرمين الشريفين المظهر لمذهبه فيها إلى فاس المحروسة بكتاب لأن ابن سعود لما استولى على الحرمين بعث كتبه إلى الآفاق كالعراق والشام ومصر والمغرب يدعوا الناس إلى اتباع مذهبه والتمسك بدعوته ... ثم شكك المؤلف هل الرسالة أصلها لتونس حيث بعث مفتيها نسخة إلى فاس. أم أنها موجهة

стр. 100

للسلطان المولى سليمان العلوي بالقصد إلا أن نسخة منه وردت بواسطة علماء تونس (١) . ومن باب الإيضاح: فإن هذه الرسالة قد بعثها الإمام سعود بن عبد العزيز بع أن استولى على المدينة في عام ١٢٢٠ هـ لأن الشيخ محمد قد توفي في عام ١٢٠٦ هـ وقد وجدت نسخة من هذه الرسالة منشورة باللغة العربية في صحيفة (اسلاميكا) الألمانية ISLAMICA العدد الأول المجلد السابع الصادر في عام ١٩٣٥ م ضمن مقال مطول باللغة الألمانية لأحد المستشرقين عن الوهابية بالمغرب. وهذه الرسالة لشرح حقيقة التوحيد وما تنطوي عليه دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتقع في ثلاث صفحات (٢) ولقد كان لهذه الرسالة صدى لدى حكام المغرب العلويين الذين قامت دولتهم لمحاربة النصارى والنهوض بالمغرب الأقصى منذ عام ١٦٣١ م الموافق لعام ١٠٤١ هـ (٣) . ففي عام ١٢٢٦ هـ - يقول الناصري: - وجه السلطان المولى سليمان ﵀ ولده الأستاذ الأفضل المولى أبا إسحاق إبراهيم بن سليمان إلى الحجاز لأداء فريضة الحج مع الركب النبوي الذي جرت العادة بخروجه

стр. 101

من فاس على هيئة بديعة من الاحتفال ... وكانت الملوك تعتني بذلك وتختار له أصناف الناس من العلماء والأعيان والتجار والقاضي وشيخ الركب وغير ذلك مما يضاهي ركب مصر والشام وغيرهما فوجد السلطان ولده المذكور في جماعة من علماء المغرب وأعيانه مثل الفقيه العلامة القاضي أبي الفضل بن العباس بن كيران , والفقيه الشريف البركة المولى الأمين بن جعفر الحسني الرتبي , والعلامة الفقيه الشهير أبي عبد الله محمد العربي السواحلي وغيرهم من علماء المغرب (١) إلى أن قال: ولما اجتمع (٢) بالشريف المولى إبراهيم أظهر له التعظيم الواجب لأهل البيت الكريم وجلس معه كجلوس أحد أصحابه وحاشيته وكان الذي تولى الكلام عه الفقيه القاضي أبو إسحاق إبراهيم الزداغي فكان من جملة ما قال ابن سعود لهم: إن الناس يزعمون أننا مخالفون للسنة المحمدية فأي شئ رأيتمونا خالفنا من السنة وأي شئ سمعتموه عنا قبل اجتماعكم بنا فقال القاضي: بلغنا أنكم تقولون الاستواء الذاتي المستلزم لجسمية المستوى: فقال لهم: معاذ الله إنما نقول كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم , والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة فهل في هذا مخالفة؟ قالوا: لا. وبمثل هذا نحن أيضاً نقول ثم قال القاضي: وبلغنا أنكم تقولون بعدم حياة النبي ﷺ وحياة إخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم , فلما سمع ذكر النبي ﷺ ارتعد ورفع صوته بالصلاة عليه. وقال معاذ الله إنما نقول إنه ﷺ حي في قبره وكذا غيره من الأنبياء حياة فوق حياة الشهداء ثم قال القاضي: وبلغنا أنكم تمنعون من زيارته ﷺ وزيارة سائر الأموات مع ثبوتها في الصححاح التي لا يمكن إنكارها فقال معاذ الله أن ننكر ما ثبت في شرعنا وهل منعناكم أنتم لما

стр. 102

عرفنا أنكم تعرفون كيفيتها وآدابها وإنما نمنع منها العامة الذين يشركون العبودية بالألوهية ويطلبون من الأموات أن تقضي لهم أغراضهم التي لا تقضيها إلا الربوبية وإنما سبيل الزيارة الاعتبار بحال الأموات وتذكر مصير الزائر إلى ما صار إليه المزور ثم يدعو له بالمغفرة ويستشفع به إلى الله تعالى (١) ويسأل الله تعالى المتفرد بالإعطاء والمنع هذا قول إمامنا أحمد ابن حنبل رضى الله عنه ولما كان العوام في غاية البعد عن إدراك هذا المعنى منعناهم سداً للذريعة فأين مخالفة السنة في هذا القدر. ثم قال صاحب الجيش: هذا ما حدث به أولئك المذكورون سمعنا ذلك من بعضهم جماعة ثم سألنا الباقي أفراداً فاتفق خبرهم على ذلك (٢) . ثم قال المؤلف: وأقول بأن السلطان المولى سليمان ﵀ كان يرى شيئاً من ذلك ولأجله كتب رسالته المشهورة التي تكلم فيها على حال متفقرة الوقت وحذر فيها ﵁ من الخروج عن السنة وتغالي العوام في ذلك وأغلظ فيها مبالغة في النصح للمسلمين جزاه الله خيراً (٣) وقد نشأ عن اهتمام ملوك المغرب بالاتجاه السليم في العقيدة لأنهم يبحثون عن الحكمة التي ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها أن رأينا منهم اهتماماً كبيراً بتنقية العقيدة: ١- فهذا السلطان سيدي محمد بن عبد الله العلوي وصفه المؤرخ

стр. 103

الفرنسي شارلي جوليان في كتابه تاريخ إفريقيا الشمالية تعريب محمد المزالي والبشير بن سلامة بقوله: وكان سيدي محمد وهو التقى الورع على علم بواسطة الحجيج بانتشار الحركة الوهابية في الجزيرة العربية وتأييد عائلة آل سعود لها وقد أعجب بصرامتها وكان يؤثر عنه قوله: " إني مالكي المذهب وهابي العقيدة " ومضت به حماسته الدينية إلى الإذن بإتلاف الكتب المتساهلة في الدين حسب رأيه والمحللة لمذهب الأشعرية وتهديم بعض الزوايا مثل زاوية بوجاة (١) وقد توفي هذا السلطان في شهر رجب من عام ١٢٠٤ هـ (٢) ٢- والسلطان سليمان التي مرت بنا مناظرته قد أحب هذه الدعوة وعمل جاهداً على إصلاح وضع المغرب برسالته التي عمم وبمحاربته للطرق الصوفية المنحرفة " المربوطية (٣) وكانت وفاته عام ١٢٣٨ هـ كما قال بذلك الناصري في كتابه الاستقصاء بعد أن أثنى على ديانته وسيرته وحرصه على محاربة الإلحاد والبدع (٤) . ٣- والسلطان الحسن الأول في عام ١٣٠٠ هـ وجه رسالة إلى الشعب المغربي يودع فيها القرن. ويتحدث عن ضرورة الرجوع على الكتاب والسنة ومحاربة البدع ويرغب في حسن العقيدة كما قال بذلك الدكتور عباس الجراري في محاضرة ألقاها بجامعة الرياض سنة ١٣٩٩ هـ حيث قال: إنه عاش في السنوات الأولى لهذا القرن في المغرب مع الدعوة السلفية على أيد أحد كبار العلماء المحدثين المغاربة وهو الشيخ أبو شعيب الدكالي الذي أقام بمكة مدة تزيد على عشر سنين وقام بتدريس الحديث في الحرم

стр. 104

المكي ثم عاد على المغرب حيث أصبح زعيماً للحركة السلفية لمدة تزيد على ربع قرن وبشر بالفكرة السلفية وحارب البدع والضلالات (١) . هذا على جانب اهتمام المسلمين بها في كل مكان وتحقيق طلبة العلم من صدق الهدف وبعدها عن مسارب البدع والخرافات التي أنكرها علماء الإسلام في كل مكان. ولقد زاد الأمر وضوحاً أن الناس في كل مكان ما كانوا ليقتنعوا إلا بما هو واضح يدعمه الدليل فوضح أمامهم أن محمد بن عبد الوهاب كغيره من الدعاة المصلحين جاء ليجدد الدعوة وينقي العقيدة من الفساد الذي أدخل عليها نتيجة الجهل أداء للأمانة ونصحاً للأمة ليعيد الناس بأعمالهم واعتقادهم إلى منهج السلف الصالح منذ عهد رسول الله ﷺ إلى نهاية القرن الثالث الهجري حيث بدأت البدع تدخل الصف الإسلامي نتيجة غلبة الأمم والتأثر بثقافات وأفكار الأمم والأخرى في معتقداتها ولضعف العلماء في أداء الأمانة. وتعتبر الدولة الفاطمية التي ناوأها أهل المغرب في القرن الرابع الهجري فاتجه شر في تاريخ البدع في المجتمع الإسلامي وقد أبان عن أعمالهم ابن عذارى المراكشي في تاريخه البيان المغرب في تاريخ الأندلس والمغرب وأتى بالشيء الكثير من سيرهم وأعمالهم حيث يرى أنهم ليسوا من نسل فاطمة الزهراء وإنما يعودون إلى اليهود وأنهم من اصل غير شرعي حيث اتصلوا بابن الحلاج وأخذوا عنه هذا المعتقد (٢)

стр. 105

وبعد فإذا كان الفقهاء ﵏ يقولون: الأصل براءة الذمة ورجال القانون في العصر الحاضر كلمتهم المعهودة تقول: المجرم برئ حتى تثبت إدانته , وأصدق من ذلك قول الله : ﴿فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ (سورة الحجرات آية ٦) فإن من مهمات طالب العلم عدم الانسياق خلف كل قول من دون تحقيق أو تثبت لأن زلة العالم كبيرة وانسياقه خلف آراء أصحاب الأهواء يزري بمكانته ويقدح في عدالته فلقد جاء في الأثر: إذا جاءك الخصم قد فقئت عينه فلا تحكم له فلعل الآخر قد فقئت عيناه. ذلك أن الخصومة في الرأي أو المعتقد أو الحقوق مداولة بين الطرفين فلا يصح أن يؤخذ الحكم من جانب ويترك الجانب الآخر وإلا أصبح في الحكم تحيز. وإصدار الحكم عدالة يجب التثبت منها والتروي في نتيجتها حتى لا تكون جائرة لأن منهجنا في الإسلام حفظ اللسان من الزلل والأعمال من الخطأ. وميزان ذلك الحفظ , عرض كل أمر على كتاب الله وسنة رسوله الكريم: ﴿فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول﴾ (سورة النساء آية ٥٩) والحق أحق أن يتبع.

стр. 106

يقول عمر بن عبد العزيز ﵀: - لأن أخطئ في العفو خير من أن أخطئ في العقوبة , هذا لرغبته ﵀ عدم إيجاد نفرة في المجتمع الإسلامي أفراداً وجماعات ولئن كانت هذه التسمية - الاصطلاحية - خطأ في النسبة والمعتقد كما كانت الآراء المنسوبة للشيخ محمد وأتباعه خطأ وتبرأوا من ذلك كتابة ومناقشة , فإن المتتبعين لذهه العقيدة السلفية هم أعرف بما تعنيه من دلالات واضحة من مصدري التشريع في دين الإسلام: كتاب الله وسنة رسوله الكريم ﷺ ولذا لم يتبرموا من هذا اللقب لإدراكهم بأن ما قيل ما هو إلا محض افتراء لا يثبت بالنقاش والمحاورة فهم متبعون للمحجة البيضاء التي ترك سيدنا رسول الله ﷺ أصحابه عليها ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك , وهي مأخوذة من قوله ﷺ وعمله وتقريره , وبعد التوثق من ذلك صحة وسنداً. فهذا عمران بن رضوان , وهو من مسلمي خارج الجزيرة , وعلماء بلدة لنجه , عندما بلغته هذه الدعوة وتحقق عنها مدحها بقصيدة جاء فيها هذا البيت (١) . إن كان تابع أحمد متوهباً *** فأنا المقر بأنني وهابي وما ذلك غلا هذا اللقب كما قال العالم العراقي محمد بهجت الأثري: من وحي أعداء الإسلام , والذين كانوا يظنون أن العالم الإسلامي قد صار جثة هامدة لا حراك بها ولابد أن تكون الدول الاستعمارية هي الوارثة لأرضه وكنوزه ومعادنه وخيراته , فوضعت هذه الدعوة الجديدة التي انبعثت

стр. 107

من قلب جزيرة العرب مدوية لجمع شمل المسلمين وإنقاذهم من المهالك في ثورة الطائفية التي تزيد أرقام الطوائف رقماً جديداً أي عكست الحال فنبزتها بالوهابية وأذاعت هذا النبز الأنباء الذائعة الشهرة فتلقفته الأسماع ورددته الألسن وراق الدولة العثمانية هذا النبز فأجرته عل ألسنة الدراويش ومرتزقة طعام التكايا والزوايا من تنابلة السلطان وأفرطت في إلقاء الشبهات عليه وتشويهه ولا سيما بعد استفحال شأنه وقيام الدولة العربية الإسلامية في جزيرة العرب على أساسه وقواعده (١) . ولقد رأيت من المناسبات أن أختم هذه الرسالة الموجزة بكتابين: أحدهما أرسله الشيخ سليمان بن عبد الوهاب إلى ثلاثة من علماء المجمعة والآخر من الشيخ محمد بن عبد الوهاب لأهل القصيم إلا أن تأريخهما بكل أسف لم يكن واضحاً. في هذا الكتاب يوضح الشيخ محمد منهجه في الدعوة حيث طلب مني بعض علماء موريتانيا ذلك عندما زرت بلادهم في شعبان عام ١٤٠٧ هـ وذلك من باب إفادة القارئ وفتح المجال أمامه ليستوثق بنفسه ويحكم ويوازن من غير أن يفرض عليه رأي لم يقتنع به وقد جعلتهما ملحقاً وما أردت إلا الإصلاح والتوفيق من الله العزيز الحكيم.

стр. 108

الملحق: - أولاً: - وإن من استكمال فائدة القارئ إيراد واحدة من رسائل الشيخ محمد التي بعث لأهل القصيم لما سألوه عن عقيدته للاطمئنان عن اتجاهه والرد عليه إذا كان مخالفاً لآراء العلماء لأن الناس هناك لم يستجيبوا لدعوته إلا بعد دراسة وتمحيص وهذا من مهمة العلماء في استجلاء الحقيقة ورد المعتدي ببصيرة وإدراك. وهذا هو نص هذه الرسالة ... ولها نظائر مع كل من سأله أو أشبه في أمره ... وتكون النتيجة الاستجابة لمن يريد الحق لأنهم لم يجدوا لدى الشيخ ما يخالف شرع الله أو يغاير ما عليه أعلام أمة الإسلام من المصادر الموثوقة.

стр. 109

رسالة الشيخ إلى أهل القصيم لما سألوه عن عقيدته: (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أشهد الله ومن حضرني من الملائكة وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت , والإيمان بالقدر خيره وشره , ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل بل أعتقد أن الله ليس كمثله شئ وهو السميع العليم , فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ولا أحرف الكلم عن مواضعه , ولأا ألحد في أسمائه وآياته ولا أكيف ولا أمثل صفاته تعالى , بصفات خلقه لأنه تعالى لا سمي له ولا كفؤ له , ولا ند له , ولا يقاس بخلقه فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلاً , وأحسن حديثاً فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل: وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل فقال ﴿سبحن ربك رب العزة عما يصفون (وسلام على المرسلين﴾ (الصافات الآيات ١٨٠ - ١٨٢) الفرقة الناجية وسط باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية وهم في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية , وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة , وبين المرجئة والجهمية وهم وسط في باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج.

стр. 110

وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ إليه ويعود: وأنه تكلم به حقيقة وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد ﷺ وأومن بأن الله فعال لما يريد ولا يكون شئ إلا بإرادته ولا يخرج شئ عن مشيئته وليس شئ في العالم يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره ولا محيد لأحد عن القدر المحدود ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور. وأعتقد الإيمان بكل ما اخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت , فأومن بفتنة القبر ونعيمه وبإعادة الأرواح إلى الأجساد فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلاً تدنو منهم الشمس وتنصب الموازين وتوزن بها أعمال العباد فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون وتنشر الدواوين فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله. وأومن بحوض نبينا محمد ﷺ بعرصة القيامة وماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل , وآنيته عدد نجوم السماء , من شرب منه مرة لم يظمأ بعدها أبداً وأومن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم يمر به الناس على قدر أعمالهم. وأومن بشفاعة النبي ﷺ وأنه شافع وأول مشفع ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى كما قال تعالى ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ (سورة الأنبياء آية ٢٨) وقال تعالى: ﴿ومن ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ (سورة البقرة آية ٢٥٥) وقال: ﴿وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ (سورة النجم آية ٢٦) وهو لا يرضى إلا التوحيد , ولا يأذن إلا لأهله , وأما المشركون
следующие страницы →