سجدة من الأولى، وسجدتين من الثانية، وسجدة من الرابعة، فيسجد سجدة، وقد تمت ركعتان على قطع، ويقوم إلى ركعتين تامتين، ثم يتشهد بعدهما، ويسجد للسهو، ويسلم.
١٠٠٥ - وكان شيخي أبو محمد يذكر حيث انتهينا إليه أنه إذا ترك أربع سجدات وأشكل عليه كيفية الأمر، فيسجد سجدتين، ويقوم ويصلّي ركعتين تامتين، وكان يعلل ذلك ويقول: يحتمل أنه ترك السجدتين من الثالثة، والسجدتين من الرابعة، وتمَّمَ الركعة الأولى والثانية. ولو كان الأمر كذلك، لكان الحكم أن يسجد سجدتين، وقد تمت له ثلاث ركعات، ويقوم إلى الرابعة، فإذا أشكل الأمر، فلا يأمن أن يكون الأمر كذلك، فتنحتم سجدتان في الحال، ولو قام، ولم يأت بهما والحالة هذه، بطلت صلاته، فنأمره أن يأتي بسجدتين، ولا يحتسب له إلاّ ركعتان مما أتى به، فيقوم ويصلي ركعتين، فيكون قد أتى بكل ما يقدر وجوبه.
وهذا الذي ذكره غير سديد عندي؛ فإن السجدة الثانية لا تقع موقع الاعتداد في حسابٍ أصلاً، وإنما يقدر الاعتداد بسجدةٍ واحدة، وحيث قدر ﵀ ترك السجدات الأربع من الثالثة والرابعة، فلو سجد سجدتين، حصل له ثلاث ركعات، وإذا كان الإشكال مستمراً، لا يحصل إلاّ ركعتان، والركعتان تحصلان بسجدة واحدة يأتي بها، ثم يقوم إلى ركعتين أخريين تامتين، والسجدة الثانية إنما أوجبها الشيخ أخذاً من تقدير ترك الأربع من الثالثة والرابعة، وفي هذا التقدير لو سجد سجدتين، لحصلت ثلاث ركعات، فلا وجه لما قاله، إلا أنه قد يجب سجدتان في هذا المقام، ولا يجوز تأخيرهما، فَلْيأتِ بهما، وإن كان لا يستفيد بالثانية شيئاًً معتداً به، وهذا مدخول؛ فإن ما لا يُعتد به قطعاً لا معنى للإتيان به، ولئن كان في الاقتصار على سجدة متعرضاً لإمكان تأخير سجدة في حساب، فليحتمَل ذلك في حال الإشكال إذا كان الإتيان بالكمال يحصل.
والذي يكشف الغطاء في ذلك أنه إن وجب سجدتان لا يعتد بإحداهما لتقدير أنهما قد يقدر وجوبُهما الآن مع تقدير تحريم تأخيرهما، فهذا يعارضه أن السجدة الثانية قد تكون زائدة والإتيان بسجدة في غير أوانها مبطلٌ للصلاة، وهذا يعارض ما ذكره،
стр. 1122
وإذا تعارضا، تعين صرفُ الأمر عند الإشكال إلى ما يقدّر أن يقع معتداً به.
وإنما زدت الكلام في ذلك؛ لأن شيخي كان يتولع بما حكيته، ويكرره في دروسه، وهو عندي زلل غير معدود من المذهب أصلاً.
وكل ما ذكرناه فيه إذا استمر الإشكال إلى آخر الصلاة على ما يقدره صاحب الواقعة آخر صلاته، ثم تبين الأمر، أو دام الإشكال في الكيفية.
١٠٠٦ - فأمّا إذا نسي سجدة من الركعة الأولى، وقام إلى الثانية، ثم تذكر في الثانية ما جرى، نُظر، فإن تذكر وهو في أثناء القيام، فلا شك أنه يقطع القيام، ويعود فيستدرك السجدة المنسية. ثم نفصل القول. فنقول: إن سجد في الأولى سجدةً، فلا يخلو إما أن ينتصب عَقِيبَها (١) قائماً من غير جلوس، وإما أن يجلس، ثم يقوم إلى الركعة الثانية، فإن لم يجلس، وانتصب قائماً، ثم تذكر وأمرناه بالعود، فيعود ويجلس، ثم يسجد عن جلوسٍ، أم يكفيه أن يسجد عن قيام من غير جلوس؟ ذكر أئمتنا في ذلك وجهين في الطرق كلها: أحدهما - أنه يجلس ثم يسجد، فإن المسألة مفروضة فيه إذا لم يكن جلس على إثر السجدة الأولى، والجلوس بين السجدتين ركن كالسجدة نفسها، وهذا ظاهر المذهب.
والوجه الثاني - أنه لا يلزمه الجلوس؛ فإن الغرض من الجلوس الفصلُ بين السجدتين [بانتصابٍ تام، والقيام الذي جرى أفاد ذلك الفصلَ، فليقع الاكتفاء به، وكل هذا في التحقيق يؤول إلى أن الجلسة بين السجدتين ركنٌ مقصود أم الغرض منها الفصل بين السجدتين] (٢)؟ وسيأتي بعد ذلك من التفريع ما يشهد لهذا الاختلاف.
стр. 1123
ثم من يكتفي بالقيام فاصلاً، فلا شك أنه يمنع الإتيان بذلك عن الجلوس في حال الذكر، وإنما يقيم القيام مقام الجلسة إذا جرى وفاقاً مع النسيان، والسبب فيه أن القيام ركنٌ مقصود في نفسه، فالإتيان به إقدامٌ على زيادة ركن على نظم الصلاة وترتيبها، فيكون كزيادة ركوع أو سجود.
ولو قيل: الجلوس أيضاً يقع في أوانه ركناً، ويقع به الفصل بين السجدتين؟ فالجواب أن القيام يخالف مورد الشرع، ففي الإتيان به إتيان بصورة ركن على خلاف الشرع، والمتَّبع الشرعُ في العبادات، هذا أصل الشافعي في قاعدة العبادات.
فهذا إذا لم يكن جلس عَقِيب السجدة الأولى من الركعة الأولى، فأما إذا كان جلس، ثم قام قبل أن يسجد السجدة الثانية، نُظر: فإن جلس على قصد الفصل بين السجدتين، ثم طرأت غفلة أذهلته عن السجدة الثانية، فقام، فإذا تذكر، وقطع القيام، فلا يجلس، بل يهوي ساجداً؛ فإن الجلوس قد أتى به على وجهه، ثم قام.
وإن جلس على قصد جلسة الاستراحة وقام، فقد أتى بصورة الجلوس، فإن كنا نقيم القيام مقام الجلوس بين السجدتين، فلا كلام، وإن لم نُقمْه مقام الجلوس، ففي الجلوس الذي أتى به على قصد الاستراحة وجهان: أحدهما - أنه كافٍ ولا حاجة إلى الجلوس عند العود.
والثاني - أنه لابد من الجلوس؛ فإن الجلوَس الذي أتى به قبل السهو نوى به إقامة السنة، والفرض لا يتأدى بقصد السنة، وهذان الوجهان كالوجهين فيما إذا أغفل المتوضىء لمعةً من وجهه في الغسلة الأولى، ثم تداركها في الغسلة الثانية، وقصد بالغسلة الثانية إقامةَ السنة، ففي سقوط الفرض عن اللمعة التي أغفلها وجهان، تقدم ذكرهما في الطهارة.
ولو ترك سجدة من الركعة الأولى، وقام إلى الركعة الثانية، ثم تذكر بعدما انتهى إلى الركوع، فإنه يقطع الركوع ويهوي منه إلى السجود، كما تقدم، ثم التفصيل في القعود كما تقدم.
стр. 1124
فصل
١٠٠٧ - يجمع مجامع الكلام فيما يقتضي سجود السهو، فنذكر ما رسمه أئمة المذهب في التقسيم، ثم نذكر حقيقةً تُطلع الناظرَ على سرّ الفصل إن شاء الله تعالى.
قال الأئمة: سجود السهو يتعلق بترك مأمور به، وارتكاب منهي عنه: فأما المأمور به الذي يتعلق به سجود السهو، فلا شك أن من ترك ركناً من صلاته، لم ينجبر ما تركه بسجود السهو، ولا بد من تدارك ما تركه؛ فإذاً لا يتعلق السجود إلا بترك بعض السنن، ولا خلاف أنه لا يتعلق بترك جميعها، وإنما يتعلق ببعضها.
فالسنن التي يتعلق السجود بتركها: الجلوسُ للتشهد الأول، والقنوت في صلاة الصبح، وإن عُدَّ الوقوف للقنوت، ثم ذُكر القنوت لم يبعد، والصلاة على الرسول في التشهد الأول مختلف فيه، كما مضى في باب صفة الصلاة، فإن لم نرها، فلا كلام، وإن أمرنا بها، فهي من الأبعاض التي يتعلق السجود بها، والصلاة على الآل مختلف فيها أيضاً، ثم إن اعتبرناها، وأمرنا بها، يتعلق بتركها سجود السهو.
ثم سمى الأئمة هذه المأمورات أبعاضاً، ولست أرى في هذه التسمية توقيفاً شرعياً، ولعل معناها أن الفقهاء قالوا: يتعلق السجود ببعض السنن، ثم قالوا: هذه السنن هي الأبعاض التي يتعلق بها السجود، والأبعاض تنطلق على الأقل، وما يتعلق به سجود السهو أقل مما لا يتعلق به السجود من السنن.
ثم من أثبت التشهد الأول سنة، ولم يقض بكونه فرضاً، مجمعون على تعلق سجود السهو به، وكذلك من رأى القنوت مأموراً به، رآه من الأبعاض التي يتعلق بتركها السجود.
وأبو حنيفة (١) لمّا أثبت القنوت في الوتر، علق بتركه السجود، كذلك من رأى القنوت في صلاة الصبح، وفي ذلك آثار عن جهة (٢) الصحابة.
стр. 1125
ويستمر (١) على مذهبنا في غير القنوت شيء، وهو أن كل سنة ذهب إلى وجوبها طائفة من الأئمة، فهو (٢) من الأبعاض، وأحمد بن حنبل أوجب الجلوس الأول، والتشهدَ والصلاة (٣)، فجرى ما ذكرناه. والقنوتُ في صلاة الصبح لم يبلغني فيه خلاف في الوجوب، فلعل المتبع فيه الآثار.
ثم من ترك بعضاً من هذه الأبعاض سهواً، سجد، ومن تركها عمداً، فهل يسجد؟ فعلى وجهين: أحدهما - يسجد؛ لتحقق الترك، وهذا القائل يرى العمدَ أولى بالجبران، وأبعد بالعذر (٤).
والوجه الثاني - أنه لا يسجد، وهو مذهب أبي حنيفة (٥)، ووجهه أن الساهي معذور، فأثبت له الشرع مستدركاً. ومن تعمّد الترك، فقد التزم النقصان، فلم يثبت له الشرع سبيلَ الجبران.
فهذا تفصيل القول في المأمور به الذي يتعلق بتركه السجود.
١٠٠٨ - فأما المنهي عنه، فقد قال الأئمة: كل منهي عنه لو تعمده المصلي، بطلت صلاته، ولو وقع منه سهواً، لم تبطل صلاته، فنأمره إذا سها، وأتى به، بالسجود.
стр. 1126
وطمع المحققون في طرد هذا الحد وعكسه، في قبيل المنهيات، وقالوا: ما كان عمدُه مبطلاً وفاقاً، فسهوه مقتضٍ للسجود وِفاقاً، وما لا فلا، وما اختُلف في أن عمدَه هل يبطل الصلاة؟ اختُلف في أن سهوه هل يقتضى السجود؟ وسنوضح الوفاء بهذا في الطرد والعكس.
١٠٠٩ - ومما يخرج على الطرد ترك ترتيب الأركان؛ فإن من قام إلى الركعة الثانية ولم يأتِ بسجدة في الأولى، فإن تعمد ذلك، بطلت صلاته، وإن كان ساهياً، استدركَ الركنَ، كما تقدم تفصيله، وسجد للسهو كما تقدم، وكذلك من زاد ركوعاً أو سجوداً عمداً، بطلت صلاته، ومن سها به سجد، ومن تكلم عامداً، بطلت صلاته، ومن سها به سجد.
ثم من الأصول التي تلتحق بذلك فيما زعموه، أن من طوَّل ركناً قصيراً، أو نقل إليه ركناً، فجمع بين التطويل، ونقْل الركن، [كمن يقرأ] (١) في رفع الرأس من الركوع الفاتحة. قالوا: هذا إذا سها بذلك، يسجد للسهو، وجهاً واحداً، ولو تعمد، بطلت صلاته.
ولو قرأ التشهد في القيام، أو الركوع، أو السجود، أو قرأ الفاتحة في القعود في التشهد، فإن جرى ذلك سهواً، ففي الأمر بسجود السهو وجهان، فإن جرى عمداً، ففي بطلان الصلاة وجهان.
ولو طول القومة عن الركوع بسكوتٍ، أو ذكرٍ ليس بفرض، ففي كونه مبطلاً عند التعمد وجهان، وكذلك في اقتضائه سجودَ السهو عند السهو وجهان، وقال هؤلاء: إن وُجد تطويل الركن القصير، ونقْلُ ركنٍ إليه، فهذا أوان القطع بالبطلان في العمد، والأمر بالجبران في السهو، وإن وجد تطويلٌ بلا نقلٍ؛ كتطويل القيام عن الركوع من غير نقلٍ، أو وجد نقل بلا تطويل ركن قصير، كالذي يقرأ الفاتحة في التشهد، أو التشهد في القيام، ففي المسألة وجهان في البطلان عند التعمد، والجبران بالسجود عند السهو.
стр. 1127
١٠١٠ - فهذه طريقة مشهورة للأئمة، ثم إنا نستتمها ونخوض بعد نجازها في طريقة أخرى.
قال العلماء: القَوْمةُ عن الركوع قصيرة، لا تطويل فيها، إلا القومة التي شُرع القنوت فيها، وكذلك القَوْمةُ عن الركوع في صلاة التسبيح مطولة بالتسبيح، وقد صح ذلك عن رسول الله ﷺ (١)، والقيام، والركوع، والسجود، والقعود، والتشهد، كل ذلك طويل. والقعود بين السجدتين مختلف فيه، فالذي ذهب إليه الجمهور، وهو اختيار ابن سريج أنه من الأركان الطويلة، بخلاف القيام عن الركوع، وقال الشيخ أبو علي: هو عندي كالقيام عن الركوع؛ فإن الظاهر أنه مشروع للفصل بين السجدتين، كما أن الاعتدال عن الركوع مشروع للفصل. وهذا الذي ذكره في شرح التلخيص، وهو منقاس حسن، وظاهر قول الأئمة يخالفه.
فهذه طريقة ظاهرة سردناها على وجهها، ومغزاها ربط الجبران في حالة السهو بالبطلان في حالة العمد، وفاقاً، وخلافاً، في النفي والإثبات جميعاًً.
١٠١١ - وذكر بعض الأئمة مسلكاً آخر حسناً، وهو حقيقة الفصل عندي، فقال: من قرأ التشهد في قيامه، أو الفاتحة في تشهده عمداً، لم تبطل صلاته وجهاً واحداً، وفي اقتضاء ذلك سجود السهو عند السهو وجهان مشهوران، وقد ذكر بعض أئمتنا: أن من قرأ الفاتحة، أو بعضاً منها في قيامه من الركوع عمداً، لا تبطل صلاته أيضاً.
١٠١٢ - والآن ازدحمت المسائل واختلاف الطرق، فالوجه ذكر ما قيل، ثم اختتام الفصل بترجمة تضبط الطرق.
فأقول أولاً: المصير إلى بطلان الصلاة على من تعمد، فقرأ التشهد في القيام، أو الفاتحة في التشهد بعيدٌ عن القانون، وسبيل الكلام أن نقول: قد قدمنا أن من قرأ
стр. 1128
الفاتحة مرتين قصداً في القيام، لم تبطل صلاته، وعُدَّ مصير أبي الوليد النيسابوري في ذلك إلى البطلان من هفواته، وعندي أن المصير إلى بطلان الصلاة بسبب قراءة التشهد على وجه التعمد في القيام، أو القراءة في القعود، قريب من مذهب أبي الوليد في الفاتحة؛ فإن قراءة الفاتحة ركنٌ، فإذا [زيدت وأُعيدت] (١)، لم يجعلها الأئمة كزيادة ركوع أو سجود.
وأما ما حكيته من أن تطويل القيام عن الركوع لا يُبطل الصلاة عند بعض الأصحاب، فالنقل فيه صحيح، ولكن القول فيه يتعلق بترك الموالاة في الصلاة، وهذا أوان بيانه، فأقول:
١٠١٣ - ظاهر المذهب أن تطويل الاعتدال عن الركوع غيرُ سائغ؛ فإنه لو ساغ، لم يكن لمصير الأصحاب إلى أن الموالاة شرط في الصلاة معنى؛ فإن الأركان الطويلة إذا كانت تقبل التطويل من غير رعاية [ضبطٍ في ذلك وحدّ، فلا يستقر في رعاية] (٢) الموالاة كلامٌ، إلا في الاعتدال عن الركوع، وكان السرّ فيه أنه غير مقصود في نفسه، وأن الغرض منه -وإن كان فرضاً- الفصلُ بين الركوع والسجود، فينبغي ألا يطول الفصل فيما لا يقصد به إلا الفصل، فإن تطويلَه تركٌ لوِلاء الأركان في الصلاة. فمن قال: تطويلة لا يبطل الصلاة أصلاً، فلا يبقى عنده للوِلاء في الصلاة معنى.
والجلسة بين السجدتين عدها الأكثرون من الأركان المقصودة، فهي مطولة إذن، وقال الشيخ أبو علي: هي كالاعتدال من الركوع.
١٠١٤ - وقد قدمنا خلافاً في تطويل الاعتدال عن الركوع من غير نقل ركنٍ إليه، ونحن الآن نزيد طريقة أخرى، صح عندنا النقل فيها، فحاصل القول أن في تطويل قَوْمة الاعتدال عن الركوع أوجه: قال قائلون: عمد التطويل مبطل إلا في محل القنوت، وصلاة التسبيح؛ فإنه تَرْكٌ للوِلاء، والموالاة لا بد منها في الصلاة، والتطويل المجرّد عند هذا القائل من المبطلات.
стр. 1129
وقال آخرون: التعمد بالتطويل المجرد لا يبطل، حتى ينضمَّ إليه نقلُ ركن إليه، وهذ لست أعرف له وجهاً سديداً منقحاً كما أحب.
وقال القفال فيما نقل بعضهم عنه: إن قنت في غير موضعه عامداً في اعتداله، بطلت صلاته، فإن طوّل بذكرٍ آخر، ولم يقصد به القنوت، لم تبطل صلاتُه، فصار ذلك طريقة أخرى.
وقال طوائف من محققينا: لا تبطل صلاتُه بتطويل الاعتدال على أي وجهٍ فُرض، وهذا وإن أمكن توجيهه، ففيه رفْع معنى الموالاة في أركان الصلاة، كما تقدم.
فهذه طرق مختلفة.
١٠١٥ - ومن تمام القول في الموالاة أن بعض أصحاب القفال حكى عنه أن من طول السكوت وهو منفرد أو إمام في ركن طويل، بطلت صلاته إذا تعمد، وهذا يختص به إن صح النقل فيه، وهو غريب، فإن أمكن توجيهه؛ فإنه خروج عن هيئة المصلين، فكان كالأفعال الكثيرة المتوالية، ويمكن أن يقال أيضاً، هو في حكم ترك الموالاة؛ فإن الصلاة مبناها على تواصل القراءة، والأذكار والدعوات، فَلْيَتَأمل الناظر اختلاف الطرق.
١٠١٦ - وأنا أقول: من ربط الأمر بالسجود بتقدير البطلان عند العمد، فقد طرد قياساً، وإن كان فيه من البعد ما وصفته، من أن المصير إلى بطلان الصلاة بقراءة التشهد في القيام فيه بعض [البعد] (١)، ومن قال: لا تبطل الصلاة بذلك وجهاً واحداً، وفي سجود السهو وجهان، فقد يقول: لا تبطل الصلاة بالقراءة في الاعتدال من الركوع، فكأن هذا القائل نحا في السجود نحواً آخر، وهو السرّ الموعود.
فقال: التشهد الأول وإن لم يكن ركناً، ولم يكن تعمد تركه مبطلاً للصلاة، ففي تركه سجود السهو، فلا يبعد أن يكون في المنهتات ما ينزل تركه منزلة الإتيان بالتشهد في المأمورات.
стр. 1130
وحاصل القول يرجع عند هذا القائل إلى أمرِ بديع، وهو أن المصلي مأمور بالتصوّن والتحفظ، وإحضار الفكر والذهن، حتى لا يتكلم ولا يفعل فعلاً كثيراً، والأمر في ذلك مؤكد عليه حسب تأكد الأمر بالتشهد، وإن سها وتكلم، فالساهي على الجملة معذور غير مكلف في حالة اطّراده بسهوه، ولكنه يؤمر بالسجود، لتركه التحفظ عن الغفلات بإدامة الذكر، فكأنَّ كلَّ سجوب منوطٌ بترك أمر مؤكد غير محتوم، فالأمر بالتشهد وما في معناه من الأبعاض، والأمر بالتحفظ إذا ظهر تركه والهجوم على منهي عنه من هذا القبيل.
فلينعم الناظر نظرَه في ذلك، وليعلم أن المعتمد عند هذا القائل تركُ ما يغير نظمَ الصلاة تغييراً ظاهراً؛ فإنّ ترك التشهد الأول يغير النظمَ الظاهر المألوف في الصلاة، كذلك تركُ التحفظ حتى يؤدي إلى تطويل ركن، أو نقل ركن مما يغير النظمَ الواضح، والشعارَ البيّن فتعلق به على الوفاق والخلاف السجود.
وأما ترك تسبيح الركوع والسجود، وتكبيرات الانتقالات، والجهرِ في الجهري، والإسرارِ في السري، فلا تبلغ هذه الأشياء مبلغ تغيير الشعار الظاهر، والنظم المألوف
وقد خالف أبو حنيفة (١) في بعض ما ذكرناه، فأثبت السجود في الجهر بالقراءة في الصلاة السرية، وفي الإسرار بها في الصلاة الجهرية، وسبب مصيره إلى ذلك تغيير الشعار.
١٠١٧ - وقال أبو حنيفة (٢): على من ترك التكبيرات الزائدة في صلاة العيد السجود، وكنت أود أن يصير إلى ذلك صائر من أصحابنا، من جهة أن التكبيرات الزائدة في صلاة العيد قريبة الشبه بالقنوت في الصلاة المختصة بالقنوت، ولكن قد ينقدح في ذلك فرق لا بأس به، وهو أن التكبير في يوم العيد من شعار اليوم، ولذلك
стр. 1131
نستحبه في الطرق والمساجد، وفي أثناء الخطبة، وفي الصلاة، فكأن التكبيرات ليست من خصائص الصلاة بخلاف القنوت. ثم في السجود لترك القنوت آثارٌ عن الصحابة ذكر المزني بعضها.
١٠١٨ - ثم نقول: إن صار أصحابنا إلى ربط سجود السهو ببعض السنن المؤكدة، فالذي ذكروه لا يبعد، مع مصيرهم إلى أن سجود السهو سنة، فلا يبعد أن يُجبرَ مسنون بمسنون، وأما أبو حنيفة، فقد علق سجود السهو بسنة، ثم أوجب سجود السهو (١)، وإيجاب الجبران في مقابلة ترك المسنون بعيد عن التحصيل.
وقد انتهى تفصيل المذهب فيما يقتضي سجود السهو على اختلاف الطرق وتباين المسالك، فإن شذ عن الضبط شيء، تداركناه برسم فروع وفصول إن شاء الله تعالى.
فرع (٢):
١٠١٩ - إذا رفع المصلي رأسه عن السجدة الثانية في الركعة الأولى، فظن أنها الثانية، فقعد ليتشهد، فالذي ذكره الأئمة: أنه إن افتتح التشهد، أو طول هذه الجلسة، سجد للسهو.
قال الصيدلاني: المقتضي للسجود أحد الأمرين: إمّا الأخذ في التشهد، وإما تطويل القعود، ولم أر في ذلك خلافاً، وكأن التشهد في غير موضعه في تغيير هيئة الصلاة ينزل منزلة ترك التشهد المشروع المسنون في أوانه، وجلسةُ الاستراحة لا تطول وفاقاً، وليس فيه من التردد ما حكيناه في الجلسة بين السجدتين.
ثم من قال من أئمتنا: من طوَّل الاعتدال عن الركوع قصداً، أو قنت فيه عمداً، بطلت صلاته، فلا بد وأن يقول: إذا تشهد في جلسة الاستراحة قصداً أو طولها، كان الحكم في بطلان الصلاة عند التعمد، كالحكم في تطويل الاعتدال عن الركوع.
فرع:
١٠٢٠ - نقل الشيخ أبو علي في شرح التلخيص عن ابن سريج أنه قال: من جلس عن قيام في الركعة الأخيرة، فسها، وظن أنه قد سجد، فتشهد، ثم تذكر،
стр. 1132
فلا شك أنه لا يعتد بالتشهد، وأنه يسجد ويتشهد مرة أخرى، ثم يسجد للسهو، فإنا نأمر من طوَّل جلسة الاستراحة، أو تشهد فيها بالسجود، وذلك الجلوس مشروع على الجملة، فأما الجلوس عن القيام، فغير مشروع، وإذا تشهد فيه قبل السجود الركن سجد للسهو.
١٠٢١ - وقال: لو سجد في الركعة الأخيرة سجدة واحدة، واعتدل جالساً، وظن أنه فرغ من السجدتين وتشهد، ثم تذكر، فيسجد السجدة الثانية، ويعيد التشهد، لا محالة؛ رعايةً للترتيب، ولا يسجد للسهو؛ فإن الجلسة بين السجدتين طويلة، وهي محل الذكر، فلم يطوّل ركناً قصيراً، ولم يأت بجلوس في غير موضعه، والتشهد الذي أتى به بمثابة ذكرٍ آخر من الأذكار يأتي به.
فقال أبو علي: يحتمل أن أقول: الجلسة بين السجدتين قصيرة، وهي للفصل كالاعتدال عن الركوع، وهذا قد مضى ذكره، ثم قال: إن سلّمنا أنها طويلة، فقد أتى فيها بالتشهد، وهو على الجملة ركن أتى به في غير أوانه، وقد ذكرنا خلافاً ظاهراً للأصحاب فيمن نقل ركناً إلى ركن طويل، كالذي يتشهد في قيامه، أو يقرأ في قعوده، وهل يسجد للسهو؟ والذي ذكره الشيخ أبو علي حسن بالغٌ جارٍ في قاعدة المذهب.
١٠٢٢ - وأنا الآن أذكر شيئاًً لا بدّ من التنبيه له، فأقول: الركوع لا يعهد في الصلاة إلا ركناً، فلا جرم نقول: من زاد ركوعاً قصداً، بطلت صلاته، وكذلك القيام لا يكون إلا ركناً، فلو زاد قياماً قصداً، بطلت صلاته، فأما الجلوس، ففي الصلاة جلوس مشروع، وهو الجلوس للتشهد، وجلسة الاستراحة بين السجدتين، فلو جلس المصلي لمَّا انتهى إلى السجود من القيام جلسةً خفيفة، وسجد منها، لم تبطل صلاته؛ فإنه ليس آتياً بما لا يعهد إلا ركناً، وهو في نفسه ليس في حد الفعل الكثير أيضاً. ولكن لو طال الجلوس أو ابتدأ التشهد، فقد أتى بما يغير نظمَ الصلاة تغييراً ظاهراً، فنأمره بسجود السهو.
فإن قيل: في الصلاة سجود ليس بركن وهو سجود التلاوة، وسجود السهو؟
стр. 1133
قلنا: هما يقعان لعارض يعرض، فكأنهما ليسا من الصلاة، والجلسة المستحبة تقع من نفس الصلاة، وهذا بين.
ولو كان قائماً، فجلس، ثم قام عمداً، بطلت صلاته، لا لعين الجلوس، ولكن لأنه قطع القيام ثم عاد إليه، فكان آتياً بقَوْمَتين. فهذا منتهى ما أردناه في ذلك.
فرع:
١٠٢٣ - ذكر الشيخ أبو علي في شرح التلخيص: أن القاعد للتشهد لو قرأ سورةً أخرى سوى الفاتحة، كما لو قرأ الفاتحة. وهذا الذي ذكره متجه حسن، من جهة أن المعتبر تغيير الشعار الظاهر في الصلاة، ولكن ينقدح على مذاهب طوائفَ خلافُ ذلك، من جهة أن هذا ليس نقلَ ركن من محله إلى غيره.
فصل
١٠٢٤ - قد ضبطنا فيما تقدم طرقَ الأصحاب فيما يتعلق به سجود السهو تفصيلاً وتعليلاً، ومضمون هذا الفصل الآن شيئان: أحدهما - لو شك هل سها أم لا كيف يكون حكمه؟
والثاني - أنه لو استيقن السهوَ، وشك في سجود السهو فبماذا يؤمر؟
١٠٢٥ - أما الشك في السهو، فقد قال الأئمة: السهو ينقسم إلى ترك مأمورٍ، وارتكاب منهي، أما المأمورات، وهي الأبعاض، فإن شك هل ترك شيئاًً منها، (١ فالأصل أنه لم يأت به، فيسجد للسهو.
وأما المنهيات، فإن شك في ارتكاب شيء منها ١)، فقد أجمع أئمتنا أنه لا يسجد، كالذي شك هل سلم أو تكلم في صلاته، فلا يسجد، والأصل أنه لم يأت بذلك المنهي، فالمتبع إذاً في الأصلين بناء الأمر على أنه لم يأت بما شك في الإتيان به.
قال العراقيون: من شك في الإتيان بمنهي، فلا سجود عليه إلا في مسألة واحدة،
стр. 1134
وهي أنه لو شك المصلي في أعداد ركعات الصلاة، فلم يدرِ أثلاثاً صلّى، أم أربعاً؟ وبنى على المستيقن، فإنه يسجد. وسبب السجود أنه شك هل زاد في صلاته، والزيادة منهي عنها، وقد شك هل أتى بها أم لا، ومع ذلك أجمع الأئمة على أنه مأمور بالسجود، ونطق به الخبر.
وذكر الشيخ أبو علي: أن السجود في حق من شك وبنى على المستيقن معلل بأن الركعة التي أتى بها (١ إن كنت زائدة، فقد زاد ساهياً، وإن كانت رابعة، فقد أتى بها ١) وهو على التردد فيها، فوهى بهذا السبب قصدُه في إقامة الفرض، فهذا هو المقتضي للسجود.
ثم يتفرع على ما ذكرناه في ذلك:
فرع:
١٠٢٦ - وهو أنه لو بنى على الأقل، وقام إلى ركعة يجوز أن تكون خامسة، فلما انتهى إلى آخر صلاته، تبين أنها كانت رابعة قطعاً، فالذي قطع به الشيخ أبو علي أنه يسجد للسهو. وهو مستقيم على طريقه؛ فإنه قد أدى الركعة الرابعة وهو متردد في فرضيتها.
وكان شيخي يقول: لا يسجد في هذه الصورة؛ فإنه لو سجد، لكان ذلك السجود على مقابلة خَطْرة محضة تحقق زوالها، وكان يقول: الوجه في الأمر بالسجود في قاعدة المسألة الخبرُ الصحيح، ولا يستقيم ذلك على وجه من المعنى، ثم الحديث ورد فيه إذا دام الشك، ولم يزُل، فالوجه الاقتصار على مورد الخبر.
نعم، لو استيقن أنه زاد ركعةَّ فَي آخر صلاته، فالأمر بالسجود في هذه الصورة مترتب على أصل مجمع عليه مقطوع به؛ فإنه زاد في صلاته أركاناً ناسياً، وهذا مما يقتضي السجود.
فهذا كله فيه إذا شك هل سها أم لا.
١٠٢٧ - فأما إذا استيقن السهو، وشك قبل السلام، فلم يدر أسجد للسهو، أم لا، فَلْيَسْجد؛ فإن سجود السهو مشكوك فيه، والأصل عدمه، فيتعين الإتيان به،
стр. 1135
وكذلك لو شك، فلم يدر أسجد سجدةً أو سجدتين، فيأخذ بأنه سجد سجدة واحدة، ويأتي بسجدة أخرى.
ثم أجمع الأئمة قاطبة في أنه بهذا السبب الذي جرى، وهو بناؤه على الأقل وإتيانه بسجده أخرى لا نأمره بسجدتي السهو ابتداءً، وإن كان قياس البناء على الأقل في ركعات الصلاة يوجب أن يسجد هاهنا؛ فإنه يجوز أن تكون السجدة التي أتى بها أو السجدتان جرتا على حكم الزيادة، وأنه قبلهما سجد سجدتين، وحكى الأئمة الوفاق في ذلك من المذاهب كلها.
وفي هذه المسألة جرت مفاوضة بين الكسائي (١) وأبي يوسف (٢)، فإن الكسائي قال: من تبحر في صنعةٍ يهتدي إلى سائر الصنائع، فقال أبو يوسف: فأنت متبحر في العربية، فما قولك فيمن شك هل سجد للسهو أم لا؟ فأَخَذَ (٣) بأنه لم يسجد، فسجد، هل يلزمه السجود لجواز أن السجدة التي أتى بها بعد التردد زائدة؟ فقال الكسائي: لا يسجد، فسأله العلّة، فقال: لأن المصغَّر لا يصغر. فذكر العلة في صيغة مسألة من العربية، وذلك لأن التصغير لو صغر، لصغر تصغير التصغير، ثم هذا يتسلسل إلى غير نهاية.
كذلك الذي سجد للسهو في السجود، فلو أمرناه بالسجود لذلك، فقد يسهو على النحو الأول، فلو سجد السجدتين الأخريين اللتين أمرناه بهما، فيحتاج إلى أن يسجد مرة أخرى، ثم يفرض مثل هذه الوسوسة أبداً. فعُدَّ هذا من محاسن آثار فطنة الكسائي؛ فإنه أصاب أولاً في الجواب، ثم طبق مفصل التعليل، وأتى بمسألة من
стр. 1136
العربية وفاء بما كان ادعاه أولاً، من أن التهدّي في صنعةٍ مرشدٌ إلى غيرها.
وتمام الحكاية أنه سأله في المجلس بعد إصابته في المسألة الأولى عن الطلاق قبل النكاح في المسألة المشهورة، فقال: لا يقع ويلغو، فسأله العلة، فقال: لا يسبق السيلُ المطر، فاستعمل مثلاً سائراً، وأشار إلى معتمد من يُبطل تعليق الطلاق قبل النكاح؛ فإنه يقول: الطلاق تصرُّفٌ في النكاح فترتب عليه، فتقديره سابقاً غير مستقيم.
فرع:
١٠٢٨ - إذا اعتقد المصلِّي أنه سها، وما كان عَقْدُه متردداً، فسجد سجدتي السهو، ثم تبين له قبل أن يسلم أنه ما كان ساهياً، فقد قال بعض المحققين: يسجد الآن قبل أن يسلم سجدتين، من جهة أن سجدتي السهو المعتقد أوّلاً عينُ السهو، فقد تحقق قبل أن يتحلل عن صلاته أنه زاد في الصلاة سجدتين، وهذا يقتضي السجود.
وكان شيخي يقول: لا يسجد في هذه الصورة، وهذا فيه فقه، فلا يمتنع أن يقال: سجدتا سهوه سهوٌ من وجه وجبرانٌ من وجه، فهما يجبران أنفسهما، كما يجبران كل سهو يقع، وهذا كإيجابنا شاة في أربعين شاة، فإذا أخرجها المكلّف فهي تطهر النصاب، والنصاب أربعون، فقد طهرت ما بقى، وطهرت نفسها، وهذا يعتضد بما تمهد من أن السجود يتداخل وإن تعدد السهو.
فرع:
١٠٢٩ - إذا سها وسجد سجدتي السهو، فلما رفع رأسه عن السجدة الثانية، تكلم ناسياً؛ فإنه لا يسجد لمكان هذا السهو، وقد اتفق الأئمة عليه، وهو يقرب من صورة التسلسل من جهة أنه يتوقع أن يسهو مرة أخرى لو أمرناه تقديراً بالسجود ثانياً، والتحقيق فيه أن سجود السهو لا يتعدد بتعدد السهو عند العلماء، ولذلك أخرنا سجدتي السهو إلى آخر الصلاة، حتى يتقدم عليه كل ما يفرض من سهو، ولما كان السجود يتعدد بتعدد تلاوة الآيات التي تقتضي سجودَ التلاوة، استعقبَ كلُّ تلاوة سجدتَها.
فإذا تمهد ذلك، فإن سجد للسهو المتقدم، ثم سها قبل السلام، فيقدر كان هذا السهو تقدم على السجود؛ إذ مبنى الباب على أن السجود لا يتعدد بتعدد السهو، ولهذا أخرنا سجود السهو، فإن اتفق وقوع سهو بعد السجود، فذاك في حكم المجبور بالسجود المقدم.
стр. 1137
١٠٣٠ - وذهب ابن أبي ليلى (١). إلى أنه يقتضي كلُّ سهوٍ سجدتين، وهو مع ذلك لا يُعقب كلَّ سهو سجدتين، بل يؤخر السجدات، وقد احتج بما رواه عن ثوبان عن النبي ﷺ أنه قال: "لكل سهو سجدتان" (٢)، واعتمد الشافعي حديث ذي اليدين، فإنه تعدَّدَ السهو من رسول الله ﷺ ، فإنه سلم ناسياً، ثم استدبر القبلة، ثم تكلم، ثم سجد سجدتين.
وأما حديث ثوبان، فقد رأى الشافعي فيه محملاً، وذلك أنه أراد ﵇ أن يبين أن سجود السهو يتعلق بأصناف من السهو بعضها تَرْك، وبعضها فعل، فلا يختص ثبوت السجود بصنف، وهو بمثابة قول القائل: لكل ذنب توبة، أي لا يختص وجوب التوبة بنوع دون نوع.
والذي ذكره الشافعي تأويل محتمل، وحديث ذي اليدين لا يقبل وجهاً من التأويل في الغرض الذي نحن فيه.
١٠٣١ - ثم قال صاحب التلخيص: لا تتعدد سجدتا السهو إلا في مسائل منها: أن القوم إذا كانوا يصلون الجمعة، فسَهَوْا، وسجدوا، ثم بان لهم أن الوقت خارج، فإنهم يتمون الصلاة ظُهْراً ويسجدون مرة أخرى.
وكذلك المسافر إذا سها في صلاة مقصورة وسجد، ثم بان له قبل التحلل أن السفينة قد انتهت إلى دار الإقامة؛ فإنه يتمم الصلاة، ويعيد السجود.
والسبب في هذا الجنس أن الصلاة إذا زادت، وانقلبت عن العدد المقدر فيها، فالسجود يقع في وسط الصلاة غيرَ معتد به، فإذا بطل، فلا بدَّ من الإتيان بالسجود في آخر الصلاة، وإن كان يصح الاستثناء لو كان يعتد بالسجودين، ولا يبطُل واحد منهما.
стр. 1138
ومما استثناه أن المسبوق إذا سجد مع إمامه، وكان سها إمامه، فإذا قام وتدارك ما فاته، فإنه يسجد في آخر صلاة نفسه.
وهذا سببهُ أن ما أتى به مع إمامه كان لأجل المتابعة، وسجود السهو ما يأتي به في آخر الصلاة.
فصل
١٠٣٢ - مضمون هذا الفصل أمران: أحدهما: تفصيل القول في أن المقتدي إذا سها وراء الإمام كيف يكون حكمه؟
والثاني - أن الإمام إذا سها، فكيف يجري الأمر في حق المأموم؟
فأما المأموم إذا سها في حال كونه مقتدياً، فالإمام يحمل عنه سهوه، ولا يسجد الإمام بسهو المأموم، ولا يسجد المأموم بسهو نفسه (١ وهذا متفق عليه.
ولو كان مسبوقاً، فسها مع إمامه، ثم انفرد بتدارك ما فاته، فلا يسجد في آخر صلاة نفسه ١)؛ فإن السهو الذي جرى مع الإمام محطوط، لا حكم له.
١٠٣٣ - ثم ذكر صاحب التلخيص جوامع القول فيما يتحمله الإمام عن المأموم، فعدّ من جملتها سجودَ السهو، كما ذكرناه.
ومما يتحمله: سجود التلاوة، فإن المأموم لو قرأ آية فيها سجود التلاوة، لم يسجد.
ويتحمل عن المقتدي قراءةَ السورة، ودعاء القنوت على التفصيل المذكور في صفة الصلاة.
ويتحمل عن المسبوق الذي أدركه في الركوع قراءةَ الفاتحة، واللُّبث في القيام، ولا يتحمل أصل القيام، فلو أوقع المسبوق التكبيرة في الركوع، لم تنعقد صلاته.
стр. 1139
ومما عده الجهرُ؛ [فإن المأموم لا يجهر بالقراءة] (١) في الصلاة الجهرية، ثم قال: لا يجهر المأموم بشيء إلا بالتأمين، وفيه الخلاف المذكور فيما سبق.
ومما يتحمله القعدة الأولى في صورةٍ، وهو أن يدرك المسبوق الإمامَ في الركعة الثانية، فإذا قعد الإمام للتشهد، فالمأموم يتابعه، وهو غير محسوب للمقتدي في صلاته، ثم يقوم الإمام إلى الثالثة، فإذا فرغ، لم يقعد، وهذا أوان قعود المأموم لو كان يتمكن، لكنه لا يجلس، فجلوسه في أوانه متحمّلٌ محطوطٌ عنه.
فرع:
١٠٣٤ - المسبوق إذا اقتدى، فلما سلم إمامُه، سلم هذا المقتدي غالطاً، فتذكر، بنى على صلاته، وسجد للسهو؛ فإن سهوه -وهو سلامه- وقع بعد سلام إمامه، فقد سها منفرداً، فكان عليه أن يسجد.
١٠٣٥ - ولو كان مسبوقاً بركعة، فجلس إمامه للتشهد الأخير، فسمع المسبوق صوتاً، وظن أن إمامه قد تحلل عن صلاته، فبنى الأمر عليه، وقام، وتدارك الركعة، ثم جلس، والإمام بعدُ في الصلاة، فقد قال الأئمة: لا يعتد له بهذه الركعة، فإنه أتى بها مع إمامه، وحكم القدوة متعلّق به، وما نوى الانفراد وقَطْع القدوة، ولكنه ظن أن القدوة [زايلته، وما كان الأمر كما ظنه، ولا يتصور مع بقاء القدوة] (٢) أن يحتسب بركعة (٣) للمقتدي، وهو في الصورة منفردٌ فيها - ولو أنه سها في هذه الركعة بأن تكلم ساهياً مثلاً، ثم بان بالأخرة ما بان، فذلك السهو محمول عنه، وهذه الركعة سهو كلها، ولا نأمره أن يسجد بسببها، لأن حكم القدوة باقٍ، ولو كانت المسألة بحالها، فعادَ والإمامُ بعدُ في الصلاة، فإذا سلّم الإمام، قام، وتدارك تلك الركعة، بعد تحلل الإمام، والذي جاء به غير محسوب.
١٠٣٦ - ولو ظن أن الإمام قد سلم، فقام على هذا الظن، ثم تبين في أثناء القيام أن الإمام لم يتحلل بالسلام، فإن آثر أن يرجع لما تبيّن، فهو الوجه، وإن بدا له أن
стр. 1140
يتمادى ويقصد الانفراد قبل تحلل الإمام، فهذا أولاً مبني على أن المقتدي إذا أراد الانفراد ببقية الصلاة، وقطْعَ القدوة، والإمام بعدُ في الصلاة، فهل له ذلك؟ فيه خلاف سيأتي إن شاء الله تعالى. فإن منعنا ذلك، تعين على الذي تبين له حقيقةُ الأمر أن يرجع إلى حكم القدوة.
وإن جُوِّز له الانفرادُ وقطْعُ القدوة، فإذا قام ساهياً، كما تقدم، ثم بدا له أن يتمادى، ففي المسألة وجهان: أحدهما - ليس له ذلك؛ لأن نهوضه إلى القيام وقع غيرَ معتد به، فينبغي أن يعود، ثم يبتدىء انتهاضاً على بصيرة، ويقطع القدوة، إن أراد قطعها.
والثاني - أنه لا يلزمه ذلك؛ فإن الانتهاض إلى القيام في عينه ليس بمقصود، وإنما الغرضُ القيامُ نفسه، وما عداه من الأركان، وقد تمادى الآن فيه، فكان كما لو قصد ذلك عند ابتداء النهوض.
ولا شك أن هذا مفروض فيه إذا لم يكن قرأ في القيام، فإنه لو قرأ، ثم تبين له الأمر، فتلك القراءة لا يعتد بها؛ فإذا تمادى وشرعنا له ذلك، فيلزمه أن يقرأ مرة أخرى.
فهذا كله في سهو المأموم وتحمّل الإمام عنه.
١٠٣٧ - وأما تفصيل القول في سهو الإمام، فسنذكر تفصيل القول في المقتدي الذي ليس مسبوقاً، ثم نذكر حكم المسبوق.
فأما غير المسبوق، فنقول فيه: إذا سها إمامه سهواً يقتضي السجود، نُظر: فإن سجد الإمام، فعلى المقتدي أن يسجد متابعة له، فلو لم يسجد على قصد، بطلت صلاته، لمخالفته مع بقاء حكم القدوة.
فأما إذا لم يسجد إمامه، فالنص أن المقتدي يسجد ثم يسلم.
وقال المزني والبويطي: لا يسجد؛ فإنه ما سها هو في نفسه، وإنما كان يسجد متابعة للإمام. وقد ذهب إلى هذا بعضُ أئمتنا، وعبّر عن الخلاف بأن المقتدي يسجد لسجود الإمام (١ أو يسجد لسهوه؟ فظاهر النص أنه يسجد لسهوه، ولما يلحق صلاتَه
стр. 1141
من حكم النقصان بسبب اقتدائه، والإمام قَدْ سها، ومذهب المزني والبويطي أنه يسجد لسجود الإمام ١)، وهو مذهب [بعض] (٢) أصحابنا، وهو منقاس حسن، وإن كان ظاهر النص بخلافه.
فهذا إذا لم يكن المقتدي مسبوقاً.
١٠٣٨ - فأما إذا كان مسبوقاً، فإن سها الإمام بعد اقتدائه، فإن سجد، فظاهر المذهب أنَّ المقتدي المسبوق يسجد معه؛ (٣ رعاية للمتابعة.
وذكر الشيخ أبو بكر عن بعض الأصحاب أن المسبوق لا يسجد مع الإمام ٣)؛ فإن هذا ليس وقتَ السجود في حق المسبوق؛ إذ موضع سجود السهو آخر الصلاة، وهذا غريب، ولكن حكاه الصيدلاني.
فإذا جرينا على الأصح وهو أن يسجد، فلو سجد، ثم قام إلى استدراك ما فاته، فهل يسجد في آخر صلاته مرة أخرى؟ فعلى قولين: أحدهما - أنه يسجد؛ لأن السجود الذي أتى به مع الإمام لم يكن في آخر صلاته، وإنما أتى به رعاية للمتابعة، فإذا انتهى إلى آخر صلاة نفسه، فليسجد الآن.
والثاني - أنه لا يسجد؛ فإنه قد أتى بحق المتابعة؛ إذ سجد مع الإمام، وليس هو الساهي في نفسه حتى يسجد.
فهذا إذا سها الإمام وسجد.
فأما إذا لم يسجد الإمام، فظاهر النص أن المسبوق يسجد في آخر صلاة نفسه.
وقال المزني والبويطي: لا يسجد، ووافقهما بعض الأصحاب كما تقدم.
ثم لا شك أن الإمام إذا لم يسجد، فالمسبوق لا يسجد في آخر صلاة الإمام، فإن هذا سجودٌ في غير موضعه، إذا نظرنا إلى نظم صلاة المسبوق، ولم يسجد الإمام حتى يتابعه. وإنما الخلاف في أنه هل يسجد في آخر صلاة نفسه؟.
وهذا كله فيه إذا كان المقتدي مسبوقاً، وقد سها إمامه بعد اقتدائه.
стр. 1142
١٠٣٩ - فأما إذا كان سها الإمام قبل اقتدائه، فظاهر المذهب أنه يلحق المقتدى حكمُ السهو، ويكون كما لو سها بعد اقتدائه؛ فإن الصلاة واحدة.
ومنهم من قال: لا يلحقه حكم هذا السهو لأنه جرى وهو غير مقتدٍ، وهذا بعيد ضعيف، ولكن حكاه الصيدلاني على ضعفه، فإن قلنا: يلحقه حكم هذا السهو، فهو كما لو سها الإمام بعد اقتدائه، وقد سبق التفصيل فيه.
وإن قلنا لا يلحقه، فمما يتفرع عليه، أنه لو لم يسجد الإمام، فلا يسجد هو، وجهاً واحداً، وإن سجد الإمام، فالظاهر في التفريع أنه لا يسجد مع إمامه متابعاً، وقال بعض أصحابنا: يسجد معه متابعاً، ولكن لا يسجد في آخر صلاته.
هذا تفصيل القول في سهو الإمام في حق المقتدي [المسبوق] (١).
فرع:
١٠٤٠ - المسبوق إذا سها إمامه بعد اقتدائه وسجد، فسجد المقتدي متابعاً، وفرعنا على أن المسبوق يُعيد السجودَ في آخر صلاة نفسه، فلو تحلل الإمام واشتغل بقضاء ما فاته، فسها بعد انفراده سهواً يقتضي السجود، وقد كان لحقه من جهة الإمام سهو، فالمذهب أنه يكفيه عن الجهتين سجدتان؛ فإنَّ مبنى السجود على التداخل كما ذكرناه.
وذكر العراقيون وجهاً آخر، فقالوا: من أصحابنا من قال: يسجد أربع سجدات، سجدتين عما لحقه من جهة الإمام، وسجدتين عما وقع له لمّا انفرد، والسبب فيه اختلاف جهة السهو، وهو غير سديد، والوجه القطع بأنه يكفي سجدتان عن الجهتين جميعاًً.
فصل
١٠٤١ - سجدة الشكر مسنونة عندنا، ووقتها إذا فاجأت الإنسانَ نعمة كان لا يتوقعها، أو اندفعت عنه بليةٌ، من حيث لا يحتسب اندفاعَها، فمفاجأة النعمة دفعاً ونفعاً يقتضي سجودَ الشكر، وفيه أخبار مشهورة، والسجود على استمرار النعمة
стр. 1143
لا يستحب، وإذا رأى الإنسانُ صاحبَ بلاء، فهاله ما به، فحسنٌ أن يسجد، وقد روي "أن رسول الله ﷺ رأى نُغَاشِياً (١) فسجد شكراً لله تعالى" (٢)، والنغاشي الناقص الخلق.
ثم قال الأئمة: إن رأى مبتلىً - معذوراً فيما به؛ فلا ينبغي أن يسجد بمرأى منه، فإنه قد يتداخله من ذلك غضاضة، وإن رأى فاسقاً مبتلىً بما يعانيه، فينبغي أن يسجد بحيث يراه، فعساه يرعوي عما يتعاطاه.
ثم لا يجوز أن يسجد في الصلاة شكراً، ولو سجد، بطلت صلاته، وإنما جازت سجدةُ التلاوة في الصلاة، لتعلق التلاوة بالصلاة.
١٠٤٢ - فالسجدات إذن عندنا أربعة أصناف: سجدةُ الصلاة، وسجدة التلاوة، وسجدة السهو، وسجدة الشكر.
وسجدة الشكر من جملتها لا تقام في الصلاة. وسجدة الصلاة من أركانها المختصة بها. وسجدة السهو مختصة بها أيضاً، وفي محلّها التفصيل المقدّم في صدر الباب. وسجدة التلاوة تقع في الصلاة وفي غيرها. وسجدة الشكر لا تقع في الصلاة.
ثم كيفية سجود الشكر في الأقل والأكثر بمثابة كيفية سجود التلاوة.
فرع:
١٠٤٣ - اختلف أئمتنا في أن سجود الشكر هل يقام على الراحلة إيماء، وماشياً كذلك؟ وهذا الاختلاف بمثابة الاختلاف في أن صلاة الجنازة هل تقام على
стр. 1144
الراحلة. وسبب الاختلاف في الموضعين جميعاًً أن الركن الأظهر في صلاة الجنازة القيام، فلو أقيمت على الراحلة، لسقط أظهرُ أركانها، كذلك السجدة الفردة إذا اكتفي فيها بالإيماء، كان ذلك في حكم الإسقاط، وذلك كله يشابه إقامة النافلة (١ مضطجعاً إيماء في حالة القدرة، وسيأتي ذلك مشروحاً.
وسجدة التلاوة وإن جرت في صلاة النافلة ١) المقامة على الراحلة، فإنها تقع إيماء؛ فإنها تتبع الصلاة، وليست مستقلة بنفسها، وكذلك سجود السهو، وإن أقيمت سجدة التلاوة في غير الصلاة إيماءً على الراحلة، فهي كسجود الشكر.
...
стр. 1145
باب أقل ما يجزىء من عمل الصلاة
١٠٤٤ - مقصود هذا الباب ذكر أقل ما يجزىء من عمل الصلاة، إذا فرض الاقتصار عليه، وأقل المجزىء هو الأركان مع الشرائط.
وقد عد صاحب التلخيص أركان الصلاة أربعة عشر، فقال: هو (١) النية، وتكبير الإحرام، واستقبال القبلة، والقيام، وقراءة الفاتحة. فهذه خمسة، والركوع (٢)، والاعتدال عنه، والسجود، والاعتدال عنه على هيئة الجلوس، والسجدة الثانية، فهذه خمسة أخرى، ثم الجلوس الأخير، والتشهد، كما مضى ذكر أقلّه، والصلاة على النبي ﷺ ، والسلام. فهذه أربعة أخرى، مجموعها أربعة عشر.
ولم يخالَف فيما ذكره إلا في شيئين: أحدهما - أنه عد استقبال القبلة من الأركان، وقد قيل: إنه من الشرائط، وما ذكره أقرب؛ فإن الطهارة تتقدم على الصلاة، وستر العورة لا يختص وجوبه بالصلاة، وكذلك الإيَمان، فلم تكن هذه الخصال أركاناً، بل هي شرائط، ووجوب استقبال القبلة يختص بالصلاة، ولا يجب تقديمه على عقد الصلاة.
ومما عورض فيه أنه عد السجدة الثانية، وهي متكررة، ويلزم من ذلك أن يعد الركوع على التكرر في ركعتي صلاة الصبح، وهذا قريب، فإنه أراد أن يذكر ما يجب في الركعة الواحدة، ثم ذكر ما يتعلق بآخر الصلاة، وهو القعود، والتشهد، والصلاة، والسلام.
стр. 1146
وقد زاد بعض الأئمة الصلاة على الآل، ونية الخروج، كما مضى مفصلاً، ولم يعدّ صاحب التلخيص الطمأنينة في محالها، لأنه رآها هيئة، وإن كانت واجبة، وعدها بعضُ الأئمة ركناً، فهذا مضمون الباب.
***
стр. 1147
باب طول القراءة وقصرها
قال الشافعي: "يقرأ في صلاة الصبح بعد أم القرآن بطوال المفصَّل، وفي الظهر شبيهاً بالصبح، وفي العصر نحو ما يقرأ في العشاء، وفي المغرب بقصار المفصل" (١).
١٠٤٥ - وفي كلام الشافعي ما يشير إلى أن الأوْلى في قراءة الصبح طوال المفصل، وفي المغرب القصار، وفي الظهر والعصر والعشاء الأوساط، ولعل السبب فيه أن وقت الصبح طويل، والصلاة ركعتان، فحسنٌ تطويلهما، ووقت صلاة المغرب ضيق؛ فشرع فيها القصار، وأوقات صلاة الظهر والعصر والعشاء طويلة، ولكن الصلوات كاملة الركعات، [فقد اجتمع في الصبح سعة الوقت، ونقصان الركعات] (٢) فاقتضى ذلك تطويل القراءة، وقِصَرُ وقت المغرب يقتضي [تقصير القراءة، وسعة الوقت في الصلوات الثلاث يقتضي التطويل] (٣)، وكمالها بالركعات يعارض ذلك، فترتب عليه التوسط (٤).
قال ابن عباس: "صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الصبح يوم الجمعة، فقرأ في الركعة الأولى سورة السجدة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١، ٢] وفي الثانية: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١]، وقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة، والسورة التي فيها ذكر المنافقين" (٥). وعن جابر بن سَمُرَة قال: "قرأ رسول الله
стр. 1148
صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح ﴿يس﴾ و ﴿حم﴾ " (١) وعن عمران بن حصين قال: "قرأ رسول الله ﷺ في صلاة الظهر ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وكان يسمعنا الآية والآيتين" (٢)، وعن بُريدة الأسلمي، قال: "قرأ رسول الله ﷺ في صلاة العشاء ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (٣)، وروي أنه قرأ في صلاة العصر ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ ".
١٠٤٦ - ثم الأمر في تقصير القراءة في المغرب يعمُّ الإمامَ والمنفردَ، لتعلق ذلك بالوقت، وأما ما عداها، فما ذكرناه في حق الإمام؛ حتى لا يتعدى ما رسم له، ولا يتجاوز الحد في التطويل على من خلفه، وقد قال ﵇: "إذا صلى أحدُكم بالناس، فليخفف؛ فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة" (٤)، وقال أنس ابن مالك: "ما صلّيتُ خلف أحد أخف صلاة، ولا أتم من صلاة رسول الله ﷺ " (٥).
وأما المنفرد، فإن رأى تطويلَ الصلاة الراتبة الواسعة المواقيت، فلا حرج.
...
стр. 1149
باب الصلاة بالنجاسة (١)
قال الشافعي: "وإذا صلى الجنبُ بقومٍ أعاد، ولم يعيدوا" (٢).
١٠٤٧ - هذا الفصل بأوصاف الأئمة ألْيق، وسيأتي بابُها، ولكنه صدَّرَ الباب بهذا.
فمن اقتدى بإنسان ثم تبيّن أنه كان محدثاً أو جنباً، فالإمام يعيد الصلاة، وليس على القوم إعادة عندنا، إذا لم يعلموا بطلان صلاة الإمام.
وخالف أبو حنيفة (٣) فيه.
وقال مالك (٤): إن كان الإمامُ عالماً ببطلان صلاته، [فأمَّ الناسَ] (٥) على علم، فلا يصح اقتداؤهم به، ويلزمهم إعادة الصلاة؛ فإن الذي جاء به عبث لا حرمة له، وإن كان جاهلاً، فصلاته فاسدة، ولكنه من حيث إنه معذور لا يبعد أن يثاب على عمله، وإن كانت الإعادة تلزمه.
وقد ذكر صاحب التلخيص قولاً للشافعي مثلَ مذهب مالك.
وسر المذهب المشهور ومُعَولُه، أن المقتدي لو علم أن صلاة إمامه باطلة، واقتدى به، لم تصح صلاته وفاقاً، وكان كما لو استدبر المصلّي القبلة على علم من غير ضرورة، ولو طلب القبلة في محل الاجتهاد، ولم يستيقن إصابةً ولا خطأ،
стр. 1150
فصلاته محكوم بصحتها. وهذا يناظر ما لو اقتدى بإمام، ولم يعلم صحةَ صلاته ولا فسادها.
ولو اجتهد، فتبين آخراً أنه كان استدبر القبلة، ففي وجوب القضاء [قولان] (١) مشهوران سبقا.
وإذا تبين جنابة الإمام وحدثَه، فالذي يقطع به أنه لا قضاء على المأموم، والفرق أنه لا يجب على المقتدي البحثُ عن طهارة إمامه، بل إنما كُلف البناء على الظاهر، فلا ينسب إلى التقصير في طلب مأمور به، ولا تعلق لصلاة إمامه بصلاته على التحقيق، بل كلّ يصلّي لنفسه، والمجتهد في القبلة إذا أخطأ منسوبٌ إلى التقصير في الاجتهاد والطلب، ولو تمم الاجتهاد، لأصاب.
ثم لو صلّى وراء الإمام، فتبين أنه كان كافراً، فعلى المأموم إعادة الصلاة هاهنا قولاً واحداً، وذلك لأن الكافر يتميز بالغِيار (٢) غالباً، ويندر جداً أن يقيم مصرّاً على كفره الصلاةَ على شعار الإسلام، فألحق هذا بما لو اتفق ميلُ الإنسان في مسجد أو دارٍ عن قُبالة القبلة في صلاته لظُلمة أو وجهٍ نادر من وجوه الغلط، فالصلاة تفسد، ولا حكم لما طرأ من الغلط؛ فإن البناء على غالب الأمر.
وكذلك لو اقتدى رجل بامرأة على ظن منه أنها رجل، فالصلاة فاسدة بمثل ما قررناه.
١٠٤٨ - واختلف أئمتنا فيمن اقتدى برجل ثم تيقن أنه موصوف بصنف من صنوف الكفر يستسرّ به غالباً كالزندقة، فمنهم من قال: الاقتداء به على حكم الغلط كالاقتداء بالجنب والمحدِث. ومنهم من قال: الكفر لا يختلف -فيما نحن فيه- حكمه، بل نعمِّم البابَ بإيجاب القضاء على المقتدي فيه؛ فإن التزام تفصيل الأمر بحسب تفصيل الكفر يطول، فالوجه تعميم الباب.
ولو اقتدى رجل بمن ظنه رجلاً، فتبين أنه خنثى، فالذي قطع به الأئمةُ وجوبُ
стр. 1151
القضاء، وإن وقع ذلك خطأً؛ فإن هذا الشخص لا يخفى حاله، والنفوس مجبولة على إشاعة الأعاجيب، وإن حرص الحارصون على كتمانها. وألحق صاحبُ التقريب هذه الحالة بالجنابة والحدث؛ من حيث إنها تخفى، ورد عليه الكافة ما قاله لما ذكرناه.
ولو اقتدى بالرجل، ثم تبين له أنه كان على بدنه أو ثيابه نجاسة خفية، فهذا كالحدث والجنابة، وإن كان عليه نجاسة ظاهرة لا تكاد تخفى، ولكن لم يتفق تأملها، ثم لاحت بعد الصلاة مثلاً، فهذا فيه احتمال عندي؛ فإنها من جنس ما يخفى بندور الظهور وعدم الاطلاع فيه، فشابه هذا الكفرَ الذي يُستتر به غالباً، وقد ذكرنا الخلاف فيه.
١٠٤٩ - ولو طرأ حدث على الإمام، وبطلت صلاته، لم تبطل صلاة المقتدي عندنا، بل ينفرد ببقية صلاته، وأبو حنيفة يبطل صلاة المقتدي بطريان بطلان صلاة الإمام.
فصل
١٠٥٠ - دم البراغيث وما يسيل من دماء البثرات، يتطرق العفو إليه على الجملة، فنذكر ما يتعلق بذلك، ثم نذكر قاعدة المذهب فيما عداه من النجاسات.
فما يخرج من بثرة ببدن الإنسان، أو يتصل به من دماء البراغيث. والبراغيثُ والبقُّ والبعوضُ لا دماء لها في أنفسها ولكنها تقرُص، وتمص الدم، ثم قد تمجها (١)، فهو المعنيُّ بدم البراغيث، فإذن القليلُ من ذلك معفو عنه، إذا لم يمكن التحرز والتصون عنه، وهو مما تعم به البلوى، فيتطرق العفو إليه، ثم يتحقق فيما يقل منه شيئان:
стр. 1152
أحدهما - عمومُ البلوى؛ فإن قليلَه يعم. والآخر - أن المرعيّ في تنزيه البدن والثياب عن النجاسات في الصلاة، تعظيمُ أمرها، وتوقيرُها، وحمل المكلف على إقامتها على أحسن هيئة، وأنظف زينة.
والكثير (١ من الفن الذي نحن فيه قد لا يعم وقوعاً، ولا يظهر الابتلاء به، ويفحش أيضاً في النظر، ولكن ١) من حيث لا ينضبط المَيْزُ بين القليل والكثير، بتوقيفٍ شرعي ولا بوجهٍ من الرأي، قال فقهاؤنا: القليل معفو عنه، وفي الكثير وجهان: أحدهما - لا يُعفى عنه لما ذكرناه، والثاني - يُعفى عنه نظراً إلى الجنس، ولما أشرنا إليه من عسر التمييز بين القليل والكثير، وإذا كان كذلك، فَلَوْ لم يُعفَ عن الكثير، لجرَّ ذلك تنغيصاً في العفو عن القليل، من جهة أنه قد يعتقد المعتقد أن ما يراه قليلاً في أوائل حد الكثرة.
والظاهر في المذهب الفرق بين القليل والكثير، فليقع التعويل عليه.
١٠٥١ - ثم سر هذا الفصل الكلام في ضبط القليل وتمييزه عن الكثير.
نقل الرواة عن الشافعي في القديم أنه قال مرة: "القليلُ من دم البراغيث، وما في معناه، قدرُ الدينار"، وقال مرة أخرى: "قدرُ كف"، وهذا مشكل لا نعرف له مستنداً، وهو في حكم المرجوع عنه، فليعتمد مسلكه في الجديد، [وقد استنبط الأئمة وجوهاً من الكلام من مسالكه في الجديد] (٢)، ونحن نأتي عليها إن شاء الله تعالى.
فقال قائلون: إن كان موضع التلطخ بحيث يلوح ويلمع للناظر من غير احتياج إلى تأمل، فهذا في حكم الكثير، وهذا يستند إلى خروج رتبة الصلاة عن الجهة المبتغاة في التحسين، ورعاية النظافة، فهذا مسلك.
والمسلكُ الأفقه في ذلك: أن المقدار الذي يجري التلطخ به غالباً، ويتعذر التصون منه هو القليل المعفوّ عنه، فنأخذ القليل مما نأخذ منه أصلَ الفصل، وهو
стр. 1153
تعذّر الاحتراز عنه، وهذا أمثل من رعاية اللمعان والظهور؛ فإن ذلك [لا] (١) يستقل بنفسه دون أن يعتبر تعذّر الاحتراز، فإنا سنوضح أن هذا العفو لا يجرى فيما لا يعم وقوع التلطخ به من النجاسات، فإذاً تعذُّر الاحتراز ينبغي أن يتخذ معتبراً في الأصل والتفصيل، وفي تمييز القليل من الكثير.
١٠٥٢ - ثم من سلك هذا المسلك اضطربوا في أن الأمر هل يختلف باختلاف الأماكن والبقاع، وباختلاف الأزمنة، وفصول السنة؟ والذي ذهب إليه المحققون: أن الأمر يختلف باختلاف الأماكن والأزمنة؛ فإن التفاوت بهذه الجهات غالب بيّن، فمن الوفاء برعاية الاحتراز النظر إلى تفاوت الأسباب.
ونقل عن بعض أصحابنا التزامُ التفاوت، ولم يعتبر أقل ما يتوقع في أنقى الأزمنة والأمكنة، ولا أكثرها، ولكن اعتبر وسطاً من الطرفين، وهذا ليس بشيء؛ فإن ضبط هذا الوسط أعسرُ من التزام تتبع الأحوال، فهذا قاعدة الفصل.
١٠٥٣ - ثم الذي أقطع به أن للناس عادةً في غسل الثياب في كل حين، فلا بد من اعتبارها؛ فإن الذي لا يغسل ثوبه الذي يصلي فيه عما يصيبه من لطخٍ سنةً مثلاً، يتفاحش مواقعُ النجاسة من هذه الجهات عليه، وهذا لا شك في وجوب اعتباره.
ومما أتردد فيه أن الثوب السابغ إذا تبددت عليه النجاسةُ فلتفرقها [أثر] (٢) في العفو -فيما أحسب- ولاجتماعها، حتى يكون ظاهراً لامعاً للناظر أثر في وجوب الغسل، سيما على رأي من يرعى في ضبط القلة الظهورَ واللمعان.
وفد نجد في هذا أصلاً قريباً؛ فإن من توالت منه أفعالٌ كثيرة تبطل صلاته، فإن فرقها وتخلل بينها سكينة، لم تبطل صلاته، والاحتمال في هذا ظاهر.
١٠٥٤ - ومما نختم به مواقع الإشكال في ذلك، أنه لو ارتاب المصلي: فلم يدر أن اللطخ الذي به في حد ما يعفى عنه، أو في حد الكثير الذي لا يعفى، فهذا فيه احتمال
стр. 1154
عندي، من جهة أن القليل معفوّ عنه، وقد أشكل أن ما فيه الكلام هل تعدى الحدَّ، أم لا؟ فهذا وجه.
ويجوز أن يقال: الكثير فيما عليه التفريع غيرُ معفوٍّ عنه، وقد أشكل أن الذي فيه الكلام هل هو منحط عن الكثير أم لا؟ والأصل إيجاب إزالة النجاسة.
ويمكن أن يقرب هذا من صلاة المرء وهو ناسٍ للنجاسة، كما سنذكره في آخر الفصل.
ثم يعتضد هذا الكلام بظهور العفو عن النجاسات.
فهذا منتهى الكلام في هذا الطرف.
ثم قال الأئمة: ما ذكرناه من تفصيل العفو في دم الإنسان نفسه وصديده الخارج من بثراته، وفيما يناله من آثار البراغيث.
١٠٥٥ - فأما إذا أصابه دم غيره، فالكثير لا يعفى عنه، وفي القليل وجهان. وهذا وإن اشتهر نقلُه، فلست أرى له وجهاً، والذي يقتضيه قاعدة المذهب القطعُ بإلحاق دم الغير بسائر النجاسات.
وكان شيخي يلحق لطخ الدماميل والقروح -إن كان مثلها يدوم غالباً- بدم الاستحاضة، وإن كان مثله لا يدوم غالباً، [كان يُلحقه] (١) بدم أجنبي فيما ذكرناه.
وهذا ظاهر حسن؛ من جهة أن البثرات تكثر، وقد لا يخلو معظم الناس في معظم الأحوال عنها، ولا يكاد يتحقق ذلك في الدماميل والجراحات، وفي المسألة على الجملة احتمال؛ فإن الفصل بين البثرات، وبين الدماميل الصغار عسر، لا يدركه إلا ذَوُو الدراية، وكبارها مما يدوم الابتلاء بها زماناً.
وقد ذكر صاحب التقريب تردداً في هذه الدماميل، وما يخرج من دم الفصد، ومال إلى إلحاقه بدم البراغيث، وصحَّحه على خلاف ما كان يراه الإمام، فاعلم.
فهذا كله تفصيل القول في الدماء، وما في معناها من القيح والصديد؛ فإنه دم حائل.
стр. 1155
١٠٥٦ - فأما ما عدا ذلك من ضروب النجاسات، كالبول، والعذرة، وغيرهما، فلا عفو فيها، قلَّت، أو كثرت، ولا يستثنى منها إلا عفو الشرع عن الأثر اللاصق بسبيل الحدث، عند الاقتصار على الأحجار في الاستجمار، وذلك عند الشافعي مخصوص عن جميع جهات النظر، والمتّبع فيه الخبر فحسب.
واتخذ أبو حنيفة (١) ذلك (٢) أصلاً في جميع النجاسات المغلّظة عنده، ورَاه قدر الدرهم البغلي. وهذا نظرٌ حائد عن جهة قطْعِنا بأن أصحاب رسول الله ﷺ لم يطرُدوا هذا العفو في كلِّ نجاسةٍ في كلِّ محل، وكانوا أوْلى من يفهم ذلك من الشارع، لو كان صحيحاً؛ فإذن لا قياس على الاستنجاء، ولا عفو فيما عدا الدم الموصوف.
١٠٥٧ - وتردد نص الشافعي ﵀ فيما لا يدركه الطرف لا لخفاء لونه، ولكن لصغر قدره، فقال مرة: لا عفوَ مع تيقن الاتصال. وقالى في موضعٍ: إنه يعفى عنه.
وقيل: إنه استشهد عليه بأن السلف كانوا لا يحترزون عن عَوْد الذباب الواقعة على النجاسة وقت قضاء الحاجة إلى ثيابهم، وفي هذا الاستشهاد نظر، من جهة أن أرجل الذباب تجف في الهواء بين ارتفاعها من النجاسة، ووقوعها على الثوب، وآية ذلك أنه لا يظهر لذلك أثر على الثوب، وإن كثر، والقليل إذا توالى، وكثر، ظهر كوَنيم (٣) الذباب؛ فإن ما يتوالى منه يظهر على الثوب، وأيضاً، فإن التزام ذب الذباب عسر، وهو ملحق بالغبار الذي يلحق بدنَ الإنسان، وهو ثائر من الدِّمَن والمزابل، والمواضع النجسة، فهذا معفو عنه، وإن كان واقعاً قطعاً؛ من جهة أن التحرز لا سبيل إليه.
١٠٥٨ - ومما يتصل به أن الذي لا يُعفى عنه من النجاسات، إذا صلى الإنسان معها، وهو غير شاعر بها، فإذا تحلل عن الصلاة، واستبان الأمر، فالمنصوص في الجديد
стр. 1156
وجوب إعادة الصلاة اعتباراً بالمحدِث، ولا خلاف أن من صلّى ظاناً أنه متطهر، ثم تبين له أنه كان محدثاً يلزمه إعادة الصلاة، ونص في القديم على أن النسيان عذر في النجاسة؛ فإن العفو إليها أسرع منه إلى الحدث، ولا يمكن إنكار ذلك، ولا يبعد أن يعتقد النسيان من المعاذير.
١٠٥٩ - ولو علم الرجل أن به نجاسة، ثم نسيها، فقد ذكر الأئمة فيه طريقين: أحدهما - القطعُ بأنه لا يعفى عنه. والآخر: تخريج العفو على القولين، كما إذا لم يكن عَلِمه أصلاً.
وقال مالك: إن تذكر وعلم ما به من نجاسة، ووقتُ الصلاة قائم بعدُ، قضى، وإن خرج عن الوقت، لم يقض. وقد تحققت من أئمة مذهبه أن مالكاً مهما قال ذلك فليس يوجب الإعادة في الوقت، وإنما يستحبها (١).
واحتج الشافعي في القديم بما رواه أبو سعيد الخدري ﵀: "أن النبي ﷺ كان يصلي لابساً نعله، فخلع في الصلاة نعله، فخلع الناس نعالَهم، ثم قال: أخبرني جبريل ﵇ أن على نعلك شيئاًً" (٢)، ووجه الدليل من بقائه على صلاته، وما كان على علم حتى أخبره جبريل ﵇، وقد يمكن أن يقال: لم تكن نجاسة، وإنما كان بلغماً أو غيره مما يليق بالمروءة التحرز عنه.
فرع:
١٠٦٠ - لو وقعت لطخة من بثرة، وقلّت فقد تمهد العفو، ولو اعتمد الرجل إخراج شيء منها ولكنه قليل، ففيه احتمال من طريق المعنى، والظاهر العفو لما روي: "أن ابن عمر حك بثرة بوجهه، فخرج منها شيء، فدلكه بين إصبعيه وصلى" (٣)
стр. 1157
ولا يبعد أن يقال: لعله جرت يده بذلك في غفلة، وقد تطوف اليد على البدن في النوم وأوقات الغفلات، والله أعلم.
فهذا منتهى القول، وليس علينا إلا أن نبلغ كلَّ فنٍّ غايته جهدنا، ومن طلب في مواقع التقريب الحد الضابط، فقد طلب الشيء على خلاف ما هو عليه.
فصل
قال الشافعي: "إذا كان مع الرجل ثوبان أحدهما طاهرٌ والثاني نجس، تحرَّى" (١).
١٠٦١ - مذهب الشافعي أن من كان معه ثوبان أحدهما طاهر، والثاني نجس، والنجاسة طارئة على النجس منهما، فإنه يتحرى ويجتهد، ويصلي في الذي يؤدي اجتهاده إلى طهارته.
وتفصيل القول في الاجتهاد في الثياب عندنا كتفصيل المذهب في الاجتهاد في الأواني، وقد مضى مفصلاً؛ فلا نعيد ممّا تقدم شيئاًً جهدنا.
وقال المزني في الثوبين: يصلي مرتين، مرة في هذا الثوب، ومرة في الآخر، فيخرج عما عليه يقيناً، وقال في الإناءين: لا يجتهد، ولا يستعمل دفعتين، بل يتيمم.
وعند الشافعي لو صلى في الثوبين دفعتين من غير اجتهاد، كما رآه المزني، فالصلاتان جميعاًً باطلتان.
ومعتقد المذهب أن الصلاة بالنجاسة ممنوعة، والإقدام عليها محظور، والاجتهاد ممكن، والعلامات في النجاسات ليست بعيدة، والاجتهاد مرجوع الشريعة في معظم الوقائع.
стр. 1158
فإن قيل: قد ذكرتم وجهين فيمن أشكل عليه الأمر في ثوبين كما ذكرتموه، وكان معه ما يتأتى غسل أحد الثوبين به، فهل يلزمه ذلك، أم له أن يعتمد الاجتهاد؟ وسبب الخلاف أن الوصول إلى اليقين، ممكن، وما ذكره المزني وصولٌ إلى اليقين، فهلا خرجتم مذهبه وجهاً؟
قلنا: لا سواء؛ فإن من غسل أحد ثوبيه وصلى فيه، فقد أقدم على الصلاة على يقين من الصحة، ومن صلى مرتين في ثوبين، كما يراه المزني، فكل صلاة مشكلة في نفسها لا مُستند لها من يقين ولا اجتهاد.
والذي يحقق ذلك أنه لو كان يكفي اليقين من غير رعاية حالة الإقدام، للزم على مساق ذلك أن من التبست عليه جهات القبلة في السفر، فصلى كما اتفق من غير اجتهاد ولا تقليد مجتهد، ثم تبين أنه كان مستقبلَ جهة القبلة وفاقاً، فلا يلزمه القضاء. وليس كذلك، فدل على فساد ما اعتمد المزني، وهو حسن لطيف، فافهم.
١٠٦٢ - ولو أصاب ثوبَ الإنسان نجاسةٌ، وأشكل مورد النجاسة، فالوجه غسل جميع الثوب، فإن صب عليه الماء صباً معمّماً مستغرقاً، أو غمسه في ماءٍ جارٍ، أو كثير، فلا شك أنه يحكم بطهارة الثوب، على ما سيأتي بعدَ هذا تفصيل القول في النجاسة الحُكمية والعينية.
١٠٦٣ - ولو غسل من الثوب نصفه مثلاً، ثم قلَبه، وغسل نصفه الثاني، ولا يصب الماء على جميعه أولاً ولا آخراً، فقد قال صاحب التلخيص: لا يجزئه ذلك؛ فإنَّ ورود النجاسة مستيقن، والغسل على هذه الصفة لا يفيد إزالة النجاسة بيقين؛ فإنه لا يمتنع تقدير النجاسة على منتصف الثوب مثلاً، ولو فرض الأمر هكذا، لكان الغَسل المفروض فاسداً؛ فإنه أتى في النصف الأول على نصف النجاسة تقديراً، فإذا غسل النصف، تعكَّس أثرُ النجاسة من ذلك النصف على النصف الآخر، ويغمض إذْ ذاك مُدركُ الأمر، والأصل بقاء النجاسة، فهذا مذهب صاحب التلخيص.
وقال صاحب الإفصاح (١): لو غسل الثوب الذي يشكل نصفين في دفعتين، جاز؛
стр. 1159
فإنه قد حصل الاستيعاب، وهذا مزيف متروك عليه غير معدود من المذهب. والوجه القطع بما ذكره صاحب التلخيص.
١٠٦٤ - لو أشكل عليه مورد النجاسة من ثوبه، وكان يعلم أنها على أحد كميه مثلاً، واجتهد، فأدى اجتهاده إلى النجس منهما، فغسله، وأراد الصلاة في الثوب، ففي المسألة وجهان مشهوران: أحدهما - أن ذلك لا يجوز، وهذا ما كان يختاره شيخي، والثاني: أنه يجوز، وقد صححه الصيدلاني، وهو الظاهر عندي.
توجيه الوجهين: من منع، احتج بأن ورود النجاسة مستيقن، فليكن زوالها عن الثوب مستيقناً، وليس كما لو اجتهد في ثوبين أحدهما نجس، وصلى فيما أدى اجتهاده إلى طهارته؛ فإنه ما استيقن نجاسة الثوب الذي صلى فيه قط، ولكن ترددت النجاسة بين الثوبين أولاً وآخراً، والأصل طهارة الثوب الذي صلى فيه، والثوب الواحد قد تحقق نجاسته، فليتحقق طهارته، وذلك بغسل جميعه.
ومن جوّز الصلاة في الثوب الواحد على الترتيب الذي ذكرناه، قال: طلب اليقين ليس شرطاً في التوقي من النجاسة، بل الظاهر كافٍ، وإذا فعل بالثوب الواحد ما وصفناه، فالظاهر أنه طاهر؛ فإنه طهّر أحد الكمين بالغسل، والظاهر بحكم الاجتهاد طهارة الكم الثاني.
وما ذكرناه في الكمين لا يختص بهما، بل مهما انحصر عنده النجاسة في موضعين من الثوب، ثم اجتهد فيهما، وغسل ما اقتضى الاجتهاد غسلَه، فهو على الخلاف المذكور.
١٠٦٥ - ولو كان معه قميصان، أحدهما نجس، وأدى اجتهاده إلى أن أحدهما نجس بعينه، فغسَلَه ثم لبسه مع القميص الآخر، وصلى فيهما جميعاًً، فالمسألة على الوجهين المذكورين في الثوب الواحد إذا أشكل مورد النجاسة منه، فغسل بالاجتهاد موضعاً منه، وليس كما لو اجتهد وصلى في أحد الثوبين؛ فإن هذا الثوب لم يكن مستيقن النجاسة قط، والثوبان إذا جُمعَا، فيقين النجاسة فيهما مجموعين، كيقين النجاسة في ثوب واحد.
стр. 1160
١٠٦٦ - ومما لا بد من التنبيه له أنه إذا كان معه ثوبان، نجس وطاهر، وقد أشكل الأمر، فلو غسل أحدهما، ثم صلى من غير اجتهاد في الثاني الذي لم يغسل، ففي صحة صلاته وجهان، فإنه لما صلى كما صورنا، لم يكن على يقين في نجاسةِ أحد الثوبين، وقد مهدنا أصل ذلك في كتاب الطهارة.
ولو أصابت نجاسة ثوباً، فغسل موضعاً وفاقاً من غير اجتهاد، ثم أراد الصلاة فيه، لم يجز ذلك وجها واحداً؛ [فإن النجاسة مستيقنة أولاً، ثم لم يوجد قطع ويقين ولا اجتهاد،] (١) ولكن أفاد غسل موضع من الثوب، أنّ أمر النجاسة صار مشكُوكاً فيه، والشك المحض لا يعارض اليقينَ السابق، إذا لم يكن صدَرُه عن اجتهاد.
فصل
قال الشافعي ﵀: "إذا أصاب دم الحيض ثوب المرأة ... إلى آخره" الفصل (٢)
١٠٦٧ - النجاسة تنقسم إلى حكمية وإلى عينية: والعينية هي التي تشاهد عينُها، والحكمية هي التي لا تشاهد عينُها، مع القطع بورودها على موردها المعلوم.
فأما العينية فالغرض إزالة عينها، فلو بقي لونها، أو طعمها، أو ريحها، مع تيسر الإزالة، فالمحل نجس، وإن عسر ذلك في بعض الصفات، فقد قال الأئمة: أما الطعم، فلا يعسر قط إزالته، فما دام باقياً، فالنجاسة باقية، وأما اللون؛ فإن بقي أثر منه مع الإمعان، وبذل الإمكان، فهو معفو عنه.
فلو اختضبت المرأة بالحناء وكان نجساً، فإذا غسلت العضو واللونُ باق، فقد زالت النجاسة، والشاهد في ذلك من جهة الخبر، ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان الحيض يصيب ثوباً (٣) فنغسله، فيبقى لطخة منه، فنلطخه بالحناء