← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

به، فكأن العلَمَ لو نصب، في حكم الإشارة إلى الدفع، فإذا لم ينصب، فإنشاء الدفع في حكم التصريح بالمقصود. ٩٥٢ - ثم قال الأئمة: ما ذكرناه من النهي عن المرور [و] (١) دفع المار فيه إذا وجد المارّ سبيلاً سواه، فإن لم يجد، وازدحم الناس، فلا نهي عن المرور، ولا يشرع الدفع. ٩٥٣ - ولو كان الرجل في صحراء، وخطَّ خطاً بين يديه مُعلماً به حدّه، فقد تردّد في هذا كلام الشافعي في القديم، وأن هذا هل يكون ساتراً؟ فمال إلى الاكتفاء به قديماً، ثم رُئي ذلك القول في الجديد، قد خَطّ عليه الشافعي، فالذي استقر عليه أن الخطَّ لا يكفي؛ إذ الغرض منه الإعلام، وهذا لا يحصل بالخط. فصل قال: "وأحب إذا قرأ آية رحمة أن يسأل ... إلى آخره" (٢) ٩٥٤ - الإمام إذا مرّ في أثناء القراءة بآية رحمة، فحسنٌ أن يسأل، وإذا مر بآية عذاب، فحسن أن يستعيذ، وكذلك يفعلُ المأموم المستمع. وقد رُوي عن حذيفة بن اليمان أنه قال: "صليتُ مع رسول الله ﷺ ركعتين، فقرأ فيهما سورةَ البقرة، وكان إذا مر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية عذاب استعاذ، وإذا مر بآية تنزيه سبح، وإذا مرّ بآية مثَلٍ فكَّر" (٣).

стр. 1087

٩٥٥ - ويتصل بذلك من مذهبنا أن المصلي يدعو بما شاء في صلاته، ولا يشترط أن تكون دعوته واردة في الصلاة، أو مأثورة شرعاً في غير الصلاة، ولكن شرطها أن تكون عربية، ولا يكون فيها خطاب آدمي. وقد ذكرنا أن من عجز عن التكبير العربي أو عن التشهد، فإنه يأتي بمعنى ما عجز عنه بالأعجمية، وذكرنا الآن أنه لا يأتي بدعوة يخترعها بالعجمية. فأمّا الأذكار المسنونة كتكبيرات الانتقالات، وتسبيحات الركوع والسجود وغيرها، فهل يأتي الأعجمي بمعناها؟ تردد الأئمة فيه، وحاصل التردد في الاحتمالات ثلاثة أوجه: أحدها - المنع؛ فإنها مسنونة، وتركُ لسان العجم حتم. والثاني - يأتي بمعناها ويقيمها مقام الأذكار العربية. والثالث - ما يجبر منها بالسجود لو ترك، فيأتي ببدلها بلسانه، وما لا يجبر لا يأتي له ببدل أعجمي. وكان شيخي يتردد في دعاء مخترع يشتمل على وصفِ مسؤول، مثل أن يقول: اللهم ارزقني جاريةَ صفتها كذا وكذا، ويميل إلى المنع من ذلك، والمصير إلى أنه من المبطلات؛ فإنه ينافي تعظيمَ الصلاة. وهذا غير سديد، والوجه ألا يمنع منه؛ فإنه قد روي أن النبي ﷺ كان يقول أحياناً في قنوته، "اللهم أنج الوليد واشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف" (١) فتسمية الواحد منا في دعائه شخصاً وشيئاًً بمثابة ما صحت الرواية فيه، فأما الأعجمي، فالترتيب فيه أنه لا يأتي بأعجمي مخترع، ويأتي بمعنى ما يجب من الأذكار، وفي معنى ما يسن ولا يجب، ما ذكرناه من الاحتمال.

стр. 1088

فصل قال: "فإذا قرأ آية السجدة، سجد ... إلى آخره" (١). ٩٥٦ - السجود عند الآيات المشتملة على السجود، كما سنذكرها مأمورٌ به، يشهد له السنة المتواترة، وأجمع عليه المسلمون، وليس واجباً، ولكنه مسنون. خلافاً لأبي حنيفة (٢). ٩٥٧ - ومضمون الفصل يحويه القول في مقتضي السجود، وفي كيفية السجود، وفي قضائه: فأما، مقتضيه، فتلاوة أربعةَ عشرَ آية معروفة، وموضع السجود فيها مبين. ووافق أبو حنيفة (٣) في العدد، ولكنا اختلفنا في سجدتين على البدل، فلم نُثبت في " ص " سجدة، وأثبتها أبو حنيفة (٤)، وأثبتنا في سورة الحج سجدتين، ونفى أبو حنيفة السجدة الأخيرة. ومعتمدنا ما روى عقبةُ بن عامر قال: "سألتُ النبي ﷺ ، وقلت: في الحج سجدتان؟ فقال: نعم، ومن لم يسجدهما، فلا يقرأهما" (٥).

стр. 1089

ومذهب مالك (١) أن سجدات التلاوة إحدى عشرة، ولم يُثبت في المفصل سجدة، وهذا قول للشافعي في القديم، والمعتمد في نُصرته ما روي عن ابن عباس أنه قال: "لم يسجد رسول الله ﷺ في المفصّل بعد ما هاجر" (٢). واعتمد الشافعي في الجديد ما رواه أبو هريرة: أن النبي ﷺ سجد لما تلا: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (٣) [الانشقاق: ١] وكان إسلام أبي هريرة بعد الهجرة بسنين (٤)، ورأى ما أثبته أولى من نفي ابن عباس. وفي بعض التصانيف أن ابن سريج أثبت سجدة "ص"، فصارت السجدات على مخرجه خمسَ عشرةَ سجدة. ٩٥٨ - ثم إن تلا الرجل آية سجدة، سجد، وإن لم يتل بنفسه، ولكنه كان يستمع إلى قراءة غيره، فتلا وسجد التالي، يسجد المستمع، فالاستماع إذاً يقتضي السجود إذا سجد التالي، فأما إذا لم يسجد التالي، فالذي ذهب إليه معظم الأئمة، أن المستمع لا يسجد، ويشهد لذلك ما روي: "أن طائفة من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يتدارسون القرآن بين يديه، فقرأ قارىء آية سجدة وسجد، فسجد رسول الله ﷺ ، وقرأ آخرُ آيةَ سجدة، فلم يسجد، فلم يسجد رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، قرأ فلان فسجدتَ، وقرأتُ فلم تَسجد، فقال ﷺ : كنت إمامنا فلو سجدتَ، لسجدنا" (٥).

стр. 1090

وذكر صاحب التقريب هذا، وذكر معه شيئاًً آخر، وهو أنه قال: نقل البويطي عن الشافعي في مختصره أنه قال: إن سجد القارىء، تأكد السجود على المستمع، وإن لم يسجد القارىء، فسجد المستمع، كان حسناً، وكان مقيماً للسنة، فصار هذا قولاً، وليس يبعد توجيهه، وحُمل ما جرى لرسول الله ﷺ في تدارس أصحابه القرآن على استحثاث التالي على السجود. ولو لم يقصد الاستماع، فلا يسجد وإن سجد التالي، وإن كان قرع سمعَه ما تلاه؛ فإنه إذا لم يقرأ في نفسه، ولم يجرّد قصداً إلى الاستماع، فتقع سجدتُه لو وقعت منقطعةً عن سبب يختاره وينشئه. وكان شيخي يقول: المصلي يسجد إذا سجد إمامه سجودَ التلاوة، لا محالة. ولو كان المصلي يُصغي إلى قراءة قارىءٍ في غير الصلاة، أو إلى قراءة مصل ليس إمامَه، فلا ينبغي أن يسجد أصلاً؛ فإنه ممنوع عن إصغائه، فلا حكم له، وحق الصلاة أن تُحرسَ عن سجودٍ زائدٍ لا يقوى سببُه. فإذاً إنما يسجد المصلي إذا تلا إماماً أو منفرداً، أو إذا سجد إمامُه لما تلا، فيتابعه، فلو تلا الإمامُ، ولم يسجد، لم يسجد المقتدي، ولو سجد، بطلت صلاته. ولو تلا المقتدي، فلا يسجد، كما إذا سها، فإنه لا يسجد للسهو. وذهب أبو حنيفة (١) ﵁ أن المصلي المنفرد، والإمامَ إذا سمع غيرَه يتلو، فإنه يسجد إذا سمع خارجاً من الصلاة. وفي بعض طرقنا ما يشير إلى هذا، وهو بعيد جداً. فهذا بيان ما يقتضي سجودَ التلاوة قراءةً واستماعاً، وذِكْرُ أعداد السجدات. ٩٥٩ - فأما كيفية السجود، فنذكر سجود من ليس في الصلاة، ثم نذكر سجود التالي في الصلاة.

стр. 1091

فأما من ليس في الصلاة، فالكلام في الأقل والأكمل نأتي به ممتزجاً؛ لاختلاف المذهب فيه. فأما الشرائط المعتبرة في الصلاة، فهي بجملتها مرعية في سجود التلاوة، وهي الستر، وطهارة الحدث، والطهارة عن الخبث، واستقبال القبلة. وأما ما لا بد منه، فالاختلاف الظاهر فيه يحويه ثلاثة أوجه: أحدها - أنه لا بد من التحرم بالتكبير والنية والتحلل، فأما السجدة الفردة لا يسوغ تصحيحها. والثاني - ألا يُشترطَ واحدٌ منها، ويكفي الإتيان بصورة السجود مع استكمال الشرائط التي قدمناها، وهذا ما كان لا يذكر شيخي غيرَه. ووجهه أنه لو فرض فيه تحرُّم وتحلل، لكان صلاة، والسجدة الفردة لا يجوز أن تكون صلاة. والوجه الثالث - أن التحرم لا بد منه، فأما السلام، فلا يشترط الإتيان به، ولكن رفع الرأس ينهيه نهايته، وجريان سجود التلاوة في الصلاة شاهد لما كان يذكره شيخي؛ فإنه لا يتصور في الصلاة تحرّم وتحلل. وذكر صاحب التقريب وجهاً زائداً، فقال: إذا قلنا لا بد من التسليم، فمن أصحابنا من أوجب التشهد بعد رفع الرأس ليقع السّلام بعد نجازه، وهذا بعيد. ونص الشافعي يوافق من هذه الوجوه ما كان يذكره شيخي. فهذا ما نذكره الآن في سجود من ليس في الصلاة. وأما من كان يسجد في الصلاة على التفصيل المقدم، فلا يشترط أن يكبر؛ فإنه لا يُتصور التحرمُ عقداً ونيةً وشروعاً، وإذا امتنع ذلك، فاشتراط التكبير، لا معنى له، ولكن ما ذكره الأئمة، أن الساجد يُستحب له أن يكبر إذا هوى ساجداً، ويكبر إذا ارتفع، كما يفعله في سجدات الصلاة. وذكر العراقيون أن ابن أبي هريرة لا يستحب التكبير، لا عند الهوي، ولا عند رفع الرأس، وزعم أن ذلك يشبهها بالسجدات الراتبة. وهذا بعيد لا يعوّل عليه، وعمل السلف على خلافه.

стр. 1092

٩٦٠ - ومما بقي علينا في كيفية السجود كلام يتعلق بالأَوْلى في سجود من ليس في الصلاة. فإن قلنا: التكبير ليس مشروعاً (١)، فالمذهب المبتوت أنه مستحب، وحكى العراقيون عن أبي جعفر الترمذي (٢) من أصحابنا أنه كان يكرهها ولا يراها، ويقول: التكبير شرع لصلاة معقودة، وليست هي صلاة، بل هي سجدة فردة، وهذا بعيد. وإتمام هذا أن نقول: مَنْ شَرطَ التحللَ بالسلام، فلا شك أنه يرعى التحريم؛ [فإن التحلل مترتب على التحرّم،] (٣) وعلى هذا لا بد من النية، وهي العاقدة في الحقيقة. فأما من لا يشترط التحلّل، فلعله لا يشترط التحرم بالنية أيضاً، كما ذكرناه في السجدة الواقعة في الصلاة، ولكن إيجابَ التكبير واشتراطَه من غير نية بعيد. فهذا تمام البيان في ذلك. ومن لم يشترط التشهد اضطربوا في أن التشهد هل يستحب؟ وهذا لعمري محتمل. وكان شيخي يقوم ويكبر ويهوي عن قيام، ولم أر لهذا أصلاً ولا ذكراً. فهذا منتهى القول. في صفة السجود. ٩٦١ - فأما القضاء، فمن تلا آية سجدة، ولم يسجد حتى طال الفصل، فقد فات أوان السجود، فهل يقضيها؟ ذكر صاحب التقريب قولين في قضائها [وقرَّبهما] (٤) من الاختلاف في أن النوافل إذا فاتت، هل تقضى أم لا؟ وسيأتي ذلك مشروحاً إن شاء الله في باب النوافل. وسجود التلاوة أبعد عندي من قبول القضاء من وجهين: أحدهما - أن ما يتعلق بأسباب، لا بأوقات من النوافل لا يُقضى، كصلاة الخسوف، وسجود التلاوة شبيه بها.

стр. 1093

والثاني - أن الصلاة قُربة كاملة مقصودة، فتقدير القضاء فيها أقرب من تقديره في السجود. وذكر صاحب التقريب في هذا ضبطاً حسناً، وذلك أنه قال: ما لا يجوز التطوع به ابتداءً، فلا يجوز شرع (١) قضائه، إذا فات. وقد ذكرنا أن المذهب، أن من أراد أن يسجد من غير سببٍ خشوعاً وتواضعاً لله، لم يجز. فلو قضى سجوداً من غير تلاوة، كان ذلك على صورة سَجْدةٍ لا سبب لها، وهذا ضبط حسن، إذا تدبره الطالب. ثم من تمام البيان في ذلك أن [طول] (٢) الفصل الذي ذكرناه في تصوير الفوات ليس بخافٍ في الجملة. وبالجملة سجود التلاوة من توابع القراءة، فَلْيَقع متصلاً بها، والمعتبر في انقطاعها أن يغلب على الظن إضراب التالي عنها بسببٍ، أو بغير سبب. ولسنا ننظر في ذلك إلى مفارقة المجلس الذي حوى التلاوة أو ملازمته، وإنما النظر إلى الزمان، كما ذكرناه. وقال صاحب التقريب: إذا كان الرجل في الصلاة، فقرأ قارىء ليس في الصلاة، أو لم يكن إماماً آيةَ سجدة، فالمصلي لا يسجد أصلاً، كما ذكرناه، ولكن إذا تحلَّل، ففي القضاء ما ذكرناه، وهذا فيه نظر؛ فإن الظاهر أن ما جرى، لم يكن مقتضياً لسجوده، وإذا لم يجر ما يقتضي أداء السجود، فالقضاء بعيد، ولكن صاحب التقريب يرى ذلك مقتضياً، ويرى الصلاة مانعة من الأداء، وينزل ذلك منزلة ما لو استمع الرجل وهو محدث، فإذا تطهر؛ فإنه في القضاء يُخرَّج عند الأصحاب على الترتيب المقدم. فرع: ٩٦٢ - ذكر صاحب التقريب عن الأصحاب، أن الرجل لو خضع لله، فسجد من غير سبب، فله ذلك، ولا بأس. وهذا لم أره إلا له، وكان شيخي يكره ذلك ويشتدُّ نكيره على من يفعل ذلك. وهو الظاهر عندي.

стр. 1094

فصل قال: "ويقضي المرتد كل ما ترك في الردة ... إلى آخره" (١). ٩٦٣ - من ارتد واستمر، ففاته صلوات في ردته، فيلزمه قضاؤها إذا أسلم، ولو كان قد فاتته صلواتٌ في إسلامه، فارتد، لم يسقط عنه قضاؤها، ولا يخفى مذهب أبي حنيفة (٢) فيها. وحقيقة مذهبنا أن الردة لا تقطع الخطاب عن المرتد، ولا تخرجه عن التزام أحكام الإسلام، وأبو حنيفة يلحق المرتد بالكافر الأصلي. ولو ارتدت المرأة، فالصلوات التي تمر عليها مواقيتُها في زمان الحيض لا يلزم قضاؤها إذا أسلمت. ولو جن المرتد، ثم أفاق وأسلم، فالظاهر من كلام الأصحاب أنه يلزمه قضاء تلك الصلوات، وفرقوا بين الحائض والمجنون، بأن إسقاط الصلاة عن الحائض ليس رخصة، وإنما هي لأن حالها لا يقبل الصلاة. وكان شيخي يعبر عنه بعبارة رشيقة ويقول: الحائض مكلفة بترك الصلاة، وهذا يتأتى منها في الردة، فكأنها أقامت حكم التكليف في الردة، فلا تدارك له، والمجنون ليس [مُخاطباً بترك الصلاة، وإنما سقط قضاء الصلاة عنه تخفيفاً، والمرتد ليس] (٣) ممن يخفف عنه. وتمام البيان في ذلك، أن ما ذكروه من إسقاط القضاء في حق الحائض واضح لا شك فيه، وأما إذا جُن المرتد، فيظهر فيه خلاف سيأتي أصله مقرراً في باب صلاة المسافر، وهي أن المعاصي إنما تنافي الرخص إذا كانت في أسباب الرخص

стр. 1095

كالعبد الآبق لا يترخص برخص المسافرين، فأما إذا لم تكن المعصية في سبب الرخصة، فلا تسقط الرخص؛ فإن المسافرين إذا كانوا يفسقون [بالشراب] (١)، فإنهم يترخصون؛ إذ لا معصية في السفر نفسه، كذلك سبب الرخصة الجنون، وهو كائن لا معصية فيه، وسيأتي تمهيد ذلك على أبلغ وجه من البيان في موضعه. إن شاء الله تعالى. ٩٦٤ - ثم قال الأئمة: السكران إذا فاتته صلوات في سكره، يلزمه قضاؤها، وهذا متفق عليه، فلو جُن السكران، فقد ذكر الأصحاب وجهين في قضاء الصلوات: أحدهما - أنه لا يقضي إلا صلوات أيام السكر. والثاني - أنه يقضي صلوات أيام الجنون؛ فإن جريان الجنون في السكر بمثابة جريانه في الردة؛ إذ السكران مغلّظ عليه في أمر الصلاة، كما أن المرتد مغلظ عليه. وهذا كلام ملتبس لا حقيقة له، والوجه أن يقال: إذا زال السكر والجنون متصل، فلا يجب قضاء الصلوات التي تمضي مواقيتُها في الجنون بعد زوال السكر وجهاً واحداً، بخلاف المرتد يجن؛ فإن المجنون الذي جنّ في ردته مرتد في حال جنونه حكماً، وليس بسكران قطعاً. فأما الزمان الذي اجتمع فيه السكر والجنون، فيجوز أنْ يُقال: هو فيه كالذي يجن وهو مرتد. والذي ذكرناه إذا لم يكن شُربُه سببَ جنونه، فإن كان كذلك، فهذا رجل جنن نفسه، ولو جرى ذلك وفاتت صلوات في الجنون، ففي وجوب قضائها وجهان، سنذكرهما في باب القصر عند جمع المعاصي المؤثرة في الرخص. والله المستعان. ...

стр. 1096

باب سجود السهو قال الشافعي ﵀: "ومن شك في صلاته، فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً ... إلى آخره" (١). ٩٦٥ - إذا شك في الصلاة، فلم يدر أنه صلى ثلاث ركعات، أم صلى أربعاً، وكان رفع رأسه من السجدة الثانية، وتردد بين أن يجلس ويتشهد، وبين أن يقوم إلى الركعة الرابعة، فمذهب الشافعي أنه يأخذ بالأقل المستيقن ويبني عليه، ويقوم إلى الركعة التي شك فيها، ولا يأخذ بالظن، ولا يجتهد. ثم الركعة التي جاء بها عنده مترددة بين أن تكون رابعة كما يقتضيه ترتيب الصلاة، وبين أن تكون خامسة زائدة، وقد تمت الركعات كلّها. ثم يسجد للسهو في آخر الصلاة، كما سنصفه، ولا مجال للاجتهاد والتحري أصلاً؛ إذ التعويل في الاجتهاد على التعلق بالأمارات والعلامات المغلبة على الظن، وليس فيما شك عليه علامة يستشهد بها. وقال أبو حنيفة (٢): إن كان يتكرر ذلك منه، فيجتهد ويبني على ما يغلب على ظنه، وإن كان يندر ذلك منه، فيقضي الصلاة ويستأنفها. ومعتمدنا في المذهب ما رواه عبد الرحمن بنُ عوف أن النبي ﷺ قال: "إذا شك أحدكم، فلم يدر أواحدة صلى أم اثنتين، فَلْيَبْنِ على واحدة، وإن لم يدر ثنتين صلّى أم ثلاثاً، فليبن على ثنتين، وإن لم يدر ثلاثاً صلى أم أربعاً، فليبن على

стр. 1097

ثلاث، ويسجد سجدتين قبل أن يسلم" (١). والضابط المعنوي للمذهب أن الركعة التي جاء بها إن كانت رابعةً، فذاك، وإن كانت زائدةً، فالغلطُ بالزيادة لا يفسد الصلاة، والغلط بترك ركعة يفسد الصلاة. ولا علامة يستند إليها الاجتهاد، فتعين من مجموع ذلك وجوبُ البناء على المستيقن. ٩٦٦ - ثم من غوامض المذهب في التعليل ما نشير إليه، وسيأتي تفصيله في أثناء الباب أن من شك، فلم يدر أتكلمَ ساهياً أم لا؟ فالأصل أنه لم يتكلم، ثم لا يسجد للسهو؛ فإنه لم يستيقن السهو، وإذا شك في عدد الركعات، فيبني على المستيقن، فإنه يجوِّز أن الركعة الأخيرة هي الركعة (٢) الجارية على الترتيب المقتضى، فهو غير مستيقن بصدور السهو منه، فأمره بسجود السهو خارج عن القاعدة التي أشرنا إليها من أن السهو إذا لم يكن معلوماً، فلا سجود. والذي يُعضّد الإشكال في ذلك النظرُ إلى حالة العَمْد، فإن من أمرناه بالسجود للسهو، وتَرَك السجود عمداً، لم تبطل صلاته، ولو سجد حيث ننهاه عن السجود عمداً، بطلت صلاته. ولمكان هذا الإشكال استثنى العراقيون هذه المسألة، وقالوا: من شك، فلم يدر أَأتَى بشيء من المنهيات، فالأصل أنه لم يأت به، ولا نأمره بسجود السهو إلا في مسألة واحدة، وهي إذا شك، فلم يدر أثلاثاً صلى، أم أربعاً؛ فإنه يبني على اليقين ويسجد، فهذا هو التنبيه على وجه الإشكال. ٩٦٧ - وقد اختلف علماؤنا في تنزيل ذلك، فقال شيخي، وطائفة من أئمة المذهب: إن متعلق السجود الخبر، ولا اتجاه له في المعنى أصلاً، وقال الشيخ أبو علي: المقتضي لسجود السهو، أن الركعة التي أتى بها آخراً إن كانت زائدةً، فهي

стр. 1098

سهو، فيقتضي السجود، وإن كانت رابعةً أتى بها المصلي ولا يدري أصليَّة هي أم زائدة، فتضعف النية فيها، فاقتضى ذلك نقصاناً مجبوراً بسجود. وينشأ من التردد في التعليل مسألة مذهبية، وهي أنه لو صلى هذه الركعة، ثم استيقن في آخر الصلاة أنه ما زاد شيئاًً، وإنما أتى بالركعات الأربع، فقد قال الشيخ أبو علي ﵀: إنه يسجد وإن زال الشك؛ لأن تلك الركعة جرت وضعْفُ النية مقارن لها، فلئن زال الشك آخراً، فذلك التردد، قد تحقق مقارناً لما مضى، وكان شيخي يقطع في هذه الصورة بأنه لا يسجد للسهو؛ فإنه كان لا يعتمد معنىً في الأمر بالسجود، وإنما كان التعويل على الحديث، وظاهر الحديث في دوام الشك والتردد. والذي ذكره الشيخ أبو علي منقوض عليه، بما إذا لم يدر الرجل أقضى فائتة كانت عليه أم لا، فأمرناه بقضائها، فإنه يقضيها ولا يسجد للسهو، وإن كان على التردد في أن الصلاة مفروضة عليه أم لا، من أول الصلاة إلى آخرها. ثم الشيخ أبو علي إنما يأمر بالسجود إذا انقضى ركن مع التردد، فأما إذا خطر الشك، ولم يدم وزال، ولم ينقض معه ركن تام، فلا أثر له أصلاً. وقد قدمت تفصيل القول في الركن التام ومقارنة الشك إياه في فصول النية في أول باب صفة الصلاة. فصل قال: "إذا فرغ من صلاته بعد التشهد، سجد سجدتين للسهو، قبل السلام ... إلى آخره" (١). ٩٦٨ - مقصود هذا الفصل بيان محل سجود السهو، فالظاهر المشهور من المذهب أنه يسجد قبل السلام إذا فرغ من التشهد والصلاة وما تخيره من الدعاء، فيسجد سجدتين، ثم يسلم.

стр. 1099

وأبو حنيفة (١) يقول: يسلم ويسجد بعد السلام. وقال مالك (٢): إن كان السهو نقصاناً من الصلاة، فإنه يسجد قبل السلام جَبراً لذلك النقصان، وإن كان السهو زيادةً في الصلاة، فإنه يسجد بعد السلام، وهذا قول الشافعي في القديم، ثم لا شك أنه صح عن النبي ﷺ الأمر بالسجود قبل السلام، وصح أنه قال: "ويسجد سجدتين بعد السلام" (٣)، ولا شك في صحة الروايتين، ثم إنه كان مالك حمل إحدى الروايتين على ما إذا كان السهو نقصاناً في الصلاة، وحمل الثانية. على ما إذا كان زيادة في الصلاة. وقال الشافعي: كان مالك لا يدري (٤) الناسخ من المنسوخ (٥)، وكان آخر ما فعله

стр. 1100

النبي ﷺ السجود قبل السلام، وروى عن الزهري أن النبي ﷺ سجد قبل السلام وبعد السلام، وكان آخر الأمرين أنه سجد قبل السلام (١)، فهذا كلام الشافعي. وقد جرى للشافعي تردد في بعض المواضع، لما رأى الأخبار صحيحة في التقديم والتأخير تُشير إلى جواز الأمرين جميعاًً، وهذا يعضده أمر في الأصول، وهو أن فِعلَ رسول الله ﷺ لا يتضمن الإيجاب عند المحققين، ولكنه يتضمن الجواز والإجزاء، فلئن صح ما ذكره الزهري أنه سجد قبل السلام آخراً، فهذا لا يُعيِّن ذلك، ولا ينفي جواز ما تقدم. ٩٦٩ - فإذا لاح مأخذ الكلام، فنذكر ما تحصل من المذهب: فذكر ذاكرون ثلاثة أقوال: أحدها - وهو الظاهر: أن السجود قبل السلام، وإذا وقع بعده، لم يعتد به. والثاني - أن الساهي بالخيار إن شاء قدم، وإن شاء أخّر. والثالث - أنه يفصل بين أن يكون السهو زيادة، وبين أن يكون نقصاناً، وهو المنصوص عليه في القديم، وهو مذهب مالك. وقال بعض أئمتنا: لا خلاف أنه يُجزىء التقديمُ والتأخير، وإنما التردد في بيان الأوْلى والأفضل، ففي قولٍ نقول: الأفضل التقديم، وفي قول: لا نفضل ولا نفرق ويجوز الأمران جميعاًً، وفي قول: يفصل بين الزيادة والنقصان في الأفضل، لا في الإجزاء؛ فإن الأمرين جميعاًً جائزان مُجزيان في الحالتين جميعاًً. فهذه طريقة. وتوجيهها صحةُ الأخبار في التقديم والتأخير جميعاًً. والطريقة المشهورة ردّ التردد إلى الإجزاء والجواز، كما تقدم. [وهذه] (٢) يظهر توجيهها في طريق المعنى؛ فإن السجود إذا وقع في الصلاة، كان زيادة في الصلاة،

стр. 1101

وإذا وقع وراء ذلك، كان منفصلاً عن تحريمة الصلاة وحكمها، وهما أمران متباعدان، والتخير بينهما بعيد، فرأى الشافعي في ظاهر المذهب؛ التمسك بآخر أفعال النبي ﷺ . ونحن نعتمد في التفريع هذه الطريقة الأخيرة، ونبني الأمرين على التردد في الإجزاء، لا في الفضيلة، فإن فرعنا على المشهور، وهو (١) أن السجود قبل السلام، فإن وقع ذلك، فلا كلام، وإن سلم الساهي، ولم يسجد، لم يخل: إما أن يسلم ساهياً ناسياً لسجود السهو، وإما أن يسلم عامداً ذاكراً لسجود السهو، فإن تعمّد وسلم، فقد فوت سجدتي السهو على نفسه، وتركهما عمداً، فالصلاة صحيحة، وقد فاتت السجدتان، وليس سجود السهو واجباً عندنا، بل هو سنة كسجود التلاوة. وإن سلم، وتحلّل ناسياً، ثم تذكر: لم يخل، إما أن يتذكر على القرب، أو يتخلل فصل طويل. فإن تذكر على القرب، فهل يسجد على هذا القول؟ فعلى وجهين مشهورين: أحدهما - يسجد، ويجعل كأن السلام لم يكن، وهو بمثابة ما لو نسي ركعة وسلم، ثم تذكر على القرب؛ فإنه يبني على صلاته، ويعد السلام الجاري في غير محله سهواً مقتضياً للسجود. والوجه الثاني - أنه لا يسجد، وإن كان سلامه ناسياً؛ فإن السجود مما يجوز تركه قصداً، والسلام ركن جرى في محل جوازه، فاعتقاد خروجه عن وقوعه موقعه لمكان سنة لو تركها قصداً، لجاز، بعيدٌ. والذي يحقق ذلك، أنه بعدما سلم ساهياً، قد يبدو له ألا يسجد إذا تذكر، وسأذكر السر في ذلك الآن. التفريع على هذين الوجهين: ٩٧٠ - إن حكمنا بأنه لا يعود إلى السجود، فقد تحقق فوات السجود إذا سلم ناسياً. وإن قلنا: يعود، فإن عاد، فهو في الصلاة ولو أحدث بطلت صلاته، ويقدّر

стр. 1102

كأنه لم يسلم، ويعتقد أن السلام لم يقع معتداً به، فيسجد سجدتين، ويسلم الآن، ولا وجه غيره. فلو بدا له ألا يسجد أصلاً بعدما تذكر، فقد رأيتُ في أدراج كلام الأئمة تردداً في ذلك، وهو محتمل جداً. والظاهر أنه إذا أراد ذلك، قلنا له: فسَلِّم مرة أخرى، وإن السلام الذي تقدم لم يكن معتداً به، وآية ذلك أنه لو أراد السجود، لكان في الصلاة، ويستحيل أن يخرج من الصلاة، ثم يعود إليها. ويحتمل أن يقال: أمر السلام الذي تقدم على الوقف والتردد، فإن سجد تبيّنا أنه لم يقع التحلل به، وإن أضرب عن السجود لما تذكر، تبَيّنَّا وقوعه موقعه. فهذا كله إذا سلم ناسياً، ثم تذكر أمرَ السجود على القرب. فأما إذا طال الفصل، كما سنذكر الضبطَ فيه، والتفريع على أن حق السجود أن يقدم، فلو جاء بالسجود بعد تخلل الفصل الطويل، فلا يعتد به أصلاً، وقد لاح فواته. والمشكل الآن أن السلام هل وقع ركناً؟ فإن قدرناه ركناً محللاً على الصحة، فلا إشكال، ولو قدره مقدر غيرَ واقع ركناً، فكيف الوجه؟ فأقول: الوجه القطع بصحة التحلل في هذه الصورة، وهذا يعضده ما ذكرناه الآن، من أنه إذا تذكر، ثم بدا له ألا يسجد، أنه لا يعيد السلام. فَلْيتَأمل الفقيه هذا الموضع، فلا وجه غيره. هذا كله تفريع على أن شرط سجدتي السهو وقوعهما في الصلاة. ٩٧١ - فأما: إذا قلنا: يجوز إيقاعهما خارجاً من الصلاة، فلو تعمد وسلَّم ذاكراً، وأراد أن يسجد بعد السلام، جاز على هذا [القول] (١) إذا كان سجد على القرب. ثم إذا سجد سجدتين، فهل نأمره أن يتشهد؟ القول الوجيز في ذلك، أنهما سجدتان منفصلتان عن الصلاة، فحكمهما حكم سجدة التلاوة، إذا وقعت خارجة من الصلاة، وقد ذكرنا تفصيل القول في أنه هل يتشهد، وهل يتحرم ويتحلل؟ فلا فرق

стр. 1103

بين سجدتي السهو، وبين سجدة التلاوة في هذا، إلا أن سجدة التلاوة فَرْدة، والسهو سجدتان. ونحن نقطع بأن لا يعود الساجد على هذا القول إلى الصلاة. ولو أحدث، لم تبطل صلاته أصلاً. وقد قال أبو حنيفة (١): إنه يسلم، ثم يسجد، وزعم أنه يعود إلى الصلاة، فلو أحدث، بطلت صلاته، وهذا كلام متناقض، ولا معنى للخروج من الصلاة والعود إليها، وهذا مذهب لم يصر إليه أحد من أصحابنا في التفريع على هذا القول. فإن رأينا أن يتشهد: اشتراطاً، أو استحباباً، كما يفعل ذلك في سجدة التلاوة، فإنه يتشهد بعد السجدتين، كما ذكرناه في سجود التلاوة. وحكى الشيخ أبو علي عن الأستاذ أبي إسحاق أنه كان يقول حيث انتهينا إليه في التفريع: إنه يتشهد قبل السجدتين، لتقع السجدتان آخراً، وفي سجود التلاوة يتشهد بعد السجود. وهذا متروك عليه، وهو غير معدود من المذهب. وقد اعتمد فيه على تقديم السجود على السلام؛ إذ تخيل تقديمَ التشهد على السجود، هذا إذا أراد السجود متصلاً. فأما إذا سلم وطال الفصل، ثم أراد أن يسجد سجدتي السهو بعد طول الفصل، فقد ذكر الصيدلاني وجهين: أحدهما - أنه لا يقع الموقع، وطول الفصل يفوّته؛ فإن السجود وإن كان يقع بعد التحلل، فهو متصل بالصلاة، فيجب رعايةُ حقيقة الوصل فيهما، وهذا كالتسليمة الثانية إذا أمرنا بها، فإنها تقع بعد التحلل بالتسليمة الأولى، ولكن شرط الاعتداد بها أن تكون متصلة. والثاني - أنه يقع الموقع وإن طال الفصل؛ فإنه في حكم الجُبران لما وقع في الصلاة وهو مشبه بجبرانات الحج، ثم الجبرانات إن وقعت في الحج أجزأت، وإن وقعت بعده متصلة، أو منفصلة أجزأت. ثم إن قلنا: إذا انفصل وطال الفصل، فقد فات السجود، فينزل هذا منزلة سجدة التلاوة إذا فاتت، وقد ذكرنا قولين، في أنها هل تقضى أم لا؟ ويجري القولان في سجود السهو لا محالة.

стр. 1104

فآل حاصل الكلام إلى أنا في وجه نحكم بفوات السجود، ونخرّج قولين في القضاء. وفي قول نحكم بأنه لا يفوت، فهذا منتهى البيان في ذلك. ٩٧٢ - والذي نتعلّق به الآن ضبط القول في الاتصال والانفصال، وهذا فن التزمناه في هذا المذهب (١) مستعينين بالله. فالمذهب أن الرجوع فيه إلى العرف في الفصل بين الاتصال والانفصال، ثم الذي ظهر لنا من العرف، أنه إن تخلل زمانٌ يغلب على الظن أنه قد أضرب عن السجود قصداً أو نسيه، فهذا حدّ الانفصال، وما دون ذلك اتصال. ولا يعتبر في ذلك غيرُ الرجوع إلى العرف، فلو طال الزمان على ما ذكرناه مع اتحاب المجلس، فقد تحقق الانفصال، ولو سلم، وفارق المجلس، ثم تذكر على قُرب من الزمان، فهذا محتمل عندي، فإن نظرنا إلى الزمان، فهو قريب، وإن نظرنا إلى العرف، فمفارقة المجلس، [قد] (٢) يُغَلِّب على الظن الإضرابَ عن السجود كما يُغلّب طويل الزمان على الظن ذلك. والعلم عند الله. وقد ذكر العراقيون في ذلك قولين عن الشافعي، أحدهما - أن المعتبر في ذلك قرب الزمان وبعده، وطوله وقصره. والقول الثاني - قالوا: نص عليه في القديم، أنه يعتبر المجلس، فإن لم يفارقه، فهو متصل، وإن طال الزمان. وإن فارقه، فهو منفصل وإن قرب الزمان. هذا ما أردناه من التفريع في محل سجود السهو. فإن قيل: لو صلى، وأحدث، ثم انغمس في ماء على قرب من الزمان متصل، قلنا: الظاهر أن الحدث يفصل السجود، وإن قرب زمان الطهارة. ثم قد مضى القول فيما يتصل وينفصل على الاستقصاء. ٩٧٣ - وإن فرعنا على القول القديم الموافق لمذهب مالك، فإن كان السهو

стр. 1105

نقصاناً، فالتفريع في هذه الحالة كالتفريع على قولنا باشتراط إيقاع السجود في الصلاة، وإن كان السهو زيادة، فالتفريع في هذه الحالة كالتفريع على إيقاع السجود بعد التحلل. فصل إذا شك في أعداد الركعات في أثناء الصلاة، فقد مضى القول فيه مفصلاً، فلو سلم وتحلل، ثم شك بعد التحلل في أنه صلى ثلاثاً أم أربعاً، ففي المسألة قولان مشهوران: أحدهما - أن ما يطرأ من الشك بعد التحلل لا حكم له، وقد مضت الصلاة ظاهراً محكوماً بصحتها. وهذا يوجَّه بأنا لو غيّرنا حكم الصلاة التي اتفق التحلل عنها بالشك، لما سلمت صلاةٌ في الغالب عن شك وتردد بعدها، على قرب من الزمان أو بُعْد، فوقع ذلك محطوطاً عن المصلي. والقول الثاني - أنه مؤاخذ بحكم الشك -كما سنوضحه- اعتباراً بطريان الشك في أثناء الصلاة. وهذا القائل يمنع بلوغ هذا الأمر في طريان الشك مبلغ العموم، بل هو مما يندر ولا يعم، فإن فرض موسوس، فالحكم لا يبنى على حالة، وإنما يُبنى على أعم أحوال الناس. ثم قال بعض المصنفين: لو جرى هذا التردّد بعد انفصال الزمان، جرى القولان أيضاً [فإن نحن أسقطنا أثر التردد متصلاً، أسقطناه منفصلاً أيضاً] (١) وإن أمرنا المتردد على الاتضال بالتدارك، فإذا انفصل الأمر، فلا تدارك إلا باستئناف الصلاة. وكان شيخي أبو محمد يقول: إنْ جرى التردد بعد انفصال الزمان، فهو محطوط غيرُ معتبر قولاً واحداً، فإن هذا الآن صورة لا مستدرك لغائلتها؛ إذ الإنسان لا يدرك كيف صلى في أمسه، ولو أُمر إذا شك بالقضاء، فسيعود هذا بعينه -إذا طال الزمان- في القضاء، فلا يسلَم من هذا عاقل قط. ولا يجوز فرض الخلاف في هذا.

стр. 1106

فأما إذا قرب التردد، ففيه القولان، كما قدمنا ذكرهما. وهذه الطريقة حسنة بالغة. ٩٧٤ - وعندي كلام وراءها، وبه تتبين حقيقةُ الفصل. فأقول: لو عرض للإنسان فكرٌ في صلوات أيامه السابقة، فإنه لا يتخيل جريانَها ووقوعَ أركانها في مظانها، فإنها انسلت بجملتها عن ذكره وغابت عن فكره، وإذا كان كذلك، ففرض التردد في تمامها ونقصانها، مع الذهول عن تفصيلها مما لا نعتقد المؤاخذةَ به أصلاً، فأما إذا تحلل عن الصلاة، وتخلل زمان متطاول، ولم يغب عن ذكره تفصيل صلاته، وتردّد مع ذلك في زيادة ونقصان، فتخريج ذلك على القولين [ليس بعيداً على ما تقدم، ولا يمتنع أيضاً إخراج هذا عن القولين] (١) من حيث إنه يغلب مع طول الزمان الذهولُ، ويعم الضرر، ثم إذا لم نَحطّ حكم التردد، وقد اتصل، فيجعل كأنه لم يسلّم، وكأنه تردد في الصلاة، فيقوم، ويبني على صلاته، كما سبق. وإذا طال الفصل، ورأينا مؤاخذته، فليس إلا إعادة الصلاة واستئنافها، وقد تم ما نريد من ذلك. فصل قال: "وإن ذكر أنه في الخامسة ... إلى آخره" (٢). ٩٧٥ - إذا قام المصلي إلى ركعة، ثم علم أنها خامسة، فمذهبنا أنه كما (٣) علم ذلك يقطع تلك الركعة، ويعود إلى هيئة القعود، ولا فرق بين أن يتذكر ذلك وهو في قيام الركعة الزائدة، أو في ركوعها، أو كان انتهى إلى سجودها، فعلى أي وجه فُرض، فما جاء به غلط غيرُ محسوب، ولا قادح في صحة الصلاة.

стр. 1107

٩٧٦ - ومن دقيق ما ننبه عليه في ذلك، أنا ذكرنا خلافاً في أن الكلام من الناسي، إذا كثر هل يبطل الصلاة؟ وردّدنا القول في الفعل الكثير من الناسي، كما سبق، والزيادة في الصلاة وإن كثرت، فإنها لا تبطل الصلاة وفاقاً، والسبب فيه أن الذي اعتمده من صار إلى أن الكلام الكثير من الناسي يبطل الصلاة، أنه يخرم نظمَ الصلاة، (١ والزيادة الكثيرة من جنس الصلاة إذا صدرت من الناسي لا تخرم نظم الصلاة ١). ٩٧٦/م- ومن دقيق القول فيه أن من زاد ركوعاً عامداً، بطلت صلاته عندنا، وإن لم يكن في مقداره موازياً لما يُعد كثيراً من الأفعال، والزيادة وإن قلّت -أعني زيادة ركن- مبطلة، فإنه [اعتماد] (٢) تغيير الصلاة بما يجانسها، والزيادة الكثيرة مع النسيان لا أثر لها. فليفهم الفاهم ما نبديه من بدائع الفقه. ٩٧٧ - ثم إذا أمرناه بالعود إلى القعود، فننظر وراء ذلك، فإن لم يكن قد تشهد، قعد وتشهد، وسجد للسهو، وسلم. وإن كان قد تشهد، لم يخل: إما إن كان تشهد على قصد التشهد الأخير، ثم طرأ من الغلط ما طرأ، أو كان تشهده ظاناً أنه التشهد الأول، فإن كان تِشهد على قصد التشهد المفروض، ثم أمرناه بالعَوْد، فهل يتشهد مرة أخرى؟ فيه وجهان معروفان: أحدهما - أنه لا يتشهد، وهذا هو الذي لا ينقدح في المعنى والقياس غيرُه؛ فإنه قد تشهد مرة؛ فإيجاب الإعادة مرةً أخرى لا معنى له، ولكنه غلط لما قام إلى ركعة زائدة، فليعد، وليتدارك غلطته بسجدتين جابرتين للسهو. والوجه الثاني - أنه يتشهد مرة أخرى، وهذا ظاهر النص في السواد (٣)؛ فإنه قال: سواء قعد في الركعة، أو لم يقعد؛ فإنه يجلس للرابعة ويتشهد. فذهب ابن سُريج إلى موافقة ظاهر النص، وأوجب على الراجع القاطع الركعة

стр. 1108

الزائدة أن يتشهد، وعلل بعلتين: إحداهما - أن الموالاة شرط في الأركان فَلْيَلِ السلامُ تشهداً، وقد انقطع ذلك التشهد الذي جرى قبل القيام إلى الركعة الزائدة عن السلام. فهذا معنى. والثاني - أنه لو لم يعد للتشهد، لوقع السلام فرداً، لا يتصل بركنٍ قبله، ولا يعقبه ركن بعده. وهذان المعنيان جميعاًً فاسدان عندي، أما الموالاة، فلا معنى لذكرها هاهنا، فإن من طوّل ركناً قصيراً ساهياً، فقد ترك الوِلاء ولا تبطل صلاته، وقد بنى الفقهاء الأمر على أن الموالاة إذا اختلت بذلك، وأخطأ في الصلاة، فلا أثر لاختلالها. ثم يجرّ مساق هذا الكلام خبلاً وفساداً؛ فإن التشهد الأول، قد وقع معتداً به، فإن أخرجناه من الاعتداد به، فقد انقطع التشهد الذي نعتدُّه عن الأركان المتقدمة قبلُ، وهذا إن كان اختلالاً، فلا مستدرك لها (١) أصلاً، ويجب من مساقه أن تبطل الصلاةُ أصلاً، فإن لم يجز ذلك، فليس إلاّ أن يُحتمل بقطع (٢) الوِلاء بسبب النسيان. وأما وقوع السلام فرداً، فهو مفرع على النظر إلى الموالاة، وإلا فليس فرداً، فهو منتظم مع الأركان المتقدمة. ٩٧٨ - ثم فرع ابن سُريج على معنييه مسألة، وهي أنه قال: لو هوى القائم إلى السجود، وقد ترك الركوعَ ناسياً، ثم تذكر، فإن نظرنا إلى مراعاة الموالاة، فلينتصب قائماً، وليركع ليلي الركوعُ القيامَ، ثم يرفع معتدلاً ويسجد، وإن نظرنا في مسألة العود من الركعة الزائدة إلى أن السلام ينبغي ألا يقع فرداً، (٣ فالذي يركع يرتفع إلى حد الراكعين، ولا ينتصب قائماً؛ فإن الركوع لا يقع فرداً ٣)؛ إذ بعده السجود وغيره من الأركان. ٩٧٩ - قلت: هذا أوان التنبيه لدقيقة، وهي أنا قد ذكرنا في تفريع صلاة العاجز أنه

стр. 1109

لو قرأ الفاتحة قاعداً، ثم وجد خفة، فإنه يقوم ليركع عن قيام، ولم نذكر فيه تردداً، فإن كان ما ذكرناه كذلك، فليجب أيضاَّ عَلى من هوى ساجداً، وترك الركوع أن يقوم لا لموالاةٍ، ولكن ليكون ركوعه عن قيامه. وإن قلنا: لا يقوم من هوى ساجداً، ويكفيه أن يرتفع راكعاً، فيجب أن نقول: من وجد خفة، وقد أقام فرض القراءة في القعود يكفيه أن يرتفع راكعاً؛ فإن القعود الذي جاء به في حال العجز قائم مقام القيام، ولا فرق في ذلك. فلا يؤتينَّ ناظر عن خبالٍ لا حاصل له. وكل ما ذكرناه فيه إذا كان تشهد على قصد التشهد الأخير، فأما إذا كان تشهد ظاناً أنه التشهد الأول، فالفرض هل يتأدى بذلك أم لا؛ فيه وجهان مشهوران. ومن نظائر هذه الصورة، ما لو أغفل المتوضىء لمعة من وجهه في الغسلة الأولى، ثم تداركها بالثانية، وهو يقصد بها إقامة السنة، فهل يسقط الفرض عن تلك اللمعة؟ فعلى وجهين، فإن قلنا: لا يسقط الفرض، فهو رجل قام إلى ركعة زائدة، ولم يتشهد، فيعود ويتشهد لا محالة، وإن قلنا يسقط الفرض، فليلتحق هذا بالصورة التي تقدم الفراغ منها، وهي إذا تشهد على قصد الأخير، ثم قام. وقد مضى ذلك كافياً. ولو لم يكن له قصد في التشهد، فهو كما لو قصد التشهد الأخير، وتعليل ذلك لا حاجة إلى إيضاحه. فصل قال: "وإذا ترك التشهد الأول حتى قام منتصباً، لم يَعُد ... إلى آخره" (١). ٩٨٠ - التشهد الأول من أبعاض الصلاة، ويتعلق بتركه سجود السهو، وهو من أركان الصلاة (٢ عند أحمد بن حنبل ٢).

стр. 1110

ومعتمد المذهب حديث عبد الله بن مالك ابن بُحَيْنَة، قال: "صلينا مع رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي: الظهر أو العصر، فقام عن اثنتين، فسبحنا به، فلم يرجع، فلما بلغ آخر الصلاة، انتظرنا تسليمه، فسجد سجدتين، ثم سلم" (١) فدل عدمُ رجوعه على أنه ليس ركناً، وسجوده للسهو ناصٌّ على ما ذكرناه من كونه من الأبعاض. ٩٨١ - ثم ترتيب المذهب في تركه أنه إن قام المصلي، فاعتدل في وقت التشهد الأول، ثم تذكر ما كان منه، فليس له أن يعود لاستدراك التشهد الأول؛ فإنه قد تلبس بالقيام المفروض، فلا يجوز له أن يقطعه لاستدراك سُتةٍ، هذا إذا اعتدل. والدليل على ذلك عدمُ رجوع رسول الله ﷺ في الحديث الذي رويناه. ٩٨١/م- ولو نهض نحو القيام، ولم يعتدل فتذكر، فقد اختلفت عبارات الأئمة، فذكروا عبارتين نذكرهما، ثم نذكر ما عندنا من التحقيق فيهما إن شاء الله تعالى. قال الشيخ أبو بكر (٢): إذا لم ينته إلى حد القيام، رجع وتشهد؛ فإنه لم يلابس فرضاً حتى تذكَّر، ثم إذا رجع، وتشهد، فهل يسجد للسهو؟ قال: إن كان انتهى في انتهاضه إلى مبلغ كان أقرب إلى القيام منه إلى القعود، فإن الذي صدر منه فعل كثير أتى به ساهياً، وسنذكر أنه مما يقتضي السجود. وإن كان إلى القعود أقرب، فتذكر ورجع، فلا يسجد، وما أتى به في حكم الفعل القليل، الذي لا يؤثر في الصلاة. فهذا كلامه. وقال شيخي وغيره: إن لم ينته في ارتفاعه إلى حدّ الراكعين بعْدُ، فتذكر ورجع، فالذي صدر منه محطوط عنه، ولا سجود، وإن انتهى إلى حد الراكعين، أو جاوز، ولم يلابس القيام، فإذا تذكر ورجع، سجد للسهو.

стр. 1111

٩٨٢ - وأنا الآن أذكر مسالك كل فريق، فأقول: اعتمد الصيدلاني كثرةَ الفعل وقلَّته، وأنا أُجري ما قاله في صورة ليس فيها انتهاء إلى هيئة الراكعين، وإن قدّر ملابسة القيام مثلاً، فأقول: إذا كان المصلي قاعداً، وانتصب من غير انحناء، وذهب ناهضاً إلى القيام، فهذا له ممر على هيئة الراكع، فالمرعي في هذه الصورة -على ما ذكره- النظرُ إلى الفعل. ثم الضابط عنده (١) في الكثرة أن يكون أقرب إلى القيام، فإذا رجع، سجد للسهو. فإن قيل قد ذكرتم أنه لو خطا خطوتين عمداً، لم يضره، وخطوتان أكثر من الانتهاء إلى القيام في حركات الناهض؟ قلنا: لا نعرف أولاً خلافاً بين أئمتنا في أنه إذا قرب من القيام في الصورة التي ذكرناها فلم يلابس هيئة الراكعين، ورجع، أنه يسجد للسهو. وإذا كان كذلك، فلا ينقدح في ذلك تعليل إلا مجاوزة الفعل حدَّ القلة. ثم الممكن في ذلك عباراتان: إحداهما - أن من حرَّك يداً وسائرُ بدنه قار، فليس فعله على رتبةِ فعل من يحرك جملةَ بدنه. والناهض صعُداً يحرك جملة بدنه. فإن قيل: الماشي كذلك؟ قلنا: ولكن التعويل في الماشي على حركة الرجلين والبدن محمولهما ومنقولهما، فوقع التعويل على حركة الرجلين، والناهض يحرك بدنه قصداً، وهذا ما أراه شافياً للغليل. والمعتمدُ العبارة الثانية، وهي: أن القرب من القيام يُفيد من تغيير هيئة الصلاة على الاختصاص بها ما يفيده الفعلُ الكثير، ولذلك قلنا: إن من ركع ركوعاً زائداً عمداً، بطلت صلاته، وإن لم يبلغ مبلغ الفعل الكثير، لأنه يؤثر في تغيير نظم الصلاة (٢ فكذلك القرب من القيام، وإن لم يكن إتياناً بصورة رُكن، فهو مختص بتغيير نظم الصلاة ٢)، فكان كالفعل الكثير. وإن كان الناهض أقرب إلى القعود، فهذا يوازي

стр. 1112

الفعلَ القليل الذي لا يغير نظم الصلاة، فأما الخطوة، فليست في جهة نظم الصلاة وانتقالاتها، فروعي فيها المقدار الكثير، وهذا في نهاية الحسن. ٩٨٣ - والذي أراه: أنه إن صوَّر متكلف كونَ الناهض على حد يستوي فيه نسبته إلى القعود والقيام، فلو رصع من هذا الحد، لم يسجد، كما لو كان أقرب إلى القعود، وهذا لا شك فيه. هذا كله ترداد على عبارة الشيخ أبي بكر، وقد فرضنا في تنزيل عبارته انتهاضاً لا انحناء فيه. ٩٨٤ - وأما من ذكر حد الراكعين، فيصور انتهاضاً على هيئة الانحناء، حتى يقدر الانتهاء إلى القيام، فعلى هذا الوجه نُبين معظم أحوال الناهض في العادة، فنقول: إن انتهى إلى حد الراكعين، فتذكر، رجع وسجد للسهو، والسبب فيه أنه أتى بصورة ركن، وقد ذكرنا أن الإتيان بصورة ركن يؤثر في الصلاة، فيبطل عمدُه الصلاة، ويقتضي سهوهُ سجودَ السهو. ٩٨٥ - وهاهنا لطيفة لا بد من ذكرها، وهي أن الركوع الواقع ركناً شرطُ صحة الاعتداد به الطمأنينة، ولو لم تقع، لم يصح. والركوعُ الزائد المفسد للصلاة، لو فرض على وِفازٍ (١) من غير طمأنينة، فهو مبطل للصلاة، فلا يتوقف بطلانُ الصلاة بالركوع الزائد على الطمأنينة، وإن كان يتوقف الاعتداد به ركناً على الطمأنينة. والسبب فيه من جهة المعنى أن المفسد للصلاة إنما يفسدها من جهة أنه يغيّر نظمها، وهذا المعنى يحصل وإن كان الركوع على وفاز. وأما الركوع الذي يقع معتداً به، فالغرض منه، ومن كل حالة من حالات المصلي الخضوع، ولا يتأتى إيقاع الخضوع من غير لبث ومكث، يفصل الركنَ عن الركن. ٩٨٦ - ومما نقدمه قبل [الخوض] (٢) في المقصود، أن من يهوي من قيامه إلى

стр. 1113

السجود على هيئة الانحناء ماراً، فليس يحصل في هويه صورة الركوع. وقد ظن أبو حنيفة (١) أنها تحصل، فزعم أن القائم إذا هوى ساجداً، فقد حصل الركوع في ممره وهويه، وكفى ذلك، والطمأنينة ليست شرطاً. والأمر على خلاف ما قدر. ٩٨٧ - وأنا أقول: وإن ذكرت أن الركوع الزائد على وفاز يُفسد، فلا بد من فرض إفراده بصورته، فالقاعد إذا قام قصداً إلى هيئة الراكعين، ولم يطمئن ورجع، فهذا يفسد الصلاة عمدُه، لأنه وإن لم يسكن، فقد صور الركوع لما انتهى إليه، ثم انصرف عنه، فيمثل الركوع، والذي يهوي من قيام، لم يمثل الركوع بوقفةٍ ولا انصراف. ٩٨٨ - وإذا ثبتت هذه المقدمات، فنحن نتكلم فيما ذكره شيخي وغيرُه من الانتهاء إلى حد الراكعين، فَلْيعلم الطالب أن إدراك هذا ليس باليسير الهين، وأنا بعون الله أذكر فيه ضابطاً حسناً، فأقول: القائم إذا كان يبغي الركوع الكامل والحد الفاصل، فقد وصَفْته في فصل الركوع، وإنما يتبين سره الآن، وقد مضى أن الأوْلى في هيئة الراكع أن يستوي ظهره ورقبته، ولا يخفض شيئاًً عن شيء ولا يرفع، وهذا عندي على نصف حد القيام، وكأنه الوسط بين الانتصاب التام وبين السجود، فلنعتقد ذلك، ولنتخذه معتبرنا. فأقول: قد مضى أن أقل الركوع أن ينحني المصلي حتى يصير بحيث لو مد يديه، نالت راحتاه ركبتيه، مع اعتدال الخلقة. وأنا أقول الآن: بين القيام التام وبين الانتهاء إلى الوسط الذي هو رتبة الكمال مسافة، فأقل الركوع هو أن يصير أقرب إلى الوسط [في انحنائه منه إلى انتصابه، فهذا حدُّ أقلّ الركوع قطعاً. ثم كما تنقسم المسافة من هيئة الانتصاب إلى الوسط] (٢) في جهة الهوي، فكذلك إذا فرض انتهاض القاعد إلى حد الركوع، فبين قعوده

стр. 1114

والوسط الذي جعلناه معتبرنا في هذا الفصل مسافة، فإن نهض منحنياً، وكان أقرب إلى حد الوسط، فهذا من هذه الجهة انتهاء إلى حد الراكعين، وهو أنقص من الكمال، ولكنه في حد الركوع [فإذا انتهى إلى حد الركوع] (١) من قعوده، ثم رجع، سجد، فإن انتهض، ولم يصر أقرب من حد الوسط، فليس منتهياً إلى حد الركوع، فيرجع ولا يسجد. فهذا كشف الغطاء في ذلك كلِّه، وأين يقع هذا الفصل من غوامض الفقهِ؟ فلينظر الطالب في أسراره وليُكْبر الفقهَ في نفسه. ٩٨٩ - ثم أقول وراء ذلك: من راعى من أصحابنا الانتهاض إلى حد الراكعين، فلو فرض عليه الانتصاب من غير هيئة الانحناء إلى القرب من القيام، فإنه يثبت السجود هاهنا، ولا شك أنه لو فرض على من يراعي الانتهاء إلى قرب القيام أن ينتهي إلى حد الراكعين وصورتهم، ثم يرجع، فإنه يقول: إنه يسجد، فإنه أتى بصورة الركوع وانصرف، فكان هذا ركوعاً زائداً أتى به ساهياًً، فاقتضى سجوداً لا محالة. فهذا نجاز الفصل بما فيه. فصل ٩٩٠ - قد ذكرنا أن من ترك التشهد الأول ساهياً وانتصب قائماً، فليس له أن يقطع القيام بعدما لابسه؛ فإنه لو فعله، كان قاطعاً فرضاً لاستدراك مسنون، ولو عاد، نُظر: فإن كان معتقداً امتناع الرجوع والقطع، فخالف عقدَه ورجع، بطلت صلاته. وإن كان يعتقد مذهب أحمد بن حنبل في فرضية (٢) التشهد الأول، فرجع، لم تبطل صلاته.

стр. 1115

ولو التبس عليه مع انتحاله مذهب الشافعي أن الرجوع ممنوع، فرجع على ظن جواز الرجوع، لم تبطل صلاته، وأُمر بسجود السهو على ما ذكرناه. ٩٩١ - ولو كان مقتدياً بإمامٍ، فهمّ إمامُه بالقيام ونهض إليه، فبادره المأموم بحق القدوة، واتفق سبقُه إلى حد القيام، ثم علم الإمام أنه غالط، وما كان انتهى إلى حد القائمين، فرجع إلى التشهد، والمأموم قد انتهى إلى حد القيام التام، فهل يرجع إلى القعود للاقتداء بإمامه؟ اختلف أئمتنا في هذه المسألة، فذهب بعضهم إلى أنه يرجع، وفاء بالقدوة التي نواها والتزمها، فان ذلك واجب، وإذا فعل ذلك، لم يكن قاطعاً واجباً لمكان سُنَّة، وإنما يقطع قياماً غلط في ملابسته، بسبب تحقيق موافقته لإمامه. والثاني - أنه لا يقطع القيام، بل يصابره إلى أن يلحقه إمامه فيه، وهذا لا يبين إلا بأن يعلم أن المقتدي لو تقدم على إمامه بركنٍ واحد قصداً، لم تبطل صلاتُه، ولم تنقطع قدوته، وكان ذلك بمثابة ما لو تخلف عن إمامه بركن. وسنذكر ذلك في أحكام الجماعة، ونذكر خلافاً فيه. ٩٩٢ - فليقع التفريع على ظاهر المذهب. فيخرج عن ذلك أن الخلاف الذي ذكرناه في جواز الرجوع إلى متابعة الإمام، فمن أئمتنا من منعه، وقال: لو رجع مع العلم بامتناع الرجوع، بطلت صلاته. ومنهم من قال: يجوز له الرجوع. ولم يوجب أحد الرجوع؛ فإنه لو قام قصداً، وترك متابعة إمامه في التشهد، لم نقض ببطلان صلاته، وكان في حكم من تقدم على إمامه بركن، فانتظره فيه حتى لحقه. وهذا يتضح بصورة أخرى، وهي أنه لو قام قصداً إلى القيام من غير فرض زلل، وتقدير غلطٍ منه، فالوجه القطع بأنه لا يجوز له قطع القيام في هذه الصورة. وسنذكر نظيراً لذلك على الاتصال، فنقول: إذا رفع المأموم رأسه عن الركوع قبل ارتفاع الإمام قصداً، وانتصب قائماً، فلو أراد أن يرجع، لم يكن [له] (١) قطعاً، ولو فعله على علم

стр. 1116

بامتناع ذلك الرجوع، بطلت صلاته؛ فإنه يكون راكعاً ركوعين في ركعة واحدة، وهو مبطل للصلاة. ٩٩٣ - ولو كان موقف الإمام بعيداً، فسمع المأموم صوتاً، وحسب أن الإمام قد انتصب، فارتفع، ثم تبين له أن الإمام بعدُ في الركوع، فهل له أن يرجع ويركع؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يجوز الرجوع، كما لو تعمد رفع الرأس من الركوع؛ لأنه لو رجع، كان آتياً بركوعين، وذلك غير سائغ، كما تقدم ذكره في العامد، ومنهم من قال: يجوز الرجوع؛ فإن قيامه كان من غلط، فإذا رجع، كان كما لو لم يقم واستدام الركوع. ٩٩٤ - ثم إذا قلنا: يجوز الرجوع إلى التشهد، فلو قيل لنا: ما الأولى؟ لم يتجه إلا القطع بأن الأولى ألا يرجع، ويصابر القيام، فلو لم يستفد بذلك إلا الخروج عن الخلاف، لكان ذلك كافياً، فإنه لا يجب عليه الرجوع، وفي العلماء من يصير إلى أنه لا يسوغ الرجوع، فكان إيثار الخروج عن الخلاف أمثل. ٩٩٥ - ولو رفع رأسه عن الركوع غالطاً كما ذكرناه، ثم هم بالرجوع، فكما (١) هم به، ارتفع إمامه من حد الراكعين، فليس له أن يرجع، فإنه إنما كان يرجع لإيثار متابعة الإمام، والآن لا يصادف الإمامَ راكعاً، فلا محمل لعوده إلا تثنية الركوع صورة في ركعة واحدة، وذلك غير سائغ، وتعمده مبطل للصلاة، كما تقدم تقريره. فإن قيل: هلا قلتم: إنه انتصب قائماً غالطاً، فلا يُعتد بانتصابه، فليعد -وإن لم يصادف إمامَه- قطعاً للغلط، ثم يفتتح انتصاباً بعد ذلك؟ قلنا: لا أصل لهذا الكلام؛ فإنه إذا كان يجوز أن يتعمّد فينتصب سابقاً للإمام، فالإصرار على إدامة هيئة القيام، وإن اقترن بالانتصاب غلطٌ (٢) هو (٣) الوجه، فإن تعديد الركوع من

стр. 1117

المبطلات، وتقدّم الإمام بركن من جملة ما يحتمل. فقد تقرر ما حاولناه. ولو كان وقوع مثل ما ذكرناه على وجه الغلط يُثبت الرجوع، لوجب أن يقال: الإمام أو المنفرد إذا قام غالطاً، ولم يتشهد التشهد الأول، فإنه يعود بعد التلبس بالقيام، فإن انتصابه كان على حكم الغلط، فدل على أن التعويل في صورة الخلاف المذكورة في هذا الفرع على المتابعة، والجريان على موجب القدوة، والعود إلى التأسي والاقتداء، وهذا إنما يتحقق إذا كان يصادف الإمام فيما تركه وتقدمه. فهذا حاصل القول في ذلك. فصل ٩٩٦ - رعاية الترتيب واجبة في أركان الصلاة، فلو أخلّ المصلي بالترتيب قصداً، بطلت صلاته، وإن ترك الترتيب ساهياً، لم يُقْض ببطلان صلاته، ولكن لا يُعتد بما يأتي به على خلاف الترتيب، ثم قد يقتضي ذلك إحباطَ بعض ما يأتي به في الأوساط، كما سنوضحه بالأمثلة والصور. ٩٩٧ - فنقول: إذا ترك الرجل سجدة في الركعة الأولى، وقام إلى الثانية ناسياً، فما يأتي به من قيام، وقراءة، وركوع في الركعة الثانية، فغير محسوبٍ، ولا مُعتد به؛ فإن الركعة الثانية مرتبة على الركعة الأولى، فما لم يؤدِّ جميعَ أركان الركعة الأولى، لا يحتسب بما يأتي به في الركعة الثانية. وكذلك لو أتم الركعة الأولى، وأخل بركن في الثانية، وقام إلى الثالثة، فلا يعتد بشيء من أعمال الثالثة حتى يتدارك ما أخل به في الثانية. فيخرج من ذلك أن الترتيب مستحق، وتَرْكُه عمداً قاطع للصلاة، مبطل لها، وتركه ناسياً لا يبطلها، ولكن يتضمن ألا يُعتدَّ بما يأتي به على خلاف الترتيب.

стр. 1118

٩٩٨ - ونقل بعض الناس من مذهب أبي حنيفة (١) أن الترتيب ليس بمستحق، وهذا غير صحيح من مذهبه، ولكنه يقول: لو ترك أربع سجدات من أربع ركعات، فأعمال الركعات محسوبة، وعلى من ترك السجدات الأربع أن يأتي بأربع سجدات وِلاء في آخر الصلاة، فإذا فعل ذلك، انجبر النقصان، وانقطعت السجدات على مواقعها. وحقيقة مذهبه أن يقول: إذا أتى في كل ركعة بسجدة واحدة، فقد تقيدت كل ركعة بسجدة، والركعة المتقيدة بسجدة في حكم ركعة تامة عنده، ولو أخَّر أربع سجدات قصداً من الركعات، فإنه يأتي بها وِلاء عنده في آخر الصلاة، وتصح الصلاة. ولو أخلى الركعات عن السجدات كلها، فإن كان ذلك عمداً، بطلت صلاته، وإن كان سهواً، لم يعتد بشيء من أعمال تلك الركعات، ومذهبه كمذهبنا في هذه الصورة. وكذلك لو أخلى كل ركعة عن ركوعها، أو قراءتها، فهذا عمدُه مبطل، وسهوه مقتضٍ ألا يحتسب بما يأتي به على خلاف الترتيب، كل هذا مما وافقنا فيه. فخرج عن مجموع ما ذكرناه أن الترتيب مستحق بالاتفاق، فليقع التعويل في الدليل على اشتراط الترتيب بالإجماع. وما ذكره أبو حنيفة في إخلاء كل ركعة عن سجدة واحدة، لم يذكره، لأنه لا يراعي الترتيب، ولكنه اعتقد أن الركعة إذا تقيدت بسجدة، كانت في حكم الركعة التامة، وهذا زلل بيّن؛ فإن الركعة لو تمت، لما وجب تدارك السجدة المتروكة، وأنزلت الركعة المقيّدة بسجدة منزلةَ الركعة التي تدارَك المسبوقُ فيها إمامَه في الركوع؛ فإنها محسوبة، وإن لم يجر فيها القيام على ما يجب عند التمكن. فقد تمهد إذن ادعاء الإجماع في اشتراط الترتيب، وحُمل مذهب أبي حنيفة في ترك أربع سجدات من أربع ركعات على أمر تخيله في تمام كل ركعة واستقلالها بالسجدات المفردات.

стр. 1119

٩٩٩ - فإذا تمهد ذلك، فنحن نذكر صوراً في ترك سجدات من ركعات على حكم السهو، ونذكر مقتضى المذهب فيها إذا تَفصَّل (١) للمصلي بعد السهو كيفية الأمر، ثم نذكر ترك سجدات مع التباس الأمر في الكيفية. فلو ترك سجدةً من الركعة الأولى، وجرى في صلاته على حكم السهو، ثم تذكر كيفية الحال في آخر الصلاة، فنقول: يحصل له من الركعتين الأوليين في الصلاة الرباعية ركعةٌ واحدةٌ؛ فإنه لما قام إلى الركعة الثانية وعليه سجدة من الأولى، فالقيام والقراءة والركوع والاعتدال عنه غير محسوب في الركعة الثانية، لما تقدم تقريره من ترك الترتيب، فلما انتهى إلى السجدتين، احتسبنا له منهما بسجدة واحدة، وتممنا الركعة الأولى، والسجدة الثانية غير معتد بها، وكأنه صلى ركعة واحدة، وأتى لها بثلاث سجدات ساهياً، فيُعتدّ بسجدتين. وتلغى الثالثة. ١٠٠٠ - ولو ترك سجدة من الركعة الأولى، ثم قام إلى الركعة الثانية ساهياً، ونسي السجدتين جميعاً في الركعة الثانية، ثم أتى في الركعة الثالثة بسجدتين فيحسب له من الركعات الثلاث ركعةٌ واحدة؛ فإن عمله في الركعة الثانية كلا عمل، وما أتى به في الركعة الثالثة قبل السجدتين، فغير محسوب ولا معتد به، فلما انتهى إلى السجدتين، احتسبنا إحداهما، وكملنا به الركعة الأولى، وأحبطنا الثانية، فتحصل له من المجموع ركعةٌ واحدة تامة. ١٠٠١ - ولو تبين للذي يصلي أربع ركعات في آخر صلاته أنه ترك من كل ركعة سجدة، فنقول: حصل له ركعة واحدة من الأولى والثانية، وحصلت له ركعة ثانية من الثالثة والرابعة، فيقوم ويضم إليها ركعتين كاملتين ويسجد للسهو، لمكان الزيادة التي يعتد بها. ١٠٠٢ - ولو ترك سجدة من الأولى، وسجدتين من الثانية، وأتى بسجدتين في الثالثة، وأتى بسجدة واحدة في الرابعة وأخذ يتشهد على أنه أتى بالركعات الأربع على

стр. 1120

كمالها، ثم تذكر حقيقةَ الحال، تبين أنه حصل له من ثلاث ركعات ركعة واحدة، والرابعة ناقصة بسجدة، وإذا تذكر ذلك، فعليه أن يكمل الركعة الأخيرة بسجدة، فإذا فعل، فقد حصلت له الآن ركعتان، فيقوم ويصلي ركعتين تامتين، ثم يتشهد ويسجد سجدتي السهو. ١٠٠٣ - ومن القواعد الواضحة في مذهب الشافعي في ذلك، أنه لو ترك المصلي سجدات من ركعات، وأشكل عليه مواضعها، وكيفيةُ الأمر في تركها، واستمر الإشكال، فحق عليه أن يأخذ بأسوأ الأحوال، وما يقتضي مزيدَ العمل على أقصى التقدير في التدارك؛ فإن مذهب الشافعي وجوبُ بناء الأمر عند وقوع الإشكال على الأقل المستيقن، وتدارك المشكوك فيه. ١٠٠٤ - وبيان ذلك بالتصوير، أنه لو علم في آخر الصلاة الرباعية أنه نسي أربع سجدات، ولا يدري كيف جرى تركها، فنقول: لو كان تمم الركعتين الأوليين وترك أربع سجدات من الثالثة والرابعة، وأخلاهما عن السجود وتشهد، وتذكر، لكُنا نقول: اسجد سجدتين وقد تمت لك ثلاث ركعات، فقم إلى الركعة الرابعة، فهذا حكم هذه الحالة لو كانت. ولو كان ترك من كل ركعة سجدة، وبان له ذلك بالأخرة، لكُنا نقول: أنت على ركعتين، فقم إلى ركعتين كاملتين: هما ثالثتك ورابعتك. ولو كان ترك سجدة من الأولى، وسجدتين من الثانية، وسجدة من الرابعة، لكُنا نقول: إذا بان ذلك، أنت الآن على ركعتين إلا سجدة، فاسجد سجدة وقد حصلت ركعتان، وقم إلى تمام ركعتين. فهذا بيان وجوه الكلام في ترك أربع سجدات [من أربع ركعات، لو تبينت الكيفية، وتفصل الأمر. فإذا علم أنه ترك أربع سجدات] (١)، ولم يدر كيف تركها، وكيف انقسم تركها على الركعات، فوجه الأخذ بالأسوأ والبناء على الأقل المستيقن، أن نأخذ بترك

стр. 1121

سجدة من الأولى، وسجدتين من الثانية، وسجدة من الرابعة، فيسجد سجدة، وقد تمت ركعتان على قطع، ويقوم إلى ركعتين تامتين، ثم يتشهد بعدهما، ويسجد للسهو، ويسلم. ١٠٠٥ - وكان شيخي أبو محمد يذكر حيث انتهينا إليه أنه إذا ترك أربع سجدات وأشكل عليه كيفية الأمر، فيسجد سجدتين، ويقوم ويصلّي ركعتين تامتين، وكان يعلل ذلك ويقول: يحتمل أنه ترك السجدتين من الثالثة، والسجدتين من الرابعة، وتمَّمَ الركعة الأولى والثانية. ولو كان الأمر كذلك، لكان الحكم أن يسجد سجدتين، وقد تمت له ثلاث ركعات، ويقوم إلى الرابعة، فإذا أشكل الأمر، فلا يأمن أن يكون الأمر كذلك، فتنحتم سجدتان في الحال، ولو قام، ولم يأت بهما والحالة هذه، بطلت صلاته، فنأمره أن يأتي بسجدتين، ولا يحتسب له إلاّ ركعتان مما أتى به، فيقوم ويصلي ركعتين، فيكون قد أتى بكل ما يقدر وجوبه. وهذا الذي ذكره غير سديد عندي؛ فإن السجدة الثانية لا تقع موقع الاعتداد في حسابٍ أصلاً، وإنما يقدر الاعتداد بسجدةٍ واحدة، وحيث قدر ﵀ ترك السجدات الأربع من الثالثة والرابعة، فلو سجد سجدتين، حصل له ثلاث ركعات، وإذا كان الإشكال مستمراً، لا يحصل إلاّ ركعتان، والركعتان تحصلان بسجدة واحدة يأتي بها، ثم يقوم إلى ركعتين أخريين تامتين، والسجدة الثانية إنما أوجبها الشيخ أخذاً من تقدير ترك الأربع من الثالثة والرابعة، وفي هذا التقدير لو سجد سجدتين، لحصلت ثلاث ركعات، فلا وجه لما قاله، إلا أنه قد يجب سجدتان في هذا المقام، ولا يجوز تأخيرهما، فَلْيأتِ بهما، وإن كان لا يستفيد بالثانية شيئاًً معتداً به، وهذا مدخول؛ فإن ما لا يُعتد به قطعاً لا معنى للإتيان به، ولئن كان في الاقتصار على سجدة متعرضاً لإمكان تأخير سجدة في حساب، فليحتمَل ذلك في حال الإشكال إذا كان الإتيان بالكمال يحصل. والذي يكشف الغطاء في ذلك أنه إن وجب سجدتان لا يعتد بإحداهما لتقدير أنهما قد يقدر وجوبُهما الآن مع تقدير تحريم تأخيرهما، فهذا يعارضه أن السجدة الثانية قد تكون زائدة والإتيان بسجدة في غير أوانها مبطلٌ للصلاة، وهذا يعارض ما ذكره،

стр. 1122

وإذا تعارضا، تعين صرفُ الأمر عند الإشكال إلى ما يقدّر أن يقع معتداً به. وإنما زدت الكلام في ذلك؛ لأن شيخي كان يتولع بما حكيته، ويكرره في دروسه، وهو عندي زلل غير معدود من المذهب أصلاً. وكل ما ذكرناه فيه إذا استمر الإشكال إلى آخر الصلاة على ما يقدره صاحب الواقعة آخر صلاته، ثم تبين الأمر، أو دام الإشكال في الكيفية. ١٠٠٦ - فأمّا إذا نسي سجدة من الركعة الأولى، وقام إلى الثانية، ثم تذكر في الثانية ما جرى، نُظر، فإن تذكر وهو في أثناء القيام، فلا شك أنه يقطع القيام، ويعود فيستدرك السجدة المنسية. ثم نفصل القول. فنقول: إن سجد في الأولى سجدةً، فلا يخلو إما أن ينتصب عَقِيبَها (١) قائماً من غير جلوس، وإما أن يجلس، ثم يقوم إلى الركعة الثانية، فإن لم يجلس، وانتصب قائماً، ثم تذكر وأمرناه بالعود، فيعود ويجلس، ثم يسجد عن جلوسٍ، أم يكفيه أن يسجد عن قيام من غير جلوس؟ ذكر أئمتنا في ذلك وجهين في الطرق كلها: أحدهما - أنه يجلس ثم يسجد، فإن المسألة مفروضة فيه إذا لم يكن جلس على إثر السجدة الأولى، والجلوس بين السجدتين ركن كالسجدة نفسها، وهذا ظاهر المذهب. والوجه الثاني - أنه لا يلزمه الجلوس؛ فإن الغرض من الجلوس الفصلُ بين السجدتين [بانتصابٍ تام، والقيام الذي جرى أفاد ذلك الفصلَ، فليقع الاكتفاء به، وكل هذا في التحقيق يؤول إلى أن الجلسة بين السجدتين ركنٌ مقصود أم الغرض منها الفصل بين السجدتين] (٢)؟ وسيأتي بعد ذلك من التفريع ما يشهد لهذا الاختلاف.

стр. 1123

ثم من يكتفي بالقيام فاصلاً، فلا شك أنه يمنع الإتيان بذلك عن الجلوس في حال الذكر، وإنما يقيم القيام مقام الجلسة إذا جرى وفاقاً مع النسيان، والسبب فيه أن القيام ركنٌ مقصود في نفسه، فالإتيان به إقدامٌ على زيادة ركن على نظم الصلاة وترتيبها، فيكون كزيادة ركوع أو سجود. ولو قيل: الجلوس أيضاً يقع في أوانه ركناً، ويقع به الفصل بين السجدتين؟ فالجواب أن القيام يخالف مورد الشرع، ففي الإتيان به إتيان بصورة ركن على خلاف الشرع، والمتَّبع الشرعُ في العبادات، هذا أصل الشافعي في قاعدة العبادات. فهذا إذا لم يكن جلس عَقِيب السجدة الأولى من الركعة الأولى، فأما إذا كان جلس، ثم قام قبل أن يسجد السجدة الثانية، نُظر: فإن جلس على قصد الفصل بين السجدتين، ثم طرأت غفلة أذهلته عن السجدة الثانية، فقام، فإذا تذكر، وقطع القيام، فلا يجلس، بل يهوي ساجداً؛ فإن الجلوس قد أتى به على وجهه، ثم قام. وإن جلس على قصد جلسة الاستراحة وقام، فقد أتى بصورة الجلوس، فإن كنا نقيم القيام مقام الجلوس بين السجدتين، فلا كلام، وإن لم نُقمْه مقام الجلوس، ففي الجلوس الذي أتى به على قصد الاستراحة وجهان: أحدهما - أنه كافٍ ولا حاجة إلى الجلوس عند العود. والثاني - أنه لابد من الجلوس؛ فإن الجلوَس الذي أتى به قبل السهو نوى به إقامة السنة، والفرض لا يتأدى بقصد السنة، وهذان الوجهان كالوجهين فيما إذا أغفل المتوضىء لمعةً من وجهه في الغسلة الأولى، ثم تداركها في الغسلة الثانية، وقصد بالغسلة الثانية إقامةَ السنة، ففي سقوط الفرض عن اللمعة التي أغفلها وجهان، تقدم ذكرهما في الطهارة. ولو ترك سجدة من الركعة الأولى، وقام إلى الركعة الثانية، ثم تذكر بعدما انتهى إلى الركوع، فإنه يقطع الركوع ويهوي منه إلى السجود، كما تقدم، ثم التفصيل في القعود كما تقدم.

стр. 1124

فصل ١٠٠٧ - يجمع مجامع الكلام فيما يقتضي سجود السهو، فنذكر ما رسمه أئمة المذهب في التقسيم، ثم نذكر حقيقةً تُطلع الناظرَ على سرّ الفصل إن شاء الله تعالى. قال الأئمة: سجود السهو يتعلق بترك مأمور به، وارتكاب منهي عنه: فأما المأمور به الذي يتعلق به سجود السهو، فلا شك أن من ترك ركناً من صلاته، لم ينجبر ما تركه بسجود السهو، ولا بد من تدارك ما تركه؛ فإذاً لا يتعلق السجود إلا بترك بعض السنن، ولا خلاف أنه لا يتعلق بترك جميعها، وإنما يتعلق ببعضها. فالسنن التي يتعلق السجود بتركها: الجلوسُ للتشهد الأول، والقنوت في صلاة الصبح، وإن عُدَّ الوقوف للقنوت، ثم ذُكر القنوت لم يبعد، والصلاة على الرسول في التشهد الأول مختلف فيه، كما مضى في باب صفة الصلاة، فإن لم نرها، فلا كلام، وإن أمرنا بها، فهي من الأبعاض التي يتعلق السجود بها، والصلاة على الآل مختلف فيها أيضاً، ثم إن اعتبرناها، وأمرنا بها، يتعلق بتركها سجود السهو. ثم سمى الأئمة هذه المأمورات أبعاضاً، ولست أرى في هذه التسمية توقيفاً شرعياً، ولعل معناها أن الفقهاء قالوا: يتعلق السجود ببعض السنن، ثم قالوا: هذه السنن هي الأبعاض التي يتعلق بها السجود، والأبعاض تنطلق على الأقل، وما يتعلق به سجود السهو أقل مما لا يتعلق به السجود من السنن. ثم من أثبت التشهد الأول سنة، ولم يقض بكونه فرضاً، مجمعون على تعلق سجود السهو به، وكذلك من رأى القنوت مأموراً به، رآه من الأبعاض التي يتعلق بتركها السجود. وأبو حنيفة (١) لمّا أثبت القنوت في الوتر، علق بتركه السجود، كذلك من رأى القنوت في صلاة الصبح، وفي ذلك آثار عن جهة (٢) الصحابة.

стр. 1125

ويستمر (١) على مذهبنا في غير القنوت شيء، وهو أن كل سنة ذهب إلى وجوبها طائفة من الأئمة، فهو (٢) من الأبعاض، وأحمد بن حنبل أوجب الجلوس الأول، والتشهدَ والصلاة (٣)، فجرى ما ذكرناه. والقنوتُ في صلاة الصبح لم يبلغني فيه خلاف في الوجوب، فلعل المتبع فيه الآثار. ثم من ترك بعضاً من هذه الأبعاض سهواً، سجد، ومن تركها عمداً، فهل يسجد؟ فعلى وجهين: أحدهما - يسجد؛ لتحقق الترك، وهذا القائل يرى العمدَ أولى بالجبران، وأبعد بالعذر (٤). والوجه الثاني - أنه لا يسجد، وهو مذهب أبي حنيفة (٥)، ووجهه أن الساهي معذور، فأثبت له الشرع مستدركاً. ومن تعمّد الترك، فقد التزم النقصان، فلم يثبت له الشرع سبيلَ الجبران. فهذا تفصيل القول في المأمور به الذي يتعلق بتركه السجود. ١٠٠٨ - فأما المنهي عنه، فقد قال الأئمة: كل منهي عنه لو تعمده المصلي، بطلت صلاته، ولو وقع منه سهواً، لم تبطل صلاته، فنأمره إذا سها، وأتى به، بالسجود.
следующие страницы →