← Фикх шафии

Фикх шафии · id 9851

نهاية المطلب في دراية المذهب

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (10 768 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

¬مناظرات، ملأت أخبارها بغداد، وشهد هارون الرشيد بعضَها، وأُعجب بالشافعي. ظل الشافعي بالعراق، يدرس، ويسمع، ويناظر حتى أتقن طريقة العراقيين، وجمع علمهم إلى ما جمعه من علم مالك ومدرسة المدينة، وإلى ما حصله قبلاً من مدرسة مكة، وإلى ما تلقاه من علماء اليمن. وكانت إقامته في العراق في هذا القَدْمة نحو عامين، حمل فيهما من علم محمد بن الحسن وحده وِقْر بعير، ليس فيها شيء إلا وقد سمعه عليه. وقيل: إن إقامته ببغداد كانت خمس سنوات، وأنه لم يغادرها إلا بعد وفاة محمد بن الحسن في عام ١٨٩ هـ. عودٌ إلى مكة عاد الشافعي إلى مكة، وطالت إقامته بها نحو تسع سنوات، كانت هذه الفترة من أخصب الفترات في حياة الشافعي، فقد عاد إلى مكة بعد أن استوعب علم هاتيك البلاد والأمصار التي زارها، ومناهج هذه المدارس التي جلس إلى شيوخها، فكانت هذه الفترة فترة التأمل والنقد، وكانت مكة أنسب الأماكن لهذه التأمل والاختبار، فهي بعيدة عن ضجيج بغداد ومناظراتها، ومصارعة المذاهب والتيارات التي تموج بها، ثم فيها الاستقرار في كنف الأهل والعشيرة، والأنس ببيت الله الحرام. ثم هي مثابة العلماء يفدون إليها في كل موسم، فيلقاهم، ويفيد ما عندهم، ويختبر ما عنده. في هذه السنوات التسع عكف الشافعي على وضع مقاييس وقواعد يرجع إليها عند الاختلاف، فأخذ يبحث في القرآن الكريم: ناسخه ومنسوخه، والعام والخاص، وطرق الدلالة، وفي السنة ومنزلتها من الكتاب، وصحيحها وسقيمها، وكيف تستنبط الأحكام إذا لم يكن قرآن وسنة، وضوابط الاجتهاد، و .... ومن هنا بدأ استقلال الشافعي بمذهبٍ أو بمنهج خاص (١).

стр. 107

¬ إلى بغداد طواعية رحل الشافعي إلى بغداد طواعية هذه المرة، فلماذا؟ وما الذي دعاه إلى الانتقال إلى بغداد؟ كان الشافعي في القَدْمة الأولى قد حصَّل علم أهل العراق، وأحاط بما عند فقهائهم، وعرف مناهجهم، وخصائص مذهبهم، وسمع ما عندهم من آثار وأخبار، فلأيّ أمرٍ يعود الآن؟ لم يعد الشافعي هذه المرة ليأخذ من العراق، وإنما عاد ليعطي، كان الشافعي قد رأى بعينيه مكانة بغداد وسعة سوق العلم، وكثرة مجالسها وحلقاتها، وأنها تموج بأفواج العلماء من كل حدب وصوب، فقد كانت حاضرة الدّولة، بل حاضرة الدنيا، فمن أراد أن يعلن جديداً، أو يُذيع مذهباً، أو ينشر رأياً، فلن يجد أعلى من منابر بغداد. من أجل هذا قصد الشافعي بغداد -هذه المرة- ليقرر مذهباً جديداً، وفقهاً جديداً، لا هو بالفقه المالكي الذي حصَّله على مالك وعلماء المدينة، ولا بالفقه الحنفي الذي حمله عن محمد بن الحسن وعلماء العراق. دخل الشافعي بغداد هذه المرة ليكون صاحب حلقة يدرِّس ويقرر، لا ليسمع ويتلقى، دخل الشافعي المسجد الكبير في بغداد واتخذ مجلسه في صدر حلقته، وكان في المسجد عشرات الحلقات، انفض أكثرها، واتسعت حلقة الشافعي، ورفع به أصحاب الحديث رؤوسهم، وأطلقوا على الشافعي. (ناصر الحديث) (١). في بغداد هذه المرة أظهر الشافعي مذهبه، ووضع كتبه، ووضع ضوابط مذهبه: وضع كتبه التي عرفت بالمذهب القديم، ووضع ضوابط مذهبه في (الرسالة) التي أرسلها إلى عبد الرحمن بن مهدي. وكان بقاؤه في بغداد مدة سنتين، إذ جاءها سنة ١٩٥ هـ وغادرها سنة ١٩٧ هـ.

стр. 108

¬ عود إلى مكة، فبغداد ثالثةً، فمصر (٩٧ - ٩٨ - ٩٩) عاد الشافعي إلى مكة بعد أن أرسى قواعد مذهبه في العراق، وترك وراءه كتبه وتلاميذه يحملون علمه، وينشرون مذهبه. ويلوح لي أن عودته إلى مكة لم تكن للإقامة والاستقرار، فقد كان وراءه عملٌ في بغداد لم ينضج بعد، وفيما أقدر أن عودته إلى مكة كانت للبّر بآله وقومه وعشيرته ولشهود الموسم. ولذا نراه يشد الرحال عائداً إلى بغداد في سنه ٩٨ هـ ولكنه لم يتلبّث بها إلا قليلاً حتى غادرها إلى مصر. فما الذي أزعجه عن بغداد فلم يُلق عصا الترحال بها؟ لم تذكر روايات المترجمين للشافعي سبباً مقنعاً لذلك، وأقرب تعليل ما قاله شيخنا الشيخ محمد أبو زهرة، من أنه حين عاد إلى بغداد وجد وجهها قد تغير، فقد انتهى عهد الأمين بن هارون الرشيد، وبدأ عهد المأمون، ورأى الشافعي غلبة العنصر الفارسي على الدولة؛ فقد كان الفرس جيشَ المأمون الذي حارب به أخاه الأمين، وقضى عليه. أدرك الشافعي ذلك، ورأى المأمون يقرب المعتزلة -وإن لم يكن قد ظهر خطر ذلك بعد- فلم ينشرح صدره للإقامة ببغداد. الشافعي في مصر تغير وجه بغداد؛ فلم تطب الإقامة بها، فلماذا اختار مصر؟ ولماذا لم يرجع إلى مكة؟ نذكّر بما هيأته الأقدار للشافعي، فقد ذكر ياقوت في معجم الأدباء أن الشافعي لقي ببغداد الوالي العباسي على مصر، فدعاه إلى مصر، وطلب أن يصحبه إليها، وقبل دعوته واختار الذهاب إلى مصر.

стр. 109

¬وعلى هذا يكون الشافعي قد استقر على ترك بغداد لما رأى من تغير وجهها، ولما استشعره -بفراسته- من ظهور أمر المعتزلة، فجاءته دعوة والي مصر لتحدد الجهة التي يترك بغداد إليها، وليست الدعوة -فيما نقدر- صالحةً وحدها لتغيير قراره بالبقاء في بغداد، وإنما جاءته وهو يهم بالرحيل عن بغداد لتحدد وجهته التي ينتقل إليها، ولا مانع أن نقول: إنها أيضاً صادفت رغبة في نفس الشافعي الذي كان يرى في الانتقال والترحال معرفةً وخبرة بالحياة والناس، وإحاطة بما عند من يلقاهم من العلماء والقراء والمحدثين. ومعروف مشهور أقوال الإمام الشافعي في مدح السفر وتعديد فوائده. فقه الشافعي في مصر نزل الشافعي بمصر، فوجد حياة تموج بالفقه والفقهاء، وجد فقه الإمام الليث، وفقه الإمام الأوزاعي، وفقه الإمام أبي حنيفة، وفقه الإمام مالك. وعلى عادة أئمتنا -قديماً- رضوان الله عليهم، كانوا يرون أن الاحتفال بمن يقدم إليهم من العلماء لا يكون إلا بعقد مجالس العلم، والاستماع إلى ما عنده، وعَرْض ما عندهم، ويتبع ذلك المُدارسة والمناظرة، كل ذلك طلباً للحق، وتحصيلاً للفوائد والفرائد. اطلع الشافعي على ما عند علماء مصر، واتخذ حلقته في جامع عمرو بالفسطاط، وأقبل عليه الفقهاء يسمعون ويدارسون، حتى انحاز إليه الكثير من أتباع مالك وأبي حنيفة، بل من رؤوسهم مَنْ صار من أخص تلاميذ الشافعي مثل: عبد الله بن عبد الحكم، ومحمد ابنه، والبويطي، والمزني، فقد كانوا يقولون بقول مالك قبلاً. استقر الشافعي في مصر نحو خمس سنوات فقط، ولكنها كانت سنوات مباركات؛ فإذا أحصينا ما ألفه الشافعي وأملاه من كتب، وما قعد له من دروس ومواعظ، وما عقد من مناظرات ... إذا أحصينا ذلك، وجدنا أن الزمن الذي قضاه

стр. 110

¬في مصر لا يمكن أن يسع ذلك في العرف والعادة، ومن هنا عُدَّ هذا من الكرامات. طابت الإقامة للشافعي بمصر، ولكن لم تطل، فقد وافاه الأجل المحتوم ليلة الجمعة بعد المغرب، ودفن بعد العصر من يوم الجمعة آخر يوم من شهر رجب سنة ٢٠٤ هـ. ... ونعود، فنذكر بأننا لا نقدم ترجمة للشافعي وإنما ننبه إلى معنىً لاحظناه أثناء قراءاتنا لتراجم الإمام الشافعي، وهو ما هيأته الأقدار للشافعي، وهيأت الأقدار الشافعي به، ونلخص ذلك فنقول: لقد هيأت الأقدار للشافعي أمّاً تعرف قيمة شرف النسب ومنزلته، فتنتقل بابنها إلى مكة، وهناك يعرف قيمة العربية وفصاحة اللسان، فيطلب اللغة في البادية، وهيأت له من يوجهه إلى الفقه، فيجعل اللغة وعلوم العربية والشعر والأدب في سبيل الفقه، وهيأت له شيوخاً في مكة ورثوا فقه ابن عباس، وهيأت له التلمذة على مالك خاصة وفقهاء المدينة ومحدِّثيها بعامة، وقدر الله أن ينشأ فقيراً، فلو كان ذا مالٍ وفير، ربما كان اشتغاله بتثميره، ونشأته في الوفرة والدعة غيرت مجرى حياته. وأوضح ما تراه من ذلك هو رحلته -من أجل العمل والارتزاق منه- إلى اليمن، وإتهامه بسبب هذا العمل وحمله قسراً إلى بغداد ليضرب عنقه، وتَهْيئة محمد بن الحسن ليكون في مجلس الخليفة ساعة مثوله بين يديه، فيجتمع له أمران في لحظة واحدة، نجاته من السيف بمساعدة من محمد بن الحسن، ثم لقاؤه واتصاله بمحمد بن الحسن وعلم محمد بن الحسن!!! فيحمل علمه وعلم العراقيين عامة. ثم يعود إلى مكة، ويتردد بينها وبين العراق، ولكن تهيىء له الأقدار من الأحداث ما يزهده في العراق، ومن يدعوه إلى مصر، فيلقى فيها من العلم والعلماء، والأخبار والأحداث (١)، ما يجعله يُخرج للدنيا هذا العلم الذي ملأ سمع الزمان، وانتقل إلى كل مكان. هذا ما هيأته الأقدار للشافعي.

стр. 111

¬أما ما هيأت الأقدار الشافعيَّ به، فقد وهبه الله حافظةً لاقطة، وذاكرة واعية، وذكاءً نادراً؛ وعقلاً صافياً، وقلباً تقياً نقياً، وجناناً ثابتاً، ولساناً فصيحاً مبيناً، وخُلقاًَ رصياً. كان الشافعي أحد عباقرة الدنيا، وواحداً من نوادر الموهوبين الذين قلّما ترى الدنيا مثلهم، وحسبك أن تعلم أنه لما أراد أن يقصد مالكاً من مكة أحب أن ينظر في الموطأ قبَل أن يلقى مالكاً، يقول: " استعرت الموطأ، فحفظته في تسع ليالٍ " ولما لقي مالكاً قرأه عليه ظاهراً من حفظه، وكانت سنه يومئذ ثلاث عشرة سنة. وما أصدق ما قاله له الإمام مالك: "إن الله ألقى على قلبك نوراً، فلا تطفئه بالمعصية". نعم ألقى الله!! وهَبَ الله!! وصدق الإمام مالك، فبهذا النور الذي هيأته به الأقدار، وألقته في قلبه أجازه شيخ الحرم مسلم بنُ خالد الزنجي بالإفتاء، وهو ابن خمسَ عشرة سنة!! تأمل!! يُفتي في حرم الله، في البلد الأمين وهو ابن خمس عشرة سنة، ومكة يومئذ مثابة العلماء والفقهاء. ثم تأمل!! لقد ملأ الشافعي طباق الأرض علماً، وملأ سمع الدنيا، وخلف كل هذا العلم، مع رحيله المبكر: في الرابعة والخمسين من عمره!! وكيف لو عاش إلى الرابعة والثمانين!! ... هذا هو إمامنا الشافعي ﵁، لم نقصد أن نترجم له، وإنما أردنا أن نتأمل مواقف وأحداثاً في سيرته، تظهر فيها حكمة الله جل وعلا، وما يختاره ويهيئه سبحانه لمن يرثون نبيه، فيحملون أمانته، ويبلغون رسالته. شيوخ الإمام الشافعي ذكر أصحاب التراجم شيوخاً مباشرين للإمام الشافعي وعّدوا منهم عشرين شيخاً خمسة منهم في مكة، وستة في المدينة، وأربعة في اليمن، وخمسة في العراق.

стр. 112

¬ولسنا نريد أن نترجم لهم، وإنما نريد أن نعرّف بهم فقط، أو بالتحديد أن نضبط أسماءهم، ونوضحها كاملة، فقد ذكرت مختصرة في الشكل رقم (١). شيوخه في مكة: ١ - سفيان بن عيينة، أبو محمد سفيان بن أبي عمران، أصله من أهل الكوفة، ورحل واستوطن مكة. ت ١٩٨ هـ ٢ - مسلم بن خالد بن مسلم بن سعيد (الزنجي) أصله من أهل الشام، وكان أبيض مشرباً بحُمرة؛ فسمي (الزنجي) من باب الأضداد. ت ١٨٠ هـ ٣ - داود بن عبد الرحمن العطار، كان أبوه نصرانياً من أهل الشام، فخرج منها ونزل مكة، وولد له أولاد فأسلموا، فكان -مع كفره- يعلمهم القرآن والفقه، ويحثهم على ملازمة أهل الخير، ونبغ منهم داود هذا، وقد ولد سنة ١٠٠ هـ، وتوفي ١٧٤ هـ ٤ - ابن أبي رَوَّاد (بفتح الراء وتشديد الواو المفتوحة) هو عبد المجيد بن عبد العزيز الأزدي مولى المهلّب أبو عبد الحميد، المكي، ت ٢٠٦ هـ. ٥ - سعيد بن سالم القداح، أبو عثمان، المكي، خراساني الأصل، ويقال: كوفي، سكن مكة توفي قبل سنة ٢٠٠ هـ. شيوخه في المدينة: ٦ - مالك بن أنس (وكفى). ت ١٧٩ هـ ٧ - عبد العزيز الدرَاوَرْدي، عبد العزيز بن محمد بن أبي عُبيد الدرَاوَرْدي، أبو محمد، المدني، مولى جهينة، وأصله من دَرَاوَرْد قرية بخراسان، ولد بالمدينة ونشأ بها، وبها عاش، وبها توفي سنة ١٨٧ هـ ٨ - عبد الله الصائغ، وهو عبد الله بن نافع، الصائغ المخزومي، مولاهم، أبو محمد، المدني، ت ٢٠٦ هـ ٩ - إبراهيم بن محمد، وهو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، الأسلمي ويكنى أبا إسحاق، مولى لأسلم؛ توفي بالمدينة سنة ١٨٤ هـ

стр. 113

¬١٠ - إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق، المدني ت ١٨٣ هـ. ١١ - ابن أبي فُدَيْك (مصغراً) وهو محمد بن إسماعيل بن مسلم، واسمه دينار الديلي، مولاهم، وكنيته أبو إسماعيل، المدني ت ٢٠٠ هـ شيوخه في اليمن: ١٢ - أبو أيوب، مطرِّف بن مازن، الكناني، مولاهم، قاضي صنعاء. ت ١٩١ هـ ١٣ - هشام بن يوسف، الصنعاني، أبو عبد الرحمن، قاضي صنعاء. ت ١٩٧ هـ ١٤ - عمرو بن أبي سلمة، التنِّيسي، أبو حفص الدمشقي، مولى بني هاشم، روى عن الأوزاعي. ت ٢١٤ هـ ١٥ - يحيى بن حسان بن حيان التِّنيسي البكري، أبو زكريا البصري. ت ٢٠٨ هـ شيوخه في العراق: ١٦ - وكيع بن الجراح بن مليح، الرُّؤَاسي، أبو سفيان، الكوفي، الحافظ. ت ١٩٧ هـ ١٧ - أبو أسامة الكوفي، وهو حماد بن أسامة بن زيد القرشي، مولاهم، أبو أسامة الكوفي. ت ٢٠١ هـ ١٨ - محمد بن الحسن. ت ١٨٩ هـ ١٩ - إسماعيل بن عُليّة البصري، وهو إسماعيل بن إبراهيم، بن سهم، بن مِقْسَم الأسدي، أسد خزيمة، مولاهم، الإمام، أبو بشر، البصري، أصله كوفي، وعُلية أمه، وكان يكره أن ينسب إليها. ت ١٩٣ هـ ويلتبس بابن عُلية الآخر (ابنه) إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم، وكنيته: أبو إسحاق، فالأب ثقة إمام، قالوا فيه: " ريحانة الفقهاء " والآخر جهمي " مذاهبه عند أهل السنة مهجورة ". ت ٢١٨ هـ ٢٠ - عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت بن عُبيد الله بن الحكم بن أبي العاص، الثقفي، أبو محمد، البصري. ت ١٩٤ هـ

стр. 114

¬ المبحث الثاني: حملة الفقه عن الإمام الشافعي (١) لقد حظي بالجلوس إلى الشافعي والأخذ عنه خلائق لا يحصون عدّاً، ولكن اشتهر بالنقل عنه، وحَمْلِ علمه عشرةٌ: أربعة منهم نقلوا المذهب القديم الذي أملاه بالعراق، وهؤلاء هم: ١ - الزعفراني، أبو علي الحسن بن محمد بن الصباح البغدادي الزعفراني، سُمع يقول: إني لأقرأ كتب الشافعي وتقرأ عليَّ منذ خمسين سنة. ت ٢٦٠ هـ ٢ - أحمد بن حنبل، أعرف من أن يعرّف، ولد سنة ١٦٤ هـ وتوفي ٢٤١ هـ ٣ - أبو ثور، إبراهيم بن خالد بن اليمان، الكلبي البغدادي، تبع الشافعي، وحمل فقهه، وأقرأ كتبه، وكان له مع ذلك اجتهاداته التي استقلّ بها، حتى عُدَّ من الأئمة أصحاب المذاهب. ت ٢٤٠ هـ ٤ - الكرابيسي، أبو علي الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي البغدادي، جمع بين الفقه والحديث، أخذ الفقه عنه خلق كثير. ت ٢٤٥ هـ أما رواة المذهب الجديد، فهم ستة: ١ - البويطي، أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي المصري، نُسب إلى بويط من صعيد مصر، وهو أكبر أصحاب الشافعي المصريين، وله المختصر المشهور الذي اختصره من كلام الشافعي ﵁، ولما اختصره قرأه على الشافعي بحضرة الربيع، فلهذا يُروى عن الربيع أيضاً، وكان الشافعي يعتمد البويطي في الفتيا، واستخلفه على أصحابه بعد موته. وكانت وفاته ببغداد سنة ٢٣٢ هـ

стр. 115

¬الشكل الثاني: يبين سلسلة التفقه عن الشافعي إلى ما قبل ظهور طريقتي الخراسانيين والعراقيين من الطبقة الأولى: (الذين جالسوا الشافعي وسمعوا عنه) اشتهر بالنقل عنه عشرة من كبار الصحابة: أ- رواة المذهب القديم ١ - الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني* (ت ٢٦٠ هـ) ٢ - ابن حنبل* (ت ٢٤١ هـ) ٣ - أبو ثور* (ت ٢٤٠ هـ) ٤ - أبو علي الكرايسي* (سنة ٢٤٥ هـ) ب- رواة المذهب الجديد ١ - البويطي* (ت ٢٣١ هـ) ٢ - حرملة * (ت ٢٤٣) ٣ - الربيع الجيزي* (ت ٢٥٦ هـ) ٤ - المزني * (سنة ٢٦٤ هـ) ٥ - الربيع* (ت ٢٧٠ هـ) ٦ - يونس بن عبد الأعلى* (سنة ٢٦٤ هـ) من الطبقة الثانية: ١ - إبراهيم* البلدي (نحو ٢٩٩ هـ) ٢ - أحمد * بن بنت الشافعي (ت ٢٩٥ هـ) ٣ - أحمد بن سيار (ت ٢٦٨ هـ) ٤ - الأنماطي* (ت ٢٨٨ هـ) ٥ - داود بن علي * (ت ٢٩٠ هـ) ٦ - عبدان (ت ٢٩٣ هـ) ٧ - محمد بن نصر المروزي* (ت ٢٩٤ هـ) من الطبقة الثالثة: ١ - أبو أحمد الجرجاني (ت ٣٦٥ هـ) ٢ - أبو إسحاق المروزي * تفقه بابن سريج (ت ٣٤٠ هـ) ٣ - الاصطخري* فقيه العر اق (ت ٣٢٨ هـ) ٤ - أبو بكر الإسماعيلي * (ت ٣٧١ هـ) ٥ - أبو بكر الصبغي (ت ٣٤٢ هـ) ٦ - أبو بكر الصيرفي* تفقه بابن سريج (ت ٣٣٠ هـ) ٧ - أبو بكر الفارسي * تفقه بابن سريج وقيل باصحاب الشافعي (ت ٣٠٥ وقيل ٣٥٠ هـ) ٨ - أبو بكر المحمودي * المروزي (ت بعد ٣٠٠ هـ) ٩ - أبو بكر النيسابوري ابن خزيمة (ت ٣١١ هـ) ١٠ - ابن الحداد * تفقه بابي إسحاق (ت ٣٤٥ هـ) ١١ - ابن حَزبويه* البغدادي (ت ٣١٩ هـ) ١٢ - أبو الحسن الجوري (ت بعد ٣٠٠ هـ) ١٣ - أبو حفص ابن الوكيل البابشامي (ت بعد ٣٠٠ هـ) ١٤ - الخِضري * شيخ القفال (نحو ٣٧٣ هـ) ١٥ - ابن خيران * تفقه بالأنماطي (ت ٣٢٠ هـ) ١٦ - زاهر السرخسي* تفقه بأبي إسحاق (ت ٣٨٩ هـ) ١٧ - الزبيري * أبو عبد الله صاحب الكافي (ت ٣١٧ هـ) ١٨ - أبو زرعة الدمشقي الثقفي (ت ٣٠٢ هـ) ١٩ - أبو زيد المروزي* شيخ القفال (ت ٣٧١ هـ) ٢٠ - ابن سريج* تفقه بالأنماطي (ت ٣٠٦ هـ) ٢١ - سهل الصعلوكي* (ت ٤٠٤) ٢٢ - الشيخ أبو حامد الاصفراييني (ت ٤٠٦) ٢٣ - القاضي أبو حامد المرورّوذي * (ت ٣٦٢) ٢٤ - صاحب التقريب: القاسم بن محمد الشاشي* (ت نحو ٣٣٩ هـ) ٢٥ - صاحب التلخيص: ابن القاص * تفقه بابن سريج (ت ٣٣٥ هـ) ٢٦ - أبو الطيب بن سلمة* (ت ٣٠٨ هـ) ٢٧ - أبو علي الطبري* تفقه بابن أبي هريرة (ت ٣٥٠ هـ) ٢٨ - أبو علي بن أبي هريرة* تفقه بابن سريج وأبي إسحاق (ت ٣٤٥ هـ) ٢٩ - أبو عوانة (ت ٣٣٦ هـ) ٣٠ - أبو القاسم الصيمري تخرج به الماوردي (ت ٣٨٦ هـ) ٣١ - القفال الكبير* (ت ٣٦٥ هـ) ٣٢ - الماسَرجسي* أبو الحسن (ت ٣٨٤ هـ) ٣٣ - ابن المنذر (ت ٣١٩ هـ) ٣٤ - أبو يحى البلخي * (ت ٣٣٠ هـ)

стр. 116

¬٢ - حَرْملة بن يحيى بن عبد الله بن حَرْملة بن عمران بن قُراد، التُّجِيبي: نسبة إلى قبيلة تُجِيب: بضم المثناة الفوقية وكسر الجيم وسكون الياء. وقولهم: قال حرملة، معناه قال الشافعي في الكتاب الذي نقله عنه حرملة، فسُمّي الكتاب باسم راويه مجازاً. روي عن الخطابي أنه قال: إن أصحاب الشافعي المتقدمين يعتمدون روايات المزني، والربيع المرادي عن الشافعي ما لا يعتمدون حرملة والربيع الجيزي، ت ٢٤٣ هـ ٣ - الربيع الجيزي، أبو محمد، الربيع بن سليمان بن داود، الأزدي، مولاهم، المصري، الأعرج، وقيل: ابن الأعرج، والجيزي نسبة إلى الجيزة تقع قبالة القاهرة على الجانب الغربي من النيل، كان فقيها صالحاً، وعلى طول صحبته للشافعي كان قليل الرواية عنه، وإنما روى عن عبد الله بن عبد الحكم كثيراً، وعن ابن وهب. ت ٢٥٦ هـ ٤ - المزني، أبو إبراهيم، إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق، المزني، المصري، الإمام الجليل ناصر المذهب، كان معظماً بين أصحاب الشافعي، وكان جبلَ علمٍ، مناظراً محجاجاً، زاهداً مجتهداً، صنف كتباً كثيرةً: الجامع الكبير، والجامع الصغير، والمختصر، والمنثور، والمسائل المعتبرة، والترغيب في العلم، وكتاب الوثائق، وكتاب العقارب، وكتاب نهاية الاختصار، وهو إمام الشافعيين، وأعرفهم بطرقه وفتاويه، وما ينقله عنه. ومختصره أصل الكتب المصنفة في مذهب الشافعي، وعلى مثاله رتبوا، ولكلامه فسروا وشرحوا، وأخذ عنه خلائق من علماء خراسان والعراق والشام، توفي بمصر سنة ٢٦٤ هـ ٥ - يونس بن عبد الأعلى بن موسى بن ميسرة بن حفص بن حيان، أبو موسى، الصَّدَفي، المصري، الفقيه المقرىء، قرأ القرآن على ورش وغيره، وأقرأ الناس، روى عنه مسلم والنسائي وأبو عوانة، والنيسابوري، صاحب الشافعي، وأحد رواة مذهبه الجديد، وانتهت إليه رياسة العلم بمصر، وهو من المكثرين في الرواية عن

стр. 117

¬الشافعي والملازمين له، كان كثير الورع، متين الدين، توقي بمصر سنة ٢٦٤ هـ ودفن في مقابر الصدقة. ٦ - الربيع المرادي، أبو محمد، الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل، المرادى، مولاهم، المؤذن، المصري، راوي اكثر كتب الشافعي، وقال الشافعي في حقه: " الربيع راويتي " وقال: "ما أخذ مني أحد ما أخذ الربيع" وهو أثبت أصحاب الشافعي في الرواية عنه؛ حتى لو تعارض هو وأبو إبراهيم المزني، لقدم الأصحاب روايته، مع علو قدر أبي إبراهيم علماً وديناً، وجلالة، وموافقة ما رواه للقواعد، وكانت الرحلة في كتب الشافعي إليه من الآفاق، وكانت وفاته بمصر سنة ٢٧٠ هـ بقية ممن جالسوا الشافعي: وممن جالسوا الشافعي وأخذوا عنه -غير هؤلاء العشرة الأشهر ذكراً وأثراً- ترجم السبكي وغيره لعشراتٍ منهم، نذكر بعضهم؛ تبعاً لشهرتهم، ولدوران ذكرهم في الكتب، فمن هؤلاء: ١ - ابن مهدي، عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن، أبو سعيد، الأزدي، مولاهم، البصري، اللؤلؤي، إمام أهل الحديث في عصره، وهو الذي سأل الشافعي أن يضع له بعض ضوابط في الاستنباط للأحكام، فألف الشافعي الرسالة، وحملها إليه الحارث بن سريج، النقال. ت بالبصرة ١٩٨ هـ ٢ - الأصمعي عبد الملك بن قُرَيب بن عبد الملك بن علي بن أصمع، إمام اللغة والأدب والأخبار، ت ٢١٦ هـ ٣ - الحُمَيْدي، أبو بكر، عبد الله بن الزبير بن عيسى، القرشي، الأسدي، المكي، أبو بكر الحميدي نسبة إلى حُمَيد بن زهير بن الحارث بن أسد، محدّث مكة ومفتيها، قال الحاكم: هو لأهل الحجاز في السنة كأحمد بن حنبل لأهل العراق. ت ٢١٩ هـ

стр. 118

¬٤ - أبو عُبيد، القاسم بن سلاّم، الإمام الجليل، الأديب الفقيه المحدث، صاحب التصانيف الكثيرة، صاحب كتاب الأموال، وغريب الحديث، تفقه على الشافعي، وناظره في معنى (القُرء) هل هو الطهر أو الحيض، إلى أن رجع كل منهما إلى ما قاله صاحبه، وهي مناظرة مشهورة تروى في كتب الفقه. ت ٢٢٤ هـ ٥ - ابن مِقلاص، الإمام، أبو على عبد العزيز بن عمران بن أيوب بن مقلاص، الخزاعي، مولاهم، المصري الفقيه، كان فقيها زاهداً. ت ٢٣٤ هـ ٦ - قَحْزَم بنُ عبد الله بن قَحْزَم، أبو حنيفة، الأسواني، آخر من صحب الشافعي موتاً، قال ابن عبد البر: روى عنه كثيراً من كتبه، وكان مفتياً، وأصله من قبط مصر، قالوا: ما أخمل ذكرَه إلا إقامتُه بأسوان، بأقصى صعيد مصر. ت ٢٧١ هـ ٧ - أخت المزني، كانت تحضر مجلس الشافعي، نقل عنها الرافعي في زكاة المعدن، فإنه صح أن الحول فيه لا يشترط، ثم قال: وفيه قول: "أنه يشترط، نقله البويطي"، إنما رواه المزني في المختصر عمن يثق به عن الشافعي، واختاره، وذكر بعض الشارحين أن أخته روت له ذلك، فلم يحب تسميتها. ... انتشار المذهب وشيوعه في الآفاق ثم توالى حملة الفقه طبقة بعد طبقة، كل طبقة عن سابقتها، ولم يكونوا سواء في حَمْل المذهب ونشره، فمنهم المقلّ في التأليف ومنهم المكثر، ومنهم النَّظََّار الذي يُعنى بعلم الخلاف، ومنهم الذي يهتم بالتدريس والتعليم، ومنهم من برع في الأصول والتخريج على نصوص الشافعي، وهم أصحاب الوجوه في المذهب، بل منهم من وصل إلى درجة الاجتهاد المطلق، وقد عُني كثير من الأئمة بالترجمة لعلماء المذهب، والتعريف بهم، فيما عرف بكتب (الطبقات)، وتنوعت طرقهم في التقسيم على الطبقات، ومفهوم الطبقة، كما تنوعت في البسط والإيجاز، وسنشير إلى طرفٍ من ذلك فيما يأتي.

стр. 119

¬ حول طبقات علماء المذهب: ترجم مؤلفو كتب الطبقات لعلماء المذهب وأعلامه، وهم يقسمونهم ويرتبونهم على طبقات زمنية، فمنهم من جعل أهل كل مائة سنة طبقة، كالسبكي، ومنهم من جعل كل عشرين سنة طبقة، كابن قاضي شُهبة، ومنهم من جعل كل خمسين سنة طبقة، كابن كثير، ثم عاد فقسم كل طبقة خمس مراتب، كل مرتبة عشر سنين، فيما عدا الطبقة الثالثة فقد جعلها مرتبتين، وكلَّ مرتبة خمساً وعشرين سنة، وكذلك الطبقة الرابعة جعلها مرتبتين، لكن جعل الأولى عشرين سنة، والثانية ثلاثين سنة. وجعل كل خمسين طبقة ابن هداية الله الحسيني (ت ١٠١٤ هـ). المهم أن الترتيب على السنين هو السائد والملتزم لدى الجميع عادةً، لكن هناك من رتب على الألفبائية مثل ابن الصلاح، والنووي في تهذيب الأسماء واللغات (إذا عُدّ من كتب الطبقات). لكن ابن الملقن في طبقاته (العِقد المُذْهَب في طبقات حملة المذهب) انفرد بأمرٍ لم أره عند غيره من أصحاب كتب الطبقات، فقد قسم كلَّ حملة المذهب بدءاً من تلاميذ الإمام الشافعي إلى المعاصرين له -أي لابن الملقن- إلى طبقتين فقط، بمفهومٍ آخر ومعيارٍ آخر غير المعيار الزمني؛ ذلك أنه عَنَى بالطبقة هنا المنزلة والمكانة، والأثرَ في المذهب، فالطبقة الأولى عنده ومثلها الثانية كل منهما تبدأ بتلاميذ الشافعي والآخذين عنه، وصولاً إلى أوائل القرن الثامن، حيث انتهى بطبقاته، قبل أن يُلحقهما بمَنْ عاصَرهم من العلماء، وسماهم الطبقة الثالثة. فالفرق إذاً بين الطبقتين ليس السبق الزمني، وإنما هو المنزلة والمكانة. وقد سمى الطبقة الأولى "طبقة أصحاب الوجوه ومن داناهم، وعددهم يُنيف على الخمسمائة". وقال عن الطبقة الثانية: " نذكر فيها جماعات دون أصحاب الوجوه ومن داناهم، وعددهم يُنيف على سبعمائة ". ثم قسم الطبقة الأولى إلى أربع وثلاثين طبقة، يرتب كلاً منها على حروف

стр. 120

¬المعجم، وأما الطبقة الثانية فقد قسمها إلى ست وثلاثين طبقة كذلك. ويؤكد أنه عَنَى بالطبقة المكانة والمنزلة قولُه عن الطبقة الثانية (دون أصحاب الوجوه ومن داناهم) وقولُه في أول الذيل الذي صنعه لطبقاته: "رتبتُه على حروف المعجم، لا على السِّير". وصنيعُ ابن الملقن هذا في حاجة إلى دراسةٍ لمعرفة المعايير التي قدّم بها من قدم وأخَّر بها من أخَّر، ولنرى هل التزم المعيار الزمني داخل الطبقات الفرعية، أم راعى المنزلة والمكانة، ولنُحصي من قدَّمهم، وندرس أحوالهم، ولماذا قدمهم. نقول ذلك لما هو معروف من منزلة ابن الملقن ومكانته، فنظره في رجال المذهب وتصنيفه لهم يستحق كل اهتمام ودراسة، فعسى أن يَنْهَد أحدٌ من شباب الباحثين لهذا الأمر، كما يجعل من غرضه إعادة إخراج طبقات ابن الملقن، فقد خرجت في طبعة لا خير فيها، كثيرة التصحيف والتحريف والتشويش، تمثل أبشع صورة للعبث بالتراث. هذا، وقد رأينا العلاّمة أحمد بك الحسيني في الجزء الأول من مقدمته الضافية لكتابه (مرشد الأنام لبّر أم الإمام) (١) يستخدم عبارة ابن الملقن، فعند ذكره " من انتسب إلى مذهب الشافعي ﵁ من حين تدوين مذهبه إلى وقتنا هذا " قال: "ولنتكلم عليهم في فصول: (الفصل الأول: في سرد أسماء أصحابه الآخذين عنه ومَنْ بعدهم من أصحاب الوجوه ومن داناهم) ولكنه اختلف عن ابن الملقن في أمور: ١ - قسمهم إلى طبقات متبعاً تقسيم السبكي على المئات: كل مائة طبقة. ٢ - انتهى بهم إلى آخر الطبقة التاسعة (الذين توفوا فيما بين التسعمائة والألف)، ولم يذكر ممن توفي أوائل القرن الحادي عشر إلا الشمس الرملي، وعبد العزيز

стр. 121

¬الزمزمي، وقال: " هؤلاء هم أصحاب الوجوه، وأصحاب المصنفات المعتبرة في المذهب ". ٣ - أنه لم يجعل مَنْ دونهم طبقةً خاصة، بل سردهم في الفصل الثاني ضمن ذكره للمنتسبين للشافعي جميعاً. ٤ - أنه لم يجعل أحداً ممن سمع الشافعي وجالسه، وكذا كل من تُوفي قبل الثلثمائة، لم يجعل أحداً من هؤلاء دون أصحاب الوجوه ومن داناهم. ٥ - أنه نص على أصحاب الوجوه بأعيانهم، وميزهم عمن (داناهم) وهو يسردهم معاً. ٦ - وقف بأصحاب الوجوه عند سنة ٧٤٠ هـ وهي السنة التي توفي فيها آخر أصحاب الوجوه أبو خلف الطبري. ... هذا وقد تصفحنا عدداً من كتب الطبقات: ١ - طبقات العبادي المتوفى ٤٥٨ هـ ٢ - طبقات الشيرازي المتوفى ٤٧٦ هـ ٣ - طبقات ابن الصلاح ت ٦٤٣ هـ ٤ - طبقات السبكي المتوفى ٧٧١ هـ ٥ - طبقات الإسنوي المتوفى سنة ٧٧٢ هـ ٦ - طبقات ابن كثير (١) ٧٧٦ هـ ٧ - طبقات ابن قاضي شهبة ٨٥١ هـ ٨ - طبقات ابن هداية الله ت ١٠١٤ هـ فلم نجد أحداً من هؤلاء يُعنَى بتمييز أصحاب الوجوه، وإثبات هذه الصفة لهم عناية النووي، ويبدو أن الاتفاق على حصر أصحاب الوجوه غير ممكن؛ فهذا يقتضي

стр. 122

¬نَخْل فقه كل واحد من هؤلاء، ومعرفة ما خرّجه من وجوه لم يُسبق بها. ومع ذلك هناك اتفاق على عددٍ ليس بالقليل بأنهم من أصحاب الوجوه . الإمام النووي هو الأكثر عناية بهذا الشأن والذي تأكد لي بعد طول البحث والتقصي في المؤلفات التي تؤرخ للمذهب ورجاله، أن النووي كان أكثر عناية والتفاتاً إلى تمييز أصحاب الوجوه عن غيرهم، والنصِّ عليهم في كتابه (تهذيب الأسماء واللغات). والنووي هو أهل هذا الشأن؛ فجهده وجهاده في الفقه -مع الرافعي- هو تحرير المذهب، أي تنقيحه، وتحديد ما يصح أن ينسب إلى الشافعي، ويسمى مذهباً له، وتمييزه عن غيره من تخريجات، واجتهادات لمجتهدي المذهب على طول القرون التي سبقت عصره. (وسيأتي مزيد إيضاح لهذه القضية). ولذا كان حاضراً في ذهنه، ماثلاً أمام عينه منزلة أعلام المذهب وأئمته في هذا الشأن، فحيثما ذكر واحداً منهم ميزه من هذه الجهة، وقال: " من أصحاب الوجوه ". وهذا يؤكد ما قلناه من قبل: إن الإحاطة بجميع أصحاب الوجوه غير ميسورة، فالنووي لم يترجم في تهذيبه لجميع رجال المذهب، فهناك كثير من أصحاب الوجوه غير المذكورين في (تهذيب الأسماء واللغات). وسنعرّف ببعض أصحاب الوجوه فيما يأتي: من أصحاب الوجوه سنعرّف في الصفحات الآتية بالمشهورين من أصحاب الوجوه ممن نصَّ عليهم النووي في تهذيبه، وابن كثير، وابن قاضي شهبة في طبقاتهما، وكذلك أحمد بك الحسيني، وابن سُميط العلوي، وسنقتصر على من له ذكر في كتابنا هذا (نهاية المطلب)، وسنرتبهم على تاريخ الوفاة الأسبق فالأسبق، فمنهم:

стр. 123

¬(من الطبقة الثانية) ١ - أحمد بن سيار بن أيوب، أبو الحسن المروزي السياري. سمع عَبْدَان بن عثمان، وعفان بن مسلم، وسليمان بن حرب، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم، وروى عنه النسائي، وابن خزيمة، ومحمد بن نصر المروزي. ت ٢٤٠ هـ. ٢ - محمد بن نصر المروزي إمام أهل الحديث في عصره، كان أعلم الناس باختلاف الصحابة، ولد ونشأ بنيسابور. سمع من هشام بن عمار، وهشام بن خالد، والربيع بن سليمان، ويونس بن عبد الأعلى، وتفقه على أصحاب الشافعي. وروى عنه أبو العباس السراج، ومحمد بن المنذر ت ٢٩٤ هـ ٣ - أبو جعفر الترمذي، محمد بن أحمد بن نصر شيخ الشافعية بالعراق قبل ابن سريج، ت ٢٩٥ أربع وتسعين سنة. (من الطبقة الثالثة) ٤ - أبو الطيب بن سلمة، محمد بن الفضل بن سلمة بن عاصم البغدادي، واشتهر بأبي الطيب بن سلمة نسبةً إلى جده. قال الخطيب البغدادي: يقال: إنه تفقه على ابن سريج. ت ٣٠٨ هـ. ٥ - أبو عبد الله الزبيري. ويعرف بصاحب الكافي، وهو الزبير بن أحمد بن سليمان بن عبد الله بن عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام، الأسدي. ت ٣١٧ هـ ٦ - ابن حَرْبَوَيْه، القاضي، أبو عُبيد، علي بن الحسين بن حرب بن عيسى البغدادي، قاضي مصر. حمل العلم عن أبي ثور، وداود الظاهري. توفي ببغداد سنة ٣١٩ هـ ٧ - أبو حفص بن الوكيل، البابشامي، عمر بن عبد الله بن موسى.

стр. 124

¬فقيه جليل، من نظراء ابن سريج، وأصحاب الأنماطي، وتفقه عليه، وهو من كبار المحدثين، وكانت وفاته ببغداد سنة ٣٢٠ هـ ٨ - ابن خيران: أبو علي الحسين بن صالح، أحد أركان المذهب ببغداد، تفقه بالأنماطي، ت ٣٢٠ هـ ٩ - أبو بكر النيسابوري، عبد الله بن محمد بن زياد بن واصل بن ميمون، مولى آل عثمان ﵁. سمع يونس بن عبد الأعلى، والربيع، والمزني، وأبا زُرعة، وروى عنه الدارقُطني وجماعة كان من أحفظ الناس للفقهيات واختلاف الصحابة. ت ٣٢٤ هـ ١٠ - أبو سعيد، الإصطخري، الإمام الجليل، حسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى بن الفضل بن بشار بن عبد الحميد، قاضي (قم). كان هو وابن سريج شيخي الشافعية ببغداد. ت ٣٢٨ هـ ١١ - أبو يحيى البلخي، زكريا بن أحمد بن المحدث يحيى بن موسى ختّ، القاضي الكبير، من كبار أئمة الشافعية. ت ٣٣٠ هـ ١٢ - أبو بكر الصيرفي، محمد بن عبد الله البغدادي. الإمام الجليل الأصولي، كان يقال: أعلم خلق الله بالأصول بعد الشافعي، تفقه على ابن سريج، وشرح رسالةَ الشافعي. ت ٣٣٠ هـ ١٣ - ابن القاص، الشيخ، الإمام، أبو العباس، أحمد بن أبي أحمد الطبري. أخذ الفقه عن ابن سريج، صاحب المفتاح، والمواقيت، وأدب القاضي، والتلخيص، وهو أنفسها، وقد اعتنى الأصحاب بشرحه، فشرحه أبو عبد الله الختن، ثم القفال، ثم أبو علي السِّنجي، وآخرون. توفي بطرسوس سنة ٣٣٢ هـ ١٤ - أبو إسحاق المروزي، إبراهيم بن أحمد بن إسحاق. تفقه على ابن سُريج. وإليه تنتهي طريقة العراقيين والخراسانيين، شرح مختصر المزني، وانتقل آخر عمره إلى مصر، وجلس مجلس الشافعي، فاجتمع الناس عليه، توفي بمصر، ودفن عند الشافعي سنة ٣٤٠ هـ

стр. 125

¬١٥ - أبو بكر الصِّبغي، أحمد بن إسحاق بن أيوب بن يزيد بن عبد الرحمن بن نوح، النيسابوري. توفي ٣٤٢ هـ وهو غير أبي بكر الصِّبغي النيسابوري الآخر الذي اسمه محمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين المتوفى سنة ٣٤٤ هـ. فهما متفقان في الكنية والنسبة واللقب، ولا يختلفان إلا في الاسم وسنة الوفاة. ١٦ - ابن أبي هريرة: أبو علي الحسن بن الحسين، الإمام الجليل، القاضي، أحد رفعاء المذهب، تفقه بابن سريج وأبي إسحاق المروزي، ت ٣٤٥ هـ. ١٧ - ابن الحداد، أبو بكر، محمد بن محمد بن جعفر، الكناني، المصري الإمام الجليل، صاحب (الفروع) وهو من نظار الأصحاب وكبارهم، وله كتاب (الباهر)، و (أدب القضاء) و (جامع الفقه) وقد عني بكتابه الفروع عظماء الأصحاب، فشرحه القفال، وأبو علي السنجي، والقاضي، وغيرهم. ت ٣٤٥ هـ ١٨ - أبو علي الطبري، صاحب الإفصاح، الحسين بن قاسم، له الوجوه المشهورة في المذهب، والإفصاح شرحٌ على المختصر، تفقه على أبي علي ابن أبي هريرة، سكن بغداد، وتوفي بها سنة ٣٥٠ هـ. ١٩ - أبو بكر الفارسي، أحمد بن الحسن (١) بن سهل، من أئمة الأصحاب ومتقدميهم، صاحب (عيون المسائل)؛ من تلاميذ ابن سريج، وفي تاريخ وفاته اختلاف واضطراب، قيل: ت سنة ٣٠٥، وقيل: سنة ٣٥٠ وهو ما ذكره النووي في تهذيبه، وهو الأرجح، فقد صح أنه كان موجوداً في ذي الحجة من سنة ٣٣٩ هـ، ذكر ذلك السبكي في ترجمته، واستدلّ عليه بما فيه مقنع. ٢٠ - أبو بكر المحمودي، محمد بن محمود المروزي، المعروف بالمحمودي، تفقه على أبي إسحاق المروزي، وأخذ عن عَبْدان تلميذ المزني والربيع. توفي بعد ٣٠٠ هـ

стр. 126

¬٢١ - ابن القطان، أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد البغدادي، آخر أصحاب ابن سريج وفاة، أخذ عنه علماء بغداد. ت ٣٥٩ هـ ٢٢ - الإمام، سهل الصعلوكي، هو محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان، العِجلي، الأصبهاني، ثم النيسابوري. تفقه على أبي إسحاق المروزي. ت ٣٦٩ هـ ٢٣ - أبو زيد المروزي، محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد، الفاشاني، من قرية فاشان، إحدى قرى مرو (بفاء مفتوحة ثم ألف ثم شين معجمة ثم ألف ثم نون) من أصحابنا الخراسانيين، من أحفظ الناس لمذهب الشافعي، وأحسنهم نظراً، تفقه على أبي إسحاق المروزي، وروى عنه الحاكم والدارقطني. ت ٣٧١ هـ ٢٤ - أبو أحمد الجرجاني، محمد بن إبراهيم بن الصباغ، صاحب أبي إسحاق الشيرازي، تفقه على أبي إسحاق المروزي. ت ٣٧٣ هـ ٢٥ - الماسَرْجِسي، أبو الحسين، محمد بن علي بن سهل، النيسابوري، شيخ القاضي أبي الطيب، أخذ عن أبي إسحاق المروزي، وصحبه إلى مصر، ولازمه إلى أن توفي، فانصرف إلى بغداد، ثم إلى خراسان ومات بها. ت ٣٨٤ هـ ٢٦ - أبو بكر الأُودني، محمد بن عبد الله بن محمد بن نصير بن ورقة، البخاري، روى عنه الحاكم وغيره، كان إمام الشافعيين بما وراء النهر، توفي ببخارى سنة ٣٨٥ هـ ٢٧ - أبو القاسم الصيمري، عبد الواحد بن الحسين بن محمد، القاضي، نزيل البصرة، ارتحل إليه الناس من البلاد، وهو ممن تفقه عليه الماوردي، وصنف كتباً كثيرةً، منها الإيضاح. ت ٣٨٦ هـ ٢٨ - زاهر السرخسي، أبو علي، زاهر بن أحمد بن محمد بن عيسى، منسوب إلى سَرَخْس من نواحي خُراسان. تفقه على أبي إسحاق المروزي ٣٨٩ هـ ٢٩ - الخِضري، أبو عبد الله محمد بن أحمد المروزي، إمام مرو، ومقدم الشافعية، أحد شيوخ القفال. ت في عشر الثمانين والثلاثمائة. (نحو ٣٧٣ هـ)

стр. 127

¬٣٠ - أبو الحسن الجوري (١)، القاضي، علي بن الحسين. منسوب إلى (الجور) بضم الجيم من بلاد فارس، لقي أبا بكر النيسابوري، وحدث عنه وعن جماعة، ومن تصانيفه كتاب المرشد، في شرح مختصر المزني. ت بعد ٣٠٠ هـ (من الطبقة الرابعة) ٣١ - الحَليمي، أبو عبد الله، الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم الجرجاني. أحد أئمة الدهر وشيخ الشافعيين بما وراء النهر، روى عنه الحاكم وغيره. ت ٤٠٣ هـ ٣٢ - أبو علي السِّنجي، الحسين بن شعيب بن محمد المروزي، والسِّنجي نسبة إلى (سِنج) قرية من قرى مرو. إمامُ زمانه في الفقه، تفقه على الإمامين شيخي الطريقتين: أبي حامد الإسفراييني شيخ العراقيين، وأبي بكر القفال المروزي، شيخ الخراسانيين، وجمع بين طريقتيهما، وشرح المختصر شرحاً مطولاً، وشرح أيضاً تلخيص ابن القاص، وفروع ابن الحداد، وهو والقاضي حسين أنجب تلامذة القفال. ت ٤٣٠ هـ ٣٣ - الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، إمام في الكلام والأصول والفقه وغيرها، أقام بالعراق مدةً، ثم رجع إلى وطنه إسفراين، فطلب منه أهل نيسابور الانتقال إليهم، فأجابهم، وبنَوْا له مدرسة عظيمة، فلزمها إلى أن توفي بها. ت ٤١٨ هـ ٣٤ - أبو عاصم العبادي، القاضي، محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عباد، الهروي، صاحب المؤلفات المتعددة. ت ٤٥٨ هـ ٣٥ - القاضي حُسين، الإمام، المحقق، أبو علي، حسين بن محمد بن أحمد، المرورّوذي. أحد رفعاء المذهب، ومن له الصِّيت في الآفاق، وهو من أجلّ أصحاب القفال المروزي، تخرج عليه كثير من الأئمة، له شرح على فروع ابن الحداد. ومتى

стр. 128

¬أُطلق (القاضي) في كتب متأخري الخراسانيين، كالنهاية، والتتمة، والتهذيب، وكتب الغزالي، ونحوها، فإياه يعنون. ت ٤٦٢ هـ ونكتفي بهؤلاء، وقد عُنينا بهم، لأن أسماءهم وردت موجزة في الأشكال البيانية الملحقة بهذا المبحث (شكل رقم ٢، ٣، ٤) فأردنا أن نعرف بهم بعض التعريف. تحديد أصحاب الوجوه: أشرنا من قبل إلى أن الاتفاق على أصحاب الوجوه ليس ميسوراً، وقد صدّق قولَنا هذا العلامة بن سُمَيط العلوي الحضرمي (١٢٧٧ هـ-١٣٤٣ هـ)، فقد عدّدَ من أصحاب الوجوه قوماً، اتفق مع أحمد بك الحسيني في بعضهم، وزاد عنه بعضاً آخر، لم يعدّه الحسيني منهم. فمن هؤلاء الذين زادهم ابنُ سُميط: ١ - أبو علي بن خَيْران. ٢ - أبو علي بن أبي هريرة. ٣ - ابن الحداد. ٤ - القفال الشاشي. ٥ - أبو عبد الرحمن القزاز. فهؤلاء لم يعدَهم الحسيني من أصحاب الوجوه، لا سهواً، ولا اختصاراًَ، بل ترجم لهم، ولم يقل: (من أصحاب الوجوه) كما قال في الذين عدّدهم. بل إن عبارة ابن سُميط توحي بأنه يرى أن أصحاب الوجوه موجودون في الطبقات بعد الرابعة، حيث يقول: "ثم جاء بعدهم بقية أصحاب الوجوه طبقة بعد طبقة" (١). وقد خالفه في ذلك السيد علوي بن أحمد السقاف المتوفى ١٣٣٥ هـ وهو -أيضاً- من محققي المتأخرين، حيث ينقل عن ابن حجر الهيتمي المتوفَّى سنة ٩٧٤ هـ ما لفظه: " وفي الاصطلاح المرادُ بالأصحاب المتقدمون، وهم أصحاب الأوجه غالباً، وضُبطوا بالزمن، وهم من الأربعمائة " (٢). فأنت تراه متفقاً في ذلك مع أحمد بك الحسيني، وهذا هو المقبول والراجح، وإن كنا لا نمنع أن يوجد آحاد بعد ذلك لهم القدرة على التخريج.

стр. 129

¬ من غير أصحاب الوجوه، أعمدة وأركان للمذهب: ولم يكن أصحاب الوجوه وحدهم أصحاب الأثر في نشر المذهب وشيوعه، فإذا كان أصحاب الوجوه هؤلاء قد أفادوا المذهب بتفريعهم وتَخريجهم على نصوص الشافعي -على ما سنشرح معنى الوجهين بعدُ- فإن هناك من الأصحاب من أوتي القبول في التدريس، والقدرة على المباحثة، فكثر تلاميذُه، وحملوا المذهب، وانساحوا به في الأرض. ومنهم من وهب القدرة على التصنيف والإملاء، فحملت كتبه إلى الآفاق، وحَفِظَتْ مادةَ الفقه، ويسَّرت التفقه على المذهب. ومن الأصحاب من مُنح القدرة على المناظرة، ونصرة المذهب أمام المخالفين، ومنهم من جمع الله له كلَّ ذلك، ولا حرج على فضل الله. ونذكر بعض المشهورين من هؤلاء، سرداً بدون ترجمة؛ طلباً للإيجاز، فمنهم: ١ - داود الظاهري، أبو سليمان داود بن علي بن خلف، كان من أجل أنصار الشافعي قبل أن يستقل بمذهب الظاهر. ت ٢٧٠ هـ ٢ - الأنماطي، أبو القاسم، عثمان بن سعيد بن بشار توفي ٢٨٨ هـ ٣ - عَبْدان بن محمد بن عيسى، الإمام، أبو محمد، المروزي ت ٢٩٣ هـ ٤ - ابن بنت الشافعي، أحمد بن عبد الله بن محمد بن العباس بن عثمان بن شافع ت ٢٩٥ هـ ٥ - إبراهيم بن محمد البلدي ت (نحو ٢٩٩ هـ). من الطبقة الثالثة ٦ - أبو زُرعة الدمشقي، القاضي، محمد بن عثمان بن إبراهيم بن زرعة، الثقفي، مولاهم، الدمشقي. ت ٣٠٢ هـ

стр. 130

¬٧ - ابن سُرَيْج (١)، أبو العباس، أحمد بن عمر البغدادي ت ٣٠٦ هـ ٨ - أبو عَوانة، الإسفراييني، الحافظ، يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، بن زيد النيسابوري ت ٣١٦ هـ ٩ - أبو الوليد النيسابوري، حسان بن محمد بن أحمد بن هارون القرشي، الأموي ت ٣٤٩ هـ ١٠ - القاضي أبو حامد المرورّوذي، أحمد بن بشر بن عامر العامري. ت ٣٦٢ هـ ١١ - القفال الكبير، الشاشي، أبو بكر، محمد بن علي بن إسماعيل. ت ٣٦٥ هـ ١٢ - أبو بكر الإسماعيلي، أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس، الإسماعيلي. ت ٣٧١ هـ ١٣ - صاحب التقريب، الإمام أبو الحسن القاسم، ابن القفال الشاشي الكبير، القاسم بن محمد بن علي بن إسماعيل. ت نحو ٣٩٩ هـ من الطبقة الرابعة ١٤ - أبو الحسن المحاملي، أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل الضبي، المعروف بابن المحاملي. ت ٤١٥ هـ ١٥ - القفال الصغير، المروزي، أبو بكر، عبد الله بن أحمد بن عبد الله. ت ٤١٧ هـ ١٦ - الصيدلاني، أبو بكر، محمد بن داود بن محمد الدّاودي. ت ٤٢٧ هـ ١٧ - الجويني، أبو محمد، والد إمام الحرمين، عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حَيُّوية. ت ٤٣٨ هـ ١٨ - القاضي أبو الطيب الطبري، طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر. ت ٤٥٠ هـ ...

стр. 131

¬ العراقيون والخراسانيون (١) كما أشرنا من قبل انساح الفقه الشافعي في دار الإسلام، يحمله الأصحاب جيلاً عن جيل، حتى وصلنا إلى نهايات القرن الرابع وأوائل القرن الخامس، فظهر مصطلح: أصحابنا الخراسانيون، وأصحابنا العراقيون. ثم تبع ذلك ما سُمي طريقةَ العراقيين، وطريقة الخراسانيين. ونحب أن نؤكد هنا عدة أمور: ١ - أن هذه النسبة: عراقي أو خراساني، لا علاقة لها بالِعْرق والميلاد، وإنما تأتي هذه النسبة من الشيوخ والتلقي، وموطن المدَارَسة، والتّلْمذة، فقد يكون الصاحب خُراسانيّ الأصل والعِرْق، والمولد، ولكنه عاش في العراق، وسمع شيوخ العراق، فهو حينئذٍ عراقي، وأوضح مثالٍ على ذلك الشيخ أبو حامد الإسفراييني، شيخُ طريقة العراقيين، فهو إسفراييني المولد، بل والنشأة، فقد قدم بغداد شاباً، وتفقه على شيوخه العراقيين وتخرّج بهم، فصار بهذا عراقياً، بل هو شيخُ طريقة العراقيين. قال السبكي في ترجمته: "ولد سنة أربع وأربعين وثلثمائة، وقدم بغداد شاباً، فتفقه على الشيخين: ابن المرزبان: [علي بن أحمد، أبو الحسن، البغدادي، المتوفى ٣٦٦ هـ] (٢) والداركي (٣)، [أبو القاسم، عبد العزيز بن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، والدارَكي نسبة إلى (دارَك) من أعمال أصبهان ت ٣٧٥ هـ] (٤).

стр. 132

¬الشكل الثالث: يبين أعلام طريقتي الفقه الشافعي ثم الجمع بين الطريقتين: أ- الخراسانيون القفال الصغير المروزي، أبو بكر عبد الله بن أحمد ت ٤١٧ هـ شيخ طريقة الخراسانيين ومن أشهرهم: ١ - أبو محمد الجويني ت ٤٣٨ هـ ٢ - الفوراني: أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن فوران ت ٤٦١ هـ ٣ - القاضي حسين: الحسين بن محمد بن أحمد، أبو علي المروزي ت ٤٦٢هـ ٤ - الشيخ أبو على السنجي: الحسين بن شعيب المروزي السنجي ت ٤٢٧ هـ وقيل ٤٣٠ هـ ٥ - المسعودي: أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن المسعود بن أحمد المروزي، توفي سنة نيف وعنرين وأربع مئة هـ ٦ - إمام الحرمين: عبد الملك بن عد الله بن يوصف الجويني ت ٤٧٨ هـ ب- العراقيون الشيخ أبو حامد الاسفراييني ت ٤٠٦ هـ رأس طريقة العراقيين، تبعه جماعة لا يحصون عدداً، أشهرهم: ١ - الماوردي: القاضي أبو الحسن علي بن حبيب ت ٤٥٠ هـ ٢ - القاضي أبو الطيِّب الطبري: طاهر بن عبد الله بن طاهر ت ٤٥٠ هـ ٣ - القاضي أبو علي البندنيجي: الحسن بن عبد الله ت ٤٢٥ هـ ٤ - المحاملي: أبو الحسن: أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم المحاملي، ت ٤١٥ هـ ٥ - سيم الرازي: أبو الفتح: سليم بن أيوب الرازي ت ٤٤٧ هـ ٦ - أبو إسحاق الشيرازي ت ٤٧٦ هـ ٧ - القاضي أبو علي الفارقي: الحسن بن إبراهيم ت ٥٢٨ هـ ٨ - ابن أبي عصرون: أبو سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله بن علي الموصلي ت ٥٨٥ هـ من جمع بين الطريقتين: أ- هؤلاء خراسانيون جمعوا بين الطريقتين ١ - الشيخ أبو علي السنجي (ت ٤٢٧ هـ) ٢ - أبو عبد الله الحليمي (ت ٤٠٣ هـ) ٣ - المتولي صاحب التتمة (ت ٤٤٨ هـ) ٤ - إمام الحرمين (ت ٤٧٨ هـ) ٥ - الكليا الهراسي (ت ٥٠٤) ٦ - أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥) ب- هؤلاء عراقيون جمعوا بين الطريقتين ١ - أبو إسحاق الشيرازي (ت ٤٧٦) ٢ - ابن الصباغ صاحب الشامل (ت ٤٧٧) ٣ - الروياني صاحب البحر (ت ٥٠٢) ٤ - القفال الشاشي صاحب الحلية (ت ٥٠٥)

стр. 133

¬فها هو الشيخ أبو حامد يولد في إسفراين - بكسر الهمزة والياء، كما ضبطها الفيروزآبادي، وكذلك ابن خلكان، أما ياقوت في معجم البلدان، فقد ضبطها بفتح الهمزة وياءين -وهي بلدة بخراسان من نواحي نيسابور على منتصف الطريق إلى جرجان- فهو خراساني المولد والنشأة، ولكنه عراقي التفقه، فصار من (أصحابنا العراقيين). بل إن هذا ينطبق أيضاً على شيخه الدارَكي، فمع أنه دَارَكي، أصبهاني، نيسابوري، خراساني، وتفقه على الشيخ أبي إسحاق المروزي، ودرّس في نيسابور، إلا أنه انتهى بغدادياً (من أصحابنا العراقيين) وانتهى إليه الفقه في بغداد، وعنه أخذ عامة شيوخها (١). ٢ - ومما ننبه إليه أيضاً أن الخراسانيين يسمّون أيضاً بالمراوزة، فتارة يقولون: " أصحابنا الخراسانيون "، وأخرى يقولون: " أصحابنا المراوزة "، وهما سواء على حد تعبير ابن الملقن في طبقاته، وقد علل لذلك بقوله: " لأن أكثر الخراسانيين من مرو وما والاها " (٢) فإن أراد " بما والاها " باقي مدن خراسان: نَيْسابور، وهَراة، وبَلْخ، وما حولها، فهو صحيح إن شاء الله. أما إذا أراد بذلك أن أكثر الخراسانيين من مدينة مرو بذاتها، فهذا خلاف الواقع، فإن مرو ليست كبرى مدن خراسان، فقد حَكَوْا في سبب الجفوة التي كانت بين أبي القاسم الفوراني وإمام الحرمين= أن الفوارني جاء من مرو إلى نيسابور للعزاء في الشيخ أبي محمد والد إمام الحرمين، وكان في تقديره أن المتفقهة في نيسابور سيُجلسونه مكان أبي محمد شيخاً لفقهاء نيسابور؛ فإنهاأكبر من مرو التي كان شيخاً لها، ولكنه فوجىء بأن أهل نيسابور أجلسوا إمام الحرمين مكان أبيه؛ فأظهر أنه جاء للعزاء لاغير. وعلى عادة أئمتنا في ذلك العصر، بقي في نيسابور مدة، ليدرّس، ويناظر،

стр. 134

¬وكان إمام الحرمين يغشى حلقته، ويحضر مناظراته، فلم يكن يلتفت إليه، ويحلّه بالمحل اللائق به، فمن هنا كانت هذه الجفوة التي سجلها التاريخ، ورأينا آثارها في كتابنا هذا (نهاية المطلب)، حيث لم يصرح إمام الحرمين باسمه مرة واحدة، على طول هذا الكتاب، وإنما يقول عنه حيث يضطر لذكره: " بعض المصنفين " حتى تسمية كتبه لم يصرح بها إمام الحرمين، وإنما يقول: " وفي بعض التصانيف ". ويعنينا من ذلك أن نثبت أن (مرو) لم تكن أكبر مدن خراسان، على الأقل في ذلك الوقت. فما السبب الذي من أجله ساغ إطلاق لفظ (المراوزة) على (الخراسانيين)؟ أعتقد أن السبب في ذلك هو ما وقع اتفاقاً من أن شيخ الطريقة وهو القفال كان مروزيّاً، وكان شيخه أبا زيد المروزي، وشيخ شيخه أبو إسحاق المروزي؛ فمن أجل ذلك صح وضع أحد الاسمين مكان الآخر، وأن يقال عن أي خراساني: (مروزي) وإن لم يدخل (مرو). واعتبر هذا بما لو كان شيخ الطريقة (بلخياً) أو (هروياً). ٣ - والذي ننبه إليه ثالثاً أن بإطلاق لفظ (خراسانيين) في هذا المقام لا يراد به خراسان بحدودها الجغرافية -على سعتها وامتدادها- بل المراد كل الجناح الشرقي لدار الإسلام، فيشمل كلَّ ما وراء النهر إلى حدود الهند والصين. وقد نبه إلى ذلك ابنُ الملقن، فقال وهو يُعدِّد مواطن الخراسانيين: " وجماعة من أصحابنا من بلاد المشرق كأصبهان، وجُرجان، وسمرقند، ونَسف، وهراة، ومرو، وبخارى، وشيراز، والرَّي، وطوس، وهمدان، ودامغان، وساوة، وتبريز، وبيهق، ومَيْهَنة، وإستراباذ، وغير ذلك من المدن الداخلة في أقاليم ما وراء النهر، وخراسان وأذربيجان، وماريدان، وخُوارِزْم، وغَزْنة، وكرمان، إلى بلاد الهند، وجميع ما رواء النهر إلى أطراف الصين والعراقَيْن -يقصد العراق العربي والعراق العجمي- وغير ذلك " (١) ا. هـ

стр. 135

¬ويبدو أن (نيسابور) كانت عاصمة خراسان، أو كالعاصمة لها، ولهذا عقد ابن الملقن موازنةً بينهما حين قال: " وكل نيسابوري خراساني، ولا عكس؛ فالخراسانيون أعم منهم، وليس الخراسانيون مع نيسابور كالعراقيين مع بغداد، فثم جمعٌ من خُراسان لم يدخلوا نيسابور بخلاف العراقيين، لاتساع بلاد خراسان، وكثرة المدن بها (١) ". فواضح أنه يفرق بين بغداد بالنسبة للعراقيين، ونيسابور بالنسبة للخراسانيين؛ فكل عراقي يدخل بغداد، وليس كل خراساني يدخل نيسابور؛ ويعلل ذلك باتساع بلاد خراسان، وإنما نبهنا إلى ذلك، وقلنا: إن المراد في هذا المقام ليس خراسان بحدودها الجغرافية؛ لأننا وجدنا ياقوت في معجم البلدان ينبه على أن ما وراء النهر ليس من خراسان فيقول: " ومن الناس من يُدخل أعمال خوارِزم في خراسان، ويعدّ ما وراء النهر منها، وليس الأمر كذلك " (٢) وكأني به يردّ على هذا التوسّع الذي رآه في كتب طبقات المذهب ومصطلحاته. والله أعلم. ٤ - وننبه أيضا أن لفظ أو مصطلح (العراقيين) يطلق أيضا ويراد به الأحناف، وأوضح ما يمثل ذلك الاستعمال كتاب إمامنا الشافعي بعنوان: (اختلاف العراقيَّين): يعني أبا حنيفة، وابنَ أبي ليلى، وهو ضمن كتاب الأم (الجزء السابع). وأيضاً كتاب الكوثري بعنوان: (فقه أهل العراق وحديثهم). فإذا قيل أو أطلق لفظ (العراقيون) في مقابلة الخراسانيين، فالمراد به الأصحاب من أهل العراق، وأما إذا أطلق في مقابلة مذهب الشافعي أو غيره، فالمراد به أصحاب أبي حنيفة ﵁. ٥ - ومما يلفت النظر أن المصريين لم يكن لهم طريقة خاصة بهم، مع أن المذهب مصري: اكتمل بناؤه، وبلغ أشده بمصر، فلماذا لم نجد طريقة المصريين بجوار طريقة العراقيين والخراسانيين؟

стр. 136

¬وإذا قلنا: إن العراق كانت مهوى الأفئدة، ومحط رحال العلماء، حيث بغداد عاصمة دار الإسلام، بل عاصمة الدنيا في ذيّاك الزمان، فما بال خراسان وبلاد المشرق تناصي بغداد وحدها دون مصر؟ والجواب عن ذلك سهل ميسور، يظهر لمن عنده شيء من التأمل في تاريخ أمتنا، يوضح له الحقائق الآتية: ١ - لم تكن بلاد الإسلام على النحو الذي هي عليه الآن من الحدود والسدود، والقيود، وقوانين الجنسية، بل كانت كل بلاد الإسلام داراً واحدة، ينتقل فيها المسلم كيفما شاء، ويستوطن حيثما شاء؛ فلا يصح قياس الغائب على الحاضر، ولا تتصور ما كان على ما هو كائن اليوم. ب- إن الرحلة في طلب العلم كانت ديدن علمائنا وأئمتنا، ينبغ الواحد منهم حيث نبغ، فيأخذ عن أهل بلده، وعلماء إقليمه، حتى إذا شعر أنه حاز كل ما عندهم انتقل إلى جهة أخرى، يبحث عن جديدٍ فيها، ويعرض ما عنده، ويمتحنه بالمناظرة، فيأخذ ويُعطي، ويظل هكذا يعلم ويتعلم طول حياته. وليس من الاستطراد أن أقول: إن هذا -الرحلة في طلب العلم واعتبار كل بلاد الإسلام داراً واحدة- ظل إلى عهد قريب، فقد كان الشيخ محمد الخضر حسين شيخاً للأزهر في عام ١٩٥٢ م وهو تونسي الأصل، لم يقل أحدٌ يومها: كيف يتولى مشيخة الأزهر (أجنبي)؟ ومن الطريف أن وكيل الأزهر في أيامه كان الشيخ محمد نور الحسن، وهو (سوداني). تأمل. شيخ الأزهر تونسي، ووكيله سوداني، وأين علماء مصر؟ لم يقل أحد ذلك، بل لم يخطر على بال أحد أن ينظر إلى ذلك. كان الشيخ محمد الخضر حسين تونسياً، تخرج في الزيتونة، وعمل بالقضاء، ثم التدريس في الزيتونة، ثم انتقل إلى دمشق واستقر بها، ولكنه عاد فشد الرحال إلى مصر، وتقدم للامتحان بالأزهر، فحصل على شهادة العالمية، وأنشأ بمصر جميعة أهلية (جمعية الهداية) ومجلة الهداية، وخاض معارك أدبية وعلمية ضد الشيخ علي عبد الرازق وكتابه: الإسلام وأصول الحكم. وضد طه حسين في كتابه (في الشعر الجاهلي).

стр. 137

¬وظل يصول ويجول في الساحة الفكرية والسياسية المصرية حتى توفي ١٩٥٨، ودفن بناءً على وصيته في مقبرة صديقه العلامة أحمد تيمور باشا. ونذكر في هذا الباب أيضاً العلامة الشيخ محمد رشيد رضا الذي رحل من طرابلس لبنان إلى مصر، فأنشأ بها مجلة المنار، وظل علماً من أعلام الفكر، له مدرسته الخاصة التي لها أثرها للآن. توفي سنة ١٩٣٥ م. ونذكر أيضاً الشيخ الدمشقي محب الدين الخطيب الذي أنشأ بمصر المطبعة السلفية ومكتبة ومجلة الفتح والزهراء، ورأس تحرير مجلة الأزهر. ت ١٩٦٩ م. فهؤلاء مُثل لما كان عليه الحال في هذا التاريخ القريب. فتأمل كيف صارت أمورنا الآن! ومن يتأمل كتب التراجم والطبقات يجد في هذا الباب (الرحلة في طلب العلم) عجباً، مما يجعله جديراً بأن يكون موضوعاً لبحثٍ أو أطروحةٍ علمية، على أني أريده بحثاً إحصائياً أولاً، بمعنى تتبع الذين ارتحلوا في طلب العلم، وحصر أعدادهم، ومدة ارتحالهم، وعدد المواطن التي ارتحلوا إليها، وأكثر المَواطن اجتذاباً للعلماء في كل عصر، وعدد الذين عادوا إلى موطنهم الأصلي، وعدد الذين استجدّوا لهم موطناً ... إلخ. ثم يأتي بعد ذلك أثر الرحلة في علومهم، ومن تأثر، ومن أثر ... إلخ. جـ- إذا تأملت البندين السابقين سهل عليك أن تعلم أن تلامذة الشافعي الذين كانوا يجلسون إليه ويتلقَّون عنه لم يكونوا جميعاً مصريين، وأن من سمعه وأخذ عنه من المصريين لم يبقوا جميعاً في مصر، وهذا نقوله عن مجرد ملاحظة ويحتاج الأمر إلى إحصاء وتتبع، لسنا له الآن. ولكن المقطوع به أن الذين حملوا المذهب عن تلاميذ الشافعي غير المصريين كانوا أضعاف أضعاف المصريين، ويكفي دليلاً على ذلك ما رواه النووي في تهذيب الأسماء واللغات عن محمد بن أحمد بن سفيان الطرائقي البغدادي أنه كان يقول: "سمعت

стр. 138

¬الربيع بن سليمان يوماً، وقد حط على باب داره تسعمائة راحلة في سماع كتب الشافعي ﵁" (١). وربما يغني عن كل ذلك أن نقول: إن الفاطميين دخلوا مصر في سنة ٣٥٨ هـ واستقروا بها، وقضوا على المذهب الشافعي بها. فإذا عرفنا أنّ ظهور الطريقتين كان في أواخر القرن الرابع وأوئل القرن الخامس، وأن أبا إسحاق المروزي الذي أخذ عنه شيوخ رأسي الطريقتين توفي سنة ٣٤٠ هـ إذا عرفنا ذلك أدركنا لماذا لم تتميز مصر بطريقة خاصة بها مثل خراسان والعراق، فقد انتهى وجود المذهب في مصر قبل نشوء الطريقتين. عودٌ إلى مسألة الطريقتين أول ما نلاحظه أنه مع كثرة ترداد المصطلح في كتب الأئمة، فتراهم يقولون: في طريقة العراقيين كذا، وفي طريقة الخراسانيين كذا، مع كثرة هذا الترداد لم نجد عناية تذكر بهذه القضية ممن ألف في طبقات المذهب ومصطلحاته؛ فلم نجد كتابة شافيه، ولا كافية في هذا الشأن. فكل ما وجدناه عن الطريقتين عند الإمام النووي في الفصل الذي عقده في مقدمة المجموع لبيان القولين والوجهين والطريقين، كل ما وجدناه هو قوله: " وأما الطرق، فهي اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب، فيقول بعضهم مثلاً: في المسألة قولان أو وجهان، ويقول الآخر: لا يجوز، قولاً واحداً، أو وجهاً واحداً أو يقول أحدهما: في المسألة تفصيل، ويقول الآخر: فيها خلاف مطلق. وقد يستعملون الوجهين، في موضع الطريقين وعكسه " (٢). ومن بين مؤلفي كتب الطبقات وجدنا ابن الملقن وحده الذي يعقد فصلاً افتتحه بقوله: " وقد انقضى الكلام بحمد الله ومنِّه على الطبقة الأولى بأقسامها مستقصىً،

стр. 139

¬ونختم الكلام فيها بقاعدة مهمة، وهي بيان انقسام أصحابنا إلى عراقيين وخراسانيين" (١). ولكنه تحت هذا العنوان لم يزد على بيان من هم العراقيون، ومن هم الخراسانيون، وشغل الفصل كلَّه ببيان مدن خراسان، ومن أَرَّخ لكل مدينةٍ منها، بعد أن قال في مفتتح الفصل: " فاعلم أن أصحابنا تفرّقوا، فالعراقيون أهل بغداد، وما والاها، وقد صنف الخطيب (تاريخ بغداد) وذيّل عليه ابنُ النجار، وابنُ السمعاني " (٢). ثم أكمل -كما أشرنا- بذكر مدن خراسان ومَنْ أرّخ لها. ولم يُشر إلى معنى الطريقة، ولا متى نشأت، وكيف نميز بين رجال هذه وتلك، بل يُفهم من صنيعه أنه لا يقصد إلى شيء من ذلك، فإنه يدعونا إلى التعرف على الأصحاب العراقيين من خلال تاريخ بغداد وذيوله، والتعرف على الخراسانيين من تاريخ نيسابور للحاكم، وتاريخ أصبهان لأبي نُعيم، وتاريخ مرو لابن السمعاني ... إلخ. ومعلوم أن كل كتاب من هذه الكتب يترجم لكل من دخل المدينة التي يؤرخها ممن لهم شأن: قادة كانوا، أو أمراء، أو شعراء، أو نحاة، أو لغويين، أو فقهاء، فلا علاقة لها بما نحن فيه من معنى الطريقة ورجالها. وفيما عدا ذلك لم نجد إلا شذرات وإشارات تتكرر في كل كتب الطبقات تقريباً، وربما بنفس الألفاظ. فعند الترجمة للقفال المروزي المتوفى ٤١٧ هـ يقولون: رأس طريقة أصحابنا الخراسانيين. وعند ترجمة الشيخ أبي حامد الإسفراييني المتوفى ٤٠٦ هـ يقولون: رأس طريقة العراقيين.

стр. 140

¬وعند ترجمة الشيخ أبي على السنجي المتوفى ٤٣٠ هـ يقولون: أول من جمع بين الطريقين. وعند ترجمة الشيخ أبي إسحاق المروزي المتوفى ٣٤٠ هـ يقولون: وعنده تلتقي الطريقتان. هذا كل ما وجدناه عن الطريقتين. أما معنى الطريقة ومفهومها، فلم نجد عندهم شيئا، وأما عوامل تباين الطريقتين وسبب نشأتهما، فلم نجد شيئاً، كما لم نجد شيئاً ذا بال عن الأصحاب في كل طريقة، وعما امتازت به كتب ومؤلفات كل طريقة. هذا ما وجدناه عند المتقدمين وفي كتبهم. أما المتأخرون، فقد وجدنا خاتمة المحققين منهم العلامة، أحمد بك الحسيني المتوفى ١٣٣٢ هـ-١٩١٤ م يقول في مقدمات كتابه (دفع الخيالات) -بعد أن لخص كلامَ النووي في معنى القولين والوجهين والطريقين- يقول: " وكل ذلك قد بسطته بسطاً وافياً، وبينته بياناً شافياً في مقدمة كتابنا: شرح الأم المسمى (مرشد الأنام لِبّر أُم الإمام) يعز على أهل عصرنا، بل ومن قبلهم بمئين من السنين أن يقفوا عليه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " (١). فكان هذا القول، بهذا الأسلوب، وبهذه المباهاة دافعاً للبحث عن مقدمته تلك، فهي ما زالت مخطوطة، فوجدنا فيها ما نصه: "تتميم في بيان المراد من قولهم: (طريقة العراقيين وطريقة الخراسانيين) اعلم أن مدار كتب أصحابنا العراقيين أو جماهيرهم مع جماعة من الخراسانيين على تعليق الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وهو في نحو خمسين مجلداً، جمع فيه من النفائس ما لم يشاركه في مجموعه غيره، من كثرة المسائل والفروع وذكر مسائل العلماء وبسط أدلتها والجواب عنها وعنه انتشر فقه أصحابنا العراقيين، وهو شيخ طريقة العراق. وممن تفقه عليه من أئمة الأصحاب أبو الحسن الماوردي، صاحب الحاوي الكبير، والقاضي أبو الطيب الطبري، صاحب التعليقة المشهورة، وسُليم

стр. 141

¬الرازي، صاحب المجرد، وأبو الحسن المحاملي، صاحب المجموع، وأبو علي البندنيجي صاحب الذخيرة، وغير هؤلاء ممن لا يُحصى كثرة. فإذا أطلقوا في الكتب لفظ قال أصحابنا العراقيون كذا، وطريقة أصحابنا العراقيين كذا، فمرادهم الشيخ أبو حامد الإسفراييني وأتباعه هؤلاء المذكورن. كما أنهم إذا أطلقوا لفظ قال أصحابنا الخراسانيون كذا وطريقة أصحابنا الخراسانيين كذا فمرادهم القفال المروزي، شيخ طريقة خراسان وأتباعه، وهم أبو بكر الصيدلاني، وأبو القاسم الفوراني، والقاضي حسين المرورّوزي، والشيخ أبو محمد الجويني، وأبو علي السنجي، قيل والمسعودي، فتارة يقولون: قال الخراسانيون، وتارة يقولون: قال المراوزة، وهما عبارتان عن معبَّر واحد. فالخراسانيون، وإن كانوا أعم من المراوزة؛ لأن مدن خراسان العظيمة أربعة: مرو، ونيسابور، وبلخ، وهراة، لكنهم يعبرون تارة عن طريقة الخراسانيين بقولهم: قال المراوزة، لأن شيخ طريقة الخراسانيين ومعظم أتباعه مراوزة، فالقفال المروزي أخذ عن أبي زيد المروزي، عن أبي إسحاق المروزي، والشيخ أبو حامد الإسفراييني أخذ عن أبي القاسم الداركي، عن أبي إسحاق المروزي، فأبو إسحاق المروزي إليه منتهى الطريقين. وأما إذا قالوا: في كتب الخراسانيين كذا، فإن هذا الإطلاق يشمل كتب أصحاب الطريقة المذكورين وسائر كتب أئمة خراسان، كما أنهم إذا قالوا: في كتب العراقيين كذا، فإنه يشمل كتب أصحاب الطريقة المذكورين وسائر كتب أئمة العراقيين، فمن كتب الخراسانيين: النهاية لإمام الحرمين، والوسيط للغزالي، وتعليق القاضي حسين، والإبانة للفوراني، والتتمة للمتولي، والتهذيب للبغوي، والعدة لأبي المكارم الروياني، وبحر المذهب لأبي المحاسن الروياني وغيرها. ومن كتب العراقيين: المجموع واللباب والمقنع للمحاملي، والذخيرة لأبي علي البندنيجي، والمجرد لسُليم، وتعليق القاضي أبي الطيب الطبري، والحاوي الكبير للماوردي، والمعتمد لأبي نصر البندنيجي، والمهذب والتنبيه للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، والشامل لابن الصباغ، والتهذيب لنصر المقدسي، والحلية لفخر الإسلام

стр. 142

¬الشاشي، والعدة للحسين بن علي الطبري، والذخائر لمجلي، وغيرها. وأما إذا أطلقوا في الكتب لفظ الأصحاب فهذا الإطلاق يعم أصحاب الطريقين ومن عاصرهم ومن كان قبلهم من الأئمة العظام ومن كان بعدهم. ثم بعد أصحاب الطريقين جماعة من الأصحاب ينقلون الطريقين كأبي عبد الله الحَليمي، والروياني صاحب البحر، ومجلي صاحب الذخائر، وإمام الحرمين، والمتولي صاحب التتمة، والغزالي، وغيرهم. وأما أصحاب الوجوه، فهم أخص من لفظ الأصحاب لأن كل من كان من أصحاب الوجوه يدخل تحت لفظ الأصحاب ولا عكس، وأصحاب الوجوه معروفون ويدخل فيهم أصحاب الطريقين" ا. هـ (١) هذا ما كتبه الشيخ في المقدمة عن الطريقتين، فإن أراد بقوله: " بسطته، وبينته بسطاً يعز على أهل عصرنا، ومن قبلهم بمئين السنين أن يقفوا عليه " أنه جمع مفرّقه، ولمّ شعثه، ورتب مشوشه، فقد فعل، وجزاه الله خيراً، وهذا أحد الأغراض السبعة التي يصح فيها التأليف. وأما إذا أراد أنه زاد القضيةَ إيضاحاً أو تفسيراً، أو تعليلاً، أو استنبط مما قاله السابقون شيئاً، فلم يكن شيء من ذلك، وما أظنه يقصده. وقد عاصر الشيخَ اثنان من علماء المذهب الذين عُنوا بالكتابة عن تطوره ومصطلحاته، وهما السيد علوي بن أحمد السقاف، المتوفى ١٣٣٥ هـ-١٩١٦ م، وابنُ سُميط العلوي، أحمد بن أبي بكر، المتوفى ١٣٤٣ هـ-١٩٢٤ م. الأول له كتاب: (الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية من المسائل والضوابط والقواعد الكلية) وكما هو واضح من عنوانه فإنه يتناول فيما يتناول المصطلحات التي تدور ويتداولها طلاب المذهب الشافعي، وقد أفاد فعلاً في ذكر قواعد وضوابط، ومقدمات ومبادىء لا يستغني عنها طالب العلم، وعقد فصلاً خاصاً بمصطلحات الشافعية أجاد فيه وأفاد

стр. 143

¬إلا أنه مرّ مرور الكرام على مصطلح الطريقتين، فلم يتكلم فيه بِجملةٍ واحدة. وأما ابن سُمَيْط، فله رسالة لطيفة بعنوان: (الابتهاج في بيان اصطلاحات المنهاج) تحدث في هذه الرسالة عن نشاة المذهب وتطوره، وأهم أعلامه، والمؤلفات المشهورة والمعتمدة حتى عصره، كل ذلك في إيجاني بليغ، لم يزد عن بضع ورقات. ومع ذلك عرض لمصطلح الطريقتين والجمع بينهما كحلقة من حلقات تطوّر المذهب، فتكلم عن نشأتهما، وشيخيهما، ورجالهما، وكتبهما بنحو ما تكلم به الشيخ أحمد بك الحسيني، وربما بالألفاظ نفسها تقريباً، فكلاهما نقل كلام النووي في (تهذيب الأسماء واللغات)، وما جاء في كتب الطبقات. أما البحوث المعاصرة بما فيها الأطروحات الجامعية (١)، فلم نجد فيها من التفت إلى هذه المسألة إلا ذلك البحث الرائد (٢) للعلامة الشيخ محمد إبراهيم أحمد علي من علماء أم القرى، زادها الله تعظيماً وتشريفاً، وقد عزا ما قاله إلى الشيخ أحمد بك الحسيني في مقدمة دفع الخيالات ص ٥؛ ولذا جاء كلامه موجزاً عما نقلناه لك آنفاً من مقدمة (مرشد الأنام). وأما شيخنا وشيخُ شيخنا الإمام محمد أبو زهرة، فقد عقد فصلاً، في كتابه الذي كتبه (الإمام الشافعي) (٣)، بعنوان (المجتهدون في المذهب الشافعي) تحدث فيه عن طبقات المجتهدين في المذهب وأصحاب الوجوه، ولكنه لم يلتفت إلى مصطلح

стр. 144

¬الطريقتين، مع أنه اعتمد فيما قاله على ما ذكره النووي في مقدمة المجموع، وفيه تعريف وبيان لمعنى الطريقة، ولكن شيخنا صرف النظر عن المسألة بالكلية، وسنحاول تفسير ذلك فيما يأتي. ... من ثمار البحث وبعد هذا البحث والتنقير ومحاولة الاستقصاء لم نجد جديداً نزيده على ما نقلناه لك حول مصطلح (الطريقتين). ولكن ذلك لم يخل من ثمار تستحق أن نسجلها فيما يأتي: ١ - تصحيحُ وهم وقع من شيخنا الإمام محمد أبو زهرة، حين ظن أن (الأستاذ أبا إسحاق) الذي نقل عنه النووي قوله: " إن أصحاب مالك، وأحمد، وأبو داود، وأكثر الحنفية صاروا إلى مذهب أئمتهم ﵏ تقليداً لهم، ثم قال: والصحيح الذي ذهب إليه المحققون ما ذهب إليه أصحابنا، وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعي، لا تقليداً له، بل إنهم لما وجدوا طرقه في الاجتهاد والقياس أسدَّ الطرق، ولم يكن لهم يد من الاجتهاد، سلكوا طريقه، فطلبوا معرفة الأحكام بطريق الشافعي". سبق إلى ظنه أن الأستاذ أبا إسحاق هو الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، فترجم له في حاشية كتابه (١)، بناء على هذا الظن. ولكن صاحب هذا القول هو الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران المتوفى ٤١٨ هـ. والذي جعلنا نتوقف في صنيع شيخنا هو أننا لم نجد أحداً ممن ترجم للشيخ أبي إسحاق الشيرازي لقبه (بالأستاذ)، فدائماً يلقبونه (بالشيخ)، على حين أن أبا إسحاق الإسفراييني لا يذكر إلا بهذا اللقب (الأستاذ)، والذي يتأمل هذه الكتب، كتب التراجم والطبقات، يجد أن هذه الألقاب لم تكن تلقى جزافاً، بل يجد أنها تُلتزم دائماً حتى تصير أعلاماً أو كالأعلام على أصحابها.

стр. 145

¬ولكن هذا لم يكن كافياً بالجزم بأن المقصود أبو إسحاق الإسفراييني، فأعدنا قراءة كلام النووي في مصدره الذي أخذ منه شيخنا، وهو (مقدمة المجموع)، فوجدناه ينقل هذا الكلام عن (أبي عمرو) أي (ابن الصلاح) ولما كان الكلام في الفتوى وطبقات المفتين، رجعنا لكتاب (أدب الفتوى) لابن الصلاح، فوجدناه يصرح بالاسم كاملاً، فيقول: " وقد بلغنا عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني ... إلخ (١) " فانكشف الأمر، واستيقن الظن، وأغنانا عن البحث في مظان أخرى. وهذا مجرد نموذج لمعاناة المحقق وواجبه. ٢ - كما ننبه أيضاً لعبارة موهمة وردت في البحث الأصيل لأخينا النبيل الشيخ محمد إبراهيم علي (المذهب عند الشافعية)، فقد جاء عند الحديث عن الطريقتين قوله: " وبقيت طريقة العراقيين وحيدة في الميدان الفقهي الشافعي، فقولها هو المعتمد، حتى نبغ القفال الصغير المروزي، واشتهر بالتدوين في الفقه، وتبعه جماعة لا يُحْصَون عدداً ... ". فهذه العبارة توحي، بل تُصّرح أن طريقة العراقيين تقدّمت في النشأة عن طريقة الخراسانيين وظلت زماناً لا يعرف الفقهُ الشافعي غيرَها، حتى ظهرت طريقة الخراسانيين متأخرة عنها بزمانٍ طويل. هذا ما تقول به العبارة. والواقع أن تمايز الطريقتين في رواية المذهب نشأ في وقتٍ واحد، وما قبلهما لم يكن يوصف بأنه عراقي ولا خراساني. والذي يشهد بأنه نشوء الطريقتين كان متزامناً وفي وقت واحد، بصورة لا تقبل الشك هو النظر إلى ترجمة شَيْخي الطريقتين، الشيخ أبي حامد الإسفراييني، والقفال المروزي، فهما من طبقة زمنية واحدة، بل إن ميلاد القفال شيخ طريقة المراوزة قبل ميلاد أبي حامد شيخ طريقة العراقيين، فقد ولد القفال سنة ٣٢٧ هـ على حين ولد أبو حامد سنة ٣٤٤ هـ، وإذا قيل لنا: إن القفال تأخر اشتغاله بالفقه إلى سن الثلاثين، فالجواب أننا لو قدرنا تأخر ميلاده سبعة عشر سنة مثلاً (وهي فترة الطفولة والصبا)
следующие страницы →